← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

نار، فقام معاذ بن جبل فقال: لقد كنت نبيا ولأنت أضل من حمار أهلك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هو رحمة لهذه الأمة» . اللهم فاذكر معاذ وآل معاذ فيمن تذكر بهذه الرحمة. وروى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعي ومسروق، ولفظ الحديث لفروة الأشجعي قال: كنت جالسا مع ابن مسعود فقال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، فقلت يا أبا عبد الرحمن: إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] فأعاد قوله إن معاذا. فلما رأيته أعاد عرفت أنه تعمد الأمر فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: الأمة الذي يعلم الخير ويؤتم به ويقتدى به، والقانت المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل معلما للخير مطيعا لله ولرسوله ﵇ ويكنى معاذ أبا عبد الرحمن بابن كان له، وقيل إنه لم يولد له قط، وبالله التوفيق. [الشفعة على قدر الحصص] في أن الشفعة على قدر الحصص قال مالك حدثني ابن الدراوردي عن سفيان الثوري أن علي بن أبي طالب قضى أن الشفعة بين الشركاء على قدر حصصهم. قال محمد بن رشد: هذا هو مذهب مالك وجميع أصحابه وعامة العلماء أن الشفعة على قدر الأنصباء، خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة أنها على عدد الرءوس. والحجة لمالك ومن قال بقوله أن الشفعة لما كانت تجب بالملك وجب أن يكون على قدر الأملاك كالعلل، ولما كانت لرفع المضرة عن الإشراك وكانت المضرة عليهم على قدر حصصهم وجب أن تكون الشفعة

стр. 8577

التي ترفع الضرر عنهم على قدر حصصهم، وهذا بين والحمد لله وبه التوفيق. [بيع كتابة المكاتب] في بيع كتابة المكاتب قال: حدثني ابن القاسم عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه كره أن يباع كتابة المكاتب ويقول وهو خطار إن عجز كان عبدا له، وإن أدى كان له أربعة آلاف درهم. قال محمد بن رشد: الغرر في هذا بين كما قاله، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، إلا أن مالكا وأصحابه أجازوا ذلك استحسانا واتباعا على غير قياس. وله وجه وهو أن المشتري للكتابة يحل فيها محل سيده الذي كاتبه في الغرر، لأنه إذا كاتبه لا يدري هل يؤدي ما كتبه عليه أو يعجز فيرجع رقيقا له، وذلك جائز، لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وقول النبي ﵇: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم من كتابته» . [المكاتب بين الشريكين يقاطعه أحدهما] في المكاتب بين الشريكين يقاطعه أحدهما وحدثني عن ابن القاسم ابن الدراوردي عن أنس عن أبي يحيى أن رجلا من قريش أرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن عبد بين رجلين مكاتب، فقاطع أحدهما على نصيبه ويمسك الآخر، ثم

стр. 8578

إن المكاتب مات وترك مالا، فقال سعيد: للذي تمسك بالكتابة بقية كتابته ثم يقتسمان ما بقي بعد ذلك بينهما. قال محمد بن رشد: هذا صحيح مثل قول مالك في موطئه إذا كانت مقاطعته له بإذن شريكه. وقد وقع في رواية يحيى فيه أن الذي قاطع بالخيار بين أن يتمسك بقطاعته وبين أن يرد نصف ما أخذ من القطاعة ويكون المال بينهما، وأن الذي تمسك بالكتابة إن كان الذي قبض ما قاطع عليه شريكه أو أفضل فالميراث بينهما، لأنه إنما أخذ حقه، وهو غلط. وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم الكيس من سماع يحيى من كتاب المكاتب فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من الاجتهاد في العبادة] فيما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من الاجتهاد في العبادة قال: وحدثني ابن القاسم عن مالك قال: لما دخل أصحاب رسول الله ﷺ الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشر وصلبوا على الخشب بأشد اجتهادا من هؤلاء. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا فوق هذا في هذا الرسم والكلام عليه، وبالله التوفيق. [القصد والتؤدة والسمت] في القصد والتؤدة والسمت قال ابن القاسم: قال مالك بلغني أن ابن عباس قال: التؤدة والقصد والسمت جزء من كذا وكذا جزءا من النبوءة.

стр. 8579

قال محمد بن رشد: معنى القصد الاقتصاد في الإنفاق، وفي معناه جاء الحديث: «ما عال من اقتصد» . والتؤدة التأني في الأمور والتثبت فيها. وأما السمت فمعناه السمت الحسن، وهو الوقار والحياء وسلوك طريقة الفضلاء، وبالله التوفيق. [قول القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز فيما عرض عليه] في قول القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز فيما عرض عليه قال ابن القاسم: قال مالك إن عمر بن عبد العزيز قال للقاسم بن محمد وهو يريد العمرة: إن معنا فضلا من أمتعة وأزواد، فقال القاسم: إني امرء لا آخذ من أحد شيئا. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا فوق هذا في هذا الرسم أنه يكره للرجل أن يصف عن نفسه ما هو عليه من الأحوال المحمودة، فليس في قول القاسم بن محمد إني امرؤ لا آخذ من أحد شيئا ما يدل على جواز ذلك، لأنه إنما قاله معتذرا لعمر بن عبد العزيز مخافة أن يظن به أنه يكره الأخذ منه دون من سواه لشيء يعتقده فيما عرض عليه، وأخبره بعادته لئلا يستوحش من قبله، وبالله التوفيق. [وصية معاذ بن جبل] في وصية معاذ بن جبل وحدثني عن ابن القاسم عن مالك أن معاذ بن جبل قال لرجل إنه لا غنى بك عن نصيبك من دنياك، وأنت إلى حظك من آخرتك أحوج، فإذا عرض لك أمران أحدهما للآخرة والآخر للدنيا فخذ بحظك من آخرتك فإنه ستمر عليك حوائجك من دنياك ثم تنظمها لك انتظام الرمية ثم تزول بها معك حيث زلت.

стр. 8580

قال محمد بن رشد: المعنى في هذه الوصية بين لأن حظ الدنيا فان وحظ الآخرة باق، فمن الحظ للرجل أن يقدم ما يبقى على ما يفنى. وبالله التوفيق. [التحذير من الفتنة] ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما مال في التحذير من الفتنة قال: وسمعت مالكا يذكر «أن النبي ﵇ ذكر فتنة فقالوا: يا رسول الله ما النجاء منهما؟ قال: ترجعون إلى أمركم الأول» . قال محمد بن رشد: الفتن على وجوه: فمنها في أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يعذبون ليرتدوا عن دينهم، فذلك قول الله : ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] أي العذاب؛ ومنها أن يفتن الله قوما أي يبتليهم؛ ومنها ما يقع بين الناس من الحروب وغير ذلك، وهذه الفتنة هي التي أشار إليها في هذا الحديث، والله أعلم، وعنى بها ما جرى بين الصحابة ﵃ من الخلاف الذي أدى إلى مقاتلة بعضهم بعضا. قال سفيان: سمعت حذيفة يقول: «بينما نحن جلوس عند عمر بن الخطاب إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﵇ في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن عن التي تموج كموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن

стр. 8581

بينك وبينها بابا مغلقا. قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: لا بل يكسر. قال عمر: إذا لا يغلق أبدا، قال: أجل. قلنا لحذيفة: أكان عمر بن الخطاب يعلم؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، وذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأله من الباب، فأمرنا مسروقا فسأله فقال من الباب؟ فقال عمر» : ومنها الفتنة بالنساء. يقال قد فتن بالمرأة إذا تعشقها؛ ومنها الإضلال، قال الله : ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ، أي بمضلين؛ ومنها الحرق بالنار، تقول فتنته بالنار أي أحرقته فيها، وفي القرآن ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي يحرقون. والفتان الشيطان، وفتانا القبر منكر ونكير. قال الأصمعي: يقال فتنه ولا يقال أفتنه. وقال أبو عبيد: أفتنه بالقبر لغة بني تميم. وقوله: ترجعون إلى أمركم الأول معناه إلى ما كنتم عليه في حياة النبي ﵇ من التواخي في ذات الله والاعتصام بكتاب الله، وبه التوفيق. [ما قاله النبي ﵇ حين خرج من جوف الليل] فيما قاله النبي ﵇ حين خرج من جوف الليل وحدثني عن يحيى بن سعيد لا أعلمه إلا مسندا عن النبي ﵇ «أنه خرج ذات ليلة من جوف الليل فنظر في أفق السماء فقال: كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة أيقظوا صواحب

стр. 8582

الحجر» . قال سحنون: يعني بأيقظوا صواحب الحجر أيقظوا نسائي كي يسمعن. قال محمد بن رشد: قول يحيى بن سعيد في هذا الحديث لا أعلمه إلا مسندا عن النبي ﵇ معناه لا أعلمه إلا مسندا إلى النبي ﵇ وذكره مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن ابن شهاب «أن رسول الله ﷺ قام من الليل فنظر في أفق السماء فقال: ماذا فتح الله الليلة من الخزائن وما وقع من الفتن، كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة أيقظوا صواحب الحجر.» وأسنده معمر عن الزهري عن هند بنت الحارث عن أم سلمة «أن رسول الله ﷺ استيقظ ليلة فقال: سبحان الله ماذا أنزل الله من الفتنة» فذكره. وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوته ﷺ لأنه أعلم فيه بما كان بعده مما فتحه الله على أمته من بلاد الكفار بالمشرق والمغرب وصار إليهم من أموالهم، فهي الخزائن التي فتحها الله على أمته، وبما وقع بعده من الفتن من قتل عثمان ﵁ إلى يومنا هذا الذي لا يحيط به إلا علمه، ولن يزال الهرج إلى يوم القيامة. وأمر ﷺ بإيقاظ أزواجه كيلا يكن من الغافلين عند ذكر الله في مثل هذه الليلة التي أنزل الله فيها ما أنزل، ولعلها كانت ليلة القدر الليلة المباركة التي قال الله ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] .

стр. 8583

[الذين أنزل الله فيهم لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم] في الذين أنزل الله فيهم ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] قال: وسمعت مالكا يذكر «أن رجلا قال على عهد رسول الله ﷺ إن قراءنا هؤلاء أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنا وأجبننا عند اللقاء، فأنزل الله ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] » «قال عبد الله بن عمر بصرت عيناي ذلك الرجل وهو يجري تحت ناقة رسول الله ﷺ تنكف رجليه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] » . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لا إشكال فيه، وبالله التوفيق. [كراهة الفطر فيمن أصبح صائما متطوعا] في كراهة الفطر فيمن أصبح صائما متطوعا قال مالك: بلغني أن رجلا له شرف صنع صنيعا ودعا فيمن دعا حسين بن رستم الأوانة وكان صائما وأنه لما خلا الناس من عنده قال له: ألا ندعو لك بطعام؟ فقال إني صائم، فجعل يردد على حسين ويريده على الفطر ويقول: إنك ستصوم يوما آخر مكانه، فقال له حسين إني بيت الصيام وأنا أكره أن أخلف الله ما وعدته، وقال

стр. 8584

يقال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» فإنك لن تجد فقد شيء تركته لله . قال محمد بن رشد: إنما قال ما قال وأبى أن يجيبه إلى ما أراده عليه من الفطر، لأنه رأى ذلك من المشتبهات التي قال فيها رسول الله ﷺ : «فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه» لاختلاف أهل العلم في جواز الفطر لمن أصبح صائما متطوعا، ولما جاء في ذلك عن النبي ﵇ مما يدل على جوازه والمنع منه، من ذلك أنه قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل أو فليدع؛» وروي «وإن كان صائما فلا يأكل» . وروي عنه ﷺ أنه قال: «لا تصوم امرأة وزوجها شاهد يوما من غير شهر رمضان إلا بإذنه» . وهذا يدل على أن الفطر لا يجوز لها ولا يجوز لزوجها أن يفطرها. وروي «أن رسول الله ﷺ كان عند أم هانئ وأتي بشراب فشرب منه ثم أعطاه أم هانئ فشربت ثم قالت لرسول الله ﷺ إني كنت صائمة ولكني كرهت أن أرد سؤرك، فقال لها: أكنت تقضين شيئا؟ فقالت: لا، قال: فلا يضرك إن كان تطوعا» . فهذا يدل على جواز الفطر لمن أصبح صائما. وقد جاء «أن حفصة وعائشة أهدي لهما طعام فأفطرتا فدخل عليهما رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك حفصة فقال لها رسول الله ﷺ اقضيا يوما

стр. 8585

آخر مكانه» . فاحتمل أن يكون ذلك على الوجوب وأن يكون على الندب. وكان ابن عباس يجيز الفطر لمن أصبح صائما متطوعا؛ وكان عبد الله بن عمر لا يجيزه ويشدد ذلك فيقول ذلك الذي يلعب بصومه، وإلى قوله هذا ذهب مالك فقال: إنه لا يفطر، فإن أفطر من غير عذر فعليه القضاء، «لقول رسول الله ﷺ لعائشة وحفصة: اقضيا يوما مكانه آخر» . وقال مطرف: إن حلف عليه أحد بالعتق أو بالطلاق أن يفطر فليحنثه ولا يفطر إلا أن يرى لذلك وجها، وإن حلف هو فليكفر ولا يفطر، وإن عزم عليه أبواه أو أحدهما في الفطر فليطعهما وإن لم يحلفا عليه إذا كان ذلك رقة منهما لإدامة صومه. وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصيام. [معاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية] في معاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية قال: وسمعت ابن هرمز يقول: إنا أخذنا أشياء برأينا وإن معاقلة الرجل المرأة إلى ثلث دية الرجل إنما أخذناه من الفقهاء. قال محمد بن رشد: قوله إنا أخذنا أشياء برأينا معناه أخذناه بالاستنباط والنظر وهو القياس على الأصول. قال الله : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وقوله إن معاقلة المرأة الرجل إلى ثلث ديته إنما أخذناه من الفقهاء، يريد أن الفقهاء سبقونا فيه إلى الاستنباط بالاجتهاد، وأخذناه منهم واتبعناهم عليه. ووجه هذا من طريق الاعتبار والنظر أن الله ﵎ ساوى بين الرجل والمرأة في الأصل والمبدأ إلى الثلث، ثم فصل بينهما فيما

стр. 8586

بعد الثلث، فقال النبي المعصوم عن ربه : «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يأتي الملك فيقول أي رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد فينفخ فيهما الروح» فيقع الفصل من الله بالتذكير إن شاء ذكرا وإن شاء أنثى. بعد هذا الأمر المشترك فيه وهو من العام ثلثه. وقال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ [الرعد: ٨] الآية. وبين الاعتبار من قَوْله تَعَالَى في الآيتين إحداهما ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، والثانية قوله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أن أمد الغيض وهو النقصان من الأمر المعلوم في العادة وهو تسعة أشهر في الأغلب والأكثر، ثلاثة أشهر، وأن الولد يصح نسبه لستة أشهر. فإذا اعتبر الزيادة بالنقصان اعتبارا عدلا حملنا على التسعة الأشهر ثلاثة أشهر كما نقصنا منها ثلاثة أشهر. وفي حملنا ثلاثة أشهر على تسعة أشهر تمام العام. وقد تقدم أن الأربعة الأشهر المشترك فيها ثلث العام. فكما اشتركا من العام وهو منتهى الأمد على الاعتبار الذي ذكرناه في ثلثه في الخلقة، ثم وقع الفصل بعد الثلث وانفرد الذكر بتذكيره والأنثى بتأنيثها، فكذلك يشتركان في المعاقلة في الثلث، ثم يرجع بعد الثلث كل واحد منهما إلى عقل نفسه كما رجع بعد ثلث العام إلى صورة نفسه. وحسبك بهذا بيانا واضحا ودليلا مرشدا، وبالله التوفيق. [الدين هو الحسب] في أن الدين هو الحسب وحدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد العتبي عن عيسى أنه قال: بلغني «أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 8587

