Полный текст (9 112 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.
стр. 9066
وتمتهن. والصواب أن لا فرق في ذلك بين ما يبقى أو يبلى فلا يبقى مما هو تمثال مجسد له ظل قائم يشبه الحيوان الحي بكونه على هيئته. وإنما استخفت الرقوم في الثياب من أجل أنها ليست بتماثيل مجسدة لها ظل قائم يشبه الحيوان في أنها مجسدة على هيئتها، وإنما هي رسوم لا أجساد لها، ولا يحيى في العادة ما كان على هيئتها. فالمحظور ما كان على هيئة ما يحيى ويكون له روح، بدليل قوله في الحديث: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم» . والمستخف ما كان بخلاف ذلك مما لا يحيى في العادة ما كان على هيئته، فالمستخف من هذه اللعب المصورة للعب الجواري بها، لما جاء من أن عائشة ﵂ كانت تلعب بها بعلم رسول الله- ﷺ فلا ينكر ذلك عليها، بل كان يسرب الجواري إليها ما كان مشبها بالصورة وليس بكامل التصوير، وكلما قل الشبه قوي الجواز، وكل ما جاز اللعب به جاز عمله وبيعه على ما قاله في الرواية، وبالله التوفيق.
[يمر بالحائط أو بالجنان أيأخذ من ثمره]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد بن أبي الغمر: سئل ابن القاسم عن الرجل يمر بالحائط أو بالجنان أيأخذ من ثمره؟ قال: لا يصلح أن يأخذ من ثمره. قيل له: فإن وجده في أصل الحائط قد سقط؟ قال وإن كان قد سقط. قال رسول الله ﷺ : «لا يحلب أحد ماشية أخيه إلا بإذنه» .
стр. 9067
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم فأغنى ذلك عن إعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.
[سلخ الشاه الميتة]
في سلخ الشاه الميتة قال ابن القاسم في الميتة تموت هل يحل للمسلم أن يبطش بها فيسلخها لينتفع بإهابها أم لا ينبغي للمسلم أن يمس الميتة؟ قال لا بأس أن يسلخ المسلم الميتة، ولا يصل إلى الانتفاع بها إلا بسلخها، وليطهر كل ما أصابه منها.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن رسول الله- ﷺ قال في الميتة: ألا انتفعتم بجلدها، ولا سبيل إلى الانتفاع بجلدها إلا بسلخه عنها، وبالله التوفيق.
[الانتفاع بجلد الميتة]
في وجه الانتفاع بجلد الميتة وسئل عن جلد الميتة هل ينتفع به من غير دباغ للجام أو غير ذلك أم لا ينتفع به من غير دباغ كيف ذلك؟ قال قال مالك: ترك ذلك أحب إلي. قال ابن القاسم: لا ينتفع به حتى يدبغ.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن جلد الميتة قبل الدباغ نجس لا تجوز الصلاة به ولا عليه. واختلف في جواز بيعه والانتفاع به على
стр. 9068
ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به، وهو مذهب ابن الماجشون والمعلوم من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؟
والثاني: أنه يجوز بيعه والانتفاع به، وهو مذهب ابن وهب، ويقوم مثله من رواية ابن القاسم عن مالك في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من كتاب الصلاة في مسألة الصابون؟
والثالث: أنه لا يجوز بيعه ويجوز الانتفاع به، وهو دليل قوله في هذه الرواية: ترك ذلك أحب إلي. ولا اختلاف في جواز الانتفاع به بعد الدباغ. واختلف هل يطهر بالدباغ أم لا على قولين: فذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه أنه لا يطهر بالدباغ إلا للانتفاع به خاصة، وقد رويت عن النبي- ﷺ في هذه آثار متعارضة في الظاهر، منها أنه: «أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت؛» ومنها أنه قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» ومنها أنه: «أمر ألا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب» . فلم يحملها مالك ﵀ في رواية ابن القاسم عنه على التعارض، وجعل ما روي عنه من أنه أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت مفسرا للحديثين الآخرين فقال: فمعنى قوله ﷺ : «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» أي طهر للانتفاع به، وقوله: إنه أمر ألا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، معناه قبل الدباغ. هذا تأويل شيخنا الفقيه ابن رزق - رحمه لله- على مالك في هذه الأحاديث. وقال ابن لبابة: بل أخذ مالك بحديث عائشة أن رسول الله ﷺ : «أمر أن ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت» وأسقط الحديثين الآخرين فلم يأخذ بهما. وقول الفقيه أبي جعفر أولى؛ لأن حمل الأحاديث بالتأويل على أن بعضها مفسر لبعض واستعمالها كلها أولى من حملها على
стр. 9069
التعارض وإسقاط بعضها. وأكثر أهل العلم يقولون: إن جلد الميتة يطهر بالدباغ طهارة كاملة، يجوز بها بيعه والصلاة بها عليه، وهو قول ابن وهب من أصحابنا في سماع عبد الملك من كتاب الصلاة. وفي المدونة دليل على هذا القول، وروى مثله أشهب عن مالك في كتاب الضحايا في جلود الأنعام خاصة. وقد اختلف في جلد الخنزير فقيل: إنه لا يطهره الدباغ، وقيل: إنه يطهره لعموم الحديث. وقد قال النضر بن شميل من أهل اللغة: إن الإهاب إنما هو جلد الأنعام خاصة، وما سواه من جلود الحيوان إنما يقال له جلد ولا يقال له إهاب. وقال أحمد بن حنبل: لا أعرف ما قال النضر، وبالله التوفيق.
[الصلاة على النبي ﷺ عند العطاس والعجب بالشيء]
في الصلاة على النبي ﷺ عند العطاس والعجب بالشيء
وسئل عن الذي يرى الشيء يعجبه أو يعطس فيحمد الله ، أيكره له أن يصلي على النبي ﷺ ؟ قال: لا، أنا آمره أن لا يصلي على النبي، إذا أقول له لا تذكر الله. قيل له: إنه يذكر في ذلك حديث، قال ما أكثر ما تحدث به، كأنه لا يرى ذلك الحديث بشيء.
قال محمد بن رشد: قد أمر الله بالصلاة على النبي- ﷺ فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، فالصلاة على النبي- ﷺ على الوجه الذي أمر الله به من التعظيم لحقه والرغبة في
стр. 9070
الثواب في الصلاة عليه عند ذكره أو ذكر شيء من أمره مرغب فيه ومندوب إليه. وأما الصلاة عليه عند العجب بالشيء للتعجيب به دون القصد إلى اكتساب الثواب في ذلك فهو مكروه، قاله سحنون في رسم يدبر ماله من سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين. وأما الصلاة عليه مع حمد الله عند العطاس فيحتمل أن يكون الفاعل بذلك لم يرد به القربة ولا احتسب فيه الثواب ولا قصد به إلى تعظيم حق النبي- ﷺ فيكون ذلك من فعله مكروها؛ ويحتمل أن يكون لما عطس فحمد الله تذكر سنة النبي ﷺ في أمر العاطس بحمد الله عند عطاسه وصلى عليه داعيا له على ما سنه من ذلك لأمته، فيكون ذلك من فعله حسنا مستحسنا. ولما احتمل صلاته على النبي- ﷺ في هذه الحال وجها صحيحا توقف في الرواية أن يقول: إنه يكره ذلك وقال: إن قلت ذلك كنت قد أمرته أن لا يصلي على النبي ﷺ ، وبالله التوفيق.
[يرث المال عن أبيه بعضه حلال وبعضه حرام وقد اختلط الحلال بالحرام]
من نوازل سحنون وسئل سحنون عن الذي يرث المال عن أبيه بعضه حلال وبعضه حرام وقد اختلط الحلال بالحرام، أترى له أخذه؟ فقال: أيهما الأكثر والغالب؟ فقيل له الحرام، فقال أحب إلي أن يتنزه عنه. فقيل له: فالرجل يكون له المال قد ورثه عن أبيه من القرى والحوانيت وغير ذلك، وهو ممن يصحب السلطان ويلتبس بأمورهم ويأخذ من الجورة، هل يجوز أن أقبل منه صلة إن وصلني، أو أكل له طعاما؟ قال: إن كان الذي في يده من السلطان هو الأكثر فلا خير فيه، وأحب إلي أن ينزه نفسه عن أخذ صلته وإن كان الذي ورث أكثر إذا كان صاحب سلطان.
