الكتاب فقرأ (طه) انتهى.
ورواه أبو يعلى الموصلي في [مسنده] مطولا، قال الدارقطني: تفرد به القاسم بن عثمان، وليس بالقوي، وقال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها. الثاني: أخرجه الدارقطني أيضا عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كنا مع سلمان، فخرج فقضى حاجته، ثم جاء فقلت: يا أبا عبد الله، لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات، قال: إني لست أمسه، إنه لا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا، انتهى. وصححه الدارقطني (١) .
ب- وقال ابن حجر: حديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر (٢) » أبو داود في المراسيل والنسائي من حديث عمرو بن حزم، في أثناء حديثه الطويل.
стр. 3292
وأخرجه الدارقطني (١) من طريق أبي ثور عن مبشر بن إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه عن جده، قال: كان فيما أخذ عليه رسول الله ﷺ : «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٢) » ، تفرد به أبو ثور، وقال: الصواب ليس فيه عن جده، ثم أخرجه من طريق إسحاق بن الصباغ عن مالك كذلك.
وأخرجه عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي من طريقه، عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، ليس فيه عن جده. وقد أخرجه الطيالسي من طريق أبي بكر بن محمد عن أبيه عن جده نحوه.
وفي الباب: عن ابن عمر، أخرجه الطبراني والبيهقي. وعن حكيم بن حزام أخرجه الحاكم والطبراني والدارقطني. وعن عثمان (٣) بن أبي العاص، أخرجه الطبراني.
وعن ثوبان رفعه: «لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة هي الحج الأصغر (٤) » أخرجه علي بن عبد العزيز في [منتخب المسند] ، وإسناده
стр. 3293
ضعيف. وعن أخت عمر أنها قالت له عند إسلامه: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، أخرجه أبو يعلى والطبراني. وعن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان: أنه قضى حاجته فخرج ثم جاء، فقلت: لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات؟ قال: إني لست أمسه، لا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا، أخرجه الدارقطني وصححه (١) .
وقال ابن حجر أيضا: حديث: أنه ﷺ قال لحكيم بن حزام: «لا يمس المصحف إلا طاهر (٢) » ، الدارقطني والحاكم في المعرفة من [مستدركه] . والبيهقي في [الخلافيات] والطبراني من حديث حكيم، قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن: قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» ، وفي إسناده سويد أبو حاتم، وهو ضعيف، وذكر الطبراني في [الأوسط] : أنه تفرد به، وحسن الحازمي إسناده.
واعترض النووي على صاحب [المهذب] في إيراده له عن حكيم بن حزام، بما حاصله أنه تبع في ذلك الشيخ أبا حامد، يعني: في قوله عن حكيم بن حزام، قال: والمعروف في كتب الحديث أنه عن عمرو بن حزم قلت: حديث عمرو بن حزم أشهر، وهو في الكتاب الطويل، كما سيأتي الكلام عليه في الديات إن شاء الله تعالى، ثم إن الشيخ محيي الدين في الخلاصة، ضعف حديث حكيم بن حزام وحديث عمرو بن
стр. 3294
حزم جميعا، فهذا يدل على أنه وقف على حديث حكيم بعد ذلك. والله أعلم، وفي الباب عن ابن عمر رواه الدارقطني وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به، وعن عثمان بن أبي العاص، رواه الطبراني وابن أبي داود في المصاحف، وفي إسناده انقطاع، وفي رواية الطبراني من لا يعرف وعن ثوبان أورده علي بن عبد العزيز في [منتخب مسنده] ، وفي إسناده خصيب بن جحدر، وهو متروك، وروى الدارقطني في قصة إسلام عمر أن أخته قالت له قبل أن يسلم: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، وفي إسناده مقال، وفيه عن سلمان موقوفا، أخرجه الدارقطني والحاكم.
قوله: ويروى أنه ﷺ قال: «لا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهر» ، هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا يوجد ذكر حمل المصحف في شيء من الروايات، وأما المس ففيه الأحاديث الماضية.
حديث: «أنه ﷺ كتب كتابا إلى هرقل، وكان فيه: (٢) » الآية متفق عليه من حديث ابن عباس عن أبي
стр. 3295
سفيان صخر بن حرب في حديث طويل (١) .
ج- وجاء في [بلوغ المرام] : وعن عبد الله بن أبي بكر: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٢) » . رواه مالك مرسلا. ووصله النسائي وابن حبان وهو معلول.
د- وقال الصنعاني: وإنما قال في [المصنف] : إن هذا الحديث معلول؛ لأنه من رواية سليمان بن داود، وهو متفق على تركه، كما قال ابن حزم ووهم في ذلك، فإنه ظن أنه سليمان بن داود اليماني وليس كذلك، بل هو سليمان بن داود الخولاني وهو ثقة، أثنى عليه أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، واليماني هو المتفق على ضعفه، وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول.
قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.
وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب.
وفي الباب من حديث حكيم بن حزام «لا يمس القرآن إلا طاهر (٣) » وإن كان في إسناده مقال إلا أنه ذكره الهيثمي في [مجمع الزوائد] من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر (٤) » قال الهيثمي: رجاله موثقون، وذكر له شاهدين ولكنه يبقى النظر في
стр. 3296
المراد من الطاهر فإنه لفظ مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولا بد لحمله على معين من قرينة، وأما قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) فالأوضح أن الضمير للكتاب المكنون الذي سبق ذكره في صدر الآية، وأن المطهرون هم الملائكة (٢) .
هـ- وجاء في [المنتقى] للمجد: وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان فيه: «لا يمس القرآن إلا طاهر (٣) » - رواه الأثرم والدارقطني. وهو لمالك في [الموطأ] مرسلا عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٤) » ، وقال الأثرم: واحتج أبو عبد الله -يعني: أحمد - بحديث ابن عمر: «ولا يمس المصحف إلا على طهارة» .
