Полный текст (9 112 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
ليلا - أي يوم شاء؛ ولا وجه لتأخيره إلى آخر أيام الجمعة، ولا اختلاف في هذا، فتدبره.
[مسألة: صام رمضان كله من أوله إلى آخره وهو جنب لم يغتسل فيه]
مسألة قيل لسحنون: أرأيت من صام رمضان كله من أوله إلى آخره، وهو جنب لم يغتسل فيه، هل يجزئه صيامه؟ قال لي: نعم يجزئه صيامه، وإن كان عامدا لم آمره أن يعيد - وقد أخطأ، وظلم نفسه - والله أعلم، وأما الصلاة فلا بد من الإعادة لها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، والأصل فيه ما ثبت أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبا، ثم يصوم ذلك اليوم - وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: نذر أن يصوم الدهر كله فأفطر يوما]
مسألة وسئل سحنون: عمن نذر أن يصوم الدهر كله، فأفطر يوما؛ قال سحنون: إن أفطره ناسيا، أو من عذر، فلا شيء عليه؛ وإن أفطره من غير عذر، فعليه الكفارة، قيل: وما الكفارة؟ قال: إطعام مد، أخبرنيه أبو زيد عن ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: لسحنون في كتاب ابنه: أن عليه إطعام ستين مسكينا، ووجه هذا: أنه لما أفطر متعمدا ما لا يجد له قضاء، أشبه الفطر في رمضان متعمدا في أنه لا يجد له قضاء؛ إذ قد جاء أنه لا يقضيه بصيام الدهر - وإن صامه. ووجه القول الأول: القياس على كفارة التفريط؛ لأنها كفارة وجبت للفطر - متعمدا في موضع لا يجوز فيه الفطر، وهذا أفطر متعمدا في موضع
стр. 842
لا يجوز فيه الفطر، واختلف فيمن نذر صيام الدهر، فلزمه صيام ظهار، أو كفارة يمين، قال ابن حبيب: يصوم ذلك ولا شيء عليه. وقال سحنون: يصوم ويطعم عن كل يوم مدا. ومثل قول ابن حبيب في سماع أصبغ من قوله وروايته عن ابن القاسم في رسم "الجامع في بعض الروايات " - وبالله التوفيق.
[الرجل يبيت الصيام في السفر ثم يفطر]
من سماع موسى من ابن القاسم قال موسى بن معاوية: قال ابن القاسم: سألت مالكا غير مرة عن الرجل يبيت الصيام في السفر، ثم يفطر بالطعام؛ وفي بعض سؤالي إياه أقول له: ويرى المسافر أن الفطر له واسع، فيفطر على ذلك؛ قال مالك: أرى عليه الكفارة. وكذلك أن لو وطئ، قال ابن القاسم: والوطء لا يكون أشد من الطعام في شيء من رمضان، وسمعت الليث يرى ذلك أيضا، ويقول: عليه الكفارة في المسافر يبيت الصيام ثم يفطر.
قال محمد بن رشد: هذا يبين مذهب مالك في المدونة أن عليه القضاء والكفارة - وإن كان متأولا، وفي المدنية لمالك: أنه لا كفارة عليه - وإن كان متعمدا من غير عذر، مثل قول ابن كنانة والمخزومي في المدونة، وأشهب يرى عليه الكفارة، إلا أن يكون متأولا؛ وهذا هو أظهر الأقوال، لحديث النبي ﵊: «أنه خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس» ... الحديث.
стр. 843
[مسألة: التبييت في كل ليلة في صيام رمضان للمسافر]
مسألة قال: ولا يجزئه الصيام في السفر إلا أن يبيته في صيام رمضان.
قال محمد بن رشد: معناه أنه لا يجزئه الصيام في السفر في رمضان، إلا أن يبيته في كل ليلة - ولو نوى أن يتابع الصيام في سفره؛ وأما إذا لم ينو متابعة الصيام، فلا اختلاف في أنه لا بد له من التبييت في كل ليلة، وفي المبسوطة لمالك: لا تبييت على من شأنه سرد الصيام، ومثله في الواضحة. وقال أبو بكر الأبهري، ومحمد بن الجهم: هذا استحسان. والقياس أن عليه التبييت في كل ليلة لجواز الفطر له، فما في المبسوطة لمالك، خلاف قول مالك في هذه الرواية، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم "تسلف" من سماع عيسى - وبالله التوفيق.
[كانت في فيه نواة أو حصاة يعبث بها فنزلت في حلقه حال صيامه]
من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب الزكاة والصيام قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول، فيمن كانت في فيه نواة أو حصاة يعبث بها، فنزلت في حلقه: إنه لا قضاء عليه في صيام النافلة، وفي الذباب يدخل الحلق وينزل إلى الجوف ولا يستطيع رده، فلا قضاء عليه لا في النافلة ولا في الفريضة؛ وليس ذلك بمنزلة النواة يعبث بها يقضي في النواة في الفريضة، وعليه الكفارة مع القضاء، وليس هذا بتأويل أحد يسقط به الكفارة، وهذا تأويل خطأ، وقاله أصبغ؛ وذلك إذا عبث بها وتهاون حتى يبتلعها، فهو بمنزلة المتعمد، والمتعمد عليه في تعمده هذا - القضاء والكفارة؛ وذلك أن للنواة غذاء، وكذلك الطين في هذا؛ وأما الحصاة فإن كان في فريضة
стр. 844
- وكان ساهيا - فلا شيء عليه؛ لأن الحصاة ليس يصير لها غذاء، لا تذبل في الجوف كذبول النواة، وهي بمنزلة الدينار والدرهم يبتلعهما ساهيا، فلا شيء عليه؛ وإن تعمد شيئا من ذلك، كان عليه القضاء في الفريضة للتهاون، وعظم حرمة الفريضة وحقها - احتياطا عليه؛ وكذلك اللوزة الصحيحة، والجوزة، والفستقة بقشرها، تجري مجرى الحصاة والدينار، والدرهم.
قال محمد بن رشد: قوله في النواة يعبث بها فتنزل في حلقه، أنه لا قضاء عليه في صيام النافلة - معارض لقوله: إن عبث بها فنزلت في حلقه في الفريضة كانت عليه الكفارة مع القضاء، وإن كان ساهيا فعليه القضاء، فكان يجب على قوله في الفريضة، أن يجب عليه القضاء في النافلة، وعلى قوله في النافلة ألا يجب عليه في الفريضة - الكفارة في العمد، ولا القضاء في السهو، وهذا كله خلاف أصل ابن الماجشون في الواضحة، إذ لم يفرق في شيء من هذا بين ما له غذاء مما ليس له غذاء، وقال: لم يؤخذ هذا من جهة الغذاء، وإنما أخذ من أن حلق الصائم مما لا تجاوزه شيء، فإن كان ناسيا في شيء من ذلك كله، كان عليه القضاء، وإن كان عامدا، كان عليه القضاء والكفارة؛ وقال: على هذا الأصل في الذباب يبذر في الحلق، أن عليه القضاء. ثم خالف أصله هذا، فقال: فيما بقي بين أسنانه من بقية طعامه كحبة التينة، وفلقة الجريدة، فابتلعه في نهاره - ناسيا، أو متعمدا، فلا شيء عليه؛ لأنه ابتدأ أخذ ذلك في وقت يجوز له، وكذلك قال في النخامة: إنه لا شيء عليه في ابتلاعه إياها - ساهيا كان، أو متعمدا - بعد فصولها، أو قبل فصولها، وقال: إن كل ما وجب فيه في الفريضة القضاء والكفارة، وجب فيه في النافلة القضاء، وما لم يجب في الفريضة إلا القضاء، فلا يجب فيه في النافلة قضاء، ولم يلزم ابن القاسم هذا الأصل، فقال في النواة يعبث بها فتنزل في حلقه: إنه لا قضاء عليه في النافلة، وعليه في الفريضة القضاء والكفارة، وقال: إن من استقاء - طائعا، فعليه القضاء في الفريضة والنافلة، ووافق ابن القاسم فيما روى عنه أصبغ في بعض روايات
стр. 845
العتبية في النخامة أنه لا شيء عليه في ابتلاعه إياها عامدا. وقال ابن نافع: عليه القضاء وهو يفطره.
[مسألة: أتعب الصائم الحر أو العطش في رمضان]
مسألة
قال أصبغ: قال ابن القاسم: وإن أتعب الصائم الحر، أو العطش في رمضان، فأرجو أن يكون في سعة من الفطر، إذا كان قد بلغ ذلك منه، ولم يقو؛ وقاله أصبغ في سفر كان، أو في حضر - إذا بلغ منه المجهود والخوف على نفسه الموت أو المرض.
قال محمد بن رشد: أما إذا خاف على نفسه الموت مما بلغه، فلا اختلاف في جواز الفطر له، واختلف إذا خاف المرض، فقيل له أن يفطر، وقيل: ليس له أن يفطر لما يخاف من المرض، ولعله لا ينزل به؛ واختلف إذا أفطر، فقال سحنون: يأكل بقية يومه؛ لأنه قد جاز له الفطر، ورواه داود بن سعيد عن مالك، وقال ابن حبيب: لا يفطر إلا بقدر ما يرد به رمقه، ويمسك؛ فإن أفطر بعد ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه قد دخل في حد المريض - وبالله التوفيق.