стр. 9071
قال محمد بن رشد: قال في الذي ورث المال عن أبيه بعضه حلال وبعضه حرام إنه إن كان الغالب عليه الحرام فأحب إليه أن يتنزه عن ذلك يدل ذلك من قوله: على أنه له حلال بالميراث وإن كان الغالب عليه الحرام، إلا أنه استحب له أن يتنزه عنه، وأنه إن كان الغالب عليه الحلال فهو له سائغ حلال ليس عليه أن يتنزه عن شيء منه. وقال في الذي يرث المال عن أبيه إنه إن كان يصحب السلطان ويلتبس بأمورهم ويأخذ من الجورة، فإنه إن كان الذي في يده من السلطان هو الأكثر فلا خير في قبول صلته ولا أكل طعامه، وإن كان الذي ورث هو الأكثر فأحب إليه أن يتنزه عن أخذ صلته وأكل طعامه؟ ففرق بين المال الذي جله حرام أو جله حلال بين الهبة والميراث، فأباحه بالميراث إلا أنه استحب أن يتنزه عنه إن كان جله حراما، ولم يبحه بالهبة والعطية إذا كان جله حراما، وقال لا خير فيه، واستحب أن يتنزه عن قبول الهبة منه إن كان جله حلالا. والقياس أن ينزل الوارث في المال الموروث منزلة الموروث، فإن كان المال كله حراما لم يسغ له بالميراث ولزمه فيه ما كان يلزم موروثه من الصدقة على المساكين بجميعه؛ وإن كان بعضه حراما تصدق منه بمقدار الحرام، كان الأقل أو الأكثر، كما كان يلزم الذي ورثه عنه أن يفعله. وقد قيل إنه يجوز قبول هبة المستغرق الذمة بالحرام وأكل طعامه. فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المستغرق الذمة بالحرام لا يجوز قبول عطيته ولا أكل طعامه ولا يسوغ لوارثه ميراثه.
والثاني: أن المستغرق الذمة بالحرام يجوز قبول هبته وأكل طعامه ويسوغ لوارثه ميراثه.
والثالث: أن المستغرق الذمة بالحرام لا يجوز قبول هبته ولا أكل طعامه، ويسوغ لوارثه ميراثه.
وجه القول الأول أن ما عليه من الظلامات والتباعات لما كانت مستغرقة لما بيده من المال كان كمن أحاطت الديون بماله، لا تجوز هبته ولا عطيته ولا معروفه، ولا يسوغ لوارثه ميراثه، لكون ما عليه من التباعات أولى بماله،
стр. 9072
لأنها كالديون عليه، وقال الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] .
ووجه القول الثاني: أن ما عليه من الظلامات والتباعات وإن كانت مستغرقة لماله فليست متعينة فيه، إذ قد ترتبت في ذمته، فساغت عطاياه لمن أعطاه إياها وساغ ماله لوارثه، وكان هو المسئول المؤاخذ بما عليه من المظالم والتباعات إذ لم يؤدها أو لم يتمح منها في حياته.
ووجه القول الثالث أن ما عليه من المظالم والتباعات [أحق بماله؛ لأنه مأمور بردها منه عاص لله في ترك] ذلك وتأخيره، فلا يجوز له فيه عطية ولا معروف، ولا يسوغ ذلك للمعطي. فإذا لم يفعل ذلك حتى مات بقيت عليه التباعات يطلب بها في الآخرة، وساغ ماله لوارثه، إذ ليست التباعات التي عليه ديونا لمعينين يطلبونها فيجب إخراجها من ماله قبل الميراث. وقد أفردنا للتكلم على حكم مال من خالط الحرام ماله في حياته وبعد وفاته مسألة حاوية لجميع وجوهها، فمن أراد الشفاء منها في نفسه طالعها، وبالله التوفيق.
[سبب سكنى اليهود الحجاز]
في سبب سكنى اليهود الحجاز
قال مالك: لم تكن اليهود تسكن الحجاز ولم تكن لهم دار إلا أنهم كانوا يجدون عندهم أن الله يبعث نبيا من بين حرتين، فاتخذوا الحجاز دارا رجاء أن يكون منهم، فأخلف الله ظنهم في أنفسهم، وبعثه من غيرهم، صلوات الله وسلامه على محمد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، وبالله التوفيق.
стр. 9073
[ما يرتفع به القوم]
فيما يرتفع به القوم قال سحنون: بلغني أن عروة بن الزبير قال لبنيه: يا بني إنه لم يرتفع قوم بمثل تقوى الله العظيم، ويرفع القوم مناكحهم، ولن يتضع قوم بمثل معاصي الله، وتضع القوم مناكحهم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، قال الله : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] . ومثل هذا في القرآن كثير. وقال عمر بن الخطاب: كرم المرء تقواه، ودينه حسبه. وإذا كان التقى يرفع، فالمعاصي لا شك تضع، والمناكح أيضا ترفع وتضع، قال عروة بن الزبير؛ لأن الرجل إذا نكح إلى من هو أشرف منه تشرف بهم، وإذا نكح إلى أهل الضعة كان ذلك وصمة فيه تضع عند الناس منه، وبالله التوفيق.
[النفقة من المال الحرام]
في النفقة من المال الحرام قال سحنون: وبلغني عن عبد الله بن عامر بن كريز أنه قال لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، أما لنا أجر في هذه المياه التي أجرينا والعقاب التي سهلنا؟ فقال له ابن عمر: أما علمت أن خبيثا لن يكفر خبيثا.
قال وبلغني أن عائشة أم المؤمنين مرت بموضع بناحية منى يقال له الياقوتة فقالت: ما هذا؟ فقيل لها هذه الياقوتة بناها
стр. 9074
عبد الله بن عامر، قالت: [من أين؟] فإني والله لأعرفه صعلوكا، فقيل لها: فإن عثمان بن عفان ولاه اليمن أو بعض النواحي، فقالت؛ لا تسرق ولا تنفق في مثل هذا.
قال وبلغني أن عبد الله بن عمر عاد عبد الله بن عامر مع جماعة، فلما خف الناس قال له: يا أبا عبد الرحمن، ما ترى في هذه المياه التي أجريناها، والوعر الذي سهلنا؟ فقال له عبد الله بن عمر: سترد فتعلم، إن طابت المكسبة زكت النفقة.
وكان آدم يقول: كنا نسلا من نسل السماء، غير أن الخطيئة سبتنا، فليس لنا الفرح إلا الهم والحزن حتى نرجع إلى الدار التي منها سبينا.
قال محمد بن رشد: عبد الله بن عامر بن كريز هذا قرشي من بني عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابن خال عثمان بن عفان، فعثمان بن عفان ابن عمته. ولد في حياة النبي ﷺ وأتي به إليه، فجعل يتفل عليه ويعوذه، فتسوغ ريق رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ إنه لمسقي، فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء. حدث عنه عن النبي ﷺ ولم يصح له سماع منه. قال ذلك ابن عبد البر. وكان عبد الله هذا كريما ميمون النقيبة كثير المنافق، فتح خراسان، وقتل كسرى في ولايته، وأحرم من نيسابور شكرا لله. وهو الذي عمل السقايات بعرفة، وشق نهر البصرة، وكان واليا عليها لعثمان إلى
стр. 9075
أن قتل عثمان ﵁. وقول عبد الله بن عمر له فيما سأله عنه: أما علمت أن خبيثا لن يكفر خبيثا، معناه أن المال الخبيث وهو المأخوذ من غير حله إذا فعل الخير من بعضه لا يطيب له ذلك باقيه، وإنما يُطَيِّبُ له المالَ الخبيثَ المالُ الطيبُ، وذلك مثل أن يرث مقدار المال الخبيث أو يوهب له أو يتصدق به عليه فيتصدق به على المساكين تمحيا عن المال الخبيث الذي لا يعلم أهله، فيطيبه ذلك. وكذلك إن لم يتصدق به على المساكين وصرفه في وجه من وجوه البر، كتسهيل العقاب وإجراء المياه على القول بأن حكم المال المأخوذ من غير حله المجهول أهله حكمه حكم الفيء لا حكم الصدقة.
وقوله في سؤاله الآخر: إن طابت المكسبة زكت النفقة، أخذه، والله أعلم، من قول النبي ﷺ : من «تصدق بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا، كان إنما يضع صدقته في كف الرحمن» الحديث. وقد قيل في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، إن المراد بطيبات ما كسبتم التجارات والحلال، وإن المراد بالخبيث الحرام، أمروا أن يتصدقوا من الكسب الحلال، ونهوا أن يتصدقوا من الحرام، فإن الله لا يقبله. وقد قيل في تفسير قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] إن معنى ذلك في الزكاة أن تؤدي زكاة العين من جيد العين، وزكاة التمر من طيب التمر لا من رديئه.
