Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.
стр. 8471
[ما جاء من الأحاديث بخلاف ما عليه العمل]
في ما جاء من الأحاديث
بخلاف ما عليه العمل قال: وقال مالك: كان رجال من أهل العلم يتحدثون بأحاديث وتبلغهم عن غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على غير هذا، قال مالك: كان القاسم بن محمد لا يكاد يرد على أحد في مجلسه شيئا، قال: فتكلم ربيعة يوما فأكثر فصمت عنه، قال يحيى: فانصرف وانصرفت معه فتوكأ علي ثم قال: [لا أبا لشأنك] أرأيت ما كان يذكر هذا منذ اليوم؟ أين كان الناس عنه أترى الناس كانوا غافلين عما كان؟ يقول، يريد بذلك استنكارا لما كان من القول.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب مالك أن العمل المتصل بالمدينة مقدم على أخبار الآحاد العدول؛ لأن المدينة دار النبي ﵇ وبها مات وأصحابه متوافرون، فيبعد أن يخفى الحديث عنهم ولا يمكن أن يتصل العمل به من الصحابة إلى من بعده على خلافه إلا وقد علموا النسخ فيه، وكذلك القياس عنده مقدم على خبر الآحاد إذا لم يمكن الجمع بينهما، والحجة في ذلك أن خبر الواحد يجوز عليه النسخ والغلط والسهو والكذب والتخصيص، ولا يجوز على القياس من الفساد إلا وجه، وهو أن هذا الأصل هل هو معلول بهذه العلة أم لا؟ فصار أقوى من خبر الواحد، فوجب أن يقدم عليه، وبالله التوفيق.
стр. 8472
[التعوذ بكلمات الله]
في التعوذ بكلمات الله وذكر حديث النبي ﵇ في أعوذ بكلمات الله التامات، فقالوا له: ثلاثا؟ فقال: ما سمعت إلا كذا، وثلاث أفضل.
قال محمد بن رشد: قوله وذكر حديث النبي ﵇، يريد ذكر مالك حديثه الذي رواه في موطئه عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن «رجلا من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة، فقال له رسول الله ﷺ : أمن أي شيء؟ قال: لدغتني عقرب، فقال رسول الله ﷺ : أما أنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك» فقالوا له: هل في الحديث أما أنك لو قلت ثلاثا حين أمسيت؟ فقال: ما سمعت إلا كذا، أي ما سمعت في الحديث ثلاثا وثلاث أفضل.
وليس في قوله أعوذ بكلمات الله التامات دليل على أنه له كلمات غير تامات؛ لأن كلماته هي قوله، وكلامه صفة من صفات ذاته، يستحيل عليها النقص.
وفي الحديث بيان واضح على أن كلماته عند مخلوقاته، إذ لا يستعاذ بمخلوق، وهذا هو قول أهل السنة، والحق أن كلام الله صفة من صفات ذاته قديم غير مخلوق لأن الكلام هو المعنى القائم في النفس، والنطق به عبارة عنه، قال الله : ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨] فأخبر أن القول معنى يقوم في النفس،
стр. 8473
وتقول: في نفسي كلام أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهوم من كلامه، وأما الذي يسمعه منه فهو عبارة عنه، وكذلك كلام الله القديم الذي هو صفة من صفات ذاته هو المفهوم من قراءة القارئ لا نفس قراءته التي تسمعها؛ لأن نفس قراءته التي تسمعها محدثة لم تكن حتى قرأها فكانت، وهذا كله بين إلا لمن أعمى الله بصيرته عن الحق، وبالله التوفيق.
[بر الرجل بأمه]
في بر الرجل بأمه
قال مالك: بلغني أن طلق بن حبيب كان برا بأمه وأنه لم يتقدمها قط في مسير، ولم يكن قط في أعلى منزل وهي أسفل منه، وأنه دخل عليها يوما فإذا هي تبكي من امرأته، فقال لها: فيم أبكتك؟ فقالت له: يا بني أنا أظلم منها، وأنا بدأتها، قال: لقد صدقت ولكن لا تطيب نفسي أن أحبس امرأة بكيت منها، وأنه وسعيد بن جبير ورجالا كانوا معهم طلبهم الحجاج فدخلوا الكعبة فأخذوا منها فقتلهم الحجاج.
قال محمد بن رشد: فعل طلق بن حبيب هذا نهاية منه في البر بأمه امتثالا منه لما أمر الله به من ذلك، قال الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] أي أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وأمر بالوالدين إحسانا أي برا ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . قال مجاهد: إن بلغا أن يخريا أو يبولا فلا تقذرهما كما كانا لا يقذرانك وأنت صغير، ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وإن وجدت منهما ريحا يؤذيك فلا تقل لهما أف، والأظهر أن معناه ولا تنفخ إن رأيت ما تكره، إظهارا منك لهما أنك تكره ذلك منهما، ومعنى وقل لهما قولا كريما أي لينا سهلا وقال عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]
стр. 8474
معناه لا تمتنع من شيء أحباه، وروى أن رسول الله ﷺ أوصى بعض أهل بيته فكان فيما أوصاه: «أطع والديك وإن أمراك أن تخرج عن كل شيء لك فافعل» .
[السلام من الصلاة]
في السلام من الصلاة قال مالك: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي أنه كان يسلم في الصلاة على يمينه وعلى شماله، لا يدري ابن أبي حازم إماما كان أو غيره.
قال محمد بن رشد: السلام الواجب الذي يخرج به المصلي من صلاته ويتحلل به منها تسليمة واحدة قبالة وجهه يتيامن بها قليلا الإمام والمأموم والفذ في ذلك سواء، لقول النبي ﵇: «تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم» وعلى المأمون أن يرد على الإمام يشير إلى جهته به وأن يرد أيضا على من على يساره إن كان على يساره أحد فسلم عليه، هذا هو قول مالك في الذي رجع إليه، وقد قيل وهو مذهب سهل بن سعد الساعدي على ما جاء عنه في هذه الرواية، وقد كان مالك يقول به ثم رجع عنه إن الإمام والفذ يسلم كل واحد منهما تسليمتين، الواحدة منهما واجبة عليه ينوي بها الخروج من الصلاة والتحلل منها قبالة وجهه ويتيامن بها قليلا، والثانية عن يساره سنة واجبة.
وروى أن «رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، فسلم يوما من صلاته ثم التفت فرأى الناس مالوا عن يمينه، فقال: ما بال الناس؟ قيل يا رسول الله: مالوا عن يمينك رجاء بركة سلامك، فسكت، فلما صلى الصلاة التي تليها سلم عن يمينه وعن يساره
стр. 8475
تسليمتين، فاعتدلت الصفوف بعد ذلك» .
فإن نسي التسليمة الأولى وسلم الثانية وانصرف لم تجزه صلاته وإن نسي الثانية وسلم الأولى لم يكن عليه شيء.
ويسلم المأموم على هذا القول تسليمات ثلاث واحدة قبالة وجهه واجبة عليه يتحلل بها عن الصلاة، وثانية عن يساره سنة وإن لم يكن على يساره أحد ثم يرد على الإمام ثالثة يقول كل واحد منهم في ذلك كله: السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم، وبالله التوفيق.
[طلاق المولى]
في طلاق المولى وحدثني ابن أبي حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وسليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون لا يدخل على مول طلاق حتى يوقف.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور من قول مالك الذي عليه جميع أصحابه أنه لا يقع عليه طلاق وإن مرت به سنة حتى يوقف، فإما فاء وإما طلق، وهو قول جمهور الصحابة، قال سهيل بن أبي صالح عن أبيه: سألت اثني عشر من أصحاب النبي ﵇ عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإما فاء وإما طلق ولم يؤمر بالفيئة بعدها، وهو قول ابن شبرمة، وروي مثله عن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين.
