← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

جذيمة، إذ دعاهم إلى الإِسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، وجعل يقتل ويأسر فيهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : إذ بلغه ذلك: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد» . فعنفه ﷺ إذ لم يتثبت حتى يقف عن إرادتهم بقولهم: صبأنا صبأنا. وفعل خالد في هؤلاء كفعل أسامة في قتيله بعد أن قال: لا إله إِلَّا اللَّه، فلم يكن عليه حرج فيما فعل إن شاء اللَّه بل كان ما جوا في اجتهاده والمعنى فيما روي عن عِمراَن بن حُصين قال: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي سَرِيَّةٍ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ أبِي عَلَى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمَّا غَشيَهُ بِالرُّمْح قَال: إِنِّي مُسْلِم فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أتَى النَّبِيِّ فَقالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أذْنَبْتُ فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنِّي حَمَلْتُ عَلَى رَجُلٍ، فلَمَّا غَشِيَهُ بِالرُّمْح قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ فَظَنَنْت أَنَّهُ مُتَعَوِّذ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ: أَفَلَا شَقَقتَ عَنْ قَلْبه حَتَّى يَستَبينِ لَكَ؟ قَالَ: وَيَسْتَبِينَ لي؟ قَالَ: قَدْ قَالَ لَكَ بِلِسَانِهِ فَلَمْ تصَدِّقْهُ عَلَى ما فِي قَلبه، فلَمْ يَلْبَثِ الرَّجُلُ أَنْ مَاتَ فَدُفِنَ فَأصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الأرْض فقلنا عَدُوٌّ نَبشه، فأمَرْنَا عبيدنا وَمَوالينا فحرسُوهُ، فأصْبَح عَلَى وَجْهِ الأرض، فقلنا فَلَعَلَهُم غَفلُوا، فحَرَسْنَا فَأَصْبحَ على وَجه الأرض، فأَتَيْنَا النبيّ ﵇ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَلَكِن أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يخْبِرَكم بِعِظَم الدَم، ثَمّ قَالَ: انتَهُوا بِهِ إلَى سَفْح هَذا الْجَبَل، فَأَنْضِدُوا عَلَيْهِ مِن الْحِجَارَةِ فَفَعَلْنَا» انتهى الحديث، إنَّه إنما قتله بعد أن علم أن قتله لا يجوز بقيام الحجة عنده على ذلك. والدليل على ذلك من الحديث قوله فيه للنبي ﵇: إِنِّي قَدْ أَصَبْتُ ذَنْباً فاسْتَغْفِرْ لِي والله أعلم. [كراهية تفسير القرآن بما يظهر من المعنى] في كراهية تفسير القرآن بما يظهر من المعنى فيه قال مالك: أَخبرني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب

стр. 8087

أنه سُئل عن آية في كتاب الله، قال سعيد: لا أَقول في القرآن شيئاً. قال ابن القاسم: قال مالك: وبلغني عن القاسم بن محمد نحو ذلك قال مالك: وبلغني أَنَّ أَبا بكر قال: أَيُّ سماء تُظلني؟ وَأَيُّ أَرضٍ تُقِلُّني إن أَنا قلت على الله ما لا أَعلم. قال محمد بن رشد: هذا من قول الأئمة من السلف الصالح حجة لقول من ذهب إلى أَن المتشابه من القرآن لا يعلم تأويله إلَّا الله، وأَن ذلك ممَّا استأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله سواه، وأن الوقف في الآية يَحسُن عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] فَثم تمَّ الكلام، ثم يبتدئ القارئ بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ومن أَهل العلم من يقول: إِن الراسخين في العلم يعلمون تأويله أيَضاَ بما نصب لهم من الأدلة على معرفته، وجعل لهم من الطرق الموصلة إليه. وتمام الكلام الذي يحسن فيه الوقف، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] ، ثم يبتدئ القارئ بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] أي وهم يقولون: آمنا به. وسيأتي الكلام على تفسير الآية في رسم البز إن شاء الله وبالله التوفيق. [حكم المفاوضْة والمناظرة] في استحسان المفاوضْة والمناظرة قال مالك كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما رأيت أحداً لَاحَى الرجال لم يأخذ بجوامع الكلم. قال محمد بن رشد: الملاحاة المفاوضة والمناظرة، فمن تدرب في ذلك تعلم تحسين العبارة في الحجة، فكان له بذلك فضل بيان الصواب بتحرير العلة. ورواه أَبو عبيدة في غريب الحديث: "عَجِبْت لِمَن لَاحَنَ الرِّجَالَ " بالنون. واللَّحَن الفطنة بفتح الحاء ومنه حديث النبي عليه

стр. 8088

السلام: «وَلَعلَّ بَعْضَكُم أَن يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ» . [تَمْتَشِطَ الْحَادُّ بِالْحِنَّاء وَتَجْعَلَ فِي عَيْنِهَا صَبِراً] فيما كرهت أم سلمة للحادِّ أن تفعله قال مالك: بلغني أَنَّ أمَّ سَلَمَةَ كَرِهَتْ أن تَمْتَشِطَ الْحَادُّ بِالْحِنَّاء وَتَجْعَلَ فِي عَيْنِهَا صَبِراً. قال محمد بن رشد: هذا في المدونة عن أمِّ سَلَمَةَ أنَّهَا كَرِهَتْ أن تَمْتَشِطَ الْحَادُ بِالْحِنَّاء وقالت: تَجْمَعُ رَأسَهَا بِالسِّدْرِ، وهو مذهب مالك. قال: لا تمتشط بالحناء ولا الكتم، ولا بشيء مما يختمر في رأسها، وإنما كرهت - أم سلمة - أن تجعل في عينها صَبِراً لما جاء من «أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ دَخَل عَلَيْهَا وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أبِي سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنِهَا صَبراً، فقَالَ: مَا هَذَا يا أمَّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: إِنَّمَا هُوَ صبِرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أجْعَلِيهِ بِاللَّيْل وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ» . ذكر ذلك مالك في الموطأ وباللَّه التوفيق. [قصر الصلاة بمنى وعرفة] في قصر الصلاة بمنى وعرفة قال مالك: بلغني أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد اللَّه يفتيان بقصر الصلاة بمنى وعرفة، قال مالك: وحدثني نافع، أن ابن عمر كان يصلي ركعتين بمنى وعرفة، إلا أن يصلي مع الِإمام فيصلي بصلاته. قال محمد بن رشد: معناه أنهما كانا يفتيان من حج من أهل مكة أو

стр. 8089

كان مقيماً بها من غير أهلها بقصر الصلاة بمنى وعرفة، كما كان يفعل ابن عمر في رواية نافع. وهو مذهب مالك لم يختلف قوله في أنه يقصر بمنى وبعرفة وفي مواطن الحج إلا في رجوعه من منى إلى مكة بعد انقضاء حجه، إذا نوى الإِقامة بمكة أو كان من أهلها على ما تقدم، فكان أولاَ يقول: إنه يتم، مراعاة لقول من يرى أنه يتم، إذ ليس في سفر تقصر في مثله الصلاة، وهو مذهب أهل العراق، ثم رجع فقال: إنه يقصر حتى يأتي مكة، بناء على أصله في أنه من أهل القصر دون مراعاة منه لقول غيره. وكذلك اختلَف في ذلك أيضاً اختيار ابن القاسم. فمن ذهب إلى أنه يتم قال: إنما قصر رسول اللَّه ﷺ بمنى وعرفة، لأنة كان مسافراً إذ لم يقم بمكة قبل. خروجه إقامة يجب عليه بها الإِتمام وهو مذهب أهل العراق. ومن ذهب إلى أنه يقصر قال: بل قصر رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بمنى وعرفة وقد أقام بمكة إقامة تخرجه عن السفر، لأنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة. فأقام بمكة إلى يوم التروية. وذلك أربع ليال، وقد مضى هذا المعنى في رسم شك من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وباللَّه التوفيق. [ما يقال في الحج عند محاذاة الركن في بطن المسعى] فيما يقال في الحج عند محاذاة الركن في بطن المسعى وسئلِ مالك عما يتكلم به الناس إذا حاذوا الركن الأسود: اللَّهُمَّ إِيمَاناَ بِكَ وَتَصدِيقاً بِكِتَابِكَ، وما يتبعه من الكلام مثل ما يقول في بطن المسعى: اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ واعْفُ عمّا تَعْلَمُ، فأَنكر ذلك وقال: ليس في هذا شيء معروف، ولا أعرف هذا، وأنكر أن يكون هذا من العمل، قال: وليس في ذلك شيء معروف، إلا على ما تيسر. قال محمد بن رشد: قد استحب ابن حبيب أن يقول الحاج عند استلام الركن: بِاسْم اللَّهِ وَاللَّهُ أكْبَرُ اللَّهمَّ إِيماناً بِكَ، وَتَصْدِيقاً بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﵇ قال فقد حدثني أصبغ عن ابن وهب عن محمد بن

