← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

في الطرق والمحاج وإن كانت طاهرة، ولم ير ابن القاسم بأسا في المدونة أن يدخل بهما في الحجر، وكره ذلك أشهب في المجموعة؛ لأن الحجر من البيت، قال: وكراهيتي لذلك في البيت أشد وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج، وبالله التوفيق. [عدة من قتل وأسر من المشركين يوم بدر] في عدة من قتل وأسر من المشركين يوم بدر قال مالك: بلغني أن قتلى بدر كانوا شبيها بمن أسر منهم، كان من قتل منهم بضعة وأربعين، ومن أسر كذلك بضعة وأربعين، وكان فداؤهم مختلفا لم يكن شيئا واحدا كان بعضهم في ذلك أكثر من بعض. قال محمد بن رشد: قد قيل: إن القتلى كانوا سبعين، والأسرى سبعين، وقد قال ابن عبد البر في كتاب الدرر له: لا يختلفون أن القتلى يومئذ سبعون والأسرى سبعون في الجملة، وقد يختلفون في تفضيل ذلك، وقد سمى أهل السير الأسرى منهم والقتلى ومن قتل كل واحد منهم وإن كانوا يختلفون في بعضهم، وبالله التوفيق. [ما روي عن حذيفة في قتل عثمان ﵁] فيما روي عن حذيفة في قتل عثمان ﵁ قال وحدثنا مالك: وقال معاوية من يحفظ حديث حذيفة؟ فقال عبد الرحمن بن غنم، فقال: كيف كان يقول؟ قال: اللهم إني لم أشارك غادرا في غدرته، وإني أعوذ بك من صباح السوء، قال مالك: أراه يعني الموت، فقال معاوية: كذب قد أعان على قتل عثمان، فقال ابن الأسود: دعوه فهو أعلم بما يتكلم به، قال له معاوية: وأنت قد أشركت في دمه، قال: أما أنا فنهيته عما قيل

стр. 8402

فيه، فأنت أسلمته حين احتاج إليك، قال: فثنى معاوية برجله فدخل. قال محمد بن رشد: حذيفة بن اليمان من فضلاء الصحابة يعرف فيهم بصاحب سر رسول الله ﷺ ، وكان عمر ابن الخطاب يسأله عن المنافقين وينظر إليه عند موت من مات منهم فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر، وخيره رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة فاختار النصرة، فليس ممن يتهم في أنه أعان على قتل عثمان، ولا يتهم في ذلك أحد أيضا من المهاجرين ولا الأنصار، روي عن الحسن أنه قيل له: أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: لا كانوا أعلاجا من أهل مصر، ولولا أنه منعهم من الدفاع عنه والقتال دونه لفعلوا، روي عن محمد ابن سيرين أنه قال: انطلق الحسن والحسين، وابن عمر، وابن الزبير، ومروان بن الحكم كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار، فقال

стр. 8403

عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم، فخرج ابن عمر والحسن والحسين، وقاك ابن الزبير ومروان: ونحن نعزم على أنفسنا ألا نبرح ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وروي عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: لو أن أحدا ارفض لما فعل بابن عفان كان محقوقا وهو كما قال ﵁، فإنه كان حدثا عظيما لم يجر في الإسلام مثله. وإنما منع ﵁ من الدفاع عنه والقتال دونه لعهد كان عنده في ذلك عن النبي ﵇، روي «عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ ادع لي بعض أصحابي، فقلت: أبو بكر؟ فقال: لا، فقلت: عمر؟ قال: لا، فقلت ابن عمك علي؟ قال: لا، فقلت له عثمان بن عفان؟ قال: نعم، فلما جاء قال لي بيده، فتنحيت فجعل رسول الله ﷺ يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر، قيل له: ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ ، عهد إلي عهدا وأنا صابر نفسي عليه» وبالله التوفيق. [شرب الفلونية والترياق للمحرم] في شرب الفلونية والترياق للمحرم وسئل مالك عن شرب الفلونية والترياق للمحرم وفيها الزعفران، قال: لا بأس به، والذي فيه من الزعفران ليس له قدر، لا يرى، وما أرى به بأسا، قال مالك حين ذكر شرب

стр. 8404

الترياق للمحرم: أشد من هذا عندي ما يصيب الناس في إحرامهم من طيب البيت وخلوقه، كأنه يرى أن لهم في ذلك سعة وأنه أمر لا يستطاع، يقول: فكيف يصنعون؟ قال محمد بن رشد: إنما جاز للمحرم شرب الفلونية والترياق؛ لأن الذي فيهما من الزعفران يسير لا قدر له ولا يظهر فيهما فلم ير له حكما لما كان مستهلكا فيهما، كما أن لبن المرأة عنده إذا خلط بالطعام وعصد به حتى صار هو الغالب عليه لم يقع به حرمة، فليس ذلك بخلاف لما في المدونة وغيرها من أن المحرم لا يأكل الطعام الذي فيه الزعفران إلا أن يكون قد مسته النار، قال ابن حبيب فتعلك بالطعام حتى صار لا يصبغ اليد ولا الشفة لهذه العلة ولمعنى آخر أيضا وهو أن الفلولنية والترياق إنما يشربان لضرورة التداوي، فليس بمنزلة الطعام الذي يؤكل من غير ضرورة، يدل على هذا التعليل تقييد مالك ذلك بما يصيب الناس في إحرامهم من طيب الكعبة وخلوقها؛ لأنهم مضطرون إلى ذلك فأشبه ضرورة التداوي، وبالله التوفيق. [تحديد عمر الحرم وموضع المقام من البيت] في تحديد عمر الحرم وموضع المقام من البيت قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب هو الذي حد علم الحرم وأنه حين أراد أن يحده أرسل إلى ناس كانوا يدعون في الجاهلية أهل معرفة بذلك الموضع، فسألهم عن ذلك فحددوها ووضعوا أنصابها. قال مالك: كان المقام ملتصقا بالبيت، وكان الطواف من ورائه، وإنما ألصق لمكان السيل خيف عليه منه فقدم، فلما ولي عمر ابن الخطاب أخرجه إلى هذا الموضع، وهو موضعه الذي كان

стр. 8405

فيه في الجاهلية، وأنه وجد خيوطا كان قد قيس بها موضعه حين هدم فقاسه بها حتى رده إلى موضعه. قال محمد بن رشد: قد تقدم هذا في رسم اغتسل ومثله في المدونة بمعناه، وفيه الفضيلة لعمر بن الخطاب ﵁ فيما تهمم به من ذلك وصنعه، وبالله التوفيق. [ما يختار للراعف من البناء أو القطع] فيما يختار للراعف من البناء أو القطع قال: وقد كان بعض أهل العلم يقول: لأن أتكلم وأبتدِي أحب إلي من ألا أتكلم وأبني، قال: فكيف يعمل؟ لا يتكلم في وضوئه وينصت في ذلك كله!!! ورأيه أن يتكلم ويبتدي. قال محمد بن رشد: ليس البناء في الرعاف بواجب، وإنما هو من قبل الجائز، وقد اختلف في المختار المستحب من ذلك، فاختار ابن القاسم القطع، وهو قول بعض أهل العلم في هذه الرواية: لأن أتكلم وأبتدى أحب إلي من ألا أتكلم وأبني، وهو القياس، فإن ابتدأ ولم يتكلم أعاد الصلاة. واختار مالك ﵀ البناء على الاتباع للسلف بأن خالف ذلك القياس والنظر، وهذا على أصله في أن العمل أقوى من القياس؛ لأن العمل المتصل لا يكون أصله إلا عن توقيف، وهو قوله في هذه الرواية: إنه لا يتكلم في وضوئه وينصت في ذلك كله. وقوله في آخر الكلام: ورأيه أن يتكلم ويبتدئ هو من قول مالك حكاية عما اختاره بعض أهل العلم على ما حكي عنه، وقد ذكر ابن حبيب ما دل على وجوب البناء، وهو قوله: إن الإمام إذا رعف فاستخلف بالكلام جاهلا أو متعمدا بطلت صلاته وصلاتهم، فجعل قطعه صلاته بالكلام بعد