وقال أهل العرف يقع على المولي طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر، وهذا الاختلاف مبني على اختلافهم في تأويل قول الله : ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] هل المراد في ذلك بالأربعة الأشهر، أو فيما بعدها، ورواية أشهب عن مالك في كتاب الإيلاء قول رابع في المسألة، واختلف على المشهور في المسألة من أنه لا يقع عليه طلاق حتى يوقف إن وقف فأبى أن
стр. 8476
يفيء، فقيل تطلق عليه طلقة رجعية، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه، وقيل يحبس حتى يفيء أو يطلق.
[ارتداد العرب بعد موت النبي ﵇]
ومن كتاب باع غلاما بعشرين دينارا قال مالك: بلغني أن أبا هريرة تلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] ثم قال والذي نفسي بيده إن الناس اليوم ليخرجون من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا.
قال محمد بن رشد: إنما قال ذلك لما رأى من ارتداد العرب بعد موت النبي ﵇ ومن خروج الخوارج المارقين عن الدين الذين أعلم النبي ﵇ بخروجهم عن المسلمين، وبالله التوفيق.
[أعطى في صدقة الماشية أفضل من السن الواجبة عليه]
فيمن أعطى في صدقة الماشية أفضل من
السن الواجبة عليه قال مالك: وحدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن «النبي ﵇ بعث رجلا مصدقا فأتى الرجل فإذا عليه بنت مخاض، فقال: والله ما كنت أول من أعطى ما لا يحلب ولا يركب، فأعطاه كبيرة فأبى أن يأخذها وقال: لم أؤمر بذلك، فأقبل الرجل مع الذي بعثه إلى رسول الله ﷺ فذكر للنبي الذي عرضه عليه، فأمره النبي فأخذها منه، قال: ودعا فيها بالبركة في إبله قال فنمت وكثرت، قال: فإنه تعرف فيها دعوة النبي ﵇ إلى اليوم» .
قال محمد بن رشد: في هذا الحديث: إن الأسنان المحدودة في الأخذ من الماشية في الزكاة ليست بحد لا يزاد عليه ولا ينقص منه كعدد
стр. 8477
ركعات الصلاة وإنما هي حد في أن لا يؤخذ من أحد أعلى منها إلا عن طيب نفس، وهذا ما لا اختلاف. فيه، وقد مضى هذا السماع من كتاب زكاة المواشي، وبالله التوفيق.
[تحريض زيد بن ثابت للأنصار على نصر عثمان ﵁ يوم الدار]
في تحريض زيد بن ثابت للأنصار على
نصر عثمان ﵁ يوم الدار قال مالك: بلغني أن زيد بن ثابت قال للأنصار: يا معشر الأنصار، انصروا الله مرتين في فتنة عثمان، أمرهم أن يقاتلوا معه، فقال له رجل من الأنصار من كبرائهم: إنا نخشى أن نقول كما قال من كان قبلنا: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨] .
قال محمد بن رشد: كان الأنصار قد انتدبوا إلى نصر عثمان ﵁، روي أن زيد بن ثابت قال لعثمان: هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، فقال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا، فكفوا عن القتال دونه لما لزمهم من طاعته وتوقعوا في ذلك الحرج، ولذلك قال قائلهم في هذه الحكاية ما قال والله أعلم، وكذلك سائر الصحابة إنما توقفوا عن نصرته والقتال دونه من أجل عزمه عليهم في ذلك روي عن محمد بن سيرين قال: انطلق الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان كلهم شاك في السلاح، حتى دخلوا الدار فقال عثمان أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم، فخرج ابن عمر والحسن والحسين، فقال ابن الزبير ومروان: ونحن نعزم على أنفسنا ألا نبرح، وروي عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان: إنا معك في الدار
стр. 8478
عصابة مستنصرة ينصر الله بأقل منهم، فأذن لنا، فقال: أذكر الله رجلا إهراق في دمه أو قال دما وقال سليط بن أبي سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا، وروي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم عندي غناء، من كف يده وسلاحه، ثم قال: قم يا ابن عمر فاجر بين الناس، فقام ابن عمر وقام معه رجال من بني عدي ابن سراقة وابن مطيع، ففتحوا الباب وخرج، ودخلوا الدار فقتلوا عثمان رحمة الله عليه ورضوانه.
[ما ترك عثمان عليه من الدين ﵁]
في ما ترك عثمان عليه من الدين
﵁ قال ابن القاسم: قال مالك: وبلغني أن عثمان بن عفان قضي عنه ثلاثون ألف درهم.
قال محمد بن رشد: ما ترك عثمان على نفسه من الدين معدود من فضائله؛ لأنه إنما احتاج إلى التداين مع سعة ماله لبذله إياه في طاعة ربه من صلة الرحم وفعل المعروف على المعهود منه في حياة النبي ﵇، فقد جهز جيش العسرة في غزوة تبوك بتسعمائة وخمسين بعيرا وأتم الألف بخمسين فرسا واشترى بئر رومة، وكانت ركية ليهودي يبيع للمسلمين ماءها، فقال رسول الله ﷺ : «من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم وله بها مشرب في الجنة، فأتى عثمان اليهودي فساومه بها فأبى أن يبيعه كلها، فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهم فجعله للمسلمين فقال له عثمان: إن شئت جعلت على نصيبي قرشيا، وإن شئت فلي يوم ولك يوم، قال: بلى لك يوم ولي يوم، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم ليومين، فلما رأى ذلك اليهودي قال: أفسدت علي ركيتي فاشتر النصف الآخر، فاشتراه
стр. 8479
بثمانية آلاف درهم» .
وقال رسول الله ﷺ : «من يزيد في مسجدنا؟ " فاشترى عثمان موضع خمس سوار فزاده في المسجد» وفضائله أكثر من أن تحصى وهو من أصحاب حراء، وبالله التوفيق.
[ما أوصى به معاوية في ماله]
فيما أوصى به معاوية في ماله قال مالك: بلغني أن معاوية لما حضرته الوفاة أمر بماله أن يقسم بشطرين.
قال محمد بن رشد: إنما فعل ذلك تأسيا بعمر بن الخطاب في مشاطرته لعماله فذلك معدود في فضائله.
[ما ذكر عن أبي الدرداء]
فيما ذكر عن أبي الدرداء قال مالك: وبلغني أن أبا الدرداء قال: وراءنا عقبة كؤود أنجى الناس فيها أخفهم حملا.
قال محمد بن رشد: عنى أبو الدرداء بالعقبة الكؤود الصراط الذي على شفير جهنم يجوزه الناس بقدر أعمالهم، فيتفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم على قدر خفة ظهورهم من الذنوب، ومنهم من يوبقه عمله.
في الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة «أن الناس قالوا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تمارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا قال: فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها،
стр. 8480
فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا، فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم، قال فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم أحد قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء» الحديث بطوله.
وهذا الحديث من مشكل الحديث، فقوله أولا فيه يأتيهم الله فيقول أنا ربكم معناه فيأتيهم خلق من خلق الله فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، خرج مخرج واسأل القرية أي أهلها، ويحتمل أن يكون معناه فيأتيهم الله بخلق من خلقه فيقول، ومعلوم أيضا أنه جائز في اللسان العربي أن تقول ضرب السلطان وكتب ونادى في الناس وإن لم يفعل هو بنفسه شيئا من ذلك، وقد قال بعض العلماء: إن هذه آخر محنة الله يمتحن بها عباده، فيثبت المؤمنين منهم بالقول الثابت.
