← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قالوا للمسلمين أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس ان كانت هدى فقد تحولتم عنها وان كانت ضلالة فقد دنتم الله بها ومن مات منكم عليها- فقال المسلمون انما الهدى ما امر الله به والضلالة ما نهى عنه- قالوا فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا- وقد كان مات قبل ان تحول القبلة اسعد بن زرارة من بنى النجار والبراء بن معرور من بنى سلمة وكانا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم الى النبي ﷺ وقالوا يا رسول الله قد صرفك الله الى قبلة ابراهيم ﵇ فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون الى بيت المقدس فانزل الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ اى صلاتكم الى بيت المقدس وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال مات قبل ان تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فانزل الله الاية إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٣) قرا نافع وابن كثير وابن عامر وحفص لرءوف مشبعا على وزن شكور والآخرون بالاختلاس على وزن فعل- والرأفة أشد الرحمة قدمه على الرحيم لرعاية الفواصل-. قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ تردد وجهك في جهة السماء تطلّعا للوحى- كان يودّ ان يحوله الله الى الكعبة لانها قبلة أبيه ابراهيم ﵇ وادعى للعرب الى الايمان ومخالفة اليهود- وهذا أول القصة وامر القبلة أول ما نسخ من امور الشرع بعد الهجرة- واختلف العلماء في كيفية قبلته ﷺ قبل الهجرة بمكة فقال قوم انه ﷺ كان يصلى وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه- رواه احمد عن ابن عباس ورواه ابن سعد ايضا وسنده جيد واطلق آخرون وقالوا انه كان يصلى الى بيت المقدس- وقال البغوي كان يصلى الى الكعبة فلما هاجر الى المدينة استقبل بيت المقدس- روى ابن جرير وغيره بسند جيد قوى عن ابن عباس قال لما هاجر رسول الله ﷺ الى المدينة امره الله ان يستقبل بيت المقدس- وقال ابن جريح انه ﷺ أول ما صلى الى الكعبة ثم صرف الى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج ثم هاجر الى المدينة- والاول أصح وأقوى وعند الجمع يؤل اليه الأحاديث- واختلف الرواية في انه كم صلى بعد الهجرة الى بيت المقدس فعند ابى داود وغيره عن ابن عباس سبعة عشر شهرا وعند الطبراني والبزار عن عمرو بن عوف وعند ابن ابى شيبة، وابى داود وغيرهما عن ابن عباس وعنه الامام مالك وغيره عن سعيد بن المسيب ستة عشر شهرا وعند البخاري عن البراء بن عازب

стр. 142

ستة عشرا وسبعة عشر شهرا بالشك- والحق انه كان ستة عشر شهرا وأياما فانه ﷺ خرج من مكة يوم الاثنين خامس ربيع الاول ودخل المدينة يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الاول وكان التحويل بعد الزوال خامس عشر من رجب من السنة الثانية قبل وقعة بدر بشهرين على الصحيح وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس فمن اعتبر الأيام شهرا كاملا عد سبعة عشر وإلا فستة عشر- وما روى ثلثة عشر او تسعة عشر او ثمانية عشر او شهرين او سنتين فضعيف والله اعلم- وكان رسول الله ﷺ يعجبه ان تكون قبلته قبل الكعبة لان اليهود قالوا يخالفنا محمد في ديننا ويتبعنا قبلتنا- فقال ﵇ لجبرئيل ﵇ وددت لو حولنى الله تعالى الى الكعبة فانها قبلة ابى ابراهيم- فقال جبرئيل انما انا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فاسئل أنت ربك فانك عند الله بمكان- فكان رسول الله ﷺ يدعوا الله ويكثر النظر الى السماء ينتظر امر الله تعالى فانزل الله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً اى نمكننك من استقبالها- من وليته بمعنى صيرته واليا- او المعنى فلنجعلنك تلى جهتها- او المعنى فلنحولنك الى قبلة تَرْضاها تحبها لاغراض صحيحة مرضية لله تعالى فَوَلِّ حول وَجْهِكَ من البيت المقدس عند الصلاة شَطْرَ الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء من شطر إذا انفصل ودار شطور منفصلة عن الدور ثم استعمل لجانبه وان لم ينفصل منصوب بنزع الخافض اى الى شطره وقيل منصوب على الظرفية اى اجعل تولية الوجه تلقاء الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى في جهته وسمته والحرام بمعنى المحرم فيه القتال والاصطياد وقطع الشجر والشوك ونحو ذلك- وذلك هو الحرم وانما ذكر الحرم او المسجد دون الكعبة مع انها هى القبلة اشارة الى ان الواجب على النائى استقبال جهة الكعبة دون عينه- روى الترمذي عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال ما بين المشرق والمغرب قبلة قلت أراد بالمشرق مشرق اقصر ايام السنة وبالمغرب مغرب اقصر الأيام وذلك جهة الجنوب وهى قبلة اهل المدينة وكذا لاهل كل قطر قبلة فلاهل الهند القبلة بين المغربين مغرب رأس السرطان ومغرب رأس الجدى- ذكر فى المواهب وسبيل الرشاد انه ﷺ زارام بشر بن براء بن معرور في بنى سلمة يعنى بعد ما مات براء بن معرور فصنعت له طعاما وحانت الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 143