ووقال الشوكاني: الحديث أخرجه الحاكم في [المستدرك] ، والبيهقي في [الخلافيات] والطبراني، وفي إسناده سويد بن أبي حاتم، وهو ضعيف.
وذكر الطبراني في [الأوسط] : أنه تفرد به وحسن الحازمي إسناده، وقد ضعف النووي وابن كثير في إرشاده وابن حزم حديث حكيم بن حزام، وحديث عمرو بن حزم جميعا. وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني والطبراني قال الحافظ: وإسناده لا بأس به، لكن فيه سليمان
стр. 3297
الأشدق وهو مختلف فيه، رواه عن سالم عن أبيه ابن عمر قال الحافظ: ذكر الأثرم أن أحمد احتج به.
وفي الباب أيضا عن عثمان بن أبي العاص عند الطبراني وابن أبي داود في المصاحف وفي إسناده انقطاع، وفي رواية الطبراني من لا يعرف، وعن ثوبان أورد علي بن عبد العزيز في منتخب مسنده، وفي إسناده خصيب بن جحدر وهو متروك، وروى الدارقطني في قصة إسلام عمر أن أخته قالت له قبل أن يسلم: إنه رجس ولا يمسه إلا المطهرون، قال الحافظ: وفي إسناده مقال، وفيه عن سلمان موقوفا أخرجه الدارقطني والحاكم، وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول.
قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.
وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة. والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا، ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة: ويدل لإطلاقه على الأول قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) وقوله ﷺ لأبي هريرة: «المؤمن لا ينجس (٢) » ، وعلى الثاني: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣) وعلى الثالث: قوله ﷺ في المسح على الخفين: «دعهما فإني أدخلتهما
стр. 3298
طاهرتين (١) » ، وعلى الرابع: الإجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية يسمى طاهرا، وقد ورد إطلاق ذلك في كثير فمن أجاز حمل المشترك على جميع معانيه حمله عليها هنا. والمسألة مدونة في الأصول وفيها مذاهب: والذي يترجح أن المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يبين، وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثا أكبر أن يمس المصحف، وخالف في ذلك داود.
(استدل المانعون للجنب) بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعا إلى القرآن، والظاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه الأقرب، والمطهرون: الملائكة، ولو سلم عدم الظهور فلا أقل من الاحتمال فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجه الرجوع إلى البراءة الأصلية، ولو سلم رجوعه إلى القرآن على التعيين لكانت دلالته على المطلوب -وهو منع الجنب من مسه- غير مسلمة؛ لأن المطهر من ليس بنجس والمؤمن ليس بنجس دائما؛ لحديث «المؤمن لا ينجس (٣) » وهو متفق عليه، فلا يصح حمل المطهر على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أو متنجس بنجاسة عينية، بل يتعين حمله على من ليس بمشرك، كما هو في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤) لهذا الحديث، وحديث النهي عن السفر
стр. 3299
بالقرآن إلى أرض العدو، ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثا أكبر أو أصغر، فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملا في معانيه فلا يعين حتى يبين: وقد دل الدليل هاهنا أن المراد به غيره؛ لحديث «المؤمن لا ينجس (١) » ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحا بلا مرجح وتعيينه لجميعها استعمالا للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف، ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح؛ لوجود المانع وهو حديث «المؤمن لا ينجس (٢) » .
واستدلوا أيضا بحديث الباب.
وأجيب: بأنه غير صالح للاحتجاج؛ لأنه من صحيفة غير مسموعة وفي رجال إسناده خلاف شديد، ولو سلم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر وقد عرفته.
قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازا ولا لغة، صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه، فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائما فلا يتناوله الحديث سواء كان جنبا أو حائضا أو محدثا أو على بدنه نجاسة- (فإن قلت) : إذا تم ما تريد من حمل الطاهر على من ليس بمشرك فما جوابك فيما ثبت في المتفق عليه من حديث ابن عباس أنه ﷺ كتب إلى هرقل عظيم الروم: «أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين
стр. 3300
وإلى قوله: (٣) » مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب ووقوع اللمس منهم له معلوم.
(قلت) : أجعله خاصا بمثل الآية والآيتين فإنه يجوز تمكين المشرك من مس ذلك المقدار كدعائه إلى الإسلام. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه قد صار باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه ككتب التفسير فلا تخصص به الآية والحديث: إذا تقرر لك هذا عرفت عدم انتهاض الدليل على منع من عدا المشرك، وقد عرفت الخلاف في الجنب.
وأما المحدث حدثا أصغر فذهب ابن عباس والشعبي والضحاك وزيد بن علي والمؤيد بالله والهادوية، وقاضي القضاة وداود إلى أنه يجوز له مس المصحف.
وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإمام يحيى: لا يجوز، واستدلوا بما سلف وقد سلف ما فيه. (٤) .
стр. 3301
٣ - النقول من الفقهاء
أ- قال النووي: يحرم على المحدث مس المصحف وحمله سواء إن حمله بعلاقته أو في كمه أو على رأسه. وحكى القاضي حسين والمتولي وجها أنه يجوز حمله بعلاقته، وهو شاذ في المذهب وضعيف.
قال أصحابنا: وسواء من نفس الأسطر، أو ما بينهما أو الحواشي أو
стр. 3302
الجلد فكل ذلك حرام. وفي مس الجلد وجه ضعيف أنه يجوز. وحكى الدارمي وجها شاذا بعيدا أنه لا يحرم مس الجلد ولا الحواشي ولا ما بين الأسطر، ولا يحرم إلا نفس المكتوب. والصحيح الذي قطع به الجمهور: تحريم الجميع.
وفي مس العلاقة والخريطة والصندوق إذا كان المصحف فيها وجهان مشهوران:
أصحهما: يحرم، وبه قطع المتولي والبغوي؛ لأنه متخذ للمصحف منسوب إليه كالجلد.