стр. 8090

عمر، أن النبي ﵇ علم ناساً من أصحابه أن يقولوا هذا. واستحب أيضاً أن يقول في هرولته ببطن المسيل بين الصفا والمروة: رَبِّ اغفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَا تعْلَمُ أنْتَ الرَّبُّ الأحْكَمُ، وَأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ. قال: فقد كان ابن عمر يقوله في هذا الموضع على ما حدثني غسان بن قيس عن ابن جريح عن مجاهد، وهذا كله من الكلام الحسن، فلا يكره مالك لأحد أن يقوله، وإنما أنكر أن يكون هذا من القول أمراً قد جرى العمل به فلا يتعدَّى إلى مَا سِوَاه من الذِّكر والدعاء. وبالله التوفيق. [كراهية اتكاء الرجل على يده اليسرى عند أكله] في ذكر كراهية اتكاء الرجل على يده اليسرى عند أكله وسئل مالك عن الرجل يأكل وهو واضعِ يده اليسرى على الأرض. فقال: إِني لأتَّقيه، وما سمعت فيه شيئاَ، وإني لأكرهه. قال محمد بن رشد: كره مالك هذا لأنه أشبه عنده الاتِّكاءَ، وقد قال رسول اللًه ﷺ : «أما أنا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئَاً» والمعنى الذي من أجله أبى رسول اللَّه ﷺ أن يأكل متكئِاً هو مَا رُوي «أنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ إِلَيهِ مَلَكاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، وَمَعَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ الْمَلَكُ: إِنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً نَبيّاً وبين أن تَكُونَ مَلِكاً، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جِبْرِيل كَالْمُسْتَشِير، فَأشَارَ جِبْرِيلُ إلَيْهِ أنْ تَوَاضَعْ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا بَلْ أكُونَ عَبْداً نَبِياً فَمَا أكَلَ بَعْدَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ طَعَاماً مُتَّكِئاً» . ويحتمل أن يكون المعنى في ذلك أنه يورث العجب والخيلاَء وأنه من فعل الأعاجم وباللَّه التوفيق. [ثناء النبي ﵇ على أصحابه] في ثناء النبي ﵇ على أصحابه قال مالك: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

стр. 8091

«نِعْمَ الرَّجُلُ أبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عمَر بْنُ الْخطَّاب، نِعْمَ الرجُلُ أبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجراح، نِعْمَ الرَّجُلٌ مُعَاذُ بْنُ جَبلٍَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، نِعْمَ الرجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ بْنِ شَمَاسٍ، نِعْمَ الرَّجُل عُمَرُو بْن الْجَمُوحَ» . قال محمد بن رشد: في هذا الحديث تقديم أبي بكر الصديق على عمر بن الخطاب، وليس في قوله: نِعْمَ الرَجُلُ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجرَّاح بعد قوله عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، دليل على أنه أفضل الناس بعده، والذي عليه عامة أهل السنة، وكافة علماء الأمة، أن أمة نبينا ﵇، أفضل الأمم، كما أنه هو أفضل الأنبياء والرسل، وخاتم النبيين، وسيد الخلق أجمعين، وأَن أفضل أصحابه ﵇: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثمِ عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، وقد روي هذا عن مالك نصاَ وقيل: إنه الذي رجع إليه بعد أن كان وقف في عثمان وعلي، فلم يفضل أحدهما على صاحبه على ظاهر ما وقع في كتاب الديات من المدونة على أنه كلام محتمل للتأويل، لأن قوله: ويرى الكف عنهما يحتمل أن يكون من كلام ابن القاسم، حكاية عن مالك، ويحتمل أن يكون من قول مالك، حكاية عمن أدرك ممن يقتدي به ولعله يريد في الرواية، لا في العلم والفقه، ولعلَّه قد صح عنده عمَّن لم يدرك ممن هو أرفع مرتبةً ممن أدرك تفضيل عثمان على علي، فأخذ بذلك، على ما روي عنه منصوصاً عليه، وقد وقع في بعض الروايات، ورأيته يرى الكف عنهما، فيكون هذا تأويلاً من ابن القاسم على مالك، والتأويل قد يخطئ ويصيب. ثم يقدم بعد هؤلاء الخلفاء في التفضيل، بقية العشرة، الذين شهد لهم رسول اللًه ﷺ بالجنة، وهم الزبيرُ بن العوَّام، وطلحة بن عُبيد اللَّه، وعبد الرحمن بن عوف، وسعدُ بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وسعيد بن زيد.

стр. 8092

وهؤلاء العشرة كلهم بدريُون، ثم التقدم بعد هؤلاء العشرة في الفضل لبقية أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم أصحاب الشجرة ومنهم من اتفقت له هذه المواطن كلها، ومنهم من نال بعضها، ثم مَنْ أنْفَقَ مِن بَعْدِ الْفَتح وَقَاتَلَ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ومن أهل العلم من ذهب إلى أن من مات في حياة رسول اللَّه ﷺ من الشهداء، مثل حمزة، وجعفر، وسعد بن معاذ، ومصعب بن عمير، أو مات في حياته وإن لم يكن من الشهداء، كعثمان بن مظعوّن الذي قال فيه رسول اللًه ﷺ : «ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلبَّسْ مِنهَا بِشَيْءٍ» أفْضَل مِمَّنْ بَقِيَ بَعْدهُ. وإياه اختار ابن عبد البر ومن حجتهم قوله ﷺ : «الشَهَدَاءُ أحَدُ هَؤُلَاءِ اشهد عَلَيْهِمْ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ الصدَيقُ: ألَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِم أسْلَمْنَا كَمَا أسْلَموا وَجاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا؟ فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَلَى وَلَكِنْ لَا أدرِي ما تُحْدثونَ بَعْدِي» . وهذا لا حجة لهم فيه، لأن الحديث ليس على عمومه في أبي بكر وغيره، لأن العموم قد يراد به الخصوص، كقول النبي ﵇: «اللَّهُمَّ أشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلَى مُضَرٍ» . وإنما أراد الكافر منهم دون المؤمن، فالقول الأول هو الصحيح، ويؤيده ما روي عن ابن عمر أنه قال: كُنَّا نفاضل على عهد رسول اللَّه ﷺ فنقول: أبو بكر ثم عثمان، ثم نسكَت، وباللَّه تعالى التوفيق.

стр. 8093

[التوصية بالقبط] في التوصية بالقبط قال مالك: عَن ابْنِ شِهَاب، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا افتَتَحْتُمْ مِصْرَ، فَاسْتَوْصُوا بِالقِبْط خَيْراَ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً» قال: وكان يقال: أم إسماعيل بن إبراهيم آجرُ منهم. قال محمد بن رشد: في هذا الحديث علم من أعلام النبوءة، لأنه أعلم فيه بما يكون من افتتاح مصر بعده، والرحم الذي للقبط هو ما ذكره من أن أم إسماعيل منهم. وأما قوله: إِنَّ لهُم ذِمَّةً وَهم يومئذ لا ذمة لهم، لأنهم أهلُ حرب، فمعناه: إِن لهم ذماماً برحمهم، يجب مراعاتها لهم إذا عوهدوا أو مُلكوا ويقال: هَاجَرَ وَآجَر، وذلك واحدٌ، مثل أرقت الماء وهرقت الماء. واللَّه الموفق. [ما جاء من أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء] فيما جاء من أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء قَالَ مَالِكٌ عَن نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «الْكَافِرُ يأكلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالْمُؤْمِنُ يأكلُ فِي مِعي وَاحِدِ» .

стр. 8094

قال محمد بن رشد: هذا من المجاز على غير حقيقة اللفظ، لأن عدد أمعاء الكافر والمؤمن سواء، فإنما هو مَثَلٌ ضربه في قلة الأكل من كثرته، على سبيل الاستعارة. وهو كثير. من ذلك قوله : ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] واختلف في تأويله، فقيل: إنه على ظاهره في مقدار أكل المؤمن من أكل الكافر، ومعناه: في الرجُل بِعَيْنِهِ الَذِي ضَافَ النَّبيَّ ﵇ وهُوَ كَافِرٌ، فَأمَرَ لَهُ النَّبيُ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا ثَمّ بِأخْرَى فَشَرِبَه، ثُمَ بِأخْرَى فَشَرِبَهُ، حًتّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْع شِياهٍ، ثمَ إِنَّهُ أصْبَحَ فَأسْلَمَ فَأمَرَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِأخْرَى فَلَمْ يَسْتَتمَّها فقال ذلك القول، فكان مقصوراً على ذلك الرجل الذي كان سببه، ولم يكن على عمومه في كل مسلم وكافر، وقيل: ليس على ظاهره في مقدار أكل المؤمن من أكل الكافر إذ قد يكون الكافر قليل الأكل، والمؤمن كثير الأكل، وقد كان يطرح لعمر صاع من تمر فيأكله، حتى يأكل حشفه، وَمَن يُساويه في جودة الإيمان؟ وإنما معناه: إِنَّ الكافر يرغب في الدنيا ويستكثر منها، ولا يؤثر على نفسه، إذ لا يعتقد القربة بذلك، والمؤمن يدخر فيها، ولا يستكثر منها، ويطوي بطنه عن جاره، ويؤثره على نفسه، أي إن هذا هو فعل المؤمن الممدوح إيمانه، وهذا أولى ما قيل في تأويل الحديث. وقد قيل: المعنى فيه إِن المسلم يسمي اللَّه تعالى على طعامه ليضع له البركة به، والكافر لا توضع له البركة في طعامه أي لا يسمي اللَّه واللَّه أعلم. [ما جاء في أنَّ الحُمّى مِنْ فَيْح جَهَنَّمَ] في أنَّ الحُمّى مِنْ فَيْح جَهَنَّمَ قال مالك: عَن نَافِعٍ عَن ابن عُمَرَ إِنَّ النَّبيً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 8095

وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْحُمّى مِنْ فيْح جَهًنّمَ، فأبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» . قال محمد بن رشد: أعلم النبي ﵇ بهذا الحديث أن ما يجده المحموم من حر الحمى هو من حر جهنم، كما أعلم ﷺ أن ما يجده الناس من شدة الحر، هو من فيح جهنم، فوجب الِإيمان بذلك، وأن اللَّه يبتلي المؤمن بالحمى من فيح جهنم، ليثيبه على ذلك، وقد كان مجاهد يقول في قول اللَّه : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أن ورود المؤمن هو ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض، وذلك حظ من النار. وروي ذلك في حديث عَنْ أبِي صَالِحٍ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: خَرَجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَقُود رَجلاً مِنْ أصْحَابِهِ وَعِكاً وَأنَا مَعَهُ ثُمِّ قَالَ: إِنَ اللَّهَ قَالَ: هِيَ نَارِي أسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لِتَكُون حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الآخِرَة» . [ما يروى عن ابن عمر أنه كان يدعو به] فيما يروى عن ابن عمر أنه كان يدعو به قال مالك عن نافع، قال: كان ابن عمر يقول: اللَّهُمَّ أذهِبْ عَنِّي الرَجْزَ. قال محمد بن رشد: الرجز العذاب، قال : ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] أي العذاب الذي أرسله عليهم من الطوفان والجراد والقمل والضفادع. وقد يراد بالعذاب وسوسة الشيطان، لأنها مُؤدية إلى

стр. 8096

العذاب. قال : ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١] إلى قوله: ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١] أي وسوسته، وهو الذي أراد ابن عمر بما دعا به. واللَّه أعلم، لأن من سلم من وسوسة الشيطان بعصيانه، وترك طاعته، فقد نجا، واستوجب جنة المأوى. فخير ما يدعو به العبد ويرغب فيه إلى ربه أن يعصمه من الشيطان الرجيم. وباللَّه التوفيق. [وصايا عمر بن الخطاب] فيما ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أوصى به عن زيد بن أسلم أنَّ عمرَ بْنَ الْخَطَّاب قَالَ: أوصِيكُم بِالأنْصَارِ خَيْراً وأوصِيكُم بِالْعَرَب خَيْراً وَأوصِيكُم بَأهل الذِّمَةَ خَيْراً. وقال مالك عن يحيى بن سعيدَ، أن عمر بن الخطاب كان يقول: مَنْ كَانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَعْمُرْهَا، ومن كان له مال فليصل فيوشك أن يأتي من لا يعطي إلا من أحب. قال محمد بن رشد: المعنى في توصيته بمن وصى بهم أن يُحفظوا ويُراعوا ويُحسَن إِلى مُحسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم. وإنما أوصى بالأنصار لتقدمهم في الِإسلام، وسابقتهم فيه، ولأن النبي ﵇ أوصى بهم، وَدَعَا لَهُم وَلِأبْنَائِهِم، فَقَالَ: «اللَّهًمَّ اغْفِرْ لِلأنْصَارِ، وَلأِبْنَاء الأنْصَارِ» . وإنما خص العرب بالتوصية بهم دون غيرهم، من العجم، لمكانتهم من النسب، ولما خشِي أن يُجْهَلَ عليهم، لما في كثيرٍ منهم من الجهل، وإنما أوصى بأهل الذمة مخافة أن تُستخف إذايتُهم من أجل كفرهم. وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَداً أوْ ذِمِّيَاَ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وإنَّ رَائِحَتَها لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» . وإنما

стр. 8097

أوصى الناس بحفظ أموالهم بالقيام عليها، مخافة أن يضيعوها اتكالاً منهم على أعطيات الِإمام. وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عَن إِضَاعَةِ الْمَال. وهذا من إضاعته. وقد قيل في تأويله غيرُ ما وَجْهٍ. وقول عمر ﵁: فَيُوشِكُ أن يَأتِيَ مَن لَا يُعْطِي إِلاَّ مَنْ أحبَّ. معناه: فيغلب على الظن أن ذلك يكون فكان كما غلب على ظنه. وقد كان ﵁ يقول الشيء على ظنه، ويرأسه، فيكون على ما قال. من ذلك قوله: " وَافَقْتُ ربِّيِّ فِي ثَلَاثٍ. منها: آيَةُ الْحِجَابِ، وآيَةُ فِدَاءِ الأسْرَى، وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ " وقد قال رسول اللَّه ﷺ : «سَيَكُونُ بَعْدِي مُحَدَّثُونَ، فَإِن يَكُنْ فَعُمَرُ، فَقَال: إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ عَلَى قَلْبِ عمَرَ وَلِسَانِهِ بِالصِّدْقِ» وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: كنّا نَعُدّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ على لِسان عُمر. وأما قوله: أدركْ أهلَك فقد احترقوا للذي سأله عن اسمه، فقال حمزة: فقال: ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: مِمّن؟ قال من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار، قال: بأيتها؟ قال: بذاتِ لظى. فكان كما قال، فإنما ذلك واللَّه أعلم من معنى قول النبي ﵇: «إِنَّ الْبَلاَءَ مًوَكَّلٌ بِالْقَوْل» . وباللَّه التوفيق. [ما يقاتل عليه الناس] فيما يقاتل عليه الناس قال مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ قَالَ: «أُمِرْت أن أقَاتِلَ النَّاسَ حًتّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلّاَ اللَّهَ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي مَاءهُم وأَمْوَالَهُم إِلَّا

стр. 8098

بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُم عَلَى اللَّهِ» . قال محمد بن رشد: معنى قوله: " حَتَّى يَقُولُوا لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ " أي حتى يسلموا فيقولوا لا إلهَ إلّاَ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ويلتزموا سائر قواعد الِإسلام. وهي الصلاة والزكاة والصيام، وحج بيت الله الحرام، من استطاع إليه سبيلاً، لأن رسول الله ﷺ قال: «بُنيَ الِإسْلَامُ عَلَى خَمْس شَهَادَة أَن لَا إله إلاَّ الله وَإقَام الصَّلاَةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْم رَمَضَانَ، وَحَجِّ بَيْتِ اللِّهِ الْحَرَام» لَا أن قتالهم يحرم بمجرد قول لا اله إلا الله فقد قال أبو بكر الصديق: والله لأقَاتِلَنَّ من فرَّق بَيْنَ الصَلاَةِ وَالزَّكَاةِ. وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ذُكر في بعضها مع شهادة أن لا اله إلا اللَّه الصلاة، وفي بعضها الصلاةُ والزكاة، وفي بعضها الصيام والصلاة والزكاة وصيام شهر رمضان. وأداءُ الخمس وهو بين ما ذهبنا إليه من أنَّ الشرائع داخلة في الحديث بالمعنى، وإن لم تذكر فيه. وقد ذهب بعض من تكلم على معاني الحديث أن ما روي في هذا الحديث من اختلاف الألفاظ فيه، محمولة على ظاهرها من التعارض، لأن المعنى فيها أنها مرتبة على الأزمان، لأن الفرائض كانت تَنْزِلُ شيئاً بعد شيء، فالحديث الذي لم يذكر فيه شيء من الشرائع، كان في أول الإسلام قبل فرض الصلاة، والحديث الذي ذكر فيه الصلاة، ولم يذكر فيه الزكاة، كان قبل فرض الزكاة، والحديث الذي ذكر فيه الزكاة والصلاة، ولم يذكر فيه صيام رمضان كان قبل فرض صيام رمضان. والحديث الذي ذكر فيه صيام رمضان متأخراً عن الأحاديث الأول، والذي ذكرناه وذهبنا إليه في تأويل الحديث أولى والله أعلم. ومعنى قوله ﵇: " وَحِسَابُهُم عَلَى اللَّهِ " أي أنه

стр. 8099

هو يحاسبهم بما يعلمه من صدق نياتهم في ذلك، إذ لا يعلم حقيقة ذلك سواه. فإن اعتقدوا بقلوبهم ما قالوه بألسنتهم، كانوا مسلمين مؤمنين، وانتفعوا بإسلامهم، وإن لم يعتقدوه بقلوبهم، لم ينتفعوا بإسلامهم. وقد تكلمنا في صدر كتاب المقدمات على حكم الِإيمان والِإسلام والفرق بينهما عند من رآه وبالله التوفيق. [ترك غسل الجمعة] في جهل تارك غسل الجمعة قال مالك: بلغني عن ابن مسعود أنه سئل عن شيء فقال: لئن جهلت هذا لأنا أجهل من تارك غسل يوم الجمعة. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لأنه لا يترك سنة الغسل يوم الجمعة إلا من جهل السنة في ذلك، ولم يعرف قدرها لمن التزمها، ولم يضيعها من الفضل في ذلك، أو علمه فحرم التوفيق. وَقَدْ وَبَّخَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَاب عُثْمَانَ بْن عَفانَ، إذْ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: أَيَّةُ سَاعَةِ هَذِهِ؟ فَقَالَ يَا أميرَ الْمُؤْمِنِين: انْقَلَبْتُ مِن السُّوقِ، فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَمَا زِدْت عَلى أن تَوَضَّأت، فَقَالَ عُمَرُ وَالْوُضُوءَ أَيْضاً؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَن رسولَ اللَّه ﷺ كانَ يَأمرُ بِالْغُسل. وبالله تعالى التوفيق. [هل يكون الرجل أحق بمجلسه إذا قام عنه ثم رجع إليه] في هل يكون الرجل أحق بمجلسه إذا قام عنه ثم رجع إليه؟ وسئل مالك عن الرجل يقومُ من المجلس، فقيل له: إن بعض الناس يزعم أنه إذا قام الرجل من مجلسه ثم رجع إليه، إنه