стр. 8406

الرعاف يبطل صلاتهم كما لو تكلم جاهلا أو متعمدا بغير رعاف، والصواب ما في المدونة أن صلاتهم لا تبطل؛ لأنه إذا رعف فالقطع له جائز في قول، ومستحب في قول، فكيف تبطل صلاة القوم بفعله ما يجوز له أو ما يستحب له؟ وبالله التوفيق. [تفسير قول الله وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ] في تفسير قول الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] وقول أم سليم للنبي ﵇ يوم حنين وسئل عن قول الله تعالى وتبارك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] ، قال في حصب رسول الله المشركين يوم حنين. قال مالك: «وقالت له أم سليم ذلك اليوم من يا رسول الله يضرب رقاب هؤلاء المنهزمين؟ وهي قابضة بعنان بغلته، قال: أويأتي الله يا أم سليم بخير من ذلك» قال مالك وكانت عائشة مع رسول الله ﷺ يوم الخندق. قال محمد بن رشد: قول مالك ﵀ في قول الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] إن ذلك في حصب رسول الله ﷺ المشركين يوم حنين صحيح لا اختلاف فيه من أهل العلم بالتفسير، ولم ينف الله عنه الرمي جملة وإن كان الله هو الفاعل له الخالق لكل شيء، قال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ؛ لأن للنبي ﵇ فيه الكسب الذي يثاب عليه ويسمى

стр. 8407

به راميا حقيقة لا مجازا، وإنما الذي نفي عنه جملة الانتفاع الذي كان عن الرمي فانهزم به المشركون، وذلك رسول الله ﷺ لما واجهه العدو يومئذ صاح بهم صيحة وأخذ حصى أو ترابا ورمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق منهم أحد إلا دخلت الحصاة والتراب في عينيه، فلم يملكوا أنفسهم ورجعوا على أعقابهم، ونادى مناديه يا آل المهاجرين يا آل الأنصار، فما تكامل المسلمون بالرجوع إليه إلا وأسرى المشركين بين يديه. وقوله ﷺ لأم سليم: «أويأتي الله بخير من ذلك يا أم سليم» إذ قالت له ما قالت يريد ما فعله رسول الله ﷺ من الدعاء إلى الله بإنجاز ما وعده به من النصر، وكذلك فعل، رفع يديه إلى الله يدعو يقول «اللهم أسألك ما وعدتني» ونادى أصحابه وقبض قبضة من الحصى فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها، وقال: «شاهت الوجوه» وأقبل إليه أصحابه سراعا يبتدرون، فقال ﷺ : «الآن حمي الوطيس» فهزم الله أعداءه من كل ناحية، حصبهم فيها رسول الله ﷺ ، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنمهم الله نسائهم وذراريهم وشاءهم وإبلهم، وفي ذلك قال الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] الآية، وقال : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] الآية، إلى قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٢٦] . وفيما ذكره شهود النساء الغزوات ليخدمن الغزاة ويسقين الماء ويداوين الجرحى، ولا لسهم لهن من الغنيمة ولا للصبيان ولا للعبيد، واختلف أهل العلم هل يرضخ لهم من الغنيمة على غير وجه قسم، فلم ير ذلك

стр. 8408

مالك ﵀، وذهب ابن حبيب إلى أن ذلك مما يستحب للإمام أن يفعله، وهذا على الاختلاف هل للإمام أن ينفل من جملة الغنيمة وقد مضى الكلام على هذا في ذكر غزوة حنين من رسم البز، وبالله تعالى التوفيق. [أول من استقضي] في أول من استقضي قال مالك: ما استقضى أبو بكر ولا عمر ولا عثمان قاضيا وما كان ينظر في أمور المسلمين غيرهم حتى كان بعد. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم من قوله قبل هذا في رسم سئل عن تأخير صلاة العشاء في الحرس، من أن أول من استقضى معاوية يريد والله أعلم أنه أول من استقضى في موضعه الذي كان فيه؛ لاشتغاله بما سوى ذلك من أمور المسلمين كبعث البعوث وسد الثغور وفرض العطاء وقسم الفيء وما أشبه ذلك، فقد ولى عمر بن الخطاب ﵁ على ما ذكر قضاء البصرة أبا مريم الحنفي، ثم عزله وولى كعب بن سور اللقطي، فلم يزل قاضيا حتى قتل عمر ﵁، وولى شريحا قضاء الكوفة، يدل على صحة تأويلنا هذا في هذه الرواية، قوله فيها: " وما كان ينظر في أمور المسلمين غيرهم، إذ لا يصح أن ينظروا هم بأنفسهم في أمور المسلمين إلا في مواضعهم التي هم فيها إلا فيما بعد من البلاد "، والذي مضى من قوله في رسم تأخير العشاء المذكور، ويأتي في رسم المحرم ما يرد هذا التأويل ويدفعه، وبالله التوفيق. [بركة اسم النبي ﵇] في بركة اسم النبي ﵇ قال: سمعت أهل مكة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمد إلا رزقوا، ورزق خيرا.

стр. 8409

قال محمد بن رشد: يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بكثرة التجربة له، وأن يكون عندهم في ذلك أثر مروي وبالله تعالى التوفيق. [وصية عمر من كان رزق له في شيء أن يلزمه] في وصية عمر من كان رزق له في شيء أن يلزمه قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: من كان له رزق في شيء فليلزمه. قال محمد بن رشد: ما حض عمر على هذا والله أعلم إلا وقد خشي على من هيأ الله تعالى له رزقا في شيء فلم يعرف حق الله تعالى فيما هيأ له منه فتركه إلى غيره ألا يخار له في ذلك، وما خشيه عمر ينبغي لكل مسلم أن يخشاه، فإنه كان ينطق بالحكمة، قال رسول الله ﷺ : «إن الله ضرب بالحق على قلب عمر ولسانه» ، فكان يرى الرأي بقلبه ويقول الشيء بلسانه فيوافق الحق فيه، وبالله تعالى التوفيق. [تفسير قول الله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ] في تفسير قول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال مالك في قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة، فلما أنزل صرف القبلة أنزل الله تعالى في هذا:

стр. 8410

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] للصلاة التي كانوا يصلونها تلقاء بيت المقدس. قال محمد بن رشد: إنما سمى الله الصلاة إلى بيت المقدس إيمانا على ما قاله مالك في هذه الآية وغيره من أهل العلم وهو قول أكثر أهل التأويل والتفسير وذلك أنه مات على القبلة قبل أن تحول إلى الكعبة رجال وقتل آخرون فقال المسلمون: ليت شعرنا هل يقبل الله منهم ومنا صلاتنا إلى بيت المقدس أم لا؟ فأنزل الله فيهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] : أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا من أجل أنها كانت مقارنة للإيمان، ولذلك حصل الانتفاع بها والجزاء عليها، فسميت الصلاة باسم الأصل الذي يثبت لها الحكم بأنها طاعة إلا به وهو الإيمان، إذ لو تجردت من الإيمان لم تكن طاعة ولا حصل عليها مثوبة، وقد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان الله ليضيع إيمانكم بفرض الصلاة عليكم إلى بيت المقدس بأنفس الطاعات من الأقوال والأفعال؛ إذ لم يصح أن تسمى طاعات إلا بمقارنة الإيمان لها، فلا يصح على التحقيق أن يقال: إنها غير الإيمان؛ إذ لا تصح مفارقتها له ولا أنها الإيمان إذ الإيمان إنما هو التصديق الحاصل في القلب لا نفس الأقوال والأفعال كالصفة القديمة لا يصح أن يقال فيها: إنها هي الموصوف، ولا أنها غيره، وبالله تعالى التوفيق. [وجه الإطعام في الوليمة] في وجه الإطعام في الوليمة قال مالك كان ربيعة يقول: إنما يستحب الطعام في الوليمة لإثبات النكاح وإظهاره ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون. قال محمد بن رشد: يريد أن هذا هو المعنى الذي من أجله أمر