وقول عائشة لا تسرق ولا تنفق، معناه أنه لا يفي فعل الخير من المال
стр. 9076
المكتسب من غير حله بإثم كسبه من غير حله؛ لأنه إذا فعل ذلك نزل أصحاب التباعات له على الأجر في ذلك وخلص هو من إثم إمساكه فيما بينه قبل، فصحت بذلك توبته فيما بينه وبين خالقه، وبقي مرتهنا بإثم إمساكه عن أربابه وظلمه لهم في ذلك. وأراد عبد الله بن عمر بما ذكره من أن آدم كان يقوله التحريض على التمحي من التباعات والتوبة منها، والله أعلم، وبه التوفيق.
[الحض على تعلم العلم ونشره]
في الحض على تعلم العلم ونشره قال ابن القاسم: سمعت مالكا إذا ودعناه ربما قال لنا غير مرة: اتقوا الله وانشروا هذا العلم ولا تكتموه وعلموه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لا اختلاف في أن نشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، قال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] [معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم درجات،؛ لأن من آمن ولم يؤتى العلم لا تستوي درجته مع درجة من آمن وأوتي العلم. وإنما رفع الله درجات الذين أوتوا العلم بتعليمهم إياه، وقد قال أبو هريرة: من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما. وروي عن النبي- ﷺ أنه قال: «ما أعمال البر كلها في الجهاد إلا كبصقة في بحر وما أعمال البر كلها والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر» . ومعناه في الموضع الذي يكون فيه الجهاد فرضا على الكفاية لا
стр. 9077
في الموضع الذي يكون متعينا على الأعيان. وروي: أن رسول الله- ﷺ سئل عن «أفضل الأعمال فقال: الصلاة لأول ميقاتها» معناه في الفرائض، وأما النوافل فطلب العلم أفضل منها، بدليل الحديث الأول. وقد روي عن مالك أن الصلاة أفضل من القعود لمذاكرة العلم، وروي عنه أن العناية بالعلم أفضل من الصلاة، وليس ذلك باختلاف من قوله، ومعناه أن طلب العلم أفضل من الصلاة لمن ترجى إمامته، وأن الصلاة أفضل من طلب العلم لمن لا ترجى إمامته إذا كان عنده منه ما يلزمه في خاصة نفسه، من صفة وضوئه وصلاته وصيامه وزكاته إن كان ممن تجب عليه الزكاة. وأما كتم العلم فلا يحل ولا يجوز، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] ، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» أو كما قال ﷺ ، وبالله التوفيق.
[الإيمان قول وعمل]
في أن الإيمان قول وعمل قال فقلنا لمالك: فالإيمان قول وعمل أو قول بلا عمل؟ قال مالك: بل قول وعمل. قال ابن القاسم وحدثني عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم عن ابن ذكوان عن الأوزاعي قال: «قال رسول الله ﷺ : فرقتان من أمتي في النار مكذب بقدر الله
стр. 9078
ومفرق بين إيمان وعمل» . قلت فهل كان مالك يقول لا تكفروا أهل التوحيد بذنب، ولا تشركوهم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: لما سأله عن الإيمان هل هو قول وعمل أو قول بلا عمل فقال بل قول وعمل، أوجب أن الإيمان لا يكون إلا بالقول مع العمل، وأنه لا يكون بالقول وحده إذا تجرد عن العمل، وهو صحيح؛ لأن العمل ينقسم على قسمين: أحدهما عمل القلب، والثاني عمل الجوارح. فأما عمل القلب فإنه شرط في صحة الإيمان؛ لأن الإيمان هو التصديق الحاصل في القلب بأن الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فمن قال بلسانه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولم يعتقد تصديق ذلك بقلبه فليس بمؤمن. وأما أعمال الأبدان من الوضوء والصلاة وسائر الطاعات، فإنها ليست بشرط في صحة الإيمان، وإنما الإيمان، هو شرط في صحتها إذا وجبت عليه بدخول وقتها؛ لأن الرجل إذا أسلم وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له واعتقد تصديق ذلك بقلبه، فهو مؤمن كامل الإيمان بإجماع من أهل العلم إن مات بفور ذلك قبل أن تجب عليه الصلاة بدخول وقتها كان من أهل الجنة، وإن لم يمت حتى وجبت عليه الصلاة بدخول وقتها لم تصح له الصلاة إلا بمقارنة الإيمان لها الذي هو شرط في صحتها كما ذكرناه. هذا ما لا اختلاف فيه ولا امتراء في صحته. وإن ترك الصلاة فلم يصلها بسهو أو نوم أو غفلة أو نسيان لم يقدح ذلك في صحة إيمانه، وكذلك إن تركها عمدا وهو مقر بفرضها ووجوبها لم يقدح ذلك أيضا في صحة إيمانه إلا أنه آثم عاص لله ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. قال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في
стр. 9079
اليوم والليلة فمن جاء بهن لم يضيع شيئا منهن استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة» بيانا لما في كتاب الله من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . فقول مالك إن الإيمان لا يكون إلا بقول مع العمل، معناه مع عمل القلب وهو التصديق، لا مع عمل الأبدان على ما بيناه. فقول من قال من أهل السنة إن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، معناه أن هذا هو الإيمان الكامل الذي يكون العبد به مؤمنا في الظاهر والباطن؛ لأنه مؤمن عند الله في الباطن بما يعلمه من إخلاص قلبه، وهو مؤمن عندنا في الظاهر بما نسمعه من شهادته ونراه من صلاته؛ لأن ما نسمعه من شهادته ونراه من صلاته ليس بإيمان، وإنما هو دليل على الإيمان، فيحكم له بحكمه بما ظهر إلينا من قوله وفعله. ولو قال أنا مؤمن وأبى أن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وأبى أن يصلي، لم نصدقه في أنه مؤمن واستتبناه، فإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى، وإلا قتلناه. ولما كانت الشهادة والصلاة لا تكون واحدة منهما طاعة وقربة إلا مع مقارنة الإيمان لها الذي هو التصديق الحاصل في القلب، جاز أن يسمى كل واحد منهما إيمانا. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنها كانت بالإيمان الذي هو شرط في صحتها.
وقوله في الحديث: «فرقتان من أمتي في النار مكذب بقدر الله ومفرق
стр. 9080
بين إيمان وعمل» فالمكذبون بقدر الله هم القدرية الذين يقولون إنهم خالقون لأفعالهم لا قدرة لله على منعهم مما يريدون أن يفعلوه، والمفرقون بين الإيمان والعمل هم المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو الواجب دون. ما سواه من الأعمال، وإنه لا يضر مع الإيمان ترك عمل من الأعمال. وظاهر ما في الحديث من قوله في الفرقتين إنهما في النار، أنهما يخلدان فيها كفارا بما يعتقدانه من ذلك. ويحتمل أن يكون معناه أنهما في النار غير مخلدين فيها، إذ ليسوا بكفار لإقرارهما بالتوحيد والشهادة. وقد اختلف في تكفيرهم بمآل قولهم، فقيل: إنهم لا يكفرون بذلك، وهو قول مالك في هذه الرواية، ودليل قول النبي ﷺ في الخوارج وتتمارى في الفوق، وفيما روي في الفرق، وقيل إنهم يكفرون بذلك، وهو قوله في سماع ابن القاسم من كتاب المرتدين والمحاربين، وبالله التوفيق.
[بعض ما روي من الرؤيا]
فيما روي من الرؤيا قال سحنون سمعت ابن القاسم يقول: أخبرني سليمان بن القاسم قال: سمعت أبا السمحاء يقول: أتاني آت في منامي فقال: نعم عمل الحج لولا المناهل. وبلغني أن عبد الله بن جعفر رأى في منامه أنه أهدي له طبق فيه رأس خنزير عليه منديل لا يلصق به، فلما أصبح أهدي إليه تمر من حلوان عليه منديل لا يلصق به.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في الكتاب سمعت أبا السمحاء، وصوابه سمعت أبا السمح. وتأويل ما قيل له في منامه، والله أعلم، أنه نبه
стр. 9081
على شيء فعله من المكروه في بعض مناهله التي نزل فيها في طريقه إلى الحج على سبيل التحذير له أن لا يعود إلى فعل مثل ذلك. وذلك في المعنى مثل ما رأى عبد الله بن جعفر من أنه أهدي له طبق فيه رأس خنزير عليه منديل لا يلصق به؛ لأن ذلك تنبيه له في منامه على التوقي من قبول شيء يهدى له من غير حله، فكان ذلك التمر الذي أهدي له حين أصبح من تمر حلوان. وحلوان: قرية من قرى مصر، وكان التمر الذي أهدي إليه من مال مغصوب منها والله أعلم.