стр. 8100

أحق به، فقال سمعت في ذلك شيئاً، وإنه لحسن إن كان إتيانه قريباً، وإن تباعد ذلك حتى يذهب بعيداً ونحو ذلك، فلا أرى ذلك له. وإن هذا لمن محاسن الأخلاق. قال محمد بن رشد: قوله: وإنه لحسن إن كان إتيانه قريباً، معناه: إذا قام عنه على أن لا يرجع إليه، وأما إن قام عنه على أن يرجع إليه فهو أحق به إن رجع بالقرب، فتحصيل هذا أنه إن قام عنه على أن لا يرجع إليه فرجع بالقرب، حسُن أن يقوم له عنه من جلس بعده فيه، وإن لم يرجع بالقرب، لم يكن ذلك عليه في الاستحسان، وإن قام عنه على أن يعود إليه فعاد إليه بالقرب، كان أحق به، ووجب على من جلس فيه بعده أن يقوم له عنه، وإن لم يعد إليه بالقرب، حسُن أن يقوم له عنه مَن جلس فيه بعده، ولم يجب ذلك عليه. وبالله التوفيق. [ما جاء في أن المرء مع من أحب] قال مالك: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: عَن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ «إنَّ أعرابِياً أدْرَكَ النبيَّ ﵇، فَقَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَة؟ فَقَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا، قَالَ لَا شَيْءَ، وَاللَّهِ لأنِّي قَلِيلُ الصَّلَاةِ، قَلِيلُ الصِّيَام، إلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ فَإنَّكَ مَعَ مَن أحببت» . قال محمد بن رشد: قوله: إني لقليل الصلاة، قليل الصيام، معناه في النافلة لا في الفريضة، لأن من ترك بعض الصلاة المفروضة، والصيام المفروض، مضيِّعاً لذلك أو مفرطاً فيه فمذهب ابن حبيب فيه أنه كافر. وذهب غيره إلى أنه لا يكون كافراً بترك شيء من الشرائع إلا بترك الصلاة خاصة، تعلقاً بظاهر ما روي عن النبي ﵇ من قوله: مَن

стр. 8101

تَرَكَ الصَّلاَةَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَن تَرَكَ الصَلَاةَ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلهُ، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ فَقَدْ حُشِرَ مَعَ هَامَانَ وَقَارُونَ) . والصحيح أنه لا يكون كافراً وإن تركها مضيعاً لها أو مفرطاً فيها، إذا كان مقراً بفرضها. قال رسول الله ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُن اللهُ عَلَى الْعِبَادِ فِي الْيَوْم وَاللَّيلة، مَن جَاءَ بِهِن لَمْ يُضَيًعْ مِنْهُن شَيئَاَ اسْتِخْفَافاً بِهَن، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أن يُدْخله الجنةَ، ومَن لَم يأتِ بِهِن، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذبَهُ، وإن شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» ، فإنما يستحق الرجل بتضييع الصلوات اسم الفسق، لا اسم الكفر. وقوله في الحديث: كَان لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْد أَن يدخله الجنة، معناه: ابتداءً دون أن يعذبه بإدخال النار، وقوله: فَلَيْس لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إن شَاءَ عَذبَهُ، وإن شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجنًةَ معناه: إن شاء عذبه ثم أدخله الجنة، وإن شاء أدخله الجنة ولم يعذبه، لأن من مات على الِإيمان، فلا بد له من دخول الجنة، لأنهُ إن دخل النار، فلا بد أن يخرج منها بالشفاعة على ما تظاهرت به الآثار وبالله التوفيق. [سؤال الناس النبي ﵇ الاستقاء] في سؤال الناس النبي ﵇ الاستقاء وسمعت مالكاً يقول: «أُتي إلى النبي ﵇ فقيل له: يَا نَبيَّ اللَّهَ: اسْتَسْقِ لَنَا فَدَعَا اللَّهَ لَهُم فَسُقُوا. ثمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ قابِل، جَاؤُوهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِينَا، فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ سَقْيَ الْكُفَّارِ؟» . قال محمد بن رشد: في هذا دليل على صحة رواية أبي

стр. 8102

المعصب عن مالك، إن الاستسقاء على سنة الاستسقاء من البروز إلى المصلى لا يكون إلا عند الحطمة الشديدة، ولا يؤثر عنه ولا عن أصحابه فيما علمت خلاف ذلك، فيحمل على البيان للمذهب، ويشهد لصحتهما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنمَا اسْتَسْقَى حِينَ جَاءَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه: هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السبُلُ، فَادْعُ الله وبالله التوفيق. [ما جاء في أن لله عباداً أهل عافية في الدنيا والآخرة] قال مالك وبلغني أن النبي ﵇ قال: «إنَّ لَلّهِ عباداً أَهْلَ عَافِيَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، إذ قد يكون الرجل يرزق المال الحلال فيعيش منه العيش الحسن، ويؤدي حق الله، ويقيم فرائضه من الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويجتنب محارمه، ويعافيه الله في بدنه طول حياته، ثم يميته على الِإيمان، فيكون معافيه في الدنيا والآخرة وبالله التوفيق. [الحلف بالله على الصدق] في الحلف بالله على الصدق قال مالك: بلغني أن عيسى ﵇ قال لقومه: إنَّ مُوسَى قَالَ لِقَوْمِهِ: لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إلاَّ وَأَنْتُم صَادِقُونَ، وَأَنَا أَقُولُ لَكُم لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ صَادِقِينَ وَلَا كَاذِبِينَ، قُولُوا: بَلَى وَنَعَمْ.

стр. 8103

قال محمد بن رشد: ظاهر قول عيسى ابن مريم ﷺ أن شرعه مخالف لشرع موسى ﵇ قبله فيِ إباحة الحلف بالله على الصدق، ومخالف لشرعنا أيضاً، لأن اللَّه تعالى قد أمر نبيه بالحلف باسمه في غير ما آيةٍ فقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس: ٥٣] ، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وقال: قُلْ: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يحلف لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَلَا وَمُقَلِّب الْقُلُوب. وَلا وجه لكراهة ذلك، لأن القصد إلى الحلف بالشيء تعظيم له، فلا شَك أن في ذكر الله تعالى على قصد التعظيم له أجراً عظيماً، ويحتمل أن يكون عيسى ابن مريم ﵇ إنما كره لهم اليمين بالله صادقين وكاذبين، مخافة أن يكثر منهم، فيكون ذريعةً إلى حلفهم بالله على ما لم يقولوه يقيناً أو يواقعوا الحنث كثيراً ويقصروا في الكفارة، فيواقعوا الإثم من أجل ذلك، لا من أجل اليمين بالله. وقد مضى في آخر سماع أشهب من كتاب النذور، لتكرر المسألة هناك. [وصية لقمان لابنه] في وصية لقمان لابنه قال مالك: وبلغني أن لقمان قال لابنه: يا بُنَيِّ جَالِس الْعُلَمَاءَ، وَزَاحِمْهُم بِرُكْبَتِكَ، فَلَعَلَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِم فَتصيبك مَعَهُم، وقال له في الفجار، في مجالستهم، مثل ما قال له في العلماء في الرحمة لئلاَّ ينزل عليهم سخط فيصيبك معهم. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين واضح ليس فيه ما يشكل وبالله تعالى التوفيق.

стр. 8104

[ما جاء في الِإبار] قال مالك: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْض الْحَوَائِطِ وَهُم يَأبرُون النَّخْلَ وَيُلَقِّحُونَهَا، فَقَالَ: " مَا عَلَيْكُمْ أَلّاَ تَفْعَلُوا " قالَ: فترك الناس الإبار في ذلك العام، فلم تطعم النخل، فشكوْا ذلك إلى رسول اللًّه ﷺ فقال: " إِنَّما أنَا بَشَر، فَاعْمَلُوا بِمَا يُصْلِحُكُم» . قال محمد بن رشد: التلقيح وضع الذكور في الأنثى. وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، يقرب بعضها من بعض منها: أنه قال: «مَا أَظنّ هَذَا يُغْنِي شَيْئاً وَلَوْ تَرَكُوهُ لَصَلُحَ، أَوْ لَا لِقَاحَ، أَوْ مَا أَرَى اللِّقاح شَيْئاً فتركوه فشيص فأخبر به رسول اللَّه ﷺ فقال: " مَا أنَا بِزَارِعٍ وَلَا صِاحِبِ نَخْلٍ، لَقِّحُوا أو قال: " إنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنّاً، وَالظَّنُّ يَخْطِئُ وَيُصِيبُ أَو لا تؤاخِذُوني بِالظَّنِّ، وَلَكِن إذَا حًدّثْتًكُم عَنِ اللَّهِ شَيْئاً فَخُذُوهُ، فَإنِّي لَنْ أكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» . فقال الطحاوي فيما روي من ذلك كله: إنه ليس باختلاف تعارض، وإنما معناه أنه قال ما قال من ذلك لقوم بعد قوم، فحكى كل واحد منهم ما سمع، ولم يكن ﷺ ممن يعاني ذلك ولم يكن من بلد فيه نخل، فاتسع له أن ينفي ما توهم بالظن استحالته، وهو أن يكون الِإناث من غير الحيوان يأخذن من الذكور شيئاً، ولم يكن ذلك إخبار منه عن وحي. هذا معنى قول الطحاوي والذي أقول به في ذلك إنه إنما قال للذين رآهم يأبرون النخل ويلقحونها ما قال لهم مما روي عنه في ذلك أنه قاله لهم لما علمه من أنه لا تأثير لشيء من

