صلى الله عليه وسلم بطلاق لا يفعله أحد بين يديه، إلا نهاه عنه؛ لأنه العلم بين الحق والباطل، لا باطل بين يديه إلا يغيره.
قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب بن حنطب، أنه طلق امرأته البتة ثم أتى عمر فذكر ذلك له، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلته فتلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (١) ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلته قال: أمسك عليك امرأتك، فإن الواحدة تبت.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للتوءمة مثل ما قال للمطلب.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الليث بن سعد، عن بكير عن سليمان:
أن رجلا من بني زريق طلق امرأته البتة، قال عمر: ما أردت بذلك؟ قال: أتراني أقيم على حرام والنساء كثير؟ فأحلفه فحلف.
قال الشافعي ﵀: أراه قال، فردها عليه. قال: وهذا الخبر في الحديث في الزرقي، يدل على أن قول عمر بن الخطاب ﵁ للمطلب: ما أردت بذلك؟ يريد: أواحدة أو ثلاثا؟ فلما أخبره أنه لم يرد به زيادة في عدد الطلاق، وأنه قال: بلا نية زيادة، ألزمه واحدة، وهي أقل
стр. 352
الطلاق، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ (١) لو طلق فلم يذكر البتة، إذ كانت كلمة محدثة ليست في أصل الطلاق تحتمل صفة الطلاق وزيادة في عدده، ومعنى غير ذلك، فنهاه عن المشكل من القول، ولم ينهه عن الطلاق، ولم يعبه ولم يقل له: لو أردت ثلاثا كان مكروها عليك، وهو لا يحلفه على ما أراد إلا ولو أراد أكثر من واحدة ألزمه ذلك.
أخبرنا الربيع: قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان منه بعد انقضاء عدتها.
قال الشافعي ﵀: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن امرأة عبد الرحمن نشدته الطلاق، فقال: إذا حضت ثم طهرت فآذنيني، فطهرت وهو مريض فآذنته، فطلقها ثلاثا.
قال الشافعي ﵀: والبتة في حديث مالك بيان هذا الحديث ثلاثا، لما وصفنا من أن يقول: طالق البتة ينوي ثلاثا، وقد بينه ابن سيرين فقطع موضع الشك فيه.
أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن بكير، قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها،
стр. 353
فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة، وعبد الله بن عباس ﵄ عن ذلك؟ فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك. قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.
قال الشافعي ﵀: وما عاب ابن عباس ولا أبو هريرة عليه أن يطلق ثلاثا، ولو كان ذلك معيبا، لقالا له: لزمك الطلاق وبئسما صنعت، ثم سمى حين راجعه، فما زاده ابن عباس على الذي هو عليه أن قال له: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل، ولم يقل: بئسما صنعت، ولا حرجت في إرساله.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير، عن النعمان بن أبي عياش الأنصاري عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو: عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة. فقال عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاض، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. ولم يقل له عبد الله: بئسما صنعت حين طلقت ثلاثا.
أخبرنا الربيع: قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، أن بكيرا أخبره عن النعمان بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس
стр. 354
وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما؟ ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما؟ فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة ﵁: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
وقال ابن عباس مثيل ذلك ولم يعيبا عليه الثلاث ولا عائشة.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرني مالك عن ابن شهاب عن عروة: أن مولاة لبني عدي يقال لها: زيراء، أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي يومئذ أمة، فعتقت، فقالت: فأرسلت إلي حفصة فدعتني يومئذ، فقالت: إني مخبرتك خبرا ولا أحب أن تصنعي شيئا، إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، فقالت: ففارقته ثلاثا، فلم تقل لها حفصة: لا يجوز لك أن تطلقي ثلاثا. ولو كان ذلك معيبا على الرجل، إذا لكان ذلك معيبا عليها إذا كان بيدها فيه ما بيده.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن جهمان، عن أم بكرة الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت. فعثمان ﵁ يخبره: أنه إن سمى أكثر من واحدة كان ما سمى، ولا يقول له: لا ينبغي لك أن تسمي أكثر من واحدة؟ بل في هذا القول دلالة على أنه جائز له أن يسمي أكثر من واحدة.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن عمر بن عبد العزيز
стр. 355
رضي الله عنه قال: البتة ما يقول الناس فيها؟ فقال أبو بكر: فقلت له: كان أبان بن عثمان يجلعها واحدة، فقال عمر: لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، من قال البتة فقد رمى الغاية القصوى.
قال الشافعي: ولم يحك عن واحد منهم على اختلافهم في البتة أنه عاب البتة ولا عاب ثلاثا.
قال الشافعي: قال مالك في المخيرة: إن خيرها زوجها فاختارت نفسها فقد طلقت ثلاثا، وإن قال زوجها: لم أخيرك إلا في واحدة فليس له في ذلك قول، وهذا أحسن ما سمعت.
قال الشافعي: فإذا كان مالك يزعم أن من مضى من سلف هذه الأمة قد خيروا، وخير رسول الله ﷺ والخيار إذا اختارت المرأة نفسها يكون ثلاثا، كان ينبغي بزعمهم أن الخيار لا يحل؛ لأنها إذا اختارت كان ثلاثا، وإذا زعم أن الخيار يحل وهي إذا اختارت نفسها طلقت ثلاثا فقد زعم أن النبي ﷺ قد أجاز طلاق ثلاث، وأصحاب النبي ﷺ .