ورأيت في جامع المستخرجة المنسوبة لابن أبي زيد وقد وصل بما قيل لأبي السمح في منامه من قوله نعم عمل الحج لولا المناهل، يريد أنها مغصوبة وذلك لا يستقيم، إذ لا يصح أن يقال فيما قيل للرجل في منامه إن القائل لك في منامك كذا وكذا أراد به كذا وكذا، إذ ليس ما يكلم به في منامه بكلام على الحقيقة ولا ما يراه في منامه بمرئي على الحقيقة، وإنما هي تشبيهات وتمثيلات يراها الرائي في منامه فتعبر على ما يظهر من معانيها. فقد رأى الملك بحضرة يوسف ﵇ ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] ، فعبرها يوسف ﵇ بما ظهر إليه من معانيها بأنها سنون سبع تأكل ما رفع الناس فيها سنون سبع جدبة. ورأى رسول الله- ﷺ في غزوة أحد في منامه أن في سيفه ثلمة وأن بقرا له تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة. وقد يكون من الرؤيا ما يخرج على ما يراه
стр. 9082
الرائي دون تأويل ولا تعبير، من ذلك ما أخبر به النبي- ﷺ من أنه رأى عائشة ﵂ في سرقة من حرير. جاء «عن عائشة أنها قالت، قال رسول الله ﷺ : أريتك في المنام مرتين إذا رجل يحملك في سرقة حرير، ويقول هذه امرأتك فاكشف عنها، فإذا هي أنت فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه» . ومعنى قوله: إن يكن هذا من عند الله يمضه، أي إن تكن هذه الرؤيا من الرؤيا التي هي على وجهها دون تأويل ولا تعبير يمضه. ويحتمل أن يكون المعنى في ذلك أن هذا من عند الله فهو ماض لا شك فيه، وبالله التوفيق لا شريك له.
[ما ذكر في فضل ابن القاسم]
في ثناء ابن وهب على ابن القاسم
قال وسمعت ابن وهب يقول لما مات ابن القاسم قال: أخي وصاحبي في هذا المسجد منذ أربعين سنة، ما رحت رواحا ولا غدوت غدوا قط إلى هذا المسجد مسجد الفسطاط أريد أن أستر به نفسي إلا وجدته قد سبقني إليه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، ولا يعرف الفضل لأولي الفضل إلا أولو الفضل، وبالله التوفيق.
[ما أوصى به علي بن الحسين]
فيما أوصى به علي بن الحسين
وسمعت سفيان بن عيينة يقول: هلك علي بن الحسين
стр. 9083
بموضع يقال له سكن، فأوصى أن تعتق كل أمة له ذات ولد حي من رأس ماله، وكل أم ولد ليس لها ولد تعتق من ثلثه، وهلك عن اثنين وعشرين فرجا، وكان يقطع كميه عند أطراف أصابعه.
قال محمد بن رشد: فيما أوصى به علي بن الحسين من عتق بعض أمهات أولاده من رأس ماله وبعضهن من ثلثه، دليل على أن الحكم كان في وقت وصيته بجواز بيع أمهات الأولاد، وهو مذهب داود القياسي والرافضة وأهل الظاهر. واحتج من نصر قولهم بقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله- ﷺ وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بن الخطاب، ثم نهانا عمر عن بيعهن» . وهذا كله لا حجة لهم فيه: أما الآية التي احتجوا بظاهرها من القرآن قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإنه يتخصص بما جاء عن النبي ﷺ من قوله عند ولادة مارية القبطية لابنه إبراهيم: أعتقها ولدها، يريد ﷺ أنه ثبت لها حرمة بسبب ولدها، فلا تعود إلى الرق أبدا أو لا يجوز بيعها ولا هبتها، لا أنها بتلت حريتها؛ لأنه بقي له فيها الاستمتاع طول حياته، بدليل ما روي عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس أنه قال: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعده» . وهذا قول مالك ﵀ وكافة فقهاء الأمصار. وقد كان بين الصحابة ﵃ في ذلك اختلاف، فذهب منهم إلى إجازة بيعهن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري. وقال عبد الله بن
стр. 9084
مسعود: تعتق من نصيب ولدها، إلى أن فحص عمر بن الخطاب ﵁ عن أمرهن وكشفه، فاجتمع هو ومن بقي من العشرة ومن المهاجرين والأنصار على أنهن متعة لساداتهن ما عاشوا، ثم هن بعد موتهم أحرار من رءوس أموالهم، فانعقد الإجماع على هذا من حينئذ، واستمر الأمر عليه إلى أيام عبد الملك بن مروان، إلا ما يذكر من رجوع علي بن أبي طالب أيام خلافته إلى إجازة بيعهن في الدين، ثم اضطرب في أمرهن، ففحص عبد الملك عن ذلك فأخبره الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب أمضى ما وصفت عنه، فأقر ذلك وكتب به إلى البلدان.
وقوله: إنه كان يقطع كميه عند أطراف أصابعه مما يستحب؛ لأنه من التواضع الذي يبعد عن الكبر. وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم أن سعد بن معاذ مر بعائشة وهي في أطم من الأطام وعليه درع مفاضة مشمرة الكمين فأعجبها ذلك وقالت: ما أخاف على الرجل إلا من أطرافه. وقد مضى الكلام على ذلك هنالك، وبالله التوفيق.
[ما يروى من فضل ابن القاسم]
فيما يروى من فضل ابن القاسم وسمعته يقول: حج ابن القاسم سبع عشرة حجة، ما كانت تبلغ نفقته في حجته إلا عشرة دنانير وما يشبهها. قال وسمعت ابن القاسم يقول: ما خرجت إلى مالك إلا وأنا عالم بقوله. قال سحنون يريد أنه يعلم من عبد الرحمن وطلب وسعد، وكانوا عنده أوثق أصحاب مالك.
قال محمد بن رشد: كان ابن القاسم ﵀ من أحدث
стр. 9085
أصحاب مالك بمصر سنا وأحدثهم طلبا وأعلمهم بعلم مالك وآمنهم عليه، وكان من الخيار الفضلاء. قال يحيى بن يحيى: تذاكرنا يوما مع ابن القاسم هذا الأمر، فكلنا قال الورع أشد ما في هذا الدين، فقال لنا ابن القاسم: ما هو عندي كذا، فقلت له: يا أبا عبد الله، كيف ذلك؟ فقال لي: لأنا أمرنا ونهينا، فمن فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه كان أورع الناس. فقلت له: يا أبا عبد الله، لقد خفف الله عليك ما ثقل على غيرك، فأي شيء وجدت من هذا الأمر أثقل؟ فقال: ما وجدت شيئا أثقل علي من مكابدة آخر الليل. قال يحيى بن يحيى: لما قرأنا كتب أسد على ابن القاسم وضع أشهب يده في مثلها فخالفه في جلها أو في أكثرها، فقلت لابن القاسم: يا أبا عبد الله، لو أعدت نظرك في هذا الكتاب، فإن صاحبك قد خالفك، [فما وافقك عليه أقررته، وما خالفك] فيه أجدت النظر فيه وأنعمت، فقال لي: سأفعل إن شاء الله. فلما كان بعد أيام تقاضيته، فقال لي: يا أبا محمد، نظرت في مقالتك فوجدت إجابتي يوم أجبت كانت لله وحده، فرجوت أن أوفق، وإجابتي الساعة إنما تكون نقضا على صاحبي فأخاف أن لا أوفق في الأجوبة والرد فتركت ذلك، وبالله التوفيق.
[ما ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ في الغيرة من النساء]
فيما ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ في الغيرة قال سحنون أخبرني سفيان بن عيينة عن أبي طوالة قال: اشتكى رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ غيرة امرأته، فقال له عمر: إني لأخرج لحاجة فيقال لي إنما خرجت إلى فتاة بني فلان، فقال له ابن مسعود: أوما علمت أن إبراهيم قد
стр. 9086
شكا إلى الله ما كان يجد من غيرة سارة، فأوحى الله إليه أن ألبسها على ما كان فيها إلا أن تجد جرحة في دينها.
