← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

إبريسم كساه إياه هارون الرشيد، إذ لم يكن ليلبس ما يعتقد أنه يأثم بلباسه. والرابع: الفرق بين ثياب الخز وسائر الثياب المشوبة بالقطن والكتان، فيجوز لباس ثياب الخز اتباعا للسلف، ولا يجوز لباس ما سواها من القطن والكتان، بالقياس عليها؛ لأن الخز إنما استجيز اتباعا للسلف؛ لأن لباسه رخصة، والرخص لا يقاس عليها، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وهو أضعف الأقوال، إذ لا فرق في القياس بين الخز وبين غيره من المحررات التي قيامها حرير ة وطعمها قطن أو كتان؛ لأن المعنى الذي من أجله استجاز لباس الخز من لبسه من السلف أنه ليس بحرير محض، موجود في المحررات وشبهها، فلهذا المعنى استجازوا لبسه لا من أجل أنه خز، إذ لم يأت أثر للترخيص لهم في لباس الخز، فيختلف في قياس غيره عليه. وبالله التوفيق. [يعاب العالم بما لا يؤثر في عدالته] خبر: قد يعاب العالم بما لا يؤثر في عدالته قال مالك: بلغني أن رجلا دخل على رجل له قدر، وهو يأكل، فلم يعرض عليه أن يأكل معه، فعاب عليه ذاك ذلك الرجل، فقال: إن في مستمعها أمورا كثيرة وقد يكون في العالم الأمر يعاب به. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن هذا مما يعاب به الرجل؛ لأنه من مذموم الأخلاق، وليس من مكارمها ومحاسنها، وإن النقص الذي يعاب به الرجل لا يخلو من أكثر البشر. فقد قال رسول الله ﷺ : «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاثة: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد» .

стр. 7877

وروي عنه ﷺ أنه قال: «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد» وليس لهذا العيب تأثير في العدالة؛ لأنه إنما يؤثر فيها العيوب في الأديان، لا في الأخلاق ولا في الأبدان. [خبر في فضل أبي أيوب الأنصاري وعمر بن عبد العزيز] وقال مالك: بلغني أن الروم يستصبحون على قبر أبي أيوب الأنصاري. قال مالك: وبلغني أن صالح بن علي مر بموضع قبر عمر بن عبد العزيز، فقيل له: إن هاهنا راهبا قديما فأرسل إليه لعله يعرف موضعه، فقال: عمن تسألني؟ عن قبر الصديق؟ قال محمد بن رشد: أبو أيوب الأنصاري هذا، من كبار أصحاب رسول الله ﷺ ، شهد العقبة وبدرا وسائر المشاهد، عليه نزل رسول الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجرا من مكة، حتى بنى مسجده ومساكنه، فانتقل إليها، وكان ﵁، مع علي بن أبي طالب في الحروب كلها، ومات بالقسطنطينية في خلافة معاوية، خرج إليها غازيا تحت راية يزيد فمرض بها، فلما ثقل عاده يزيد، فأوصاهم إذا مات أن يكفنوه ثم يأمر الخيل بالركوب، فيحملوه إلى حيث يقدرون على الوصول إليه فيدفنونه تحت أقدامهم عند مصاقبتهم

стр. 7878

العدو، ففعلوا، فقبره عند سورها معلوم معظم محفوظ يستصبحون عليه على ما قاله في الرواية، ويستسقون به إذا أمحلوا فيسقون. ويروى أن يزيد أمر الخيل أن تقبل وتدبر على قبره ليعفى أثره، فقال لهم الروم صبيحة دفنهم إياه: لقد كان لكم شأن، فقالوا: نعم صاحب لنا من كبار أصحاب رسول الله ﷺ توفي ودفناه حيث رأيتم فوالله لئن نبشتموه، لا يضرب لكم ناقوس بأرض العرب ما دامت لنا مملكة، فما أقدموا على ذلك بل تنافسوا في حفظه، وتبركوا بقبره، وذلك كرامة عظيمة من الله . وقول الراهب في عمر بن عبد العزيز عمن تسألني عن قبر الصديق؟ هو من هذا المعنى؛ لأن الله إذا أحب عبدا أحبه أهل السماء، ووضع له القبول في الأرض، وانطلقت الألسنة بالثناء عليه. وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه فانظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء» . وبالله التوفيق. [خبر في صفة الريح التي عذب بها عاد] قوم هود قال مالك: وسئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها هريمة: أي عذاب الله أشد؟ قالت: كل عذابه شديد، وسلامة الله ورحمته ليلة لا ريح فيها، ولقد رأيت العير يحملها الريح فيما بين السماء والأرض، ويقال: ما فتح عليهم إلا مثل حلقة الخاتم،

стр. 7879

ولو فتح عليهم مثل منخر الثور لأكفت الأرض. قال الإمام القاضي: يشهد بصحة هذه الحكاية قول الله : ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ [الذاريات: ٤٢]-يريد: ما مرت به- ﴿إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] أي: كالشجر اليابس الهشيم، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] يريد: مما مرت به، إذ لم تدمر هودا، ولا من كان آمن به، وذلك أن هودا لما خوف قومه بعذاب الله إن لم يؤمنوا به، سخروا به، ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ، أي: لا يعلم متى يأتي العذاب إلا الله ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فرحوا به لأنهم كانوا في محل وظنوا أنهم يمطرون به، وقالوا: كذب هود كذب هود، فلما خرج نبي الله هود، فشامه، قال لهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] فجاءتهم ريح جعلت تلقي الفسطاط، وتجيء بالرجل الغائب، وتذهب بالظعينة حتى ترى كأنها جرادة، تدمر كل شيء مما مرت به، ترمي بعضه على بعض وتهلك. ومما قاله في الحكاية من قوله: ويقال ما فتح عليهم إلا مثل الخاتم، ولو فتح عليهم مثل منخر الثور لأكفت الأرض، هو مروي عن ابن عباس. ومثله لا يكون رأيا. قال: ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا. ونزع خاتمه، يريد والله أعلم: فتح الله عليهم من خزائن ريح

стр. 7880

العذاب بابا إلا بقدر حلقة الخاتم. وبالله التوفيق. [الإشفاق من استفتاء من ليس من أهل الفتوى] في الإشفاق من استفتاء من ليس من أهل الفتوى قال مالك: إن ربيعة بكى، فقيل له: ما الذي يبكيك؟ أقضية نزلت بك؟ قال: لا ولكنه أبكاني أنه اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ. قال: وسمعت مالكا يقول: كان سليمان بن يسار أفقه رجل كان ببلدنا بعد سعيد بن المسيب، والكثير ما كانا يتفقان في القول، فكان إذا ارتفع الصوت في مجلسه، أو كان مرا أخذ نعليه ثم قام. قال محمد بن رشد: إنما بكى ربيعة من استفتى من لا علم له؛ لأن ذلك مصيبة في الدين، وهي أعظم من المصيبة في المال. قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من قلوب الناس، ولكنه يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» ، فلا يصح أن يستفتى إلا من كان من العلماء الذين كملت لهم آلات الاجتهاد، بأن يكون عارفا بالكتاب، والذي يجب عليه أن يعلم منه ما تعلق بذكر الأحكام من الحلال والحرام، فيعرف مفصله ومجمله، ومحكمه وناسخه ومنسوخه، دون ما فيه من القصص والأمثال، والمواعظ والأخبار، ويحفظ السنن المروية عن النبي في ذلك من بيان الأحكام وناسخها ومنسوخها ويعرف معاني الخطاب وموارد الكلام ومصادره، من الحقيقة والمجاز، والخاص والمفصل والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، ويعرف من اللسان ما