بأصحابه في مسجد هناك الظهر فلما صلى ركعتين نزل جبرئيل فاشار اليه ان صلى الى البيت فاستدار الى الكعبة واستقبل الميزاب فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين- قال الواحدي هذا عندنا اثبت- فصلى الظهر أربعا ثنتين الى بيت المقدس وثنتين الى الكعبة فخرج عباد بن بشر رضى الله عنه وكان صلى مع رسول الله ﷺ فمر على قوم من الأنصار ببني حارثة وهم راكعون في صلوة العصر فقال اشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل البيت- فاستداروا- وفي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب انه ﷺ صلى أول صلوة صلاها الى الكعبة صلوة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على اهل مسجد وهم راكعون فقال اشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل مكة- فمحمول على ان البراء لم يعلم صلاته ﷺ فى مسجد بنى سلمة الظهر- او المراد انه أول صلوة صلاها كاملا الى الكعبة- او أول صلوة صلى في مسجده ﷺ هو العصر- واما اهل قبا فلم يبلغهم الخبر الا في صلوة الفجر من الغد كما في الصحيحين عن ابن عمر بينما الناس بقبا في صلوة الصبح إذ جاءهم ات فقال ان رسول الله ﷺ قد أمران نستقبل الكعبة فاستقبلوها- وكانت وجوههم الى الشام فاستداروا الى الكعبة وقال رافع بن خديج انه أتانا ات ونحن نصلى في بنى عبد الأشهل فقال ان رسول الله ﷺ قد أمران يوجه الى الكعبة فادارنا امامنا الى الكعبة ودرنا معه- وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ خطاب للامة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ خص الرسول ﷺ اولا بالخطاب تعظيما له وذلك الخطاب وان كان شاملا للامة لكن بعد ذلك خوطب الامة تصريحا لعموم الحكم وتأكيدا لامر القبلة روى البخاري عن ابن عباس قال لما دخل رسول الله ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة- وفي الصحيحين عن ابن عمر ان النبي ﷺ دخل الكعبة هو واسامة وبلال وعثمان بن طلحة وأغلقها عليه ثم مكث فيها- قال ابن عمر سالت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله ﷺ قال جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلثة اعمدة وراءه ثم صلى- وكان البيت يومئذ على ستة اعمدة- قلت وهذين الحديثين الواقعتين «١» فلا تعارض