ومعنى قوله إنهم يقولون إذا جاء ربنا عرفناه، أي إذا تجلى لنا ربنا بإنعامه علينا بخلقه فينا إدراك رؤيته عرفناه، وهذا معنى قوله: فيأتيهم الله
стр. 8481
لأن الإتيان الذي هو الانتقال من موضع إلى موضع مستحيل في صفة الله تعالى، وقد رأيت لبعض من تكلم على معنى هذا الحديث أن قوله فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا عائد على المنافقين دون المؤمنين وأن قوله: فيقولون وأنت ربنا عائد على المؤمنين دون المنافقين وهو تأويل خطأ فاسد بين الفساد، لا يصح بوجه مع بعده على لفظ الحديث. والله أعلم فهذا مثل صحيح ضربه الله عنه، وبالله التوفيق.
[ما كتب به عمر بن الخطاب إلى الأجناد في أمر الأسواق]
فيما كتب به عمر بن الخطاب إلى
الأجناد في أمر الأسواق قال مالك: كتب عمر بن الخطاب إلى الأجناد: إن الله قد أغنى بالمسلمين فلا تجعلوا النصارى في أعمالكم، يريد بذلك ألا يكونوا جزارين ولا صرافين ويبيع المسلمون لأن الله أغنى بالمسلمين وكثروا في أهل الإسلام ما أجزأ من بياعاتهم.
قال محمد بن رشد: إنما كتب عمر ﵁ بما كتب به من هذا لعلمه أنه مسئول عن رعيته، لقول النبي ﵇: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته» الحديث، وإذا وجب على الإمام النظر لرعيته فيما يدخل عليهم به الضرر [في دنياهم كان النظر فيما به عليهم الضرر] في أديانهم أوجب، فمنع ﵁ أن يكون النصارى في أسواق المسلمين جزارين أو صرافين؛ لأن الجزارين من النصارى وإن كانت تحل ذبائحهم لقول الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، فلا ينبغي للمسلم أن يأتمنه على تذكية ما غاب عليه ويتخذه في ذلك إماما، والصرافين يستبيحون الربا ويستحلونه، فإذا
стр. 8482
كانوا في أسواق المسلمين وقع الجهال منهم معهم فيه، إذ لا يمكنهم التوقي منهم لجهلهم، وذلك ضرر بعامة الناس، فوجب النظر في ذلك لهم بما يقطعه عنهم من منعهم من الأسواق، فقد قال سحنون لهذه العلة: يمنع من السوق كل من لا يبصر البيع من المسلمين، وبالله تعالى التوفيق.
[وصية لقمان لابنه]
في وصية لقمان لابنه قال مالك: بلغني أن لقمان قال لابنه: يا بني ليكون أول ما تفيد من الدنيا بعد خليل صالح امرأة صالحة.
قال محمد بن رشد: هذه وصية جيدة مفيدة وحكمة حسنة بليغة لأن النساء مما زين للناس من شهوات الدنيا قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية، فالمرأة الصالحة هي للرجل دنيا وآخرة لأنه يستعف بها ويستمتع منها ويؤجر على القيام عليها، والخليل الصالح يحمل خليله على الخير ويعينه على الطاعة ويريه مراشدة في أموره فمنفعته أعم من منفعة المرأة إذ من الناس من يستغني عن المرأة ولا يحتاج إليها، ولذلك قدمه عليها والله أعلم.
[النذر قبل الاحتلام]
في أن النذر قبل الاحتلام لا يلزم قال مالك: كان حلف عبد الله بن أبي حبيبة في الجرو القثاء بعد أن احتلم.
قال محمد بن رشد: قوله كان حلف عبد الله بن أبي حبيبة تجاوز في اللفظ؛ لأنه لم يكن حلف وإنما كان نذر على ما ذكر عنه في موطئه من أنه قال: قلت لرجل وأنا حديث السن: ما على الرجل أن يقول علي
стр. 8483
مشي إلى بيت الله ولم يقل علي نذر مشي، فقال لي رجل: هل لك أن أعطيك هذا الجرو لجرو قثاء في يده، وتقول علي مشي إلى بيت الله، قال: فقلت نعم فقلته وأنا يومئذ حديث السن، ثم مكثت حتى عقلت، فقيل لي: إن عليك مشيا فجئت سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك فقال: عليك مشي، فمشيت، فعبر مالك ﵀ في هذه الحكاية عن النذر بالحلف لاستوائهما عنده في الوجوب؛ لأنه إنما قصد إلى الإعلام بأن من لم يحتلم فلا يلزمه النذر ولا اليمين، وقوله صحيح لقول النبي ﵇: «رفع القلم عن ثلاث» فذكر فيهم الصبي حتى يحتلم، فلا اختلاف أعلمه في أن الصبي لا يلزمه بعد بلوغه ما نذره على نفسه قبل بلوغه إلا أنه يستحب له الوفاء به.
وأما اليمين فقد قال ابن كنانة إنها تلزمه قبل البلوغ إذا حنث فيها بعد البلوغ وهو شذوذ، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن المشرك إذا نذر نذرا في حال الكفر يلزمه الوفاء به بعد الإسلام لما روي من أن «عمر بن الخطاب قال للنبي ﵇: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فقال له النبي ﵇: "فِ بنذرك» ، وهو عندنا وعند أكثر أهل العلم على أن ذلك على الندب لا على الوجوب، ومما يدل على ذلك أيضا أن "فِ" لا يستعمل إلا فيما ليس بواجب، يقال وفي بالوعد وأوفى بالحق والنذر، فيلزم من أوجب على الكافر الوفاء بالنذر بعد الإسلام أن يوجب على الصغير الوفاء به بعد البلوغ، بل هو أحق أو يجب عليه على مذهبه؛ لأن الصغير وإن كان لا تكتب عليه السيئات فتكتب له الحسنات على الصحيح من الأقوال، والكافر لا تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات، وبالله التوفيق.
стр. 8484
[صاحب المنزل أولى بالإمامة فيه]
في أن صاحب المنزل أولى بالإمامة فيه قال مالك: لم أزل أسمع أن صاحب المنزل أولى بالتقدم في الصلاة في منزله، ولقد بلغني أن رجلا من أهل الفضل والفقه إن كانوا لينزلون بالرجل في منزله فيقدمونه لأنه منزله، ولم أزل أسمع أن صاحب الدابة أولى بصدرها من الذي يردفه، قال: ورأيته يستحسنه.
قال محمد بن رشد: المعنى في كون صاحب المنزل أحق بالإمامة فيه من غيره هو أنه ليس لأحد أن يصلي في منزل غيره حتى يأذن له في الموضع الذي يصلي فيه منه، «لقول النبي ﵇ لعثمان بن مالك: أين تحب أن أصلي؟ فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه» فإذا لم يكن لأحد أن يتقدم في منزل رجل إلى موضع الإمام منه إلا بإذنه، وكان هو أحق بالصلاة في ذلك الموضع من غيره ثبت أنه أحق بالإمامة فيه.
غير أنه يستحب له إذا كان في القوم أحق بالإمامة منه أن يقدمه، وكذلك صاحب الدابة هو أولى بصدر دابته إذا احتاج الرجل أن يركب معه عليها إلا أن يأذن له في ركوب مقدمها؛ لأن الذي يركب مقدمها هو الذي يملكها، وهو الذي يحكم له بها لو تداعى فيها مع الذي يركب مؤخرها، فليس لأحد أن يزيله عن هذه المرتبة إلا باختياره، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة وبالله تعالى التوفيق.
