← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وبركاته. ١٠ من جمادى الآخرة سنة ١٣٧٤ هـ الموافق ٣ من فبراير سنة ١٩٥٥م. عبد اللطيف السبكي مدير التفتيش وعضو جماعة كبار العلماء طه محمد الساكت ... حافظ محمد الليثي من مفتشي العلوم الدينية والعربية ... عبد الكريم جاويش

стр. 1927

كما صدرت فتوى من لجنة الفتوى بالأزهر نشر في (مجلة الأزهر) في عددها الصادر بتاريخ محرم سنة ١٣٧٩هـ عن حكم تمثيل الشخصيات الإسلامية، هذا نصه: حكم تمثيل الشخصيات الإسلامية، ومن لم يثبت إسلامهم ولهم عون أكيد للنبي الكريم في دعوته. السؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية فيمن يمثل الشخصيات الآتية على شاشة التليفزيون؟ : ١ - الصحابة، وهل منهم من يجوز ظهور من يمثله، علما بأن بلالا قد ظهر من يمثله في فيلم (ظهور الإسلام) وخالد بن الوليد في فيلم (خالد بن الوليد) . ٢ - بنات النبي ﷺ . ٣ - أبا طالب ممن لم يثبت إسلامهم، وكان لهم عون أكيد للنبي ﷺ في دعوته، وكذلك التابعين وتابع التابعين. ٤ - مسلمين ومسلمات لم تثبت صحبتهم للرسول وعلى الأخص طالب بن أبي طالب؟ الجواب: إن التمثيل في ذاته وسيلة ثقافية سواء كان على المسارح أو الشاشة أو التليفزيون، فإن كثيرا من وقائع التاريخ، وأحداث السياسة، ومواقف الأبطال في ساحات الجهاد، والدفاع عن الأوطان ينبغي أن يتجدد ذكرها وينادى بها؛ لتكون فيها القدوة الحسنة للأجيال الحديثة، وخير وسيلة لإحياء تلك الذكريات: أن يكون القصص عنها بتمثيلها

стр. 1928

تمثيلا واقعيا، غير أن التمثيل قد يتجاوز الأهداف الجدية، ويتخذ وسيلة للترفيه الممنوع، وبث الدعاية نحو أغراض غير كريمة، وخاصة فيما يتعلق بالتاريخ حول شخصيات من السابقين، والتاريخ يكون مشوبا بما يحتاج إلى تمحيص من العصبيات. وبما أن السابقين من الصحابة ﵃ لهم مقام كريم، وشأن خاص بين جماعة المسلمين، وبما أن تمثيلهم على المسارح أو الشاشة قد ينحرف بهم إلى ما يمس بشخصياتهم أو عن تاريخهم الحق؛ لما يتعرضون له أحيانا من أكاذيب القصاصين، أو أهواء المتعصبين لبعض ضد البعض الآخر من جراء الفتن والخلافات التي قامت حولهم في أزمانهم، وانقسام الناس في تبعيتهم إلى طوائف وأشياع، بسبب الدسائس بينهم - فإن اللجنة إزاء هذه الاعتبارات تفتي بما يأتي: أولا: عدم جواز من يمثل كبار الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين ومعاوية وأبنائهم ﵃ جميعا؛ لقداستهم، ولما لهم من المواقف التي نشأت حولها الخلافات وانقسام الناس إلى طوائف مؤيدين ومعارضين. . أما من لم ينقسم الناس في شأنهم؛ كبلال وأنس وأمثالهما - فيجوز ظهور من يمثل شخصياتهم بشرط أن يكون الممثل غير متلبس بما يمس شخصية من يمثله. ثانيا: عدم جواز ظهور من يمثل زوجات النبي ﷺ وبناته؛ لأن حرمتهم من حرمته ﵊، وقد قال الله تعالى في شأن نسائه:

стр. 1929

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١) وبناته بذلك أولى. ثالثا: من لم تثبت صحبته من الرجال المسلمين، وكذلك التابعين وأتباعهم - لا مانع من ظهور من يمثل شخصياتهم متى روعي في التمثيل ما من شأنه ألا يخل بكرامة المسلم. وأما النساء المسلمات فيجب الاحتياط في تمثيلهن أكثر مما يحتاط في تمثيل الرجال المسلمين الذين لم نثبت صحبتهم، وعلى المرأة التي تقوم بالتمثيل ألا يوجد مع تمثيلها اختلاط بأجنبي عنها من الرجال، ولا يصحبه كشف ما يحرم كشفه من جسمها، ولا يكون معه تكسر في صوتها، ولا حركات مثيرة للغرائز، ولو مع ستر الجسم، إذا كان الأمر كذلك فلا حرمة في التمثيل، خصوصا إذا كان التمثيل لغرض علمي يعود على الأفراد والأمة بالفائدة. وأما إن صحبه اختلاط بالرجال الأجانب، أو كشف ما لا يحل كشفه من جسمها، أو وجد معه تكسر في صوتها أو حركات مثيرة للغرائز بجسمها ولو مع ستره، أو كان لباسها يحدد مفاتن جسمها - فإن التمثيل حينئذ يكون محرما على من تقوم بهذا التمثيل. رابعا: من لم يثبت إسلامه كأبي طالب وغيره ممن له عون أكيد في دعوة الرسول ﵊ ونصرته - لا مانع من ظهور من يمثله إذا روعيت صلة عودته للنبي ﵊، بحيث لا يكون في تمثيله ما يخدش مقامه؛ تقديرا لما كان منه نحو الرسول ﵇ من مناصرة وعون أكيد. اهـ.

стр. 1930

قصص الأنبياء في السينما صدر بحث للأستاذ محمد علي ناصف نشر في (مجلة الأزهر) في عددها الصادر بتاريخ المحرم عام ١٣٨٢هـ بعنوان (قصص الأنبياء في السينما) هذا نصه: اعترضت مشيخة الأزهر على فكرة إنتاج فيلم سينمائي يتناول حياة يوسف ﵇، وحاول الأستاذ محمد التابعي في مقالين بجريدة الأخبار أن يثبت: أولا: أن رأي رجال الدين في هذا الموضوع لم يتطور، ولم يختلف عن آراء لهم قديمة. ثانيا: أنهم ناقضوا أنفسهم فلم يحتجوا على حديث نشرته صحيفة (الأهرام) في عام ١٩٥٥م جاء فيه: أن سيسل دي ميل، يبحث عن ممثل يسند إليه القيام بتسجيل (صوت الله) باللغة العربية في الطبعة التي ستوزع على البلاد الإسلامية من فيلم (الوصايا العشر) الذي يخرجه. ويبدو لي أن الأستاذ التابعي على قدر اتصاله بالمشتغلين بصناعة السينما ليس لديه الوقت لمشاهدة إنتاجهم؟ وإلا كان حكمه - وهو الناقد الأريب - أن صناعة السينما عندنا لم تتطور هي الأخرى حتى تتطور الآراء بالنسبة إليها، وحتى يطمئن ويثق رجال الدين والدنيا في مهارة القائمين بها وفي ائتمانهم على إخراج موضوع جدي عن حياة أحد الأنبياء، لقد عاصر الأستاذ التابعي صناعة السينما في مصر