قال الشافعي ﵀: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره: أن رجلا أتى ابن عباس فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس ﵁: تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
قال الشافعي: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج: أن عطاء ومجاهدا قالا: إن رجلا أتى ابن عباس، فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس: تأخذ
стр. 356
ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء وحده، عن ابن عباس أنه قال: وسبعا وتسعين عدوانا، اتخذت بها آيات الله هزوا، فعاب عليه ابن عباس كل ما زاد عن عدد الطلاق الذي لم يجعله الله إليه ولم يعب عليه ما جعل الله إليه من الثلاث، وفي هذا دلالة على أنه يجوز له عنده أن يطلق ثلاثا، ولا يجوز له ما لم يكن إليه. اهـ (١) .
المذهب الحنبلي
وأما المذهب الحنبلي: فقد قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث، فروي عنه أنه غير محرم اختاره الخرقي، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور وداود، وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي؛ لأن عويمرا العجلاني لما لاعن امرأته قال: «كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ (٢) » متفق عليه. ولم ينقل إنكار النبي ﷺ .
وعن عائشة: «أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي (٣) » متفق عليه، وفي حديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات، ولأنه طلاق جاز تفريقه فجاز جمعه كطلاق النساء (٤)
стр. 357
وقد أجاب ابن قدامة عن أدلة القائلين بالإباحة جوابا إجماليا:
فقال: وأما حديث المتلاعنين فغير لازم؛ لأن الفرقة لم تقع بالطلاق، فإنها وقعت بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه.
ثم إن اللعان يوجب تحريما مؤبدا، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاع أو غيره، ولأن جمع الثلاث إنما حرم لما يعقبه من الندم، ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها، ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان لحصوله باللعان.
وسائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي النبي ﷺ فيكون مقرا عليه، ولا حضر المطلق عند النبي ﷺ حين أخبر بذلك لينكر عليه. على أن حديث فاطمة قد جاء فيه: أنه أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وحديث امرأة رفاعة جاء فيه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، متفق عليه، فلم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث. ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلقها في كل قرء طلقة، والأولى أولى، فإن في ذلك امتثالا لأمر الله سبحانه، وموافقة لقول السلف، وأمنا من الندم، فإنه متى ندم راجعها فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها. (١)
وقال ابن حزم: وجدنا من حجة من قال: إن الطلاق الثلاث مجموعة سنة لا بدعة، قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢)
стр. 358
فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة، ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١) عموم لإباحة الثلاث والاثنتين والواحدة. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) فلم يخص تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثا.
ووجدنا ما رويناه من طريق مالك، عن ابن شهاب: أن سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث التعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخره أنه قال: (كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها) فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ثم قال: وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ .
قال أبو محمد: لو كانت طلاق الثلاث مجموعة معصية لله تعالى، لما سكت رسول الله ﷺ عن بيان ذلك فصح يقينا أنها سنة مباحة.
وقال بعض أصحابنا: لا يخلو من أن يكون طلقها وهي امرأته، أو طلقها وقد حرمت عليه ووجب التفريق بينهما، فإن كان طلقها وهي
стр. 359
امرأته، فليس هذا قولكم؛ لأن قولكم إنها بتمام اللعان تبين عنه إلى الأبد، وإن كان طلقها أجنبية فإنما نحن فيمن طلق امرأته لا فيمن طلق أجنبية. فقلنا: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته هذا ما لا يشك فيه أحد، فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله ﷺ إلى هذا الاعتراض، فإنما حجتنا كلها في ترك رسول الله ﷺ الإنكار على من طلق ثلاثا مجموعة امرأة يظنها امرأته: ولا يشك أنها في عصمته فقط. فإن قالوا: ليس كل مسكوت عن ذكره في الأخبار يكون ترك ذكره حجة. فقلنا: نعم، هو حجة لازمة إلا أن يوجد بيان في خبر آخر لم يذكر في هذا الخبر، فحينئذ لا يكون السكوت عنه في خبر آخر حجة.
ومن طريق البخاري، نا محمد بن بشار، نا يحيى هو ابن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، نا القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «إن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلق، فسئل رسول الله ﷺ : أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (١) » فلم ينكر ﵊ هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك. وخبر فاطمة بنت قيس المشهور رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: «أن فاطمة بنت قيس أخبرته: أن زوجها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن فانطلق خالد بن الوليد في نفر، فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إن ابن حفص طلق امرأته ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس لها نفقة وعليها العدة (٢) » وذكر باقي الخبر.
стр. 360
ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا حفص بن غياث، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت: «قلت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني ثلاثا وأنا أخاف أن يقتحم علي، قال: فأمرها فتحولت (١) » . ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، «عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثا قال: ليس لها سكنى ولا نفقة (٢) » .
فهذا نقل تواتر عن فاطمة بأن رسول الله ﷺ أخبرها هي ونفر سواها بأن زوجها طلقها ثلاثا (٣) ، وبأنه ﵊ حكم في المطلقة ثلاثا، ولم ينكر ﵊ ذلك، ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه.
فإن قيل: إن الزهري روى عن أبي سلمة هذا الخبر، فقال فيه: أنها ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث طلقات، وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها فذكر الخبر وفيه: فأرسل مروان إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته، وذكر باقي الخبر.