[صفة النحر والذبح]
في صفة النحر والذبح
قال مالك: تنحر البدن قياما أحب إلي، وكأني رأيته وجه الأمر فيها، قال: والغنم والبقر تضجع وتذبح، قال: ويلي الرجل نحر بدنته وذبح ضحيته أحب لي، ويقول بسم الله والله
стр. 8485
أكبر، وإن أحب قال: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وكره أن يقول اللهم منك وإليك وعابه وشدد الكراهية فيه، وقال: إذا أعتق قال اللهم منك وإليك، وإذا تصدق قال اللهم منك وإليك، فكره ذلك ولم يره من العمل ولم يستحسنه.
قال محمد بن رشد هذا كله مثل ما في المدونة.
وإنما استحب أن ينحر البدن قياما وقال: إنه وجه الأمر فيها كما قال في الحج الثالث من المدونة إنه الشأن اتباعا لظاهر قول الله : ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي سقطت إلى الأرض، ولم ير ابن القاسم في المدونة بأسا أن تنحر معقولة إن امتنعت، ولم يحفظ عن مالك هل تنحر معقولة أو تكون أيديها مصفونة، وقول الله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] أي مصطفة لا يدل على كونها معقولة، فلذلك لم يستحب ابن القاسم أن تعقل إذا لم تمتنع، وقد قرئ فاذكروا اسم الله عليها صوافن أي على ثلاثة قوائم معقولة إحدى يديها، واستحب ذلك بعض العلماء، وقد قرئ صوافي أي صافية خالصة لله.
واستحب أن يلي الرجل نحر هديه وذبح ضحيته تواضعا لله وتأسيا برسول الله ﷺ في ذلك، فإن ذبح له غيره بأمره أجزأه عند مالك، قال ابن عبد الحكم في مختصره: وقد قيل لا يجزيه، والأول أحب إلينا، وإن ذبحها له نصراني أو يهودي فلا تجزيه إلا عند أشهب، وقد مضى دليل قوله في سماع أشهب من كتاب الضحايا.
واستحب في صفة التسمية على الذبيحة أن يقول باسم الله والله أكبر لأنه الذي مضى عليه عمل الناس، قال ابن حبيب في الواضحة: فإن قال باسم
стр. 8486
الله والله أكبر وحده اكتفي بذلك، وكذلك لو قال لا إله إلا الله، أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله لاكتفي بذلك؛ لأنه إنما أمر أن يسمي الله فكيف ذكر له فقد سماه.
وأجاز أن يقول مع التسمية صلى الله على رسول الله وكره أن يقول معهما محمد رسول الله وظاهر المدونة أنه كره الأمرين جميعا وما في الواضحة أبين؛ لأن الصلاة على النبي دعاء له فلا وجه لكراهيته بخلاف إذا ذكر اسمه بغير دعاء ذلك مكروه؛ لأن الذبح إنما هو لله تعالى وحده، فلا يذكر هناك إلا اسم الله وحده كما أمر حيث يقول: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] .
وتسمية الله سنة في الذكاة وليس بشرط في صحتها؛ لأن معنى قول الله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد إلى ذكاتها لأنها فسق.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] أي كلوا مما قصد إلى ذكاته، فكنى عن التذكية بذكر اسمه كما كنى عن رمي الجمار بذكره حيث يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ومن الدليل على أن مراد الله بما لم يذكر اسمه عليه ما لم يقصد إلى ذكاته قوله : ﴿وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] يريد ما فصل
стр. 8487
وبين بقوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] فبين بتسميته لهذه الأشياء التي حرمها في هذه الآية جميعا أنها هي التي نهي عن أكلها؛ لأنها فسق بقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فمن ترك التسمية ناسيا أكلت ذبيحته.
وأجاز ابن حبيب أن يقول مع التسمية اللهم منك وبك ولك، أي منك الرزق وبك الهدي ولك النسك، وحكاه عن علي بن أبي طالب، وربيعة ابن أبي عبد الرحمن، وهو قول حسن، وكره ذلك مالك في هذه الرواية وشدد الكراهية في ذلك وقال في المدونة: إن ذلك بدعة، فالمعنى في ذلك والله أعلم أنه إنما كره التزام ذلك على وجه كونه مشروعا في ذبح النسك كالتسمية، فمن قاله على غير هذا الوجه في الفرط لم يكن عليه إثم ولا حرج وأجر في ذلك إن شاء الله.
[وصية لقمان لابنه]
في وصية لقمان لابنه قال مالك: بلغني أن لقمان الحكيم قال لابنه: اجعل خطيئتك بين عينيك فأما حسناتك فَالْهَ عنها فقد أحصاها من لا ينساها.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه الوصية بين لأن الخطيئة قد استوجب عليها عقاب الله إلا أن يغفرها له، فواجب عليه أن يجعلها نصب عينيه فيستغفر الله منها ولا يلهى عنها.
стр. 8488
[قضاء ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس]
في قضاء ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس قال مالك: بلغني أن القاسم بن محمد قضى ركعتي الفجر بعد أن حلت السبحة.
قال محمد بن رشد: هكذا يستحب لمن نسي ركعتي الفجر رجاء أن يدرك بقضائهما ما جاء فيهما من الفضل، فقد جاء فيهما أنهما خير من الدنيا وما فيها.
وقد اختلف فيهما، فقيل: إنهما من السنن لمداومة النبي ﵇ عليهما، وقيل: إنهما من الرغائب، واختلف في ذلك قول مالك، فعلى القول بأنهما سنة لا يجزيان بغير نية، وبالله التوفيق.
[الموضع الذي يجوز للرجل فيه قبول الفدية من امرأته]
في بيان الموضع الذي يجوز للرجل
فيه قبول الفدية من امرأته قال ابن القاسم: قال مالك: حدثني هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة أنه كان يقول: إذا لم تؤت المرأة من قبل زوجها حل له أن يقبل منها الفداء.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على مذهب مالك وجميع أصحابه، لا اختلاف بينهم في أن الزوج لا يجوز له أن يأخذ من زوجته شيئا على طلاقها إلا إذا كان النشوز من قبلها ولم يكن منه في ذلك ضرر إليها، إذ ليس له أن يقارضها على نشوزها عليه بالإضرار لها والتضييق عليها حتى تفتدي منه، لقول الله : ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] وإنما له أن يعظها، فإن اتعظت وإلا هجرها في المضجع، فإن
стр. 8489
اتعظت وإلا ضربها ضربا غير مبرح، فإن طاعت فلا يبغي عليها سبيلا لقول الله : ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] الآية فإن هي بذلت له على الفراق شيئا حل له أن يقبله إذا لم يتعد أمر الله تعالى فيها، ومن أهل العلم من أباح للرجل إذا زنت زوجته أو نشزت عليه أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه بظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] وذهب إلى أن الفاحشة المبينة هي الزنا خاصة، فلم يبح له ذلك إلا إذا زنت.
ومنهم من ذهب إلى أن الفاحشة المبينة هي النشوز والبذاء باللسان، فلم يبح له ذلك إلا إذا نشزت عنه وبذت عليه بلسانها.