стр. 1931

خلال الثلاثين سنة الأخيرة، ولعله لا يعترض كثيرا حين أذكر أن تسعين في المائة من الإنتاج الحالي يهبط في مستواه الفني عن أول فيلم أخرجه (ستديو مصر) مثلا، وإذا كانت هذه حال السينما عندنا فيجب أن نتردد ونتريث طويلا عن طلب إقحام قصص الأنبياء والرسل في سوق يضرب فيه الفوضى والجهل والارتجال بأوفر سهم. إن الأفلام الدينية لا يجب الترخيص بموضوعاتها بمثل البساطة التي ترخص بها لموضوعات الأفلام الأخرى لأسباب كثيرة: أولها: مكانة مصر في العالم الإسلامي، واعتبار ما يصدر عنها مثلا يحتذى، ولقد سمعت من أحد الدبلوماسيين: أن بعض الأفلام المصرية التي عرضت في أندونيسيا كان لتفاهتها أسوأ الأثر في نفوس الذين شاهدوها؛ لدرجة اضطرت معها سفارتنا هناك إلى التدخل والنصح باتباع سياسة معينة في هذا الشأن، فما بالك إذا كانت هذه الأفلام تعالج موضوعات لها قداستها وجلالها. أفلام دينية يروج لها أعداء الإسلام إن بعض الأفلام الدينية التي رخصنا بصنعها ولا تزال تعرض حتى الآن - لا يرغب أعداء المسلمين في أكثر من الحصول على حق توزيعها، وليت أشك في إخلاص معظم منتجي هذه الأفلام، ولكن الإخلاص وحسن النية لا يعالج بهما القصور الفني، ولقد حشدنا كل الإخلاص والنيات الحسنة في فيلم (خالد بن الوليد) مثلا: ولكني أعتقد أننا نلنا من شخصية

стр. 1932

خالد في هذا الفيلم ما عجز عن نيله الروم والفرس، وقد يقال: إن قصة الفيلم مكتوبة في أسلوب وهيكل رائعين، ولكن الكتابة الممتازة لا تكفي وحدها، فمسرحيات (شكسبير) هي هي بنصها على مسرح (الأولدفيك) ، وعلى مسرح (الانشراح) في بغداد، ولكن الفارق بين الأدائين هو نفس الفارق بين ترجمة حياة ينتجها للسينما كل من ستوديو (متروجو لدوين) وستوديو (شبرا) ، والتمثيل الممتاز لا يكفي كذلك وحده ولا يكفي الإخراج، أو التصوير. . إلخ. . فإن العمل السينمائي يتألف من عشرات الحلقات المتصلة التي يجب أن تكون جميعها قوية متماسكة، وفي مستوى متقارب. . ونحن للأسف لم نصل بعد إلى الدرجة التي ننتج فيها فيلما خطيرا تصل نسبة الكمال فيه إلى درجة عالية؛ ولذلك يجب أن تقتصر تجاربنا على الموضوعات العادية، ولا نقحم الدين في هذه التجارب. إن أفلام (الوصايا العشر) و (الرداء) و (كوفاديس) التي ضرب الأستاذ التابعي المثل بها قد تكلف الواحد منها بين ستة ملايين و١٣ مليونا من الدولارات، وعبئت من أجلها أقوى الطاقات الفنية، ولا يزال أناس يتصدون بالقول، إنما نصنع أفلاما ممتازة على مستوى الأفلام العالمية. والدليل على ذلك: أن أصحاب هذه الأفلام لا يجدون متفرجين لها حتى في بلادنا، ويطالبون الحكومة بأن توفر لهم جمهورا بقوة القانون، والدليل الآخر: أن فيلما واحدا من هذه الأفلام لم ينل جائزة من الدرجة الثالثة في أي مهرجان دولي أو شبه دولي. ويقول فريق أكثر اعتدالا: إن علينا أن نستعين بالخبراء الأجانب في إخراج أفلام عن ظهور الإسلام وفتوحاته وحضارته وأبطاله.

стр. 1933

وهذا رأي غير مدروس، فقد ثبت بالتجربة أن العمل الفني عن دين ما يجب أن يضطلع به رجل يعتنق هذا الدين ويؤمن به في قرارته، ولقد كنت في الولايات المتحدة عند عرض فيلم (الوصايا العشر) والذي لا يعرفه أكثر الناس أن النقاد اليهود قابلوا الفيلم بجفوة، ووصفوه بأنه جنسيا أكثر منه دينيا، ونقموا على مخرج الفيلم اختياره لتمثيل دور فرعون نجما محبوبا (يول برينز) أكثر من الذي قام بدور موسى (شارلتون هستون) ، ولو أن (سيسل ديميل) كان يهوديا لتلافى هذا النقد، أو لما كان عمله موضع شبهة. وشبيه بذلك ما قرأته أخيرا عن رفض مدينة (سلبي) بمقاطعة (يوركشير) الإنجليزية تمثالا ضخما للسيد المسيح من صنع المثال اليهودي (أبشتاين) بحجة أن ملامح التمثال تدل على القسوة والفظاظة، إنني أول من يمني النفس بكتابة قصة عمر ﵁ للسينما، ولكن في الوقت ذاته أعتقد أن قصورنا الفني لن يحقق في الوقت الحالي مثل هذه الأمنية، حينما نستطيع أن نخرج أفلاما عن أمجادنا الدينية في نفس المستوى الذي يخرج فيه الغرب أمثال هذه الأفلام عن أمجاده، فإن التردد والاعتراض يكونان وقتئذ خطأ كبيرا. من أجل ذلك أعتقد أن مشيخة الأزهر كانت موفقة في رأيها الخاص في قصة (يوسف الصديق) ، كما كانت كذلك غير متناقضة مع نفسها حينما لم تبادر فتعترض على حديث نشر في (الأهرام) عام ١٩٥٥م جاء فيه: أن (سيسل ديميل) يبحث عن ممثل يسند إليه القيام بتسجيل (صوت الله) باللغة العربية في الطبعة التي ستوزع من فيلم (الوصايا العشر) في البلاد الإسلامية؛ لأنه ونحن الآن في عام ١٩٥٩م لم يعرض الفيلم المذكور بعد