قلنا: نعم، هكذا رواه الزهري، فأما روايته من طريق عبيد الله بن عبد الله فمنقطعة، لم يذكر عبيد الله ذلك عنها ولا عن قبيصة عنها، إنما قال: إن فاطمة طلقها زوجها، وإن مروان بعث إليها قبيصة فحدثته. وأما خبره عن أبي سلمة فمتصل، إلا أن كلا الخبرين ليس فيهما أن رسول الله ﷺ أخبرته
стр. 361
هي ولا غيرها بذلك، إنما السند الصحيح الذي فيه أنه ﵊ سأل عن كمية طلاقها؟ وأنها أخبرته، فهي التي قدمنا أولا، وعلى ذلك الإجمال جاء حكمه ﵊، وكذلك كل لفظ روي به خبر فاطمة من (أبت طلاقها) و (طلقها البتة) و (طلقها طلاقا باتا) و (طلاقا بائنا) فليس في شيء منه أن رسول الله ﷺ وقف عليه أصلا فسقط كل ذلك وثبت حكمه ﵊ على ما صح أنه أخبر به من أنه طلقها ثلاثا فقط.
وأما الصحابة ﵃ فإن الثابت عن عمر ﵁ الذي لا يثبت عنه غيره، ما رويناه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، نا زيد بن وهب: أنه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته ألفا، فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث. فإنما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث، وأحسن عمر في ذلك، وأعلمه أن الثلاث تكفي ولم ينكرها.
ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفا. فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك. . فلم ينكر جمع الثلاث.
ومن طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن معاوية بن أبي يحيى قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: بانت منك بثلاث:. . فلم ينكر الثلاث.
стр. 362
ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفا. فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك وزرا، اتخذت آيات الله هزوا. فلم ينكر الثلاث، وأنكر ما زاد، والذي جاء عنه من قوله لمن طلق ثلاثا ثم ندم: لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا، وهو على ظاهره، نعم، إن اتقى الله جعل له مخرجا، وليس فيه أن طلاقه الثلاث معصية.
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين. فقال له ابن مسعود: ثلاث تبينها، وسائرها عدوان.
وهذا خبران في غاية الصحة، لم ينكر ابن مسعود وابن عباس الثلاث مجموعة أصلا، وإنما أنكر الزيادة على الثلاث.
ومن طريق أحمد بن شعيب، أنا عمرو بن علي، نا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة: أن يطلقها طاهرا من غير جماع، وهذا في غاية الصحة عن ابن مسعود، فلم يخص طلقة من طلقتين من ثلاث.
فإن قيل: قد روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، وفيه: فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى.
стр. 363
قلنا: نعم، هذا أيضا سنة، وليس فيه أن ما عدا ذلك حرام وبدعة. فإن قيل: قد رويتم من طريق حماد بن زيد، نا يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين قال: قال علي بن أبي طالب: لو أن الناس أخذوا بأمر الله تعالى في الطلاق ما يبيح رجل نفسه في امرأة أبدا يبدأ فيطلقها تطليقة ثم يتربص ما بينها وبين أن تنقضي عدتها فمتى شاء راجعها.
قلنا: هذا منقطع عنه؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من علي كلمة، ثم ليس فيه أيضا أن ما عدا ذلك معصية ولا بدعة لا يعلم عن الصحابة ﵃ غير ما ذكرنا. وأما التابعون فروينا من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال رجل لشريح القاضي: طلقت امرأتي مائة. فقال: بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون إسراف ومعصية.
فلم ينكر شريح الثلاث، وإنما جعل الإسراف والمعصية ما زاد على الثلاث. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: طلاق العدة أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة بغير جماع.
قال أبو محمد: فلم يخص واحدة من ثلاث من اثنتين، لا يعلم عن أحد من التابعين أن الثلاث معصية صرح بذلك إلا الحسن، والقول بأن الثلاث سنة هو قول الشافعي وأبي ذر وأصحابهما (١) .
وقال ابن أبي شيبة (٢) : (من رخص للرجل أن يطلق ثلاثا في مجلس) .
стр. 364
حدثنا أبو أسامة، عن هشام قال: سئل محمد عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا في مقعد واحد. قال: لا أعلم بذلك بأسا، قد طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثا فلم يعب عليه ذلك.
حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون عن محمد قال: كان لا يرى بذلك بأسا. حدثنا غندر عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، في رجل أراد أن تبين منه امرأته، قال: يطلقها ثلاثا.
стр. 365
المسألة الثانية: ما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد وفي ذلك مذاهب:
المذهب الأول: أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد وقعت ثلاثا دخل بها أو لا .
ذكر من قال بهذا القول:
١ - قال الكاساني: وأما حكم طلاق البدعة (١) : فهو أنه واقع عند عامة العلماء، وقد ذكر هذا بعد سياقه للألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة، وذكر منها: الثلاث بلفظ واحد.
٢ - قال ابن الهمام: وذهب جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلى أنه يقع ثلاثا (٢)
стр. 366
٣ - قال الطحاوي بعد سياقه لأدلة وقوعها ثلاثا: فهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمة الله عليهم أجمعين (١) ٤ - قال سحنون بن سعيد التنوخي: قلت: أرأيت إن طلقها ثلاثا وهي حامل في مجلس واحد أو مجالس شتى، أيلزمه ذلك أم لا؟ قال: قال مالك: يلزمه ذلك (٢) ٥ - قال الحطاب: (تنبيه) قال أبو الحسن في شرح كلام [المدونة] المتقدم صورته: أن يقول لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق في مجلس واحد، فإن كان على غير هذه الصفة كما إذا قال: أنت طالق ثلاثا في كلمة واحدة، فقال عبد الحميد الصائغ: ثلاث تطليقات في كلمة أشد منه في ثلاثة مجالس، وفي ثلاثة مجالس أشد منه في ثلاثة أطهار، وكلما طلق يلزمه. . . انتهى (٣) .