وسلم - فوجد في مسجد رسول الله ﷺ سلمان الحبر وصهيبا وبلالا وسالما مولى أبي حذيفة فقال لهم: يا معشر العلجة كأنكم من الأوس والخزرج، وسعد بن أبي وقاص يصلي ويسمع كلامه، فعجل [فسلم] ثم قام إلى الأعرابي فلببه بردائه وقال: يا عدو نفسه تقول هكذا لأصحاب رسول الله ﷺ لا أفارقك حتى أوقفك على رسول الله ﷺ فذهب به سعد إلى رسول الله ﷺ فأخبر سعد رسول الله ﷺ بمقالته فخرج رسول الله ﷺ فدعا، يريد غضبانا، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن الرب واحد والدين واحد والأب واحد ومن أسرع به عمله لم يبطئ به حسبه ومن أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه، ومن دخل هذا الدين فهو من العرب. فقال سعد: ما أصنع بهذا يا رسول الله، فقال: ادخره إلى النار» . فلقد رأيته ارتد مع مسيلمة فقتل معه. قال محمد بن رشد: هذا حديث بين المعنى يشهد بصحته قول الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . ومن هذا المعنى قول عمر ابن الخطاب كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه. فإنما يكون للحسب مزية مع الاستواء في العلم والفضل. قال رسول الله ﷺ : «الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.» وبالله التوفيق.

стр. 8588

[اجتماع العلم والحلم] في اجتماع العلم والحلم قال: وسمعت موسى يذكر أن بعض أهل العلم كتب إلى بعض إخوانه: اعلم أن الحلم لباس العلم فلا تعرين منه. قال محمد بن رشد: هذه استعارة حسنة، وحكمة بالغة، فينبغي لمن أوتي حظا من العلم أن لا يعري نفسه من الحلم، وبالله التوفيق. [ما يبدأ به الداخل في مسجد النبي ﵇] ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه فيما يبدأ به الداخل في مسجد النبي ﵇ وسئل مالك عن الرجل يدخل مسجد النبي ﵇ بالمدينة، بأي شيء يبدأ، بالسلام على النبي ﵇ أم بركعتين؟ قال: بل بركعتين، وكل ذلك واسع. قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يركع. قال محمد بن رشد: وجه توسعة مالك في البداية بالسلام على النبي ﵇ قبل الركعتين قوله في الحديث قبل أن يجلس، فإذا سلم ثم ركع الركعتين قبل أن يجلس فقد امتثل أمر النبي ﵇ بالركوع قبل الجلوس ولم يخالفه. ووجه اختيار ابن القاسم البداية بالركوع قبل السلام على النبي ﵇ قوله في الحديث: «إذا دخل فليركع» والفاء في اللسان للتعقيب يدل على الثاني عقيب الأول بلا مهلة، فكان الاختيار إذا دخل أن يصل ركوعه بدخوله وألا يجعل بينهما فاصلة من الاشتغال بشيء من

стр. 8589

الأشياء. وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق. [الأفضل في الحج بين القفل والجوار] في الأفضل في الحج بين القفل والجوار وسئل مالك عن الحج، القفل أعجب إليك أم الجوار؟ فقال ما كان الناس إلا على الحج والقفل، ورأيته يريد أن ذلك أعجب إليه. فقلت: فالغزو يا أبا عبد الله فإن ناسا يقولون ذلك، فلم يره مثله وقال: قد كانت الشام حين فتحت وكانت مجال حرب فأقام فيها غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم أبو أيوب، ومعاذ، وبلال، وأبو عبيدة. قال محمد بن رشد: استحب مالك ﵀ القفل من الحج على الجوار اتباعا للسلف، وله وجه من جهة المعنى، وهو أن الحج فرض واجب، والجوار مستحب وليس بواجب، فاستحب أن يفرق بين الواجب وغير الواجب بفعل مباح، كما استحب الأكل يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وكما استحب جماعة من العلماء للمعتدة من الوفاة أن تتطيب إذا انقضت عدتها، كما فعلت أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان، وزينب بنت جحش حين توفي أخوها بعد ثلاث، وقالتا: والله ما لنا بالطيب من حاجة غير أنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «لا يحق لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» . وليس ذلك في الغزو والرباط لاستوائهما في أنهما غير واجبين، لأن الجهاد يسقط الوجوب فيه عن الناس بقيام من قام به، لأنه فرض على الكفاية، وبالله التوفيق.

стр. 8590

[طواف المريض بالبيت راكبا] في طواف المريض بالبيت راكبا قال مالك: «حدثت أم سلمة أنها اشتكت إلى رسول الله ﷺ فأمرها رسول الله ﷺ أن تطوف من وراء الناس راكبة» . قال محمد بن رشد: زاد في هذا الحديث في الموطأ قالت: «فطفت ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جانب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور» وكانت صلاة الصبح بدليل حديث البخاري «أن رسول الله ﷺ قال لها ولم تكن طافت بالبيت وأرادت الخروج: إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون» ففعلت ذلك ولم يصل حتى خرجت. ولا اختلاف بين أهل العلم في أن المريض يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة راكبا ومحمولا، إلا أن مالكا استحب له أن يعيده إن صح. وإنما اختلفوا في الصحيح فقال: إنه يعيد إن كان قريبا، وإن رجع إلى بلده كان عليه الدم، وهو مذهب أبي حنيفة؟ وقال الشافعي يجزيه طوافه ولا دم عليه، وحجته حديث أبي الزبير عن جابر «أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع بالبيت بين الصفا والمروة على راحلته» ليراه الناس وليشرف لهم لأن الناس غشوه. وقال أيؤثر إن طاف راكبا أو محمولا من غير علة ولا عذر لم يجزه طوافه وكان عليه أن يعيد، بمنزلة من صلى وهو صحيح قاعدا. وقياسه الطواف على الصلاة بعيد، لما جاء عن النبي ﵇ من حديث جابر وغيره، «أن رسول الله ﷺ طاف على راحلته» والاستنابة في

стр. 8591

ذلك جائزة إلا أن يعلم أن ذلك خصوص له أو يثبت أنه إنما فعله من عذر على ما روى عكرمة عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته كلما أتى الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى» . [الحج بثمن ولد الزنى] في الحج بثمن ولد الزنى وسئل مالك هل يحج بثمن ولد الزنى؟ قال: أليس من أمته ولدته له من زنى؟ قال: نعم، قال لا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: مذهب مالك ﵀ أنه يجوز أن يحج بثمن ولد الزنى وأن يعتق في الرقاب الواجبة وإن كان الاستحباب عنده غير ذلك. روى أشهب عنه في سماعه من كتاب العتق أنه استحسن ألا يعتق في الرقاب الواجبة وقال: قال الله : ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعمد الرجل إذا أراد أن يعتق أعتق هذا العبد، وإذا أراد أن يتصدق تصدق بهذا الطعام. وإنما منع ذلك من منعه ولم يجزه لما روي عن النبي ﵇ قال: «ولد الزنى شر الثلاثة» وأنه قال: «لا يدخل الجنة ولد زنية» وأنه «سئل ﷺ عن عتق ولد الزنى فقال: لا خير فيه نعلان يعان بهما أحب إلي من عتق ولد الزنى» . وليست