стр. 1934

في أي بلد إسلامي، وأعتقد أنه لن يعرض أبدا في جمهوريتنا لأسباب أخرى غير الدين، وأغلب الظن أن (حديث الأهرام) المشار إليه لم يكن صحيحا؟ لأنني- للمصادفة- لازمت (مستر ديميل) خلال السنوات الثلاث التي أنتج فيها هذا الفيلم ووقفت على خطته ورأيه في هذا الشأن. . اهـ وقصارى القول: أن من جرم تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ نظرا إلى ما لهم من مكانة عالية عند الله بوأهم إياها في محكم كتابه، وبينها رسول الله ﷺ في صحيح سنته، مع ما هو الشأن في التمثيل من اللهو والمجون، وما عليه أكثر الممثلين من الاستهتار والولع بالخيال الكاذب، وعدم تحري الحقائق التاريخية، وما عرف عنهم من مجاراة رواد المسارح وعشاق التمثيل؛ تحقيقا لرغباتهم، وإرضاء لأهوائهم، وإشباعا لميولهم وغرائزهم المنحرفة، أملا في زيادة الكسب بكثرة الوافدين إليهم- ففي تمثيلهم الصحابة مدعاة إلى انتقاصهم، والحط من قدرهم، وذريعة إلى السخرية منهم، والاستهزاء بهم، وفي هذا منافاة للكرامة التي أكرمهم الله بها، ومناقضة للثناء الذي أثنى به عليهم رسول الله ﷺ ، وكفى بهذا مانعا من الدخول لهم هذا المدخل الكريه. ومن أجاز من العلماء تمثيل الصحابة فإنما بنى فتواه على ما جاء في السؤال من أن القصد إظهار مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب مع التحري للحقيقة، وضبط السيرة، وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه رغبة في العبرة والاتعاظ. ومن عرف حال الممثلين وما لهم من أغراض، وحال الوافدين إلى المسارح، وما يهدفون إليه- عرف أن هذا النوع من

стр. 1935

التصوير للتمثيل مجرد فرض وتقدير يأباه واقع الممثلين وروادهم، وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم. هذا ما تيسر جمعه وإعداده، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم. اللجة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1936

قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٣) وتاريخ ١٦\ ٤ \ ١٣٩٣ هـ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين ١\ ٤ \ ١٣٩٣هـ، و ١٠\٤\١٣٩٣ هـ قد اطلعت على خطاب المقام السامي رقم (٤٤\ ٩٣\ ١) وتاريخ ١\ ١\ ١٣٩٣ هـ، الموجه إلى رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والذي جاء فيه ما نصه: نبعث إليكم مع هذا الرسالة الواردة إلينا من طلال ابن الشيخ محمود البسني المكي مدير عام شركة لونا فيلم من بيروت بشأن اعتزام الشركة عمل فيلم سينمائي يصور حياة (بلال) مؤذن رسول الله ﷺ ونرغب إليكم بعد الاطلاع عليها عرض الموضوع على كبار العلماء لإبداء رأيهم فيه وإخبارنا بالنتيجة: وبعد اطلاع الهيئة على خطاب المقام السامي وما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ذلك وتداول الرأي فيه- قررت الهيئة بالإجماع ما يلي: ١ - أن الله أثنى على الصحابة، وبين منزلتهم العالية، ومكانتهم الرفيعة. وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية أو فيلم سينمائي منافاة لهذا الثناء الذي أثنى الله تعالى عليهم

стр. 1937

به، وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها الله لهم وأكرمهم بها. ٢ - أن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعا للسخرية والاستهزاء به، ويتولاه أناس غالبا ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة، والأخلاق الإسلامية، مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي، وأنه مهما حصل من التحفظ فيشتمل على الكذب والغيبة، كما يضع تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم في أنفس الناس وضعا مزريا، فتتزعزع الثقة بأصحاب الرسول ﷺ ، وتخف الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين، وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم، والجدل والمناقشة في أصحاب محمد ﷺ ، ويتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله، ويجري على لسانه سب بلال وسب الرسول ﷺ وما جاء به من الإسلام، ولا شك أن هذا منكر، وكما يتخذ هدفا لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم، وكتاب ربهم، وسنة نبيهم محمد ﷺ . ٣ - ما يقال من وجود مصلحة، وهي: إظهار مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، مع التحري للحقيقة، وضبط السيرة، وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه؛ رغبة في العبرة والاتعاظ- فهذا مجرد فرض وتقدير، فإن من عرف حال الممثلين وما يهدفون إليه عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين، ورواد التمثيل، وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم. ٤ - من القواعد المقررة في الشريعة: أن ما كان مفسدة محضة أو راجحة فإنه محرم، وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه، فمفسدته

стр. 1938

راجحة؛ فرعاية للمصلحة، وسدا للذريعة، وحفاظا على كرامة أصحاب محمد ﷺ يجب منع ذلك. وقد لفت نظر الهيئة ما قاله طلال من أن محمدا ﷺ وخلفاءه الراشدين هم أرفع من أن يظهروا صورة أو صوتا في هذا الفيلم- لفت نظرهم إلى أن جرأة أرباب المسارح على تصوير (بلال) وأمثاله من الصحابة إنما كان لضعف مكانتهم، ونزول درجتهم في الأفضلية عن الخلفاء الأربعة، فليس لهم من الحصانة والوجاهة ما يمنع من تمثيلهم وتعريضهم للسخرية والاستهزاء في نظرهم، فهذا غير صحيح؛ لأن لكل صحابي فضلا يخصه وهم مشتركون جميعا في فضل الصحبة وإن كانوا متفاوتين في منازلهم عند الله جل وعلا، وهذا القدر المشترك بينهم وهو فضل الصحبة يمنع من الاستهانة بهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. هيئة كبار العلماء . ... . ... رئيس الدورة الثالثة . ... . ... محمد الأمين الشنقيطي عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح ... عبد العزيز بن باز إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان العبيد ... محمد الحركان عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير

стр. 1939

قرار رقم (١٠٧) وتاريخ ٣ \ ١١\ ١٤٠٣هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد: ففي الدورة العشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف من ٢٥\ ١٠\ ١٤٠٢هـ حتى ٦\ ١١\ ١٤٠٢هـ اطلع المجلس على الأمر السامي رقم (١٢٤٤) وتاريخ ٢٦\ ٧\ ١٤٠٢ هـ المتضمن الرغبة الكريمة في قيام مجلس هيئة كبار العلماء بالنظر في موضوع تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتمثيل الصحابة والتابعين ﵃، وحكم تمثيل الأنبياء وأتباعهم من جانب، والكفار من جانب آخر. بعد صدور الفتوى رقم (٤٧٢٣) وتاريخ ١١\ ٧\ ١٤٠٢هـ من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بتحريم ذلك؛ لأن الموضوع من الأمور المهمة والحساسة، ولا يقتصر أثره على هذه الدولة، بل يتعداها إلى سواها من الدول الإسلامية الأخرى، ولأنه سبق أن أجيز مثل هذا العمل من عدد من مشايخ الدول الإسلامية، وبما أنه سوف يترتب على البت فيه كثير من الأمور التي لها مساس بوسائل الإعلام المختلفة، وما يترتب على ذلك إنتاج وبث كثير من البرامج أو منعها نهائيا، ولأن بعض الدول الإسلامية قد تأخذ المملكة قدوة في ذلك إذا درس من قبل مجلس هيئة كبار العلماء. ولما استمع المجلس إلى فتوى اللجنة الدائمة رأى أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل فأجل البت فيه إلى دورة أخرى. وفي الدورة الثانية والعشرين المنعقدة بمدينة الطائف من العشرين من