стр. 8411

رسول الله ﷺ بالوليمة وحض عليها بقوله لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» وما أشبه ذلك من الآثار. وقوله صحيح يؤيده ما «روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مر هو وأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء ولعبا فقال: ما هذا؟ فقالوا: نكاح فلان يا رسول الله، فقال: "كمل دينه هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر يسمع دف أو يرى دخان» ، وبالله التوفيق. [ما ذكر في الحبشة ومن أول من قدم مكة] فيما ذكر في الحبشة ومن أول من قدم مكة بالنرد والكتاب بالعربية وسئل مالك هل بلغك أن النبي ﵇ قال: «ذروا الحبشة ما تركوكم؟» قال: أما عن النبي ﵇ فلا، ولكن قد سمعته يقال، وقال مالك: أول من جاء بالنرد والكتاب بالعربية إلى أهل مكة رجل من أهل الحيرة. قال محمد بن رشد ليس في هذا معنى يشكل فيحتاج إلى التكلم عليه، وبالله التوفيق. [كثرة المنافقين في الناس] في كثرة المنافقين في الناس قال مالك: بلغني أن الحسن البصري كان يقول: لو ذهب المنافقون لاستوحشت الطرق.

стр. 8412

قال محمد بن رشد: المعنى في هذا والله أعلم أنه أراد لو ذهب المراءون بإظهار الإيمان واعتقاد الكفر؛ لأن الغالب في الناس الرياء، وأما اعتقاد الكفر فليس بغالب في الناس، بل هو الأقل منهم، وإنما أراد الحسن بقوله هذا التحذير من الرياء والله أعلم. [قول الله تعالى وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ] في تفسير قول الله تعالى ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] وسئل عن تفسير هذه الآية: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] قال: ما أبينها لأهل القدر، أخبر بما هو كائن من أمره حتى يموت. قال محمد بن رشد: قوله ما أبينها لأهل القدر معناه ما أبينها لهم لو وفقوا في الاهتداء بها. وما أبينها لنا في الرد عليهم؛ لأن من جعله الله مباركا حتى يموت، فقد قدر عليه بأعمال السعادة حتى يموت، ومن جعله شقيا فقد قدر عليه بأعمال أهل الشقاء حتى يموت عليها. فالخير والشر بقضاء الله وإرادته، وقدره على العبد لا خروج له عما قدره الله عليه من ذلك وأراده، وهو مأمور بالخير ومنهي عن الشر، وإن كان الله قد قدره عليه فهو يعاقبه على ما له فيه من الكسب بمخالفة أمر الله فيما اكتسبه من الإثم. فالله مريد لكل ما يكون من عبده من طاعة أو معصية تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد؛ فيلحقه العجز والنقص وذلك بين في الحجة من قول عمر بن الخطاب، وبالله التوفيق.

стр. 8413

[محبة الناس لمن اتقى الله] في محبة الناس لمن اتقى الله وحدثني مالك عن زيد بن أسلم أنه كان يقول: اتق الله ابن آدم يحبك الناس وإن كرهوا، ولم يسمعه مالك منه. قال محمد بن رشد: إنما قال هذا زيد بن أسلم والله أعلم لأن من اتقى الله أحبه الله؛ لأن محبة الله لعبده إنما معناه إرادته لإدخاله جنته وتنعيمه منها، قال الله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، ومن أحبه الله وضع له القبول في الأرض [على ما جاء في الحديث من «أن الله إذا أحب العبد قال لجبريل: قد أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يضع له القبول في الأرض» ] ، ومعنى قوله: وإن كرهوا أنهم مغلوبون على محبته بما ألقى الله في نفوسهم منها، وبالله التوفيق. [حشف الثمر لعمر] في حشف الثمر لعمر قال: وحدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يحشف له الصاع من الثمر فيأكله كله، فقيل له: ما يحشف له؟ قال: يأكله بحشفه. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا قبل هذا في أول رسم البز فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [من يختار مجالسته] فيمن يختار مجالسته وقال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن حسين:

стр. 8414

إنك تجالس أقواما كأنه يعاقبه فيهم: يقول أهل دناءة، قال: فقال له علي بن حسين: إني أجالس من أنتفع به في ديني، وكان نافع رجلا يجد في نفسه، وكان علي رجلا له فضل في الدين. قال محمد بن رشد: معنى قوله أهل دناءة: أهل دناءة في الحسب، فكان علي بن حسين لتواضعه يجالسهم وإن كانوا أهل دناءة في الحسب لعلو مرتبتهم في الدين، وقد قال عمر بن الخطاب: كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، وقال رسول الله ﷺ : «تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها، فعليك بذات الدين» ، وبالله التوفيق. [ترك التنعم مدة الشدة] في ترك التنعم مدة الشدة وقال مالك: إن عمر بن الخطاب تألى ألا يأكل السمن حتى يحيى الناس من أول ما يحيون، فأكل الزيت فلم يلائمه، فأمر أن يطبخ له الزيت، فلما رأت ذلك امرأته عاتكة اشترت فرق سمن بستين درهما فقربته إليه، فقال: ما هذا؟ قالت: اشتريته بمالي، فقال لا آكله حتى يحيى الناس، قال: فكان عمر يقرقر بطنه وهو على المنبر حتى يسمع، فيقول: ما لك غيره حتى يحيى الناس. قال محمد بن رشد: فعل عمر هذا لشدة إشفاقه على المسلمين وذلك نهاية منه في الخير والدين، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 8415

[محبة الرجل أن يرى في شيء من أعمال البر] في محبة الرجل أن يرى في شيء من أعمال البر قال مالك: ولقد رأيت رجلا من أهل مصر وهو يسأل ربيعة عن ذلك ويقول: إني لأحب أن أرى رائحا إلى المسجد، فكأنه أنكر ذلك من قوله ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال البر، فقلت له: ما ترى في التهجير إلى المسجد قبل الظهر؟ قال: ما زال الصالحون يهجرون، وإن صلاة الرجل في بيته من النافلة أفضل منها في جماعة الناس وهو أعلم بنيته إن صحت في ذلك نيته لا يبالي فما أحسنه إن أحب، والسر أفضل من ذلك، فإن الله ﵎ يقول: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] وفي الحديث «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة» . قال محمد بن رشد: قوله وهو يسأل ربيعة عن ذلك يريد عن المسألة التي سأل عنها، فساق سؤال السائل لربيعة وما أجابه به؛ حجة لقوله فيها من أن السر في الصدقة أفضل حسب ما وقع من ذلك في هذا الرسم من كتاب الصدقات والهبات. وكراهية ربيعة للرجل أن يحب أن يرى في شيء من أعمال البر خلاف قول لمالك في سماع أشهب بعد هذا وفي رسم العقول من سماع أشهب من كتاب الصلاة أنه لا بأس بذلك إذا كان أوله لله، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه مما لا يستطاع التخليص منه، والدليل على إجازة ذلك إن شاء الله

стр. 8416

ما «روي عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله: إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من القتال طبيعة، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد؟ من أهل الجنة، فقال: يا معاذ بن جبل، من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة» وهذا نص في موضع الخلاف. وأما قوله في التهجير إلى المسجد قبل الظهر ما زال الصالحون يهجرون وإن صلاة الرجل في بيته النافلة أفضل منها في جماعة الناس، وهو أعلم بنيته إن صحت في ذلك نيته حتى لا يبالي بما أحسبه أن أحب، فالمعنى في ذلك أنه في النهار قد يشتغل باله في صلاته في بيته ببنيه وأهله فيكون باله في المسجد أفرغها، فإذا هجر قبل الظهر إلى المسجد ليصلي فيه متفرغ البال ليرى مكانه فيه فيحمد بذلك، ويثنى عليه من أجله فهو حسن كما قال، ولذلك كان الصالحون يفعلونه، وأما بالليل ففي البيت أفضل؛ لأنه لفعله أستر وباله فيه فارغ لهدوء أهله وبنيه بالنوم، وبالله التوفيق. [اعتماد الرجل في الصلاة على رجليه جميعا] في اعتماد الرجل في الصلاة على رجليه جميعا وسمعت مالكا يقول: أول من أحدث الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمي إلا أني لا أحب أن أذكره قد كان مسمتا، فقيل له: أفعيب ذلك؟ قال: قد عيب ذلك عليه، وهو مكروه من الفعل. قال محمد بن رشد: قال سحنون الرجل المسمت هو عباد بن كثير، ويروى مشيئا أي يشاء الثناء عليه، فجائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، قاله في المدونة، وإنما كره أن يقرنهما ولا يعتمد على إحداهما دون الأخرى؛ لأن ذلك ليس من حدود الصلاة، إذ لم يأت ذلك عن