والثاني: يجوز واختاره الروياني في مس الصندوق. وأما حمل الصندوق وفيه المصحف فاتفقوا على تحريمه.
قال أبو محمد الجويني في [الفروق] : وكذا يحرم تحريكه من مكان إلى مكان، وأما إذا تصفح أوراقه بعود ففيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين:
أصحهما: - وبه قطع المصنف وسائر العراقيين- يجوز؛ لأنه غير مباشر له ولا حامل.
والثاني: لا يجوز، ورجحه الخراسانيون؛ لأنه حمل الورقة، وهي بعض المصحف ولو لف كمه على يده وقلب الأوراق بها فهو حرام. هكذا صرح به الجمهور منهم الماوردي المحاملي في [المجموع] وإمام الحرمين والغزالي والروياني وغيرهم، وفرقوا بينه وبين العود بأن الكم متصل به، وله حكم أجزائه في منع السجود عليه وغيره بخلاف العود.
قال إمام الحرمين: ولأن التقليب يقع باليد لا بالكم، قال: ومن ذكر
стр. 3303
فيه خلافا فهو غالط، وشذ الدارمي عن الأصحاب فقال: إن مسه بخرقة أو بكمه فوجهان، وإن مسه بعود جاز.
وأما إذا حمل المصحف في متاع فوجهان، حكاهما الماوردي والخراسانيون: أصحهما: - وبه قطع المصنف والجمهور، ونقله الماوردي والبغوي عن نص الشافعي - يجوز؛ لأنه غير مقصود.
والثاني: يحرم؛ لأنه حامله حقيقة ولا أثر لكون غيره معه، كما لو حمل المصلي متاعا فيه نجاسة فإن صلاته تبطل. قال الماوردي: وصورة المسألة أن يكون المتاع مقصودا بالحمل، فإن كان بخلافه لم يجز، وإنما قاس المصنف على ما إذا كتب كتابا إلى دار الشرك فيه آيات؛ لأن النبي ﷺ كتب إلى دار الشرك كتابا فيه شيء من القرآن مع نهيه ﷺ عن المسافرة بالقرآن إلى دار الكفر، فدل على أن الآيات في ضمن كتاب لا يكون لها حكم المصحف، والله سبحانه أعلم (١) .
وقال النووي أيضا: الثانية: كتاب تفسير القرآن إن كان القرآن فيها أكثر، كبعض كتب غريب القرآن حرم مسه وحمله وجها واحدا، كذا ذكره الماوردي وغيره، ونقله الروياني عن الأصحاب، وإن كان التفسير أكثر كما هو الغالب ففيه أوجه:
أصحها: لا يحرم؛ لأنه ليس بمصحف، وبهذا قطع الدارمي وغيره.
والثاني: يحرم؛ لتضمينه قرآنا كثيرا.
والثالث: إن كان القرآن متميزا عن التفسير بخط غليظ حمرة أو
стр. 3304
صفرة ونحو ذلك حرم وإلا فلا. وبه قطع القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وضعفه غيرهم، قال المتولي: وإذا لم يحرم كره، وأما كتب القراءات فجعلها الشيخ نصر المقدسي ككتب الفقه، وقطع هو بجوازها.
وأما كتب حديث رسول الله ﷺ فأطلق الماوردي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم جواز مسها وحملها مع الحديث، وقال المتولي والروياني: يكره.
والمختار: ما قاله آخرون: إنه إن لم يكن فيها شيء من القرآن جاز، والأولى أن لا يفعل إلا بطهارة، وإن كان فيها قرآن فعلى وجهين في كتب الفقه (١) .
وقال أيضا: الخامسة: إذا كتب القرآن في لوح فله حكم المصحف فيحرم مسه. وحمله على البالغ المحدث هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الأكثرون، وفيه وجه مشهور أنه لا يحرم؛ لأنه لا يراد الدوام بخلاف المصحف، فعلى هذا يكره، قاله في التتمة، ولا فرق بين أن يكون المكتوب قليلا أو كثيرا فيحرم على الصحيح.
قال إمام الحرمين: لو كان على اللوح آية أو بعض آية كتب للدراسة حرم مسه وحمله (٢) .
وقال أيضا: الثامنة: لو خاف المحدث على المصحف من حرق أو غرق
стр. 3305
أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الحدث. صرح به الدارمي وغيره، بل يجب ذلك؛ صيانة للمصحف، ولو لم يجد من يودعه المصحف وعجز عن الوضوء فله حمله مع الحدث.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يلزمه التيمم له؛ لأنه لا يرفع الحدث وفيما قاله نظر. وينبغي أن يجب التيمم؛ لأنه وإن لم يرفع الحدث فيبيح الصلاة ومس المصحف وحمله (١) .
وقال أيضا: (فرع) في مذاهب العلماء في مس المصحف وحمله، ومذهبنا تحريمهما، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء. وعن الحكم وحماد وداود: يجوز مسه وحمله، وروي عن الحكم وحماد جواز مسه بظهر الكف دون بطنه.
واحتجوا: بأن النبي ﷺ كتب إلى هرقل كتابا فيه قرآن، وهرقل محدث، يمسه وأصحابه، ولأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار، ولأنه إذا لم تحرم القراءة فالمس أولى، وقاسوا حمله على حمله في متاع.
واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٣) ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤) ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) فوصفه بالتنزيل، وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا، فإن قالوا: المراد اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، ولهذا قال: يمسه
стр. 3306
بضم السين على الخبر، ولو كان المصحف لقال: يمسه بفتح السين على النهي.