стр. 7881

يفهم به معاني الكلام ويعرف أقاويل العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وما اتفقوا عليه مما اختلفوا فيه، ويعرف وجه النطق والاجتهاد والقياس، ووضع الأدلة في مواضعها والترجيح والتعليل. وما تضمنته هذه الحكاية من أن سعيد بن المسيب كان أفقه من سليمان بن يسار هو المشهور الذي ذهب إليه مالك ومن أخذ بناحيته. وأما ربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومن أخذ بناحيتهما وأهل الكوفة، فيقولون: سليمان بن يسار أفقههما، وقد قيل: إن الفقه كان له، والذكر لسعيد، فهما جميعا فرسا رهان في الفقه والدين والورع. وما حكاه عن سليمان بن يسار: من أنه كان إذا ارتفع الصوت في مجلسه أو كان مرا أخذ نعليه ثم قام - من أدل الدلائل على ورعه وخيره وفضله؛ لأن رفع الصوت في مسجد رسول الله ﷺ مكروه حتى في العلم، فقد كان رسول أمير المدينة يقف بابن الماجشون في مجلسه إذا استعلى كلامه وكلام أهل مجلسه، فيقول له: يا أبا مروان، اخفض من صوتك، وأمر جلساءك يخفضوا من أصواتهم. روي أن رسول الله ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وشراءكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم، وجمروها أيام جمعكم، واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم» . وبنى عمر بن الخطاب رحبة بناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من أراد أن يلغط وينشد شعرا ويرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة. والمراء في العلم منهي عنه. فقد جاء: أنه لا تؤمن فتنته، ولا تفهم حكمته. وبالله التوفيق. [رسول الله ﷺ لم يحل ولا حرم إلا ما في كتاب الله] في أن رسول الله ﷺ لم يحل ولا حرم إلا ما في كتاب الله قال مالك: بلغني أن رسول الله ﷺ قال

стр. 7882

في اليوم الذي توفي فيه، ووقف على بابه، فقال: «إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، اعملا لما عند الله، فإني لا أغنيكما من الله شيئا» . قال الإمام القاضي: هذا حديث يدل على صحته قول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فالمعنى في ذلك أن الله نص على بعض الأحكام، وأجمل القرآن في بعضها، وأحال على الأدلة في سائرها بقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فبين النبي ﵇ ما أجمله الله في كتابه كما أمره به حيث يقول: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فما أحل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أو حرم ولم يوجد في القرآن نصا فهو مما يبين من مجمل القرآن أو علمه بما نصب من الأدلة فيه. فهذا معنى قوله والله أعلم: «لا أحل إلا ما أحل الله في

стр. 7883

كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه» ، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. [تفسير قول النبي ﵇ أمرت بقرية تأكل القرى] في تفسير قول النبي ﵇: «أمرت بقرية تأكل القرى» " وسئل مالك: عن تفسير حديث رسول الله ﷺ : «أمرت بقرية تأكل القرى» قال: يثرب تفتح في رأيي، قال: وأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] قال: يلون المدينة. قال محمد بن رشد: تفسير مالك لهذا الحديث بين صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن معناه أمرت بالهجرة من مكة إلى قرية تفتح منها القرى، وهي التي يسميهما الناس يثرب، فكان كما قال ﷺ فتحت عليه وعلى أصحابه بعده منها سائر القرى وهي المدن والأمصار. وتمام الحديث في الموطأ وهو قوله: «يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما تنفي الكير خبث الحديد» فمعنى قوله "يقولون يثرب " أي: يسميها الناس يثرب وهي المدينة، فسماها رسول الله ﷺ المدينة، وقوله «تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» ليس على عمومه، ومعناه: في حياة النبي ﷺ ؛ لأنه لا يخرج من المدينة في حياة النبي ﵇، ويرغب عن المقام معه إلا مريض

стр. 7884

الإيمان، وأما بعد وفاته، فقد خرج منها إلى العراق والشام جماعة من جلة أصحاب رسول الله ﷺ يعلمون الناس القرآن والإسلام؛ لأنهم رأوا ذلك أفضل من المقام بالمدينة بعد النبي ﵇، وإن كان الصلاة في مسجده خيرا من الصلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام لعظم الأجر على تعليم الناس الإسلام والقرآن، والله أعلم. [مواساة الأنصار للمهاجرين] في مواساة الأنصار للمهاجرين قال: وسمعت مالكا: «لما قدم المهاجرون على الأنصار، قال لهم رسول الله ﷺ : واسوهم، قالوا: يا رسول الله، نقاسمهم الثمر، قال: أَوَغَيْرَ ذلك، قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: يكفونكم المئونة وتقاسمونهم الثمر، قالوا: سمعنا وأطعنا» . قال: إن كان أحدهم لتكون له امرأتان فيخير أخاه في أيتهما شاء. وما قدم رسول الله ﷺ المدينة إلا وما دار من دور الأنصار إلا وفيها الأنصار. قال محمد بن رشد: في هذا فضل الأنصار في مواساتهم المهاجرين القادمين عليهم، وكفى بالثناء على ذلك قوله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فيما أشار عليهم رسول الله ﷺ من أن يكفوهم المؤونة، ويقاسموهم الثمر

стр. 7885

جواز المساقاة على ما ذهب إليه مالك وجميع أصحابه والشافعي، فهو حجة له في إجازتها وتبطل عند أبي حنيفة فيما ذهب إليه من أنها لا تجوز قوله: إنه ﷺ إنما ساق يهود خيبر من أجل أنهم كانوا عبيدا للمسلمين، وبالله التوفيق. [ما يفضل به العراق على الشام] في ما يفضل به العراق على الشام قال: وسمعت مالكا يقول: أقدم معاوية بن أبي سفيان رجلا من أهل الدين والفضل الشام، فقال: سئل بعد ذلك: كيف وجدت الشام؟ فقال: ما رأيت إلا خيرا، إلا أن ظمأ الهواجر الذي كان يصيبني بالعراق لم أجده، وإني كنت أسمع المؤذنين يتجاوبون عند الصلاة، وإني أسمع هاهنا النواقيس، وإني كنت أجالس أقواما يتخيرون طيب الكلام، كما يتخير أطايب الثمر. قال سحنون: هو عامر بن عبد قيس. قال محمد بن رشد: فضل العراق على الشام بثلاثة: أحدها: ظمأ الهواجر فيها، وهو شدة ما يصيب الصائم في صيامه فيه من أجل حره؛ لأن العراق بلاد حرارة، والشام بلاد باردة، والأجور في الأعمال على قدر ما يلحق العامل من المشقة فيها، فكأن الصيام في العراق أفضل من الصيام بالشام، ألا ترى أن أجر المتوضئ في الوضوء، في زمان البرد والشتاء أكثر من أجره في زمان الحر والصيف، وذلك بين من قوله في الحديث: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد» ... الحديث، والثاني: كثرة أهل الخير

стр. 7886

فيه، والثالث: عدم سماع النواقيس فيه، إذ لا أهل ذمة فيه، وإن كان فيسير، بخلاف الشام، والله أعلم. [فضل سعد بن معاذ] فيما يروى من فضل سعد بن معاذ قال مالك: مر سعد بن معاذ بعائشة وهي في أطم من الآطام، عليه درع مقلصة مشمرة الكمين، فقالت عائشة: ما أخاف على الرجل إلا من أطرافه، وما رأيت رجلا أجمل منه حاشى رسول الله ﷺ ، فأصيب أكحله، فقال: اللهم إن كانت حرب بني قريظة لم يبق منها شيء فاقبضني إليك، وإن كانت بقيت فأبقني حتى أجاهد مع رسول الله ﷺ أعداءه، فلما حكم في بني قريظة، توفي وفرح الناس، وقالوا: نرجو أن تكون قد استجيبت دعوة سعد. قال محمد بن رشد: سعد بن معاذ من فضلاء الصحابة من الأنصار، رُوِيَ عن عائشة أنها قالت: كان في عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن بعد النبي ﵇ أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير، وعباد بن بشر، وهو الذي جاء فيه أنه اهتز العرش لموته. وفضائله أكثر من أن تحصى والآطام الحصون فمروره بعائشة وهي في حصن من الحصون كان في بعض غزواتها مع النبي ﷺ ؛ لأنه ﵇ كان يقرع بين نسائه عند غزوه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. ولما رأته في درع مقلصة مشمرة الكمين أعجبها ذلك منه لما فيه مما يبعد