٦ - قال الباجي: إذا ثبت ذلك- أي: كلامه على تحريم إيقاع الثلاث بلفظ واحد- فمن أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث، وبه قال جماعة الفقهاء (٤) .
٧ - قال القرطبي: قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور
стр. 367
السلف (١) .
٨ - قد سبق أدلة كثيرة عن الإمام الشافعي ﵀ في الكلام على المسألة الأولى، وأنه يوقعها ثلاثا.
٩ - قال الشيرازي: وإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثا وقع الثلاث؛ لأن الجميع صادف الزوجية فوقع الجميع، كما لو قال ذلك للمدخول بها (٢)
١٠ - قال ابن قدامة: وإن طلق ثلاثا بكلمة واحدة وقع الثلاث وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين قبل الدخول وبعده، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وأنس، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين، والأئمة بعدهم (٣)
١١ - قال المرداوي: وإن طلقها ثلاثا مجموعة قبل رجعة مرة واحدة طلقت ثلاثا، وإن لم ينوها على الصحيح من المذهب، نص عليه مرارا، وعليه الأصحاب، بل الأئمة الأربعة ﵏ وأصحابهم في الجملة (٤) .
١٢ - قال شيخ الإسلام في أثناء الكلام على بيان المذاهب في ذلك:
стр. 368
الثاني: أنه طلاق محرم لازم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين (١)
١٣ - قال ابن القيم: فاختلف الناس فيها- أي: وقوع الثلاث بكلمة واحدة- على أربعة مذاهب:
أحدها: أنه يقع، وهذا قول الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين وكثير من الصحابة (٢)
١٤ - قال يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الهادي: الفصل الأول في أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثا: هذا هو الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره كما سيأتي، وهذا القول مجزوم به في أكثر كتب أصحاب الإمام أحمد، كالخرقي، و [المقنع] و [المحرر] و [الهداية] وغيرهم، من كتب أصحاب الإمام أحمد ولا يعدل عنه.
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: (كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر واحدة) بأي شيء تدفعه؟ فقال: برواية الناس عن ابن عباس: أنها ثلاث، وقدمه في [الفروع] وجزم به في [المغني] ، وأكثرهم لم يحك غيره، والله أعلم بالصواب (٣)
١٥ - قال أيضا: الفصل الثاني فيمن قال بهذا القول ومن أفتى به:
قال به ابن عباس غير مرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعثمان،
стр. 369
وعلي، وابن مسعود، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأنس (١) ، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وقال به من أصحابنا الخرقي، وأبو بكر، وابن حامد، وابن عقيل، وأبو الخطاب، والشيرازي، والشيخ موفق الدين، والشيخ مجد الدين - وليس مطلقا كما سيأتي- والشريف، حتى أكثر أصحاب الإمام أحمد على هذا القول.
وفي إجماع ابن المنذر ما يدل على أنه إجماع ليس بصريح فيه.
وهذا القول اختاره ابن رجب. وقد صنف ردا على من قال بخلافه. والله أعلم بالصواب (٢)
١٦ - قال ابن عبد الهادي: قال ابن رجب: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام- شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد (٣)
١٧ - وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وعلى هذا القول- أي: اعتبارها ثلاثا- جل الصحابة وأكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة. اهـ (٤)
стр. 370
وقد استدل لهذا المذهب بالكتاب والسنة والإجماع والآثار والقياس.
أما الكتاب:
فأولا: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)
قال أبو بكر الرازي تحت عنوان: (ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا) قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) الآية يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنه؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) قد أبان عن حكمة إذا أوقع اثنتين بأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، في طهر واحد، وقد بينا أن ذلك خلاف السنة، فإذا كان في مضمون الآية الحكم بجواز وقوع الاثنتين على هذا الوجه دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما.
وفيها الدلالة عليه من وجه آخر وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤) فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار، فوجب الحكم بإيقاع الجميع على أي وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح أو محظور.
فإن قيل: قد دللت في معنى الآية: أن المراد بها: بيان المندوب إليه والمأمور به من الطلاق وإيقاع الطلاق الثلاث معا خلاف المسنون عندك،
стр. 371
فكيف تحتج بها في إيقاعها على غير الوجه المباح والآية لم تتضمنهما على هذا الوجه؟
قيل له: قد دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الاثنتين والثلاث لغير السنة، وأن المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار، وليس يمتنع أن يكون مراد الآية جميع ذلك. ألا ترى أنه لو قال: طلقوا ثلاثا في الأطهار، وإن طلقتم جميعا معا وقعن، كان جائزا، وإذا لم يتناف المعنيان واحتملتهما الآية وجب حملها عليهما.
فإن قيل: معنى هذه الآية محمول على ما بينه بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) وقد بين الشارع الطلاق للعدة؛ وهو أن يطلقها في ثلاثة أطهار إن أراد إيقاع الثلاث، ومتى خالف ذلك لم يقع طلاقه.