стр. 144

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ يعنى التحويل او التوجه الى الكعبة الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كانوا يعلمون من التورية ان خاتم النبيين يصلى الى القبلتين وانما أنكروا ذلك تعنتا وعنادا وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) قرا ابو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء الفوقانية خطابا للمؤمنين والباقون بالياء التحتانية حكاية عما يفعل اليهود ففيه وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين- ولما قالت اليهود والنصارى اتنا باية على ما تقول انزل الله تعالى. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ برهان على ان الكعبة قبلة واللام موطية للقسم ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ يعنى الكعبة جواب قسم مقدر ساد مسد جواب الشرط يعنى انما تركوا قبلتك عنادا لا لاجل شبهة تزيلها بالحجة وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ يعنى امر القبلة محكم مستمر لا ينسخ ابدا- وفيه قطع لاطماعهم في رجوعه ﷺ الى قبلتهم- وقبلتهم وان تعددت لكنها متحدة من جهة البطلان ومخالفة امر الله تعالى وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لان اليهود يستقبل بيت المقدس وهو في المغرب من المدينة والنصارى يستقبل مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فى امر القبلة وظهر لك من الحق إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) صدق الشرطية لا يقتضى صدق طرفيها كما فى قوله تعالى قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فلا ينافي العصمة- والمقصود من الاية نهى الامة وتهديدهم عن اتباع الأهواء على خلاف العلم الذي جاء من الله تعالى بأبلغ الوجوه حيث أورد الله سبحانه الشرط مؤكدا بالقسم المقدر واللام الموطئة وتعليق الفعل بكلمة ان فانه يدل على انه اىّ جزء يوجد من الاتباع فهو ظلم- والخطاب الى النبي ﷺ مع كونه حبيبا لله تعالى فغيره اولى بالتهديد- والتفصيل بعد الإجمال في قوله ما جاءك من العلم- وتعظيم العلم بذكره معرفا باللام والجزاء بانّ المؤكدة- واللام في خبرها- والجملة الاسمية- والتعبير بإذن- وكلمة من فان قولك زيد من العلماء ابلغ من قولك زيد عالم- وتعريف الظالم المستلزم لنسبة كمال الظلم اليه لان المطلق محمول على الكامل- وتعميم الظلم حيث حذف متعلقة. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ يعنى علماءهم يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم

стр. 145

انه هو الذي وصف في التورية وأخذ الميثاق على الايمان به ونصرته فالضمير المنصوب لرسول الله ﷺ وان لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه وقيل للعلم او القران او تحويل القبلة والاول اظهر بقرينة قوله تعالى كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فانه لا يلتبس من ولد على فراشه بغيره عندهم فمن أنكر منهم انما أنكر تعصبا وعنادا ولو كان الضمير في يعرفونه الى القران لكان المناسب ان يقول كما يعرفون التورية قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام رضى الله عنهما ان الله تعالى قد انزل على نبيه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فكيف هذه المعرفة- قال عبد الله يا عمر لقد عرفته حين رايته كما اعرف ابني ومعرفتى بمحمد ﷺ أشد من معرفتى بابني- فقال عمر وكيف ذلك فقال اشهد انه رسول الله حق وقد نعته الله في كتابنا ولا أدرى ما تصنع النساء- فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ يعنى صفة محمد ﷺ وامر الكعبة وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الحق خبر مبتدأ محذوف اى هذا الحق ومن ربك حال او خبر بعد خبر او هو فاعل فعل مقدر اى جاءك الحق من ربك او مبتدأ خبره من ربك اى الحق ما ثبت من ربك كالذى أنت عليه لا غير ذلك كالذى عليه اهل الكتاب فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) من الشاكّين في انه من ربك او من الذين كتموا الحق عالمين به وجعلوا أنفسهم من الممترين مع كونهم من المستيقنين- وليس المراد نهى رسول الله ﷺ من الشك لانه غير متوقع منه وايضا الشك مما لا اختيار فيه ولا في الكف عنه- بل المراد انه امر محقق بحيث لا يشك فيه ناظرا او يقال انه امر لامته بمصاحبة العارفين واكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ والاجتناب عن مصاحبة الشاكين فان مصاحبتهم يورث الشكوك والأوهام-. لِكُلٍّ وِجْهَةٌ التنوين في كل عوض من المضاف اليه والوجهة اسم للمتوجه اليه اى لكل امة من اهل الأديان قبلةوَ الضمير راجع الى كل وقال الأخفش كناية عن الله تعالى وَلِّيها أحد المفعولين محذوف اى مولّيها وجهه اى مقبلها عليه يقال وليته ووليت اليه إذا أقبلت عليه ووليت عنه إذا أدبرت عنه- وقرا ابن عامر هو مولّيها اى مصروف إليها يعنى ان الله تعالى يولى الأمم الى قبلتهم جعل لموسى ﵇ قبلة ولمحمد ﷺ قبلة ولكل نبى قبلة فامر القبلة امر تعبدى لا يدرك بالرأى ولا يجوز فيه النزاع وليس ذلك لاقتضاء مكان كونه قبلة حتى يبحث عن ترجيح