стр. 7887

الكبر عنه. قال رسول الله ﷺ : «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» . وَرُوِيَ عن ابن عباس أنه كان لرسول الله ﷺ قميص قطني قصير الطول، قصير الكمين. وروي عن أنس قال: قميص رسول الله ﷺ إلى رسغه. وكان سعد بن معاذ أصيب أكحله يوم الخندق بسهم رمي به، فضرب له رسول الله ﷺ خيمة في المسجد، ونقله إليها ليعوده من قريب، فكان يعوده كل يوم إلى أن نزفه الدم فمات من جرحه بعد الخندق بشهر وبعد قريظة بليالٍ، وكان قد دعا الله قبل موته بما جاء في الرواية. وروي أنه قال في دعائه: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعل لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فلما نزل بنو قريظة على حكم النبي ﵇ حَكَّمَهُ فيهم فحكم أن تقتل رجالهم ويسبى نساؤهم وذَرَارِيهِمْ، فقال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أنفعة» ، وكانوا أربعمائة، فأمر بهم رسول الله صلى

стр. 7888

الله عليه وسلم فَأُخرجوا وخندق لهم خناديق، وضربت رقابهم فيها، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه، فمات، فعلم أنه استجيبت دعوته. وبالله التوفيق. [الالتحاء بالعمامة] في ترك الالتحاء بالعمامة وسئل مالك: عن العمامة يعتم بها الرجل في بيته عند غسله أو مرضه، ويصلي بها في بيته، لا يجعلها تحت حلقه، قال: لا بأس بذلك، يردده على أنه لا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: قوله لا بأس بذلك، أي: لا كراهية في ذلك وأما في المساجد والجماعات، فيكره ترك الالتحاء بها، ويقال: إن ذلك من بقايا عمل قوم لوط، ولما كان التعمم من غير التحاء خلاف شكل العربي المستحسن، كره تركه في المساجد، اتباعا لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ، والمصلي يناجي ربه، ويقف بين يدي خالقه، وهو أحق من تزين له. وقد رأى عبد الله بن عمر مولاه يصلي بغير رداء، فقال له: أرأيت لو كنت مرسلك إلى السوق، أهكذا كنت تمضي؟ قال: لا، قال: فالله أحق من تجمل له. [لباس القلانس] في لباس القلانس وسئل مالك: عن القلانس، هل كانت قديمة ومن أول من أحدثها؟ قال: كانت في زمان النبي ﵇، وقبل ذلك فيما روي، وكانت لخالد بن الوليد قلنسوة، قاتل بها يوم اليرموك وكان اليوم شديدا، فوقعت

стр. 7889

من رأسه، فدخل مدخلا متعبا في طلبها حتى أخرجها، فعوتب في ذلك، فقال: إن رسول الله ﷺ حين حلق ناصيته، أخذت شعره، فحملته فيها، فلذلك طلبتها. قال محمد بن رشد: القلانس ما كان لها ارتفاع في الرأس على أي شكل ما كانت. وقد روي عن ابن عمر أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يلبس قلنسوة بيضاء» . وهو يشهد لما قاله مالك في هذه الحكاية من أن القلانس كانت في زمن النبي ﵇ وأنها من الزي الحسن، وبالله التوفيق. [سرد الصيام] في سرد الصيام قال: وسمعت مالكا يقول: سرد سعيد بن المسيب الصيام، فقيل له: إن قوما يحتجون بقول النبي ﵇ لعثمان بن مظعون، فقال: إن النبي ﵇، كان إمام المسلمين كان يعمل الأشياء ليوسع على الناس، وقد سرد قوم من أصحاب رسول الله ﷺ فلا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: سرد الصيام هو أن يتابع الرجل إياه، فلا يفطر إلا في الأيام المنهي عن صيامها، وذلك صيام الدهر وقد كرهه جماعة من العلماء لحديث أبي قتادة «عن النبي ﵇ أنه سئل عن صيام الدهر، فقال: " من فعل ذلك لا صام ولا أفطر، أحب الصيام إلى الله عز وجل

стр. 7890

صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما» . ولا حجة لهم في الحديث؛ لأن قوله فيه: «لا صام ولا أفطر» ليس معناه الدعاء عليه، فيقتضي ذلك النهي عن صيام الدهر، وإنما معناه: ما صام وما أفطر؛ لأن الحروف قد يبدل بعضها من بعض، أي: ما صام الصيام الذي أعلى مراتب الصوم، إذ لا يؤمن أن يضعف على التمادي على ذلك، أو على سائر ما كان يفعله من أعمال البر، كالصلاة وقراءة القرآن، وما أشبه ذلك من الأعمال التي قد يضعف عنها بموالاة الصيام. وذكر في الرواية: أن قوما يحتجون لذلك بقول النبي ﵇ لعثمان بن مظعون، ولم يذكر فيها نص ما قاله له. وفي الصحيح عن أنس بن مالك أنه قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي ﵇، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: وأين نحن من النبي ﵇، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . فإن كان عثمان بن مظعون أحد هؤلاء الثلاثة رهط، فهذا هو نص الكلام الذي قاله له، وإن لم يكن هو فالكلام الذي قاله له هو ما كان في معناه والله أعلم، يدل على ذلك تأويل مالك له، فإن رسول الله ﷺ كان يعمل الأشياء ليوسع على الناس، وهو تأويل جيد؛ لأن معناه أن رسول الله ﷺ كان يصوم ويفطر، وإن كان الأفضل أن يسرد الصيام مخافة أن يسرده الناس، فلا يقدرون على التمادي على ذلك، ويضعفون عن سائر

стр. 7891

أعمال البر، فلا يختار الرجل أن يترك سرد الصيام إلا مخافة أن يضعف على التمادي على ذلك، وعن سائر أعمال البر؛ لأن الصوم والفطر أفضل من سرد الصيام إذا لم يضعف عن التمادي ولا على شيء من أعمال البر، فهذا معنى ما ذهب إليه مالك. يشهد بصحته قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقوله: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وقول النبي ﵇: «إن الله لا يمل حتى تملوا، اكلفوا عن العمل ما لكم به طاقة» ، وقوله: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . [الحجامة والإطلاء يوم السبت والأربعاء] في الحجامة والإطلاء يوم السبت والأربعاء وسئل مالك: عن الحجامة والإطلاء يوم السبت ويوم الأربعاء؟ قال: لا بأس بذلك، فقيل له: فتفعله أنت، قال: نعم، وَأُكْثِرُهُ وأتعمده، وليس يوم إلا وقد احتجمت فيه، ولا أكره شيئا من هذا لا حجامة ولا طلاء ولا نكاحا ولا سفرا في شيء من الأيام. قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا بأس بالحجامة

стр. 7892

والإطلاء والنكاح والسفر وغير ذلك من الأشياء في يوم السبت ويوم الأربعاء؛ لأن الامتناع من شيء من ذلك في يوم السبت ويوم الأربعاء، من التطير الذي قد أبطله رسول الله ﷺ بقوله: «لا طيرة» وبقوله: «لا عدوى، ولا هام ولا صفر» . والأصل في تطير الناس بيوم الأربعاء ما جاء من أن الأيام النحسات التي أهلك الله فيهما قوم عاد بالريح، كانت ثمانية أيام أولها الأربعاء وآخرها الأربعاء. وهي الثمانية الأيام التي قال الله فيها: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ﴾ [الحاقة: ٧] ... الآية، والأصل في تطيرهم يوم السبت أن بني إسرائيل عدوا فيه فمسخهم الله قردة وخنازير. قال تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] الآية. ولصحة إيمان مالك بالقدر، ومعرفته أن اليوم لا يضر ولا ينفع، وتصديقه بما جاء عن رسول ﷺ من إبطال التطير، كان لا يكره حجامة ولا نكاحا ولا شيئا من الأشياء في السبت والأربعاء، بل يتعمد ذلك فيهما، وكذا ينبغي لكل مسلم أن يفعل؛ لأن من يتطير فقد أثم. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا طيرة، والطيرة على من تطير» ومعنى قوله "من تطير" أي: عليه إثم ما تطير به على نفسه، يكون قد نفي ذلك في أول الحديث بقوله: «لا طيرة» ، وبالله التوفيق.