قيل له: نستعمل الآيتين على ما تقتضيانه من أحكامهما، فنقول: إن المندوب إليه والمأمور به هو الطلاق للعدة على ما بينه في هذه الآية، وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن لما اقتضته الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) إذ ليس في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٤) نفي لما اقتضته هذه الآية الأخرى، على أن في فحوى الآية التي فيها ذكر الطلاق للعدة دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، وهو قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥)
стр. 372
إلى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (١) فلولا أنه إذا طلق لغير العدة وقع ما كان ظالما لنفسه بإيقاعه، ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه.
وفي هذه الآية دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، ويدل عليه قوله تعالى في نسق الخطاب: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) يعني- والله أعلم- أنه إذا وقع الطلاق على ما أمره الله كان له مخرجا مما أوقع إن لحقه ندم وهو الرجعة، وعلى هذا المعنى تأوله ابن عباس حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا: إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك؛ ولذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم رجل طلق امرأته.
فإن قيل: لما كان عاصيا في إيقاع الثلاث معا لم يقع، إذ ليس هو الطلاق المأمور به، كما لو وكل رجل رجلا بأن يطلق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار لم يقع إذا جمعهن في طهر واحد.
قيل له: أما كونه عاصيا في الطلاق فغير مانع صحة وقوعه لما دللنا عليه فيما سلف، ومع ذلك فإن الله جعل الظهار منكرا من القول وزورا، وحكم مع ذلك بصحة وقوعه، فكونه عاصيا لا يمنع لزوم حكمه والإنسان عاص لله في ردته عن الإسلام، ولم يمنع عصيانه من لزوم حكمه وفراق امرأته،
стр. 373
وقد نهاه الله من مراجعتها ضرارا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (١) فلو راجعها وهو يريد ضرارها لثبت حكمها وصحت رجعته.
وأما الفرق بينه وبين الوكيل فهو: أن الوكيل إنما يطلق لغيره وعنه يعبر، وليس يطلق لنفسه ولا يملك ما يوقعه. ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من حقوق الطلاق وأحكامه، فلما لم يكن مالكا لما يوقعه، وإنما يصح إيقاعه لغيره من جهة الأمر إذ كانت أحكامه تتعلق بالأمر دونه لم يقع متى خالف الأمر، وأما الزوج فهو مالك الطلاق وبه تتعلق أحكامه وليس يوقع لغيره فوجب أن يقع من حيث كان مالكا للثلاث وارتكاب النهي في طلاقه غير مانع وقوعه كما وصفنا في الظهار والرجعة والردة وسائر ما يكون به عاصيا، ألا ترى أنه لو وطأ أم امرأته بشبهة حرمت عليه امرأته، وهذا المعنى الذي ذكرناه من حكم الزوج في ملكه للثلاث من الوجوه التي ذكرنا يدل على أنه إذا أوقعهن معا وقع إذ هو موقع لما ملك. اهـ.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) ترجم البخاري على هذه الآية باب من أجاز الطلاق الثلاث لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم فمن ضيق على نفسه لزمه (٤) اهـ.
стр. 374
وقال العيني: وجه الاستدلال به أن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) معناه: مرة بعد مرة، فإذا جاز الجمع بين اثنتين جاز بين الثلاث وأحسن منه أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) عام متناول لإيقاع الثلاث دفعة واحدة. وقال ابن أبي حاتم: أنا يونس بن عبد الأعلى قراءة عليه، أنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، سمعت أبا رزين يقول: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) أين الثالثة؟ قال: (التسريح بالإحسان) » . هذا إسناده صحيح، ولكنه مرسل، ورواه ابن مردويه من طريق قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسلا قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن خالد، حدثنا ابن عائشة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤) » . اهـ (٥) .
وقد سبقت مناقشة ابن القيم لهذه الآية، وبين أنها دليل على عدم وقوع الثلاث، وذلك عند الكلام عليها في المسألة الأولى.
وقال الشيخ جمال الدين الإمام ردا على الاستدلال بقوله تعالى:
стр. 375
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) وبين أنها لا تدل على وقوع الثلاث، قال (٢) : فصل: ومما يبين ويوضح بطلان تركيبهم شرعا ولغة في الطلاق الثلاث وغيره: أن لفظ التعدد فيه منصوب نصب المصدر، فإن تقدير الكلام: طلقتك طلاقا، ومعنى المصدر في الكلام: طلقتك تطليقات ثلاث، ومعنى المصدر في الكلام: إنما هو حكاية حال الفعل في صدوره عن الفاعل.
والفعل له حالتان في صدوره عن الفاعل: حالة يكون فيها خبرا عما صدر وقوعه من الفاعل في الماضي، وحالة يكون فيها أداة لما يستعمل فيه من إنشاء العقود والفسوخ استعارة أو اشتراكا، فإذا أريد به الحكاية والخبر عن الماضي، فإن أريد به إخبار عن حقيقة الفعل ونفي المجاز عنه اتبع بالمصدر مطلقا.
