المستندات الخاصة بها إلى المصرف، وتفاديه خطر تنازل المشتري عن ملكيتها، واستفتاؤه عن الاستقصاء في الحصول على معلومات عن المشترى منه، وثقة المشتري بالحصول على البضاعة التي اشتراها بسهولة، واطمئنانه إلى صحة مستندات الشحن وغيرها أو استدراك ما قد يكون فيها من نقص أو خطأ بأسرع ما يمكن لقيام المصرف عنه بفحصها، وتيسير تبادل المنافع، وسرعة تداول رءوس الأموال المستثمرة في التجارة، وتنشيط الحركة التجارية، وتوفير السلع في الأسواق للمستهلكين، وغير ذلك من المصالح.
٣ - قد يكون الاعتماد المستندي قابلا للإلغاء بمعنى: أنه يجوز لكل من المصرف والآمر الرجوع فيه فليس عقدا نهائيا ولا قابلا لتأييده من بنك آخر، وإنما هو عقد وكالة، وقد يكون قطعيا نهائيا فلا يجوز لأحد من أطرافه الرجوع فيه، وهذا قد يؤيد من بنك آخر، فيكسب زيادة ثقة وقوة ائتمانية، وتزيد أطرافه تبعا لعدد مرات التأييد، وقد يكون غير مؤيد من بنك آخر اكتفاء بالثقة بالمصرف الذي فتح الاعتماد، فتبقى أطرافه ثلاثة.
٤ - يجب على المصرف دفع الثمن مع توابعه كاملا للمصدر عند وصول الفاتورة ووثائق الشحن والتأمين من المخاطر، أما المشتري فإن دفع الثمن وما يتبعه من عمالة وفائدة للمصرف فيها، وإن أبى تصرف المصرف في البضاعة؛ لأنها رهن في حقه يستوفى منه، فإن نقص عن حقه فليس له الرجوع على البائع - المستفيد - لتنازله عن حقوقه لدول حتى يطمئن على تمام الصفقة والوفاء إلا إذا كان قد شرط عليه ابتداء الرجوع عند رفض
стр. 2977
المشتري تسليم البضاعة.
٥ - ومن هذا يتبين أن فتح الاعتماد المستندي يشتمل على ما يلي:
أ - طالب فتح الاعتماد وهو المستورد ويسمى: الآمر.
ب - المصدر وهو البائع - المستفيد.
ج - وسيط بينهما وهو المصرف.
د - العوضين - الثمن والبضاعة.
هـ - مبلغ يدفعه المستورد زيادة على الثمن يعتبر أجرة للمصرف على خدماته وضمانه وفائدة لما دفعه عنه.
وما قد يدفعه المستورد من الثمن للمصرف مقدما.
٦ - طبيعتها القانونية:
اختلف علماء القانون والاقتصاد في تحديد طبيعتها:
فقيل: إن علاقة البنك بالمشتري تعتبر عقدا بعيدا عن العقود المدنية؛ لما له من أحكام خاصة، منها: أنه ينشئ التزاما لصالح البائع مستقلا عن مصدره، فكان عقدا غير مسمى.
وقيل: إنه عقد كفالة من المصرف للمشتري، لالتزامه بما عليه أمام البائع.
وقيل: إنه عقد بين البنك والمشتري اشترط فيه المشتري أن يكون الاعتماد لصالح البائع فلا يجوز للمصرف ولا للمشتري الرجوع فيه؛ لأن الحق فيه صار للبائع.
وقيل: إنه عقد إنابة؛ لأن المشتري أناب المدين له بمقتضى الاعتماد، ليقوم بسداد ما عليه للبائع من ثمن البضاعة.
стр. 2978
وقيل: إنه تقابل إرادتين عن طريق وسيط فالبنك والبائع يتعاقدان هنا عن طريق المشتري، ويتم التعاقد عندما يفتح الاعتماد.
وقيل: إنه وعد من البنك بأداء مبلغ معين للبائع إذا قدم المستندات اللازمة كالوعد بجائزة على عمل معين، فهو من باب الإرادة المنفردة.
وقيل: إنه عقد وكالة من المستورد للمصرف، وقيل: عقد حوالة من المستورد للبائع على المصرف بثمن البضاعة وتوابعه.
واختار الدكتور محمد جمال الدين عوض والدكتور علي البارودي القول: بأن التزام البنك يصدر عن إرادة منفردة.
وهذه الآراء لم يسلم أي واحد منها من مناقشة علماء القانون والاقتصاد، ومهما يكن من اختلاف رأيهم في طبيعتها ومناقشة الأقوال في ذلك فالعبرة ببيان حقيقتها في الفقه الإسلامي، فإن ذلك هو الأصل الذي يبنى عليه حكم علماء الإسلام فيها.
٧ - حقيقتها في الفقه الإسلامي وحكمها:
خرجها بعض المعاصرين من علماء الفقه الإسلامي على أحد أسس ثلاثة:
الأول: أنها عقد وكالة يتضمن رهنا ضمنيا لبضاعة المشتري لدى الوكيل، ليستوفي حقه منها إذا لم يسلمه الموكل. ثم نقده بأنه يتنافى مع كون المصرف بهذا العقد مدينا أصليا للمستفيد حل محل الآمر، فبرئت بذلك ذمة الآمر تجاه المستفيد، كما هو الحكم المقرر قانونا، وإذن فلا يصح أن يعتبر وكيلا (١)
ويمكن أن يضاف إلى ذلك أن هذا يتنافى مع كون
стр. 2979
العلاقة بين المصرف والمستفيد مستقلة عن العلاقة بين الآمر والمستفيد، حيث إن عقد الوكالة يقضي بالارتباط بين العلاقتين.
الثاني: أنها عقد حوالة، فالآمر وهو المشتري - محيل - والمستفيد وهو البائع - محال - والمصرف محال عليه، ثم نفذ ذلك بأن ما تقرر في التقنيات الحديثة من أنه لا علاقة للمصرف الذي أصدر الاعتماد بصحة البيع أو بطلانه يتنافى مع الوجهة الإسلامية في الحكم ببطلان الحوالة ببطلان البيع الذي بنيت عليه.