[مسألة: يصيبه الضربان من الخوى هل يفطر رمضان]
مسألة قال ابن القاسم في الذي يصيبه الضربان من الخوى، فهو مرض من الأمراض إذا جاءه من ذلك ما يحتاج معه إلى الفطر في رمضان، فذلك له؛ لأنه مرض من الأمراض.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم "سلف" من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة القول فيها، وبالله التوفيق.
стр. 846
[النصرانية تحت المسلم أيفطرها في صومها الذي تصومه مع أهل دينه]
ومن كتاب الجامع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، وسئل عن النصرانية تحت المسلم: أيفطرها في صومها الذي تصومه مع أهل دينها؟ قال: لا أرى أن يكرهها على ما عليه أهل دينها وملتها، يعني شرائعها، ولا على أكل ما يجتنبون في صيامهم، أو ما يجتنبون أكله رأسا، ليس ذلك له في القضاء؛ قال أصبغ: ولا عليه منعها إياه كرها، ولا له، وقد قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] حتى بلغ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، أنه ليس له أن يمنعها مما تتشرع به، واختلف: هل له أن يمنعها من شرب الخمر، وأكل الخنزير، والذهاب إلى كنيستها، فقال في المدونة: ليس له أن يمنعها من ذلك، وقال في كتاب ابن المواز: له أن يمنعها من أكل الخنزير، وشرب الخمر؛ لأن ذلك ليس من دينها، وله أن يمنعها من الكنيسة إلا في الفرط.
[المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها حتى تطهر]
من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال أبو زيد بن أبي الغمر: أخبرني ابن القاسم، قال في المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها حتى تطهر؛ قال: تخرج في حيضتها إلى السوق، وفي حوائجها، وتصنع ما أرادت إلا لذة الرجال: القبلة، أو الجسة، لا تجتنب شيئا إلا اللذة.
قال محمد بن رشد: أنكر سحنون هذه، وقال: هي في حرمة الاعتكاف، إلا أنها تمتنع من المسجد، فلا تصنع إلا ما يصنعه المعتكف، وقد مضى هذا في أول سماع ابن القاسم، وما يتعلق به، وبالله التوفيق.
стр. 847
[مسألة: استقاء في نافلة وهو صائم]
مسألة وقال في رجل استقاء في نافلة - وهو صائم، قال: أحب إلي أن يقضي ذلك؛ لأن الحديث جاء: «من استقاء فعليه القضاء» ، وهو عندي في الفريضة والنافلة سواء.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف أصل ابن الماجشون الذي ذكرناه في سماع أصبغ، وقد حكى ابن لبابة عن ابن القاسم من رواية محمد بن خالد - مثل أصل ابن الماجشون، فقف على ذلك.
[مسألة: جعل في نفسه إن كشف الله عني صيام شوال فلم يصح إلا في النصف من شوال]
مسألة وسئل: عن رجل جعل في نفسه إن كشف الله عني - صيام شوال، فلم يصح إلا في النصف من شوال؟ قال: يصوم النصف الذي صح فيه من شوال، وليس عليه أن يتمه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما مضى قد جاز له فطره، وهو مثل ما في المدونة.
[مسألة: تسحر في رمضان في الفجر فظن أن ذلك اليوم لا يجزئ عنه صيامه فأكل متأولا]
مسألة وسئل: عن رجل تسحر في رمضان في الفجر، فظن أن ذلك اليوم لا يجزئ عنه صيامه، فأكل متأولا؛ قال: يقضي يوما مكانه، ولا كفارة عليه؛ قال: وكذلك من قدم من سفر قبل الفجر، فظن أن ذلك اليوم لا يجزئ عنه صيامه فأكل فيه؛ فرأيت في
стр. 848
معنى قوله كأنه لا يرى على من تأول شيئا - وهو فيه مخطئ إلا القضاء فقط، ولا يرى عليه كفارة.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين مثل ما في المدونة، فلا معنى للقول فيه.
[مسألة: الذي يرى هلال شوال وحده]
مسألة وقال في الذي يرى هلال شوال وحده، هل يجوز له أن يفطر؟ أو يرى هلال رمضان وحده، هل يصوم ذلك اليوم؟ قال: أما إذا رأى هلال رمضان وحده، فإنه يصوم، ولا ينبغي له إلا ذلك، وأما إذا رأى هلال شوال، فإنه لا يجوز له أن يفطر إلا باجتماع من الناس، إلا أن يكون وحده في سفر، وفي غير جماعة من الناس، مثل المسافر يكون في مفازة، فإنه يصوم برؤية الهلال، ويفطر برؤيته؛ إلا أن يغمى عليه هلال شوال، فيعد ثلاثين يوما من يوم رأى هلال رمضان، ثم يفطر.
قال محمد بن رشد: أما إذا رأى هلال رمضان وحده، فلا خلاف في أنه يجب عليه أن يصوم، فإن أفطر عالما بوجوب الصيام عليه غير متأول، فعليه القضاء والكفارة، وكذلك إن رأى هلال ذي الحجة وحده يجب عليه أن يقف وحده دون الناس، ويجزئه ذلك من حجه - قاله بعض المتأخرين، وهو صحيح. وأما إذا رأى هلال شوال وحده دون الناس - وهو في جماعة، فقال: إنه لا يجوز له أن يفطر إلا باجتماع من الناس، والفطر له فيما بينه وبين الله جائز، بل هو الواجب عليه، لنهي رسول الله ﷺ عن
стр. 849
صيام ذلك اليوم، لكنه حظره عليه لما فيه من تعريض نفسه للتهمة، وعقوبة السلطان، ومثل هذا في المدونة والموطأ وغيرهما من الدواوين، وأبينه قول أصبغ في سماعه من كتاب طلاق السنة، واستحب ابن حبيب أن ينوي الفطر ولا يظهر إفطاره، والصحيح أن هذا هو الواجب عليه أن يفعله - وإن كان ذلك مخالفا للروايات؛ لأن الصوم من أفعال القلوب، فلا يجوز له أن يعتقد الصوم - وهو يعلم أنه عليه حرام.
[المعتكف أيؤم الناس]
ومن مسائل نوازل سئل عنها مطرف وسئل مطرف: عن المعتكف أيؤم الناس؟ قال: لا بأس بذلك، وقد رأيت الحسن بن زيد اعتكف عندنا في المسجد، وكان يؤمنا، وهو إذ ذاك أمير المدينة، فلم أر أحدا أنكر ذلك عليه، وما أرى به بأسا، وقد اعتكف رسول الله ﷺ فلم يسمع أنه أمر أحدا يؤمهم، ومحمل أمره عندنا على أنه هو الذي كان يؤمهم - وهو على اعتكافه - كما هو.
قال محمد بن رشد: قوله صحيح؛ لأن الإمامة للمعتكف بالناس في مسجد معتكفه، ليس فيها شغل عن اعتكافه، واستدلاله على أن رسول الله ﷺ هو الذي كان يؤم الناس في اعتكافه - على حاله - التي كان عليها، فإنه لو استخلف على الصلاة غيره، لنقل ذلك وعلم، استدلال واضح؛ لأن هذا مما يعلم توفر الدواعي على نقله، فلو كان، لنقل.
[مسألة: المعتكف يقبل امرأته]
مسألة وسئل مطرف: عن المعتكف يقبل امرأته، والمتظاهر، ما الذي
стр. 850
ترى فيهما؟ قال: أرى أن قد أفسدا ما هما فيه، فأما المتظاهر فأرى أن يبتدئ صيامه، وأما المعتكف فأرى أن يبتدئ اعتكافه، قلت له: في القبلة فقط، فقال: نعم في القبلة، وكذلك لو جساهما بأيديهما، كان ذلك مما يفسد عليهما ما هما فيه، قلت له: فالحاج أو الصائم إذا قبلا؟ فقال: أما الصائم فلا شيء عليه، إلا أن يمذي، وأما الحاج فحجه تام مجزئ عنه، إلا أن عليه الهدي لمكان ما قبل.
قال محمد بن رشد: أما المعتكف فلا اختلاف أحفظه في المذهب في أن القبلة والمباشرة تبطل اعتكافه. وأما المتظاهر فلأصبغ في نوازله من كتاب الظهار: أنه إن قبل في شهري صيامه استغفر الله تعالى، وتمادى على صيامه. وهذا أحد قولي سحنون، قال: لأن المعتكف ممنوع من كل امرأة، والمتظاهر ليس بممنوع إلا من امرأته التي ظاهر منها، ومن أهل العلم في غير المذهب من يبيح للمتظاهر من امرأته التي ظاهر منها، ما دون الجماع قبل الكفارة، كما أن منهم أيضا من لا يبطل الاعتكاف بما دونه. ويحمل قَوْله تَعَالَى في الآيتين جميعا: آية الظهار، وآية الاعتكاف - على الجماع، لا على ما دونه. وأما الصائم فلا يبطل صيامه ما دون الجماع، إلا أن ينعظ أو يمذي على اختلاف، أو ينزل باتفاق، وقد مضى تحصيل ذلك في رسم "طلق" من سماع ابن القاسم، وأما الحاج فلا يبطل حجه بما دون الجماع، إلا أن ينزل، غير أن عليه في ذلك كله الهدي - وبالله التوفيق.