стр. 1940

شهر شوال حتى الثاني من شهر ذي القعدة عام ١٤٠٣ هـ أعاد المجلس النظر في الموضوع ورجع إلى قراره السابق رقم (١٣) وتاريخ ١٦\ ٤\١٣٩٣هـ، وإلى الكتاب المرفوع من المجلس بتوقيع رئيس الدورة الخامسة إلى جلالة الملك فيصل ﵀ برقم (١٨٧٥ / ١) وتاريخ ٢٧\ ٨\ ١٣٩٤ هـ المتضمن تأييد مجلس هيئة كبار العلماء لما قرره مؤتمر المنظمات الإسلامية من تحريم إظهار فيلم محمد رسول لله، وإخراجه، ونشره، سواء فيما يتعلق بالرسول ﷺ ، أو بأصحابه الكرام ﵃؛ لما في ذلك من تعريض مقام النبوة، وجلال الرسالة، وحرمة الإسلام، وأصحاب الرسول ﷺ للازدراء والاستهانة والسخرية، وبعد المناقشة وتداول الرأي قرر المجلس تأييد رأيه السابق الذي تضمنه القرار والكتاب المشار إليهما آنفا. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه. هيئة كبار العلماء . ... . ... رئيس الدورة . ... . ... عبد العزيز بن صالح عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن ... راشد بن خنين عبد الله بن منيع ... صالح اللحيدان ... عبد الله بن غديان . ... . ... عبد الله بن قعود

стр. 1941

(٧) إقامة أكشاك في منى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 1942

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إقامة أكشاك في منى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه، وبعد: فبناء على المعاملة الواردة من وزارة الداخلية برقم (١٧\ ٢٣٣٠١) وتاريخ ٢٩\ ٦\ ١٣٩٣ هـ بخصوص طلب بعض المطوفين إقامة أكشاك في منى من دورين لاستيعاب قدر أكبر من الحجاج، وتوجيه جلالة الملك حفظه الله في خطابه رقم (١٣٢١٢) وتاريخ ٤\٦\ ١٣٩٣ هـ بأن يؤخذ رأي المشايخ في هذا الخصوص. وبناء على ما تقرر من عرض الموضوع على هيئة كبار العلماء في دورتها الرابعة، وبناء على المادة (٧) من لائحة سير العمل لدى الهيئة. أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا فيما يتعلق بذلك. ونظرا لعدم ورود نص صريح في الكتاب والسنة يتبين منه حكم ذلك- رأت اللجنة أن تشير إلى ما كان عليه العمل في عهد النبي ﷺ ، وما جرت عليه الأمة بعده من ضرب خيام بمنى في موسم الحج، وأن تذكر ما ورد في السنة من النهي عن البناء في منى، وأن منى مناخ من سبق، وتذكر طرفا من كلام الفقهاء؟ عسى أن يكون في المقارنة بين إقامة الأكشاك،

стр. 1943

وبين ما ذكر تقريب للحكم في هذه المسألة، وفيما يلي بيان ذلك: من المعلوم أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة نص صريح يدل على حكم إقامة أكشاك من خشب ونحوه بمنى في موسم الحج؛ رغبة في التوسعة على الحجاج، وحلا لمشكلة الزحام التي تزداد باطراد في منى كل عام أيام رمي الجمرات، لكن ثبت أن الخيام كانت تضرب بمنى أيام النزول؛ لأداء النسك في عهد النبي ﷺ ، واستمر العمل على ذلك إلى يومنا، كما روي عنه ﷺ أنه نهى عن البناء في منى، وأنه قال: «منى مناخ من سبق (١) » ، وكره أهل العلم قديما وحديثا البناء بها، ونصوا على المنع من ذلك. وعلى هذا فيمكن لقائل أن يقول: إن إقامة أكشاك بمنى إن كان على وجه يصعب معه حلها بعد تركيبها، أو لا يتأتى معه حلها بعد تركيبها إلا بعناء- فإقامتها أشبه بالبناء منها بالخيام، وهي إليه أقرب؛ لغلبة القصد إلى الدوام في مثل ذلك، فتعطى حكم البناء، وإن كانت إقامتها على حال يسهل معها الحل بعد التركيب- فهي إلى ضرب الخيام أقرب، وبه أشبه، فتعطى حكم الخيام، فإن كلا منهما يغلب فيه عدم القصد إلى الدوام والاستقرار، ويبعد أن ينتهي إلى دعوى التملك والاختصاص، إنما أقيم مؤقتا؛ لينزل به الحجاج أياما معدودة. ولقائل آخر أن يقول: إن إقامة الأكشاك بمنى ملحق بالبناء على كل حال، أما إلحاقها به في الحال الأولى فلما ذكر من قوة شبهها به في القصد إلى الدوام، والإشعار بالتملك أو الاختصاص، إذ لا فرق فيما أقيم على هذا الوجه بين أن يكون من حجارة أو أخشاب أو نحوهما. وأما الحالة

стр. 1944

الثانية فإنها وإن كانت شبيهة بضرب الخيام من جهة سهولة فكها بعد تركيبها، وإزالتها بعد إقامتها- غير أنها قد تفضي على مر الأيام وطول العهد إلى الإبقاء عليها في مكانها، وتنتهي إلى الطمع في سكناها، ودعوى تملكها أو الاختصاص بها، ومن القواعد العامة في الشريعة: سد ذرائع المحظورات، والقصد إلى حماية الناس من المحرمات، والتحذير من الحوم حول حماها خشية الوقوع فيها، كما دل عليه حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه (١) » . . . إلى آخر الحديث. فينبغي منع ذلك. وجملة القول: أن المسألة نظرية للاجتهاد فيها مجال؛ لترددها بين مباح ومحظور، وأخذها بطرف من الشبه بكل منهما، شأنها في ذلك شأن كثير من مسائل الفقه التي تندرج تحت قياس الشبه، أو يرجع في بيان حكمها إلى القاعدة القائلة: (الأمور بمقاصدها) ، ومنها: سد ذرائع المحظورات. وفيما يلي ذكر ما ورد من السنة في حكم البناء بمنى، وطرف من كلام الفقهاء في ذلك: في [مسند الإمام أحمد] : حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا إسرائيل وزيد بن الحباب، قال: أخبرني إسرائيل - المعني- عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، عن عائشة: ألا نبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس؟

стр. 1945

فقال: «لا، إنما هو مناخ لمن سبق إليه (١) » . قال الشيخ أحمد البنا: جاء في رواية ابن ماجه: (بيتا) ، وفي رواية الترمذي: (بناء) ، وفي رواية أبي داود: (بيتا أو بناء) ، كما هنا. أي: لا تبنوا لي بناء بمنى، لأنه ليس مختصا بأحد دون آخر من الناس، إنما هو موضع العبادة من الرمي والذبح والحلق ونحوها يشترك فيه الناس، فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية؛ تأسيا به ﷺ ، فتضيق على الناس، وكذلك حكم الشوارع ومواضع الأسواق. وعند الإمام أبي حنيفة: أرض الحرم موقوفة؛ لأن رسول الله ﷺ فتح مكة قهرا، وجعل أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد. كذا في [المرقاة] . اهـ. وروى أبو داود بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنى بيتا، أو بناء يظلك من الشمس؟ «فقال: "لا، إنما هو مناخ من سبق إليه " (٢) » . وقال أبو الطيب شمس الحق في شرحه لهذا الحديث: (ألا نبني) من البناء، أي: نحن معاشر الصحابة، "مناخ" بضم الميم، موضع الإناخة، «"من سبق إليه (٣) » ، والمعنى: أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء. وقال الطيبي: معناه: أتأذن أن نبني لك بيتا في منى؛ لتسكن فيه؟ فمنع وعلل: بأن منى موضع لأداء النسك من النحر ورمي الجمار والحلق، يشترك فيه الناس، فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية؛ تأسيا به، فتضيق