стр. 7893

[بحث عمر بن عبد العزيز عن أقضية عمر بن الخطاب] في بحث عمر بن عبد العزيز عن أقضية عمر بن الخطاب قال مالك: وكان عمر يرسل إلى سعيد بن المسيب عن أقضية عمر بن الخطاب. قال محمد بن رشد: وقع في بعض الروايات: كان ابن عمر، والصواب: كان عمر، يريد بذلك عمر بن عبد العزيز؛ لأنه كان أتبع الناس لعمر بن الخطاب، يسير في سيرته في جميع الأمور، وذلك من جملة فضائله التي تؤثر عنه، وبالله التوفيق. [صيام أيام الغر] في صيام أيام الغر وسئل مالك: عن صيام الغر الثلاثة الأيام: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، فقال: ليس هذا ببلدنا وإني لأكره أن يتعمد صيامها، وقال: الأيام كلها لله. قال الإمام القاضي: وقعت هذه المسألة في هذا الرسم بعينه من هذا السماع من كتاب الصيام. وقد روي فيها وفي الأيام البيض، وهي أول يوم من الشهر، ويوم عشرة، ويوم عشرين، أنها صيام الدهر. وقد روي عن مالك: أنه كان يصوم الأيام البيض. وقد كتب إلى هارون الرشيد في رسالته يحضه على صيام الأيام الغر، ويذكر الحديث فيها. فإنما كره في هذه الرواية صيامها ولم يحض عليها مخافة أن يكثر العمل بذلك لكثرة إسراع الناس إلى الأخذ بقوله، فيحسب ذلك من لا علم عنده من الواجبات. وقد ذكرنا ذلك هناك. [ركوب البحر] في ركوب البحر قال: وقال مالك: استأذن معاوية بن أبي سفيان عمر بن

стр. 7894

الخطاب في ركوب البحر فأبى أن يأذن له، فلما ولي عثمان بن عفان، كتب إليه يستأذنه، فأبى ثم رد عليه، فكتب إليه عثمان: إن كنت تركبه بأهلك وولدك، فقد أذنت لك، فركبه معاوية ومعه امرأته بنت قرطة، قال مالك: سأل عمر بن الخطاب عمرو بن العاص عن البحر فقال: خلق ضعيف، دود على عود، إن ضاعوا هلكوا، وإن بقوا فرقوا، قال عمر: لا أحمل فيه أحدا، فلما كان بعد عمر، حمل فيه، فلم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز، فاتبع فيه رأي عمر بن الخطاب. قال محمد بن رشد: البحر على ما وصفه به عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب ﵄، فلا شك في أن ركوبه غرر، وقد اختلف القضاء من عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، في إباحة ركوبه للناس، فمنع من ذلك عمر بن الخطاب وتبعه في ذلك عمر بن عبد العزيز، وأباحه عثمان بن عفان وبإباحته استمر الأمر بعد خلافة عمر بن عبد العزيز إلى هلم جرا، وهو الأظهر لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] لأنه يبعد أن يعدد الله من نعمه على عباده ما حظره عليهم. ووجه المنع من ذلك أن قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] لما احتمل أن يكون إخبارا بما يفعلون لا يقتضي الإباحة، وجب أن يمنع من ذلك لما فيه من الغرر، تعلق بظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وبظاهر قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ، وهذا في ركوبه في الحوائج وطلب المال والتجارة وأما في ركوبه في الجهاد والحج، فلا اختلاف في جواز ركوبه في ذلك، لم

стр. 7895

يختلف فيه قضاء الخلفاء والله أعلم. لأن السنة قد دلت على جوازه وذلك «قول النبي ﵇ لأم حرام حين نام عندها ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت له: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: " ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون لجج هذا البحر، ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة» يريد في الجنة، جزاء غزوهم في البحر، يركبون لجه، وإذا جاز في الغزو، فأحرى أن يجوز في الحج. وهذا إذا ركب في إبان ركوبه، وأما في حين ارتجاجه فلا يجوز ركوبه في غزو ولا حج ولا غيره. وهذا هو معنى قول عثمان بن عفان لمعاوية: إن كنت تركبه بأهلك وولدك، فقد أذنت لك، أي: إن كنت تركبه في إبان ركوبه، وفي حال ترجو السلامة فيه، ولا تكون مغررا بأهلك وولدك، فقد أذنت في ركوبه في هذه الحال، والله أعلم. [فيما يذكرعن المغيرة بن شعبة في نكاح النساء] فيما يذكر عن المغيرة بن شعبة في نكاح النساء قال مالك: قال المغيرة بن شعبة، وكان نكاحا للنساء، وكان ربما اجتمع عنده أربعة، ثم يفارقهن جميعا، قال: كان يقول: صاحب المرأة الواحدة إن مرضت مرض معها، وإن حاضت حاض معها، وصاحب المرأتين ناران تشتعلان. قال محمد بن رشد: في هذا وصف ما كان عليه المغيرة بن شعبة ﵁ مما وهبه الله إياه من القدرة على كثرة الاستمتاع بالمباح من النساء، وتلك فضيلة في الدنيا والآخرة؛ لأن الرجل يؤجر في وطء زوجاته

стр. 7896

وجواريه وفي الاغتسال من وطء كل واحدة منهن كلما وطئها، فهو يستمتع بالحلال، ويؤجر باستمتاعه به، فأي موهبة أعظم من هذه. وبالله التوفيق. [الأميرين في الغزو أحدهما في البر والآخر في البحر يجتمعان] في الأميرين في الغزو، أحدهما في البر، والآخر في البحر يجتمعان قال مالك: أَمَّرَ عثمان بن عفان - عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، عمرو على البر، ومعاوية على البحر، فإذا اجتمعا فمعاوية الأمير، فلما بلغا رأس مغزاهما أرسل معاوية إلى عمرو أن يأتيه فأبى فأرسل يعزم عليه، فقال عمرو: وأنا أعزم على نفسي ألا آتيك، فقال معاوية: فادن مني على شاطئ البحر، فأتى عمرو على قوس متوكئا عليها، فكلمه ما شاء الله، فقال له معاوية: أشات أنت أم أمه؟ فقيل لمالك: ما أراد أشات أنت؟ قال: يثنون، فقال: أمه؟ فقال: قافلون. قال محمد بن رشد: وقع في موطأ ابن وهب: أشاتون أم أمه؟ فقال: أمه، فقفلوا جميعا. وإنما لم يأت عمرو معاوية إذ عزم عليه في الإتيان إليه، إذ لم يجب عليه الإتيان إليه من أجل أنه لم يجعل له عليه عثمان بن عفان إمرة إلا إذا اجتمعا. ولعله قد كانت عليه في الإتيان إليه مشقة، ولما سأله أن يدنو منه أجابه إلى ذلك لخفة الأمر عليه. والحكاية كلها بينة، لا إشكال فيها، وفيها إجازة الغزو في البحر وقد ذكرنا فوق هذا أنه مما لا يختلف في جوازه. [المؤمن إذا غدر] في أن المؤمن إذا غدر لم يلزم الوفاء له بالإيمان وسئل مالك: عن أهل قبوس فيما كتب إليه عبد المالك بن

стр. 7897

صالح إلى مالك من أمرهم، فقال: رأيت لهم عهودا كثيرة من معاوية وعبد المالك وسليمان وغيرهم، فقلت: يا أبا عبد الله، فإن عرف منهم عدو، أترى أن يجلوا؟ قال: إني لا أرى ذلك إن عرف وتبين أن يجلوا منها. قال الإمام القاضي: هذا بين على ما قاله؛ لأن الوفاء بالأيمان واجب. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٤] ، وقال رسول الله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» ، وقال: «يجبر على المسلمين أدناهم» . فإذا أمن الإمام أهل البلد أن يقروا ببلدهم لزم ذلك من بعده من الأئمة، ولم يكن له أن ينقضه، فيجليهم عن ذلك البلد إلا أن يحدثوا ما يوجب ذلك عليهم. وبالله التوفيق. [يوصي أن يحبس جواريه] في الذي يوصي أن يحبس جواريه المدة الطويلة وسئل مالك: فقيل له: إن محمد بن سليمان أوصى في جواريه أن يحبسن سبعين سنة، ثم هن أحرار، فسأل أمير المؤمنين عنهن بعض من حضره، فقال مالك: ما رأى في ذلك؟ فقال: منهم من رأى أن يبقين، ومنهم من رأى أن يحبسن، قال مالك: يبعن أو يعتقن. قال محمد بن رشد: قول مالك: يبعن أو يعتقن، معناه: ينظر السلطان فيه، فإن رأى أن يبعن بعن، وإن رأى أن يعتقن أعتقن وعجل