стр. 8592

الأحاديث المذكورة على ظاهرها. فأما قوله ﷺ «ولد الزنى شر الثلاثة» فالمعنى فيه أنه قصد بذلك لرجل بعينه كان يؤذي النبي ﵇ فقال: أما إنه مع ما به ولد الزنى، وقال ﷺ «هو شر الثلاثة» . وقد سئل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن ذلك قال: بل هو خير الثلاثة، قد أعتق عمر بن الخطاب عبيدا من أولاد الزنى، ولو كان خبيثا ما فعل، وهو كما قال، لقول الله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] . وقد قيل: المعنى في ذلك أنه حدث من شر الثلاثة أبوه وأمه والشيطان الذي أغواهما، لا أنه في نفسه شر، والأول أولى، لأن ذلك مروي عن عائشة. وأما قوله: «لا يدخل الجنة ولد زنية» فالمعنى في ذلك من كثر منه الزنى حتى ينسب إليه كما ينسب إلى الشيء من كثر منه وتحقق به، فيقال لمن كثر منه الحذار ابن حذار، ولمن كثر منه السفر ابن سبيل، وللمتحققين بالدنيا بنو الدنيا، ومثل هذا كثير. وعلى هذا يحمل قوله ﷺ في عتق ولد الزنى لا خير فيه، وبالله التوفيق. [تغطية الرجل لحيته في الصلاة] في تغطية الرجل لحيته في الصلاة وسئل مالك عن الرجل يصلي فيغطي لحيته بثوبه، قال ذلك مكروه وشدده لحديث سالم أنه كان يجبذ الثوب جبذا شديدا. قال محمد بن رشد: حديث سالم بن عبد الله هو الحديث الذي رواه عن عبد الرحمن بن المجبر أنه كان يرى سالم بن عبد الله إذا رأى

стр. 8593

الإنسان يغطي فاه وهو يصلي جبذ الثوب عن فيه جبذا شديدا حتى ينزعه عن فيه، فتغطية الأنف والفم في الصلاة مكروه. وأصل الكراهية فيه أنهم كانوا يلثمون ويصلون على تلك الحال فنهوا عن ذلك. روي عن النبي ﵇ أنه قال: «لا يضعن أحدكم ثوبه على أنفه وهو في الصلاة فإن ذلك خطم الشيطان» فرأى مالك ﵀ تغطية اللحية مكروها كتغطية الفم والأنف لقرب ما بينهما. وقال ابن الجهم: إنه كره تغطية الأنف في الصلاة ليباشر الأرض بأنفه عند سجوده كما يباشرها بجبهته، وليس ذلك بتعليل صحيح، لما جاء من النهي عن تغطية الفم في الصلاة وهو مما لا يباشر الأرض، وبالله التوفيق. [رفع اليدين في الدعاء] في رفع اليدين في الدعاء وسئل مالك عن رفع اليدين في الدعاء، فقال: ما يعجبني ذلك. فقيل له: فرفع اليدين في الصلاة عند التكبير؟ فقال: لقد ذكر عن رسول الله ﷺ أنه كان يفعل ذلك إذا كبر وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا ركع، وما هو بالأمر العام، كأنه لم يره من العمل المعمول به، فقيل له: فالإشارة بالأصبع في الصلاة؟ فقال: ذلك حسن. ثم قال على إثر ذلك حجة لتضعيف رفع اليدين في الصلاة أنه قد كان في أول الإسلام أنه من رقد قبل أن يطعم لم يطعم من الليل شيئا، فأنزل لله ﵎: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]

стр. 8594

فأكلوا بعد ذلك. قال محمد بن رشد: كره مالك رفع اليدين في الدعاء، فظاهره خلاف لما في المدونة، لأنه أجاز فيها رفع اليدين في الدعاء في مواضع الدعاء كالاستسقاء وعرفة والمشعر الحرام والمقامين عند الجمرتين على ما في كتاب الصلاة الأول منها، خلاف لما في الحج الأول من أنه لا يرفع يديه في المقامين وعند الجمرتين. ويحتمل أن تتأول هذه الرواية على أنه أراد الدعاء في غير مواطن الدعاء فلا يكون ذلك خلافا لما في المدونة، وهو الأولى، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم شك في طوافه. وأما رفع اليدين عند الإحرام في الصلاة فالمشهور عن مالك أن اليدين ترفع في ذلك، وقد وقع في الحج الأول من المدونة في بعض الروايات أن رفع اليدين في ذلك عنده ضعيف. ووقع له في سماع أبي زيد من كتاب الصلاة إنكار الرفع في ذلك، وإلى هذا ينحو قوله في هذه الرواية، لأنه احتج فيها بما دل أن الرفع أمر قد ترك ونسخ العمل به كما نسخ تحريم الأكل في رمضان بالليل بعد النوم. والصحيح في المذهب إيجاب الرفع في ذلك بالسنة، فهو الذي تواترت به الآثار، وأخذ به جماعة فقهاء الأمصار. وروى ابن وهب وعلي، واللفظ لعلي، أنه سئل عن المرأة أعليها رفع يديها إذا افتتحت الصلاة مثل الرجل، فقال: ما بلغني أن ذلك عليها وأراه يجزئها أن ترفع أدنى من الرجل. وأما رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه فمرة كرهه مالك، وهو مذهبه في المدونة ودليل هذه الرواية وما وقع في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة وحكاية فعل مالك ذلك؛ ومرة استحسنه ورأى تركه واسعا، وهو قول مالك في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب، وروى مثله عنه محمد بن يحيى السمائي؛ ومرة قال: إنه يرفع ولم يذكر في ترك ذلك سعة، وهو قوله في رواية ابن وهب عنه؛ ومرة

стр. 8595

خير بين الأمرين. والأظهر ترك الرفع في ذلك، لأن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر كانا لا يرفعان أيديهما في ذلك وهما رويا الرفع عن النبي ﵇ في ذلك، فلم يكونا ليتركا بعد النبي ﵇ ما رويا عنه إلا وقد قامت الحجة عندهما بتركه. وقد روي أيضا عن النبي ﵇ الرفع عند القيام من الجلسة الوسطى وعند السجود والرفع منه، وذهب إلى ذلك بعض العلماء، ولم يأخذ مالك بذلك ولا اختلف فيه قوله، وبالله التوفيق. [ما ينسب من القول إلى الشيطان] فيما ينسب من القول إلى الشيطان وسمعت يذكر ليس من أحاديث الفقه أنه يقال قال الشيطان لن ينجو مني ابن آدم أن يكسب مالا من غير حقه أو يضعه في غير حقه أو يمنعه من حق. قال محمد بن رشد: لما كان لا يخلص أحد من هذه الثلاثة الأشياء التي يغوي فيها الشيطان ويبوء بما يتم له من أمله بطاعة الناس له فيها، جاز أن يقال على ضرب من المجاز إنه قال ذلك القول وإن لم يصح بأثر ثابت عن النبي ﵇ أنه قاله، لأنه يعلم أنه يقول ذلك في نفسه ويعتقده، فقد يقال فيمن يعلم من أخلاقه الرغبة وقلة الإسعاف وترك المسامحة تألى فلان بأن لا يسامح أحدا في شيء من ماله، أي أنه بمنزلة من حلف على ذلك وإن كان لم يحلف عليه، وبالله التوفيق. [ما بناه أبو الدرداء بحمص] فيما بناه أبو الدرداء بحمص وقال في حديث أبي الدرداء حين بنى بحمص جناحا إنه