стр. 1946

على الناس، وكذلك حكم الشوارع ومقاعد الأسواق. قال المنذري. وأخرجه الترمذي وابن ماجه عن أمه مسيكة، وذكر غيرهما أنها مكية. اهـ (١) . وقال ابن القيم: قال ابن القطان: وعندي أنه ضعيف، لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة، وهي مجهولة، لا نعرف روى عنها غير ابنها. والصواب: تحسين الحديث، فإن يوسف بن ماهك من التابعين، وقد سمع أم هانئ، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وقد روى عن أمه، ولم يعلم فيها جرح، ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث، وأمه تابعية قد سمعت عائشة (٢) اهـ. وقال ابن ماجه: باب النزول بمنى، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنى بيتا؟ «قال: " لا، منى مناخ من سبق (٣) » . حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة قالت: قلنا: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنى بيتا يظلك؟ قال: «لا، منى مناخ من سبق (٤) » . وقال الترمذي: باب ما جاء أن منى مناخ من سبق، حدثنا يوسف بن عيسى ومحمد بن أبان قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن

стр. 1947

مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة قالت: قلنا يا رسول الله، ألا نبني لك بيتا يظلك بمنى؟ قال: «لا، منى مناخ من سبق (١) » . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن العربي: باب منى مناخ من سبق- مسألة: عن عائشة ﵂ قالت: قلنا: يا رسول الله، ألا أنشئ لك بيتا يظلك من منى؟ قال: «لا، منى مناخ من سبق (٢) » . قال ابن العربي: قال أبو عيسى. هذا حديث حسن. وهو يقتضي بظاهره أن لا استحقاق لأحد بمنى إلا بحكم الإناخة بها؛ لقضاء النسك في أيامها، ثم يبنى بعد ذلك بها ولكن في غير موضع النسك، ثم خربت فصارت قفراء، وكنت أرى بمدينة السلام يوم الجمعة كل أحد يأتي بحصيره وخمرته فيفرشها في جامع الخليفة، فإذا دخل الناس إلى الصلاة تحاموها حتى يأتي صاحبها فيصلي عليها، فأنكرت ذلك، وقلت لشيخنا فخر الإسلام أبي بكر الشاشي: أيوطن أحد في المسجد وطنا أو يتخذ منه مسكنا؟ قال: لا. ولكن إذا وضع مصلاه كان أحق بذلك الموضع من غيره؛ لقول النبي ﷺ : «منى مناخ من سبق (٣) » . فإذا نزل رجل بمنى برحله ثم خرج لقضاء حوائجه لم يجز لأحد أن ينزع رحله لمغيبه منه. قال ابن العربي: وهذا أصل في جواز كل مباح للانتفاع به، خاصة الاستحقاق والتملك (٤) . اهـ. وقال عبد الرحمن المباركفوري: قوله: (عن يوسف بن ماهك) بفتح هاء وبكاف ترك صرفه، وعند الأصيلي مصروف- كذا في [المغني] ثقة من

стр. 1948

الثالثة (عن أمه مسيكة) بالتصغير: المكية لا يعرف حالها من الثالثة، كذا في [التقريب] ، وذكرها الذهبي في [الميزان] في المجهولات. قوله: (ألا نبني لك بناء) ، وفي رواية لابن ماجه: (بيتا) ، (قال: لا) أي لا تبنوا بناء بمنى؛ لأنه ليس مختصا بأحد، إنما هو موضع العبادة من الرمي وذبح الهدي والحلق ونحوها، فلو أجيز البناء فيه لكثرت الأبنية وتضيق المكان، وهذا مثل الشوارع ومقاعد الأسواق، وعند أبي حنيفة: أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يملكها أحد، (منى) مبتدأ «مناخ من سبق (١) » خبر مبتدأ، والمناخ: بضم الميم، موضع إناخة الإبل. قوله: هذا حديث حسن وأخرجه ابن ماجه والحاكم أيضا، ومدار هذا الحديث على مسيكة، وهي مجهولة كما عرفت (٢) .

стр. 1949

وقال الطحاوي: فرأينا المسجد الحرام الذي كل الناس فيه سواء، لا يجوز لأحد أن يبني فيه بناء، ولا يحتجز منه موضعا. وكذلك حكم جميع المواضع التي لا يقع لأحد فيها ملك، وجميع الناس فيها سواء. ألا ترى أن عرفة لو أراد رجل أن يبني في المكان الذي يقف فيه الناس فيها بناء لم يكن ذلك له. وكذلك منى لو أراد أن يبني فيها دارا كان من ذلك ممنوعا، وكذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ ، حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا الحكم بن مروان الضرير الكوفي، قال: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نتخذ لك بمنى شيئا تستظل به؟ «فقال: "يا عائشة، إنها مناخ

стр. 1950

لمن سبق (١) » . أفلا ترى أن رسول الله ﷺ لم يأذن لهم أن يجعلوا له فيها شيئا يستظل به؛ لأنها مناخ من سبق، ولأن الناس كلهم فيها سواء. حدثنا حسين بن نصر قال: حدثنا الفريابي. ح. وحدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، وكانت تخدم عائشة أم المؤمنين، فحدثته عن عائشة مثله. قال: وسألت أمي مكان عائشة ﵂ بعد ما توفي النبي ﷺ أن تعطيها إياه. فقالت لها عائشة: لا أحل لك، ولا لأحد من أهل بيتي أن يستحل هذا المكان، تعني: منى. قال أبو جعفر: فهذا حكم المواضع التي الناس فيها سواء، ولا ملك لأحد عليها. اهـ المقصود [ (٢) . وقال النووي في إجابته عن أدلة من منع بيع أرض مكة، وما في حكمها وكراء دورها: وأما حديث: «منى مناخ من سبق (٣) » فمحمول على مواتها ومواضع نزول الحجيج منها. اهـ (٤) . وقال عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي بعد أن ذكر الخلاف في منع بيع دور مكة وكرائها بناء على أنها فتحت عنوة وجواز ذلك بناء على أنها فتحت صلحا: قال ابن عقيل: وهذا الخلاف في غير مواضع المناسك، أما بقاع المناسك- كموضع المسعى والرمي - فحكمه حكم المساجد بغير خلاف. اهـ (٥) .