ولم يبح ذلك له مالك ولا أحد من أصحابه بحال لأن الاستثناء عندهم في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] استثناء منفصل غير متصل بمعنى لكن، فتقدير الكلام لكن إن أتين بفاحشة مبينة من نشوز وبذاء أحل لكم ما ذهبتم به من أموالهن إذا كان عن طيب أنفسهن لأن الله تعالى لم يبح للزوج شيئا من مال زوجته إلا عن طيب نفس منها، فقال : ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] الآية وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] ولا يكون ذلك عن طيب أنفسهن إلا إذا لم يكن منه إليهن ضرر ولا تضييق، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 8490
[المحرم بالحج يصيب امرأته]
في المحرم بالحج يصيب امرأته وحدثني عن ابن شهاب عن عبد الله بن عباس أنه قال في رجل أصاب امرأته وهو محرم بالحج: إنهما ينفدان لوجههما ثم يحجان من قابل وعليهما الهدي.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن عباس هذا أنه لا يفرق بينهما في بقية حجهما هذا الذي أفسداه ولا في حج قابل، خلاف ما ذهب إليه مالك من أنهما إذا أحرما بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما فلم يجتمعا في منزل ولا مسير على ما روي عن علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب، والوجه في ذلك مخافة أن يكون اجتماعهما ذريعة إلى إفساد حجهما الثاني.
ومن أهل العلم من قال إنه يفرق بينهما من حين أفسد حجهما إلى عام قابل، وإنما يفسد حجهما بإجماع إذا وطئ ما بينه وبين أن يقف بعرفة.
واختلف إن وطئ بعد أن وقف بعرفة وقبل أن يرمي جمرة العقبة فقيل قد أفسد حجه وهو قول مالك في موطئه، وقيل عليه عمرة وهدي وحج تام، روى أبو المصعب، وابن أبي حازم عن مالك إلى أنه رجع إلى هذا القول، وقال أبو المصعب: إن كان وطؤه بعد طلوع الفجر من ليلة النحر فعليه العمرة والهدي، وإن كان وطؤه قبل طلوع الفجر من ليلة النحر فقد أفسد حجه.
وأما إن وطئ بعد رمي جمرة العقبة وقبل أن يطوف طواف الإفاضة فحجه تام، وعليه عمرة وهدي قولا واحدا وبالله تعالى التوفيق.
стр. 8491
[الأجراس في أعناق الإبل والدواب]
في كراهية الأجراس في أعناق الإبل والدواب وحدثني مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم بن عبد الله أنه مر على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال لهم سالم: إن هذا ينهى عنه، فقالوا له: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا صغير فليس به بأس، فسكت سالم.
قال: وسألت مالكا عن الأكرياء يجعلون الأجراس في الحمير والإبل التي تحمل القرط وغيره فقال: ما جاء في هذا إلا الحديث الواحد، وتركه أحب إلي من غير تحريم له.
قال محمد بن رشد: يريد بالحديث الواحد والله أعلم الحديث الذي ذكره بعد هذا من أن الملائكة لا تصحب عيرا وقد تقدم الكلام على هذا قبل هذا في أول رسم فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق.
[الخلاخل للنساء في أرجلهن]
في الخلاخل للنساء في أرجلهن وسئل مالك عما يكون في أرجل النساء من الخلاخل، قال: ما هذا الذي جاء فيه الحديث، وتركه أحب إلي من غير تحريم له.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة والله أعلم أن مالكا إنما سئل عما يجعله النساء في أرجلهن من الخلاخل وهن إذا مشين بها سمعت قعقعتها فرأى ترك ذلك أحب إليه من غير تحريم؛ لأن الذي يحرم عليهن إنما هو ما جاء النهي فيه من أن يقصدن إلى إسماع ذلك وإظهاره من زينتهن لمن يخطرن عليه من الرجال: قال الله : ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]
стр. 8492
ومن هذا المعنى ما روي من أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية» والله الموفق.
[العير التي فيها الجرس]
ما جاء في العير التي فيها الجرس وحدثني مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن سالم بن عبد الله عن أبي الجراح مولى أم حبيبة أن النبي ﵇ قال: «العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة» .
قال محمد بن رشد: هذا هو الحديث الذي أشار إليه مالك في المسألة التي قبل هذه المسألة والله أعلم، وهو حديث خرج الترمذي من رواية أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس ولا كلب» " أو كما قال، وبالله التوفيق.
[الصلاة إلى المصحف]
في كراهة الصلاة إلى المصحف وإلى قبر النبي ﵇ قال مالك: أكره أن يوضع المصحف في القبلة ليصلى إليه.
قال مالك: وإنما بنى عمر بن عبد العزيز القبر هذا البناء حين كان الناس يصلون إليه وجعلوه مصلى، فأنا أكره أن يجعل المصحف في القبلة ليصلى إليه، ولا أحب ذلك، وأما إن كان موضعه أو ذلك الموضع أحفظ له أو معلق له ليس يجعل لمكان الصلاة إليه فلا أرى بذلك بأسا.
стр. 8493
قال محمد بن رشد: أما الصلاة إلى قبر النبي ﵇ فهو محظور لا يجوز، لما جاء عن النبي. ﵇ من قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فبناه عمر بن عبد العزيز محددا على هيئته لا يمكن من صلى إلى القبلة استقباله. وأما المصحف فكره القصد بالصلاة إليه على ما قاله في هذه الرواية، ومثله في المدونة سواء؛ لأن ذلك بدعة وبالله تعالى التوفيق.
[لباس الثوب المعصفر بالزعفران]
في لباس الثوب المعصفر بالزعفران قال مالك: رأيت ابن هرمز يلبس المعصفر بالزعفران.
قال محمد بن رشد: اختلف السلف في لباس الثوب المعصفر والمزعفر للرجال، فأجازه جماعة ولم يروا به بأسا، منهم عبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وأبو وائل الشقيق بن مسلمة، وزر بن حبيش، وعلي بن حسين، ونافع بن جبير بن مطعم وقال محمد بن سيرين: كان المعصفر لباس العرب ولا أعلم شيئا هدمه في الإسلام، وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة، ونحوه لمالك في موطئه، قال في الملاحف المعصفرة في البيوت للرجال وفي الأفنية: لا أعلم من ذلك شيئا حراما، وغير ذلك من اللباس أحب إلي.
وكره بعض العراقيين المعصفر والمزعفر للرجل لما روي عن أنس بن مالك من «أن رسول الله ﷺ كره أن يتزعفر الرجل» ولما روي عن عبد الله بن عمرو قال رآني النبي ﵇ وعلي ثوب معصفر فقال: «ألقها فإنها ثياب الكفار» ولما روي «عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ داخر فالتفت إلي
стр. 8494
وعلي ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ما هذا؟ فعرفت ما كره فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: " يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ فأخبرته، فقال: ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء» وبالله تعالى التوفيق.
[ما جاء من أن كل شيء إذا تم نقص]
فيما جاء من أن كل شيء إذا تم نقص قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب نزل بالأبطح فنظر إلى القمر في ليلة البدر، فقال: إن كل شيء إذا تم نقص، وإن هذا القمر قد تم فهو ينقص بعد هذه الليلة، وإني لأرى الإسلام إلا وقد تم وإني لأراه الآن سينقص.
قال محمد بن رشد: فكان الأمر في الإسلام على ما قاله ﵄ زال ينقص إلى يومنا، وهو بعد في نقص كما سبق في أم الكتاب أسأل الله العصمة برحمته.
[الأمر بإتقان العمل]
في الأمر بإتقان العمل وحدثني العتبي عن سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن النبي ﵇ قال: «إن الله يحب إذا عمل العبد عملا أن يحسنه أو أن يتقنه» .
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين والحمد لله وبه التوفيق.
[التكبير في أيام منى]
في التكبير في أيام منى وقال مالك في حديث عمر في التكبير في أيام منى بعد زوال الشمس، فإذا كبر تلك الساعة خمر الناس الأمتعة لرمي الجمار.
قال محمد بن رشد: قوله في حديث عمر يريد حديثه الذي ذكره في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئا فكبر فكبر الناس بتكبيره ثم خرج حين زاغت
стр. 8495
الشمس فكبر فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت فيعرف أن عمر قد خرج يرمي.