стр. 8596

أخرجه منها، قال: أخرجه عمر إلى دمشق أدبا له. قال مالك: والذي أحدث أبو الدرداء إنما أحدث جناحا فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: أما كان لك فيما بنت الروم وفارس ما يكفيك؟. قال محمد بن رشد: عاتبه عمر لما بنى ما لم تكن له به حاجة إليه. وقد مضى هذا المعنى في رسم شك قبل هذا، وبالله التوفيق. [سيرة عمر ﵁ في سيره في أسفاره] في سيرة عمر ﵁ في سيره في أسفاره قال: وسمعت مالكا يذكر أن عمر بن الخطاب كان إذا سافر والأرض مكلية لم يمر بالمناهل كراهية أن يعلف، قال: يرعى في الكل ولا يشتري من المناهل. قال محمد بن رشد: هذا من فعل عمر بن الخطاب ﵁ نظر صحيح، لأنه يحوط بذلك ماله ويحسن إلى إبله، لأن الرعي في الكل أحب إليها من العلف، وقد «أمر رسول الله ﷺ أن ينزل الدواب في السفر منازلها» لترعى الكلأ وأمر أن ينجى عليها بنقيها إذا كانت الأرض مجدبة، وبالله التوفيق. [الذي يرى الدم في ثوبه في الصلاة] في الذي يرى الدم في ثوبه في الصلاة وسئل مالك عن الرجل يصلي فيرى في ثوبه الدم القليل الذي ليس مثله تفسد الصلاة به أن لو فرغ منها، أترى أن ينزع ثوبه في الصلاة أم يصلي كما هو؟ قال: بل أرى أن يصلي كما هو، وأرجو أن

стр. 8597

يكون خفيفا، وذلك حديث القاسم حين نزع قميصه يوم الجمعة والإمام يخطب لدم رأى فيه، ولم يحد لذلك الدم الذي نزع القاسم بن محمد قميصه منه حدا. قال محمد بن رشد: إنما رأى أن يصلي بالثوب الذي رأى به الدم اليسير وهو في الصلاة ولا ينزعه لما في ذلك من الاشتغال بذلك في صلاته، وإن كان الاختيار أن يغسل اليسير من الدم ولا يصلي به. وإنما يختلف إذا رأى في ثوبه وهو في الصلاة دما كثيرا أو نجاسة فقيل: إنه يقطع وإن كان إماما استخلف، وهو المشهور في المذهب؛ وقيل إنه يختلعه إذا كان عليه ثوب غيره ويتمادى على صلاته كما فعل النبي ﵇ في النعل التي أعلم في الصلاة أن فيها نجاسة. قال ذلك ابن القصار، وقد قاله ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية من كتاب الصلاة في الذي يقطر عليه نجس وهو في الصلاة، ولا فرق بين المسألتين في القياس، لأنه قد حصل حامل نجاسة في صلاته، وإن فرق بين المسألتين يحصل في المسألة ثلاثة أقوال: القطع، والخلع، والفرق بين أن يعلم في الصلاة أن في ثوبه نجاسة أو تقطر عليه النجاسة وهو فيها. ولا اختلاف فيما أعلم فيمن علم أن في ثوبه نجاسة والإمام يخطب أنه يخلع ثوبه إن كان عليه ثوب غيره كما فعل القاسم بن محمد. وقد اختلف في قدر الدرهم من الدم فروى علي بن زياد عن مالك أنه يسير، وقال ابن حبيب إنه كثير، وبالله التوفيق. [أرباب العلم هم الذين يعملون بما علموا] في أن أرباب العلم هم الذين يعملون بما علموا قال: وسمعته يذكر أن عبد الله بن سلام قال لكعب الأحبار: من أرباب العلم؟ قال الذين يعملون بعلمهم. قال: فما نفاه من قلوبهم؟ قال: الطمع.

стр. 8598

قال محمد بن رشد: هذا صحيح، لأن من لم يعمل بعلمه لم ينتفع به وكان حجة عليه، فليس من أهله على الحقيقة، إذ هو دون مرتبة الجاهل. وقوله: فما نفاه من قلوبهم، معناه ما نفى انتفاعهم به من قلوبهم بترك استعمالهم، إذ لا ينتفي العلم عن قلوبهم بالطمع، وإنما ينتفي به استعماله، وبالله التوفيق. [كراهة القناع لغير حر أو برد] في كراهة القناع لغير حر أو برد قال مالك: بلغني أن سكينة ابنة حسين أو فاطمة بنت حسين رأت بعض ولدها مقنعا رأسه فقالت له: اكشف عن رأسك، فإن القناع ريبة بالليل مذلة بالنهار. وقال مالك: وأما من تقنع من حر أو برد فلا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لأنه إذا تقنع بالليل استراب منه من لقيه مخافة أن يكون تقنع لسوء يريد أن يفعله من اغتيال أو شبه ذلك، وإذا تقنع بالنهار لم يكرمه من لقيه ولا وفاه حقه ولا عرف منزلته واضطره إلى أضيق الطرق وذلك إخلال به. [عمرو بن العاص أسن من عمر بن الخطاب] في أن عمرو بن العاص أسن من عمر بن الخطاب ﵄. قال: وسمعت مالكا يذكر أن عمرو بن العاص قال: إني لا أعرف الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب، ولقد جئتهم تلك الليلة بسراج أوقدته لأهله وهو يقول ولد للخطاب غلام. قال محمد بن رشد: ليس في هذا أكثر من المعرفة بأن عمرو بن

стр. 8599

العاص أسن من عمر بن الخطاب ﵄ وبالله التوفيق. [صاع النبي ومده ﵇] في صاع النبي ومده ﵇ قال: وسألت مالكا عن صاعه ومده الذي يعطيه الناس أهو صاع النبي ﵇؟ قال: كذلك يقول. قال محمد بن رشد: في هذه المحافظة على صاع النبي ﵇ ومده لما يلزم من معرفة نصاب الزكاة وقدر الكفارات وزكاة الفطر، فالمد زنته رطل وثلث، قيل بالماء وقيل بالوسط من القمح؛ والصاع أربعة أمداد؛ والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية بوزن زماننا الذي هو دخل أربعين ومائة في مائة كيلا خمسة عشر درهما وثلاثة أجزاء من أحد عشر جزءا في الدرهم، وذلك أن الأوقية من الوزن القديم الذي هو دخل مائة وعشرة في مائة كيلا اثنا عشر درهما، وبالله التوفيق. [التكبير عند رمي الجمار] في التكبير عند رمي الجمار وسئل مالك عن التكبير عند رمي الجمرتين الأوليين، قال: نعم، فقيل له أيرفع صوته؟ قال: نعم، ويكبر عند الجمار كلها، وعند الصفا والمروة. قال محمد بن رشد: مثل هذا - في المدونة أنه يكبر عند رمي الجمار، قال فيها مع رمي كل حصاة تكبيرة. وكذلك كان يفعل عبد الله بن عمر. ذكر مالك في موطئه عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يكبر عند رمي الجمرة كلما رمى بحصاة. وإنما قال إنه يرفع صوته بالتكبير، لأن رفع الصوت بالتكبير والتلبية في الحج من شعار الحج. وقد كان عمر بن الخطاب

стр. 8600

يكبر في أيام منى إذا ارتفع النهار ستا وبعد ذلك وإذا زاغت الشمس، فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت، فيعرف أن عمر قد خرج. وقوله: إنه يكبر على الصفا والمروة هو مثل ما قاله في المدونة من أنه استحب للحاج أن يقطع التلبية إذا أخذ الطواف بالبيت حتى يفرغ من السعي بين الصفا والمروة، ثم يعود إلى التلبية حتى يعود من منى إلى عرفة، وبالله التوفيق. [ركوب البحر] في ركوب البحر وقال مالك في حديث عمرو بن العاص حين أشار على عمر بن الخطاب في ركوب البحر قال: دود على عود، إن ضاعوا غرقوا، وإن بقوا فرقوا. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في أول رسم من هذا السماع فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [السجود في المفصل] في السجود في المفصل قال: وحدثني ابن القاسم عن مالك بن أنس أن عمر بن عبد العزيز أمر محمد بن قيس القاضي أن يخرج إلى الناس فيأمرهم أن يسجدوا في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] قال ابن القاسم: سألت مالكا عنه فلم ير العمل به، وهو رأي لا في النافلة ولا غيرها. قال محمد بن رشد: عزائم سجود القرآن عند مالك إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء، فالتي ليست من العزائم عنده آخر الحج، وسجدة والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك. وإنما لم يرها من العزائم لما جاء فيها من الاختلاف، فقد روي أنه ليس في الحج إلا