ثم أجاب: بأن هذا الفرق بين الوجهتين نظري، وأن النتيجة واحدة، حيث إن المصرف إذا نفذ التزامه رجع على الآمر بالقيمة قانونا صح البيع أو بطل، كما أن المحال عليه وهو المصرف يرجع بما دفعه للمحال وهو البائع على المحيل وهو المشتري في الفقه الإسلامي صح البيع أو بطل.
لكن قد يقال: إن الحوالة: نقل دين من ذمة إلى أخرى، وليس هذا متحققا في مسألتنا، وإنما فيها إنشاء دين في ذمة المصرف يلتزم به لشخص من أجل دين سينشأ له في ذمة من هو بصدد الشراء منه؛ ولذا سمى بعض العلماء هذا وكالة على الاستيفاء لما سيجد من الدين، وقد رد صاحب هذا التخريج جعل الاعتماد المستندي حوالة.
الثالث: أنها تعتبر عقدا مستحدثا في المعاملات دعت إليه الحاجة، وهو جائز ما لم يصادم أصلا شرعيا. اهـ بتصرف.
وقد يقال: هذا تخريج سليم إذا لم يمكن تخريجها على عقد فقهي أو عقود فقهية باعتبارات مختلفة، وما لم تثبت مصادمته لأدلة الشريعة.
стр. 2980
وفيما يلي محاولات لتخريجه على عقود الفقه الإسلامي المعروفة، ثم بيان حكمه:
في الاعتمادات المستندية ثلاث علاقات: علاقة بين المصرف والآمر وهو طالب فتح الاعتماد، وعلاقة بين المصرف وبين المستفيد من فتح الاعتماد وهو البائع من أجل التزامه بدفع المبلغ له، وعلاقة بين المستفيد والآمر من أجل صفقة البيع، وبين هذه العلاقات في الحقيقة ارتباط وثيق من حيث منشؤها والداعي إلى وجودها، فإن التزام البنك بالدفع للبائع المستفيد إنما كان بناء على طلب المشتري من البنك فتح الاعتماد، وطلبه إنما كان لتحقيق رغبة البائع وإثبات جدية الصفقة واطمئنانه إلى وصول الثمن إليه بسهولة وسرعة، وهذا الارتباط لا يزال قائما حتى النهاية، بدليل أن الصفقة إذا تمت مستوفية للشروط ودفع المشتري الثمن وما يتبعه عند تسلم الوثائق للبائع عن طريق البنك أو بوجه آخر برئت ذمته وذمة البنك، وإن أبى مع استيفاء الشروط استوفى البنك حقه من البضاعة وما قد يكون دفعه مقدما للبنك، فإن نقص عن الوفاء بحقه رجع بالباقي له على المشتري في ذمته. وإن أثبت المصرف عدم استيفاء الوثائق للشروط حين وصولها إليه رجع البنك على البائع المستفيد، فالصلة قائمة بين العلاقات الثلاث على هذا الوجه إلى النهاية، وإنما وجد نوع خاص من انقطاع صلة البائع بالمشتري بخصوص الثمن وإلزام البنك وحده بالدفع للبائع محافظة على حقه، ولإثبات جدية الصفقة ومنع التلاعب في المعاملات، وهذا لم يقض على ما ذكر من العلاقات.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن في الاعتمادات المستندية عدة عقود
стр. 2981
مرتبط بعضها ببعض، عقد بيع بين البائع المستفيد والمشتري الذي طلب فتح الاعتماد تتوقف صحته على استيفاء شروط البيع، وعقد ضمان التزم فيه البنك التزاما خاصا للبائع المستفيد بدفع مبلغ معين من أجل الصفقة عند وصول الوثائق اللازمة مستوفية للشروط، وعقد وكالة من المشتري للمصرف بجعالة لقيامه عنه بإجراءات معينة تتعلق بالصفقة.
وفي اعتبار هذه العقود رعاية للجوانب المختلفة في الاعتماد المستندي، وكل منها جائز في نفسه ولا مانع من تعددها لعدم التضارب بين خواصها وآثارها، بل بعضها يخدم بعضا، ويساعد على الإنجاز بسهولة في أقرب وقت ممكن، غير أنها اقترن بها أمور منها:
أ - دفع المستورد فائدة للمصرف الوسيط، لما دفعه عنه للمصدر من الثمن، وهو ربا واضح.
ب - دفع مقابل التأمين على البضاعة من المخاطر أو التزام ذلك وقد يقال بتحريمه لما فيه من المقامرة وأكل المال بالباطل.
ج - دفع المستورد عمولة لضمان المصرف له وفي إباحتها نظر.
د - بيع المصرف البضاعة المشتراة قبل قبضها، ليستوفي منها دينه على المشتري إذا امتنع من تسلمها، وهذا محرم مطلقا أو إذا كانت البضاعة طعاما؟ للأحاديث الواردة في ذلك.
هـ - دفع المستورد أجرة للمصرف مقابل ما يقوم به من خدمات وإجراءات تتعلق بالبضاعة وهو جائز إن لم يتخذ ستارا للربا، وإلا امتنع.
فإن ثبت تحريم ما ذكر أو بعضه فالاعتمادات المستندية محرمة؛ لما لابسها لا لذاتها، وهل يعود ذلك التحريم على العقد بالفساد، أو يبطل
стр. 2982
الشرط الملابس للعقد، ويمضي العقد هذا محل نظر وموضع اجتهاد اختلفت في مثله آراء الفقهاء الأصول.
هذا ما تيسر، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 2983
التحويلات المصرفية
الحمد لله وحده. . وبعد:
سبق بحث ما يتعلق بعمليات الودائع والحسابات المختلفة وإيجار الخزائن الحديدية وعمليات الائتمان - الإقراض، الاعتماد البسيط، الاعتماد المستندي، الضمان بأنواعه - وبقي البحث فيما يتعلق بعمليات (التحويلات المصرفية والبريدية وعمليات تظهير الأوراق التجارية وخصمها وتحصيلها) وقبل الدخول في البحث يحسن بنا التمهيد لذلك بتعداد أهم الأوراق التجارية وتعريف كل ورقة بذكر خصائصها وما يميزها عن غيرها. والله ولي التوفيق.