فالجواب: أن قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ (١) ظاهر في إرادة المصحف فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح، وأما رفع السين فهو نهي بلفظ الخبر، كقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٢) على قراءة من رفع، وقوله ﷺ : «لا يبيع بعضكم على بيع أخيه (٣) » بإثبات الياء، ونظائره كثيرة مشهورة وهو معروف في العربية، فإن قالوا: لو أريد ما قلتم لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، فالجواب: أنه يقال في المتوضئ: مطهر ومتطهر، واستدل أصحابنا بالحديث المذكور وبأنه قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ﵃ ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة.
والجواب عن قصة هرقل: أن ذلك الكتاب فيه آية ولا يسمى مصحفا، وأبيح حمل الصبيان الألواح للضرورة وأبيحت القراءة للحاجة وعسر الوضوء لها كل وقت وحمله في المتاع؛ لأنه غير مقصود، وبالله التوفيق (٤) .
ب- وجاء في [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] : وسئل عن رجل يقرأ القرآن وليس له على الوضوء قدرة في كل وقت: فهل له أن يكتب في اللوح ويقرأه إن كان على وضوء وغير وضوء. أم لا؟ وقد ذكر
стр. 3307
بعض المالكية أن معنى قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) تطهير القلب، وأن المسلم لا ينجس، وقال بعض الشافعية: لا يجوز له أن يمس اللوح، أو المصحف على غير وضوء أبدا، فهل بين الأئمة خلاف في هذا أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، إذا قرأ في المصحف، أو اللوح، ولم يمسه جاز ذلك، وإن كان على غير طهور، ويجوز له أن يكتب في اللوح وهو على غير وضوء والله أعلم.
وسئل: هل يجوز مس المصحف بغير وضوء، أم لا؟
فأجاب: مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر. كما قال في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٢) » .
قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي ﷺ كتبه له، وهو أيضا قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف.
وسئل: عن الإنسان إذا كان على غير طهر، وحمل المصحف بأكمامه، ليقرأ به، ويرفعه من مكان إلى مكان، هل يكره ذلك؟
فأجاب: وأما إذا حمل الإنسان المصحف بكمه فلا بأس، ولكن لا يمسه بيديه.
وسئل: عمن معه مصحف، وهو على غير طهارة، كيف يحمله؟
فأجاب: ومن كان معه مصحف فله أن يحمله بين قماشه، وفي خرجه وحمله، سواء كان ذلك القماش لرجل، أو امرأة، أو صبي، وإن
стр. 3308
كان القماش فوقه أو تحته (١) .
وقال أيضا: وأما مس المصحف: فالصحيح أنه يجب له الوضوء، كقول الجمهور، وهذا هو المعروف عن الصحابة: سعد، وسلمان، وابن عمر. وفي كتاب عمرو بن حزم، عن النبي ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر (٢) » .
وذلك أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، وقد أقر المشركين على السجود لله، ولم ينكره عليهم، فإن السجود لله خضوع: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٣)
وأما كلامه فله حرمة عظيمة؛ ولهذا ينهى أن يقرأ القرآن في حالة الركوع والسجود، فإذا نهى أن يقرأ في السجود، لم يجز أن يجعل المصحف مثل السجود، وحرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد، والمسجد يجوز أن يدخله المحدث، ويدخله الكافر للحاجة، وقد كان الكفار يدخلونه، واختلف في نسخ ذلك، بخلاف المصحف فلا يلزم إذا جاز الطواف مع الحدث، أن يجوز للمحدث مس المصحف؛ لأن حرمة المصحف أعظم.
وعلى هذا فما روي عن عثمان وسعيد من أن الحائض تومئ بالسجود، هو لأن حدث الحائض أغلظ، والركوع هو سجود خفيف. كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (٤) قالوا: ركعا، فرخص لها في
ثالثا: ما جاء في النهي عن قراءة الجنب والحائض القرآن:
اختلف أهل العلم في ذلك:
وفيما يلي نقول توضح أقوالهم وأدلتهم ومناقشتها:
١ - النقول عن المحدثين:
أ- قال البخاري: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية. ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا، وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. وقالت أم عطية: كنا نؤمر أن يخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم ويدعون. وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان: أن هرقل دعا بكتاب النبي ﷺ فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ (١) الآية. وقال عطاء: عن جابر حاضت عائشة فنسكت المناسك كلها غير الطواف بالبيت ولا تصلي. وقال الحكم: إني لأذبح وأنا جنب، وقال الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: «خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي فقال: " ما يبكيك؟ " قلت: لوددت -والله- أني لم أحج العام. قال: " لعلك نفست؟ " قلت: نعم. قال:
стр. 3311
" فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (١) » .
ب- وقال ابن حجر: (قوله: باب تقضي الحائض) أي: تؤدي (المناسك كلها إلا الطواف بالبيت) ، قيل: مقصود البخاري بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث والآثار؛ أن الحيض وما في معناه من الجنابة لا ينافي جميع العبادات، بل صحت معه عبادات بدنية من أذكار وغيرها، فمناسك الحج من جملة ما لا ينافيها، إلا الطواف فقط.
وفي كون هذا مراده نظر؛ لأن كون مناسك الحج كذلك حاصل بالنص فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعا لابن بطال وغيره أن مراده: الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة ﵂؛ لأنه ﷺ لم يستثن من جيمع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب؛ لأن حدثها أغلظ من حدثه ومنع القراءة إن كان لكونه ذكر الله فلا فرق بينه وبين ما ذكر وإن كان تعبدا فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل، كما سنشير إليه، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري، وابن المنذر وداود؛ بعموم حديث: كان يذكر الله على كل أحيانه؛ لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف، والحديث المذكور وصله مسلم من حديث
стр. 3312
عائشة، وأورد المصنف أثر إبراهيم -وهو النخعي - إشعارا بأن منع الحائض من القراءة ليس مجمعا عليه، وقد وصله الدارمي وغيره بلفظ أربعة لا يقرءون القرآن: الجنب، والحائض، وعند الخلاء، وفي الحمام، إلا الآية ونحوها للجنب والحائض، وروي عن مالك نحو قول إبراهيم، وروي عنه الجواز مطلقا، وروي عنه الجواز للحائض دون الجنب، وقد قيل: إنه قول الشافعي في القديم ثم أورد أثر ابن عباس، وقد وصله ابن المنذر بلفظ: (أن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب) ، وأما حديث أم عطية فوصله المؤلف في العيدين، وقوله فيه: (ويدعون) كذا لأكثر الرواة، وللكشميهني: (يدعين) بياء تحتانية بدل الواو، ووجه الدلالة منه: ما تقدم من أنه لا فرق بين التلاوة وغيرها.