стр. 8601

سجدة واحدة، وأن رسول الله ﷺ لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة. وذهب ابن وهب إلى أنها كلها من العزائم، وروي ذلك عن مالك، وهو اختيار ابن حبيب. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: عزائم السجود أربعة: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك. وقال بعض العلماء الذي يوجبه النظر أن يسجد من ذلك فيما جاء على سبيل الخبر ولا يسجد من ذلك فيما جاء على سبيل الأمر، لأن ما جاء منها على سبيل الأمر يحمل على السجود الواجب في الصلاة المفروضة. وعلى هذا يأتي مذهب مالك إذا اعتبرته، لأن جميع ما لم ير فيه السجود جاء على سبيل الأمر، وجميع ما رأى فيه السجود جاء على سبيل الخبر. فإن قيل: سجدة إذا السماء انشقت جاءت على سبيل الخبر ولا يسجد فيها عنده. قيل له الوعيد المذكور فيها يقوم مقام الأمر. فإن قيل سجدة حم السجدة على سبيل الأمر ويسجد فيها عنده. قيل له: المعنى فيها الإخبار عن فعل الكفار الذين لا يسجدون لله ويسجدون للشمس والقمر، والنهي عن التشبه بهم في ذلك، لأن الأمر لمجرد السجود لله فيحمل على سجود الصلاة، ويدل على ذلك قوله في آخر الآية: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] لأن المعنى في ذلك فإن استكبر الكفار عن السجود لله، فالذين عنده لا يستكبرون عن ذلك. وقد اختار بعض العلماء السجود عند قوله: وهم لا يسئمون ليكون عند ذكر الإخبار على الأصل الذي ذكرناه.

стр. 8602

[الصلاة في الثوب الواحد] في الصلاة في الثوب الواحد قال: وحدثني عن ابن القاسم عن مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر أن في كتاب رسول الله ﷺ ذكر مالك في موطئه عن هشام بن عروة عن أبيه «عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة واضعا طرفيه على عاتقيه» يريد مخالفا بينهما: طرف ثوبه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرف ثوبه الأيسر على عاتقه الأيمن، فإن كان الثوب قصيرا اتزر به على ما ذكره مالك في موطئه أنه بلغه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يجد ثوبين فليصل في ثوب أحد ملتحفا فإن كان الثوب قصيرا فليتزر به» وبالله التوفيق. [السلام على النبي ﵇] في السلام على النبي ﵇ وسئل مالك عن السلام على النبي ﵇ فقال: إذا دخل وخرج وفيما بين ذلك، يريد في الأيام. قال محمد بن رشد: قوله إذا دخل وخرج معناه إذا دخل في مسجد النبي ﵇ وإذا خرج منه، لأن المعنى فيما سئل عنه مالك من كيفية السلام على النبي ﵇ إنما هو كيف يسلم عليه من زاره للسلام عليه، وبالله التوفيق.

стр. 8603

[من قال هلك الناس فهو أهلكهم] فيما جاء من أن من قال هلك الناس فهو أهلكهم قال مالك في تفسير حديث النبي ﵇: «إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم» قال فهو أقساهم وهو أرداهم. قال محمد بن رشد: تفسير مالك للحديث صحيح، ومعناه عند أهل العلم جميعا إذا قال ذلك احتقارا لمن في زمنه وإزراء عليهم بنفسه. وأما إذا قال ذلك تحزنا على فقد الخيار من الناس وخوفا على من بقي منهم لقلة الخير فيهم فليس ممن عني بالحديث. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: لن يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس كلهم في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا. [قسمة قريظة والنضير] في قسمة قريظة والنضير قال مالك: قسمت قريظة بالسهمان، فأما النضير فإنها صافية لرسول الله ﷺ فقسمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار: سهل بن حنيف، وسماك بن خرشة، والحارث بن الصمة. قال: وسمعت مالكا يقول: «قال رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ حين حكم على بني قريظة: لقد حكمت فيهم بحكم الله» . قال محمد بن رشد: قد مضى القول في قريظة والنضير في رسم نذر سنة فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

стр. 8604

[أول من جعل قاضيا بالمدينة] في أن عمر بن عبد العزيز أول من جعل قاضيا بالمدينة قال: وسمعت مالكا قال: أول قاض كان بالمدينة إنما جعله عمر بن عبد العزيز، ولم يكن بها قبل ذلك قاض. قال محمد بن رشد: يريد أن الخلفاء وأمراءهم فيها كانوا هم الذين يقضون بين الناس، وبالله التوفيق. [الجمع بين الصلاتين في السفر] في الجمع بين الصلاتين في السفر. وسئل مالك عن القوم في السفر يرتحل بهم بعد الزوال، أترى أن يجمعوا الصلاتين الظهر والعصر؟ قال: لا أرى ذلك لهم، وكره أن يجمعوا تلك الساعة. قال ابن القاسم: قد قال قبل ذلك لا بأس به إذا عجل السير به، وهو رأيي، وذكره عن النبي ﵇. قال ابن القاسم: وأحب ما فيه إلي، وذلك الذي سمعت من مالك أن يجمع المسافر في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، وإن جمع بعد الزوال أجزأ ذلك عنه، لأن النبي ﷺ قد فعله. قال محمد بن رشد: قوله في الذي يرتحل بعد الزوال من المنهل إنه لا يجمع تلك الساعة وكرهه، يريد وإن جد به السير، بدليل قوله: وقد قال قبل لا بأس به إذا عجل به السير. والمشهور المعلوم أن ذلك جائز وإن لم يجد به السير، فهي ثلاثة أقوال. وأما جمع المسافر في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر فذلك جائز إن جد به السير، وقيل: إن ذلك جائز له وإن لم يجد به السير.

стр. 8605

[تفسير قول الله إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس] في تفسير قول الله : ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ [المجادلة: ١١] قال مالك في هذه الآية ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] قيل له: أهي هذه المجالس؟ قال: نعم، ومجلس النبي ﵊. قال محمد بن رشد: قد قيل في تأويل الآية إنها في القتال، كان الرسول ﷺ يكون مستقبل العدو، فكانوا يرجون الشهادة فكان يجيء الرجل يرجو الشهادة فيقول: افسحوا فلا يوسعون له ويرجون مثل الذي يرجو، فأنزل الله الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] ، يقول: إذا قيل انهضوا لقتال عدوكم فانهضوا، يبين هذا قوله : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] والمقاعد هي المجالس، وهذا تفسير الحسن. وقال غيره المراد بالمجلس في قوله : ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ [المجادلة: ١١] مجلس النبي ﷺ ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] معناه وإذا قيل ارتفعوا إلى الصلاة أو إلى ما سواها من الخير فانشزوا أي فارتفعوا. والذي ذهب إله مالك في هذه الرواية من أن المراد بالمجلس في الآية مجلس النبي ﵇ وسائر مجالس الخير والذكر أولى، لأن الألف واللام في قوله في المجلس قد تكون للعهد، وهو أن يكون جرى في مجلس النبي ﵇ من ترك التوسع فيه لمن جاء إليه سببا نزلت الآية من أجله، وقد تكون لاستغراق الجنس فإذا لم يثبت السبب وجب أن يحمل على استغراق الجنس، ولو ثبت السبب لوجب أن