الأوراق التجارية:
نظرا للتوسع العالمي في نطاق التجارة الدولية، وحيث إن النقود القائمة أيا كان نوعها وكيفها وكمها عاجزة عن مسايرة التطور التجاري والحركات السريعة الضخمة في نطاق الصفق في الأسواق العالمية - فقد وجد رجال المال والأعمال أنفسهم في حاجة ملحة إلى ما يساير هذا التطور في نطاق التبادل المالي، وذلك بإيجاد عملات مساعدة تكون عونا للتاجر في استيفاء حقوقه وسداد ما عليه من التزامات ولو لم يتم له تسويق بضاعته التي باعها أو اشتراها، كما أنها تعفيه من الاحتفاظ بمبالغ نقدية يقابل بها حركاته التجارية الخالية من التوقيتات المعينة، حيث يتضرر بتجميدها، فكانت هذه المبررات مصدر ابتكار ما يسمى بالأوراق التجارية.
стр. 2984
فالأوراق التجارية أوراق مالية لها صفة القبول والتداول في عالم التجارة، وفي ذلك يقول الدكتور علي سلمان العيدي بعد أن استعرض المعنى العام للورقة التجارية ما نصه:
نخلص من ذلك أنه من أجل اعتبار السند ورقة تجارية لا بد أن يتجه الحق المالي فيه بذاته، وأن يكون هذا الحق منصبا على مبلغ من النقود، وأن يكون السند قابلا للتداول بسهولة، وأن يجري استعماله كأداة للوفاء بدل النقود، وأن يستحق الأداء بعد أجل قصير أو عند الاطلاع، أي: ألا يكون طويل الأجل. وعلى ضوء ما قدمناه يمكننا تعريف الورقة التجارية بأنها سند محرر وفقا للشكل الذي رسمه القانون يمثل بذاته التزاما بأداء مبلغ من النقود قابل للتداول عن طريق التظهير أو التسليم، ويستحق الأداء بعد أجل قصير أو عند الاطلاع، ويستعمل كأداة للوفاء بدل النقود. اهـ (١) .
ونظرا إلى أن الأوراق التجارية تتفق مع الأوراق النقدية في تسهيل التعامل التجاري من حيث التداول والقبول، بل إن بعضهم كان يطلق عليها على سبيل التجوز صفة النقد، نظرا لذلك فإنه يتعين عقد مقارنة بين الورقة التجارية والورقة النقدية حتى تتضح حقيقة كل منهما، فلا يلتبس الأمر بينهما، وبالتالي يتجلى الأمر في صحة نسبة الأحكام الخاصة بالورقة النقدية إلى الورقة التجارية وعدم صحتها.
لئن قيل بوجود شبه بين الورقتين فإن بينهما تفاوتا واختلافا جوهريا
стр. 2985
يتضح فيما يلي:
١ - لا يجوز رفض الأوراق النقدية في تسوية الديون لما لها من قوة إبراء مطلق، بينما يجوز للدائن رفض تسوية ديونه بأوراق تجارية، حيث إنها لا تعتبر في الجملة إلزامية.
٢ - ليس للأوراق النقدية مجال في خصم شيء منها عند القيام بتسوية الديون بها، لكونها نقودا حقيقية تحمل الإبراء العام المطلق في حين أنه يجوز اشتراط خصم شيء من الورقة التجارية إذا كانت كمبيالة، لتعجيل وفاء قيمتها في عرف التعامل المصرفي.
٣ - الأوراق التجارية محدود زمن التعامل بها بمدة معينة فيها في حين أنه لا حد للتعامل بالأوراق النقدية ما لم تر جهة الإصدار إبدال غيرها بها.
٤ - تصدر الأوراق النقدية من قبل جهة معينة يغلب عليها أن تكون حكومية أو للحكومة حق الإشراف عليها في حين أن الأوراق التجارية تصدر من جهات مختلفة ومن أفراد إلا أنه يشترط لمصدرها أن يكون ذا أهلية تجارية.
٥ - تصدر الأوراق النقدية بصورة سلسلة لها وحدات مختلفة المبالغ مثل فئات الريال والخمسة والعشرة والخمسين والمائة في حين أنه لا يوجد مثل ذلك في الأوراق التجارية، حيث تصدر بمبالغ مختلفة لا مجال لتوحيدها في فئات محددة ولا مجال لحصرها.
٦ - الورقة النقدية نقد قائم بذاته تضيع قيمته بضياعها مهما كان لدى حاملها من طرق الإثبات في حين أن الورقة التجارية سند بدين تبقى
стр. 2986
قيمته في حال ضياعه إذا أثبت محتواه مالكه.
والأوراق التجارية ليست محصورة في أوراق معينة؛ لأن الفكر التجاري مرن مرونة الحركة التجارية العالمية، فهو مصنع يعطي للتجارة ما تحتاجه من أسباب القدرة على الحركة برا وبحرا وجوا وأثيرا، إلا أن المراقبين من خبراء المال والاقتصاد يكادون يجمعون على أنه حتى الآن لم يخرج الفكر التجاري من الأوراق التجارية أهم من أوراق الكمبيالة والشيك والسند الإذني بدليل أن علماء الاقتصاد ورجال التنظيمات المالية والتجارية يكادون يقتصرون في بحوثهم عن الأوراق التجارية على هذه الأنواع الثلاثة.
وفيما يلي دراسة موجزة لها:
стр. 2987
الكمبيالة
الكمبيالة: أمر مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها التنظيمات التجارية، يتوجه بها شخص يسمى: الساحب إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه، طالبا منه دفع مبلغ معين من النقود في تاريخ معين أو قابل
стр. 2988
للتعيين لإذن شخص ثالث يسمى المستفيد أو لحامله.