стр. 146

بعضها على بعض اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يعنى بادروا بامتثال كلما أمركم الله وان كان قدم أمركم في بعض الأحيان بالاستقبال الى بيت المقدس وفي بعضها الى الكعبة فانه تعالى يحكم ما يشاء فلا تنازعوا في امر القبلةيْنَ ما تَكُونُوا فى مكان مرضى لله تعالى من حيث الاستقبال او غير مرضى أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يقبض الله تعالى أرواحكم ثم يحشركم الى الجزاء فيجازيكم على حسب أعمالكم ولو قبض أرواحكم وأنتم في الصلاة او فارغ الذمة من الواجب فذلك غاية السعادة او المعنى ان لكل من المسلمين قبلة وهى جانب الكعبة هو مولى وجهه «١» إليها ان علم بها وان غم عليه جهة القبلة فقبلته جهة التحري وان كان متنفلا خارج المصر على الدابة فاىّ جهة استقبلتها دابته فهى قبلته امر الله تعالى بالتولية إليها فاستبقوا الخيرات وبادروا بالصلوات ولا تؤخروها عن أوقاتها عند اشتباه القبلة اين ما تكونوا من أقطار الأرض شرقا او غربا يأت بكم الله تعالى يعنى بصلاتكم الى القبلة ويجعلها الى جهة واحدة كانها بحذاء الكعبةنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) . وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ كلمة حيث متروك الاضافة والجار مع المجرور متعلق بخرجت والمعطوف عليه مقدر تضمّن معنى الشرط فادخل الفاء في الجواب تقديره أينما كنت ومن حيث اى من اىّ مكان خرجت فول- وقيل من حيث خرجت بمعنى اين ما كنت وتوجهت مجازا- وقال التفتازانيّ حيث مضاف الى خرجت والجار مع المجرور متعلق بقوله تعالى فول وما بعد الفاء في مثله يعمل فيما قبله- لكن يلزم حينئذ اجتماع الواو والفاء الا ان يقدر المعطوف عليه تقديره فول وجهك اين ما كنت ومن حيث خرجت فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا صليت كرر هذا الحكم لبيان ان حكم صلوة السفر والحضر واحد عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ فضلنا على الناس بثلث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء- رواه مسلم وفي رواية لمسلم فضلت على الأنبياء بستة الحديث وَإِنَّهُ وان هذا الأمر لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) قرا ابو عمرو بالياء التحتانية والباقون بالفوقانية. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قيل كرر هذا الحكم لتعدد علله فانه تعالى ذكر للتحويل ثلث علل تعظيم الرسول ﷺ بابتغاء مرضاته وجرى العادة الالهية على ان يولى كل امة من

стр. 147

امم اولى العزم من الرسل الى قبلة يستقبلها- ودفع حجج المخالفين- وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله- وايضا القبلة لها شأن والنسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحرىّ ان يؤكد أمرها ويكرر ذكرها لِئَلَّا يَكُونَ علة لقوله فولوا لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ يعنى لليهود فانهم يعلمون من التورية ان الكعبة قبلة ابراهيم وان محمدا ﷺ سيحوّل إليها فلولا التحويل لاحتجوا بها- وللمشركين من اهل مكة فانهم ايضا كانوا يعلمون ان قبلة ابراهيم كانت الكعبة وكان النبي ﷺ يدّعى انه على ملة ابراهيم حنيفا فلولا التحويل لقالوا ان محمدا يدّعى ملة ابراهيم ويخالف قبلته إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء من الناس اى لئلا يكون لاحد من الناس حجة الا للمعاندين- فاما الظالمون من قريش فقالوا رجع محمد الى الكعبة لانه علم انا اهدى منه وسيرجع الى ديننا- واما الظالمون من اليهود فقالوا انه لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بانه الحق الا حسدا وانه يعمل برأيه- وسمى هذه حجة كقوله تعالى حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ لانهم يسوقونهم مساقها- وقيل الحجة بمعنى الاحتجاج- وقيل الاستثناء للمبالغة في نفى الحجة رأسا للعلم بأن الظالم لا حجة له- والموصول على هذه التأويلات في موضع الجر بدلا من الناس- وقيل الاستثناء منقطع معناه ولكن الذين ظلموا يجادلونكم بالباطل فَلا تَخْشَوْهُمْ فانى وليّكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة ومطاعنهم لا يضركم وَاخْشَوْنِي فلا تخالفوا امرى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) معطوف على لئلا اى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ- لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ... وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ- ويحتمل ان يكون معطوفا على محذوف يعنى واخشوني لا حفظكم ولاتم نعمتى ولكى تهتدوا- عن معاذ قال قال رسول الله ﷺ تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار- رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وعن على رضى الله عنه تمام النعمة الموت على الإسلام-. كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ يا معشر قريش- خاطبهم والناس تبع لهم لقوله تعالى لابراهيم إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ يعنى ابراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ولقوله ﷺ الناس تبع لقريش- متعلق بأتم يعنى لاتم نعمتى إتماما كما اتممتها بإرسال رسول منكم- قال محمد بن جرير دعا ابراهيم دعوتين أحدهما اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ والثانية ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ- فمعنى الاية أجيب دعوة ابراهيم فيكم بان أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم

стр. 148

نعمتى عليكم كما أجبت دعوته حيث أرسلت فيكم رسولا- او هو متعلق بما بعده اى كما ذكرتكم بالإرسال فيكم اذكروني أذكركم وبهذا يتضح ان ذكر العبد له تعالى محفوف بذكرين منه تعالى إياه ذكر سابق بالتوفيق وذكر لا حق بالاثابة رَسُولًا مِنْكُمْ محمدا ﷺ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ يعنى ظاهرهما وقد مر شرحه في دعاء ابراهيم ﵇ قدّم التزكية هاهنا باعتبار القصد وأخره هناك باعتبار الفعل وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) تكرار الفعل يدل على ان هذا التعليم من جنس اخر ولعل المراد به العلم اللدني المأخوذ من بطون القران ومن مشكوة صدر النبي ﷺ الذي لا سبيل الى دركه الا الانعكاس واما درك دركه فبعيد عن القياس قال رئيس الصديقين والعجز عن درك الإدراك ادراك عن حنظلة بن الربيع الأسيدي قال لقينى ابو بكر رضى الله عنه فقال كيف أنت يا حنظلة- قلت نافق حنظلة- قال سبحان الله ما تقول- قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالنار والجنة كانا رأى عين فاذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا- قال ابو بكر فو الله انا لنلقى مثل هذا- فانطلقت انا وابو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت نافق حنظلة يا رسول الله- قال رسول الله ﷺ وما ذاك- قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأى عين فاذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا- فقال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيده لو تدومون على ما تكونون عندى وفي الذكر لصافحتكم الملائكة- على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلث مرات رواه مسلم وعن ابى هريرة قال حفظت من رسول الله ﷺ وعائين فاما أحدهما فبثثته فيكم واما الاخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم يعنى مجرى الطعام- رواه البخاري- قيل المراد من الوعاء الذي لم يبثثه الأحاديث التي بيّن فيها اسماء أمراء الجور كقوله أعوذ بالله من رأس الستين وامارة الصبيان مشيرا الى امارة يزيد بن معاوية قلت اطلاق الوعاء على علم بجزئيات معدودة غير مستحسن ولا يتصور جعله قسيما ونظير العلوم الشريعة بل المراد به العلم اللدني- فان قيل فما معنى قوله فلو بثثته لقطع هذا البلعوم- قلت معناه انه لو بثثته باللسان لقطع هذا البلعوم لان تلك العلوم والمعارف لا يمكن تعليمها ولا تعلمها بلسان المقال بل انما تدرك بالانعكاس ولسان الحال- كيف والتعلم باللسان يتوقف على