стр. 8105

المخلوقات في شيء منها بإفساد ولا إصلاح. وإنما الله هو المفسد المصلح، الفاعل لكل شيء، إلا أنه تعالى قد أجرى العادة بأن يفسد من المخلوقات، وأن يصلحها عند مباشرة غيرها لها، ويعلم ذلك من الناس من جرَّبه، فوجد العادة مستمرة عليه، كالأطباء الذين يعلمون الأدوية النافعة من الضارة لتجربتهم وتجربة من تقدم من أسلافهم، ولا يسلم من ذلك سواهم ممن لم يجرب من ذلك ما جربوه، فكذلك إبار النخل وتلقيحه، علِم الانتفاع به من جربه من أهل النخل بطول التجربة، ولم يعلمه النبي ﵇ إذ لم تتقدم له به تجربة، فقال لهم ما قال، مما هو مذكور في الآثار. وقولي كالأطباء الذين يعلمون الأدوية النافعة من الضارة، تَجَوُّزٌ في العبارة، إذ ليس الأدوية على الحقيقة بنافعة ولا ضارة، وإنما النافع والضار الله رب العالمين. [حكم الصفرة للرجل] في إنكار النبي ﵇ الصفرة للرجل، وإقادته من نفسه قال مالك: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً فيه أثَرُ صُفْرَةٍ، فَطَعَنَهُ بقدحٍ كَانَ مَعُه، فَقَالَ: له: أوْجَعْتنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَطَرَحَ الْقَدَحَ إلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ: " اسْتَقِدْ " فَقَالَ لَهُ الرجُل: إنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ وَعَلَيْكَ قَمِيصٌ، وَلَيْسَ عَلَيَّ قميصٌ. قال: فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصَ عَنْهُ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُقَبِّلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ» . قال محمد بن رشد: قوله: وبهِ أثَرُ صُفرَة معناه والله أعلم وبه ودع من زعفران، ففي طعنِ رسول الله ﷺ إياه لِما رأى به من ذلك على ما يدل عليه ظاهر الحديث، دليل على أن ذلك لا يجوز له، إذ لا ينكر على أحد ما يجوز له أن يفعله. وهذا نحو ما جاء عنه صلى الله

стр. 8106

عليه وسلم من رواية أنس بن مالك: «أنه نَهَى أن يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» وهو معارض لحديث أنس بن مالك في الموطأ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ وَبِهِ أثرْ صُفْرَةٍ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ أنَّهُ تَزَوَّجَ. الحديث إلى قوله: أوْلِمْ وَلَوْ بشَاةٍ لأن رسول الله ﷺ لم يُنكر عليه ما رأى به من أثر الصفرة، كما فعل بالرجل الذي طعنه بالقدح. ولتعارض هذه الآثار اختلف العلماء هل يكره للرجل أن يصفر لحيته بالزعفران، ويلبس الثياب المصبوغة؟ فذكر مالك في الموطأ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ، وَالْمَصْبُوغَ بالزّعْفَرَانِ. وجاء ذلك عن جماعة من السلف، وأخذ به مالك وأصحابه، فأجازوا لباس الثياب المصبوغة بالزعفران للرجال. وإنما كره ذلك مالك في الإِحرام. وقد سئل ابن شهاب عن الخلوق، فقال قد كان أصحاب رسول الله ﷺ يتخلقون، ولا يرون بالخلوق بأساً. وكره الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما أن يصبغ الرجل ثيابه ولحيته بالزعفران. وقال ابن شهاب هذا جائز عند أصحابنا في الثياب دون الجسد، وهو قول ثالث في المسألة. وإقادة النبي ﷺ الرجل الذي طعنه بالقدح من نفسه تواضعاً منه لله بأن أعطى من نفسه ما لم يجب عليه، إذ لم يفعل به إلا ما كان له أن يفعله به، لمخالفته ما كان قد علمه من أمره والله أعلم. لكنه لما قال له: قدْ أوجعتني خشي أن يكون قد تجاوز القدر الذي كان أراده خطأً منه. والخطأ ليس بمسئول عنه، فتنحى من ذلك بالِإقادة من نفسه تطوعاً من غير

стр. 8107

أن يجب ذلك عليه ﷺ . وقد روي «أن رسول الله ﷺ عدَّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم فمر به ابن غزية حليف بني عدي ابن النجار وهو مستنصل من الصف فطعن في بطنه بالقدح، وقال: استوِ في الصف يا سواد، فقال: أوجعتني يا رسول الله وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني قال: فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه. فقال. استقد. قال: فاعتنقه وقبل بطنه. فقال: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يا سَوَادُ قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا رسول الله ﷺ له بخير وقاله» . وقع هذا الحديث في البر لابن هشام فإن كان حديث الجامع، على ما يدل عليه ظاهره من أن رسول الله ﷺ ، إِنما طعن الرجل من أجل ما رأى به من الصفرة، فهو حديث آخَر، في رجل آخَر، ويحتمل أن يكون هو الحديث بعينه، ويكون المعنى فيه أن رسول الله ﷺ رأى الرجلَ يريد سواد بن غزية، وفيه أثر صفرة خارجاً عن الصف يوم بدر، فطعنه بقدح كان بيده، ليعتدل في الصف. الحديث. وقوله: فجعل الرجل يقبل ذلك الموضع، إشارة منه إلى الموضع الذي كشفه له ليستقيد منه. وبالله تعالى التوفيق. [ما جاء من أن رسول الله لم ينتقم قط لنفسه] فيما جاء من أن رسول الله لم ينتقم قط لنفسه قال مالك: بلغني «أن عائشة قالت: مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صلّي اللهُ عَلَيْهِ وَسلّمَ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ أتَى إِلَيْهِ إِلّاَ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتقِم لِلّهِ مِنْهَا» . قال محمد بن رشد: يشهد لما قالته عائشة قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] «وسئلت عائشة عن خُلقِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 8108

وسلم قالت: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ» تريد أنه كان جبل على ما حَض الله عليه في القرآن من العفو والصفح. والتفضل والإِحسان بقوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] فكان ﷺ يحلمُ عمن جهل عليه، ويعفو عمن ظلمه، فلا ينتقم إلا لله، وقد قال ﷺ : «بُعِثْتُ لأتَمِّم حسن الأخْلَاقِ» وبالله التوفيق. [التحذير من الدخول في الفتن] في التحذير من الدخول في الفتن قال مالك: وبلغني أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان مجالس رجل من الأنصار يسمى أبا جُهَيْم، قال: فكان عبد الله ابن عمرو بن العاص يحدثه عن الفتن، فلما كانت الفتنة، بلغ أبا جهيم الذي كان من عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: دخل فيما دخل فيه. وقد كان يحدثني بما يحدث به في الفتن. إن لله علي أَلَّا أكلمه أبداً. قال: فقدم عبد الله بن عمرو بن العاص فلقي الرجل فكلمه فأبى ثم كلمه فأبى فقال عبد الله: أنَا أعْرِفُ لم تركت كلامي لما كنت أُحدثك؟ قال محمد بن رشد: أبو جُهَيم هذا هو والله أعلم عبد الله بن جهيم الأنصاري الذي روى عن النبي ﵇ في المارِّ بَيْنَ يَدَي

стр. 8109

الْمُصَلي أنَّهُ لَوْ عَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أن يَمُرَ بَيْنَ يَدَيْهِ ويحتملّ أن يكون أبو جهيم بن الحرث بن الصمة الأنصاري الذي روى عن النبي ﵇ أنه أتى من نحو بير جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه شيئاً، حتى أتى على جدار، فمسحَ بوجهه ويديه، ثم رد عليه. وعبد الله بن عمرو بن العاص من فضلاء الصحابة، ولد لأبيه عمرو وهو ابن بضع عشرة سنة، وأسلم قبله، وكان يسرد الصوم، ويقوم الليل، فشكاه أبوه إلى رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وإن لأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَإِنَّ لَزَوْجك عَلَيْك حَقاً قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وأفْطِرْ صُمْ ثَلَاثَةٌ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ، قَالَ: فَإنِّي أطِيقُ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُهُ في الصِّيَام حَتَى قَالَ لَهُ: لَا صَوْمَ أفضَلُ مِنْ صَوْم دَاوُودَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً» «ونازل رسول الله ﷺ أيضاً في ختم القرآن فقال: " اخْتمْهُ في شَهْرٍ، فَقَالَ: إِنِّي أطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعه حَتَّى قَالَ: لَا تَقْرَأهُ فِي أقلَّ مِنْ سَبْع» وروي في أقلَّ مِنْ خَمْسٍ والأكثر على سبع. فوقف عند ذلك فكان لَمَّا أسنَّ يقول: وددت أنَّي قبلت رخصة رسول الله ﵇. والذي كان يحدث به أبا جُهَيم عن الفتن هو ما روي عن النبي ﵇ من التحذير منها نحو قوله: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِد فِيها خَيْر مِنَ الْقَائِم، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ

стр. 8110

المَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الساعِي مَن تَشَرَّفَ لَهَا تَستَشْرِفُه وَمَنْ وَجَد فيهَا مَلْجأً وَمَعَاذَاً فَلْيَعُذْ بِهِ ".» وقوله: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفِّاراً يَضرِب بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ» وما أشبه ذلك من الآثار المروية في ذلك عن رسول الله ﷺ ، فإِنه كان حافظاً لآثاره، لأنه استأذن رسول الله ﷺ أن يكتب حديثَه فأذِنَ له في ذلك، فكان واقفاً عليه وحافظاً له. والذي دخل فيه من أمر الفتنة وهجره عليه أبو جُهيم، هو شهوده صفين وقتاله مع معاوية. وقد ذكر أنه كانت بيده الراية يومئذ، وليس ذلك مما يقدح في عدالته، لأنه لم يفعل ذلك إلا وهو على بصيرة من أمره فيما أداه إليه اجتهاده. وقد روي أنه اعتذر من ذلك وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا بسهم، وأنه إنما شهدها لعَزْم أبيه عليه في ذلك، وأن رسول الله ﷺ قال له: «أطع أبَاكَ» . وإنما أطاعه بما عرض عليه من الحجة التي ظهرت عليه حينئذ، لا أنّه أطاعه ويعتقد أنه على خطأ. هذا ما لا يحل أن يتأول عليه ﵁ لأنه لا طَاعَةَ لأَحدٍ في مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ثم اعتذر بعد ذلك من الأمر، إذ ظهر له خلاف رأيه الأول فيه، فهو محمود في كِلتي الحالتين، وَعتْبُ أبي جُهيم عليه، إنما كان إذ لم يتورع عن ذلك. وقد كان في سعة منه. وإن كان يرى حينئذ أن معاوية على صواب لأنه رآه مغرراً إذ من يقاتل على الاجتهاد فيما لا نص فيه، فقد تذكره البصيرة في خلاف رأيه، وهو قد نشب في القتال، فتذكره الحمية مما دخل فيه من القتال فيتمادى عليه،

стр. 8111

فيكون قد وقع في الحرج، والتوقي من ذلك هو الحظ، كفعل أحد ابني آدم، إذ قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨] ولا شك أنه رجع إلى تكليمه إذ بين له الوجه الذي دخل فيما دخل فيه من أجله، فهو الذي يدل عليه قوله له: أنا أعرف لما تركت كلامي لما كنت أحدثك به، لأن المعنى في ذلك، أنا أعرف ذلك، وإنما دخلت فيما دخلت فيه لوجه كذا والله أعلم. [التحفظ من سوء الظن ونصيحة الِإمام لرعيته] في التحفظ من سوء الظن ونصيحة الِإمام لرعيته قال مالك: بلغني أن ابن عمر باع من رجلين تبناً، قال: فكان يكيل لهما، وقعد إلى جنب حائط في ظله، فذهب الظل عنهما، وأصابت ابن عمر الشمس، فقال له الرجل: إن لو انصرفت عن الشمس، فإنا لا نزيد على حقنا. فقال: أما إني لا أرى إلا وقد صدقتكما، ولكن القعود في الشمس أحب إلي من ظن السوء. قال مالك عن قطن بن وهب عن عمه، أنه سمعه يقول: كنت مع عمر بن الخطاب حتى إذا كنا بالرَّوْحَا أو قريباً من الروحا، رأى عمر بن الخطاب راعياً فعدل إليه من الطريق برواحله، حتى دنا منه، ثم قال: يا راعي إني رأيت مكاناً هو أكلأ من هذا المكان الذي أنت فيه، فانتقل إليه وهو مكان كذا وكذا، ألا وإن كل راع مسئول عن رعيته. ثم انصرف. قال محمد بن رشد: المعنى في هذين الحديثين بيِّن، ليس فيه ما يخفى فيحتاج إلى بيانه وبالله التوفيق. [التحذير من اتباع الهوى ومن الزيغ البعيد] في التحذير من اتباع الهوى ومن الزيغ البعيد وقال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: أُحَذِّرُكُم مَا

стр. 8112

مَالَتْ إِلَيْهِ الأهْوَاء وَالزَّيْغَ الْبَعِيدَ. قال محمد بن رشد: إنما حذر ﵁ من اتباع الهوى لقوله : ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] والزيغ البعيد هو الِإغراق في القياس، والغلو في الدِّين، وكلاهما مذمومان، لأنك لا تكاد تجد الِإغراق في القياس إلا مخالفاً للسنة، والغلو في الدِّين منهي عنه. قال : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] وبالله التوفيق. [حكاية بينة في المعنى ليس فيها ما يخفى] قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: إني لست متبوعاً ولكن متَّبِعاً، ولست بقاض ولكن منفَذ، ولست بخير من أحدكم ولكنَي مِن أثقَلِكم حملاً. قال مالك: ورفعوه إلى النبي ﵇ قال: " مَنْ «أحْدَثَ في المدينَةِ أوْ أَوَى مُحْدِثاَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالُمَلاَئِكَةِ والنَّاس أجْمَعِينَ» . قال مالك: يريد من عمل بمعاصي الله، أو أوى أهل المعاصي في رأي. قال مالك: بلغني أن المِسْوَر بن مخرمة، دخل على مروان، فجلس معه. قال: فسأله مروان عن شيء، أو ابتدأَهُ به المسور فقال له: بئس ما قلت، فركضه مروانُ برجله، قال: فخرج المسور، قال: ثم إن مروان نام فأتِيَ في المنام، فقيل له: ما لك وللمسور؟ ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٨٤] ، قال

стр. 8113

فأرسل مروان إلى المسور فقال: إني قد زجرت عنك في المنام، وأخبره بالذي رأى، فقال له المسور: ولقد نهيت عني في اليقظة والمنام، وما أراك تنهى. قال مالك: كان في المسجد مجلس من أهل الفضل فيما مضى والفقه، فكان الرجلان يأتيان في الأمر يكون بينهما، فيدليان بحججهما، فإذا رأوا أن أحدهما أظلمُ، قالوا له: ما نراك إلا أظلم. ووعظوه. فإن انتهى، وإلا حصبوه بالحصباء كلهم، حتى يقوم من عندهم وباللَّه التوفيق. [ما روي عن النبي ﵇ في سعد بن معاذ] في قول مالك فيما روي عن النبي ﵇ في سعد وسألت مالكاً عن الحديث الذي يذكره الناس عن النبي ﵇ في سعد بن معاذ. فأنكره وقال: إني أنهاك أن تقوله، وما يدعو أمرأ أن يتكلم بهذا ولا يدري ما فيه من التغرير. وقال مالك: حدثنيِ يحيي بنِ سعيد قال: لَقَدْ نَزَلَ لِمَوْت سعد بْنِ مُعَاذ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مَا نزَلُوا الأرْض قَبْلَهَا. قال محمد بن رشد: إنما نهى مالك أن يتحدث بهذا الحديث وهو ما رُوي أنّ الْعَرْشَ اهْتَزَّ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ويتكلم به، مخافة أن يَشِيعَ في الناس فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها، لظنهم أنّ العرش إذا اهتز أي تحرك، تحرك الله بتحركه، كالجالس منا على كرسيه إذا تحرك الكرسي تحرك هو بتحركه. وليس عرش الرحمن بموضع استقرار له، إذ ليس في مكان، ولا مستقر بمكان، تعالى

стр. 8114

عن ذلك ذو الجلال والِإكرام. وقد اختلف في تأويل الحديث، فقيل: بأن المراد بالعرش سريره الذي حمل كلليه، فيكون المعنى فيه: إِن الله أحياه معجزة للنبي ﵇، وأفهمه منزلته عند الله، فاهتز هيبة له، كما أحيا الجذع الذي كان يخطب إليه، إذ صنع له الكرسي فحنَّ إليه وجأر، حتى ارتجَّ له المسجد، وقيل: إن المراد به عرش الرحمن، وذلك مذكور في بعض الآثار، فقيل على هذا المعنى فيه: إنه اهتز حملته استبشاراً لقُدومه عليهم. خرج مَخْرَجَ: وَاسْأْل الْقَرْيَةَ أي أهلها. وَمَخْرَجَ قوله ﷺ : «هَذَا جَبَلٌ يُحِبًّنَا وَنُحِبُّه» . أي يحبنا أهله ونحب أهله. وقيل المعنى فيه، اهتز حقيقة بأن أحياه الله، وأفهمه منزلته عنده، فتحرك هيبة له، ولا يلحق ذلك الله ، إذ ليس بمستقر عليه ولا يحويه مكان. وبالله التوفيق. [ما كتب به عبد العزيز إلى ابنه عمر] فيما كتب به عبد العزيز إلى ابنه عمر قال مالك: بلغني أن عبد العزيز كتب إلى ابنه عمر بن عبد العزيز وهو بالمدينة: إنَّه لا دين لمن لا نية له، ولا جديد لِمَن لا خِلقَ له، ولا مال لمن لا رفق له، وكأنه بلغه عنه إسرافٌ في الكسوة. فلقد رؤي بعد كتاب أبيه إليه، وإِن ثوبه لمرقوع. قال محمد بن رشد: قوله لا دين لمن لا نية له صحيح، يشهد له قول النبي ﵇: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنيَّاتِ» ومعناه نفي الانتفاع بالعمل دون نية، لا نفي العمل، فمن أسلم ولم تكن له نية في أعماله، فهو ضعيف الدِّين، ليس له دين ممدوح، وقوله: لا جديد لمن لا يلبس الخلق، حكمة صحيحة منه، لأنه إِن لم يضن ثوبه الجديد بالخلق خلق الجديد بسرعة، فلم يكن له جديد. وقوله: لا مال لمن لا رفق له،

стр. 8115

صحيح أيضاً لأن من لا يرفق بماله، هلك سريعاً. وفي الحديث المحفوظ: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ، يُحِبًّ الرِّفْقَ وَيرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لاَ يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ، فَإذَا رَكِبْتُم هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ، فَأنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا، فَإنْ كَانَتِ الأرْضُ جَدْبَةً، فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنقْيِهَا فإنَّ الأرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْل مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ» وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قَطَعَ، وَلَا ظَهْراً أبْقَى» وبالله التوفيق. [أول من أحدث القتل] أحاديث بينة في المعنى قال مالك: بلغني أن ابن آدم الذي قتل أخاه حمله على عنقه، قال: فَبَعَثَ اللهُ الغرابَ، قال: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١] قال ابن القاسم بلغني أن ما من قتيل يقتل إلا ضوعف عليه العذاب، لأنه أول من أحدث القتل. قال ابن القاسم: وسمعت مالكاً قال: حدثني أبو الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أنْفِقْ عَلَيْكَ» ، حدثنا مالك: أن النبي ﷺ «أذِنَ لِي أنْ أحَدِّثَ عَن مَلَكِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أذُنِهِ وَعاتِقِهِ لمجرَى الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً» . قال محمد بن رشد: هذه أحاديث بينة في المعنى ليس فيها ما يخفى فلا وجه لتكلف القول بما هو بيِّنٌ يُدْرَى.