تم كتاب الصيام والاعتكاف بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه
стр. 851
[كتاب زكاة الذهب والورق] [ كانت له عشرة دنانير فحال عليها الحول ثم اشترى بها بعد ذلك مائتي درهم]
стр. 852
من سماع أبي القاسم من مالك من كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك: عن رجل كانت له عشرة دنانير فحال عليها الحول ثم اشترى بها بعد ذلك مائتي درهم، أترى أن يزكيها؟ قال: نعم، أرى أن يزكيها.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما في المدونة، وعلى المشهور في المذهب أن الأرباع مزكاة على أصول الأموال، فهذه المائتا درهم على هذا، كأنها لم تزل في يديه من يوم ملك الأصل الذي اشتراها به وهو العشرة دنانير، وقد قيل: إن الأرباح فوائد، وقيل: إنه إن اشترى بأكثر مما بيده لم يزك من الربح على الأصل إلا ما ينوبه، وقيل: إنما يزكى منه على الأصل ما ينوبه إذا كان قد نقد، فإن لم ينقد كان الربح فائدة، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أن الربح مزكى على الأصل - وإن اشترى بأكثر مما بيده. وإن لم ينقد، وهو نص قول مالك في رسم "استأذن" من سماع عيسى.
والقول الثاني: أن الربح فائدة - وإن اشترى بما في يده ونقده، وهذا القول يقوم مما رواه أشهب، وابن عبد الحكم - عن مالك في رجل له عشرون دينارا حال عليها الحول، ولم يزكها فاشترى بها سلعة، ثم باعها بعد الحول بأشهر بثلاثين دينارا؛ أنه يزكي العشرين ويكون حولها في يوم كان حال عليها الحول، ولا زكاة عليه في الربح حتى يحول عليه الحول من يوم ربحه، فجعل الربح فائدة - وإن كان قد نقد العشرين التي كان الربح فيها؛ فعلى هذا القول لا يلزم الرجل الذي كانت له عشرة دنانير، فحال عليها الحول، ثم اشترى بها بعد ذلك مائتي درهم - أن يزكي المائتي درهم حتى يحول عليها - حول آخر من يوم ربحها، وصارت بيده.
والقول الثالث: أنه إن اشترى بأكثر مما بيده، لم يزك من الربح إلا ما ينوب
стр. 853
ما بيده منه، وهو قول مالك في رواية زياد عنه، مثال ذلك: أن يكون له عشرة دنانير فيحول عليها الحول، فيشتري بعد حلوله سلعة بعشرين دينارا فينقد العشرة أو لا ينقدها، ثم يبيعها بثلاثمائة درهم، أنه يزكي مائتي درهم - مائة للأصل، ومائة من الربح؛ وهو ما ناب الأصل الذي كان عنده منه؛ ويستقبل بالمائة الثانية من الربح - وهو ما ناب العشرة التي زادها في الثمن على ما كان بيده حولا من يوم صارت بيده.
والقول الرابع: أنه لا يزكي من الربح ما ناب الزائد على الأصل، ولا ما ناب الأصل منه أيضا، إلا أن ينقده، فإن لم ينقد لم يزكه حتى يستقبل حولا، وهو قول مالك في رسم "الزكاة" من سماع أشهب. قال: ويكون حوله من يوم ربحه وصار له، واختار محمد هاهنا أن يكون حول الربح من يوم اشترى وأدان؛ وحكي أن مالكا رجع إلى هذا: أن يحسب حول الربح من يوم أدان الأصل؛ ووجه القول بأن الأرباح فوائد يستقبل بها الحول، قوله ﵊: «ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول» ، فعم ولم يخص ربحا من غيره، ووجه القول بأنها مزكاة على الأصول قياسا على غذاء الغنم؛ لأنهما نماءان من المال، مما يشق حفظ أحوالهما لمجيئهما شيئا بعد شيء، فوجب أن يستوي حكمهما في تزكيتهما على الأصل، وأما التفرقة بين أن ينقد أو لا ينقد، وبين أن يشتري بما بيده أو بأكثر منه؛ فإنما هو استحسان، إذ لا يخرج شيء من ذلك عن القولين المتقدمين - والله أعلم.
стр. 854
[وجبت عليه في رجب زكاة عشرين فلم يزكها وعمل بها]
ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان وقال: في الرجل يكون عنده عشرون دينارا ويحول عليها الحول وهي عشرون فلا يزكيها ويشتري بها متاعا، فيبيعه بعد شهر أو نحوه بثلاثين دينارا، كم يزكي: العشرين، أم الثلاثين؟ قال: بل أرى أن يزكي العشرين ولا شيء عليه في الربح، وذلك أن العشرين لو تلفت لزمه زكاة عشرين؛ قال ابن القاسم: ويستقبل بالعشرة، والعشرين، حولا من يوم وجبت الزكاة في العشرين، وتفسير ذلك: أن لو وجبت عليه في رجب زكاة عشرين، فلم يزكها وعمل بها، ثم أدى عنها في المحرم - وهي ثلاثون، زكاها كلها في رجب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على المشهور في المذهب من أن الأرباح مزكاة على الأصول، لقوله فيها: إنه يستقبل بالعشرة والعشرين حولا من يوم وجبت الزكاة في العشرين، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في المسألة التي قبلها، وإنما قال: إنه يزكي العشرين حين البيع؛ لأن زكاتها قد تقررت في ذمته، ووجبت عليه دينا بحلول الحول، وهو في عمله في المال بعد الحول على حول مستأنف، وقول ابن القاسم: ويستقبل بالعشرة والعشرين حولا من يوم وجبت الزكاة في العشرين وهم، وإنما يستقبل الحول بما بقي من الثلاثين بعد إخراج زكاة العشرين منها، وسواء على مذهبه كان له عرض يفي بما أخرج من زكاة العشرين، أو لم يكن، خلافا لقول أشهب في المدونة، وقد روى ابن وهب عن مالك أنه يزكي الثلاثين كلها حين باع المتاع، قيل له: فإن باع بأقل من عشرين، فسكت - وهو وهم؛ لأنه يأتي على أن حوله قد انتقل إلى حين باع المتاع بالثلاثين، ويلزمه على هذا إن باع بأقل من عشرين، أن تسقط عنه الزكاة؛ ألا ترى أنه سكت لما لزمه ما لزمه من الحجة، وبالله التوفيق.
стр. 855
[تقسيم سهم المؤلفة]
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا وسئل مالك: عن سهم المؤلفة، أترى أن يقسم على سهمان الصدقة؟
قال محمد بن رشد: يريد بالاجتهاد لا بالسواء، وإن رأى أن يجعله في صنف واحد، كان ذلك له، إذ الزكاة على مذهبه إنما توضع في الأصناف المذكورين في الآية - بالاجتهاد، ويتبع في ذلك الحاجة في كل عام، ولا يقسم بينهم أثمان على السواء؛ هذا مذهبه الذي لم يختلف فيه قوله، ولا خالفه فيه أحد من أصحابه، وقيل: يجعل نصف ذلك السهم لعمار المساجد، ونصفه على سائر الأصناف السبعة.
والمؤلفة قلوبهم قوم من صناديد مضر، كان النبي ﷺ يعطيهم من الزكاة يتألفهم على الإسلام - ليسلم بإسلامهم من وراءهم، منهم: أبو سفيان بن حرب، واختلف في الوقت الذي بدئ فيه بائتلافهم، فقيل: قبل أن يسلموا لكي يسلموا، وقيل: بعدما أسلموا كي يحبب إليهم الإيمان، فكانوا على ذلك إلى صدر من خلافة أبي بكر، وقيل: إلى صدر من خلافة عمر، ثم قال لأبي سفيان: قد أعز الله الإسلام، وأغنى عنك وعن ضربائك، إنما أنت رجل من المسلمين. وقطع ذلك عنهم؛ واختلف هل يعود ذلك السهم إن احتيج إليه، أم لا يعود؛ فرأى مالك أنه لا يعود، وهو مذهب أهل الكوفة، وقد قيل: إنه يعود إن احتيج إليه، ورأى ذلك الإمام، وهو قول ابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الشافعي.
стр. 856
[السنة الثابتة عن النبي ﵇ في الصدقة]
ومن كتاب الرطب باليابس قال ابن القاسم: سمعت مالكا يذكر أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه: إن الناس قد أسرعوا في أداء الزكاة ورغبوا في ذلك لموضع عدلك. وأنه قد اجتمعت عندي زكاة كثيرة، فكأن عمر كره ذلك من كتابه لمدحه، فكتب إليه: ما وجدوني وإياك على ما رجوا وظنوا، فاقسمها. قال ابن القاسم: وقال عمر: وأي رأي لي فيها حين كتب.
قال محمد بن رشد: في هذا فضل عمر بن عبد العزيز، وقوله: وأي رأي لي فيها - يريد: أنه لا رأي لأحد في ذلك مع السنة الثابتة عن النبي ﵇ في الصدقة: أن تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء.
[يشتري الحلي فيريد أن يحبسه حتى يصدقه امرأته فيحول عليه الحول وهو عنده]
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء وسئل مالك: عن رجل يشتري الحلي فيريد أن يحبسه حتى يصدقه امرأته، فيحول عليه الحول، وهو عنده؟ - أترى أن يزكيه؟ فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: لأشهب في كتاب ابن المواز والواضحة، ولأصبغ في الواضحة، أنه لا زكاة عليه، وقول مالك أظهر؛ لأن الحلي من الذهب والفضة تجب في عينه الزكاة بظاهر ما في القرآن، والسنن، والآثار، فلا تسقط منه الزكاة إلا بحبسه للانتفاع بلبسه في الحال، قياسا على الثياب التي تلبس، والعروض التي تقتنى؛ لقول رسول الله ﷺ : «ليس
стр. 857
على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة» . وإسقاط أشهب وأصبغ عنه الزكاة بما نواه فيه ضعيف، إذ قد يبدو له، وقد قال مالك في الذي يقدم مكة ليسكنها إنه ليس كأهل مكة؛ لأنه إنما قدم ليسكنها ولعله أن يبدو له.