стр. 8606

تحمل الآية على استغراق الجنس لوجود معنى السبب في غير مجالس النبي ﵇ وهو يقع على من يريد من المجلس مثل ما أراد أهله منه بالتوسيع له فيه. وقد تشرع الشرائع لمعان فتبقى الشرائع مع ارتفاع المعاني، من ذلك زكاة الفطر، وغسل الجمعة، والرمل في الطواف فكيف بما كان المعنى موجودا فيه؛ فلا اختلاف في وجوب التوسع في مجالس الخير والذكر إلى يوم القيامة، وإنما يرجع الاختلاف إلى هل وجب ذلك بتناول لفظ الآية له أو بالقياس على ما يتناول لفظها، وبالله التوفيق. [تحدث المشركون في يوم أحد من أن النبي ﵇ قتل] فيما تحدث المشركون في يوم أحد من أن النبي ﵇ قتل وقال في حديث أبي سفيان لعمر بن الخطاب يوم أحد: ناشدتك الله أقتل محمد؟ قال لا، قال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة. قال ابن القاسم: فاختلف الناس فيما نال ﵇ في كسر رباعيته وما أصيب به في وجهه، فقال بعض الناس: أصابه بذلك عتبة ابن أبي وقاص، وقال بعضهم: أصابه ابن قميئة. قال محمد بن رشد: لما غزا كفار قريش النبي ﵇ بالمدينة، وقد استمدوا بحلفائهم والأحابيش من بني كنانة، وخرجوا بنسائهم لئلا يفروا عنهن ونزلوا قرب أحد على شفير الوادي مقابل المدينة، رأى رسول الله ﷺ في منامه أن في سيفه ثلمة وأن بقرا له تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة، فأشار على أصحابه ألا

стр. 8607

يخرجوا إليهم وأن يتحصنوا بالمدينة، فإن قربوا منها قوتلوا على أفواه الأزقة، ووافق رسول الله ﷺ على هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول، وأبى أكثر الأنصار إلا الخروج إليهم ليكرم الله من شاء منهم بالشهادة. فلما رأى رسول الله ﷺ عزيمتهم دخل بيته فلبس لامته وخرج، فندم قوم ممن كان ألح على رسول الله ﷺ في الخروج وقالوا: يا رسول الله إن شئت فارجع، فقال رسول الله ﷺ «ما كان لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل» فخرج رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد، فجعل ظهره إلى أحد ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة والمشركون في ثلاثة آلاف منهم مائتا فارس. فأمر رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير ورتبهم خلف الجيش وأمره أن ينضح المشركين لئلا يأتوا من ورائهم. وظاهر ﷺ يومئذ بين درعين وقاتل الناس قتالا شديدا ببصائر ثابتة، فانهزم المشركون واستمرت الهزيمة عليهم، فلما رأى ذلك الرماة قالوا: قد هزم أعداء الله فما لقعودنا هاهنا معنى، فذكر أميرهم عبد الله بن جبير أمر رسول الله ﷺ إياهم أن لا يزولوا، فلم يلتفتوا إلى قوله وقاموا ثم كر المشركون فتولى المسلمون وثبت من أكرمه الله بالشهادة، ووصل إلى رسول الله ﷺ فقاتل دونه مصعب بن عمير حتى قتل ﵁ وجرح رسول الله ﷺ في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة رأسه، ﷺ وجازاه عن أمته أفضل ما جزى به نبيا من

стр. 8608

أنبيائه عن صبره. وكان الذي تولى منه ذلك عمرو بن قميئة، وعتبة بن أبي وقاص. وقد قيل إن عبد الله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم ابن شهاب هو الذي شج رسول الله ﷺ في جبهته، وأكتب الحجارة على رسول الله ﷺ حتى سقط في حفرة. وكان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخر ﵇ على جنبه، فأخذ علي بيده واحتضنه طلحة حتى قام، فتحدث المشركون أنه قتل، وزعم ذلك عمرو بن قميئة، ولذلك سأل أبو سفيان عمر بن الخطاب عن ذلك على ما جاء في هذه الرواية، وبالله التوفيق. [الصلاة في سقائف مكة فرارا من حر الشمس] في الصلاة في سقائف مكة فرارا من حر الشمس وسئل مالك عن الرجل يصلي في السقائف بمكة من الشمس وبينه وبين الناس فرج، قال: أرجو أن يكون ذلك واسعا، وليس كل الناس سواء، وحر مكة شديد. وقد وضع عمر بن الخطاب ثوبه فسجد عليه من شدة الحر، فقيل له فإن رجلا يطيق أن يصلي في الشمس ويحمل ذلك أترى أن يتقدم؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: خفف مالك للرجل أن يصلي وحده في السقائف ويترك التقدم إلى الفرج التي في صفوف الناس لموضع الضرورة، ولو فعل ذلك من غير ضرورة لكان قد أساء وصلاته تامة على المشهور من قول مالك. وقد روى ابن وهب أن من صلى خلف الصفوف وحده أعاد أبدا، وذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم لما جاء في ذلك عن النبي ﵇ مما قد ذكرناه في أول رسم شك في طوافه في هذا السماع من كتاب الصلاة. ولو كان معه في السقائف غيره لم يكن منفردا فيها وحده لكانت صلاته جائزة بإجماع، وكلما كثر عدد القوم الذين يكونون معه في السقائف

стр. 8609

كانت الكراهية له معهم في الصلاة وترك التقدم إلى الفرج التي في الصفوف أخف. فقد روى أشهب عن مالك في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة أنه سئل عمن دخل من باب المسجد فوجد الناس ركوعا وعند باب المسجد ناس يصلون ركوعا وبين يديه الفرج أيركع مع هؤلاء الذين عند باب المسجد أم يتقدم إلى الفرج؟ قال: أرى أن يركع مع هؤلاء الذين عند باب المسجد فيدرك الركعة، إلا أن يكونوا قليلا فلا أرى أن يركع معهم، ويتقدم إلى الفرج أحب إلي. وأما إذا كانوا كثيرا فأرى أن يركع معهم. ففي هذا دليل على ما قلناه. وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع في كتاب الصلاة. والصلاة في السقائف بصلاة الإمام فرارا من الحر بخلاف الطواف فيها فرارا من الحر. قال ابن القاسم في المدونة يعيد الطواف إن طاف فرارا من الحر، فإن طاف فيها فرارا من زحام الناس فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق. [يطلق الأمة ثلاثا ثم يشتريها] في الذي يطلق الأمة ثلاثا ثم يشتريها هل تحل له بملك يمينه؟ قال مالك في حديث زيد بن ثابت في الذي يطلق الأمة البتة واشتراها إنها لا تحل له، قال: فقد سئل عن ذلك غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، فكلهم يقول: لا تحل له. قال محمد بن رشد: هذا هو مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه أن ما حرم بالنكاح حرم بالملك، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وإسحاق وأحمد. وقال ابن عباس وطاووس والحسن: إذا اشتراها الذي بت طلاقها حلت له بملك اليمين، لقول الله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]