وصورتها:
الرياض في - تاريخ تحرير الكمبيالة - المبلغ بالأرقام ريا لا سعوديا إلى السيد فلان بن فلان
في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ادفعوا بمقتضى هذه الكمبيالة لأمر السيد فلان المبلغ المرقوم أعلاه وقدره. . . . . . والقيمة وصلتنا بضاعة.
توقيع الساحب
ومن ذلك يتضح أن للكمبيالة أركانا ثلاثة: ساحبا، ومسحوبا عليه، ومستفيدا، وقد تكون هذه الأطراف الثلاثة أشخاصا طبيعة، وقد تكون أشخاصا اعتبارية. ثم إن هناك ما يسمى بالكمبيالة المالية، وهذا النوع من الكمبيالات يسمح بالاقتصار فيها على ركنين هما: الساحب، والمسحوب عليه، ويكون الساحب في هذا النوع هو المستفيد.
وإلى هذا يشير الدكتور علي البارودي فيقول:
وقد ينشئ البنك بنفسه الكمبيالة في معاملاته مع عملائه، ويسمونها: الكمبيالة المالية تمييزا لها عن الكمبيالة العادية التي ينشئها التجار. فإذا أقرض البنك عميله مبلغا من النقود، فإنه يسحب على هذا العميل كمبيالة فيقبلها العميل. . . إلى أن قال: فإذا شاء البنك أن يستوفي دينه قبل ميعاد الاستحقاق، فإنه يستطيع أن يخصم هذه الكمبيالة بنك آخر أو في البنك
стр. 2989
المركزي اهـ (١) .
ويجب أن تشتمل الكمبيالة على بيانات معينة حددتها التنظيمات في كل دولة، ومن ذلك ما جاء في نظام الأوراق التجارية السعودي الصادر به المرسوم الملكي رقم (٣٧) وتاريخ ١١ \ ١٠ \ ١٣٨٣ هـ فقد جاءت المادة (١) بالنص التالي:
المادة (١) - تشتمل الكمبيالة على البيانات الآتية:
أ - كلمة كمبيالة مكتوبة في متن الصك وباللغة التي كتبت بها.
ب - أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود.
ج - اسم من يلزمه الوفاء المسحوب عليه.
د - ميعاد الاستحقاق.
هـ - مكان الوفاء.
واسم من يجب الوفاء له أو لأمره.
ز - تاريخ ومكان إنشاء الكمبيالة.
ح - توقيع من أنشأ الكمبيالة - الساحب -.
وذكرت المادة الثانية أن الورقة لا تعتبر كمبيالة حتى تستوفي البيانات المذكورة في المادة الأولى، واستثنت من ذلك ما يلي:
أ - إذا خلت الكمبيالة من بيان ميعاد الاستحقاق اعتبرت مستحقة الوفاء لدى الاطلاع عليها.
ب - إذا خلت من بيان مكان الوفاء أو من بيان موطن المسحوب عليه اعتبر
стр. 2990
المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه مكان وفائها وموطنا للمسحوب عليه.
ج - إذا خلت من بيان مكان إنشائها اعتبرت منشأة في المكان المبين بجانب اسم الساحب. اهـ.
والغالب أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما يقابل قيمة الكمبيالة - مقابل الوفاء - وأن يكون الساحب مدينا للمستفيد بمثل ذلك، ويذكر الأستاذان أمين بدر وعلي حسن يونس أن ذلك لا يلزم.
ومع ذلك فقد نص نظام الأوراق التجارية السعودي على ضرورة أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما يكفي للوفاء، فقد جاءت المادتان التاسعة والعشرون والثلاثون بالنص التالي:
المادة (٢٩) - على ساحب الكمبيالة أو من سحب الكمبيالة له لحسابه أن يوجد لدى المسحوب عليه مقابل وفائها، ولكن ذلك لا يعفي الساحب لحساب غيره من مسئوليته شخصيا قبل مظهريها وحامليها.
المادة (٣٠) - يعتبر مقابل الوفاء موجودا إذا كان المسحوب عليه مدينا للساحب أو للأمر بالسحب في ميعاد استحقاق الكمبيالة بمبلغ معين من النقود واجب الأداء ومساوي على الأقل لمبلغ الكمبيالة. اهـ.
وساحب الكمبيالة بتوقيعه عليها ملتزما بدفع قيمتها لحاملها عند حلول أجل دفعها، كما أن كل من وقع عليها بالقبول يعتبر متضامنا مع ساحبها في
стр. 2991
الالتزام بدفعها إذا امتنع من ذلك المسحوب عليه، ولا ينعقد التزام المسحوب عليه بدفعها إلا بتوقيعه عليها بالقبول وتسليمها لحاملها، ولا يلزم المسحوب عليه أن يوقع عليها بالقبول، بل يعتبر ذلك منه على سبيل الاختيار حتى لو كان مدينا للساحب.
ومتى تم قبول المسحوب عليه الكمبيالة أصبحت أداة قابلة للتداول، يستطيع المستفيد أن يصرف قيمتها حالا من المسحوب عليه أو من أي بنك بعد خصم العمولة وسعر الفائدة عن مدة الاستحقاق. ولتصوير وجه اعتبارها شبه عملة قابلة للتداول.
يقول الدكتور محمد عبد الله العربي ما نصه:
متى تم قبول المسحوب عليه للكمبيالة، أي: أشر عليها بما يفيد قبوله للوفاء بها في ميعاد الاستحقاق أصبحت الكمبيالة أداة قابلة للتداول؛ فيستطيع المستفيد أن يصرف قيمتها فورا من البنك المسحوب عليه أو من أي بنك آخر بعد خصم العمولة والفائدة عن مدة الاستحقاق. المهم أن الكمبيالة المقبولة تصبح عملة قابلة للتداول، فهي تثبت مبلغا من عملة إحدى الدول قابلا للوفاء في تاريخ معين، فلكل ذي مصلحة في سداد دين تجاري بعملة هذه الدولة أن يشتريها ويسدد بها دينه. اهـ (١) .