قال محمد بن رشد: في هذا أن النساء يدركهن من الغيرة على الرجال ما يدرك الرجال من الغيرة على النساء. فينبغي أن يعذر النساء فيما يدركهن من ذلك، إذ هو أمر يغلبهن ولا يثرب عليهن فيه، كما كان يفعل عمر بن الخطاب ﵁ فيما كان يقال له في ذلك على جزالته ومهابته، وعلى ما أوحى الله به إلى إبراهيم ﵇ فيما شكا إليه من غيرة سارة، وبالله التوفيق.
[فضل شهود صلاة الجماعة]
في فضل شهود صلاة الجماعة
وحدثني عن الحماني قال، حدثنا إسماعيل بن عباس عن عمارة بن عرية عن أنس بن مالك قال، قال رسول الله ﷺ : «من صلى أربعين ليلة في جماعة لا تفوته الركعة الأولى أعتقه الله من النار» .
قال محمد بن رشد: فضائل الصلاة أكثر من أن تحصى. قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] ، وسئل النبي- ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: الصلاة لأول ميقاتها،
стр. 9087
وقال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا» وقال: «إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقي من درنه» يريد أن الصلوات تكفر السيئات. وقال عثمان بن عفان سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها» وبالله التوفيق.
[معاملة من لا يؤتي زكاة ماله]
في معاملة من لا يؤتي زكاة ماله وسئل أصبغ: هل يجوز الاشتراء من طعام رجل يعلم أنه لا يخرج زكاته؟ وهل يجوز البيع منه بالناض وهو ممن لا يزكي؟ فإن اشترى مشتر أو باع ما الذي يجب عليه حتى يطيب له ما اشترى فيما بينه وبين الله تعالى؟ وهل ترى إن ادعى مشتري هذا الطعام أن تركه إخراج الزكاة عيبا وأراد فسخ البيع هل يكون القول قوله، ويرد إذا كان بمكان لا يجبر السلطان الناس على إخراج الزكاة؟ وكيف إن كان له مال أو لم يكن؟ قال أصبغ: أرى ماله كله فاسدا لا يجوز أن يؤكل منه شيء دون شيء ولا يشرب، ولا يجوز أن يباع ولا
стр. 9088
يشترى؟ فلا يبايع فيه ولا يعامل، وإن عامله فيه أحد رأيت أن يخرجه كله ويخرج منه ويتصدق به، كمال عاصر الخمر والمربي والغاصب والظالم، فهذا غاصب ومتعد على أموال المساكين وابن السبيل وسبيل الله وسائر السهمان إذا حبسه كان كمن غصبه وخلطه بماله وكسب به وعليه وفيه ولم يميز شيئا من شيء، فهو فاسد كله.
وقد سمعت سفيان بن عيينة وذكره فقال: ليس من ظلم واحدا كمن ظلم الناس أجمعين، فإذا حبس الزكاة فهو كمن ظلم الناس أجمعين؛ لأن فيه حق الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمين وفي سبيل الله والرقاب وغير صنف، فهو ظالم لهؤلاء أجمعين. قال وسمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول في قول الله تعالى وتبارك: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] ، قال هي للناس وللسلطان مقسومة، الذي يحبسه والذي يتعدى فيه فيأخذه بغير حقه أو يضعه في غير حقه.
قال وحدثنا ابن القاسم يرفع الحديث وبلغه «أن رسول الله- ﷺ حين دفع من عرفة وبلغ الشعب نزل فبال، ثم نادى بوضوء فتوضأ، ثم قال: لا وضوء لمن لا صلاة له ثلاث مرات، ثم قال: لا صلاة لمن لا زكاة له ثلاث مرات. مانع الزكاة في النار» والمتعدي فيها كمانعها. قال المتعدي فيها بأخذها وحبسها عن
стр. 9089
حقها فاسد كله. وإن عرف منه منع الزكاة رأيت للمشتري الرد؛ لأني لا أطيب له الحبس، فإذا لم أطيب له الحبس جعلت له الرد.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا إن مال الذي لا يؤدي زكاة ماله فاسد كله لا يجوز أن يؤكل منه شيء ولا يشرب، وما لا يؤكل ولا يشرب لا يجوز أن يباع ولا يشترى، وإن من عامله فيه يتصدق بجميعه، هو على قياس قوله المعلوم من مذهبه الذي ذكرناه عنه في سماع عبد الملك بن الحسن من أن المال الذي خالطه الحرام حرام كله، تجب الصدقة بجميعه، ويجب على من أخذ منه شيئا بمعاملة أن يتصدق بما أخذ، وهو تشديد على غير قياس. والقياس أنه لا يلزمه أن يتصدق منه إلا بمقدار الحرام، وأن معاملته فيه جائزة، وهو مذهب ابن القاسم. وكذلك قبول هبته يجوز على مذهبه إذا كان الحلال من ماله أكثر من الذي وهب منه.
ووجه قول أصبغ أن ماله كله إذا لم يؤد زكاته فاسد لا يجوز أن يؤكل منه شيء ولا يشرب، يريد لا هو ولا غيره، هو أنه لما كانت الزكاة الواجبة للمساكين شائعة فيه قد عزم على اقتطاعها وغصبهم إياها كان إذا أكل منه قليلا أو كثيرا قد أكل حقه وحقهم، فحرم ذلك عليه، بخلاف إذا أكل منه شيئا قبل أن يؤدي زكاته وهو ينوي أداءها مما بقي؛ لأن هذا إنما يكون عليه إثم تأخير الزكاة لا أكثر. وكذلك إذا وهب لأحد منه شيئا قبل أن يؤدي زكاته وهو عازم على اقتطاعها لا يسوغ على مذهبه لمن علم ذلك أن يقبله؛ لأنه يكون قد أخذ فيما وهب له ما فيه حظ للمساكين، بخلاف إذا وهب لأحد منه شيئا قبل أن يؤدي زكاته وهو ينوي أداءها مما بقي؛ لأن هذا يسوغ للموهوب له أن يقبله ويكون على الواهب إثم تأخير الزكاة لا أكثر.
وأما قول أصبغ إن من أخذ منه شيئا بمعاملة أو هبة يجب عليه أن يتصدق بجميعه فلا وجه له؛ لأن الواجب عليه في ذلك إنما هو أن يتصدق على المساكين بما وجب لهم منه، وهو ربع عشره. وقد مضى بيان هذا في سماع
стр. 9090
أصبغ في تكلمنا على ما جاء عن النبي- ﷺ من أن ثمن المغنيات حرام. وقد مضى في سماع عبد الملك بن الحسن القول فيما احتج به من قوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فلا وجه لإعادته.
وقوله في الحديث الذي احتج به من قوله- ﷺ «لا وضوء لمن لا صلاة له» بين لا إشكال فيه؛ لأن الوضوء إنما يفعل للصلاة أو لما لا يصح فعله إلا بطهارة، فإذا لم يفعل ما يفعل الوضوء من أجله لم ينتفع بالوضوء. وأما قوله: «لا صلاة لمن لا زكاة له» فمعناه أنه لا ينوب فعل الصلاة عن فعل الزكاة، أي لا يكفر فعل الصلاة ترك الزكاة، فتكون الصلاة إذا لم يزك صلاة توجب له الدخول في الجنة، كما توجب لمن صلى وزكى، أو لمن صلى ولم تجب عليه زكاة. ومساواته في الرواية بين المتعدي في أخذها وحبسها بين؛ لأن حابسها آخذ لها ومتعد في ذلك، فهو كالمتعدي في أخذها ممن لا تجب عليه.
وقوله في آخر المسألة: وإن عرف منه منع الزكاة رأيت للمشتري الرد؛ لأني لا أطيب له الحبس، فإذا لم أطيب له الحبس رأيت له الرد، صحيح على أصله في أن من لم يؤد زكاة ماله لا تجوز معاملته ويجب على من عامله الصدقة بجميع ما أخذه منه. فسواء على مذهبه ابتاع منه الطعام الذي لم يؤد زكاته أو باع منه شيئا بدنانير لم يؤد زكاتها له الرد في الوجهين جميعا. وقد قيل: ليس له أن يرد في الوجهين جميعا، وهو الذي يأتي على قول غير ابن القاسم في المدونة في الذي يبيع الثمرة بعد أن وجبت فيها الزكاة فيجدها المصدق في يد المشتري، أنه لا سبيل له عليها وإن كان البائع عديما، وقيل: إن ذلك له في الطعام الذي ابتاعه، وليس ذلك له فيما باع منه بدنانير، وهو الذي يأتي على مذهب من لا يجيز بيع الثمرة بعد وجوب الزكاة فيها بالطياب، ولا بيع الزرع بعد وجوب الزكاة فيه بالإفراك لوجوب الزكاة] ، في عين الثمرة
стр. 9091
وعين الزرع. ولا اختلاف بينهم في أن من باع أو اشترى من مستغرق الذمة بالحرام وهو لا يعلم، أن له الرد؛ لأن من حقه أن يقول: لم أرض بمعاملة مستغرق الذمة بالحرام، وبالله التوفيق.