[مسألة: له أربعون درهما أو رأس، أو رأسان أيعطى من الصدقة]
مسألة وسئل: عن رجل له أربعون درهما، أو رأس، أو رأسان، أيعطى من الصدقة؟ فقال مالك: إذا كان كثير العيال، فأراه أهلا أن يعطاها في حاله وكثرة عياله.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، وإنما وقع السؤال عن الأربعين درهما لما في حديث الأسدي من قول النبي ﷺ : «من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافا» . وقد روي عن سهل بن الحنظلية أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سأل الناس عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم" فقلت: يا رسول الله، وما ظهر غنى؟ قال: "أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم أو ما يعشيهم» . وروي عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله، عليه
стр. 858
السلام: «لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه، إلا جاءت شيئا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة". قيل: يا رسول الله وما غناه؟ قال: "خمسون درهما، أو حسابها من الذهب» . وروي عن رجل من قرينة أنه أتى النبي، ﵇، يسأله، فسمعه يقول: «من سأل الناس وله خمس أواقي سأل إلحافا» .
فأولى هذه المقادير التي رويت عن النبي ﷺ أن الصدقة تحرم بوجودها - بالاستعمال، ما في حديث المزني بدليل أمر رسول الله ﵇ معاذ بن جبل إذ بعثه على الصدقة - أن يأخذها من أغنيائهم فيضعها في فقرائهم، فالفقير من توضع فيه، والغني من تؤخذ منه، وهو من ملك المقدار الذي في حديث المزني، ويحتمل أن يكون - كأن الله أولا قد حرم على لسان رسوله ﷺ الصدقة على من عنده قوت يومه، ثم نسخ ذلك تخفيفا عن عباده، فحرمها على من عنده أوقية من فضة، ثم نسخ ذلك تخفيفا عنهم، فحرمها على من يملك خمسين درهما، ثم نسخ ذلك تخفيفا عنهم، فحرمها على من يملك خمس أواقي، فكان حمل هذه الأحاديث على هذا، أولى من حملها على التعارض؛ فمن ملك من الذهب أو الفضة ما تجب فيه الزكاة؛ أو عدل ذلك سوى ما يحتاج إلى سكناه أو استخدامه، لم تحل له الزكاة - وإن كثر عياله، ومن تملك أقل من ذلك، لم تحرم عليه الصدقة - وإن لم يكن له عيال، إلا أن غيره ممن هو أحوج منه أحق وأولى؛ وقد قال المغيرة: إنه لا يعطى الفقير من الصدقة ما تجب فيه الصدقة، ولا يعطى من له الخادم والمسكن من الزكاة - إذا كان في ذلك
стр. 859
فضل يبلغ ما تجب فيه الزكاة، وقوله ظاهر بين المعنى على ما ذكرناه.
[أخرج زكاة ماله فسرق منه المال وبقيت الزكاة]
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية قال: وسئل مالك: عن رجل أخرج زكاة ماله فسرق منه المال، وبقيت الزكاة، قال: أرى أن يخرجها ولا يحبسها.
قال محمد بن رشد: يريد: وإن سرق منه المال بالقرب في الموضع الذي لو تلف قبل أن يخرج منه الزكاة، لم يلزمه ضمان الزكاة، والوجه في ذلك: أنه رأى إخراج الزكاة عند محلها قسمة صحيحة بينه وبين المساكين؛ فوجب أن يكون ضمان المال منه دونهم، كما يكون ضمان الزكاة المخرجة منهم دونه، إلا أن يمسكها بعد إخراجها فيلزمه ضمانها بالتعدي منه في حبسها، وأما لو سرق منه المال على بعد من إخراجه الزكاة، لم يشكل أن عليه إخراج الزكاة.
[ابتاع سيفا فيه حلية تجب في مثلها الزكاة فيحول عليها عنده الحول]
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من الكتاب الذي فيه الحج والوصايا والزكاة رواية سحنون بن سعيد عنهما وسألته: عمن ابتاع سيفا فيه حلية تجب في مثلها الزكاة، فيحول عليها عنده الحول؛ قال: ليس فيه زكاة - وإن أقام عنده سنة. قلت له: إنه يشتريه للتجارة، قال: ليس عليه فيه زكاة؛ قلت له: ربما
стр. 860
كان في السيف الفضة الكثيرة، فيكون النصل فيها تبعا لما فيه من الحلية حتى يشترى بالدنانير - وهو جل ذلك، ومن أجله اشتري؛ فقال: لا أرى فيه زكاة حتى يباع، ثم فيه زكاة واحدة، وهو - عندي - مثل الرأس يشتريه الرجل لتجارة.
قال محمد بن رشد: معناه أنه غير مدير، ولو كان مديرا لقومه في كل عام وزكاه على مذهبه؛ وهذا على أصله في رواية أشهب عنه أن الحلي المربوطة بالحجارة كالعرض سواء، يقومه المدير، ويزكيه غير المدير - إذا باعه كان الذهب تبعا للحجارة أو غير تبع، وأما على رواية ابن القاسم عنه فيزكي ما فيه من الفضة تحريا في كل عام، ويقوم النصل وإن كان غير مدير، زكي في كل عام ما فيه من الفضة تحريا، ولا زكاة عليه في النصل حتى يبيع؛ فإذا باع فض الثمن على قيمة النصل، وقيمة الحلى - مصوغا، فزكي ما ناب النصل من ذلك؛ وقد تئول على مذهبه أنه لا يفض الثمن ويزكي ما زاد على ما زكي - تحريا، وسواء كان الحلي تبعا للنصل، أو غير تبع، وقد روى ابن القاسم عنه إن كان الحلي تبعا للنصل - كرواية أشهب.
[مسألة: زكاة الذهب إذا كان مقطوعا]
مسألة وسئل: عن رجل يكون له خمسة عشر دينارا، ونقرة فيها خمسة دنانير، فيشح على أن يعطي نصف دينار، ويأبى إلا أن يعطي ربع العشر من الخمسة عشر، وربع العشر من النقرة التي فيها خمسة دنانير، قال: ذلك له.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إذ لا يلزم أن يخرج عن النقرة مسكوكا؛ لأن ذلك أكثر مما عليه، فإن شاء قطع من النقرة ربع عشرها، وإن شاء أخرج من غيرها مثلها، مثل وزن ربع عشرها، وأما الذهب فإن كان مقطوعا
стр. 861
مجموعا، أخرج منه، وإن كانت مثاقيل قائمة، لم يكن له أن يقطع منها ما وجب عليه من زكاتها، وأخرج صرف ذلك دراهم، وهذا كله بين.
[مسألة: تجارة الحلي ونقار الذهب والفضة]
مسألة فقلت له: أرأيت الذي تجارته الحلي ونقار الذهب، والفضة، قال: يؤدي زكاة ذلك كل عام ربع عشره، فيخرج ذلك منه - إن شاء، أو من غيره؛ وذلك لأن فيما مضى لم تكن دنانير، إنما كانت الذهب والفضة، وكانت فيها الزكاة، ثم ضربت بعد ذلك، فكان مثل ذلك، سواء كان ذلك مصروفا أو لم يكن ففيه الزكاة كل عام مثل العين.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن له أن يخرج الزكاة ذلك منه - إن شاء أو من غيره، إذ لا كراهية في قطع النقرة والحلي، بخلاف الدنانير القائمة، وبالله التوفيق.
[مسألة: يزكي الذهب في كل عام تحريا وتقوم الحجارة إن كان مديرا]
مسألة قيل له: أرأيت إن كان ذلك مربوطا بالحجارة؟ قال: ليس فيه زكاة حتى يبيعه ثم يزكيه مثل البز، إذا باعه زكاه.
قلت له: أرأيت إذا كان الذهب جل حلي ذلك، أو أكثره؛ فقال: لا أبالي لا يزكي ذلك حتى يبيعه، وقاله أشهب.
стр. 862
قال محمد بن رشد: معناه أنه غير مدير، ولو كان مديرا لقومه في كل عام - على ما هو عليه - كالعرض في هذه الرواية - رواية أشهب، خلاف رواية ابن القاسم عنه: أنه يزكي الذهب في كل عام - تحريا، وتقوم الحجارة إن كان مديرا، وإن لم يكن مديرا لم يكن عليه في الحجارة شيء حتى يبيع وإن بعد أعوام، فيزكي ما زاد الثمن على ما زكي - تحريا، أو نقص على ما تقدم، وسواء كان الحلي تبعا للحجارة، أو غير تبع، لم يختلف قول مالك في رواية ابن القاسم عنه، كما اختلف في السيف والمصحف إذا كانت الحلية تبعا للنصل، أو للمصحف - على ما مضى فوق هذا.
[مسألة: يؤدي زكاة ماله قبل حلولها قبل أن يحول على ماله الحول]
[مانع الزكاة هل تؤخذ منه قهرا]
مسألة وسئل: عن رجل يؤدي زكاة ماله قبل حلولها قبل أن يحول على ماله الحول، أترى عليه إعادة الزكاة؟ قال: نعم، أرى ذلك عليه، أرأيت الذي يصلي الظهر قبل زوال الشمس، أو الصبح قبل إطلاع الفجر، أليس يعيد؟ فهذا مثله.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية، أنها لا تجزيه إذا أخرجها قبل محلها - وإن كان ذلك قريبا؛ وعلى هذا حمل ابن نافع قول مالك، فقال: معناه أنها لا تجزئه إلا بعد محلها، فإن أداها قبل محلها لم تجزه، قال ابن نافع: وهو رأيي: أنها لا تجزئه قبل محلها بيوم واحد، ولا ساعة، وهو ضامن لها حتى يخرجها بعد محلها، وقد قيل: إنها تجزيه إن كان قريبا.