والقول بأن الكمبيالة عملة قابلة للتداول ليس على إطلاقه، فليس للكمبيالة كل صفات النقد، فهي ليست مبرئة إبراء تاما، وليست قيمتها في
стр. 2992
ذاتها بحيث لو فقدت ضاعت قيمتها، وإنما هي سند بدين متى ضاع ذلك السند صار لصاحبه حق إثباته بأي طريق من طرق الإثبات المعتبرة، وإلى هذا تشير المادة السادسة عشرة من نظام الأوراق التجارية السعودي بما نصه:
وإذا فقد شخص حيازة كمبيالة نتيجة حادثة ما فلا يلزم حاملها بالتخلي عنها متى أثبت حقه فيها وفقا للأحكام السابقة، إلا إذا كان حصل عليها بسوء نية أو ارتكب في سبيل الحصول عليها خطأ جسيما. اهـ.
стр. 2993
خصائص الكمبيالة:
مما تقدم نستطيع استظهار الخصائص التالية:
أ - الكمبيالة ورقة تجارية تشبه النقد من حيث صلاحها للتداول والقبول.
ب - الغالب على الكمبيالة أن تشتمل على أطراف ثلاثة ساحب ومسحوب عليه ومستفيد، إلا أنه يجوز اقتصارها على طرفين هما ساحب وهو المستفيد ومسحوب عليه، كما هو الشأن في الكمبيالة المالية.
ج - لا يشترط لصحة الكمبيالة أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب، وإنما يشترط لاعتبارها قبول المسحوب عليه وتوقيعه عليها بذلك.
د - لا يلزم المسحوب عليه قبول الكمبيالة إلا أنه متى قبلها ووقع عليها بذلك وسلمها لحاملها لزمه سدادها في وقتها المحدد له.
هـ - لا تعتبر الكمبيالة مبرئة إبراء تاما لذمة صاحبها، وإنما تبقى مسئوليته حتى يتم سدادها.
ويعتبر الموقعون عليها بالقبول مسئولين عن سداد قيمتها مسئولية تضامنية.
стр. 2994
ز - لا تعتبر الكمبيالة ورقة تسقط قيمتها بفقدها، وإنما هي سند بدين يثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة.
ح - يشترط كثير من الأنظمة التجارية النص في سند الكمبيالة على وصول القيمة.
стр. 2995
الوصف الشرعي للكمبيالة:
ذهبت الموسوعة الفقهية الكويتية إلى القول: بأن الكمبيالة يعتبرها الفقه الإسلامي حوالة إذا كانت مسحوبة على مدين بقيمتها أما إذا لم يكن المسحوب عليه مدينا للساحب بقيمتها فجمهور أهل العلم يعتبرونها وكالة؛ لأن من شروط الحوالة أن يكون المحال عليه مدينا بما يقابلها.
أما الحنفية فحيث إنهم لا يشترطون مديونية المحال عليه للمحيل فإنهم يعتبرون الكمبيالة حوالة مطلقا، إلا أنهم يشترطون لنفاذها قبول المسحوب عليه (١) .
стр. 2996
الشيك:
الشيك: هو أمر مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها الأنظمة يطلب به شخص يسمى: الساحب من شخص آخر يسمى: المسحوب عليه أن يدفع بمقتضاه أو بمجرد الاطلاع عليه مبلغا معينا من النقود للساحب أو لشخص معين أو لإذن شخص معين أو لحامله.
وصورته:
يذكر في هامش الشيك رقم الحساب الجاري واسم صاحبه.
стр. 2997
المبلغ بالرقم هـ ريال الرياض في \ \ ١٣ هـ
مؤسسة النقد العربي السعودي
ادفعوا بموجب هذا الشيك لأمر السيد \. . . . . . . . . . . أو لحامله مبلغ " يكتب بالحروف "
نمرة. . . . . . . . . .
إمضاء الساحب (١)
ويجب أن يشتمل الشيك على بيانات معينة حددتها كل دولة في أنظمتها وقد جاء النص عليها في نظام الأوراق التجارية السعودي بما يأتي:
المادة (٩١) يشتمل الشيك على البيانات الآتية:
أ - كلمة شيك مكتوبة في متن الصك باللغة التي كتب بها.
ب - أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود.
ج - اسم من يلزمه الوفاء (المسحوب عليه) .
د - مكان الوفاء.
هـ - تاريخ ومكان إنشاء الشيك.
وتوقيع من أنشأ الشيك - الساحب -.
وقد نصت المادة الثانية والتسعون على سلب الصفة الشيكية من الشيك إذا خلا من البيانات المذكورة في المادة السابقة إلا في حالتين هما:
أ - إذا خلا الشيك من بيان مكان وفائه اعتبر مستحق الوفاء في المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه، فإذا تعددت الأماكن المبينة بجانب اسم المسحوب عليه اعتبر الشيك مستحق الوفاء في أول مكان
стр. 2998
منها. وإذا خلا الشيك من هذه البيانات أو من أي بيان آخر اعتبر مستحق الوفاء في المكان الذي يقع فيه المحل الرئيسي للمسحوب عليه.
ب - إذا خلا الشيك من بيان مكان الإنشاء اعتبر منشأ في المكان المبين بجانب اسم الساحب. اهـ.
стр. 2999
خصائص الشيك:
مما تقدم نستطيع استظهار الخصائص التالية للشيك:
أ - الشيك ورقة تجارية تشبه النقد من حيث صلاحه للتداول والقبول.
ب - الغالب على الشيك أن يشتمل على أطراف ثلاثة هي الساحب والمسحوب عليه والمستفيد. ويجوز اقتصاره على طرفين هما الساحب وهو المستفيد والمسحوب عليه، وإلى هذا تشير المادة السادسة والتسعون من نظام الأوراق التجارية السعودي حيث تقول:
يجوز سحب الشيك لأمر الساحب نفسه، ويجوز سحبه لحساب شخص آخر، ولا يجوز سحبه على الساحب نفسه ما لم يكن مسحوبا بين فروع بنك يسيطر عليه مركز رئيسي واحد، ويشترط ألا يكون الشيك مستحق الوفاء لحامله.