стр. 8417

النبي ﵇ ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين الكرام، وكان من محدثات الأمور. وأما الاعتماد على اليدين عند القيام من الجلسة الوسطى فمرة استحبه مالك وكره تركه، ومرة استحسنه وخفف تركه، ومرة خير فيه، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق. [حكاية عن أبي هريرة في إتيانه الوليمة] حكاية عن أبي هريرة في إتيانه الوليمة قال مالك: بلغني أن أبا هريرة دعي إلى وليمة وعليه ثياب دون فأتى ليدخل فمنع ولم يؤذن له، فذهب فلبس ثيابا جيادا ثم جاء فأدخل، فلما وضع الثريد وضع كميه عليه، فقيل له: ما هذا يا أبا هريرة؟ فقال: إنما هي التي أدخلت، وأما أنا فلم أدخل قد رددت إذ لم تكن علي، ثم بكى وقال: ذهب نبيي ولم ينل من هذا شيئا وبقيتم تهديون بعده. قال محمد بن رشد: هذه الوليمة التي رد فيها أبو هريرة ممن لم يميزه من حجاب باب الوليمة إذ ظنه فقيرا لما كان عليه من الثياب الدون، وأدخله بعد ذلك من رآه من حجابها في صفة الأغنياء بالثياب الحسان، هي التي قال فيها رسول الله ﷺ : «شر الطعام الوليمة يُدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله» ،

стр. 8418

ويروى بئس الطعام يريد أنه بئس الطعام لمطعمه؛ إذ رغب عما له فيه الحظ من ألا يحضر لطعامه إلا. الأغنياء دون الفقراء، فالبأس في ذلك عليه لا على من دعاه إليه؛ لقوله في الحديث نفسه: ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله. وبكى ﵁ شفقة من تغير الأحوال على قرب العهد بالنبي ﵇، ورغبة الناس عما ندبوا إليه في ولائمهم من عملها على السنة وترك الرياء فيها والسمعة، وبالله التوفيق. [ما جاء في أن قول عمر بن الخطاب كان سببا لنزول القرآن بالحجاب] في أن قول عمر بن الخطاب كان سببا لنزول القرآن بالحجاب قال مالك: كان النساء يخرجن في زمن النبي ﵇ فكلمه عمر بن الخطاب، قال له: يا رسول الله لا ينبغي لنسائك أن يخرجن هكذا، فقالت امرأة منهن: قد تكلف عمر في كل شيء حتى في هذا، قال: فأنزل الله القرآن لقول عمر ابن الخطاب فضرب الحجاب. قال محمد بن رشد: كان عمر بن الخطاب يرى الرأي بقلبه، ويقول الشيء بلسانه فيوافق الحق، فنزل القرآن بموافقته في الحجاب، وفي تحريم الخمر: وفي أسرى بدر، وفي مقام إبراهيم، وبالله التوفيق. [التبرك بأمر النبي ﵇] في التبرك بأمر النبي ﵇ قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر رئي وهو على ناقته

стр. 8419

وهو في مكان وهو يديرها، فقال رجل: إن هذا ليس بصحيح فسئل عن ذلك، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في هذا المكان على ناقته دارت هكذا، فأردت أن تطأ ناقتي على الموضع الذي وطئت عليه راحلة رسول الله ﷺ . قال محمد بن رشد: هذه نهاية من عبد الله بن عمر في التبرك بأمر النبي ﵇، إذ لم يدر بناقته في ذلك المكان بقصد منه إلى ذلك فيكون امتثال فعله فيه واجبا أو مستحبا، فإنما فعله عبد الله بن عمر متبركا بذلك، فقد كان ﵁ يتبع فعل النبي ﵇ حتى ليخاف على عقله منه، وبالله التوفيق. [فعل الخير هل يفي بمقارفة الذنوب] في فعل الخير هل يفي بمقارفة الذنوب قال مالك: بلغني أن ابن عباس سئل عن رجل كثير الصيام كثير الصلاة وهو يقارف الذنوب، ورجل قليل ذلك منه وهو سالم، فقال ابن عباس: ما أعدل بالسلامة شيئا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه لا يدري هل تفي في الموازنة حسناته بسيئاته؛ لأن ما عصى الله به وإن صغر فهو عظيم، فمن قلت سيئاته وحسناته أقرب إلى السلامة ممن كثرت سيئاته وحسناته؛ إذ لا يدري قدر الثواب في حسناته، ولا هل تقبلت منه أم لا؟ ولا قدر الإثم في سيئاته لا سيما إن تعلق في ذلك حق لمخلوق، وبالله التوفيق. [حكاية عن عمر بن عبد العزيز] قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز خرج مع سليمان بن عبد الملك في حج في حر شديد، فخرج سليمان إلى الطائف

стр. 8420

ومعه عمر فأصابهما في الطريق مطر ورعد وصواعق، قال: فشد سليمان على وسط راحلته، أو القربوس وطأطأ عليه بصدره، فلما تجلى ذلك قال لعمر: هذا الملك لا ما نحن فيه، فقال عمر له: هذا في رحمته فكيف في غضبه. قال محمد بن رشد: إنما قال عمر بن عبد العزيز هذا في رحمته؛ لأن المطر رحمة من الله لعباده، قال الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم: ٤٨] إلى قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠] . وقال : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقد «كان رسول الله ﷺ إذا تحبلت السماء تغير وجهه وأقبل وأدبر ودخل وخرج، فإذا أمطرت سري عنه، قالت عائشة: فسألته فقال: لعله كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] » الآية، وبالله التوفيق. [ما رغب فيه زياد مولى ابن عباس لمالك] فيما رغب فيه زياد مولى ابن عباس لمالك ﵀ قال مالك: كان زياد مولى ابن عباس يمر بي وأنا جالس، فربما أفزعني حسه خلفي، فيضع يده بين كتفي فيقول: عليك بالجد، فإن كان ما يقول أصحابك هؤلاء من الرخص حقا لم

стр. 8421

يضرك، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت بالجد يريد ما يقول ربيعة وزيد بن أسلم. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا عندي أنه حضه على أن يأخذ لنفسه في خاصته بأشد ما قيل بالاجتهاد في أحكام الدين التي لا نص فيها وإن كان يرى باجتهاده ما قاله أصحابه في ذلك من التخفيف فيها؛ إذ لو لم ير باجتهاده إلا الأشد لما وسعه مخالفة ما رآه في ذلك باجتهاده إلى اجتهاد غيره، فللمجتهد الذي كملت له آلات الاجتهاد في خاصته أن يترك ما رآه باجتهاده إلى ما رآه غيره باجتهاده مما هو أشد منه، وذلك مما يستحب له على ما حض عليه زياد لمالك في هذه الحكاية. وليس له أن يترك ما رآه باجتهاده إلى ما رآه غيره باجتهاده مما هو أخف منه. وأما فيما يفتى به غيره فليس له أن يتعدى فيه ما رآه باجتهاده إلى اجتهاد غيره، كان أخف مما رآه هو باجتهاده أو أشد منه، وليس له أن يترك النظر والاجتهاد ويقلد من قد نظر واجتهد، وإن خاف فوات الحادثة، وهو قول أكثر البغداديين وجماعة أصحاب الشافعي، والأشبه بمذهب مالك. وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يجوز للعالم تقليد عالم وبه قال أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه. وذهب ابن نصر من أصحابنا، وابن شريح من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز للعالم تقليد عالم إلا إذا خاف فوات الحادثة. وقال محمد بن الحسن: له أن يقلد من هو أعلم منه ولا يجوز له أن يقلد من هو مثله. واختلف في المستفتي من العوام، فقيل له: أن يقلد من شاء من