وقول مالك في تفسير الحديث فإذا كبر تلك الساعة خمر الناس الأمتعة لرمي الجمار، يريد أن أهل منى الحجاج كانوا إذا كبر عمر بعد زوال الشمس علموا أنه قد خرج يرمي فخرجوا هم ليرموا مؤتمين في ذلك به وتركوا أمتعتهم في منازلهم التي كانوا نزلوها، وجمعوها في موضع واحد وخمروها أي غطوها بالأكسية وشبهها حرزا لها في حين مغيبهم عنها.
وقوله في الحديث فكبر فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت ليس معناه أنه كان يكبر تلك الساعة ليتصل التكبير حتى يبلغ البيت، وإنما هو إخبار بأن تكبير الناس بتكبيره كان يتصل حين يبلغ البيت وإن كان لم يكبر هو ذلك، وإنما كثر تلك الساعة ليعلم بوقت الرمي وأنه خرج ليرمي ليخرج من كان حاجا إلى الرمي، وكان يكبر إذا ارتفع النهار شيئا وبعد ذلك إذا ارتفع النهار ويكبر الناس بتكبيره لقول الله ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقد روي أنه كان يكبر في قبته بمنى فيكبر أهل المسجد ويكبر أهل الأسواق فترتج منى تكبيرا وبالله تعالى التوفيق.
[منع الرجل جاره أن يغرز خشبه في جداره]
[في الأمر بأن لا يمنع الرجل جاره أن يغرز خشبه في جداره] وسئل مالك عن الحديث في الخشبة في حائط جاره، فقال مالك: ما أرى محمله إلا على وجه الأمر فيه من النبي ﵇ على وجه المعروف، وأما أن يقضى به فلا أرى بذلك بأسا.
стр. 8496
قال محمد بن رشد: الحديث الذي سئل عنه مالك هو حديثه في الموطإ، عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره» ، وهذا معلوم من مذهب مالك ﵀ أن ذلك من النبي ﵇ على الحض والندب وفعل معروف بجاره، لا على الوجوب والإلزام، وابن كنانة يحمله على الوجوب ويقضي به للجار على جاره، وقول مالك أظهر لأن النهي إنما يحمل على التحريم أو الوجوب إذا لم تقترن به قرينة تدل على أن المراد به الكراهية أو الندب، ومن الدليل على أن المراد به كراهة المنع والندب إلى الإذن هو أنه إذن في حق الإذن لأن الحائط ماله وملكه وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» ، وهذا عموم فلا يخصص منه غرز الخشب في الجدار إلا بيقين في النهي عن المنع؛ لأن النهي قد يراد به الكراهة، وقد يراد به التحريم، ولو كان من حق الجار أن يغرز خشبة في جدار جاره لقال رسول الله ﷺ ليس للجار أن يمنع جاره خشبة يغرزها في جداره، ولما قال «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» إذ ليس من حق الكلام أن يقال للرجل فيما يفعله لغيره لا تفعله إلا فيما له أن يفعله به، ألا ترى أنك تقول للرجل: لا تضرب عبدك، إذ له أن يضربه، ولا تقل له: ولا تضرب أباك إذ ليس له أن يضربه، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ففهم من قوله كراهة المنع لا تحريمه، إذ لو كان المنع حراما لكان من حق الزوجة أن تخرج إلى المسجد دون إذن زوجها شاء أو أبى، وقد كانت زوجة عمر بن الخطاب
стр. 8497
تستأذنه في الخروج إلى المسجد فيسكت، فتقول والله لأخرجن إلا أن تمنعني فلا يمنعها، وبالله التوفيق.
[ما جاء من أن النية الصحيحة لا تبطل بالخطرة التي لا تملك]
في ما جاء من أن النية الصحيحة لا تبطل بالخطرة التي لا تملك وحدثني أبو عبد الله العتبي عن عيسى بن دينار عن ابن وهب عن عطاء الخراساني أن «معاذ بن جبل قال: "يا رسول الله: إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من القتال طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابا، فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة؟ فقال: يا معاذ بن جبل، من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة» .
قال محمد بن رشد: هذا حديث فيه نص جلي على أن من كان أصل عمله لله وعلى ذلك عقد نيته لم تضره الخطرات التي تقع في القلب ولا تملك، على ما قاله مالك، خلاف ما ذهب إليه ربيعة، وذلك أنهما سئلا عن الرجل يحب أن يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق السوق، فأنكر ذلك ربيعة من سؤال السائل ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير.
وقال مالك: إذا كان أول ذلك وأصله لله فلا بأس به إن شاء الله قال : ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وقال عمر بن الخطاب لابنه: لأن تكون قلتها أحب إلي من
стр. 8498
كذا وكذا إذ اخبره بما كان وقع في قلبه من أن الشجرة التي مثلها رسول الله ﷺ بالرجل المسلم وسأل أصحابه عنها فوقعوا في شجر البوادي، هي النخلة، قال مالك: فأي شيء هذا إلا هذا وإنما هذا أمر يكون في القلب لا يملك، وذلك من وسوسة الشيطان ليمنعه من العمل، فمن وجد ذلك فلا يشغله عن التمادي عن فعل الخير ولا يؤيسه من فعل الخير، وليدفع الشيطان من نفسه ما استطاع ويجرد النية لله، فإن هذا غير مؤاخذ به إن شاء الله روي عن النبي ﵇ أنه قال: «تجاوز الله لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو يعمل به يد» .
وهذا الحديث يروى عما حدثت به أنفسها بالنصب وعما حدثت به أنفسها بالرفع، والصحيح في المعنى رواية من روى أنفسها بالنصب، والمعنى في ذلك أن الله تجاوز لأمة نبيه ﷺ عما حدثت به أنفسها ما يقصد منها إلى ذلك واكتساب له؛ لأن التجاوز إنما يكون فيما لو لم يتجاوز عنه لأخذوا به وأما ما حدثت به أنفسها من الخطرات الغالبة لهم التي لم يكن منهم فيها اكتساب لها ولا قصد إليها فليسوا بمؤاخذين بها، قال : ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وبالله التوفيق.
стр. 8499
[كتاب الجامع السادس] [ التأكيد في الخروج إلى الصلاة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
كتاب الجامع السادس ومن كتاب القبلة في التأكيد في الخروج إلى الصلاة وحدثني العتبي عن عيسى بن دينار قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب أرسل إلى سليمان بن أبي خيثمة فوجده راقدا فقال: أشهدت الصلاة؟ قال: كنت أشتكي، ولولا رسولك جاءني ما خرجت، فقال عمر: إن كنت خارجا لدعوة أحد فاخرج إلى الصلاة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله عمر بن الخطاب ﵁ لأن إجابة الداعي إلى الصلاة بقوله: حي على الصلاة حي على الصلاة في أذانه للصلاة آكد من إجابة داعي الأمير لشيء من أمور الدنيا. وبالله التوفيق.
стр. 8500
[النصيحة من الدين]
ومن كتاب شك في طوافه في أن النصيحة من الدين قال ابن القاسم قال مالك ورفعه إلى النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» .
قال محمد بن رشد: قوله الدين النصيحة معناه عماد الدين النصيحة، خرج مخرج واسأل القرية، يريد أهل القرية، لأن حقيقة الدين إنما هو الإسلام والإيمان، قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . والنصيحة لله هي القيام بفرائضه، والتزام أوامره واجتناب زواجره؛ والنصيحة لكتابه هو تأويله على ما تأوله عليه أهل الحق من سلف المسلمين، وترك ما صار إليه من التأويل أهل الزيغ من الملحدين؛ والنصيحة لرسوله في حياته بذل الجهد في طاعته ونصرته، وبعد وفاته القيام بإحياء سنته والتزام ما شرعه لأمته، والنصيحة لأئمة المسلمين التزام الطاعة لهم وحضهم على الخير وتحذيرهم مما سواه، والنصيحة لعامة المسلمين هو أن يريهم المراشد في أمور دينهم ودنياهم.