стр. 1951

وقال المرداوي: وعلى الرواية الثانية في أصل المسألة يجوز البيع والإجارة بلا نزاع. لكن يستثنى من ذلك بقاع المناسك؟ كالمسعى، والرمي، ونحوها- بلا نزاع. والطريقة الثانية: إنما يحرم بيع رباعها وإجارتها؛ لأن الحرم حريم البيت والمسجد الحرام، وقد جعله الله ﴿لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١) فلا يجوز لأحد التخصص بملكه وتحجيره، لكن إن احتاج إلى ما في يده منه سكنه، وإن استغنى عنه وجب بذل فاضله للمحتاج إليه، وهو مسلك ابن عقيل في نظرياته، وسلكه القاضي في خلافه، واختاره الشيخ تقي الدين، وتردد كلامه في جواز البيع فأجازه مرة ومنعه أخرى. اهـ (٢) . وقال القاضي أبو يعلى: فأما ما طاف بمكة من نصب حرمها فحكمه في تحريم البيع والإجارة حكمها، قال في رواية مثنى الأنباري وقد سأله: هل يشترى من المضارب- يعني: التي بمنى؟ - قال: لا يعجبني أن يشترى ولا يباع، وكذلك الحرم كله. فقد بين أن جميع الحرم حكمه حكم مكة. وقال في رواية أبي طالب: لم يكن لهم أن يتخذوا بمنى شيئا. فإذا اتخذوا فلا يدخله أحد إلا بإذنه، قد كان سفيان اتخذ بها حائطا وبنى فيه بيتين. وربما قال لأصحاب الحديث: بقوها فلا يدخل رجل مضرب رجل إلا بإذنه. وظاهر هذا أنه قد أجاز البناء بمنى على وجه ينفرد به. وقال في رواية ابن منصور: (أما البناء بمنى فإني أكرهه) . فظاهر هذا: المنع.

стр. 1952

فهذا كله إذا قلنا: إنها فتحت عنوة. فأما إذا قلنا: إنها فتحت صلحا فإنه يجوز بيعها وإجارتها. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب فيما تقدم: إذا كانت أرضا حرة مثل مكة وخراسان - فعليهم الصدقة، لأنهم يملكون رقبتها. فقد نص على ملك رقبة مكة، وشبهها بخراسان، ومعلوم أن أرض خراسان يجوز بيعها. اهـ (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد حدثنا بعض الوفد أنهم كانوا يجمعون ببعض أرضكم، ثم إن بعض أهل العراق أفتاهم بترك الجمعة، فسألناه عن صفة المكان، فقال: هنالك مسجد مبني بمدر، وحوله أقوام كثيرون، مقيمون مستوطنون، لا يظعنون عن المكان شتاء ولا صيفا، إلا أن يخرجهم أحد بقهر، بل هم وآباؤهم وأجدادهم مستوطنون بهذا المكان، كاستيطان سائر أهل القرى، لكن بيوتهم ليست مبنية بمدر، إنما هي مبنية بجريد النخل ونحوه، فاعلموا- رحمكم الله- أن مثل هذه الصورة تقام فيها الجمعة، فإن كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا- تقام فيه الجمعة إن كان مبنيا بما جرت به عادتهم من مدر وخشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك، فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر ويتنقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا، وهذا مذهب جمهور العلماء.

стр. 1953

وبقصة أرضكم احتج الجمهور على أبي حنيفة حيث قال: لا تقام الجمعة في القرى - بالحديث المأثور عن ابن عباس ﵄: أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بالبحرين بقرية يقال لها جواثى من قرى البحرين، وبأن أبا هريرة ﵁، وكان عامل عمر ﵁ على البحرين فكتب إلى أمير المؤمنين عمر يستأذنه في إقامة الجمعة بقرى البحرين فكتب إليه عمر: أقيموا الجمعة حيث كنتم. ولعل الذين قالوا لكم: إن الجمعة لا تقام، قد تقلدوا قول من يرى الجمعة لا تقام في القرى، أو اعتقدوا أن معنى قول الفقهاء في الكتب المختصرة: إنما تقام بقرية مبنية بناء متصلا أو متقاربا بحيث يشمله اسم واحد. فاعتقدوا أن البناء لا يكون إلا بالمدر من طين أو كلس أو حجارة أو لبن، وهذا غلط منهم، بل قد نص العلماء على أن البناء إنما يعتبر بما جرت به عادة أولئك المستوطنين من أي شيء كان، قصب أو خشب ونحوه. ولهذا فالعلماء الأئمة إنما فرقوا بين الأعراب أهل العمد، وبين المقيمين، بأن أولئك يتنقلون ولا يستوطنون بقعة، بخلاف المستوطنين، وقد كان قوم من السلف يبنون لهم بيوتا من قصب، والنبي ﷺ سقف مسجده بجريد النخل، حتى كان يكف المسجد إذا نزل المطر. قالوا: يا رسول الله، لو بنينا لك- يعنون: بناء مشيدا- فقال: بل عريش كعريش موسى. وقد نص على مسألتكم بعينها- وهي: البيوت المصنوعة من جريد أو سعف- غير واحد من العلماء منهم أصحاب الإمام أحمد؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي الحسن الآمدي، وابن عقيل، وغيرهم- فإنهم ذكروا أن كل بيوت مبنية من آجر أو طين أو حجارة أو خشب أو قصب أو

стр. 1954

جريد أو سعف فإنه تقام عندهم الجمعة، وكذلك ذكرها غير واحد من أصحاب الشافعي- ﵃ من الخراسانيين، كصاحب [الوسيط] فيما أظن، ومن العراقيين أيضا أن بيوت السعف تقام فيها الجمعة. وخالف هؤلاء الماوردي في [الحاوي] ، فذكر أن بيوت القصب والجريد لا تقام فيها الجمعة، بل تقام في بيوت الخشب الوثيقة. وهذا الفرق ضعيف مخالف لما عليه الجمهور والقياس، ولما دلت عليه الآثار وكلام الأئمة، فإن أبا هريرة كتب إلى عمر بن الخطاب ﵄، يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين، فكتب إليه عمر بن الخطاب: أن جمعوا حيثما كنتم، وذهب الإمام أحمد إلى حديث عمر هذا. وعن نافع: أن ابن عمر ﵄ كان يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يجمعون في تلك المنازل- فلا ينكر عليهم. فهذا عمر يأمر أهل البحرين بالتجميع حيث استوطنوا، مع العلم بأن بعض البيوت تكون من جريد. ولم يشترط بناء مخصوصا، وكذلك ابن عمر أقر أهل المنازل التي بين مكة والمدينة على التجميع، ومعلوم أنها لم تكن من مدر، وإنما هي إما من جريد أو سعف. وقال الإمام أحمد: ليس على البادية جمعة؛ لأفهم ينتقلون، فعلل سقوطها بالانتقال، فكل من كان مستوطنا لا ينتقل باختياره فهو من أهل القرى. والفرق بين هؤلاء وبين أهل الخيام من وجهين: أحدهما: أن أولئك في العادة الغالبة لا يستوطنون مكانا بعينه، وإن استوطن فريق منهم مكانا فهم في مظنة الانتقال عنه، بخلاف هؤلاء