стр. 8116

[التكبير في الفطر والأضحى] في التكبير في الفطر والأضحى قال سحنونٌ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بن نَافِعٍ عَن كُثَيِّرَ بْن عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِي، عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَكانَ من أصْحَاب رَسُول اللهِ ﷺ ، «أن النبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأضْحَى وَالْفِطْرِ، فِي الرَّكْعَةِ الأولَى سَبْعاً قَبْلَ الْقِرَاءةِ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْساً قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» . قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة قبل هذا في رسم كتب عليه ذكر حق فلا وجه لِإعادته. [أخذ زكاة الفطر من أهل البادية] في أخذ زكاة الفطر من أهل البادية قال ابن القاسم: وحدثني عبد الله بن نافع عن كُثير بن عبد الله عن رِبح بن عبد الرحمن عَنْ أَبى سَعِيِدِ الْخُدْري «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، أخَذَ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ أهْل البَادِيَةِ» . قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأبي حنيفة. وقال الليث بن سعد ليس على أهل العمود زكاة الفطر أصحاب الخصوص والمظال، وإنما هي على أهل القرى. وهو قول ضعيف، لأنه كما يستوي الحاضرة والبادية في جميع شرائع الدين، من الصلاة والصيام، وزكاة العين والحرث والماشية، فكذلك يلزم أن يستويا في زكاة الفطر. وبالله التوفيق.

стр. 8117

[ما جاء في أن يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ابنا خالة] في أن يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ابنا خالة قال: وبلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة، وكان حماهُما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى ما في بطني سجد لما في بطنك، لتفضيل عيسى، فإن الله جعله يُحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ولم يكن ليحيى عيشٌ إلا عشب الأرض، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان على خده القار لأذابه، ولقد كان الدمع اتخذ في وجهه مجرى. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بيِّن، ليس فيه ما يخفى فيُحتاج إلى بيانه. وبالله التوفيق. [ما جاء في أَن الدعاء لا يرد القدَر] في أَن الدعاء لا يرد القدَر قال: وحدَّثني مالك أن ابناً لعبد الملك بن مروان مرض، فكأنَّهم رقوا له. قال: فقالت أُمه لو أخرجته إلى القراء والناس يدعون له. قال: فخرج، ثم إنه مات، قال: فدخل عليها عبد الملك. فقالت: قد دُعي له فمات، قال عبد الملك: إن لِلَّهِ عَزَائِمَ مِنْ قَضَائِهِ لَا مَرْدُودَ لَهَا. قال محمد بن رشد: قول عبد الملك، إن لله عزائم من قضائه لا مردود لها، كلام ليس بمحصل، لأن فيه دليلاً على أنَّ له عزائم من قضائه يردها الدعاء، والدعاء لا يرد القضاء، إذ لا يدعو الداعي، ولا يجاب لدعائه إلّاَ بأمر من الله. قد سبق به القضاء. فقد علم اللهُ في أَزله، من يدعو فيجيب دعاءه، ومن يدعو فلا يجيب دعاءه. ومن لا يدعو إذا لم يوفقه للدعاء. وعلم أن من قضى عليه أَن يدعو فيجيب دعاءه فيما دعا به وسأَله لو سبق قضاؤه ألَّا يدعو في ذلك الشيء لم يكن إذ لم يدع فيه،

стр. 8118

لأن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون، إذ قدْ قدَّره وقضى به ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان. قال : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وهم لا يردون، إذ قد سبق في علم الله أَنهم لا يردون، فقد يود الرجل الشيء ويُحِب أَن يكون، فيدعو فيه، فيجيب الله دعاءه فيه، ويكون بما سبق من قضاء بذلك، وقد لا يجيب دعاءه ولا يكون إذا كان قد سبق من قضاء الله أَن ذلك لا يكون، وقد لا يدعو فيه فيكون أيضاً. ولا يكون بما سبق أيضاً من قضائه بأن ذلك لا يكون، أَو يكون. فلو قال عبد الملك بن مروان: إن عزائِم الله وقضاياه لا مردود لها، لكان قوله صحيحاً، وإن لم يستجب للداعي فيما دعا فيه، أُجر في دعائه. فكتبت له به حسنات وكفرت عنه سيئات. لأنَه عبادة من العبادات. [موقع الحسنة من قلب المؤمن] في موقع الحسنة من قلب المؤمن قال مالك: وبلغني أن ابن مسعود قال: لأن أَعلم أَن اللهَ قد قبِل مني حسنة، أحبُّ إلي ممَّا على الأرض. قال محمد بن رشد: هذا اعتقاد صحيح، لأن ما على الأرض جميعاً لو كان له يموت ويتركه. والجزاء من الله على الحسنة المقبولة سرمداً أبداً لا نهاية له، فينبغي لكل مسلم أَن يُسر بقبول الله تعالى له حسنة واحدة أكثر ممَّا يسر بمتاع الدنيا كله لو أعطيه، وأَمكن أن يملكه وينفعه، لأنه متاع قليل، يموت ويتركه. وبالله التوفيق. [المشرك يُسلم هل يُثاب على ما عمل من خير في حال شركه] في المشرك يُسلم هل يُثاب على ما عمل من خير في حال شركه؟ وسُئل مالك عن عمل أَهل الشرك، أَبلغك أَنهم ما عملوا من خير كتب لهم بعد أن يسلموا حسناتٍ؟ فأنكر ذلك وقال: لا

стр. 8119

أدري ما هذا؟ وإنما الأعمال بالنية فأما اليهود والنصارى يعملون الآن، فإذا أسلموا كتب لهم، فأنكر ذلك. قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في أن الكافر لا يثاب إذا أسلم بما عمله من الخير في حال كفره، صحيح، واحتجاجه في ذلك بقول النبي ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» . بين واضح، لاسيما بما في الحديث من قوله فيه: «وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» والكافر ما عمل في حال كفره من صلة رحم أو فعل معروف، أو عتق رقاب أو قرا ضيف فإنما يريد بذلك أن يحمد بذلك ويشكر عليه، فليس له بما فعله من ذلك إلا ما نوى به، وإذا كان المسلم لا يكون له بما عمله إذا لم يرد به وجه الله إلا ما نواه من أمر دنياه، فأحرى ألا يكون للكافر إلا ذلك، ويؤيد هذا ما روي «عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله: إن أبي كان يفعل كذا وكذا ويصل الرحم. قال: إن أباك أراد أمرا فأدركه» . أي إنما كان ذلك منه لمعنى قد بلغه وناله في دنياه، فلا ثواب له عليه في أخراه وقد ينتفع بذلك ولده من بعده، فيكون له به شرف عند الناس وحرمة، ويؤيد هذا ما روي من «أن سلمان بن عامر أتى النبي ﵇ فقال: إن أبي كان يقري الضيف، ويفعل ويفعل، وإنه مات قبل الإسلام، فقال: " لن ينفعه ذلك ". فلما ولى قال علي الشيخ، فلما جاء قال إن ذلك لن ينفعه، ولكن في عقبه، إنهم لن يفتقروا ولن يذلوا ولن يجزوا.» والمعنى في رده إياه والله أعلم أنه أراد أن يبين له أن قوله لن ينفعه ذلك، إنما أراد بذلك أنه لا ينفعه في الآخرة، ولم يرد أن المنفعة بذلك في الدنيا تنقطع بموته، إذ قد ينتفع بذلك عقبه من بعده، فيكون لهم به حرمة يراعون من أجلها ويتمكنون من