стр. 8422

العلماء المجتهدين، فله على هذا القول أن يسألهم ويأخذ بقول أيهم شاء، وإذا ألزم نفسه قول أحدهم فليس له أن ينتقل عنه إلى قول غيره إلا أن يكون أشد من القول الذي التزم، وقيل ليس له: أن يقلد إلا أعلمهم وأفضلهم، فإن استووا في الفضل قلد أعلمهم، فإن استووا في العلم قلد أفضلهم، وإن استووا في الوجهين قلد أيهم شاء، وبالله التوفيق. [رد زياد على الناس ما فضل عنده مما أعانوه به في فكاك رقبته] في رد زياد على الناس ما فضل عنده مما أعانوه به في فكاك رقبته قال مالك: كان زياد قد أعانه الناس في فكاك رقبته وأسرع الناس في ذلك، وفضل مما قوطع عليه مال كثير فرده إلى من أعطاه بالحصص وكتبهم زياد عند نفسه فلم يزل يدعو لهم حتى مات. قال محمد بن رشد: ما فعله زياد من رده على الذين أعانوه في فكاك رقبته ما فضل عنده من ذلك بعد أداء ما قوطع عليه بالحصص صحيح من فعله؛ لأنهم أعانوه بما أعانوه به ليفك رقبته به من الرق، فليس له مما أعانوه به إلا ذلك، ولو لم يكن فيما أعانوه به وفاء بما عليه من الكتابة كان جميع ذلك مردودا على الذين أعانوه إلا أن يجعلوه من ذلك في حل، ولو أعانوه بما أعانوه به ليستعين به في أداء كتابته ليس على وجه أن يفكوه بها من الرق ولكن على وجه الصدقة عليه لكان له من ذلك ما فضل عن أداء كتابته أو قطاعته، ولكان لسيده جميع ذلك إن عجز عن أداء كتابته، قاله في المدونة، وهذا على القول بأن المكاتب يكون بالعجز منتزع المال. وعلى القول بأنه لا يكون بالعجز منتزع المال يكون جميع ما أعين به في كتابته له إن عجز عن الكتابة إلا أن ينتزعه منه السيد، وبالله التوفيق.

стр. 8423

[سيرة عمر بن عبد العزيز في ركباته ومع قاضيه] في سيرة عمر بن عبد العزيز في ركباته ومع قاضيه قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كانت له ركبتان في الجمعة، فكانت إحدى ركبتيه لا يركب معه فيها أحد إلا من بلغ الأربعين سنة، والأخرى يركب معه أخلاط الناس، وكان عمر إذا أراد الحج والعمرة خرج معه قاضيه حتى إذا بلغ الشجرة رده، وأجازه بمائة دينار وحلته التي عليه. قال محمد بن رشد: إنما كان يختص في إحدى ركبتيه بمن بلغ الأربعين سنة؛ لأن الأربعين سنة هي سن الاستواء التي قال الله فيها: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ﴾ [القصص: ١٤] أي تناهى شبابه وتم خلقه واستحكم عقله ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] بدليل قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] فأراد ﵁ أن يختص في ركبته الواحدة بهم أن يتمكن مما يريده من تفقد أحوالهم؛ وليتمكنوا هم أيضا مما يريدونه من طلب حوائجهم، وكان إذا خرج إلى الحج والعمرة يخرج معه قاضيه إلى الموضع الذي ذكره ليوصيه في مشيه معه إليه بما يصنع بعده، ثم يرده ويجيزه بما كان يجيزه به لتبسط به نفسه، ويقوى بذلك على التفرغ للإمرة، وبالله التوفيق. [تعريف البضع والأشد] في البضع والأشد قال مالك: بلغني أن البضع ما بين ثلاث سنين إلى تسع

стр. 8424

سنين، وقد طرح يوسف في الجب وهو غلام، والأشد الحلم. قال محمد بن رشد: ما قاله مالك ما بين ثلاث سنين إلى تسع سنين فيما بلغه، يريد والله أعلم فيما بلغه عن النبي ﵇ في تفسير قوله : ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تغلب الروم فارس؛ لأنهم أهل كتاب كلهم، وكان المشركون يحبون أن تغلب فارس الروم؛ لأنهم أهل أوثان كلهم، وكانت فارس قد غلبت الروم، فلما أنزل الله : ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] قال أبو بكر الصديق للمشركين: إن الروم ستغلب فارس وراهنهم في ذلك على ست سنين، وذلك قبل أن يحرم الخطار، فأخبر أبو بكر النبي ﷺ بما راهن عليه المشركين من أن الروم ستغلب فارس إلى ست سنين، فقال النبي ﵇: «ألا احتطت فيه فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع» ، وقد قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: البضع ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال الخليل بن أحمد: هو ما بين الثلاث إلى العشرة، والصحيح ما في الحديث من أنه ما بين الثلاث إلى التسع. وأما قوله بأن يوسف طرح في الجب وهو غلام فهو نص ما في القرآن، قال الله : ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ﴾ [يوسف: ١٩] . وأما الأشد فمعناه الشدة والقوة في البدن، وقد اختلف في حده، فقيل الحلم وهو الذي ذهب إليه مالك؛ لأنه الحد الذي تكتب له فيه الحسنات وعليه السيئات، وقيل العشرون عاما، وكان ابن عباس يقول الأشد ثلاث

стр. 8425

وثلاثون، والاستواء الأربعون، والعمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون، وبالله التوفيق. [ما روي عن يوسف ﵇] في ما روي عن يوسف ﵇ قال مالك: بلغني أن يوسف النبي ﵇ قال: ما انتقمت لنفسي من شيء أتى إليها، فذلك اليوم زادي من الدنيا أي أجر اليوم الذي ألقاه فيه إخوته في الجب هو زاده إلى الآخرة؛ إذ لم ينتقم لنفسه منهم فيما فعلوه به من ذلك. ومعنى قوله: وإن عملي قد لحق بعمل آبائي فألحقوا قبري بقبورهم. قال محمد بن رشد: معنى قوله والله أعلم، فذلك اليوم زادي من الدنيا، أي أجر اليوم الذي ألقاه فيه إخوته في الجب هو زاده إلى الآخرة إذ لم ينتقم لنفسه منهم فيما فعلوه به من ذلك، ومعنى قوله والله أعلم: وإن عملي قد لحق بعمل آبائي يريد النبوءة التي لحق بهم فيها، وبالله التوفيق. [فلي الرجل رأس أمه] في فلي الرجل رأس أمه قال مالك: بلغني أن بعض من مضى كان يفلي رأس أمه فقيل له: ما ترى فيه؟ قال: لا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا بأس بذلك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ، فإذا جاز للرجل أن يرى شعر أمه جاز له أن يفلي رأسها برا بها، وممن روي ذلك عنه