وأما إذا استعمل الماضي في إنشاء عقد أو فسخ سواء قيل: إنه على وجه الاستعارة أو الاشتراك فإن أريد حقيقة العقد أو الفسخ اتبع المصدر مطلقا مثل: طلقتها تطليقا، وأما إن تعدد العقد أو الفسخ بلفظ واحد في مرة واحدة بمنزلة تعدده بالتكرار مرة بعد مرة وأتبع بالعدد وحده، أو مضافا إلى المصدر المجموع، مثل طلقتك ثلاثا وقصد به التعدد، أو قال في اللعان أشهد بالله خمسا، أو خمس شهادات، أو قال في القسامة: أقسم بالله خمسين يمينا أو قال بعد الصلاة: (سبحان الله) مرة ثم قال: (ثلاثا وثلاثين) وكذا (الحمد لله) ، وكذا (الله أكبر) وكذا لو قال في اليوم مرة واحدة (سبحان الله وبحمده) وأتبعها (مائة مرة) لم يكن بتكراره في الأيام
стр. 376
والأوقات والعدد، فأما غير الطلاق فلا خلاف فيه، وأما الطلاق فوقع الغلط فيه من بعد الصحابة.
ثانيا: قال النووي: واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١)
قالوا: معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه إلا رجعيا فلا يندم (٢) .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت، حتى ظننت أنه سيردها إليه. فقال: ينطق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.
وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها (ومن يتق الله) ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا لوقوع البينونة بها مجتمعة، هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره، وهو قوي جدا في محل النزاع؛ لأنه
стр. 377
مفسر به قرآنا، وهو ترجمان القرآن، وقد قال ﷺ : «اللهم علمه التأويل (١) » (٢) .
ثالثا: قال ابن عبد الهادي نقلا عن ابن رجب: قوله في سياق آيات: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٣)
قال الحسن: كان الرجل في عهد النبي ﷺ يطلق ويقول: كنت لاعبا، ويعتق ويقول: كنت لاعبا، ويزوج ابنه ويقول: كنت لاعبا، فقال رسول الله ﷺ : «ثلاث من قالهن لاعبا جائزات عليهم: العتاق، والطلاق، والنكاح» فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٤)
وقال ابن عبد الهادي ردا على ابن رجب في استدلاله بالآيات التي سبقت (٥) : وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٦) إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٧) قال: فليس بمسلم؛ لأن في حديث ركانة لما قال له: " راجعها " تلا هذه الآية، فهذه الآية دليل لنا لا لكم؛ لأن النبي ﷺ لما قضى له بهذا استدل بالآية، فلو كان فيها دليل عليه لم يستدل بها، واستدلاله بالآية بقول ابن عباس، فإن ابن عباس قد صح عنه أنه كان يفتي بهذا القول- أي: واحدة، كما تقدم- فليس لكم في الآية دليل.
стр. 378
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١) - واستدلاله بالحديث- أي: حديث الحسن وقد مضى مع الآية- فالآية والحديث ليس فيهما دليل له؛ لأنه لم يثبت طلاق الثلاث بالكلية، وإنما كان يطلق ويقول: كنت لاعبا فنزلت هذه الآية، إن الطلاق لا لعب فيه فليس في هذا دليل.
وأما استدلاله بالآية الأخرى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) فليس فيها دليل أيضا؛ لأن الطلاق هنا لم يذكر أنه بلفظة واحدة، بل الآية فيها إذا أتى بالطلاق مرة بعد أخرى، وليس في الآيات دليل له، بل كلها دليل عليه.
وأما السنة: فقد استدلوا بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: ما ثبت في [الصحيحين] (٣) في قصة لعان عويمر وزوجته وفيه: «فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، (٤) » قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. متفق عليه.
قال النووي (٥) : واستدل به أصحابنا على أن جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد ليس حراما، وموضع الدلالة أنه لم ينكر عليه إطلاق لفظ
стр. 379
الثلاث.
وقد يعترض على هذا فيقال: إنما لم ينكره عليه؛ لأنه لم يصادف الطلاق محلا مملوكا له ولا نفوذا.
ويجاب عن هذا الاعتراض: بأنه لو كان الثلاث محرما لأنكر عليه، وقال له: كيف ترسل لفظ الطلاق الثلاث مع أنه حرام، والله أعلم.
وقال ابن نافع من أصحاب مالك: إنما طلقها ثلاثا بعد اللعان؛ لأنه يستحب إظهار الطلاق بعد اللعان، مع أنه قد حصلت الفرقة بنفس اللعان، وهذا فاسد، وكيف يستحب للإنسان أن يطلق من صارت أجنبية.
وقال محمد بن أبي صفرة المالكي: لا تحصل الفرقة بنفس اللعان، واحتج بطلاق عويمر، وبقوله: إن أمسكتها، وتأوله الجمهور كما سبق، والله أعلم.
وأما قوله: (قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين) فقد تأوله ابن نافع المالكي على أن معناه: استحباب الطلاق بعد اللعان كما سبق، وقال الجمهور: معناه حصول الفرقة بنفس اللعان.
وقال شيخ الإسلام (١) : وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما
стр. 380
والنبي ﷺ قد فرق بينهما، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وامتنع حينئذ أن يفرق النبي ﷺ بينهما؛ لأنهما صارا أجنبيين.
ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبدا. فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح، وأن الثلاث لم تقع جميعا، بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما.
وقول سهل بن سعد: فأنفذه عليه رسول الله ﷺ دليل على أنه محتاج إلى إنفاذ النبي ﷺ واختصاص الملاعن بذلك، ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص، ولا يحتاج إلى إنفاذ، فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه- أنفذ النبي ﷺ مقصوده، بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق، إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد ذكره لاستدلال البخاري بحديث عويمر: ووجه الدلالة والاعتراض عليها، والجواب عن الاعتراض من وجهين، وكل ذلك سبق نقله عن النووي إلا الوجه الثاني،
стр. 381
قال (١) : وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب ولا سنة صريحة ولا إجماع.