стр. 7898

عتقهن، هكذا قال في رسم المُحرم يتخذ الخرقة لفرجه من هذا السماع من كتاب العتق. ووجه النظر في ذلك أن ينظر في ذلك، فمن كان له منهن من السن ما يعلم حقيقة أنها لا تعيش سبعين سنة، بيعت إذ قد علم أن العتق لا يدركها، فهي كمن أوصى لها بعتق بعد موتها، ومن كان لها منهن من السِن ما يمكن أن تعيش إليه عجل عتقها؛ لأن بقاءها سبعين سنة، من الضرر البين بها. وقد زدنا المسألة هناك بياناً، وذكرنا ما فيها من الاختلاف. وأما قول من قال: إنهن يُبعن أو يحبسنَ جملة من غير أن ينظر إلى أسنانهن يوم أوصى، فلا يصح، إلا أن يستوي أسنانهن في أنه يعلم في أنهن لا يعشن سنة، أو في أنه يشبه أن يعشن أكثر من السبعين، واللَّه الموفق. [ما يروى من مناقب سعد بن معاذ] فيما يروى من مناقب سعد بن معاذ قال مالك: لما كان يوم بدر، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵇: «أشِيرُوا عَلًيّ، فَقَامَ أبُو بَكر، فَتَكًلّمَ ثمَّ قَالَ: أشِيرُوا عَلَيَّ فَقَامَ عُمَر، فَتَكًلّمَ، ثمَّ قَعَدَ، ثَمّ قَالَ: أشِيرُوا عَلَيَّ، فَقَالَ سَعدُ بْنُ مُعَاذٍ: كَأنَّكَ إِيَّانا تُرُيدُ يَا رَسُولَ اللهِ لَا نَقولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ، وَلَكِنْ اذْهَبَ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا مَعَكُم مُتبِعونَ، لَوْ أتَيْتَ الْيَمَنَ لَسَلَلْنَا سُيُوفَنَا وَاتَّبَعْنَاكُم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خُذُوا مَصَافَّكُم» . قال محمد بن رشد: هذا المقام المحمود من مناقب سعدٍ المأثورة وهي كثيرة؛ لأنه من فضلاء الصحابة، وكفى من الشهادة لفضله اهتزاز عرش الرحمن لِمَوتهِ. وقد مضى قبل هذا شيء من خبره وقد وقع

стр. 7899

في البخاري «عَن عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَالَ: شَهدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ مَشْهَدَاً لأنْ أكُونَ صَاحِبَه أحَبًّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أتَى النَّبِيَّ ﵇ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لاَ نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْم موسَى ﵇: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ، قَالَ: فَرأيْتُ النَّبِيَّ ﵇ أشْرَق وَجْهُهُ وَسَرَّهُ قولُه» . [انحياز السرية إلى العسكر] في انحياز السرية إلى العسكر وسئل مالك: عن القوم يكونون في الغزو فيبعث السرية القليلة نحواً من عشرين أو ثلاثين، فيلقون أضعَافهم من العدو، فيكثرون عليهم، فيريدون أن ينحازوا إلى أصحابهم، أترى لهم في ذلك سَعة؟ قال: نعمٍ. وتأول كتاب الله ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] قيل له: أفترى ذلك واسعاً لهم فيما بينهم وبين ما في القرآن؟ قال: نعم. قال الإِمام القاضي: هذه مسألة فيها نظر لأنه لم ير لهم سعة في الانحياز إلى أصحابهم، إلا إذا كان الذين لقوا من العدو أكثر من أضعافهم، والذي يدل عليه القرآن، أن للجماعة أن تنحاز إلى فئتها وإن كان العدد الذين لقوا أقل من مثلهم، إذ ليس انحيازهم إلى فئتهم ليكروا ثانية فِراراً. قال الله : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] الآية، فدل ذلك على أنه ليس بفار من تحيز إلى فئة ليعود، وقد جاء بيان ذلك في السنة، رُوي «عنْ

стр. 7900

عَبد الله بْنِ عُمَر أنَّهُ قَالَ: كُنْتُ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُول اللهِ ﷺ فَحَاصَ النَّاسُ حيْصةً، فَكنْتُ فِيمَنْ حَاصَ فَقُلْنَا كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِن الزَّحْفِ، وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ؟ فَلَوْ دَخَلْنَا الْمَدِينَة فَبِتْنَا فِيهَا، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ عَرَضْنَا أنْفُسَنَا عَلَى رَسُول اللهِ ﷺ ، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ، وَإِلاَّ ذَهَبْنَا، فَأتَيْنَاه قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ، فَخَرَجَ فَقَالَ: "مَنِ الْقَوْمُ؟ " فَقُلْنَا: نَحْنُ الفَرَّارُونَ. قَالَ: "بَلْ أنْتُمُ الْعَكَّارُونَ، أنَا فئَتكُم وَأنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ"، فَأتَيْنَاهُ حَتَّى قَبَّلْنَا يَدَيْهِ» . والعكارون هم الكرارون، فالمعنى في ذلك: أنهم لما كروا إلى رسول الله ﷺ ، وهو فئتهم ليرجعوا إلى ما يأمرهم به، كان ذلك كرّاً منهم إليه، وعودةً إلى ما كانوا عليه من بذلهم أنفسهم لقتال عدوهم، فاستحقوا بذلك اسم العَكَّارِين، لا الفرَّارِين. وهذا عندي من خواص رسول الله ﷺ ، لا يكون الِإمام فئة للسرية إذا خرجت من عنده فأقام هو -يعنِي الِإمام- في بلده، وإنما يكون فئة لها إذا أخرجها من عسكره، فلقيت جماعة، وإن كانت أقل من مثليها فانحازت إلى الفئة التي خرجت منها. والله الموفق. [عدة أصحاب بدر] في عدة أصحاب بدر وسئل عن عدة أصحاب بدر من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: ثلاثمائة وثلاثة عشر. قال محمد بن رشد: في الصحيح للبخاري عن البراء بن عازب قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضع عشرة وثلاثمائة. وقد قيل: إنهم كانوا سبعة عشر وثلاثمائة، ثمانون رجلاً من

стр. 7901

المهاجرين كلهم شهدها بنفسه، إلا ثلاثة رجال، وهم: عثمان وطلحة وسعيد بن زيد فلم يشهدوها بأنفسهم. وضرب لهم رسول الله ﷺ بسهامهم وأجورهم، فهم كمن شهدها، واحدٌ وستون رجلًا من الأوس، ومائة وسبعون رجلاً من الخزرج، واثنان من الأوس. ذكر ذلك ابن عبد البر في الدرر في اختصار السير. [كتاب المغازي] في كتاب المغازي وسُئل مالك: عن المغازي أَتَرى أَن تكتب؟ فأنكر ذلك وقال: ما أدركت الناس يكتبونها، فقيل له: مَن الناس؟ أهل الفقه؟ فقال: نعم، ولا أرى أَن تكتب، ولا أُحب أن أَكتبها، ولا أبتدع ذلك، وما وجدت الناس أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ والتابعين، القاسم وسعيد وسالم، يكتبونها. ولقد أدركت شيخاً كبيراً قد زاد على المائة خمس سنين ما يقبل منه حديثه، وُيعاب ذلك على من يقبله ويجرح. قال محمد بن رشد: إنَّما كره كتاب المغازي بطولها مخافة مواقع الكذب فيها، وإذ ليس في سياقتها بكمالها فائدة، من تحليل أو تحريم، تعبد الناس بحفظه والتفقّه فيه، كالأحاديث المروية عن النبي ﵇ في الأحكام، ووقع في بعض الكتب مكان يجرح يطرح، والمعنى في ذلك سواء.