стр. 8426

محمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن حسين ومروان العجلي وطلق بن حبيب، وكان الشعبي والضحاك وطاوس يكرهون أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وذات محرمه، والصواب إجازة ذلك على ما قاله مالك وسائر فقهاء الأمصار، وقد أجازوا للرجل أن يغسل ذوات محارمه إذا لم يكن عنده نساء يغسلنها، وفليه رأس أمه وهي حية أخف من غسلها وهي ميتة، وبالله التوفيق. [قتل محمد بن أبي بكر الصديق] في قتل محمد بن أبي بكر الصديق قال مالك: بلغني أن عبد الرحمن بن أبي بكر قدم مصر فكلم عمرو بن العاص في أمر محمد بن أبي بكر أن يدخل في أمره ألا يقتل، فقال عمرو: ما كنت أنهى ولا آمر، وأبى أن يدخل في أمره. قال محمد بن رشد: ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة له، أن علي بن أبي طالب ولى محمد بن أبي بكر مصر فسار إليه عمرو بن العاص فاقتتلوا فهزم محمد فدخل في خربة فيها حمار ميت، فدخل في جوفه، فأحرق في جوف الحمار بعد، وقيل: أُتي به عمرو بن العاص فقتله صبرا، وروي عن عمرو بن دينار قال: أتي عمرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيرا فقال: هل معك عهد؟ هل معك عقد من أحد؟ قال: لا، فأمر به فقتل، وهذا الذي ذكره أبوه عمر هو نص ما ذكره خليفة بن خياط في تاريخه، فإن صح ما ذكره مالك من أن عمرو بن العاص قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: إذ سأله أن يدخل في أمره ألا يقتل: ما كنت أنهى ولا آمر، وإنما أمر به فقتل على ما ذكر عمرو بن دينار فلم يقتله برأيه والله أعلم، وإنما قتله بأمر معاوية له بذلك من أجل أنه حقق عليه والله أعلم ما نسب إليه من المشاركة في دم عثمان من نسبه، فقد قيل: إنه دخل عليه فيمن دخل فأخذ بلحيته وأشار بعينه على من كان معه فقتلوه، وقد نفى ذلك عنه جماعة ممن حضر الدار منهم

стр. 8427

كعب مولى صفية بنت حيي، قال لما دخل على عثمان كلمه بكلام فخرج عنه، ولم يند من دمه بشيء، فقتله رجل من أهل مصر، يقال له جبلة بن الأهيم، وهو الصحيح والله أعلم؛ لأنه كانت له عبادة وفضل واجتهاد في الخير، وكان علي بن أبي طالب يثني عليه ويفضله، وكان في حجره إذ تزوج أمه أسماء، وكان على رجالته يوم الجمل، وشهد معه صفين، وبالله التوفيق. [غزو النساء] في غزو النساء قال مالك: كان النساء يخرجن مع رسول الله ﷺ في غزوه يسقين الماء، ويداوين الجرحى. قال محمد بن رشد: لا خلاف في جواز خروج النساء في الغزو مع الجيش المأمون ليخدمن الغزاة، ولا سهم لهن من الغنيمة، واختلف هل يحبين منها دون قسم؟ فلم ير ذلك مالك، واستحبه ابن حبيب، وقد مضى الكلام على هذا قبل هذا في هذا الرسم، وبالله التوفيق. [ما جاء عن ابن عمر من أنه كان يؤثر] فيما جاء عن ابن عمر من أنه كان يؤثر السائل بما حضر ولا يرده خائبا قال مالك: بلغني أن ابن عمر أهدي إليه في بعض المناهل حوت عظيم فوضع بين يديه، فجاءه سائل فقال له: تعالى خذه، فأخذه السائل فجعله في ثوبه، ثم خرج به على ظهره، طفق ولده يتبعونه بأبصارهم، فلما رأى ذلك ابن عمر منهم قال لهم: إنكم ستشبعون من غيره، قال مالك: بلغني أن ابن عمر مرض فاشتهى عنبا، فأتته امرأته بعنقود فجاء سائل فأعطاه إياه، ثم إنهم اتبعوا

стр. 8428

السائل فاشتروه منه، ثم أتوا به، فأتاه السائل الثانية فأعطاه إياه أو أكل منه وأعطاه. قال محمد بن رشد: في هذا من الفضل لعبد الله بن عمر ما لا يخفى؛ لأنه آثر السائل على نفسه وبنيه بما كان عنده ولم يشح عليه بذلك، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وقد اتبعه رجل في الطواف حول البيت فرآه يكثر من قوله: اللهم قني شح نفسي، فلما فرغ قال له الرجل: رأيتك تطوف فتقول: اللهم قني شح نفسي، قال: إن الله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، ولا شك في أن الله قد أجاب دعاءه في ذلك بدليل ما روي من أنه حج ستين حجة، وأعتق ألف رأس، وحبس ألف فرس واعتمر ألف عمرة، وكان لا ينام من الليل إلا قليلا، وبالله التوفيق. [ما جاء مما يدل على أن الاسم هو المسمى] فيما جاء مما يدل على أن الاسم هو المسمى قال مالك: قال رسول الله ﷺ : «انظروا كيف صرف الله عني أذى قريش وسبها يشتمون مذمما وأنا محمد» قال مالك: ختم الله به الأنبياء وختم به الكتاب وختم بمسجده هذه المساجد ". قال محمد بن رشد: في هذا الحديث دليل واضح على ما ذهب إليه أكثر أهل السنة من أن الاسم هو المسمى حقيقة؛ لأن النبي ﵇ أخبر أن الله صرف عنه أذى قريش وسبها، إذ سبوا مذمما الذي هو ليس باسم له، ولم يسبوا محمدا الذي هو اسم له، فلو كان الاسم غير المسمى

стр. 8429

لما لحقه ﷺ بسبهم إذا سبوا مذمما أو محمدا؛ إذ لا يلحق أحدا أذى بسب غيره. وفي هذا بين أهل الحق اختلاف. قد ذهب أبو الحسن الأشعري ﵀ في بعض كتبه إلى أن الاسم ليس هو المسمى. وللقاضي أبي بكر الباقلاني في ذلك تفصيل في أسماء الله ، قال: ما كان منها يعود إلى نفسه كشيء وموجود وقديم وذات وواحد وغير لما غايره، وخلاف لما خالفه، أو إلى صفة من صفاته: ذاته كعالم، وقادر، ومريد، وسميع، وبصير، فهي هو الله وما كان يعود منها إلى صفة فعل: كخالق، ورازق، ويحيي ويميت، وما أشبه ذلك فهو غيره؛ لأنه قد كان تعالى موجودا متقدما عليها ومع عدمها. والصحيح أن الاسم هو المسمى جملة من غير تفصيل، قال الله : ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠] فأخبر أنهم يعبدون أسماءهم وإنما عبدوا الأشخاص لا الكلام، والقول الذي هو تسميته، فدل ذلك دليلا ظاهرا على أن الأسماء التي ذكرها هي المسميات، وقال : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] ، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ومعناه سبح ربك الذي خلق فسوى، وتبارك ربك ذو الجلال والإكرام، فأسماء الأشياء ذواتها، والذوات أيضا أسماء، والأسماء هي المسميات وعين المسميات، فمن لم يلح له الفرق بين الاسم والتسمية وقال: إن الاسم هو التسمية قال: إنه هو

стр. 8430

غير المسمى، إذ لا اختلاف في أن التسمية غير المسمى، فهذه هي نكتة الاختلاف في الاسم هل هو المسمى أم لا؟ فعلينا أن نبين الفصل بين الاسم والتسمية؛ ليصح لنا ما صححناه من أن الاسم هو المسمى، فالتسمية هي الكلام والقول الذي به يتحرك اللسان، والاسم هو المفهوم من التسمية، فإذا سألت الرحمن الرحيم، أو دعوت السميع القريب المجيب فقد دعوت وسألت المسمى بما سميته به من الرحمن الرحيم والسميع القريب المجيب وهو الله رب العالمين، وكذلك إذا قلت: لقيت زيدا أو خالدا أو عالما أو كلمتهم أو صحبتهم كنت قد أخبرت حقيقة لا مجازا بلقائك وتكلمك وصحبتك لأعيانهم وأشخاصهم وذواتهم المسمين بأسمائهم التي سميتهم بها لا لغير أشخاصهم وأعيانهم، ومن لم يبن له الفرق بين الاسم والتسمية وقال: إن الاسم هو التسمية، وإنه غير المسمى حمل كل ما جاء من الإفصاح بأن الاسم هو المسمى على المجاز في القول، فقال: معنى قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] أي ما تعبدون من دونه إلا أشخاص أسماء سميتموها، وكذلك يقولون في قول القائل: سألت الرحمن الرحيم معناه سالت ربي المسمى بالرحمن الرحيم وكذلك يقولون في قول الرجل لقيت زيدا أو كلمته أو صحبته معناه: لقيت المسمى بزيد أو كلمته أو صحبته، ولا يصح أن يعدل بالكلام عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة، فلم يأت من قول من قال من أهل السنة: إن الاسم غير المسمى ببدعة إلا أنه أخطأ خطأ ظاهرا وجهل جهلا لائحا؛ إذ لم يفترق عندهم الاسم من التسمية حتى قالوا: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال نار احترق فوه، ومن قال: زيدا وجد زيدا في فيه، وهذا جهل؛ إذ لا يوجد في فم الذي قال نارا إلا التسمية التي هي القول لا الاسم الذي هو المفهوم منه على ما بيناه، ولو وجد اسم النار في فيه لاحترق فوه.