[يستعين الرجل من أهل الغنا أهل ناحيته منهم الغني والفقير فيعينونه في الحرب]
من سماع عبد الملك بن عمر بن غانم قلت لمالك: القوم يستعينون في الحرب، يستعين الرجل من أهل الغنا أهل ناحيته منهم الغني والفقير فيعينونه، وذلك أمر ذائع عندنا، قال: لا بأس به. قلت: ما يخشى أن تكون استعانته إياهم من المسألة التي تكره؟ قال: لا، لعمري ما بهذا بأس أن يستعين رجل دابة رجل يركبها أو شيئا من متاعه على وجه المعروف، بل أكره ترك هذا يضيق الرجل الإسلام، وهذا من الأخلاق الحسنة. قال قلت: فالرجل يسأل امرأته أن تضع عنه صداقها على غير إكراه لها ولا إضرار منه بها، ولكن على وجه الطلبة فتفعل، هل ترى بهذا بأسا؟ فقال: قد أعطاها منه شيئا؟ فقلت: نعم أعطاها النقد وبقي المهر. قال: ليس بذلك بأس، قال الله : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] .
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ ليس شيء مما ذكره من معنى المسألة المكروهة وإنما هو من المعروف الذي ينبغي للناس أن
стр. 9092
يتوامروه فيما بينهم، قال الله : ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وبه التوفيق.
[وضع المرأة جمة الشعر على رأسها]
في وضع المرأة جمة الشعر على رأسها فقال مالك: يا أبا عبد الله، المرأة تضع الجمة من الشعر على رأسها، قال: لا خير في ذلك. قلت: فخرق تجعلها على قفاها وتربط الوقاية عليها؟ قال ليس من عملهن شيء أخف عندي من الخرق. قلت ترجو أن لا يكون بالخرق بأس؟ قال أرجو.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في سماع أصبغ فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق لا شريك له.
[النشرة بالأشجار والأدهان]
في النشرة بالأشجار والأدهان قال وسألته عن النشرة بالأشجار والأدهان، قال: لا بأس بذلك قد سحرت عائشة فيما بلغني فأقامت أياما، ثم أتيت في منامها فقيل لها خذي ماء من ثلاث آبار يجري بعضها إلى بعض فاغتسلي به، قال ففعلت فذهب عنها ما كانت تجد.
قال محمد بن رشد: المعنى في جواز هذا بين؛ لأن الأدهان والأشجار قد يكون فيها دواء ينفع من ذلك المرض مع ما يذكر عليها من أسماء الله رجاء التبرك بها، وذلك من نحو الرقى بكتاب الله وأسمائه الحسنى، فلا وجه لكراهة ذلك، إذ قد جاء جواز ذلك في الآثار الثابتة عن
стр. 9093
النبي ﷺ ، من ذلك ما ذكره مالك في موطئه: أنه «دخل على رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسقم- بابني جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما ما لي أراهما ضارعين، فقالت حاضنتهما: يا رسول الله، إنه تسرع إليهما العين ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك، فقال رسول الله ﷺ استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين» . وما حدث به نافع بن جبير «عن عثمان بن أبي العاص: أنه أتى رسول الله- ﷺ قال عثمان: وبي وجع قد كان يهلكني، قال: فقال رسول الله ﷺ : امسحه بيمينك سبع مرات، وقل أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد، قال ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم» وبالله التوفيق.
[صفة السلام على القبر]
في صفة السلام على القبر قيل كيف يسلم على القبر؟ قال: تأتيه من قبل القبلة حتى إذا دنوت منه سلمت وصليت عليه، ودعوت لنفسك ثم انصرفت. قيل له: هل أذكر أبا بكر وعمر؟ قال: نعم إن شئت.
قال محمد بن رشد: قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فالصلاة
стр. 9094
على النبي- ﷺ فرض في الجملة لا تختص بالصلاة في مذهب مالك وكافة العلماء.
وقال الشافعي: إذا لم يصل المصلي على النبي ﷺ في التشهد الآخر بعد التشهد وقبل التسليم أعاد الصلاة. قال وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه، وتقلد ذلك أصحابه ومالوا إليه وناظروا عليه. ومن حجتهم أن الله أمر بالصلاة على نبيه ﷺ وأن يسلم عليه تسليما [ثم جاء الأمر منه ﷺ في التشهد فعلمهم فيه كيف يسلمون عليه تسليما، بقوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، وكان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وقد قال لهم: إنه يقال في الصلاة لا في غيرها، وقالوا له: قد علمنا السلام عليك، يعنون في التشهد، فكيف الصلاة عليك؟ فعلمهم الصلاة، وقال لهم السلام كما قد علمتم، فدلهم على أن ذلك قرين التشهد في الصلاة.
قالوا: وقد وجدنا الأمة بأجمعها تفعل الأمرين جميعا في صلاتها، فلا يجوز أن يفرق بينهما، ولا تتم صلاة إلا بهما. وروايته عن رسول الله- ﷺ وأصحابه وسائر المسلمين قولا وعملا. وحجة من لم يجعل ذلك من فرائض الصلاة حديث ابن مسعود: أن رسول الله- ﷺ أخذ بيده فعلمه التشهد إلى وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وقال له: إذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم وإن شئت أن تقعد.. وصفة السلام على النبي- ﷺ في قبره كالسلام عليه في تشهد الصلاة: السلام عليك أيها النبي
стр. 9095
ورحمة الله وبركاته؛ والصلاة عليه فيه كالصلاة عليه بعد التشهد في الصلاة قبل التسليم، إلا أنه يقول ذلك بلفظ المخاطب. ومعنى الصلاة عليه الدعاء له، إلا أنه يخص هو وسائر الأنبياء بلفظ الصلاة دون الدعاء، لقول الله : ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] ، فيقول: اللهم صل على محمد ولا يقل اللهم ارحم محمدا واغفر لمحمد وارض عن محمد، ولا يقل اللهم صل على فلان، ويقول اللهم ارحم فلانا واغفر له وارض عنه. هذا هو الاختيار ألا يُصلّى على غير النبي ﷺ .
ومن أهل العلم من أجاز الصلاة على غير النبي ﷺ ، واستدل بما ذكره مالك في موطئه عن عبد الله بن دينار أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي- ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، وبما جاء في الحديث من قوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وقوله: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته. ومعلوم أن أزواجه وآله وذريته غيره. وبما جاء عنه ﷺ من أنه كان إذا أتاه أحد بصدقته صلى عليه، لقول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فقال ﷺ : اللهم صل على آل أبي أوفى إذ أتاه أبو أوفى بصدقته. قال عبد الله بن أبي أوفى: «كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل
стр. 9096
على آل أبي أوفى» . والأظهر أن يخص النبي ﷺ بالصلاة دون من سواه، إلا أن يضاف إليه في الصلاة عليه، كما جاء في الحديث من قوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وقوله: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته. ولم يتابع جميع الرواة يحيى بن يحيى على روايته: فيصلي على النبي وأبي بكر وعمر. ورواية ابن القاسم: فيصلي على النبي ويدعو لأبي بكر وعمر، وهو دليل قوله في هذه الرواية؛ لأنه قال فيها: قيل له هل أذكر أبا بكر وعمر؟ قال: نعم إن شئت، ولم يقل فيها، قيل: له هل يصلي على أبي بكر وعمر. وأما صلاة النبي ﷺ على من كان يصلي عليه ممن كان يأتيه بصدقته فلا دليل فيه للمخالف؛ لأن النبي ﷺ في هذا بخلاف غيره؛ لأن الله أمره بذلك، وبالله التوفيق.
[صيد الحيتان]
في أنه لا كراهة في صيد الحيتان قال حسين بن عاصم: سألت ابن القاسم عن صيد الحيتان لذوي المروءات والحال، هو أخف عندك أم صيد البر؟ قال لا أرى لأحد صيد البر إلا لأهل الحاجة إليه الذين عيشهم ذلك، وصيد البحر والأنهار عندي أخف من ذلك، وكأني رأيته لا يرى بأسا في صيد الحيتان.