стр. 8120

اكتساب المال بسببها، فيبين له آخرا ما أجمله من قوله أولا، وقد قيل في تأويل رده: إنه إنما كان لوحي أتاه به الملك في الحين. والذي قلته أولى والله أعلم. وما روي «عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله ﷺ أرأيت أمورا كنت أتحدث بها في الجاهلية، من صدقة وعتاقة وصلة رحم، هل لي فيها من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : أسلمت على ما أسلفت من خير.» يحمل على أن ذلك الخير هو الخير الذي يناله في دنياه من المحمدة والشكر والثناء وينتفع به ولده من بعده. فيحظى عند الناس من أجله. وبالله التوفيق. [النهبة حكمها] في النهبة قال مالك: أخبرني شيخ قديم قال: لما كانت فتنة ابن الزبير انتهب الناس تمرا من تمر مال الله، قال: فاشترت أمي ذلك الثمر، فعملت منه خلا حتى طاب وذهبت الفتنة، فأمرتني أمي أن أذهب إلى ابن عمر فأسأله عن ذلك، فذهبت إلى ابن عمر فسألته عنه فأفتاني أن أهرقه، ولا آكله، قال مالك: أرى ابن عمر إنما كرهه لموضع النهبة. قال محمد بن رشد: وجه فتوى ابن عمر ﵁ المرأة أن تهرقه ولا تأكله، هو أن الثمر الذي عملته منه هو من مال الله، فكان الحق منه أن يقسمه الإمام بالاجتهاد، فلما لم تكن هي ممن لها الاجتهاد في ذلك، لم يأمرها بالتصدق به، ورأى لها الخلاص أن تهرقه ولا تأكله، لأن تصدقها به من غير أن يكون لها الاجتهاد في ذلك، من جنس النهبة التي وقعت فيه أولا. والله أعلم. ويحتمل أن يكون ابن عمر ﵁ أفتاه بإراقته وترك أكله، عقوبة لها على ما فعلت من عملها إياه من التمر المنهوب ولم يأمرها بالصدقة، لئلا يظن ظان أنها تصدقت به على ملكها، فتكون مأجورة في فعلها، فيكون ذلك ذريعة إلى استجازة ذلك الفعل، وهذا من

стр. 8121

نحو ما قيل فيمن يفعل ما لا يجوز له من تخليل الخمر إنها لا تؤكل وتهرق، ولا يتصدق بها. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بإكفاء القدر يوم خيبر من لحوم الحمر الأهلية، إنما كان من أجل أنها كانت نهبة. وأما ما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم، وفي العرائس، فتكون فيه النهبة، فكرهه مالك بكل حال، لظهور الآثار الواردة عن النبي ﵇ في ذلك. من ذلك نهيه عن النهبة، وأنه قال: «النهبة لا تحل» وأنه قال: «من انتهب فليس منا» وفي ذلك تفصيل أما ما ينثر عليهم ليأكلوه على وجه ما يؤكل دون أن ينتهب حرام، لا يحل ولا يجوز، لأن مخرجه إنما أراد أن يتساووا في أكله على وجه ما يؤكل. فمن أخذ منه أكثر مما كان يأكل منه مع أصحابه على وجه الأكل فقد أخذ حراما، وأكل سحتا لا مرية فيه. ودخل تحت الوعيد. وأما ما ينثر عليهم لينتهبوه، فهذا كرهه مالك، وأجازه غيره. وتأول أن نهي النبي ﵇ عن الانتهاب، إنما معناه انتهاب ما لم يؤذن في انتهابه، بدليل ما روي عن عبد الله بن قوط قال: قال رسول الله ﷺ : «أحب الأيام إلى الله يوم النحر ثم يوم القر» فقرب إلى رسول الله ﷺ بدنات خمسا، أو ستا فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفية لم أفقهها، فقلت للذي كان إلى جنبي: ما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ؟ قال: قال: " من شاء اقتطع ". وما روي من «أن صاحب هدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال يا رسول الله: كيف

стр. 8122

أصنع بما عطب من الهدي فقال له رسول الله ﷺ : " انحرها، ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها» . لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أباح في هذين الحديثين للناس الذين يحل لهم الهدي أن يأخذ منهم من شاء ما أخذ، من غير مقدار ولا قسم معلوم، وفي هذا بيان إن شاء الله. [تحريق رحل الغال] في تحريق رحل الغال وسئل مالك عن الحديث الذي جاء فيه من غل أحرق رحله. فأنكر ذلك وقال لا حرق في الإسلام، ولا يحرق رحل رجل في الإسلام. قال محمد بن رشد: الحديث الذي جاء بإحراق رحل الغال حديث شاذ لم يأخذ به مالك ولا أحد من فقهاء الأمصار ولا قال بذلك من الفقهاء إلا مكحول، وقوله شاذ بعيد في النظر إذ لا يحل إهلاك مال أحد بذنب من الذنوب، وإن قتل. وإن صح الحديث، فمعناه أنه كان في أول الإسلام حين كانت العقوبات في الذنوب بالأموال. من ذلك ما روي عن النبي ﵇ في مانع الزكاة أن خذوها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا. وما روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ في حريسة الجبل، أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال. وما روي عنه من أن من أخذ يصيد في حرم المدينة شيئا فلمن أخذه سلبه ثم نسخ ذلك كلها بالإجماع، على أن ذلك لا يجب، وأن العقوبات إنما تجب في الأبدان، وقد روي أنه يجب عليه مع حرق رحله، ضرب عنقه. حكى «أن مسلمة بن عبد الملك، دخل

стр. 8123

أرض الروم فغل رجل، فبعث مسلمة إلى سالم بن عبد الله فقال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يقول: " من أخذتموه قد غل فاضربوا عنقه وأحرقوا متاعه» وهذا ما لم يقل به أحد من فقهاء الأمصار، ويعارضه القرآن قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فإذا لم يجب على السارق في سرقة ما لا حظ له فيه، ضرب عنقه، فأحرى ألا يجب ذلك على من سرق من المغنم الذي له فيه حظ. وقال رسول الله ﷺ «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: أن يكفر بعد إيمان أو يزني بعد إحصان أو يقتل نفسا بغير نفس» فاقتضى ذلك إسقاط القتل عمن سوى هؤلاء الثلاث نصا، فلا يصح أن يوجب القتل على الغال بهذا الحديث، وإن صح إلا أن يعلم أنه كان بعده، فيكون ناسخا له، لأنه إذا احتمل أن يكون قبله وأن يكون بعده، لم يصح أن يحمل على أنه كان بعده، لأن الدماء محظورة فلا تباح إلا بيقين. [ركوع الإمام وغيره في المسجد بعد الجمعة] في ركوع الإمام وغيره في المسجد بعد الجمعة قال مالك: كان النبي ﷺ إذا صلى الجمعة انصرف من المسجد ولم يركع بعدها في مقامه شيئا. قال مالك: والإمام يفعل ذلك، فأما الناس، فمن شاء ركع، ومن شاء لم يركع، قال ابن القاسم: وأحب إلى غير الإمام أن يرجع إلى بيته فيصلي ركعتين.

стр. 8124

قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في رسم حلف قبل هذا مستوفى فلا معنى لإعادته. [المثل الذي ضربه رسول الله لأمته مع من قبلها من الأمم] في المثل الذي ضربه رسول الله لأمته مع من قبلها من الأمم وحدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كمثل ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط، قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى على قيراط قيراط ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين قال: فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين قيراطين. قال: فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال: فهل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإن فضلي أوتيه من أشاء» . قال محمد بن رشد: في هذا الحديث مثلان، ضربهما النبي ﵇، أحدهما في مقدار مدة أمته، من سائر الأمم، وهو قوله في أول الحديث: إنما أجلكم فيما خلا من الأمم، كمثل صلاة العصر إلى مغرب الشمس، فأعلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهذا المثل، أن نسبة مدة أمته، من نسبة مدة سائر الأمم كنسبة مدة ما بين العصر إلى المغرب من نسبة مدة جميع النهار، وذلك نحو الربع في المقادر. والمثل الثاني في مقدار أجور

стр. 8125

أمته، من أجور أهل التوراة، والإنجيل. وهو قوله: " وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا " إلى آخر الحديث. فأعلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهذا المثل، أن أجور أمته ضعف أجور أهل التوراة وضعف أجور أهل الإنجيل، وإن كانوا أقل عملا منهم؛ لأن مدتهم أقصر مدة منهم. وهذا في الجملة، والمعنى فيه على التفصيل، والله أعلم، أن لمن آمن بالنبي ﵇، وعمل بما شرعه إلى أن توفي، من الأجر ضعف ما لمن آمن بموسى وعمل بما شرعه، إلى أن توفي، وضعف ما لمن آمن بعيسى وعمل بما شرعه إلى أن توفي أيضا، وقد خرج البخاري هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، من غير رواية مالك معناه وإن خالفت ألفاظه ألفاظه، وخرجه من رواية يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى بما يخالف لفظه ومعناه، من الأجراء الآخرين الذين عملوا من العصر إلى المغرب، يستوجبون أجر الفريقين جميعا الذين عملوا من أول النهار إلى نصف النهار، ومن نصف النهار، إلى حين صلاة العصر، ويذهبان غما ولا شيء لهما. وهذا المثل إنما ضربه صلى الله عليه فيمن آمن بموسى من أهل التوراة، وكان على شرعه، إلى أن بعث عيسى، فلم يؤمن به، وفيمن آمن من أهل الإنجيل بعيسى، وكان على شرعه، إلى أن بعث النبي ﵇، فلم يؤمن به؛ لأن هذين يبطل أجرهما جميعا، الأول بكفره بعيسى، والثاني بكفره بمحمد ﵇، ويكون لمن آمن بالنبي ﵇ ضعف ما كان يكون لمن آمن بموسى ولم يدرك عيسى ولا كفر به، وضعف ما كان يكون لمن آمن بعيسى، ولم يدرك نبينا ﵇، ولا كفر به. وأما من آمن بموسى وكان على شرعه إلى أن بعث عيسى فآمن به، أو كان على شرع عيسى إلى أن بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فآمن به، فله أجره مرتين، على ما جاء فيما كتب به النبي ﵇ إلى هرقل، وبالله التوفيق.
следующие страницы →