стр. 8431

وأما أهل الاعتزال فيقولون: إن الاسم غير المسمى على أصولهم في أن أسماء الله وصفاته غيره؛ لأنها عندهم محدثة مخلوقة، وأنه تعالى كان بغير اسم ولا صفة حتى خلق خلقه، فخلقوا له أسماء وصفات؛ لأنهم يقولون: إن الاسم هو التسمية، وإن الوصف هو الصفة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وبه التوفيق لا رب غيره. وقول مالك متصلا بهذا الحديث: ختم الله به الأنبياء، وختم به الكتاب، وختم بمسجده هذه المساجد، ليس له تعلق به، وإنما ورد من حيث نقل على سبب غيره، والمعنى فيه بين؛ لأنه ﷺ آخر الأنبياء، ختم الله به النبيين، وكتابه الذي أنزل عليه آخر الكتب؛ إذ لا نبي بعده. وقوله: ختم بمسجده هذه المساجد إشارة منه إلى المسجد الحرام ومسجد إيليا، ومسجده ﷺ ، فكان مسجده ﷺ أحدث المساجد الثلاثة التي قال فيها رسول الله ﷺ : «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد إيليا، أو بيت المقدس» وآخرها، وبالله التوفيق. [قدر القراءة في الصلوات] في قدر القراءة في الصلوات قال مالك: حدثني سميى مولى أبي بكر أنه قال له يوما، وقد كان كف بصره وأسفر عن الصلاة عن وقتها الذي كان يصليها فيه فقرأ فيها ببراءة، قال مالك: وكان حزم يطيل القراءة في

стр. 8432

الظهر، قيل له: قدر كم؟ قال: الكهف وما أشبهها، فقيل له: أفيقرأ المسافر بسبح، وويل للمطففين؛ فإن الأكرياء يسفرون بهم؟ قال: لا بأس بذلك. فقيل له: فإذا زلزلت وما أشبهها؟ قال: هذه قصار جدا، كأنه يقول: لا. قال محمد بن رشد: كذا وقع الأكرياء يسفرون بهم، وهو خطأ وصوابه: فإن الأكرياء يسرعون بهم، وكذا وقع في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة. وقوله: وأسفر عن الصلاة عن وقتها الذي كان يصليها فيه معناه أخرها عن الوقت الذي كان من عادته أن يصليها فيه؛ لأنه أخرها حتى أسفر؛ إذ لو أسفر لما أمكنه أن يقرأ فيها ببراءة. والتطويل في الصبح والظهر مستحب، وهما سيان فيما يستحب فيهما من التطويل، ألا ترى أنه استخف في المدونة للمسافر في الصبح من التخفيف القدر الذي استخفه هاهنا في الظهر، ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول قراءة من الثانية في الصبح والظهر، لما جاء من «أن رسول الله ﷺ كان يطيل أول ركعة من الظهر وأول ركعة من الغداة» . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن الاختيار في الظهر دون الصبح أن يكون الركعتان الأوليان متساويتين في القراءة [كما أن الركعتين الأخيرتين متساويتان في القراءة] ويستحب أن لا يقرأ في الصبح والظهر في مساجد الجماعات بدون طوال سور المفصل، ويقرأ في المغرب بقصارها وفي العشاء الآخرة بوسطها، واختلف في العصر فقيل: إنها والمغرب سيان في قدر القراءة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وقيل: إنها والعشاء الآخرة سيان فيما يستحب فيهما من قدر القراءة.

стр. 8433

واختلف في حد المفصل، فقيل: إنه من الحجرات، وقيل: إنه من سورة ق، وقيل: إنه من سورة الرحمن، روي ذلك عن ابن مسعود، والصحيح قول من قال: إنه من سورة ق لأن الحجرات مدنية، والمفصل بمكة، روي عن ابن مسعود أنه قال: أنزل الله على رسوله المفصل بمكة فكنا حججا نقرأه لا ينزل غيره، ومن الدليل على ذلك ما روي عن أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ فقلت: كيف كنتم تحزبون القرآن؟ قال: كنا نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وفي بعض الآثار، كيف كان رسول الله ﷺ يحزب القرآن؟ فذكر نحوه؛ لأن القرآن يأتي على هذا سبعة أحزاب بعدد الأيام، المفصل منها حزب من أول سورة ق؛ ولأن الستة أحزاب تتم إذا عدت السور بسورة الحجرات، ويحتمل أن تكون سورة الرحمن في مصحف ابن مسعود بعد سورة الحجرات، وبالله التوفيق. [التأني والعجلة] في التأني والعجلة قال مالك: بلغني أنه كان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان، وما عجل امرؤ فأصاب، وتأيد آخر فأصاب إلا كان الذي تأيد أصوب رأيا، ولا عجل فأخطأ وتأيد آخر فأخطأ إلا كان الذي تأيد أيسر شأنا. قال محمد بن رشد: قوله: بلغني أنه كان يقال التأني من الله والعجلة من الشيطان، معناه بلغني أنه كان يقال في الحديث عن النبي ﵇؛ لأن مثله لا يكون رأيا والله أعلم، وما فسره به من قوله: وما عجل امرؤ فأصاب إلى آخر قوله بين صحيح؛ لأن الحظ فيما ينوب من أمور الدنيا ألا يعجل فيها ولا يقدم عليها إلا بعد تقديم استخارة الله فيها.

стр. 8434

وقد أمر الله نبيه ﵇ بمشورة أصحابه في الأمور والتثبت فيها، فقال : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] روي عن أم سلمة أنها قالت: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك «أن رسول الله ﷺ بعث رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله ﷺ ، قال: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حتى صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلا مصدقا فسررنا بذلك وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر، قال: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] » ، ومن هذا المعنى قول ابن عباس: القصد والتؤدة وحسن السمت جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوءة، وقد روي مرفوعا إلى النبي ﵇؛ لأن التؤدة التأني في الأمور والتثبت فيها، وأما القصد فمعناه الاقتصاد في النفقة، وفي معناه جاء الحديث «ما عال من اقتصد» ، وأما حسن السمت فالوقار والحياء وسلوك طريقة الفضلاء، وبالله التوفيق.

стр. 8435

[سيرة عمر في الناس في سني الرمادة] في سيرة عمر في الناس في سني الرمادة قال مالك: بلغني أن أول ما أغيث الناس في زمن عمر بن الخطاب في الخريف، فقال له رجل: ما كنت فيها بابن ثأداء فقال عمر: لا حول ولا قوة إلا بالله، وضربه بالدرة وكتب إلى عمرو بن العاص وغيره يا غوثاه، فبعثوا إليه بالإبل عليها الدقيق والأكسية، قال: وإن كان عمر لينفخ تحت قدورهم حتى إن كان الدخان يخرج من خلل لحيته قال: لا تشبعونهم فإنهم كالشن البالي، ولكن قليلا قليلا حتى ينتعشوا ويقووا، قال: وكان يأتي بالبعير عليه الدقيق إلى أهل البيت فيقول: كلوا لحمه، وائتدموا شحمه، والْتَحِفُوا بهذا العباء، وكلوا هذا الدقيق. قال محمد بن رشد: قول الرجل لعمر بن الخطاب: ما كنت فيها بابن ثأداء، معناه ما كنت في هذه السنين بابن امرأة ضعيفة مسكينة، أي لم تضعف عن إغاثة الناس وإحيائهم وإقامة أرماقهم حتى جاء الله بالفتح من عنده، ومنه المثل السائر تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، أي لا ترضى أن تكون ضئيرا لقوم إلا المرأة الدنية المسكينة. وإنما ضربه لمدحه إياه في وجهه، فقد جاء النهي عن ذلك، قال رسول الله ﷺ : «احثوا التراب في وجه المداحين» أي وبخوهم وقبحوا إليهم قولهم حتى يذلوا ويكونوا في الذلة كمن لصق بالتراب، ومنه الحديث «تربت يمينك ومن أين يكون الشبه» ، وبالله التوفيق.