وبعد أن عرض بعض مذاهب العلماء وأدلتهم ومناقشتها في اللعان هل تحصل به الفرقة أم لا؟ قال: واختلف في هذا اللفظ- أي: ما جاء في الحديث المتقدم من قوله: فكانت سنة المتلاعنين- هل هو مدرج من كلام الزهري فيكون مرسلا، وبه قال جماعة من العلماء، أو هو من كلام سهل فهو مرفوع متصل، ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري: عن ابن شهاب عن سهل قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ ، فأنفذه رسول الله ﷺ ، وكان ما صنع عند رسول الله ﷺ سنة، قال سهل: (حضرت هذا عند رسول الله ﷺ فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا) هذا الحديث سكت عليه أبو داود والمنذري.
قال الشوكاني في نيل الأوطار،: ورجاله رجال الصحيح، قال مقيده عفا الله عنه: ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم أن احتجاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور- واقع موقعه؛ لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري ﵀ يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود، مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم يخرجها؛ لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه
стр. 382
الرواية الثابتة بأن النبي ﷺ أنفذ طلاق الثلاث دفعة يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته ﷺ وتقريره له، بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى. . . وبعد سياقه لبقية المذاهب في الفرقة باللعان قال: وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمرا قطعيا حتى ترد به دلالة تقرير النبي ﷺ عويمرا العجلاني على إيقاع الثلاث دفعة الثابت في الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه ﷺ أنفذ ذلك.
وبعد أن عرض مذاهب العلماء في نفقة البائن وسكناها قال:
فإن قيل: إنفاذه ﷺ الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان؛ لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية، فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان، ويدل لهذا أن النبي ﷺ غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم (١) » كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد.
فالجواب من أربعة أوجه:
الأول: الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم فيه من جهتين: الأولى: أنه مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله ﷺ وإن كانت ولادته في عهده صح وذكره في الصحابة من أجل الرؤية، فقد ترجم له أحمد في [مسنده] وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صريح فيه بالسماع.
стр. 383
الثانية: أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير - يعني: ابن الأشج - عن أبيه، ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه. قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا. قال ابن حجر في [التقريب] : روايته عن أبيه وجادة من كتابه.
قال مقيده عفا الله عنه:
أما الإعلال الأول: بأنه مرسل فهو مردود بأنه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة، كما قال ابن حجر في [التقريب] وغيره.
والإعلال الثاني: بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه: أن مسلما أخرج في [صحيحه] عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم إلا بموجب صريح يقتضي الرد، والحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده.
الوجه الثاني: وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه ﷺ أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها، والمبين مقدم على المجمل، كما تقرر في الأصول، بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة بحديث محمود هذا.
ووجه استدلاله به: أنه طلق ثلاثا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النبي ﷺ أنها غير لازمة؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
стр. 384
الوجه الثالث: أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله: (باب من أجاز الطلاق الثلاث) .
وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة.
الوجه الرابع: هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع الثلاث دفعة، كحديث ابن عمر وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو من كلام.
وبهذا كله تعلم أن رد الاحتجاج بتقريره ﷺ عويمرا العجلاني على إيقاع الثلاث دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته ﷺ لا دليل فيه، بل نقول: لو كانت لا تقع دفعة لبين أنها لا تقع دفعة، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان كما تقدم.
الدليل الثاني: ثبت في [الصحيحين] عن عائشة ﵂ «أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت، فسئل النبي ﷺ أتحل للأول؟ قال: حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (١) » .
وجه الدلالة: ذكر البخاري هذا الحديث تحت ترجمة (باب من أجاز الطلاق ثلاثا) وقال ابن حجر (٢) والعيني (٣) : هو ظاهر في كونها مجموعة.
стр. 385
وقال ابن القيم (١) : في وجه استدلالهم بالحديث: فلم ينكر ﷺ ، ذلك وهذا يدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها، إذ لو لم يقع لم يتوقف رجوعها إلى الأول على ذوق الثاني عسيلتها.
وقد أجاب ابن القيم عن الاستدلال بهذا الدليل (٢) ، فقال: وأما استدلالكم بحديث عائشة - وساق الحديث- فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم، هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال: ثلاثا، إلا لمن فعل، وقال: مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٣) : واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدمنا قريبا: أن بعض الروايات الصحيحة دل على أنها ثلاث مفرقة لا مجموعة. انتهى.
ومقصوده (٤) ببعض الروايات هي رواية مسلم: (أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى) .
ثم قال:
ورد هذا الاعتراض: بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع
стр. 386
لرفاعة فلا مانع من التعدد، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة فإنه قال فيها ما نصه: وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي، ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق، فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير، فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص.
وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب. . . اهـ.
الدليل الثالث: ثبت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته، فإن فيه (فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي. . .) الحديث، وقد أخرجه البخاري تحت ترجمة (باب من أجاز الطلاق الثلاث) .
وجه الدلالة: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١) : إن قولها: (فبت طلاقي) ظاهر في أنه قال لها: أنت طالق البتة.
وأجاب عن ذلك فقال: قال مقيده: عفا الله عنه- الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر؛ لأن مرادها بقولها فبت طلاقي أي: بحصول الطلقة الثالثة.