стр. 8501
[كراهة ترك العمل في يوم الجمعة]
في كراهة ترك العمل في يوم الجمعة قال مالك: كان بعض أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون أن يترك يوم الجمعة العمل لئلا يصنعوا فيه كما فعلت اليهود والنصارى في السبت والأحد.
قال محمد بن رشد: هذا لما روي من أن رسول الله ﷺ كان يأمر بمخالفة أهل الكتاب وينهى عن التشبه بهم. روي عنه ﷺ أنه قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» وأنه قال: «ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لأهل الكتاب،» وأنه قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» . ومثل هذا كثير.
[ما جاء في أمة النبي ﵇]
ُ - قال مالك: كان عيسى ابن مريم يقول: أمة محمد حكماء علماء كأنهم من الفقه أنبياء. قال مالك على إثر ذلك: إن كان عيسى ابن مريم قاله ما أراهم إلا صدر هذه الأمة.
стр. 8502
قال محمد بن رشد: إخبار عيسى ابن مريم هذا من زمانه لا يصح أن يكون إلا بوحي من الله ، وذلك ثناء منه عليهم بذلك، وقد أثنى عليهم في غير ما آية من كتابه، فقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] . الآية. فقوله : ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر الآية يشهد بصحة قول عيسى ابن مريم المذكور فيهم. وقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
[صفة مسجد النبي ﵇ وحنين الجذع إليه]
في صفة مسجد النبي ﵇ وحنين الجذع إليه قال مالك: قال النبي ﵇: «مسجدي على عريش كعريش موسى» . «وكان يخطب على جذع حتى عمل له هذا المنبر من طرفاء الغابة، فلما خطب عليه وفقده الجذع حن فنزل رسول الله ﷺ فوضع يده عليه فسكن» .
قال محمد بن رشد: قوله ﷺ : مسجدي على عريش يريد أن سقفه بالجرائد فوق الجذوع بغير طين أو بقليل من الطين، فكان إذا كان المطر يكف أي يهطل في المسجد على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «وقد أريت هذه الليلة - يريد ليلة القدر - فأنسيتها ولقد رأيتني أسجد في صبحها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فأمطرت السماء في تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف
стр. 8503
المسجد. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ انصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة ليلة إحدى وعشرين من رمضان» .
وحنين الجذع الذي كان يخطب إليه إذ صنع له المنبر يخطب عليه معلوم، رواه عن النبي ﷺ أبي بن كعب، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وجماعة سواهم من أصحاب رسول الله ﷺ من طرق كثيرة بمعان متفقة وألفاظ متفارقة، في بعضها «أنه خار كخوار الثور حتى ارتج المسجد منه جزعا على رسول الله ﷺ ، فنزل إليه رسول الله ﷺ فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه سكت، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» . وفي بعضها «أنه جأر أو خار حتى تصدع وانشق فأمر نبي الله ﵇ فدفن تحت المنبر» على ما روي. وقد روي أن أبي بن كعب أخذه لما غير المسجد وهدم فكان عنده في بيته حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا. وهذا علم جليل من أعلام النبوة ﷺ ، وهي أكثر من أن تحصى.
[كلام الإمام في الخطبة]
في كلام الإمام في الخطبة قال: وقد كان بعض الأمراء يرسل ليلة الجمعة هل أتكلم مع
стр. 8504
الخطبة بشيء؟ فقيل له: فماذا قلت؟ قال: قلت نعم إذا كان من الأمر الذي يأمر به وينهى عنه يريد بذلك وجه الحق، وقد بلغني أن عمر بن الخطاب تكلم مع خطبته بكلام.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من أن للإمام أن يتكلم يوم الجمعة وهو على المنبر بغير الخطبة ولا يكون بذلك لاغيا. قال فيها: وكذلك لا يكون لاغيا من رد على الإمام إذا كلمه وهو يخطب، وهو أمر لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب. والحجة في إجازة ذلك ما يروى عن أبي الزاهرية عن عبد الله بن بشير قال: «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقال له رسول الله ﷺ : اجلس فقد آذيت وآنيت» .
قال أبو الزاهرية: وكنا نتحدث حتى يخرج الإمام. وما روي عن جابر بن عبد الله قال: «جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﷺ على المنبر فقعد قبل أن يصلي فقال له النبي ﷺ : أركعت ركعتين قال: لا قال: قم فاركعهما» . وهذا نص في جواز تكلم الإمام على المنبر يوم الجمعة بغير الخطبة، وفي جواز الرد عليه لمن كلمه. وتأول أصحابنا أنه إنما أمره رسول الله ﷺ بالركعتين في ذلك الوقت ليري الناس حاجته فيتصدقون عليه، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري «أن رجلا دخل المسجد ورسول الله ﷺ على المنبر فناداه رسول الله ﷺ فما زال يقول: ادن حتى دنا فأمره فركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلق ثم صنع مثل ذلك في الثانية فأمره بمثل ذلك، ثم صنع مثل ذلك في الجمعة الثالثة فأمره بمثل ذلك وقال رسول الله ﷺ للناس تصدقوا، فألقوا الثياب فأمره رسول الله ﷺ فأخذ
стр. 8505
ثوبين الحديث.» وذهب أهل العراق أنه لا يجوز للإمام أن يتكلم في خطبته لغير الخطبة ولا لأحد ممن كلمه أن يرد عليه، وقال يحتمل أن يكون ما جاء في هذه الآثار كان الكلام حينئذ في الخطبة مباحا كما كان في الصلاة، ثم نسخ بنسخه في الصلاة؛ ويحتمل أيضا أن يكون النبي ﷺ قطع خطبته ليعلم الناس كيف يفعلون إذا جاءوا إلى المسجد ثم استأنفها، لا أنه تكلم فيها ثم تمادى عليها، وهو بعيد. والله أعلم وبه التوفيق. وقد مضى هذا في أول سماع أشهب من كتاب الصلاة.
[ما جاء في أبي عبيدة بن الجراح]
قال وسمعت مالكا يقول: «أتى أهل نجران إلى رسول الله ﷺ فأسلموا وقالوا: يا رسول الله لو بعثت معنا من يفقهنا ويعلمنا، فقال رسول الله ﷺ : أنا أبعث معكم القوي الأمين فتطاول أصحاب رسول الله ﷺ وكل رجل يرجو أن يكون هو وأحبوا ذلك، فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح معهم» .
قال محمد بن رشد: أبو عبيدة بن الجراح من كبار الصحابة وفضلائهم وأهل السابقة منهم، وأحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة. وقال أبو بكر الصديق يوم السقيفة: رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر أو أبا عبيدة. وقال عمر إذ دخل عليه الشام وهو أميرها:
стр. 8506
أنت أخي حقا لم تغيرك الدنيا. ويروى أنه قال: كلنا غيرته الدنيا غيرك يا أبا عبيدة. وقال رسول الله ﷺ : «لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» . والمعنى في هذا أنه في أرفع مراتب الأمانة، ولا أحد أرفع مرتبة منه فيها، ولا يمتنع أن يكون غيره من الصحابة في مرتبته من الأمانة. وهذا مثل قوله ﷺ في أبي ذر: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر،» لأن المعنى في ذلك أنه في أعلى مراتب الصدق، فلا ينتفي أن يكون في أصحاب النبي ﷺ من هو في الصدق مثله، وإنما ينتفي أن يكون غيره أعلى مرتبة منه في الصدق. وبالله التوفيق.