واختلف في حد القرب على أربعة أقوال: أحدها: أنه اليوم واليومان ونحو ذلك، وهو قول ابن المواز. والثاني: أنه العشر الأيام ونحوها، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. والثالث: أنه الشهر ونحوه، وهو رواية عيسى عن ابن القاسم. والرابع: أنه
стр. 863
الشهران ونحوهما، وقع ذلك في المبسوطة، والأظهر أنها تجزيه إذا أخرجها قبل المحل بيسير؛ لأن الحول توسعة، فليس كالصلاة التي وقتها محدود لا يجوز أن تعجل قبله، ولا تؤخر بعده، ولو كانت الزكاة كالصلاة في هذا، لوجب أن يعرف الساعة التي أفاد فيها المال ليخرج الزكاة عندها، وفي هذا تضييق، وقد ساق سحنون رواية أشهب هذه في المدونة على هذا، فقال: إن الذي أداها قبل أن يتقارب، إنما ذلك بمنزلة الذي يصلي الظهر قبل الزوال.
ومن الكتاب الذي فيه قراض ومساقاة وكراء الأرض، وشفعة، وعقول، وزكاة، وذكر المفقود
قال مالك: وزعموا أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن رجلا منع زكاة ماله، فكتب إليه عمر أن دعوه فتركوه فندم الرجل، فأداها فقبلها منه عمر.
قال محمد بن رشد: معنى هذا، أنه منع زكاته لسوء رأيه في عمر، لا شحا بها؛ فلما لم يتهمه عمر في إمساكها عن أهلها، كتب أن يترك فترك؛ فندم الرجل في اعتقاده في عمر، ورأى أن دفعها إليه واجب لعدالته، فأداها فقبلها منه عمر ﵁، ولو اتهمه في إمساكها بخلا بها، لما تركها عنده، ولأمر أن تؤخذ منه شاء أو أبى، وقد قيل: إنه كتب أن لا تؤخذ منه زكاة مع المسلمين - توبيخا له حتى يستبرأ أمره، فإن سمح بها وأداها، وإلا أخذت منه كرها؛ وإلى هذا التأويل ذهب ابن حبيب، والأول أظهر وأشبهه بعمر ﵁.
[يبتاع الجارية للبيع فتعجبه فيبدو له فيحبسها للوطء ثم يبدو له بعد مدة فيبيعها]
ومن كتاب الزكاة وسئل مالك: عن رجل يبتاع الجارية فيريد البيع فتعجبه فيبدو
стр. 864
له أن يحبسها يطؤها فتقيم عنده ثلاث سنين، ثم يبدو له فيبيعها، أيزكي ثمنها حين يبيعها؟ قال: نعم، يزكي ثمنها حين بيعها؛ قيل له: إنه حين أمسكها، أمسكها لا يريد بيعها؛ فقال: أرى أن يزكي ثمنها - إذا باعها.
قال محمد بن رشد: اتفق ابن القاسم وأشهب في الذي يرث السلعة، أو يشتريها للقنية، أنها لا ترجع إلى التجارة لنيته، واختلفا إذا اشتراها للتجارة ثم نوى بها القنية، فقال أشهب: أنها لا ترجع بنيته إلى القنية؛ ورواه عن مالك، وقال ابن القاسم: إنها ترجع بنيته إلى القنية، ورواه أيضا عن مالك؛ لأن الأصل القنية، فترجع السلعة إلى الأصل بالنية، ولا ترجع عن الأصل بالنية، وذهب أشهب إلى أنهما أصلان، فلا ترجع السلعة من أحدهما إلى الآخر بالنية؛ ورواه عن مالك بقوله في الذي يبتاع الجارية للبيع فتعجبه فيبدو له فيحبسها للوطء، ثم يبدو له بعد مدة فيبيعها؛ أنه يزكي ثمنها حتى يبيعها هو على أصله الذي رواه أشهب عنه في أن ما كان من العروض للتجارة، لا يرجع إلى القنية بالنية، وعلى قول ابن القاسم وروايته عن مالك في أن ما كان أصله للتجارة يرجع إلى القنية بالنية، يستقبل بثمن الجارية حولا من يوم قبضه - وبالله التوفيق.
[مسألة: يبتاع الجارية يختدمها فتقيم عنده سنين تخدمه ثم يبيعها أيزكي ثمنها]
مسألة قال: وسئل: عن الذي يبتاع الجارية يختدمها فتقيم عنده سنين تخدمه، ثم يبيعها، أيزكي ثمنها؟ فقال: نعم، ثم أطرق شيئا ثم التفت إلى السائل، فقال: إن الذي سألت عنه يختلف من الناس من يشتري الولائد يخدمنه، ثم يبيع، فهذا الذي أرى عليه
стр. 865
الزكاة إذا باع؛ فأما الذي يشتري الخادم للخدمة ليس يرصد فيها بيعا ولا يهم به ولا يريده؛ فلا أرى عليه زكاة حتى يحول على الثمن الحول.
قال محمد بن رشد: ما فسر مالك في آخر المسألة يقضي على أن جوابه في أولها إنما هو في الذي يشتري الجارية لتخدمه، وفي نفسه إن وجد ثمنا باعها، وأما الذي يشتري الجارية لتخدمه لا يريد بيعها ولا يهم به، فلا اختلاف في أنه لا زكاة عليه في ثمنها - إن باعها حتى يحول عليه الحول، وقوله هذا جار على أصله في رواية أشهب عنه أن ما اشتري للتجارة لا يرجع بالنية إلى القنية، كما لا يرجع ما ورث أو اشتري للقنية إلى التجارة بالنية؛ وذلك أنه لما كانت القنية والتجارة عنده أصلين لا يرجع أحدهما إلى صاحبه - بالنية، فاشترى الجارية للوجهين جميعا، غلب التجارة احتياطا للزكاة كالبينتين إذا أوجبت إحداهما حكما، ونفته الأخرى، أنه يؤخذ بالموجبة للحكم دون النافية له؛ وكما قال مالك فيمن له أهل بمكة، وأهل ببعض الآفاق، إنه متمتع يجب عليه الهدي؛ وهي رواية ابن غانم عن مالك، واختيار سحنون، وعلى مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، إذا اشترى للوجهين جميعا، يغلب القنية؛ فلا تجب عليه الزكاة - إذا باع حتى يستقبل بالثمن حولا على أصله في أن ما اشتراه للتجارة، يرجع إلى القنية بالنية؛ لأنها هي الأصل؛ وقد روى ذلك ابن وهب أيضا عن مالك، واختلف قول مالك في رواية ابن القاسم عنه فيما اشترى للغلة بالكراء من المساكين، أو العبيد، أو الثياب، لا لسكنى ولا استخدام، ولا لباس، فمرة قال: عليه الزكاة - إذا باع، ومرة قال: لا زكاة عليه حتى يستقبل بالثمن حولا، ولسحنون في نوازله مثل ذلك في مسألة السفينة - وبالله التوفيق.
стр. 866
[مسألة: يقطع من ماله قطعة قبل أن يحول عليها الحول]
مسألة وسئل: عن الذي يقطع من ماله قطعة قبل أن يحول عليها الحول، فيبعث بها إلى مصر يبتاع بها طعاما يريد أكله، لا يريد بيعا؛ فيحول عليه الحول قبل أن يشتري بها، قال: أرى فيه الزكاة؛ فقيل: إنه قد بعث بها وخرجت من يده بيعا، فقال: ما أرى الزكاة إلا عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العين في عينه الزكاة وليس مما يقتنى للانتفاع بعينه، فلا تأثير لما نواه من صرفه إلى قوته في إسقاط الزكاة منه، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي مضى في رسم "تأخير صلاة العشاء" من سماع ابن القاسم في الذي يشتري الحلي فيريد أن يحبسه حتى يصدقه امرأة يتزوجها؛ لأن الحلي يصلح اقتناؤه للانتفاع بعينه، بخلاف العين.
وقال ابن نافع في المجموعة: وإن جاءه الطعام وهو كثير لا ينفقه في مثل خمس سنين وشبه ذلك، فإنه إذا باع الحول ما يجاوز قوت مثله، زكى ثمنه، وقوله صحيح؛ ووجهه أنه إذا كان الطعام كثيرا، فقد علم أنه لم يشتره كله لقوته، وإنما أراد أن يتقوت ببعضه ويبيع بعضه؛ فإذا باع بعد الحول ما تجاوز قوت مثله أي من الأعوام، إذ من الناس من يتقوت لعام واحد، ومنهم من يتقوت لعامين، ومنهم من يتقوت للأعوام، وذلك على قدر اليسار والجدة، وما يتمكن من شراء الطعام، ويخاف من غلائه؛ وإنما ذكر الخمس سنين؛ لأنه يبعد عنده أن يتقوت أحد إلى خمس سنين، ولعل الطعام في ذلك البلد يسرع إليه الفساد قبل خمس سنين، فيعلم أنه لم يشتر جملته للقوت - والله أعلم.