стр. 1955

المستوطنين الذين يحترثون ويزدرعون، ولا ينتقلون إلا كما ينتقل أهل أبنية المدر. إما لحاجة تعرض، أو ليد غالبة تنقلهم كما تفعله الملوك مع الفلاحين. الثاني: أن بيوت أهل الخيام ينقلونها معهم إذا انتقلوا، فصارت من المنقول لا من العقار، بخلاف الخشب والقصب والجريد، فإن أصحابها لا ينقلونها؛ ليبنوا بها في المكان الذي ينتقلون إليه، وإنما يبنون في كل مكان بما هو قريب منه. مع أن هذا ليس موضع استقصاء الأدلة في المسألة، وهذه المسألة- إقامة الجمعة بالقرى - أول ما ابتدأت من ناحيتكم، فلا تقطعوا هذه الشريعة من أرضكم فإن الله يجمع لكم جوامع الخير. اهـ المقصود (١) . والمشاهد من نقل كلام شيخ الإسلام: أن لا اعتبار لنوع ما أقيم به المسكن، فإن الحكم لا يختلف باختلاف نوعه، وإنما الاعتبار بنية من أقامه أو النازل من حيث القصد إلى الاستقرار أو عدمه، وغلبة أحد الأمرين عليه، سواء كان من مدر أم خشب أم قصب أو خيام أو نحو ذلك، وعلى هذا فلا أثر لكون ما أقيم من المنازل في منى من خيام أو خشب أو قصب أو نحوها، وإنما الأثر لما يغلب على الظن من اتخاذ ذلك من الدوام والاستقرار أو الظعن والارتحال عن المكان.

стр. 1956

وقال ابن القيم: وأما مكة فإن فيها شيئا آخر يمنع من قسمها، ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهي أنها لا تملك، فإنها دار النسك

стр. 1957

ومتعبد الخلق، وحرم الرب الذي جعله ﴿لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١) فهي وقف من الله على العالمين، وهم فيه سواء، «ومنى مناخ من سبق، (٢) » قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) والمسجد الحرام هنا المراد به: الحرم كله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٤) فهذا المراد به: الحرم كله، وقوله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٥) وفي الصحيح: أنه أسري به من بيت أم هانئ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٦) وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة، وإنما هو حضور الحرم، والقرب منه، وسياق آية الحج تدل على ذلك فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧) وهذا لا يختص بمقام الصلاة قطعا، بل المراد به الحرم كله، فالذي ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٨) هو الذي توعد من صد عنه ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه. فالحرم ومشاعره، كالصفا والمروة والمسعى ومنى وعرفة ومزدلفة - لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين الناس، إذ هي محل نسكهم ومتعبدهم، فهي مسجد من

стр. 1958

الله وقفه ووضعه لخلقه؛ ولهذا امتنع النبي ﷺ أن يبنى له بيت بمنى يظله من الحر، وقال: «منى مناخ من سبق (١) » . اهـ (٢) . وقال الحافظ محمد بن أحمد الفاسي: ذكر حكم البناء بمنى: أخبرني إبراهيم بن محمد الدمشقي سماعا بالمسجد الحرام: أن أحمد بن أبي طالب أخبره قال: أخبرنا ابن الليثي قال: أخبرنا أبو الوقت قال: أخبرنا الداودي قال: أخبرنا ابن حمويه قال: أخبرنا عيسى بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: أخبرنا إسحاق قال: أخبرنا وكيع قال: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة - وأثنى عليها خيرا- عن عائشة ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بيتا يظلك؟ «فقال رسول الله ﷺ : لا، إنما هو مناخ من سبق (٣) » أخرجه أحمد بن حنبل في [مسنده] بهذا الإسناد، ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بيتا أو بناء يظلك؟ «فقال رسول الله ﷺ : لا، إنما هو مناخ من سبق (٤) » أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل والترمذي، قال أبو اليمن بن عساكر بعد إخراجه لهذا الحديث: ومفهوم هذا الخطاب يدل على أنه لا يجوز إحياء شيء من مواتها، ولا تملك جهة من جهاتها، فلا ينبغي لأحد أن يختص بمكان من أماكنها دون غيره، فيحظر عليه حظارا، أو يتخذه دارا، وأهل مكة وسواهم في ذلك سواء، قال الله سبحانه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٥) والضمير في قوله: فيه مختلف بين أهل العلم: فمن قال: أراد به جميع الحرم - وهو الأكثر- منع

стр. 1959

من جواز إحياء مواتها وتملكها، ومن ملك منها شيئا قبل ذلك كان هو وسواه في منافعه سواء، فلا يجوز له بيعه ولا كراؤه، ثم قال: ومن تأول الآية على المسجد أجاز بيع دورها وكراءها، وبه قال أبو يوسف والشافعي، وكره مالك على جميعهم البيع والكراء، وفي جواز إحياء موات عرفة ومزدلفة اختلاف بين أهل العلم، وما ذكرنا في منى أولى بالمنع؛ «لقوله ﷺ : إنما هو مناخ لمن سبق (١) » ، و (إنما) في كلام العرب لإثبات المذكور، ولنفي ما سواه، والله أعلم. انتهى باختصار من كلامه عن بعض ما استدل به على عدم الاختصاص في ذلك. وقال المحب الطبري في القرى لما تكلم على هذا الحديث: وقد احتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها، ثم قال: قلت: فيحتمل أن يكون ذلك مخصوصا بمنى؛ لمكان اشتراك الناس في النسك المتعلق بها، فلم ير رسول الله ﷺ لأحد اقتطاع موضع فيها لبناء ولا غيره، بل الناس فيها سواء، وللسابق حق السبق، وكذلك الحكم في عرفة ومزدلفة إلحاقا بها. انتهى. وجزم النووي في [المنهاج] من زوائده بأن منى ومزدلفة لا يجوز إحياء مواتهما، كعرفة، والله أعلم. انتهى. ونقل عن الشافعي: أنه بنى بمنى مضربا ينزل فيه أصحابه إذا حجوا. روى ذلك عنه أبو ثور، وهو أحد رواة القديم، وتمسك به بعضهم على جواز البناء بمنى، وفي العمل به على تقدير صحته عن الشافعي نظر لأمرين: أحدهما: أن الشافعي قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. والحديث

стр. 1960

الوارد في النهي عن البناء بمنى تقوم به الحجة، لأن الترمذي حسنه، وأبا داود سكت عنه، فهو في معنى الصحيح؛ لقيام الحجة به على ما هو مقرر في علم الحديث، فالشافعي حينئذ يقول به ويصير ذلك مذهبه وصحبه، ومثل هذا لا ينكر؛ لأنه وقع للنووي مثله في غير مسألة، ولعل هذا فيما ذكره من عدم جواز إحياء موات منى ومزدلفة مع قياسهما على عرفة، لمشاركتهما لعرفة في علة الحكم، والله أعلم. والأمر الثاني: أنه لا ريب في أن الشافعي على تقدير ثبوت بنائه بمنى لم يكن يحجر بناءه بمنى عن أحد، ولا يأخذ على النزول فيه أجرا، وأن بناءه بمنى لأجل الارتفاق به من جهة الظل، وصيانة الأمتعة، وشبه ذلك، فلا يقاس عليه من لم يقصد ببنائه إلا الاختصاص بنزوله وأخذ الأجرة على نزوله، كما هو الغالب من أحوال أهل العصر، وإلحاق من هو بهذه الصفة لمن حسنت نيته عند الشافعي لا يحسن. والله أعلم. وسمعت قاضي الحرم - جمال الدين أبا حامد بن ظهيرة أبقاه الله- يقول: إن جدي لأمي قاضي مكة، أبا الفضل النويري كان ينكر على البناء بمنى، ويشدد فيه، وينهى أشد النهي. انتهى بالمعنى. وأما ما أفتى به الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفوني الشافعي مؤلف [مختصر الروضة] من أن منى كغيرها في جواز بيع دورها وإجارتها - فإن ذلك غير سديد نقلا ونظرا: أما النقل؛ فلمخالفته مقتضى الحديث، وكلام النووي، وابن عساكر، والمحب الطبري وغيرهم، وأما النظر؛ فلأن أعظم ما يمكن أن يتمسك به في ذلك كون موات الحرم يجوز إحياؤه، ومنى من الحرم فيملك ما أحيي فيها، ويجري فيها أحكام الملك، وهذا