стр. 8610

وهو بعيد. قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ليس على عمومه، فكما تخصص من ذلك. ذوات المحارم من النسب والرضاع فكذلك تخصص من ذلك المحرمات بالطلاق ثلاثا إلا بعد زوج، لقوله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . واختلف الصحابة ومن بعدهم هل تحل لزوجها الذي طلقها ثلاثا بوطء سيدها إياها. روي أن عثمان بن عفان سئل عن ذلك وعنده علي وزيد بن ثابت، [فرخص في ذلك عثمان وزيد بن ثابت] قالا هو زوج، فقام علي مغضبا كارها لما قال، وقال: ليس بزوج، وهو قول عبيدة، ومسروق، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبي الزناد؛ وعليه جماعة فقهاء الأمصار. وروي عن الزبير بن العوام مثل قول زيد بن ثابت إن وطء السيد إياها يحلها لزوجها الذي بت طلاقها إذا وطئها وطئا لم يرد به مخادعة ولا إحلالا. وقال عطاء: إن اشتراها الزوج فوطئها ثم أعتقها جاز له نكاحها. وروي مثل هذا عن زيد بن ثابت، وروي عنه من وجوه أنها لا تحل حتى تنكح زوجا غيره، وهو الصحيح عنه. وبالله التوفيق. [سيرة معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري في قراءة القرآن] في سيرة معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري في قراءة القرآن وفضل معاذ بن جبل قال مالك: بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل وعبد الله بن قيس وهو أبو موسى، فقال معاذ لأبي موسى: ما فعلت بالقرآن؟ قال مالك: أراهم شغلوا بتعليم الناس، فقال أبو

стр. 8611

موسى: أما أنا فأتفوق القرآن تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا، فقال معاذ أما أنا فأنام أول الليل وأقوم أخره وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. قال: وسمعت مالكا يقول: بلغني أن معاذ ابن جبل إمام العلماء بربوه. قال محمد بن رشد: في فعل أبي موسى جواز قراءة القرآن في الأسواق والطرق، وقد اختلف في ذلك قول مالك، فكرهه في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وحكى ابن حبيب عنه من رواية مطرف إجازة ذلك واحتج بقول أبي موسى: فأما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا وعلى كل حال. ويدل على جواز هذا أيضا ما وقع في الموطأ عن عمر بن الخطاب أنه كان في قوم وهم يقرؤون القرآن فذهب لحاجته ثم رجع وهو يقرأ القرآن الحديث ". والكراهة في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها تنزيه القرآن وتعظيمه بأن لا يقرأ في الطرق والأسواق لما قد يكون فيها من الأقذار والنجاسات، والثاني أنه إذا قرأه على هذه الحال لم يتدبره حق التدبر، والثالث أن يخشى ما يدخله في ذلك مما يفسد نيته، وهو الذي يدل عليه استدلال مالك لذلك في هذا الرسم من كتاب الصلاة، لقول الله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وبالله التوفيق.

стр. 8612

[السفر في طلب العلم] في السفر في طلب العلم قال مالك: وقد كان الرجل يقدم من البلد إلى البلد يسأل عن علم القضاء. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن العلم لا يحصل إلا بالعناية والملازمة والبحث والنصب، والصبر على الطلب، كما حكى الله عن موسى ﵇ أنه قال للخضر ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] وأنه قال لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] . وقال سعيد بن المسيب إن كنت لأرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي، وبذلك ساد أهل عصره، وكان يسمى سيد التابعين. وقد قال رسول الله ﷺ : «من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» وبالله التوفيق لا شريك له. [كراهية أن يقال الزيارة في البيت الحرام وفي قبر النبي] في كراهية أن يقال الزيارة في البيت الحرام وفي قبر النبي ﵇ قال مالك: أكره أن يقال: الزيارة لزيارة البيت، وأكره ما يقول الناس زرت النبي ﵇ وأعظم ذلك أن يكون النبي ﵇ يزار.

стр. 8613

قال محمد بن رشد: ما كره مالك هذا، والله أعلم، إلا من وجه أن كلمة أعلى من كلمة. فلما كانت. الزيارة تستعمل في الموتى. وقد وقع فيها من الكراهة ما وقع كره أن يذكر مثل هذه العبارة في النبي ﵇، كما كره أن يقال أيام التشريق واستحب أن يقال الأيام المعدودات كما قال الله ، وكما يكره أن يقال العتمة ويقال العشاء الآخرة، ونحو هذا؛ وكذلك طواف الزيارة كما استحب أن يسمى بالإفاضة كما قال الله في كتابه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] فاستحب أن يشتق له الاسم من هذا. وقيل: إنه إنما كره لفظ الزيارة في الطواف في البيت والمضي إلى قبر النبي ﵇ لما للزائر من الفضل على المزور في صلته بزيارته إياه، ولا يمضي أحد إلى قبر النبي ﵇ ليصله بذلك ولا لينفعه، وكذلك الطواف بالبيت، وإنما يفعل ذلك تأدية لما يلزمه من فعله ورغبة في الثواب على ذلك من عند الله ، وبالله التوفيق. [وسم الدواب والغنم في وجوهها] في كراهة وسم الدواب والغنم في وجوهها قال مالك: لا بأس بالوسم للحمير والبغال إذا لم يكن في الوجه، فإنه يكره أن يوسم في الوجه. قيل له: فالغنم في الأذن؟ قال: إنه يكره أن يوسم في الوجه. قال ابن القاسم: وقد قال مالك قبل ذلك لا بأس به في الأذن. قال محمد بن رشد: كره مالك أن توسم الدواب والإبل والبقر في وجوهها لنهي النبي ﵇ عن المثلة، ولم ير به بأسا فيما عدا وجوهها من أجسادها. ولما لم يكن إلى وسم الغنم في أجسادها سبيل من،

стр. 8614

أجل أن الشعر يغشاها فتغيب السمة أجاز أن توسم في آذانها للحاجة إلى سماتها، والمعنى في هذا بين. [تفسير الصلاة الوسطى] في تفسير الصلاة الوسطى وسئل مالك عن تفسير هذه الآية فيما كانت تكتب عائشة وحفصة: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، أهي صلاة العصر أو غير صلاة العصر؟ قال: بل هي غير صلاة العصر. قال محمد بن رشد: فيما جاء عن عائشة وحفصة من أن كل واحدة منهما أملت على كاتب مصحفها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر - بالواو على العطف - دليل واضح في أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر كما قال مالك، والذي ذهب إليه أنها الصبح، ودليله عن ذلك أن قبلها صلاتين من الليل مشتركتي الوقت وبعدها صلاتين من النهار مشتركتي الوقت، وهي واسطة فيما بين ذلك منفردة بوقتها لا يشركها فيه غيرها من الصلوات؛ وأيضا فإنها صلاة يضيعها الناس كثيرا لنومهم عنها وعجزهم عن القيام إليها، فخصت بالتأكيد لهذه العلة. وقد قيل إنها العصر، وهو قول أكثر أهل العلم. والحجة لهم ما روي من قول رسول الله ﷺ يوم الخندق: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم نارا» كما قال ﷺ ، وهي الصلاة التي فتن عنها نبي الله سليمان بن داوود ﵉ حتى توارت الشمس

стр. 8615

بالحجاب، قال الله : ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] إلى قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] وقال من ذهب إلى هذا في قراءة عائشة وحفصة: وصلاة العصر - بالواو - إن معنى ذلك وهي صلاة العصر، كقول الله : ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وقد روي عنها والصلاة الوسطى صلاة العصر - بغير واو - على البدل. وقد قيل إنها الظهر بدليل أنها تصلى في وسط النهار، وليس ذلك بصحيح، لأن لفظ وسطى إنما يحتمل أحد معنيين: إما موسطة بين أخواتها من الصلوات، وإما فاضلة، من قولهم كان فلان وسط القوم أي أفضلهم. قال الله : ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي خيارا عدولا. وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي أعدلهم وأفضلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] . وقيل: إنها المغرب بدليل أنها ثلاث ركعات لا نظير لها من الصلوات. وقيل: إنها الجمعة. ورأيت لبعض العلماء أنها العتمة فيما أظن، وهذا كله، والله أعلم، على أن الله خصها بالذكر وأبهمها ليكون ذلك سببا للمحافظة عليها كلها كليلة القدر، وبالله التوفيق.
следующие страницы →