стр. 867
[مسألة: يكون له المال فيزكيه فيشتري به سلعة بنقد فيبيعها قبل أن ينقد فيها فربح]
مسألة وسئل: عن الرجل كانت عنده مائة دينار، ستة أشهر، ثم اشترى بها برا فلم ينقدها حتى أربحه إنسان في البر ثلاثين دينارا، فباعه إياه وأخذ الثلاثين فجعلها مع المائة، فأقام بذلك ستة أشهر أخرى، فتمت السنة على المائة دينار؛ أيزكي الثلاثين مع المائة دينار التي قد حال عليها الحول؟ قال: لا، ولكن يزكي المائة إذا كان قد حال حولها، ولا يزكي الثلاثين حتى يحول عليها الحول من يوم ربحها وصارت له، وقد قال مالك من رواية ابن القاسم عن مالك من كتاب أوله شك في طوافه.
قال ابن القاسم: سئل مالك: عن الرجل يكون له المال فيزكيه فيشتري به سلعة بنقد، فيبيعها قبل أن ينقد فيها فربح، أترى أن يزكي ذلك الربح مع ماله إذا حال عليه الحول؟
قال: نعم، وكذلك التجار الذين يشترون ويبيعون ولا ينقدون ثمنا؛ هؤلاء الذين يحضرون السوق، فهؤلاء إذا حال عليهم الحول، زكوا ما بأيديهم؛ قال مالك: وجل الناس ليس لهم نقد.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، وتحصيل ما فيها من الاختلاف في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
[يقدم زكاة ماله قبل محلها]
من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وقال ابن القاسم: في الذي يقدم زكاة ماله قبل محلها، قال: لا يعجبني، إلا أن يكون الشيء القريب، وأرى الشهر
стр. 868
قريبا على زحف وكره، ولم أره يرى عليه إعادتها في إخراجه إياها قبل محلها بشهر.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة، وما فيها من الاختلاف في أول رسم من سماع أشهب، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[دفن الرجل بضاعة له فضل عنه موضعها فلم يجدها سنين ثم وجدها زكاتها]
ومن كتاب أوله استأذن سيده قال: وقال مالك: إذا دفن الرجل بضاعة له، فضل عنه موضعها، فلم يجدها سنين، ثم وجدها، فإنه يزكيها لكل سنة مضت، وقال سحنون مثله. وإذا وجد لقطة له سقطت منه، فوجدها بعد سنين، فليس عليه إلا زكاة واحدة؛ قال سحنون: اللقطة بمنزلة المال المدفون - إذا كان الملتقط حبسها ولم يحركها، زكاها ربها لكل سنة غابت عنه اللقطة؛ لأنه لم يكن ضمارا، وإنما الضمار المال المحبوس عن صاحبه الذي يكون على الذي حبسه ضمانه، ألا ترى أن اللقطة لو تلفت في يد الذي التقطها، لم يكن عليه ضمانها، وإنما الضمار المال الذي يغتصبه صاحبه، فيكون في يد الغاصب في ضمانه حين غصبه، فعلى الغاصب فيه الزكاة، ولا يكون على سيده فيه الزكاة للسنين كلها، إلا سنة واحدة؛ وإن كان الملتقط تسلفها لنفسه حتى يصير في ضمانه، فحكمها حكم الدين - زكاة واحدة لما مضى من السنين؛ قال: قلت لأشهب: فهل يقبل قول الملتقط أو المستودع إن كان تسلفها ويضمنها، أم لا؟ فقال: نعم، يسأل عن ذلك، فما قال قبل قوله، وكان ذلك في أمانته؛ فإن قال كنت تسلفتها، لم يجب على صاحبها إلا زكاة واحدة، وإن قال حبستها
стр. 869
وكانت عندي موقوفة، كانت على حال ما أعلمتك، يزكيها لكل سنة مضت.
قال محمد بن رشد: فرق مالك في هذه الرواية بين المال المدفون يضل عن صاحبه موضعه، فيجده بعد سنين؛ وبين اللقطة ترجع إلى ربها بعد سنين، فأوجب الزكاة في المال المدفون لجميع السنين، ولم يوجبها في اللقطة إلا لعام واحد؛ ورد سحنون مسألة اللقطة إلى مسألة المال المدفون، فأوجب الزكاة فيها لما مضى من السنين، ورد مالك في رواية علي بن زياد عنه في المجموعة - المال المدفون إلى اللقطة، فلم يوجب الزكاة فيهما جميعا إلا لعام واحد، وهو أصح الأقوال في النظر؛ لأن الزكاة إنما وجبت في المال العين - وإن لم يحركه صاحبه ولا طلب النماء فيه، لقدرته على ذلك، وهو هاهنا غير قادر على تحريكه وتنميته في المسألتين جميعا، فوجب أن تسقط عنه الزكاة فيهما، ولقد روى ابن نافع عن مالك على طرد هذه العلة - أن الوديعة لا زكاة على صاحبها فيها حتى يقبضها فيزكيها لعام واحد، إذ لا قدرة له على تنميتها إلا بعد قبضها - وهو إغراق، إلا أن يكون معنى ذلك أن المودع غائب عنه، فيكون لذلك وجه؛ فهذه الرواية تدل على أن عدم القدرة على تنمية المال، علة صحيحة في إسقاط الزكاة عنه.
ووجه قول مالك في تفرقته بين المال المدفون واللقطة، أنه هو عرض المال بدفنه إياه لخفاء موضعه عليه، بخلاف اللقطة؛ قال ذلك ابن حبيب، وليس بفرق بين؛ لأنه مغلوب بالنسيان على الجهل بموضع المال المدفون، كما هو مغلوب على الجهل بموضع اللقطة، ووجه مساواة سحنون بينهما في وجوب الزكاة فيهما، هو ما اعتل به من استوائهما في الضمان منه فيهما، وعدم القدرة على التنمية هي العلة الصحيحة التي تشهد لها الأصول، وقال ابن المواز: إن دفنها في بيته فلم يجدها ثم وجدها حيث دفنها، فعليه زكاتها لما مضى من الأعوام؛ وإن دفنها في صحراء، فغاب عنه موضعها، فليس عليه فيها إلا زكاة واحدة - إذا وجدها، وهو قول له وجه،
стр. 870
لأنه إذا دفنها في بيته، فهو قادر عليها باجتهاده في الكشف عنها؛ وقال ابن حبيب: في اللقطة إذا وجدها بعد أن كان يئس منها، استقبل بها حولا على أصله في المال المغصوب - إذا رد عليه، أنه يستقبل بها حولا كالفائدة، وقول سحنون: إن الملتقط إذا حبس اللقطة - ولم يحركها، زكاها ربها لما مضى من الأعوام، ولم يكن عليه هو فيها زكاة، معناه على مذهبه؛ ورواية ابن القاسم، وابن وهب عن مالك - إذا حبسها ليردها على صاحبها، أو ليتصدق بها عنه، لا ليأكلها؛ فإن حبسها ليأكلها، فليزكها لحول من يوم نوى ذلك فيها؛ ولابن القاسم في المجموعة: أنه لا زكاة عليه فيها إذا حبسها لنفسه ليأكلها بعد أن عرفها سنة - للحديث. ما لم يحركها، فإن حركها، فمن يومئذ تدخل في ضمانه.
قال محمد بن رشد: فإذا دخلت في ضمانه لحبسه إياها لنفسه، أو بتحريكها - على الاختلاف المذكور، سقطت عن ربها فيها الزكاة - قولا واحدا.
[مسألة: قال هذه مائة دينار اتجر فيها ولك ربحها وليس عليك فيها ضمان زكاتها]
مسألة قال: وإذا قال رجل لرجل: هذه مائة دينار اتجر فيها - ولك ربحها، وليس عليك فيها ضمان، فليس على الذي في يديه ولا على الذي هي له زكاتها حتى يقبضها؛ فيزكيها زكاة واحدة لسنة، إلا أن يكون صاحبها ممن يدير، فيزكيها مع ماله إذا علم أنها على حالها. قال سحنون: أراها كالسلف وعليه ضمانها، بمنزلة الرجل يحبس المال على الرجل فينقص منه، إنه ضامن.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في هذه المسألة أنه لا ضمان عليه،
стр. 871
لأن رب المال قد صرح بإسقاط الضمان عنه، وإنما قال سحنون: إنه ضامن بمنزلة الرجل يحبس المال على الرجل - إذا قال له اعمل به قراضا - ولك الربح كله، خلاف ظاهر قول ابن القاسم في كتاب القراض من المدونة. فوهم العتبي في سياقه قول سحنون على هذه المسألة، وقول ابن القاسم: إنه لا زكاة فيها على الذي هو في يده صحيح؛ لأنها ليست له، ولا هي في ضمانه؛ فسواء كان له بها وفاء، أو لم يكن، بخلاف السلف.
قال ابن حبيب: فإن ربح فيها عشرين دينارا، استقبل بها حولا، وهو صحيح أيضا؛ لأنها فائدة، إذ لا أصل له يزكيها عليه، فلا اختلاف في أنه يستقبل بها حولا. وأما قوله: إنه لا زكاة على صاحبه فيها، فوجهه: أنه لما أوجب ربحها لغيره لم يقدر أن يحركها لنفسه، فأشبه ذلك اللقطة التي سقطت عنه زكاتها، لعدم قدرته على تحريكها، وطلب النماء فيها؛ ويأتي على قول سحنون في مسألة اللقطة أن زكاتها عليه؛ لأن ضمانها منه؛ ومثله في المختصر لابن شعبان؛ قال: ومن دفع إلى رجل مالا يأكل ربحه، فالزكاة على ربه.