[الحكم في البعير الضال]
في الحكم في البعير الضال قال مالك: أرسل الحسن بن زيد يسألني عن رجل أصاب ثلاثة أبعرة ضالة فقال إنها قد أكلتني، فاستشارني فيها، فأمرته أن يأمره أن يرسلها حيث أصابها.
قال محمد بن رشد: ثبت «عن النبي ﵇ أنه قال في ضالة الإبل: ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتكل الشجر حتى يلقاها ربها» . والاختيار فيها أن لا تؤخذ، فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت، جاء ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ وأخذ به مالك في أحد قوليه، وهو قوله في هذه الرواية وفي المدونة وفي رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب اللقطة؛ وقيل إنها تؤخذ وتعرف فإن لم تعرف بيعت
стр. 8507
ووقف ثمنها لصاحبها، فإن لم يأت وأيس منه تصدق به عنه، جاء ذلك عن عثمان بن عفان، وروي ذلك عن مالك أيضا قال: من وجد بعيرا ضالة فليأت به الإمام يبيعه ويجعل ثمنه في بيت المال، يريد بعد أن يعرفه. قال أشهب في مدونته: وإن كان الإمام غير عدل فليتركه حيث وجده. وإنما اختلف الحكم في ذلك بين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان لاختلاف الأزمان لفساد الناس، فكان الحكم فيها في زمن النبي ﵇ وخلافة عمر بن الخطاب أن لا تؤخذ، فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت؛ ثم كان الحكم فيها في زمن عثمان بن عفان ﵁ لما ظهر من فساد الناس أن تؤخذ وتعرف فإن لم تعرف بيعت ووقفت أثمانها. وكذلك ينبغي أن يكون الحكم فيه اليوم إن كان الإمام عدلا، وإن كان الإمام غير عدل يخشى عليها إن أخذت لتعرف تركت ولم تؤخذ.
وإن كان إنما يخشى على ثمنها إن بيعت أخذت فعرفت فإن لم تعرف ردت حيث وجدت. وقد مضى هذا كله بزيادة عليه في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الأقضية. وبالله التوفيق.
[الإقبال على الدعاء]
في الإقبال على الدعاء
قال مالك: جاء رجل إلى عامر بن عبد الله بن الزبير وهو يدعو فجلس إليه ومعه دراهم وكتاب فصول عنده، ثم كلمه الرجل فأخذ الدراهم فجعلها تحت رجله ثم أقبل على الدعاء، فلما فرغ كلمه الرجل قال: فما استطعت أن تكلمني ثم تقبل على صلاتك، فقال: هذه أخذة الشيطان، إني قد جربت هذا، يأتي الرجل فأكلمه ثم يأتي آخر حتى يذهب الدعاء. ورأيته يدعو وعليه إزار وقطيفة في الشتاء كلما وقعت جبذها على منكبيه، وكان من دعائه: يا باقي يا دائم يا حي لا يموت لا تبطل دعائي ولا تضيع مسألتي.
стр. 8508
قال محمد بن رشد: قد بين عامر بن عبد الله بن الزبير الوجه الذي من أجله لم يترك ما كان فيه من الدعاء، وتكلم الرجل بما لا مزيد عليه مما حذره وخافه. وأما قوله في دعائه يا حي لا يموت فصحيح جيد لا اختلاف فيه، لأن الحي اسم من أسماء الله . قال الله : ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] وقال: ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] . وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] . وكذلك قوله: يا باقي، لأن الباقي أيضا اسم من أسماء الله تعالى في سورة البقرة، وفي سورة الرحمن قوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
وأما قوله يا دائم ففي الدعاء به اختلاف، إذ قد قيل إنه لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله وأجمعت الأمة على تسميته به. والصحيح جواز الدعاء بيا دائم، لأن الدائم بمعنى الباقي وبمعنى الأخير في قوله : ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] وبالله التوفيق.
[الصلاة في البرانس]
في الصلاة في البرانس وسئل مالك عن الصلاة في البرانس هي من لباس المصلين وكانت من لباس الناس وما أرى بها بأسا، فاستحسن لباسها وقال: هي من لباس المسافر للبرد والمطر. قال ولقد سمعت عبد الله بن
стр. 8509
أبي بكر وكان من عباد الناس وأهل الفضل وهو يقول: ما أدركت الناس إلا ولهم ثوبان برنس يغدو فيه وخميصة يروح فيها، ولقد رأيت ناسا يلبسون البرانس، فقيل له ما كان ألوانها؟ قال: صفر.
قال محمد بن رشد: البرانس ثياب في شكل الغفائر عندنا مفتوحة من أمام تلبس على ثياب في البرد والمطر مكان الرداء، فلا تجوز الصلاة فيها وحدها إلا أن يكون تحتها قميص أو سراويل، لأن العورة تبدو من أمامه وهو في البرانس العربية، وأما الأعجمية فلا خير في لباسها في الصلاة ولا في غير الصلاة لأنها من زي العجم وشكلهم. وأما الخمائص فهي أكسية من صوف رقاق معلمة وغير معلمة يلتحف فيها، كانت من لباس الأشراف في أرض العرب.
فقوله برنس يغدو به يريد يلبسه على ما تحته من الثياب، وخميصة يروح بها يعني يلتحفها على ما عليه من الثياب والله أعلم. وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
[رفع اليدين في الدعاء]
في رفع اليدين في الدعاء قال مالك: وبلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائما عند المنبر وهو يدعو ويرفع يديه فأنكر عليه وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود، فقيل له: ما أراد بالتقليص؟ فقال رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين.
قال القاضي: إنما كره رفع الصوت بالدعاء لقول رسول الله ﷺ : «ارفقوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» . وقد روي أن قول الله : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]
стр. 8510
نزلت في الدعاء. وأما رفع اليدين عند الدعاء فإنما أنكر الكثير منه مع رفع الصوت لأنه من فعل اليهود، وأما رفعهما إلى الله عند الرغبة على وجه الاستكانة والطلب فإنه جائز محمود من فاعله، وقد أجازه مالك في المدونة في مواضع الدعاء وفعله فيها، واستحب في صفته أن يكون ظهورهما إلى الوجه وبطونهما إلى الأرض. وقيل في قول الله : ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] إن الرغب يكون بطون الأكف إلى السماء والرهب بطونها إلى الأرض. وقد وقع لمالك في رسم المحرم من السماع في كتاب الصلاة أنه لا يعجبه رفع اليدين في الدعاء، ومعنى ذلك الإكثار منه في غير مواضع الدعاء حتى لا يختلف قوله، والله أعلم.
[السدل في الصلاة]
في السدل في الصلاة وسئل مالك عن السدل في الصلاة قال: لا بأس بذلك. فقيل له هل رأيت أحدا يفعل هذا؟ فقال نعم. فقيل له أعبد الله بن حسن؟ قال نعم وغيره، وقد رأيته يفعله، وقد رأيت عبد الله بن حسن يجعل طنفسة في المسجد يصلي عليها، وقد كان كبر، فكان يقوم عليها ويسجد ويضع يديه على الحصباء.
وسئل ابن القاسم عن ذلك فقال لا بأس بذلك إذا وضع جبهته ويديه على تراب أو نبات من الأرض، فقيل له مسجد الجماعة؟ فقال نعم
قال محمد بن رشد: صفة السدل أن يسدل الرجل طرفي ردائه بين يديه فيكون بطنه وصدره مكشوفا، وقد أجاز ذلك في المدونة وإن لم يكن
следующие страницы →