стр. 7902

[الأمر بإتقان العمل] في الأمر بإتقان العمل وحدَّثنا مالك: «أَن رسول الله ﵇ وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ فَكَأَنَّهُ رأى في لَبنَةٍ خَلَلًا فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُصْلَح، وقال: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلاً أَنْ يُحَسِّنَهُ أَوْ يُتْقِنَه» . قال محمد بن رشد: هذا حديث بيِّن المعنى، ليس فيه ما يخفى فيحتاج أَن يُبَيَّن. [صفة مصحف مالك المكتوب على عهد عثمان] في صفة مصحف مالك المكتوب على عهد عثمان قال ابن القاسم: وأخرج إلينا مالك مصحفاً لجدِّه، فحدَّثنا أنه كتب على عهد عثمان بن عفان، فوجد حليته فضة وأغشيته من كسوة الكعبة، فوجدنا في البقرة: (وَأَوْصَى) وفي آل عمران: (سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) . وفي المائدة: (يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) وفيها أيضاً: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) وفي براءة: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، وفي الكهف: (لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهما مُنْقَلَبًا) وفي قد أفلح: كلها الثلاث لله، وفي طسم " باخِعٌ "

стр. 7903

(فتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) وفي حمِ عسق (فَيمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) وفي الزخرف: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) وفي الحديد: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ، وفي الشمس وضحاها: (فَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) وفي الطوْل: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) . قال الِإمام القاضي: ما ذكر ابن القاسم في هذه الحكاية من أنه وجد في المصحف الذي أخرج إليهم مالك لجده المكتوب على عهد عثمان، في البقرة، وفي آل عِمران، وفي المائدة، وفي براءة، وفي الكهف، وفي قد أفلح، وفي طسم، وفي الطول هو كله مثل ما ثبت بين اللوحين عندنا في المصاحف، وأما الذي ذكر أنه وجده في حم عسق، وفي الزخرف، وفي الحديد، وفي الشمس وضحاها، فهو خلاف ما ثبت بين اللوحين عندنا في المصاحف؛ لأن الذي ثبت عندنا في حم عسق (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، وفي الزخرف: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وفي الحديد (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وفي الشمس وضحاها: (فلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) ولا تأثير في هذا الاختلاف، إذ لا يتغير بشيء منه المعنى ولا اختلاف أحفظه في إجازة تحلية المصحف بالفضة، وأما تحليته بالذهب

стр. 7904

فأجيز وكره، وظاهر ما في الموطأ إجازته، وقد أقام إجازة ذلك بعض العلماء من حديث فرض الصلاة قوله فيه: «فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ثم غَسَلَهُ بِمَاءَ زَمْزَمَ، ثمَّ جَاءَ بطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ ممتلئ حِكْمَةً وَإِيْمَاناً فَأفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثمَّ أطْبَقَهُ» ، والمعنى في إقامة ذلك منه خفي وقد يبثه في موضعه، وبالله التوفيق. [المعنى الذي من أجله تركت البسملة في براءة] في المعنى الذي من أجله تركت البسملة في براءة قال مالك في أول براءة: إنما ترك من مضى أَن يكتبوا في أولها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فكَأَنَّه رآه من وجه الإتباع في ذلك، وكان في آخر ما أنزل من القرآن، وسمعته يقول: أخبرني ابن شهاب: أن القتل استحر يوم اليمامَة في القراء وحَمَلَة القرآن في خلافة أبي بكر الصديق، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر خليفة رسول الله ﷺ : لو جمعت القرآن فإني أخاف عليه، أن يذهب، فقال: أفعلُ ما لم يفعل رسولُ الله ﷺ فلم يزل يكلمه حتى عطفه بعض العطف، ورأى ما قال، فوقف واستشار أَصحاب رسول الله ﷺ ، فرأوا ذلك، فجمعه أَبو بكر، وكتبه في الصُّحف، فلمَّا مات أبو بكر، قبضه عمر، وكان عنده، فلما مات أوصى إِلى حفصة، فقبضته حفصة، وكان عمر أَوصى إِليها وذلك في رأْيي لمكانتها

стр. 7905

من رسول الله ﷺ فقبضت حفصة الكتاب، فلما ولي عثمان بن عفان، اختلف الناس في اختلاف القرآن اختلافاً شديداً، حتى إِن كان الرجل ليقول للرجل أَنا أكفُر بالذي تقول، فلما رأى ذلك عثمان بن عفان، بعث إلى حفصة يسألها الكتاب فأتت عليه فأعطاها أيماناً أخذتها عليه لا يزيد فيه حرفاً ولا ينقص منه حرفاً، وأن يردها عثمان بن عفان وجميع القراء، وأرسل إلى البلدان وجميع قراء الناس، حتى إن كان الِإنسان ليأتي بالآية في جريدة فكتبه عثمان بن عفان، وردَّه إليها، وبعث في الأجناد يأمرهم بالقراءة، فلما كان مروان بن الحَكم، أرسل إلى تلك الصحف التي كانت عند حفصة فأَحرقها بالنار. قال محمد بن رشد: ما تأوّله مالك من أنه إنَّما ترك من مضى أَن يكتبوا في أَول براءة " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " من وجه الإتباع، المعنى فيه، والله أعلم: أنه إنما ترك عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة المجتمعين على جمع القرآن البسملة بين سورة الأنفال وسورة براءة، وإن كانتا سورتيِن، بدليل أن براءة كانت من آخر ما أَنزل الله من القرآن، وأَن الأنفال أُنزلت في سنة أربع، اتباعاً لما وجدوه في الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر، وكانت عند حفصة. وقَدْ رُوِي عَنِ ابْنِ عًبّاس أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، مَا حَمَلَكُم أَن عَمَدْتُمْ إِلَى الَأنْفَال، وهي مِنَ المَثَانِيَ وَإِلَى بَرَاءَة وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَارَنْتُم بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَوَضَعْتمُوهَا فِي السَّبْع الطُّوَل، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ معنا يَأتِي عَلَيْهِ الزَّمانُ،

стр. 7906

وَهُوَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ وَدَخَلَ بَعْضُ مَنْ يَكْتُبُ، يَقُوْلُ: ضَعُوا هذَا فِي السُّورةِ الَّتِي فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: ضَعُوا هَذِه الآيَاتِ فِي السُّورَةِ التِي فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتِ الَأنْفَالُ مِنْ أَوَائِل مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَة مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ - يَعْنِي نزولَاَ- وَكَانَتْ قَصّتُهَا شَبِيهَةً بِقصَّتِهَا، فَظَنَنْت أَنَّهَا نَزَلَتْ مِنْهَا، وَتُوفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْها فَمِنْ أَجل ذَلِكَ قَارَنْتُ بَيْنَهُمَا ولم أكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْع الطُّوَل. في حديث ابن عباس هذا عن عثمان بن عفان أنه ظنَّ أَنها منها، ولذلك لم يكتب بينهما " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَذلك خلاف لما ذهب إِليه مالك من أنها ليست منها وأنها سورة أُخرى فاتبع ما وجد في المصحف من ترك الفصل بينهما " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وهو الأظهر أنها ليست منها، وأَنَّها سورة أخرى بدليل افتراقهما في النزول، وبدليل ما روي عن أوس بن حذيفة أنه قال: سألتُ أصحاب رسول الله ﷺ ، كيف كنتم تحزِّبون القرآن؟ قالوا: كنا نحزِّبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، يريدون: وحزب المفصل، إِذ قيل: إن الثلاث سور من أَول القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والخمس سور: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة، والسبع سور: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحْل، والتسع سور: إِسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحجر، والمؤمنون، والنور، والفرقان، والِإحدَى عشرة الطواسِين، والعنكبوت، والرُّوم، ولقمان، والسجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس والثلاث عشرة: والحاقة،