стр. 8436

[إمضاء أقضية الأمراء] في إمضاء أقضية الأمراء قال مالك: إن أبان بن عثمان أراد أن ينقض قضاء عبد الله بن الزبير فيما قضى به ابن الزبير، فكتب إلى عبد الملك بن مروان، فكتب إليه عبد الملك بن مروان: إنا لم ننقم على ابن الزبير فيما قضى به، وإنما نقمنا عليه لما أراد من الإمارة، فإذا جاءكم كتابي هذا فَأَمْضِه ولا ترده فإن نقض القضاء عناء معني. قال محمد بن رشد: قول عبد الملك إنا لم ننقم على ابن الزبير فيما قضى به إلى آخر قوله، يدل على أن القاضي لا تنقض أحكامه إذا لم يعرف بالجور فيها، وإن كان غير مرضي في أحواله، وهو مذهب أصبغ من أصحابنا خلاف قول ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون، وقد مضى بيان هذا والقول فيه مستوفى في رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب الأقضية، وبالله التوفيق. [مسير المسافر الميلين والثلاثة بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر] في مسير المسافر الميلين والثلاثة بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر أنه كان يسير الميلين وثلاثة بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر. قال محمد بن رشد: إنما كان يفعل ذلك إذا زالت الشمس وبينه وبين المنهل الذي يريد النزول فيه الميلان والثلاثة؛ لمشقة النزول والركوب.

стр. 8437

وأما لو كان في مشي متصل لنزل للصلاة في أول وقتها؛ لأن وقتها المستحب وإن كان متسعا إلى آخر القامة فأوله أفضل، سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: «الصلاة لأول وقتها» ، وبالله التوفيق. [حكاية عن عمرو بن العاص] قال مالك: بلغني أن رجلا قال لعمرو بن العاص وكان عمرو عاملا على البحرين في زمن النبي ﵇، وأنه قال له: إن النبي ﵇ قد توفي فالحق ببلدك وإلا فعلنا وفعلنا يتواعده، فقال له عمرو: لو كنت في حفش أمك لدخلنا عليك فيه. قال محمد بن رشد: القائل لعمرو هذا قرة بن هبيرة بن سلمة بن قشير، كان ارتد وأتي به موثقا إلى أبي بكر مع عيينة، وشهد عليه بذلك عمرو بن العاص، فأراد بقوله هذا أنه لا يفلته ولا ينجو منه حتى يقيم عليه حد الله ، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب المحاربين والمرتدين، وبالله التوفيق. [خشية عمر بن عبد العزيز] في خشية عمر بن عبد العزيز وقال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز صلى فقرأ بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] ، فلما بلغ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] خنقته العَبْرة فتردد عليها فلم يستطع أن ينفذها فتركها وقرأ والسماء والطارق.

стр. 8438

قال محمد بن رشد: هذا من فعل عمر بن عبد العزيز نهاية في الخوف لله ، ومن بلغ هذا الحد فهو من أهل الجنة بفضل الله، قال : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وقد روى الصلت عن ابن القاسم أنه لا يطلق على من حلف بالطلاق أنه من أهل الجنة، وسئل مالك عن ذلك فتوقف وقال عمر بن عبد العزيز إمام هدى أو قال رجل صالح، وفضائله ﵁ كثيرة لا تحصى، وقول ابن القاسم بالصواب أولى؛ لأن الأمة قد أجمعت على الثناء عليه والشهادة له بالخير، [وهي معصومة قال رسول الله ﷺ : «لن تجتمع أمتي على ضلالة» ] ، وقال: «أنتم شهداء الله في الأرض، فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار» وقد مضى هذا في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق. [سرور المستفتي إذا أفتاه المفتي بما يحب] في سرور المستفتي إذا أفتاه المفتي بما يحب وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن يحيى بن سعيد أن سعيد بن المسيب إذا جاءه الرجل يسأله فأفتاه بما يحب دعا له

стр. 8439

فيضحك ابن المسيب ويقول: أفتيته بما يحب. قال محمد بن رشد: ضحك ابن المسيب من دعائه له إذا أفتاه بما يحب بخلاف ما لو أفتاه بما يكره وهو في فتواه إياه لم يقصد وجهه، وإنما فعل في الوجهين جميعا ما يجب عليه أن يفعله، ولا يجوز له أن يتعداه، وهذا أمر قد جبل عليه الناس، حكى ابن حبيب أن أعرابيا سأل مالكا عن ناقة له نفرت فانصرفت فقال لها: تقدمي وإلا فأنت بدنة، فقال له أردت زجرها بذلك لكي تمضي؟ فقال: نعم، فقال: لا شيء عليك، فقال: رشدت يا ابن أنس، وذلك من قول مالك خلاف رواية أبي زيد عن ابن القاسم في سماعه من كتاب النذور، وقول ابن القاسم هذا هو الذي يأتي على أصل مذهب مالك في أن اليمين بكل ما لله فيه طاعة تلزم كالنذور، ووجه قول مالك أنه لم ير ذلك يمينا لأن الرجل إنما يحلف على ما يملك أو على من يعقل فصرف ذلك إلى معنى النذر فلم يوجب عليه إخراجها إذ لم تكن له نية في ذلك، وإنما قصد زجرها لا القربة إلى الله بإخراجها، وهو الأظهر لقول النبي ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» ، وبالله التوفيق. [أحاديث ابن وهب وأحاديث الإسكندراني في علي بن زياد] أحاديث ابن وهب وأحاديث الإسكندراني في علي بن زياد [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما] . وحدثني محمد بن أحمد العتبي عن عيسى بن دينار عن عبد الله بن وهب، أن رسول الله ﷺ قال: «ألا

стр. 8440

أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: النبييون والصديقون ورجل زار أخاه في الله ، ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الولود الودود العوود التي إذا أساءت أو أساء إليها زوجها وضعت يدها في يده وقالت اعف أو اصنع ما بدا لك» . وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «يزور الأعلون من أهل الجنة الأسفلين، ولا يزور الأسفلون الأعلين إلا من كان يزور في الله في الدنيا، فذلك يزور في الجنة حيث يشاء» . وحدثني يحيى بن سليم الطائفي أن رسول الله ﷺ قال لأنس: «يا أنس، سلم على أهلك يكثر خير بيتك، وسلم على من لقيت تكثر حسناتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، وصل بالليل والنهار تحفظك الحفظة، ولا تنم إلا وأنت طاهر فإنك إن مت مت شهيدا ووقر الكبير وارحم الصغير والقني غدا» . قال وحدثني عن علي بن زياد الإسكندراني عن أبى رافع يرفع الحديث، أن رسول الله ﷺ قال: «خرج عيسى ابن مريم يمشي حتى انتهى إلى مفرق ثلاثة طرق، فركع ركعتين وجلس، فأتاه إبليس فسلم عليه فقال له عيسى: يا إبليس إني سائلك عن خطتين فهل أنت صادقي فيهما؟ قال: يا روح الله سلني عما بدا لك، قال: ما الذي يسل جسمك؟ وما الذي يقطع ظهرك؟
следующие страницы →