ثم أورد المصنف طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وهو موصول عنده في بدء الوحي وغيره، ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ كتب إلى الروم وهم كفار، والكافر جنب كأنه يقول: إذا جاز مس الكتاب للجنب مع كونه مشتملا على آيتين فكذلك يجوز له قراءته، كذا قاله ابن رشيد وتوجيه الدلالة منه إنما هي من حيث إنه إنما كتب إليهم ليقرءوه فاستلزم جواز القراءة بالنص لا بالاستنباط، وقد أجيب عمن منع ذلك، وهم: الجمهور: بأن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو في التفسير، فإنه لا يمنع قراءته ولا مسه عند الجمهور؛ لأنه لا يقصد منه التلاوة.
ونص أحمد: أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ، وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز بالقليل؛ كالآية والآيتين.
стр. 3313
قال الثوري: لا بأس أن يعلم الرجل النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهديه، وأكره أن يعلمه الآية هو كالجنب، وعن أحمد: أكره أن يضع القرآن في غير موضعه، وعنه: إن رجي منه الهداية جاز وإلا فلا، وقال بعض من منع: لا دلالة في القصة على جواز تلاوة الجنب القرآن؛ لأن الجنب إنما منع التلاوة إذا قصدها وعرف أن الذي يقرأه قرآن، أما لو قرأ في ورقة ما لا يعلم أن من القرآن فإنه لا يمنع، وكذلك الكافر، وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى.
تنبيه: ذكر صاحب [المشارق] أنه وقع في رواية القابسي والنسفي وعبدوس هنا (ويا أهل الكتاب) بزيادة واو، قال: وسقطت لأبي ذر والأصيلي، وهو الصواب (قلت) : فافهم أن الأولى خطأ، لكونها مخالفة للتلاوة وليست خطأ وقد تقدم توجيه إثبات الواو في بدء الوحي، (قوله: وقال عطاء: عن جابر) هو طرف من حديث موصول عند المصنف في كتاب [الأحكام] وفي آخره: غير أنها لا تطوف بالبيت ولا تصلي، وأما أثر الحكم وهو الفقيه الكوفي فوصله البغوي في الجعديات من روايته عن علي بن الجعد عن شعبة عنه.
ووجه الدلالة منه: أن الذبح مستلزم لذكر الله بحكم الآية التي ساقها، وفي جميع ما استدل به نزاع يطول ذكره، ولكن الظاهر من تصرفه ما ذكرناه، واستدل الجمهور على المنع بحديث علي: كان رسول الله ﷺ لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن حبان، وضعف بعضهم بعض رواته، والحق: أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل في الاستدلال به نظر؛ لأنه فعل مجرد
стр. 3314
فلا يدل على تحريم ما عداه، وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعا بين الأدلة.
وأما حديث ابن عمر مرفوعا: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (١) » فضعيف من جميع طرقه (٢) .
ج- قال الزيلعي: الحديث الرابع: قال النبي ﷺ : «لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن (٣) » قلت: روي من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر.
أما حديث ابن عمر، فأخرجه الترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (٤) » انتهى. قال الترمذي: لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه، انتهى، ورواه البيهقي في [سننه] (٥) ، وقال: قال البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق، ثم قال: وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة، وليس بصحيح، انتهى.
وقال في [المعرفة] : هذا حديث ينفرد به إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها، قاله أحمد بن حنبل،
стр. 3315
ويحيى بن معين، وغيرهما من الحفاظ. وقد روي هذا من غيره، وهو ضعيف، انتهى.
وقال ابن أبي حاتم في [علله] (١) : سمعت أبي، وذكر حديث إسماعيل بن عياش هذا فقال: خطأ، إنما هو قول ابن عمر، انتهى.
وقال ابن عدي في [الكامل] : هذا الحديث بهذا السند لا يرويه غير إسماعيل بن عياش، وضعفه أحمد والبخاري وغيرهما، وصوب أبو حاتم وقفه على ابن عمر، انتهى. وله طريقان آخران عند الدارقطني: (٢) .
أحدهما: عن المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة به.
والثاني: عن محمد بن إسماعيل الحساني عن رجل عن أبي معشر عن موسى بن عقبة به. وهذا مع أن فيه رجلا مجهولا، فأبو معشر رجل مستضعف إلا أنه يتابع عليه.
وأما حديث جابر: فرواه الدارقطني في [سننه] في (آخر الصلاة) من حديث محمد بن الفضل عن أبيه عن طاوس عن جابر مرفوعا نحوه، ورواه ابن عدي في [الكامل] ، وأعله بمحمد بن الفضل، وأغلظ في تضعيفه عن البخاري، والنسائي، وأحمد، وابن معين، ووافقهم حديث يمكن أن يستدل به الطحاوي في إباحة ما دون الآية للجنب، ورواه أحمد في [مسنده] (٣) : حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن
стр. 3316
السمط عن أبي العزيف الهمداني قال: أتي علي بوضوء فمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه (١) ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ثم مسج برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية انتهى.