قال محمد بن رشد: كره مالك الصيد على وجه التلهي به إلا لمن اتخذه مكسبا أو رجل قرم إلى اللحم، غنيا كان أو فقيرا. وكان الليث يكره التلهي به أيضا ويقول: ما رأيت حقا أشبه بباطل منه، يعني أنه حق لحلاله،
стр. 9097
وأنه يشبه الباطل لما فيه من اللهو والطرب. واستخفه في رواية مطرف وابن الماجشون، عنه لمن يسكن البادية؛ لأنه لا غنى لهم عنه، وكرهه لأهل الحواضر ورأى خروجهم إليه من السفه والخفة. وإنما خفف ابن القاسم في هذه الرواية صيد الحيتان ورآه بخلاف صيد البر، إذ ليس فيه من اللهو وإتعاب الجوارح في غير منفعة مقصودة ما في صيد البر، وقد قال رسول الله ﷺ : «كل لهو يلهو به الإنسان باطل إلا ثلاث، وهي ملاعبة الرجل امرأته، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه» .
[قرى طنجة التي غلب عليها البربر]
في قرى طنجة التي غلب عليها البربر قال: وسألته عن قرى طنجة التي غلب عليها البربر العرب وأخرجوهم منها بالفتنة والغلبة عليها فيها فتظلهم الشجر، أترى بالأكل منها بأسا؟ قال لا أرى لأحد أكلها؛ لأنها عندي على وجهين: إما أن تكون كانت في أيدي العرب غصبا فلا أحب لأحد أن يأكل منها، أو كانت في أيديهم حلالا وهي اليوم غصب فلا أرى أن يؤكل منها.
قال محمد بن رشد: لا تخلو هذه القرى التي قد غصب أهلها إياها وغلبوا عليها من ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون أهلها الذين غصبوا إياها معروفين هم أو ورثتهم، والثاني أن لا يكونوا معروفين إلا أنه يمكن أن يعرفوا ويوجدوا إن طلبوا، والثالث أن يكون قد باد أهلها لطول العهد ويئس من أن يعرفوا أو يعرف أحد من تصيرت إليهم بالوراثة.
стр. 9098
فأما الحال الأولى: فحكم الثمرة فيها حكم أعيان المغصوب، لا يحل لأحد أن يأكل منها قليلا ولا كثيرا عند أحد من العلماء، لقول النبي ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» .
وأما الحال الثانية: فحكم الثمرة فيها حكم اللقطة الواجب فيها أن تباع وتوقف أثمانها وتعرف، فإن لم تعرف جرى الأمر في جواز أكلها على اختلاف أهل العلم في جواز أكل اللقطة للملتقط بعد التعريف، لقول النبي ﷺ : «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها» . فمالك يكره له أكلها وإن كان محتاجا إليها، ويرى الصدقة له بها أفضل؟ ومن أهل العلم من يبيح له أكلها وإن كان غنيا؛ ومنهم من لا يبيح له أكلها إلا إذا كان فقيرا؟ ومنهم من لا يبح له أكلها إلا إذا كان غنيا يكون له بها وفاء إن جاء صاحبها.
وأما الحال الثالثة: وهي التي تكلم في الرواية عليها فحكمها حكم اللقطة بعد التعريف بها واليأس من وجود صاحبها، الاختيار له ألا يأكلها قولا واحدا، وهو قوله فيها: فلا أحب لأحد أن يأكل منها. وقد قال في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الجهاد في نحو هذه المسألة: أرجو ألا يكون بذلك بأس. وقد مضى القول عليها هناك، وبالله التوفيق.
[ما أوى إلى برج الرجل من حمام غيره]
فيما أوى إلى برج الرجل من حمام غيره قال حسين: سألت ابن القاسم عن البروج تتخذ للحمام فتبنى فيها الكوى خارجا من جداره، فيأوي الحمام إلى البرج في
стр. 9099
داخله وخارجه إلى حمام قد وضعها الرجل في برجه، فلا تعرف الحمامات بعينها، ما ترى في أكل فراخ حمام البرج التي أوت إليه؟ قال: إن عرف شيئا منها بعينها وعرف ربها ردها إليه إن استطاع، وإن لم يستطع ردها وعرف موضعها، فإذا فرخت رد فراخها على صاحبها، وإن ازدوجت حمامة له مع حمامة لجاره وهو يعرفها فلم يستطع ردها عليه ولا أخذها وعرف عشها التي تفرخ فيه هي وحمامته، رد على جاره فرخ حمامته. قال قلت له: وإن كانت حمامة جاره ذكرا؟ قال: نعم؛ لأنه إنما يكون ذلك على وجه الحضانة وليس على وجه البيض، كذلك قال من أرضاه من أهل العلم. قال: وكذلك كل حمامة خارج البرج في كواهن لصاحب البرج، وكل عصفور أوى إلى كواه فيه فراخه، وله أن يمنع كواه من غيره.
وسئل ابن كنانة عن نحل يجده الرجل في شجرة أو في صخرة هل ينزع عسلها؟ فقال: إذا لم يعلم أنها لأحد فلا بأس بذلك. قال مالك: وأكره أن ينصب الرجل جبحا في مكان قريب من جباح الناس وحيث ترعى نحلهم وتسرح. وقال ابن كنانة لا يحل لك أن تأكل عسل جبح نصبه غيرك لا في عمران ولا قفار، ولا يحل لك أكل حمام غيرك إذا عرفته بعينه.
قال محمد بن رشد: ما أوى إلى برج الرجل من حمام برج غيره فلم يعرفه بعينه أو عرفه فلم يقدر على أخذه فلا بأس. عليه فيه وإن عرف صاحبه، هذا ما لا اختلاف فيه أعلمه. واختلف إذا عرفه وقدر على أخذه ولم يعرف صاحبه، فظاهر قوله في هذه الرواية لا شيء عليه فيه، وهو قوله فيها وإن عرف شيئا منها بعينها وعرف ربها ردها إليه، وهو دليل قول ابن كنانة: ولا يحل لك أكل حمام غيرك إذا عرفته بعينه، ونص قول ابن حبيب في
стр. 9100
الواضحة أنه إن جهل صاحبه فلا شيء عليه فيه ولا في فراخه. وقد قيل إنه إذا عرفه وقدر على أخذه ولم يعرف صاحبه إنه يعرفه كاللقطة ولا يأكله، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم، حكى فضل عنه أنه قال: لا ينصب لشيء من حمام الأبراج ولا يرمى، ومن صاد منه شيئا فعليه أن يرده أو يعرفه ولا يأكله. وحكم فراخها إذا عرف عشها حكم ما عرفه وقدر على أخذه، إن عرف صاحبه رده عليه، وإن لم يعرفه فعلى ما تقدم من الاختلاف.
وأما إذا ازدوجت حمامة له مع حمامة لجاره، فقال في الرواية: إنه يرد على جاره فرخ حمامته، فيأخذ أحد الفرخين، كانت حمامة جاره ذكرا أو أنثى، يريد ويكون لصاحب الحمامة الأنثى على صاحب الحمامة الذكر مثل بيض حمامته. وهذا على قياس ما روى سحنون في سماعه من كتاب الشركة عن ابن القاسم عن مالك في الرجل يأتي بحمامة أنثى ويأتي الآخر بذكر على أن تكون الفراخ بينهما، أن الفراخ تكون بينهما لأنهما تعاونا جميعا على الحضانة، يريد ويرجع صاحب الحمامة الأنثى على صاحب الحمامة الذكر بمثل بيض حمامته حسبما ذكرناه هناك. وهو على قياس القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب [العمل ويأتي في هذه المسألة على قياس القول بأن الزرع في المزارعة لصاحب] الزريعة أن تكون الفراخ لصاحب الحمامة الأنثى منهما، ويكون عليه لصاحب الحمامة الذكر قيمة ما أعان به من الحضانة.
وقول ابن كنانة إن للرجل أن يأخذ عسل النحل الذي يجده في شجرة أو في صخرة إذا لم يعلم لأحد صحيح؛ لأنه كالصيد يكون لمن وجده. وقول مالك أكره أن ينصب الرجل جبحا في مكان قريب من جباح الناس وحيث ترعى نحلهم وتسرح، معناه إذا خشي أن يدخل فيه نحل جباح الناس ولم يتحقق ذلك، وأما لو تحققه لما جاز ذلك له ولوجب عليه إذا علم ذلك أن يرد
стр. 9101
العسل إلى صاحب النحل، ولا يكون له في ذلك إلا قيمة كراء جبحه، وبالله التوفيق.