ج - يشترط لسحب الشيك أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما لا يقل عن قيمته، ومع ذلك فيعتبر الشيك صحيحا ولو لم يكن المسحوب عليه مدينا للساحب، إلا أنه يعتبر من ضمان الساحب نفسه، فضلا عما في سحبه على غير مدين به من الإجرام الموجب للعقوبة. اهـ.
د - إذا كان المسحوب عليه غير مدين بمثل قيمته فلا يلزمه اعتماده.
стр. 3000
هـ - لا يعتبر الشيك مبرئا صاحبه إبراء تاما من قيمته حتى يتم سداده.
ولحامل الشيك الرجوع على الملتزمين مجتمعين أو منفردين إذا قدم في ميعاده النظامي ولم تدفع قيمته.
ز - لا يعتبر الشيك ورقة نقدية تضيع قيمتها بفقدها، وإنما هو سند بدين يثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة في حال ضياعه.
ح - لا يشترط لصحة الشيك النص على وصول قيمته للساحب كما هو الشأن في الكمبيالة.
ط - لا يعتبر لصحة الشيك ووجوب دفعه لدى الاطلاع رضا المسحوب عليه إلا إذا كان غير مدين للساحب بمثل قيمته.
ي - لا يعتبر لصحة الشيك انتفاء رصيده أو نقصانه لدى المسحوب عليه.
стр. 3001
الفرق بين الشيك والكمبيالة:
لا شك أن الشيك يشبه الكمبيالة في كثير من خصائصها، كما أنه يختلف عنها في بعض خصائصه.
وفيما تقدم لنا يتضح: أن الشيك يشبه الكمبيالة فيما يلي:
أ - افتراض وجود ثلاثة أطراف هي: الساحب والمسحوب عليه والمستفيد في الغالب.
ب - وجود علاقتين حقوقيتين: إحداهما: بين الساحب والمسحوب عليه،
стр. 3002
وهي الرصيد الدائن، وهو ما يسمى بمقابل الوفاء. الثانية: بين الساحب والمستفيد، وهي وصول قيمة الكمبيالة أو الشيك.
ج - قدرتهما على القيام بتسوية ما يرتبانه من علاقات قانونية بين المتعاملين بهما بعملية وفاء واحدة.
ويختلف الشيك عن الكمبيالة فيما يلي:
أ - إن الشيك يسحب عادة على مصرف، ويندر أن يسحب على فرد عادي أو مؤسسة غير مصرفية، في حين أن الكمبيالة تسحب على أي جهة أو فرد أهل للالتزام بها.
ب - إن الشيك واجب الدفع دائما لدى الاطلاع عليه، ولا يجوز تأجيل دفعه، بينما يغلب على الكمبيالة ألا تكون مستحقة الوفاء عند الاطلاع، وإنما يجب وفاؤها بعد وقت يجري تعيينه فيها.
ج - يشترط لسحب الشيك أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما لا يقل عن قيمته، فإن سحب شيك على غير مدين به اعتبر ذلك جريمة توجب العقوبة، وتبقى للشيك قيمته المالية في ذمة ساحبه. وعليه فإنه لا يجوز للمسحوب عليه أن يؤشر على الشيك بالقبول؛ لأنه طالما كان مستكملا لشروط اعتباره كان واجب الدفع على المسحوب عليه، رضي ذلك أم سخط، وإلى هذا تشير المادة (١٠٠) من نظام الأوراق التجارية السعودي، حيث تقول:
لا يجوز للمسحوب عليه أن يوقع على شيك بالقبول، وكل قبول مكتوب عليه يعتبر كأن لم يكن، ومع ذلك يجوز للمسحوب عليه أن يؤشر على الشيك باعتماده، وتفيد هذه العبارة وجود مقابل وفاء في تاريخ
стр. 3003
التأشير، ولا يجوز للمسحوب عليه رفض اعتماد الشيك إذا كان لديه مقابل وفاء يكفي لدفع قيمته، ويعتبر توقيع المسحوب عليه على صدر الشيك بمثابة اعتماد. اهـ.
على أن كثيرا من علماء الاقتصاد يرون أن التفرقة بينهما عسيرة في حال ما إذا كان ساحب الكمبيالة دائنا للمسحوب عليه بقيمتها، وكان النص فيها على الدفع حال الاطلاع، وفي ذلك يقول الدكتور أمين بدر بعد أن استعرض الفروق بينهما وناقشها مناقشة أذابت كثيرا منها وقربت بعضها لمقابله، قال ما نصه:
وبالاختصار فإن التمييز بين الشيك والكمبيالة قد يغدو في بعض الصور عسيرا. اهـ (١) .
وبمزيد من التأمل يمكن القول: إن الكمبيالة قد تكون على حال من الإجراء بحيث يصعب التمييز بينها وبين الشيك، كأن يكون سحبها على مدين بها وأن تكون واجبة الدفع عند الاطلاع، وأن يكون سحبها على مصرف، وقد تختلف عن خصائص الشيك بالنسبة لنوع المسحوب عليه ووجود أجل معين لوجوب دفعها وانتفاء مديونية المسحوبة عليه بقيمتها، وحيئذ يبدو الفرق بينهما واضحا جليا.
ونظرا إلى أن الشيك قد تعترضه بعض المخاطر من ضياع أو سرقة أو - نحوهما فقد ابتدع النظام المصرفي ما يسمى بالشيك المسطر وذلك بوضع
стр. 3004
خطين متوازيين على وجهه إشارة إلى تعيين أن يكون الوفاء بهذا الشيك لأحد البنوك لا لفرد أو شخص آخر فيكون على المستفيد منه أن يظهره لأحد البنوك ليتولى تحصيله لحسابه.