стр. 7907

وصاد والزُّمر، وحم، يعني إلى حم، وسورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، والفتح، والحجرات، وحزب المفصل، إلَا أنه لما احتمل أن يكونا سورة واحدة لاشتبَاه قصصهما، وإذ قد يجتمع في السورة الواحدة ما أُنزل في أزمان متباعدة ولم يأت عن النبيّ ﵇ نص بأنهما سورتان، ولم يجد عثمان ﵁ في الصحف بينهما فصل " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " اتبع ما وجده فيها، فكان إتباعه لذلك في موضع الاحتمال، لا في موضع اليقين. والله أَعلم بالحقيقة في ذلك كيف كان. وقد قيل: إنَّما ترك عثمان الفصل بين السورتين " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "؛ لأنها حروف رحمة، وسورة براءة ليست من جنس ما تراد به الرحمة؛ لأنها إنما هي وعيدات، وتخويفات، ونقض عهود، وِإبانةُ نفاق مَن نافق، وهذا يرده البسملة في: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وقيل: إِنَّه إنما ترك الفصل بينهما بـ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " إعظاماً لمخاطبة المشركين به، وهذا يرده ما في كتاب الله من قصة سليمان في كتابه إلى صاحبة سَبَأ وما في سنّة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ من كتابه إِلى المشركين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وِإنَّما أخذت حفصة الأيمان على عثمان في الصحف أَن لا يزيد فيها ولا ينقص منها؛ لأنها اؤتُمنت عليها، فلم ترد أن يغير شيئاً منها بزيادة ولا نقصان فوفَّى لها ﵁ وعنها بما وعدها به، وحلف لها عليه، وصرفها إِليها على حالها، بعد أن كتب ما فيها وزاد إليها ما خرج عنها ممَّا ثبت عنده أنَّه قرآن بنقل الكَّافةِ عن الكافة، لا بالشهادة على ذلك، وما جاء من أَن عثمان كان لا يثبت آيةً في المصحف حتى يشهد عنده فيها رجلان، ليس معناه حتى يشهدا عنده أَنَّها من القرآن، وِإنَّما معناه حتى يشهد عنده كل واحد منهما أَنَّه

стр. 7908

أَخذها عن النبيّ ﵇ مِن فيه، لا من غيره عنه، وعلى موضعها من السورة التي هي منها مع حصول العلم أنها من القرآن باستفاضة نقل الكافة عن الكافة، فما ذكر من أن الِإنسان كان يأتي بالآية في جريدة، معناه: كان يأتي بالآية فتذكر، ويعلم أنها قرآن فيثبتها في المصحف بعد الشهادة عنده على موضعها من السورة، وعلى سماع من فِي النبيّ ﵇، وأثبت الآيتين من آخر سورة براءة قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ... إلخ السورة، بشهادة رجل واحد لِما تضمنتهُ مما هو معلوم من صفات النبيّ ﵇. وقد مرَّ بي فيما أحسب أَنَّه إِنَّما أَثبتها بشهادة خزيمة بن ثابت إِذ قد جعل رسول الله شهادته كشهادة رجلين. ولما حصل العلم على أَن ما تضمنه مصحف عثمان، هو جميع القرآن لا زيادة فيه ولا نقصان منه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] رأى مروان بن الحكم مع استشارته مع علماء عصره أن يحرق الصحف المجموعة من القرآن، في زمن أبي بكر الصدّيق إذ كانت لم تستوعب جميعه، وبالله التوفيق. [الِإقبال على الذكر بعد الصبح وترك الكلام] في الِإقبال على الذكر بعد الصبح وترك الكلام قال مالك: وكان نافع مولى ابن عمر؛ وسعيد بن أَبي هند، وموسى بن ميسرة، يجلسون بعد الصبح يذكرون الله ثم ينصرفون حين السُّبحة وما يكلم أحد منهم صاحبه. قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في الصلاة الثاني من المدونة بهذا المعنى سواء، وزاد فيها: يفترقون للركوع، يريد أنهم كانوا

стр. 7909

يجلسون في مواضعهم التي يصلون فيها للذكر، وما يكلم أحدهم صاحبه، فإِذا حلَّت الصلاة تفرقوا لركوع الضحى، ثم انصرفوا وهذا على ما ذهب إليه مالك من أنه يكره الكلام بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، ولا يكره فيما بين ركعتيّ الفجر إلى صلاة الصبح، لما روي عن عائشة أَنَّها قالت: «إِنَّ النَبيَّ ﵇ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقهِ الأيْمَنِ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَانَةً حَدَّثَنِي حَتَّى يَأتِيَهُ ألْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، وَذلِكَ بَعْدَ طُلُوع الْفَجْرِ» . وأهل العراق على ضد قول مالك يكرهون الكلام بعد ركعتيّ الفجر إلى صلاة الصبح، ولا يرون به بأساً بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس. وقال أحمد بن خالد: والسنّة ترد ما قالوا. وما قال مالك حديث عائشة هذا يرد ما قاله أهل العراق وحديثه: أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حًوّلَ وَجْهَهُ إِلَى النَّاس، وَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رًؤْيا؟ يرد ما قاله مالك، وَحدُّ المكروه ما كان في تركه ثواب، فإِذا ترك الرجل الكلام بعد صلاة الصبح وأقبل على الذِكر أجر على الذكر، وعلى ترك الكلام، وإن ترك الكلام ولم يذكر الله أجر على ترك الكلام عند مالك، وعند أهل العراق لا يؤجر على الذكر خاصة، إِن ذَكر الله، كما يقول مالك في ترك الكلام بعد ركعتي الفجر إلى صلاة الصبح، وبالله التوفيق. [الاختيار في قيام رمضان] في الاختيار في قيام رمضان وسئل مالك: عن القيام في رمضان: أَمع الناس أحبُّ إليك أم ينصرف إلى منزله؟ قال: بل ينصرف إلى منزله، وليس فيه

стр. 7910

شك، إذا كان ممن يقرأُ القرآن ويقوى عليه، وما قام رسول الله ﷺ إلا في بيته. وحدثنا مالك: أن يزيد بن عبد الله بن هُرمز كان ينصرف إلى منزله، ويقوم بأهله، وكان ربيعة بن عبد الرحمن ينصرف ولا يقوم مع الناس، قال مالك: الانصراف لمن قوي عليه أفضل. قال الإمام القاضي: هذا كما قال، والحجة في ذلك قول النبي ﵇: «أفْضَلُ الصلاَةِ صَلَاتُكُم فِي بُيُوتِكُم إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ، وقول عمر بن الخطاب إذ جمع الناس على قارئ واحد: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضل مِن الَّتِي تَقُومُونَ. يعني آخر الليل. وكان الناس يقومون أوله وهذا للرجل في خاصة نفسه، ما لم يكن ذلك سبباً لتعطيل القيام في المسجد؛ لأنها سنة أحياها عمر بن الخطاب لما ارتفعت العلة التي من أجلها ترك رسول الله ﷺ القيام في رمضان بالناس في المسجد، وذلك «أَنَّهُ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثمَّ صًلّى الْقَابِلَةَ، فَكثرَ النَّاسُ، ثًمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أًو الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجُ إلَيْهِم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلًمّا أَصْبَحَ قال: رَأَيْتُ الَّذِي صَنعْتم فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوج إلَيْكُم إلّاَ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُم» . وَذَلكَ فِي رَمَضَانَ. وَقَد قالت عائشة: «إِن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَع الْعَمَلَ وَهُو يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ

стр. 7911

يَعْمَلَ بِهِ الناسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِم» . ومن أهل العلم من رأى القيام مع الناس في رمضان في المسجد أفضل من الصلاة في البيوت؛ لأنها سنة لا ينبغي تضييعها، وهو قول محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم من أصحاب مالك. وذهب الليث بن سعد إلى نحو ما اخترناه، فقال: لو أَن الناس كلهم قاموا في رمضان لأنفسهم ولأهليهم حتى تركوا المسجد لا يقوم فيه أحد لكان ينبغي أن يخرجوا من بيوتهم إلى المسجد حتى يقوموا فيه في رمضان؛ لأن قيام الناس بالمسجد في رمضان من الأمر الذي لا ينبغي تركه، وهو مما سن عمر بن الخطاب وجمعهم عليه. قال: فأما إذا كانت الجماعة قد قامت في المسجد فلا بأس أن يقوم الرجل لنفسه في داره لأهل بيته، ومن حجة من ذهب إلى هذا قول النبي ﵇: «عَلَيْكُم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَاشِدِينَ مِنْ بَعْدي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنوَاجِذِ» . [حسن الصوت بالقرآن وما يخاف من العين] في حسن الصوت بالقرآن وما يخاف من العين قال مالك: وكان عمر بن عبد العزيز حسن الصوت بالقرآن، فصلى بهم يوماً فأصابته العين حين قدم الشام. قال محمد بن رشد: حسن الصوت بالقرآن موهبة من الله، وعطية؛ لأن حسن الصوت مما يوجب الخشوع ورقة القلوب، ويدعو إلى الخير. وقد قيل في قول الله : ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] : حسن الصوت، وما يصيب المعين يقول العائن إذا لم يُبرِّك، أمر أجرى الله به العادة في الغالب، مع القدر السابق، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 7912