[يأخذ غرسا من شجر غيره بغير إذنه]
في الذي يأخذ غرسا من شجر غيره بغير إذنه وقال ابن كنانة: أكره أن يأخذ الرجل من شجر غيره غرسا بغير إذنه.
قال محمد بن رشد: أما إذا أخذ من شجر غيره ملوخا يغرسها في أرضه وكان ما امتلخ منها لا قيمة له ولا ضرر فيه على الشجرة التي امتلخت منها، فهذا الذي كرهه ابن كنانة، والله أعلم.
وأما إذا كان لما امتلخ منها قيمة أو كان ذلك يضر بالشجرة التي امتلخت منها فلا يجوز لأحد أن يفعله إلا بإذن صاحب الشجر. قال رسول الله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» فإن فعل ذلك بغير إذنه دالة عليه بسبب بينه وبينه يقتضي الإدلال عليه، فعليه أن يتحلله من ذلك، فإن حلله وإلا غرم له قيمته عودا مكسورا يوم امتلخه، وليس له أن يقتلعه ويأخذه، وعليه مع ذلك قيمة ما نقص من الشجر التي امتلخ ذلك منها. وإن فعل ذلك غصبا وتعديا بلا إذن من صاحبه ولا دالة عليه ممن يستوجب الدالة، فله أن يقتلعه ويأخذه وإن كان قد علق، إلا أن يكون بعد طول زمان وبعد نماء وزيادة بينة، فلا يكون له أن يأخذه بعينه، وتكون قيمته يوم امتلخه من شجره عودا منها مكسورا. وإن كان أضر بالشجر كان عليه مع ذلك قيمة ما نقص من الشجر. هذا قول أصبغ في الواضحة.
وقال سحنون: إنما يكون أولى بغرسه إذا كان إن قلعه وغرسه نبت، وأما إن كان لا ينبت إن قلعه وغرسه فإنما
стр. 9102
له قيمته، ولا سبيل له إلى قلعه. وكان ربيعة يقول في مثل هذا: إن نبت فإنما له قيمته أو غرس مثله. وأما إن قلع من بستانه غرسا يغرسه في أرضه دالة على صاحب البستان، فله أن يقلعه ويأخذه وإن كان قد نبت وعلق، إلا أن يتطاول وينمى نماء بينا فلا يكون له قلعه، وتكون له قيمته يوم اقتلعه نابتا؛ لأن دالته عليه -إذا كان من أهل الدالة- شبهة تمنع من قلعه. ولو كان اقتلعه غصبا غير مدلي لكان صاحب الغرس أحق بغرسه وإن كان قد نبت في أرضه وطال زمانه وثبتت زيادته؛ لأنه شيؤه بعينه أخذه حيا فنما وزاد ونبت، فهو كالصغير يغتصب أو يسرق ثم يجده صاحبه وقد كبر وشب ونما- وزاد فهو أبدا أحق به وسواء كان مما ينبت إن غرس بعد قلعه من أرض الغاصب أو مما لا ينبت هو أحق به إلا أن يشاء أن يسلمه ويأخذ قيمته نابتا يوم قلعه فيكون ذلك له، حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ، وبالله التوفيق.
[ما يبقى في الكرم بعد قطافه أو في الفدان من الزرع بعد حصاده]
فيما يبقى في الكرم بعد قطافه، أو في الفدان من الزرع بعد حصاده
وسئل ابن كنانة عن الكرم يقطف أو الزيتون يجنى أو الزرع يحصد، هل يجوز لأحد أن يأكل بقيته؟ قال: إن كان أهله تركوه لمن أخذه فلا بأس بأكله، وإن كانوا إنما يريدون الرجعة إليه فلا يجوز لأحد أخذه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، والمعنى فيه بين إن علم أن صاحبه تركه لمن أخذه من فقير أو غني. وأما إن خشي أنه إنما تركه لمن أخذه من المساكين، فلا ينبغي لغني أن يأكل منه شيئا، وبالله التوفيق.
стр. 9103
[ابتياع الكلب الضاري]
في ابتياع الكلب الضاري وسئل ابن كنانة فقيل له: هل يكره للرجل أن يبتاع الكلب كما يكره للبائع بيعه، فإن الرجل ربما احتاج إلى كلب لغنمه أو لصيد؟ قال: البائع في ذلك أضيق حالا؛ لأن رسول الله ﷺ «نهى عن ثمن الكلب» . وأما المشتري فإن احتاج إلى ذلك فيما يجوز له اقتناؤه من الكلاب فلا بأس بابتياعه، وذلك ربما عسرت الهبة والمعروف ووقعت الحاجة إلى ذلك.
قال محمد بن رشد: إجازة ابن كنانة لاشتراء الكلب الضاري هو مذهب ابن القاسم، روى أبو زيد عنه في سماعه من كتاب جامع البيوع أنه قال: لا بأس باشتراء الكلاب كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها. وذلك نحو قول أشهب في المدونة في الزبل المشترى يجوز في شرائه من البائع؛ لأن الحاجة قد تدعوه إلا شراء الكلب للصيد وشبهه مما جوز له اتخاذه له، وكذلك الزبل إذا لم يجد من يعطيه ذلك دون ثمن ولا حاجة بأحد إلى بيعه؛ لأنه إذا لم يحتج إليه تركه لمن يحتاج إليه. وسحنون يجيز بيعه، قال ويحج بثمنه. وهو قول ابن نافع، وقد روي ذلك عن ابن كنانة، وهو قول جل أهل العلم والصحيح في النظر؛ لأنه إذا جاز له الانتفاع به وجب أن يجوز بيعه وإن لم يحل أكله كالحمار الأهلي الذي لا يجوز أكله ويجوز بيعه لما جاز الانتفاع به. ومن الدليل على ذلك أيضا قول النبي ﷺ : «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من أجر عمله كل يوم قيراط» . والاقتناء لا يكون إلا بالشراء. وما روي عن النبي - صلى الله
стр. 9104
عليه وسلم من رواية ابن عمر: أنه «نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاريا» يحتمل أن يكون معناه حين كان الحكم في الكلاب أن تقتل كفها ولا يمسك شيء منها، على ما روي «عن أبي رافع قال: أمرني رسول الله ﷺ بقتل الكلاب فخرجت لأقتلها لا أرى كلبا إلا قتلته حتى أتيت موضع كذا وسماه فإذا فيه كلب يدور ويلهث فذهبت أقتله فناداني إنسان من جوف البيت يا عبد الله ما تريد أن تصنع فقلت: إني أريد أن أقتل هذا الكلب، قالت: فإني امرأة بدار مضيعة وإن هذا الكلب يطرد عني السباع ويؤذنني بإلجائي فأت النبي ﷺ فاذكر ذلك له، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فأمرني بقتله» . ثم جاء عنه ﷺ : أنه «أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية» وأنه قال: «من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان في كل يوم» فنسخ بذلك أمره الأول بقتل
стр. 9105
الكلاب عموما. وأما الكلب الذي لا يجوز اتخاذه فلا اختلاف في أن بيعه لا يجوز، وأن ثمنه لا يحل. روي عن ابن عباس عن النبي- ﷺ أنه قال: «ثمن الكلب حرام» وبالله التوفيق.
[يبيع العنب ممن يعصره خمرا]
في الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرا، أو السلاح ممن يقاتل بها المسلمين، وما أشبه ذلك وقال ابن كنانة: لا ينبغي أن يباع العنب أو العصير ممن يتخذه خمرا، لا من نصراني ولا من مسلم، ولا يباع السلاح ممن يقاتل بها المسلمين، ولا تباع الأرض ممن يبني فيها كنيسة، لا تباع الخشبة ممن يتخذ منها صنما. قال: وأكره أن يكون الإنسان عونا على الإثم، قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وأما أن يتهمه ببعض ذلك ولا يدري ما يراد به فلا بأس أن يبيعه منه. قال ابن كنانة: أكره أن يبيع الرجل القمح ممن يعمل منه شرابا مسكرا، وقال ابن كنانة: يكره أن يبيع الرجل السلاح من أحد يعلم أنه يقاتل الأنفس بغير حق مشتهرا بذلك معروفا به.
قال محمد بن رشد: قال ابن كنانة في هذه الرواية إنه لا ينبغي أن يباع العنب أو العصير ممن يتخذه خمرا لا من مسلم ولا من نصراني؛ لأنه
следующие страницы →