ولكن الدارقطني رواه في [سننه] (٢) موقوفا بغير هذا اللفظ، فأخرجه عن عامر بن السمط ثنا أبو العزيف الهمداني، قال: كنا مع علي ﵁ في الرحبة، فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدري أبولا أحدث أم غائطا، ثم جاء فدعا بكوز من ماء فغسل كفيه، ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدرا من القرآن، ثم قال: اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابه فلا، ولا حرفا واحدا. انتهى.
قال الدارقطني: هو صحيح عن علي. انتهى.
حديث آخر. في منع القراءة للجنب، رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث عمر بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي، قال: كان رسول الله ﷺ لا يحجبه -أو لا يحجزه- عن القرآن شيء ليس الجنابة، انتهى.
стр. 3317
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في [صحيحه] ، والحاكم في [المستدرك] ، وصححه، قال: ولم يحتجا بعبد الله بن سلمة، ومدار الحديث عليه، انتهى. قال النووي في [الخلاصة] : قال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه، قال البيهقي: لأن مداره على عبد الله بن سلمة (بكسر اللام) وكان قد كبر، وأنكر حديثه وعقله، وإنما روى هذا بعد كبره، قاله شعبة. انتهى كلامه (١) .
د- وقال ابن حجر: حديث: روي أنه ﷺ قال: «لا يقرأ الجنب، ولا الحائض، شيئا من القرآن (٢) » ، الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذا منها، وذكر البزار: أنه تفرد به عن موسى بن عقبة، وسبقه إلى نحو ذلك البخاري، وتبعهما البيهقي، لكن رواه الدارقطني، من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى، ومن وجه آخر، فيه مبهم، عن أبي معشر، وهو ضعيف، عن موسى، وصحح ابن سيد الناس، طريق المغيرة وأخطأ في ذلك، فإن فيها عبد الملك بن مسلمة، وهو ضعيف، فلو سلم منه لصح إسناده، وإن كان ابن الجوزي ضعفه بمغيرة بن عبد الرحمن، فلم يصب في ذلك، فإن مغيرة ثقة، وأن ابن سيد الناس تبع ابن عساكر في قوله في الأطراف: أن عبد الملك بن مسلمة هذا هو القعنبي، وليس كذلك، بل هو آخر.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ،
стр. 3318
وإنما هو ابن عمر، قوله: وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: هذا باطل، أنكر على إسماعيل، وله شاهد من حديث جابر، رواه الدارقطني مرفوعا. وفيه محمد بن الفضل، وهو متروك، وموقوفا، وفيه يحيى بن أبي أنيسة، وهو كذاب، وقال البيهقي: هذا الأثر ليس بالقوي، وصح عن عمر، أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب، وساقه عنه في الخلافيات: بإسناد صحيح (١) .
وقال أيضا: حديث علي بن أبي طالب: لم يكن يحجب النبي ﷺ عن القرآن شيء سوى الجنابة. وفي رواية: يحجزه، أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطني والبيهقي، من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي.
وفي رواية للنسائي، عن الأعمش عن عمرو بن مرة نحوه، وألفاظهم مختلفة، وصححه الترمذي وابن السكن وعبد الحق والبغوي في [شرح السنة] ، وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه، وقال البزار: لا يروى من حديث علي إلا عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عنه، وحكى الدارقطني في [العلل] أن بعضهم رواه عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي، وخطأ هذه الرواية، وقال الشافعي في سنن حرملة: إن كان هذا الحديث ثابتا، ففيه دلالة على تحريم القرآن على الجنب، وقال في جماع كتاب الطهور: أهل الحديث لا يثبتونه،
стр. 3319
قال البيهقي: إنما قال ذلك؛ لأن عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة.
وقال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث.
وقال النووي في [الخلاصة] : خالف الترمذي الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث، وتخصيصه الترمذي بذلك دليل على أنه لم ير تصحيحه لغيره، وقد قدمنا ذكر من صححه غير الترمذي، وروى الدارقطني عن علي موقوفا: «اقرءوا القرآن ما لم تصب أحدكم جنابة، فإن أصابته فلا ولا حرفا» ، وهذا يعضد حديث عبد الله بن سلمة لكن قال ابن خزيمة: لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي، وإنما هي حكاية فعل، ولا يبين النبي ﷺ أنه إنما امتنع من ذلك لأجل الجنابة، وذكر البخاري عن ابن عباس، أنه لم ير بالقرآن للجنب بأسا، وذكر في الترجمة قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (١) .
стр. 3320
٢ - النقول عن الفقهاء:
أ- قال النووي: (فرع) في مذاهب العلماء في قراءة الجنب والحائض، مذهبنا أنه يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن قليلها وكثيرها حتى بعض آية، وبهذا قال أكثر العلماء، كذا حكاه الخطابي وغيره عن
стр. 3321
الأكثرين، وحكاه أصحابنا عن عمر بن الخطاب وعلي وجابر ﵃ والحسن والزهري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق.
وقال داود: يجوز للجنب والحائض قراءة كل القرآن، وروى هذا عن ابن عباس وابن المسيب، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما: واختاره ابن المنذر، وقال مالك: يقرأ الجنب الآيات اليسيرة للتعوذ، وفي الحائض روايتان عنه:
إحداهما: تقرأ. والثانية: لا تقرأ. وقال أبو حنيفة: يقرأ الجنب بعض آية ولا يقرأ آية، وله رواية كمذهبنا.
واحتج من جوزه مطلقا بحديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه (١) » رواه مسلم، قالوا: والقرآن ذكر ولأن الأصل عدم التحريم.
واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر المذكور في الكتاب، لكنه ضعيف كما سبق، وعن عبد الله بن سلمة -بكسر اللام- عن علي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته فيقرأ القرآن ولم يكن يحجبه، وربما قال: يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة (٢) » رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال غيره من الحفاظ المحققين: هو حديث ضعيف، ورواه الشافعي في (سنن حرملة) ثم قال: إن كان ثابتا ففيه دلالة على تحريم القراءة على الجنب.