وسلم: «عَلَامَ يَقْتُلُ أحَدُكُمْ أخَاهُ؟ ألاَ بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ حَق» . يريد: إن اللَه قد أجرى العادة به؛ لأن قول العائن هو المُحدِث لما أصاب المعين، وبالله التوفيق. [في أن صهيبا صلى على عمر بن الخطاب] وسئل مالك: هل صلى صهيبٌ على عمر؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: حقق مالك في هذه الرواية أنه صلى عليه، ومثله في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم من كتاب الجنائز، ووقع في سماع أشهب منه. قلت له: أبلغك أن عمر بن الخطاب صلى عليه صُهيب؟ قال: لم أسمع ذلك، ولكني أظن ذلك، لقول عمر بن الخطاب: يصلي بكم صهيب ثلاثاً، وهو ظني أن صهيباً صلى عليه، وذلك لقوله: يصلي بكم صهيباً، وهو ظن كاليقين؛ لأنه يبعد في القلوب أن يستخلفه على الصلاة أيام الشورى فيصلي عليه غيره، ولم يجتمعوا بعدً على إمام. وهو صهيب بن سنان الرومي يعرف بالرومي، وهو من العرب؛ لأنه أصابه سبيٌ وهو صغير، فصار أعجمي اللسان. صحب النبي ﵇ قبل أن يوحى إليه، ثم أسلم معه بمكة هو وعمار بن ياسر في يوم واحد، وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً فهو من المهاجرين الأولين. وروي أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤمِن باللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ،

стр. 7913

فَلْيُحِبَّ صُهَيْباً حُبّ الْوَالِدَةِ وَلَدَهَا» . [حكاية عن مروان بن الحكم في شدته في الحدود] حكاية عن مروان بن الحكم في شدته في الحدود قال مالك: حدثنا يحيى بن سعيد أن امرأة خرجت إلى بعض الحرار فلما نزلت قرقوة عرض لها رجل من أصحاب الحمر، فنزل إليها ثم أرادها على نفسها فكشف عنها ثيابها فامتنعت منه فرمت بحجر فشجته ثم صاحت، فذهب، فأتت مروان بن الحكم، وكانت فيه شدة في الحدود فذكرت ذلك، فسألها عن اسمه فلم تعرفه، وقال لها: تّعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم، فأُدخلت بيتاً ثم قال: ائتوني بالمكارين الذين يكرون الحمر، وقال: لا يبقى أحد أكريتموه، إلا جئتموني به، فأتوه بهم فجعل يُدخل عليها رجلًا رجلاً، فتقول: ليس هو هذا حتى دخل عليها به مسجوجاً، فقالت: هو هذا، فأمر به مروان أن يحبس في السجن، فأتى أبوه فكلمه فيه فقال مروان: جانيك من يجني عليك، وقد تُعدي الصحاحَ مَباركُ الجَرب، فقال أبوه: ليس كذلك، إنما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فقال مروان: لاها الله لا يخرج منها حتى ينفدها الفيد؟ وهم بما كشف منها، فقال أبوه: هي علي، فأمر به مروان فأخرج، فقيل لمالك: أترى هذا من القضاء يؤخذ به؟ قال: ليس هذا عندي من القضاء ولكنه على غلطة من مروان، ولقد كان مروان يُؤتَى إليه بالرجل قد قبَّل المرأة فيَنزع ثَنِيَته. قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في رسم مساجد القبائل

стр. 7914

من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود. وما تضمنته عن مروان بأنه قضى للمرأة بدعواها على الذي ادعت عليه أنه أرادها على نفسها وكشف عن ثيابها بألفي درهم بما ادعت عليه من كشفه إياها مع الشبهة التي ألحقت التهمة به وحققت الظنة عليه - لا يأخذ به مالك ولا يرى عليه القضاء به، إذ لا يرى العقوبات في الأموال؛ لأن العقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام، من ذلك ما روي عن النبي ﵇ في مانع الزكاة: أنا آخذها منه، ونظر عزمة من عزمات الإسلام. وما روى عنه في حريسة الجبل: أن فيها غرامة مثليها. وما روي عنه: من أن سَلَبَ مَنْ أحد وهو يصيد في الحرم لمن أخذه. كان ذلك كله في أول الِإسلام وحكم به عمر بن الخطاب، ثم انعقد الِإجماع بأن ذلك لا يجب، وعادة العقوبات على الجرائم من الأبدان، وقد أنكر ذلك على مروان بن الحكم، فقال على سبيل إنكار ذلك عليه: إنه كان يؤتى بالرجل يقبل المرأة فينزع ثنيته. وهذه نهاية في الِإنكار. والعقوبات في الجرائم عند مالك على قدر عقوبات الوالي وعظم جرم الجاني على أن لا يجاوز الحد، وقد أمر مالك صاحب الشُّرط في الذي وجد مع صبي في سطح، وقد جرده وضمه إليه وغلق على نفسه معه، فلم يشكوا في المكروه بعينه، أن يضربه ضرباً مبرحاً ويسجنه سجناً طويلاً حتى تظهر توبته، وتتبيّن، فسجنه صاحب الشرط أياماً قبل أن يضربه، فكان أبوه يختلف إلى مالك ويتردد، ويقول: اتق الله فما خلقت النار باطلاً، فيقول له مالك: أجل وإن الذي أبقى عليك ابنك لمن الباطل، ثم ضربه صاحب الشرط أربعمائة سوط، فانتفخ، فمات، فما أكبر ذلك مالك ولا بالى به. فقيل له: يا أبا عبد الله، إن مثل هذا من الأدب والعقوبة لكثير، فقال: هذا بما اجترم، وما رأيت أنه أمسه من العقوبة إلا بما اجترم. وقال مطرف بن عبد الله في المبسوطة: الأدب إلى الحاكم موكل إلى نظره، يؤدب في ذلك

стр. 7915

باجتهاده وإن أتى الأدب على النفس وإخراج الروح، وله في الواضحة: إن أقصى ما يبلغ من الأدب في المعروف بالجرم ثلاثمائة فما دون ذلك. وروي عن أصبغ: أن أقصى الأدب في جرم الفاسد البيِّن الفساد مائتان. وروي عنه: أن ذلك إلى اجتهاد الِإمام، وإن أتى على النفس. وقد روي عن النبي ﵇ من رواية ابن عباس أنه قال: «مَنْ بَلَغَ حَدَاً في غَيْرِ حَدٍّ فَهُو مِنَ الْمُعْتَدِينَ» . وذهب إلى هذا محمد بن مسلمة، فقال: انتهى غضب الله في الزانية والزاني إلى مائة جلدة، فقال: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فلم يجعل عليهما أَكثر من ذلك فلا يتجاوز في العقوبة ثمانون سوْطاً. وقد روى عبْد الله بن مسلمة بن القعب عن مالك: أنه لا يجاوز فيها خمسة وسبعينَ، وأنه كان يقول: الأدب عندي دون الحد. والمشهور عنه المعلوم من مذهبه: أن ذلك إلى اجتهاد الإمام، وهو مذهب ابن القاسم. وقال أبو حنيفة: لا يبلغ بالضرب أكثر من ثلاثة أسواط في الأدب، ولا يزاد على الثلاثة إلا في حد. وروي ذلك عن الليث بن سعد، وقال أبو يوسف: لا يبلغ في الأدب ثمانين، وقال ابن أبي ليلى، وابن شُبرمة: لا يبلغ فيه مائة. ومن أهل العلم من رأى: أنه لا يضرب أكثر من عشرة أسواط. وروي مثله عن أشهب. قال: لا يزيد السلطان في الأدب على عشرة أسواط ولا المكتب "كذا" على ثلاثة فإن زاد على ثلاثة اقتص منه. وقد مضى هذا كله في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود. [فضل الزمن المتقدم على المتأخر] في فضل الزمن المتقدم على المتأخر قال مالك: قال عبد الله بن مسعود: لَيْسَ عَامٌ إلَّا وَالَّذِي
следующие страницы →