[مسألة: عليه مائة دينار سلفا وليس له منها وفاء فأقامت بيده ستة أشهر]
مسألة وسئل: عن الرجل عليه مائة دينار - سلفا وليس له منها وفاء. فأقامت بيده ستة أشهر لا وفاء له منها، ثم أتته فائدة مائة دينار عند الستة أشهر، هل يزكي المائة التي كانت عنده سلفا - إذا تمت السنة من حين كانت عنده سلفا، أم يستقبل بها سنة من حين كان له بها وفاء، قال: بل يستقبل بها سنة من حين كان له منها وفاء، ولا يحسب في حولها بشيء مما مضى مما لم يكن له منها وفاء.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك في المدونة؛ لأنه قال فيها: إن
стр. 872
الذهب السلف إذا وهبت للذي هي عليه بعد حلول الحول، وليس له بها وفاء استقبل بها حولا، إذ لا فرق بين أن يوهب له الذهب بعد أن حال عليه عنده الحول، أو يستفيد بعد حلول الحول فائدة يكون فيها وفاء بها؛ وقد روي عن ابن القاسم أن الزكاة تجب عليه فيها إذا حال عليها الحول، وإن لم يتم للفائدة عنه حول، وعلى هذا يأتي جوابه في مسألة رسم "العرية"، وحكاه ابن المواز عن أشهب، وأصحاب ابن القاسم: أصبغ، وغيره، وقال به، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة: أن عليه الزكاة في الذهب إذا وهبت له بعد الحول - وإن لم يكن له وفاء بها، والقول الأول هو الصواب: أنه لا زكاة في المائة السلف حتى يتم للوفاء بها عنده حولا كاملا؛ لأن ما مضى من المدة قبل أن يستفيد الفائدة التي يجعلها وفاء بما عليه من السلف، لم يكن فيها مال لاستغراق الدين ما بيده من المال؛ فإذا زكاه قبل أن يحول على الفائدة الحول، فقد زكاه قبل أن يحول عليه الحول؛ لأنه لم يكن له مال إلا من يوم ملك الفائدة.
[مسألة: يكون عنده المال سلفا وعنده منه وفاء فيتصدق له عليه قبل الحول أو بعده]
مسألة وسألته: عن الرجل يكون عنده المال سلفا، وعنده منه وفاء، فيتصدق له عليه قبل الحول أو بعده، قال: يزكيه حين يحول عليه الحول؛ لأنه مال من ماله، ولأنه لو لم يتصدق به عليه زكاه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح بين، وهو في المدونة لسحنون - بيانا لقول مالك، إذ لا اختلاف في ذلك.
[مسألة: له عشرون دينارا يزكيها كل حول فحال حولها ولم يبق عنده منها إلا عشرة]
مسألة وسئل: عن رجل كانت له عشرون دينارا يزكيها كل حول، فحال عليها حول ولم يبق عنده منها إلا عشرة دنانير، فلما كان
стр. 873
بعد الحول بأشهر، أسلف عشرين دينارا، فضم العشرين دينارا إلى العشرة، فاتجر فيها حتى صار له من الفضل ما تجب فيه الزكاة - إذا ضمه إلى العشرة؛ فقال: إذا كان قد حال على العشرة الحول، حتى ما صار له من الفضل في الثلاثين: العشرين السلف، والعشرة ما تجب فيه الزكاة إذا ضم إلى العشرة، أخرج العشرين السلف، ثم زكى العشرة وجميع الفضل: فضل العشرين السلف، وفضل العشرة؛ وذلك أني سمعت مالكا - وسئل عن رجل كانت له ثمانون دينارا، فاشترى سلعة بمائتي دينار ونقد فيها الثمانين دينار، أو لم ينقدها حتى مر حول الثمانين؛ فقال: إذا حال حول الثمانين، ضم فضل المائتي إلى الثمانين، فزكاها لا يبالي حال الحول على السلعة من يوم اشتراها، ولم يحل إذا حال عليها حول الثمانين؛ ومثله لو أن رجلا كانت له عشرة دنانير قد حال عليها الحول، فاشترى سلعة بمائة دينار بدين، ونقد فيها العشرة، فإنه يزكيها متى ما صار في فضلها ما يجب فيه الزكاة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة وتحصيل ما فيها من الاختلاف مجودا في أول مسألة من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادة شيء من ذلك. وقوله في آخر المسألة: فإنه يزكيها متى ما صار في فضلها ما تجب فيه الزكاة - يريد: متى ما صار في فضلها ما تجب فيه الزكاة مع العشرة التي كانت له، وبالله التوفيق.
[له مائتا دينار وحولهما مختلف وعليه مائة دينار دينا]
ومن كتاب العرية وسئل: عن الرجل يكون له مائتا دينار - وحولهما مختلف، وعليه مائة دينار دينا، فيحول حول إحدى مائتيه قبل حلول حول الأخرى،
стр. 874
أيجعل دينه في هذه التي حال حولها، وينتظر بالأخرى؛ فإذا حال حولها زكاها، أم يزكي هذه التي حال حولها أولا ويجعل دينه في التي لم يحل حولها؛ (قال: يزكي هذه التي حال حولها أولا، ويجعل دينه في التي لم يحل حولها) ؛ وذلك أني سمعت مالكا يقول في رجل كانت له مائة دينار ناضّة في يديه، ومائة دينار دينا، وعليه مائة دينار، فحال الحول على التي في يديه، فقال: يزكيها ويجعل دينه في المائة الدين، فمسألتك أبين من هذا - إذا كانت على مالئ.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يزكي هذه التي حال حولها ويجعل دينه في التي لم يحل حولها، خلاف ما مضى في الرسم الذي قبل هذا أيضا في الذي عليه مائة دينار سلفا، فأقام ستة أشهر لا وفاء له بها، ثم أفاد مائة فأقام ستة أشهر، أنه لا يزكي المائة التي بيده قد حال عليها الحول، حتى يحول على الفائدة الحول، إذ لم يقل فيها إنه يجعل الدين الذي عليه من السلف في هذه الفائدة التي لم يحل عليها الحول، ويزكي المائة التي بيده وقد حال عليها الحول، كما قال في هذه، وهو مثل قول أشهب وأصبغ، واختيار ابن المواز، ومثل قول غير ابن القاسم في المدونة، ويلزم على قياس هذا القول إذا حل حول المائة الثانية التي جعل دينه فيها، أن يزكيها ويجعل دينه في الأولى التي كان زكاها؛ لأن الثانية تصير كالأولى بحلول الحول عليها، والأولى تصير كالثانية، إذ لم يحل حولها بعد؛ من أجل أن حولها من يوم كان زكاها، فكما زكى أولا الأولى بحلول حولها، وجعل الدين في الثانية التي لم يحل حولها، فكذلك يزكي أيضا الثانية بحلول حولها، ويجعله دينه في الأولى التي لم يحل حولها بعد، من أجل أن حولها من يوم زكاها؛ ثم إذا حل حول الأولى زكاها أيضا، وجعل دينه في الثانية، ثم إذا حل حول الثانية زكاها وجعل دينه في الأولى؛ فلا يزال على هذا
стр. 875
القول يزكي كل مائة منها متى ما حال حولها، ويجعل دينه في الأخرى التي لم يحل حولها؛ إلا أن تكون الزكاة قد نقصتها ولم ينجبر النقصان بربح ربحه فيها، فيجعل من دينه فيها بقدر ما بقي منها، ويجعل بقية دينه في التي حال حولها، ويزكي بقيتها؛ بيان هذا، أنه إذا جعل دينه في الثانية التي لم يحل حولها، وزكى الأولى التي حال حولها، رجعت إلى سبعة وتسعين ونصف، فإذا حال حول المائة الثانية، جعل من دينه سبعة وتسعين ونصفا في السبعة وتسعين ونصف التي بقيت من الأولى، وجعل بقية دينه - وذلك ديناران ونصف في هذه الثانية التي حال حولها، وزكى بقيتها - وذلك سبعة وتسعون ونصف؛ هكذا أبدا كلما حل حول المائة الواحدة، جعل من دينه في الثانية عدد ما بقي منها، وجعل بقية الدين في التي حال حولها، وزكى بقيتها، هكذا أبدا، وسواء كان مديرا أو لم يكن؛ لأن المدير يزكي كل مال لحوله - كما يزكيه غير المدير، ولا يصح له من أجل الإدارة إذا كان له مالان مختلفان في أحوالهما، أن يزكيهما جميعا على حول أحدهما بتأخير الذي حل حوله، أو بتعجيل الذي لم يحل حوله.
وقد حكى ابن لبابة عن العتبي أنه قال: وهذا إذا لم يكن مديرا، وأما إن كان مديرا فلا زكاة عليه في المائة الثانية التي جعل فيها دينه إذا حل حولها؛ وذكر أنه سأل عنها ابن المزين، فقال: له عليه فيه الزكاة، وقال له: وسواء كان مديرا أو غير مدير، فقال له: وما دخول المدير هاهنا وغير المدير يا بليد؛ فأعلم العتبي بقوله، فقال له: أخطأ. قال ابن لبابة: وهو كما قال العتبي - قول ابن مزين فيها باطل.