стр. 1961

لا يستقيم؛ لأن في منى أمرا زائدا يقتضي عدم إلحاقها بموات الحرم، وهو كونها متعبدا ونسكا لعامة المسلمين- فصارت كالمساجد وغيرها من المسبلات، وما هذا شأنه لا اختصاص فيه لأحد إلا بالسبق في النزول لا بالبناء. إذ هو ممتنع فيه. فالبناء بمنى ممتنع حينئذ، ولا يملك، ولا يكون كغيره مما يصح تملكه، ويجرى حكم البناء بمنى على حكم البناء بعرفة؛ لمساواتها لعرفة في السبب الذي لأجله امتنع البناء بعرفة على الأصح، فمنى كذلك. والله أعلم. اهـ (١) هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. حرر في ٢٢\ ٩\ ١٣٩٣ هـ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1962

قرار رقم (٢٠) وتاريخ ١٢\ ١١\ ١٣٩٣هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: فبناء على المعاملة المتعلقة بطلب المطوف سراج عمر أكبر السماح له بإقامة أكشاك خشبية في منى من دورين لاستيعاب حجاجه، المشتملة على الأمر الملكي الكريم رقم (١٣٢١٢) وتاريخ ٤\ ٦\ ١٣٩٣ هـ القاضي بأخذ رأي المشايخ في هذا الخصوص والإفادة. فقد جرى إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال هيئة كبار العلماء في دورتها الرابعة، وفي هذه الدورة جرى الاطلاع على أوراق المعاملة بما في ذلك صورة المخطط المعد للأكشاك، كما جرى الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. وبعد الدراسة والمناقشة وتداول الرأي رأى المجلس بأغلبية الأصوات أنه لا يجوز إقامة أكشاك بمنى على الصفة الموضحة بالمخطط المرفق بالمعاملة، فإنها متى أقيمت على هذه الصفة، وكان تأسيسها مبينا على تصميمات فنية، وأسس قوية يرتاح إلى متانتها وتحملها، كما جاء في قرار لجنة الحج العليا رقم (٦) وتاريخ ٢٣\ ٢\ ١٣٩٣ هـ فهي إذن في حكم البناء، إذ لا فرق فيما أقيم على وجه من شأنه الثبات والدوام بين أن يكون من حجارة أو لبن أو أخشاب أو غير ذلك، ومع هذا فإنها قد تفضي على مر الأيام وطول العهد إلى الإبقاء عليها في مكانها، وتنتهي إلى الطمع في تملكها أو الاختصاص بها على الأقل، ودعوى أنها لا تكون ثابتة، وأنها

стр. 1963

يسهل فكها بعد تركيبها - لا تتفق مع إقامتها على الصفة الموضحة في المخطط، ولا مع الشرط الذي ذكرته لجنة الحج العليا في قرارها، بل إقامتها كذلك من شأنه ثباتها وبقاؤها؛ تفاديا من متاعب إقامتها كل عام، وحرصا على عدم النفقات المتكررة، وحفظا للمال من الخسائر التي تنشأ عن تلف بعض ما أقيم على هذه الصفة عند فكها، وطمعا في الانتفاع بها، ثم الوصول إلى دعوى الاختصاص بها على الأقل. أما الشيخان عبد المجيد حسن وعبد الله بن منيع فإنهما لا يريان في ذلك مانعا شرعيا، ولهما وجهة نظر مرفقة. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة الرابعة عبد الله بن محمد بن حميد عبد الله خياط ... محمد الأمين الشنقيطي ... عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن باز إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد ... محمد الحركان عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير

стр. 1964

وجهة نظر الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإذا كان الأمر كما جاء في قرار لجنة الحج العليا من أن هذه الأكشاك بديل عن الخيام فقط، وأنها تزال بعد انتهاء موسم الحج من كل عام، فإذا لم يكن فيها تعريض لحجاج بيت الله الحرام للأذى والمضرة، سواء الساكن فيها وغيره من الحجاج - إذا كان الأمر كذلك ولم يكن في هذا الإجراء مضرة ولا أذى، فلا يظهر لنا مانع شرعي يحول دون جواز ذلك؛ لأن للحاج الارتفاق بالأرض التي يحلها في منى أيام الحج بأي وجه يراه، مما لا يتعارض مع المقاصد الشرعية، فإذا انقضت أيام الحج انتهى حقه في الارتفاق بتلك الأرض ذلك العام، ولا يظهر لنا وجه القول بأن هذا وسيلة إلى التملك أو الاختصاص لثلاثة أمور: أحدها: أن إزالة هذه الأكشاك كل عام بعد انتهاء الحج كما تزال الخيام يمنع الاحتجاج بالاختصاص على فرض وروده شرعا، مع أن احتمال دعوى الاختصاص غير واردة؛ لمعرفة الخاص والعام: أن منى مناخ من سبق. وألا اختصاص لأحد فيها بغير السبق. الثاني: ما عليه جمهور أهل العلم من منع التملك في منى مما هو مشهور ومعلوم لدى العموم، حيث لا يمكن تصور قيام أحد بدعوى التملك فيها شرعا، ولا يرد على ذلك واقع ما في منى من أبنية يتمسك أهلها بدعوى تملك ما هي عليه، فإن دعوى تملكها دعوى باطلة. وقد بنت الحكومة أيدها الله بنصره - على بطلان دعوى التملك في تعويضها- ما

стр. 1965

قامت بهدمه من هذه المباني، حيث قصرت التعويض على الأنقاض فقط. الثالث: أن مجموعة من الحجاج والمطوفين قد اعتادوا أن ينزلوا في منى في أماكن معينة منذ سنين طويلة، ولم يكن هذا الاعتبار شافعا لأحدهم بدعوى الاختصاص فيما لو سبقه غيره في ذلك المنزل وفوق ذلك كله فإن للحكومة - أعزها الله وأدام تمكينها - من الهيبة والقوة والحرص على رعاية مصالح حجاج بيت الله الحرام، والعناية وتمام الاهتمام بالمشاعر المقدسة بحال تقطع على أهل النوايا السيئة كل هدف وتفكير. والله من وراء القصد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عضو هيئة كبار العلماء ... عضو هيئة كبار العلماء عبد المجيد حسن ... عبد الله بن سليمان بن منيع
следующие страницы →