قال البيهقي: ورواه الشافعي في كتاب جماع الطهور، وقال: وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه، قال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوته؛
стр. 3322
لأن مداره على عبد الله بن سلمة، وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر قاله شعبة، ثم روى البيهقي عن الأئمة تحقيق ما قال، ثم قال البيهقي: وصح عن عمر ﵁ أنه كره القراءة للجنب، ثم رواه بإسناده عنه.
وروي عن علي: لا يقرأ الجنب القرآن ولا حرفا واحدا، وروى البيهقي عن عبد الله بن مالك الغافقي أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل» وإسناده أيضا ضعيف.
واحتج أصحابنا أيضا بقصة عبد الله بن رواحة ﵁ المشهورة: أن امرأته رأته يواقع جارية له، فذهبت فأخذت سكينا وجاءت تريد قتله، فأنكر أنه واقع الجارية، وقال: أليس قد نهى رسول الله ﷺ الجنب أن يقرأ القرآن؟ قالت: بلى، فأنشدها الأبيات المشهورة فتوهمتها قرآنا فكفت عنه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فضحك ولم ينكر عليه. والدلالة فيه من وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ لم ينكر عليه قوله: حرم رسول الله ﷺ القرآن. والثاني: أن هذا كان مشهورا عندهم يعرفه رجالهم ونساؤهم، ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع. وأجاب أصحابنا عن احتجاج داود بحديث عائشة: بأن المراد بالذكر غير القرآن، فإنه المفهوم عند الإطلاق.
وأما المذاهب الباقية فقد سلموا تحريم القراءة في الجملة، ثم ادعوا تخصيصا لا مستند له.
فإن قالوا: جوزنا للحائض خوف النسيان، قلنا: يحصل المقصود
стр. 3323
بتفكرها بقلبها (١) .
ب- وقال الشيرازي: ويحرم قراءة القرآن؛ لقوله ﷺ : لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن.
ج- وقال النووي: (الشرح) : هذا الحديث رواه الترمذي، والبيهقي من رواية ابن عمر ﵄ وضعفه الترمذي والبيهقي، وروي لا يقرأ بكسر الهمزة على النهي وبضمها على الخبر الذي يراد به النهي، وقد سبق بيانه في آخر باب ما يوجب الغسل، وهذا الذي ذكره من تحريم قراءة القرآن على الحائض هو الصحيح المشهور، وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين، وحكى الخراسانيون قولا قديما للشافعي: أنه يجوز لها قراءة القرآن.
وأصل هذا القول أن أبا ثور ﵀ قال: قال أبو عبد الله: يجوز للحائض قراءة القرآن. فاختلفوا في أبي عبد الله فقال بعض الأصحاب: أراد به مالكا وليس للشافعي قول بالجواز، واختاره إمام الحرمين والغزالي في [البسيط] ، وقال جمهور الخراسانيين: أراد به الشافعي وجعلوه قولا قديما.
قال الشيخ أبو محمد: وجدت أبا ثور جمعهما في موضع، فقال: قال أبو عبد الله ومالك. واحتج من أثبت قولا بالجواز اختلفوا في علته على وجهين:
أحدهما: أنها تخاف النسيان؛ لطول الزمان بخلاف الجنب.
стр. 3324
والثاني: أنها قد تكون معلمة فيؤدي إلى انقطاع حرفتها، فإن قلنا بالأول جاز لها قراءة ما شاءت إذ ليس لما يخاف نسيانه ضابط، فعلى هذا هي كالطاهر في القراءة، وإن قلنا بالثاني لم يحل إلا ما يتعلق بحاجة التعليم في زمان الحيض، هكذا ذكر الوجهين وتفريعهما إمام الحرمين وآخرون. هذا حكم قراءتها باللسان؛ فأما إجراء القراءة على القلب من غير تحريك اللسان والنظر في المصحف وإمرار ما فيه في القلب فجائز بلا خلاف، وأجمع العلماء على جواز التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن للحائض والنفساء، وقد تقدم إيضاح هذا مع جمل من الفروع المتعلقة به في باب ما يوجب الغسل والله أعلم.
(فرع) : في مذاهب العلماء في قراءة الحائض القرآن. قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور تحريمها، وهو مروي عن عمر وعلي وجابر ﵃، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء وأبو العالية والنخعي وسعيد بن جبير والزهري وإسحاق وأبو ثور. وعن مالك وأبي حنيفة وأحمد روايتان: إحداهما: التحريم، والثانية: الجواز، وبه قال داود.
واحتج لمن جوز بما روي عن عائشة ﵂: أنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض، ولأن زمنه يطول فيخاف نسيانها، واحتج أصحابنا والجمهور بحديث ابن عمر المذكور، ولكنه ضعيف وبالقياس على الجنب، فإن من خالف فيها وافق على الجنب إلا داود. والمختار عند الأصوليين: أن داود لا يعتد به في الإجماع والخلاف، وفعل عائشة ﵂ لا حجة فيه على تقدير صحته؛ لأن غيرها من الصحابة خالفها، وإذا اختلفت الصحابة ﵃ رجعنا إلى القياس، وأما
стр. 3325
خوف النسيان فنادر، فإن مدة الحيض غالبا ستة أيام أو سبعة، ولا ينسى غالبا في هذا القدر؛ ولأن خوف النسيان ينتفي بإمرار القرآن على القلب والله أعلم (١) .
د- وقال الخرقي: (ولا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء) .
هـ- وقال ابن قدامة: رويت الكراهة لذلك عن عمر وعلي والحسن والنخعي والزهري وقتادة والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (٢) ، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٣) وقال ابن عباس: يقرأ ورده. وقال سعيد بن المسيب: يقرأ القرآن أليس هو في جوفه؟ ! وحكي عن مالك: للحائض القراءة دون الجنب؛ لأن أيامها تطول، فإن منعناها من القراءة نسيت.