قال محمد بن رشد: والصحيح ما قال ابن مزين: أنه قال: لا يفترق في هذا المدير من غير المدير، للعلة التي ذكرناها من أنهما يستويان في تزكية كل مال على حوله، وإنما يفترق المدير من غير المدير في مسألة سماع أبي زيد، وسيأتي الكلام عليها في موضعها - إن شاء الله تعالى؛ وهذا القول إذن يؤدي إلى ألا يسقط الدين زكاة العين؛ لأنه إذا زكى كل مائة منها لحولها كلما حل،
стр. 876
وجعل الدين في التي لم يحل حولها أبدا، فلم يكن للدين تأثير في إسقاط الزكاة؛ فالقول الآخر - وهو قول ابن القاسم في الرسم الذي قبل هذا أصح أن يجعل دينه في المائة التي حال حولها، فلا يزكيها حتى يحول حول المائة الثانية، فيصير حولهما واحدا ومالا واحدا يجعل الدين فيه ويزكي ما بقي منه؛ وأما مسألة مالك التي احتج بها ابن القاسم في الذي بيده مائة قد حال عليها الحول وعليه مائة، وله دين مائة؛ أنه يجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له، ويزكي المائة التي بيده؛ فلا حجة له فيها، إذ قد يحتمل أن يكون تكلم مالك على أن الدين الذي له قد حال عليه الحول، فهو لو قبضه اليوم أو باعه بعرض، ثم باع العرض بعين، لوجبت فيه الزكاة، فوجب أن يجعل دينه فيه، ويزكي ما بيده؛ وأما إن كان الدين الذي له لم يحل عليه الحول، فهي ومسألة ابن القاسم سواء في المعنى، ويدخلها الخلاف، فعلى ما في هذا الرسم بجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له، وإن كان لم يحل عليه الحول، ويزكي ما بيده؛ وعلى ما في الرسم الذي قبله: لا زكاة عليه فيما في يده حتى يحول على الدين الذي له الحول، فيجعل الدين الذي عليه فيه ويزكي ما بيده، والله الموفق.
[زكاة المستفاد أثناء الحول]
ومن كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل: عمن كانت بيده عشرة دنانير عشرة أشهر، ثم أفاد عشرة أخرى، فاشترى بهما جميعا سلعة، فباع تلك السلعة بعد حول العشرة الأولى بما يجب في كل واحدة منهما الزكاة بربحها؛ قال: يزكي العشرة الأولى بربحها، ويستقبل بالعشرة الفائدة وربحها - الحول من يوم استفادها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على المشهور من أن أرباح
стр. 877
الأموال مزكاة على أصول الأموال، وقد مضى تحصيل ما في ذلك من الاختلاف في أول سماع ابن القاسم.
[مسألة: تسلف عرضا فاتجر فيه حولا وفضل له ما تجب فيه الزكاة]
مسألة وقال: فيمن تسلف عرضا فاتجر فيه حولا، ثم رد ما استسلف من ذلك وفضل له ما تجب فيه الزكاة، أنه يزكي هذه الفضلة، وإن كان عنده أيضا من العروض وفاء لما كان استسلف، زكى ذلك أيضا وجعله بمنزلة من استسلف مائة دينار فاتجر فيها، واشترى عرضا بدنانير فاتجر في ذلك حولا ثم باع بعد الحول.
قال محمد بن رشد: قوله واشترى عرضا بدنانير فاتجر في ذلك حولا، ثم باع بعد الحول، يريد اشترى عرضا بدنانير دينا في ذمته، فاتجر في ذلك حولا، ثم باع بعد الحول، فأدى الثمن وبقي له الربح، وذلك كله صحيح على المشهور في المذهب من أن الأرباح مزكاة على أموال الأصول، إلا أن حول الربح الذي تسلف العرض واتجر فيه، محسوب من يوم اتجر في العرض، لا من يوم استسلفه، من أجل أن العرض لا زكاة في عينه، وحول الربح الذي تسلف الدنانير واتجر فيها، محسوب من يوم تسلف الدنانير؛ لأنه لا ضامن لها بالسلف، وفي عينها الزكاة، وحول ربح الذي اشترى العرض فاتجر فيه، محسوب من يوم اشتراه - إن كان اشتراه للتجارة، وإن كان اشتراه للقنية، ثم بدا له فاتجر فيه، فهو محسوب من يوم باعه، وقيل: من يوم نض ثمنه في يده، والله الموفق للصواب.
[مسألة: الصدقة على آل محمد]
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الحديث «لا تحل الصدقة لآل محمد» ،
стр. 878
فقال: إنما ذلك في الزكاة، وليس في التطوع؛ قلت له: فمواليهم؟ قال: لا أراهم من ذلك، ولا أرى بأسا أن يُعْطَوْا من الزكاة؛ فاحتججت عليه بالحديث الذي جاء «مولى القوم منهم» . فقال: قد جاء حديث آخر: «ابن أخت القوم منهم» - يضعف بذلك حديث الموالي؛ قال أصبغ: وإنما تفسير «مولى القوم منهم» يريد في الحرمة منه بهم، والبر منهم به، كما يفسر الحديث: «أنت ومالك لأبيك» - يريد في الطواعية والبر، لا في الإلزام، ولا في القضاء؛ قال أصبغ: وآل محمد عشيرته الأقربون: آل عبد المطلب، وآل هاشم، وآل عبد مناف، وآل قصي، وآل غالب.
قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو أن رجلا فرق زكاة ماله، ألا يعطيهم منها وهم محتاجون؟ قال: لا يعطيهم. قلت: فإن فعل، أتجزئ عنه؟ قال: لا تجزئ عنه. قال ابن القاسم: إنما ذلك في بني هاشم أنفسهم.
قال أصبغ: وقد «جاء عن رسول الله ﷺ يوم نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ، نادى بأعلى صوته: يا آل قصي، يا آل غالب، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، اعملوا لما عند الله، فإني لا أملك لكم من الله شيئا» . فتبين بمناداته إياهم، أنهم عشيرته الأقربون؛ وقد اختلف الناس في سهم ذوي القربى من الفيء.
والغنيمة: من هم؟ فمن الناس من قال: محمد وقرابته - خاصة، ومنهم من قال: قريش كلها قربى. وقد بلغني عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك،
стр. 879
فقال: نحن هم - يعني آل محمد - وقد أبى ذلك علينا قومنا؛ قال أصبغ: الذي وجدت عليه معاني العلم والآثار، أنهم آل محمد خاصة.
قال محمد بن رشد: آل محمد ﵈ الذين لا تحل لهم الصدقة هم ذوو القربى الذين جعل الله لهم سهما في الفيء، وخمس الغنيمة؛ لأن الله حرم عليهم الصدقة على لسان نبيه، ونزههم عنها إكراما لهم؛ لأنها أوساخ الناس يغسلونها عنهم، وعوضهم من ذلك فيما جعل لهم من الحق في الفيء، وخمس الغنيمة، وقد اختلف في تمييزهم وتعيينهم، وفيما لهم من الحق في خمس الغنيمة وفي الفيء، وفيما يحل لهم من الصدقة، ويحرم عليهم منها؛ وهل يدخل مواليهم مدخلهم في ذلك أم لا؟ وهل حكمهم في ذلك بعد النبي ﵊ كحكمهم في حياته أم لا؟ اختلافا كثيرا قد أفردنا الكلام فيه، وتحصيله وتلخيصه، وما تعلق به المختلفون في ذلك مسألة حاوية لجميع ذلك؛ فمن تأملها وقف عليها بشفاء من العلم بذلك، ووقف على الحقيقة فيه. وقول ابن عباس نحن هم - يعني أن بني هاشم هم ذوو القربى - دون سائر قريش، يبين ذلك ما روي عنه من أنه قال: وقد أبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها قربى. وقال ابن حبيب: معنى قوله أبى ذلك علينا قومنا أي أبوا أن يكون لنا فيه جزء معلوم، وهو تأويل بعيد، يرده ما روي عنه من قوله، وقد أبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها قربى.
стр. 880
[يتسلف مائة دينار وليس له مال غيرها فيشتري سلعة فيربح فيها ما تجب فيه الزكاة]
ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس قال: وقال مالك: في الذي يتسلف مائة دينار - وليس له مال غيرها، فيشتري سلعة فيربح فيها، ما تجب فيه الزكاة؟ فقال: إذا باع السلعة قضى المائة وزكى ما بقي - إن كان ما تجب فيه الزكاة؛ إذا كان قد حال على المائة الحول.
قال محمد بن رشد: قوله إذا كان قد حال على المائة الحول - يريد من يوم تسلفها، وقد مضت هذه المسألة والقول فيها في الرسم الذي قبل هذا، وبالله التوفيق.
[له عشرة دنانير فيحول عليها الحول عنده ثم يفيد خمسة دنانير فيضمها إلى العشرة]
ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار قال عيسى: وسألت ابن القاسم: عن الرجل تكون له عشرة دنانير، فيحول عليها الحول عنده، ثم يفيد خمسة دنانير فيضمها إلى العشرة، فيشتري بها سلعة فيبيعها بعشرين دينارا؛ قال: ليس عليه فيها زكاة، ويستقبل بالخمسة والعشرة وربحهما حولا من يوم أفاد الخمسة، إلا أن يتجر في العشرة قبل حلول الخمسة، فيزكيها ساعة يتم ما تجب فيه الزكاة؛ قلت له: فإن باعها بثلاثين دينارا؟ قال: يزكي العشرة وربحها، ويدع الخمسة وربحها حتى يحول عليها الحول من يوم أفادها.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة صحيحة بينة المعنى، لا إشكال فيها، مبنية على المشهور في المذهب من أن الأرباح مزكاة على أحوال أصول
следующие страницы →