ويكون الشيك المسطر عاما إذا لم يرد بين الخطين إشارة أو وردت عبارة صاحب مصرف أو ما يعادلها. ويكون خاصا إذا كتب بين الخطين اسم صاحب مصرف بالذات، وفي ذلك تقول المادة (١١٢) من نظام الأوراق التجارية السعودي ما نصه:
لا يجوز للمسحوب عليه أن يوفي شيكا مسطرا تسطيرا عاما إلا إلى أحد عملائه أو إلى بنك، ولا يجوز أن يوفي شيكا مسطرا تسطيرا خاصا إلا إلى البنك المكتوب اسمه فيما بين الخطين وإلى عميل هذا البنك إذا كان هذا الأخير هو المسحوب عليه، ومع ذلك يجوز للبنك المكتوب اسمه بين الخطين أن يعهد إلى بنك آخر قبض قيمة الشيك. اهـ.
وهناك وسيلة أخرى لاتقاء مخاطر ضياع الشيك أو سرقته أو تزويره وهي اشتراط قيد قيمته في الحساب الجاري بدلا من دفعها بالنقود، ويعترض لهذه الطريقة وجود حساب جاري لحامل الشيك لدى المسحوب عليه. وفي هذا تقول المادة (١١٣) من نظام الأوراق التجارية السعودي ما نصه:
يجوز لساحب الشيك أو لحامله أن يشترط عدم وفائه نقدا بأن يضع عبارة للقيد في الحساب أو أية عبارة أخرى تفيد نفس المعنى. وفي هذه الحالة لا يكون للمسحوب عليه إلا تسوية قيمة الشيك بطريق قيود كتابية كالقيد في الحساب أو النقل المصرفي أو المقاصة، وتقوم هذه القيود مقام
стр. 3005
الوفاء ولا يعتد بشطب بيان (للقيد في الحساب) .
وهناك ما يسمى بالشيك السياحي، ويذكر الأستاذ محمد جمال الدين عوض: أن أول نشأته كانت عام ١٨٩١ م بسبب رحلة قام بها رئيس شركة أمريكان اكسبريس للسياحة إلى أوربا، فصادفه فيها متاعب راجعة إلى كيفية حصوله على مال يقوم بشئون حياته في هذه الرحلة، فابتكر نظام الشيكات السياحية حتى ذاع استعمالها، فأصبحت البنوك تصدر شيكات سياحية قابلة للصرف لدى جميع البنوك الأخرى.
ويذكر الأستاذ محمد جمال الدين عوض: أن الصورة الغالبة للشيك هي أن يصدر الشيك بفئات نقدية معينة وعلى الصك مكان يوقع فيه العميل عند استلام الشيك ومكان آخر يوقع فيه عند قبض قيمته أمام البنك الذي يدفع هذه القيمة ليتحقق من تطابق التوقيعين ومن أن الذي يستوفي القيمة هو ذات المستفيد الذي استلم الشيك ممن أصدره، وبعد الوفاء بقيمة الشيك السياحي تسوى العملية بين البنوك المشتركة في إصداره وتنفيذه بطريق المقاصة.
ويذكر الأستاذ محمد عوض: أن كثيرا من الشراح يستبعد الشيك السياحي من تعريف الشيك إذا تخلف بيان من البيانات اللازمة للشيك وهو أمر غالب، حيث لا يتضمن تاريخ السحب ومكان الإصدار واسم المسحوب عليه، كما ينكر عليه وصف السند الإذني أو السند لحامله، كما
стр. 3006
يعرفه القانون التجاري، إذ هو لا يتضمن تعهد البنك بالدفع حتى ولو تضمن أمرا للمسحوب عليه؛ لأن تعهد الساحب ضمنا بالوفاء عند تخلف المسحوب عليه لا يكفي لاعتبار الورقة سندا تجاريا صرفيا، كما أن وظيفة الشيك السياحي تختلف عن وظيفة السند الإذني أو السند للحامل؛ لأن الشيك السياحي يستهدف مجرد نقل النقود ولا يستخدم أداة للائتمان، وهي الوظيفة الأساسية للسندات التجارية، ومن هذا ندرك أن الشيك السياحي ورقة ابتكرها العرف وأقر حكمها بعيدا عن الأحكام التي وضعها التشريع للأوراق التي قد تشتبه بها. اهـ (١) .
стр. 3007
الوصف الفقهي الإسلامي:
مر بنا أن من خصائص الشيك: أنه ليس ورقة نقدية، وإنما هو وثيقة بدين تقضي بإحالته من ذمة ساحبه إلى ذمة المسحوب عليه مع بقاء مسئولية ساحبه حتى سداده. وأنه ينبغي ألا يسحب إلا على من لديه مقابل وفائه، وأنه لا يلزم لاعتباره شيكا قبول المسحوب عليه، وهذه الخصائص هي خصائص الحوالة، فإذا قيل: بأن الشيك حوالة كان لهذا القول وجاهته ولم يرد عليه إلا مسألة ضمان الساحب قيمة الشيك حتى يتم سداده؛ لأن الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة بمعنى براءة ذمة المحيل من المدين إذا كانت الإحالة على مليء، وقد أجابت الموسوعة الفقهية الكويتية عن هذا الاعتراض بأن الساحب يعتبر محيلا بمبلغ الشيك وضامنا سداده (١) .
стр. 3008
وقد يقال: بأن الشيك يعتبر في حكم ورقة نقدية، وفي ذلك تقول الموسوعة الفقهية الكويتية في معرض توجيه القول بأن تسلم الشيك من المصرف بمثابة تسلم قيمته ما نصه:
فإذا نظرنا إلى أن الشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية، وأنه يجري تداولها بينهم كالنقود تظهيرا وتحويلا، وأنها محمية في قوانين جميع الدول من حيث إن سحب الشيك على جهة ليس للساحب فيها رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة شديدة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعا، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات يمكن القول معها بأن تسليم المصرف الوسيط شيكا بقيمة ما قبض من طالب التحويل يعتبر بمثابة دفع بدل الصرف في المجلس. اهـ (١) .
стр. 3009
السند الإذني:
السند الإذني عبارة عن التزام مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها الأنظمة، يتضمن تعهد شخص معين يسمى: المحرر بدفع مبلغ معين من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين لأمر أو لإذن شخصي يسمى: المستفيد.