ولنا ما روي عن علي ﵁: أن النبي ﷺ لم يكن يحجبه أو قال: يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة، رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (٤) » رواه أبو داود والترمذي، وقال: يرويه إسماعيل بن عياش عن نافع، وقد ضعف البخاري روايته عن أهل الحجاز، وقال: إنما روايته عن أهل الشام، وإذا ثبت هذا في الجنب ففي الحائض أولى؛ لأن حدثها آكد؛ ولذلك حرم الوطء ومنع
стр. 3326
الصيام وأسقط الصلاة وساواها في سائر أحكامها.
(فصل) : ويحرم عليهم قراءة آية، فأما إن كان بعض آية فإن كان مما لا يتميز به القرآن عن غيره كالتسمية والحمد لله وسائر الذكر، فإن لم يقصد به القرآن فلا بأس به، فإنه لا خلاف في أن لهم ذكر الله تعالى، ويحتاجون إلى التسمية عند اغتسالهم ولا يمكنهم التحرر من هذا. وإن قصدوا به القراءة أو كان ما قرأوه شيئا يتميز به القرآن عن غيره من الكلام ففيه روايتان:
(إحداهما) : لا يجوز، وروي عن علي ﵁ أنه سئل عن الجنب يقرأ القرآن، فقال: لا، ولا حرفا، وهذا مذهب الشافعي؛ لعموم الخبر في النهي، ولأنه قرآن فمنع من قراءته كالآية.
(والثانية) : لا يمنع منه وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يحصل به الإعجاز ولا يجزئ في الخطبة ويجوز إذا لم يقصد به القرآن وكذلك إذا قصد (١) .
ووأما قراءة الجنب والحائض للقرآن، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
قيل: يجوز لهذا ولهذا. وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد.
وقيل: لا يجوز للجنب، ويجوز للحائض. إما مطلقا، أو إذا خافت النسيان. وهو مذهب مالك. وقول في مذهب أحمد وغيره، فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء غير الحديث المروي عن
стр. 3327
إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئا (١) » رواه أبو داود وغيره، وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة، بخلاف روايته عن الشاميين، ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات، ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن. كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين. وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك بمزدلفة ومنى، وغير ذلك من المشاعر.
وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد، ولا يصلي ولا أن يقضي شيئا من المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في ترك الطهارة، بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر. ولهذا ذكر العلماء: ليس للجنب أن يقف بعرفة ومزدلفة ومنى حتى يطهر، وان كانت الطهارة ليست شرطا في ذلك. لكن المقصود: أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر الله ودعائه مع كراهة ذلك للجنب.
فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه، لأجل العذر. وإن كانت عدتها أغلظ، فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك.
وإن قيل: إنه نهى الجنب؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر، ويقرأ
стр. 3328
بخلاف الحائض، تبقى حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن، تفويت عبادة تحتاج إليها مع عجزها عن الطهارة، وليست القراءة كالصلاة، فإن الصلاة يشترط لها الطهارة مع الحدث الأكبر والأصغر، والقراءة تجوز مع الحدث الأصغر بالنص، واتفاق الأئمة.
والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس واجتناب النجاسة، والقراءة لا يجب فيها شيء من ذلك، بل كان النبي ﷺ يضع رأسه في حجر عائشة ﵂ وهي حائض، وهو حديث صحيح، وفي [صحيح مسلم] ، أيضا: يقول الله للنبي ﷺ : «إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما، ويقظانا (١) » ، فتجوز القراءة قائما، وقاعدا وماشيا ومضطجعا وراكبا (٢) .
стр. 3329
رابعا: حكم تعليم الكافر القرآن:
اختلف أهل العلم في ذلك: وفيما يلي نقول عنهم يتبين منها أقوالهم وأدلتهم ومنا قشتها.
١ - النقول من المفسرين:
أ- قال الجصاص: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) وقد اقتضت هذه الآية جواز أمان الحربي إذا طلب ذلك منا ليسمع دلالة صحة الإسلام؛ لأن قوله تعالى: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ (٢) معناه: استأمنك، وقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ﴾ (٣) معناه: فأمنه
стр. 3330
حتى يسمع كلام الله الذي فيه الدلالة على صحة التوحيد وعلى صحة نبوة النبي ﷺ وهذا يدل على أن الكافر إذا طلب منا إقامة الحجة عليه وبيان دلائل التوحيد والرسالة حتى يعتقدهما لحجة ودلالة كان علينا إقامة الحجة وبيان توحيد الله وصحة نبوة النبي ﷺ وأنه غير جائز لنا قتله إذا طلب ذلك منا إلا بعد بيان الدلالة وإقامة الحجة؛ لأن الله قد أمرنا بإعطائه الأمان حتى يسمع كلام الله، وفيه الدلالة أيضا على أن علينا تعليم كل من التمس منا تعريفه شيئا من أمور الدين؛ لأن الكافر الذي استجارنا، ليسمع كلام الله إنما قصد التماس معرفة صحة الدين (١) .
ب- قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) أي: من الذين أمرتك بقتالهم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ (٣) أي: سأل جوارك، أي: أمانك وذمامك، فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي: يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه. فإن قبل أمرا فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه. وهذا ما لا خلاف فيه، والله أعلم.
قال مالك: إذا وجد الحربي في طريق بلاد المسلمين فقال: جئت أطلب الأمان، قال مالك: هذه أمور مشتبهة، وأرى أن يرد إلى مأمنه، وقال ابن القاسم: وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا بساحلنا فيقول: ظننت ألا تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع. وظاهر الآية: إنما هي فيمن يريد سماع القرآن والنظر في الإسلام، فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين والنظر فيما تعود عليهم به منفعته (٤) .