ويبينه أن البخاري ذكر في [الأدب المفرد] من وجه آخر أنها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذه الرواية تبين المراد من قولها: (فبت
стр. 387
طلاقي وأنه لم يكن دفعة واحدة.
وقال شيخ الإسلام (١) : وأجاب الأكثرون بأن حديث فاطمة وامرأة رفاعة إنما طلقها ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح: أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا، لا هذا ولا هذا مجتمعات، وقول الصحابي: طلق ثلاثا يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات بأن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها، وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة وهو المشهور على عهد رسول الله ﷺ في معنى الطلاق ثلاثا، وأما جمع الثلاث بكلمة فهذا كان منكرا عندهم إنما يقع قليلا فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا، بل هذا قول بلا دليل، بل هو خلاف الدليل.
الدليل الرابع: ثبت في [الصحيحين] من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن: «أن فاطمة بنت قيس أخبرته: أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس لها نفقة وعليها العدة (٢) » .
وفي [صحيح مسلم] في هذه القصة قالت فاطمة: «فأتيت رسول الله ﷺ فقال: كم طلقك؟ قلت: ثلاثا. فقال: صدق، ليس لك نفقة (٣) » . . .
стр. 388
وفي لفظ له: «قالت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني ثلاثا وإني أخاف أن يقتحم علي» . وفي لفظ له عنها: «أن النبي ﷺ قال: في المطلقة ثلاثا: ليس لها نفقة ولا سكنى (١) » .
وفي [الصحيحين] أيضا عن فاطمة بنت قيس: أن أبا حفص بن المغيرة طلقها البتة وهو غائب. . . الحديث. وقد جاء تفسير هذه البتة بأنها ثلاث كما سبق. . .
وفي [المسند] أن هذه الثلاث كانت جميعا (فروي من حديث الشعبي «أن فاطمة خاصمت أخا زوجها إلى النبي ﷺ لما أخرجها من الدار ومنعها النفقة، فقال: ما لك ولابنة قيس قال: يا رسول الله، إن أخي طلقها ثلاثا جميعا (٢) » . وذكر الحديث.
وجه الدلالة: أن لفظ البتة جاء مفسرا بأنه طلقها ثلاثا وأنها مجموعة، فدل على اعتبار وقوع الثلاث مجموعة إذ لو لم يكن ذلك واقعا لبين ﷺ بقاءها في عصمة زوجها فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ .
وقد أجاب ابن القيم عن الاستدلال بحديث فاطمة بنت قيس فقال (٣) :
أما حديث فاطمة بنت قيس فمن أصح الأحاديث، مع أن أكثر المنازعين لنا في هذه المسألة قد خالفوه، ولم يأخذوا به، فأوجبوا للمبتوتة النفقة والسكنى، ولم يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به وهذا قول أبي حنيفة
стр. 389
وأصحابه.
وأما الشافعي ومالك: فأوجبوا لها السكنى، والحديث قد صرح فيه بأنه لا نفقة لها ولا سكنى فخالفوه ولم يعملوا به، فإن كان الحديث صحيحا فهو حجة عليكم، وإن لم يكن محفوظا؛ بل هو غلط- كما قال بعض المتقدمين- فليس حجة علينا في جمع الثلاث، فأما أن يكون لكم على منازعيكم وليس حجة لهم عليكم فبعيد من الإنصاف والعدل.
هذا مع أننا نتنزل عن هذا المقام، ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من المحتج به، ولو تأمل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتج به، فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنما كان قد طلقها تطليقتين من قبل ذلك، ثم طلقها آخر ثلاث، هكذا جاء مصرحا به في [الصحيح] فروى مسلم في [صحيحه] عن عبيد الله بن عتبة - أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها. . . الحديث، فهذا المفسر يبين ذلك المجمل وهو قوله: (طلقها ثلاثا) .
وقال الليث: عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته أنها كانت تحت أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات، وساق الحديث وذكره أبو داود ثم قال: وكذلك رواه صالح بن كيسان، وابن جريج، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري.
ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله
стр. 390
قال: أرسل مروان إلى فاطمة، فسألها، فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وكان النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب ﵁ على بعض اليمن، فخرج معه زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وذكر الحديث بتمامه، والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب، كذلك ذكره أبو داود في طريق أخرى. فهذا بيان حديث فاطمة بنت قيس.
قالوا: ونحن أخذنا به جميعه، ولم نخالف شيئا منه إذ كان صحيحا صريحا لا مطعن فيه ولا معارض له فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار. وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ (طلقها ثلاثا) و (طلقها البتة) و (طلقها آخر تطليقات) و (أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها) ، و (طلقها ثلاثا جميعا) هذه جملة ألفاظ الحديث. . . وبالله التوفيق.
فأما اللفظ الخامس: وهو قوله: (طلقتها ثلاثا جميعا) فهذا؛ أولا من حديث مجالد عن الشعبي، ولم يقل ذلك عن الشعبي غيره، مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبي، فتفرد مجالد على ضعفه من بينهم بقوله: (ثلاثا جميعا) وعلى تقدير صحته فالمراد به: أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن يقال: طلقها ثلاثا جميعا، فإن هذه اللفظة يراد بها تأكيد العدد، وهو الأغلب عليها، لا الاجتماع في الآن الواحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (١) فالمراد: حصول الإيمان من الجميع