стр. 149

امور منها كون المعلوم مما يدرك بالعلم الحصولى- ومنها كون اللفظ موضوعا بإزائه- ومنها كون الوضع معلوما للسامع- وليس شىء منها متحققا في المعارف المدنية- فان إدراكها تكون بالعلم الحضوري الذي لا يمكن ذهولها- بل سبيل ذلك وراء العلم الحصولى والحضوري وانّى هناك وضع الألفاظ وهيهات هيهات للسامعين العلم بوضعها- ومن أراد أن ينطق بتلك المعارف فلا بد له من إيراد مجازات واستعارات لا يهتدى الى مرامها العوام فيتخبط به عقولهم ويفهمون غير مراد المتكلم فيفسقونه ويكفرونه- كما ترى للعوام ينكرون على اولياء الله تعالى من غير سبيل الى درك مرادهم وذلك يفضى الى قطع البلعوم- فان قيل إذا كان ذلك العلم بحيث لا يمكن اخذه ولا إعطاؤه بالبيان ويفضى الى تلك المفسدة وقطع البلعوم النطق باللسان فاىّ ضرورة في التكلم بها- وما بال القوم يصنفون فيها مجلدات كالفصوص والفتوحات واىّ فائدة في تلك التصنيفات قلت ليس الغرض من تلك التصنيفات إعطاء تلك العلوم ولا يحصل بمطالعة تلك الكتب شىء من القرب والولاية بل الغرض منها تنبيه العارفين المحصلين تلك العلوم بالجذب والسلوك على بعض تفاصيلها- وتطبيق احوال المريدين ومواجيدهم على احوال الأكابر ومواجيدهم كى يظهر صحة أحوالهم وتطمئن به قلوبهم- وكثيرا ما يتكلمون بتلك المعارف في غلبة الحال- فالطريق السوي للعوام عند مطالعة كتبهم وسماع كلامهم عدم الإنكار وحمله على ظاهر الشريعة مهما أمكن بالتأويلات فان كلامهم رموز وإشارات او تفويض علمه الى علام الغيوب كما هو شأن المتشابهات فان في كلامهم مجازات واستعارات مصروفة عن الظاهر وليس شىء منها مخالفا للشرع بل هى لب الكتاب والسنة رزقنا الله سبحانه بفضله ومنه- ولما كان طريق تحصيل تلك المعارف منحصرا في الإلقاء والانعكاس وكان كثرة الذكر والمراقبة اما في ملإ من الذاكرين او في خلإ من الناس يفيد للقلب والنفس صلاحية تلك الانعكاس من مشكوة صدر النبي ﷺ بلا واسطة او بوسائط- عقب الله سبحانه لقوله. فَاذْكُرُونِي «١» قرا ابن كثير بفتح الياء والباقون بالإسكان أَذْكُرْكُمْ- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ انا عند ظن عبدى بي وانا معه إذا ذكرنى فان ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى وان ذكرنى في ملإ ذكرته في ملا خير منه وان تقرب الى شبرا تقرّبت اليه ذراعا وان تقرب الى ذراعا تقربت اليه باعا وان أتاني يمشى أتيته هرولة متفق عليه- وروى البغوي عن انس عنه وفيه قال سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله

стр. 150

عليه وسلم عدد انا ملى هذه العشرة- وعن عبد الله بن شقيق عنه ﷺ قال ما من ادعى الا لقلبه بيتان في أحدهما الملك وفي الاخر الشيطان فاذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر الله وضع الشيطان منقاره في قلبه فوسوس له- رواه ابن ابى شيبة وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات- رواه مسلم فاعلم ايها الأخ السعيد ان الذكر عبارة عن طرد الغفلة والغفلة هى الموجبة للقساوة فكل امر مشروع من قول او فعل او تفكر أريد به وجه الله تعالى بالإخلاص والحضور فهو ذكر وما كان بلا اخلاص فهو شرك وما كان بغفلة فغير معتد به قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ- وفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ- وأفضل الذكر لا الله الا الله وأفضل الدعاء الحمد لله- رواه النسائي والترمذي وابن ماجة وابن حبان ومالك بسند صحيح عن جابر عنه ﷺ وعن سمرة بن جندب قال قال رسول الله ﷺ أفضل الكلام اربع سبحان الله والحمد لله ولا الله الا الله والله اكبر- رواه مسلم وفي رواية هى أفضل الكلام بعد القران وهى من القران رواه احمد وفي الحديث القدسي من شغله القران عن ذكرى ومسئلتى أعطيته أفضل ما اعطى السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه- رواه الترمذي والدارمي من حديث ابى سعيد ومن أجل ذلك الاخبار اختار الصوفية العلية التهليل بالقلب او باللسان جهرا او اخفاتا واما المجدد رضى الله عنه فالمختار عنده تلاوة القران لما ذكرنا من فضله ولان القران صفة حقيقية قائمة بالله تعالى بلا واسطة طرقه بيد الله وطرفه بايدينا فمن استهلك فيه فلا مزيد عليه والصلاة فانها معراج المؤمن- لكن هذا بعد فناء النفس واما قبل الفناء فالمختار عنده الاقتصار على النفي والإثبات لقوله تعالى لا يمسه يعنى القران الا المطهرون يعنى من رذائل النفس والله اعلم وَاشْكُرُوا لِي على ما أنعمت عليكم من إرسال الرسول والهداية والجذب وتوفيق السلوك وغير ذلك وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) بجحد النعم وتكذيب الرسل او عصيان الأمر او اضاعة الوقت والاعراض عن الذكر-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا على قضاء حوائجكم الدينية والدنيوية خصوصا على نيل درجات القرب والمعارف اللدنية بِالصَّبْرِ عن الشهوات فان النار محفوفة بها- وعلى المكاره في النفوس والأموال فان الجنة محفوفة بها وعلى الذكر والطاعات والعزلة عن سوء