وصورته:
стр. 3010
اسم المدين
هـ ريال
في يوم كذا شهر كذا سنة كذا ندفع بموجب هذا السند الإذني إلى وتحت إذن السيد. . . . . . . ابن. . . . . . . . . . . . . . . . . المبلغ المرقوم أعلاه وقدره. . . . . . . . . . . . . . .
والقيمة وصلتنا والدفع والتقاضي في \ \
تحريرا في. . . \. . . \. . .
المقر بما فيه (١)
ويجب أن يشتمل السند الإذني على بيانات معينة جاء النص عليها في المادة السابعة والثمانين من نظام الأوراق التجارية السعودي حيث نصت على ما يلي:
يشتمل السند لأمر على البيانات الآتية:
أ - شرط الأمر أو عبارة سند الأمر مكتوبة في متن السند وباللغة التي كتب بها.
ب - تعهد غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود.
ج - ميعاد الاستحقاق.
د - مكان الوفاء.
هـ - اسم من يجب الوفاء له أو لأمره.
وتاريخ إنشاء السند ومكان إنشائه.
ز - توقيع من أنشأ السند - المحرر -.
стр. 3011
كما أن السند الإذني لا يعتبر صحيحا إذا خلا من البيانات المذكورة في المادة (٨٧) إلا في ثلاث حالات أبانتها المادة (٨٨) من نظام الأوراق التجارية السعودي بما يلي:
المادة (٨٨) السند الخالي من أحد البيانات المذكورة في المادة السابقة لا يعتبر سندا لأمر إلا في الأحوال الآتية:
أ - إذا خلا السند من ميعاد الاستحقاق اعتبر واجب الوفاء لدى الاطلاع عليه.
ب - إذا خلا بيان مكان الوفاء أو موطن المحرر اعتبر مكان إنشاء السند مكانا للوفاء ومكانا للمحرر.
ج - إذا خلا بيان مكان الإنشاء اعتبر منشأ في المكان المبين بجانب اسم المحرر.
وقد ذكر الدكتور محمد أمين بدر: أن السند الإذني يفترق عن الكمبيالة في: أنه لا يتضمن عند إنشائه إلا شخصين: المحرر: وهو المدين، والمستفيد: وهو الدائن، ويتفرع عن هذا الفارق الجوهري سلسلة من فوارق أخرى، فلا محل في السند الإذني لمقابل الوفاء، ولا مجال فيه للقبول؛ لأن محرر السند ملتزم مقدما بدفع قيمته في ميعاد الاستحقاق (١) .
ويخضع السند الإذني للأحكام المتعلقة بالكمبيالة مما لا يتعارض وطبيعة السند الإذني. وقد جاءت المادة السابعة والسبعون من قانون جنيف الموحد توضح ذلك حيث تقول:
стр. 3012
القواعد المتعلقة بالكمبيالة فيما يختص بتظهيرها واستحقاقها ووفائها والرجوع بسبب عدم الوفاء والبروتستو وكمبيالة الرجوع والوفاء بالواسطة والصور والتغييرات والتقادم وأيام الأعياد الشبيهة بها واحتساب المواعيد وحظر المهلة القضائية تتبع في السند الإذني ما دامت هذه القواعد لا تتعارض مع ماهيته. اهـ.
وقد نقلت معظم البلاد العربية في قوانينها التجارية هذه المادة ضمن تقنينها أحكام السندات الإذنية (١) .
وهناك ما يسمى بالسند لحامله والسند على بياض، ونظرا إلى أن قانون جنيف الموحد قد أهملهما من قائمة الأوراق التجارية، وقد حذت معظم الدول بما في ذلك غالب البلاد العربية ومنها حكومتنا السنية حذو مؤتمر جنيف فأهملتهما من تشريعاتها التجارية، ومن لم يهملهما فمشروعات تشريعه التجاري قد تجاهلتهما، وعليه فقد لا يكون هناك حاجة. لذكرهما (٢) .
стр. 3013
خصائص السند الإذني:
يتضح مما تقدم: أن السند الإذني يتميز بالخصائص الآتية:
أ - السند الإذني ورقة تجارية تشبه الورقة النقدية من حيث صلاحه للقبول والتداول.
ب - السند الإذني يشكل علاقة حقوقية بين طرفين، هما: الساحب
стр. 3014
والمستفيد.
ج - لا يلزم لتحرير السند الإذني وجود مقابل وفاء.
د - لا يلزم لاعتبار السند الإذني قبول المحرر، لأنه بتحريره إياه ملتزم بدفع قيمته في ميعاد الاستحقاق.
هـ - لا يعبتر السند الإذني ورقة نقدية بمعنى: أن قيمته في حال ضياعه تثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة.
стр. 3015
الوصف الإسلامي للسند الإذني:
السند الإذني: عبارة عن وثيقة بدين مؤجل على مدين يغلب عليه أن يكون شخصا اعتباريا كدولة أو مصرف أو مؤسسة تجارية ذات سمعة حسنة. يحل أجله في وقت معين في الوثيقة نفسها، ولهذا الدين فائدة ربوية يجري تعيين نسبتها في الوثيقة، ويكون أجلها أجل أصلها، ويكون موضع تداول في أسواق الأوراق التجارية حتى يتم سداده من محرره كالحال بالنسبة للكمبيالات.
وقد قام الأستاذ محمد باقر الصدر بوصف السند الإذني من الوجهة الإسلامية فقال:
وأما من وجهة النظر الفقهية فيمكن تكييف تعاطي السندات على أساسين:
الأول: أن نفسر العملية على أساس عقد القرض، فالجهة التي تصدر السند بقيمة اسمية نفرضها ١٠٠٠ دينار، وتبيع السند ب ٩٥٠ دينارا مؤجلة إلى سنة، هي في الواقع تمارس عملية اقتراض، أي: أنها تقترض ٩٥٠ دينارا من الشخص الذي يتقدم لشراء السند، وتدفع إليه دينه في نهاية المدة