стр. 151

المجالسات حيث قال رسول الله ﷺ خير مال المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن- رواه البخاري وَالصَّلاةِ خصها بعد التعميم لرفعة شأنها فانها أم العبادات جامعة للطاعات معراج للمؤمن- عن على مرفوعا الصلاة عماد الدين- رواه صاحب مسند الفردوس- وعن انس مرفوعا الصلاة نور المؤمن- رواه ابن عساكر قال المجدد رضى الله عنه غاية مقامات العابدين حقيقة الصلاة والترقي هناك بكثرة الصلاة- وقد مر ذكر صلوة الحاجة فيما مر إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) قيل بالعون والنصر واجابة الدعوة- قلت بل معية غير متكفية يتضح على العارفين ولا يدرك كنهه غير احسن الخالقين. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ اى هم أموات نزلت في قتلى بدر من المسلمين وكانوا اربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار- كان الناس يقولون لمن يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا فانزل الله هذه الاية بَلْ أَحْياءٌ يعنى ان الله تعالى يعطى لارواحهم قوة الأجساد فيذهبون من الأرض والسماء والجنة حيث يشاؤن وينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم ان شاء الله تعالى ومن أجل ذلك الحيوة لا تأكل الأرض أجسادهم ولا أكفانهم قال البغوي قيل ان أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش الى يوم القيامة- قال ﵇ ان الشهداء إذا استشهدوا انزل الله جسدا كاحسن جسد ثم يقال لروحه ادخلى فيه فينظر الى جسده الاول ما يفعل به ويتكلم فيظن انهم يسمعون كلامه وينظر إليهم فيظن انهم يرونه حتى تأتيه أزواجه من الحور العين فيذهبن به- رواه ابن منذر مرسلا- وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود مرفوعا أرواح الشهداء عند الله في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوى الى قناديل تحت العرش- فذهب جماعة من العلماء الى ان هذه الحيوة مختص بالشهداء والحق عندى عدم اختصاصها بهم بل حيوة الأنبياء أقوى منهم وأشد ظهورا اثارها في الخارج حتى لا يجوز النكاح بأزواج النبي ﷺ بعد وفاته بخلاف الشهيد- والصديقون ايضا أعلى درجة من الشهداء والصالحون يعنى الأولياء ملحقون بهم كما يدل عليه الترتيب في قوله تعالى مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ولذلك قالت الصوفية العلية أرواحنا أجسادنا وأجسادنا أرواحنا- وقد تواتر عن كثير من الأولياء انهم ينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم ويهدون الى الله تعالى من يشاء الله تعالى- وقد

стр. 152

ذكر المجدد رضى الله عنه- ان ارباب كمالات النبوة بالوراثة أقلت وهم الصديقون والمقربون في لسان الشرع) يعطى لهم من الله تعالى وجودا موهوبا- ويدل على ان أجساد الأنبياء والشهداء وبعض الصلحاء لا يأكلها الأرض ما أخرجه الحاكم وابو داود عن أوس بن أوس قال قال رسول الله ﷺ ان الله حرم على الأرض ان تأكل أجساد الأنبياء- واخرج ابن ماجة عن ابى الدرداء نحوه- واخرج مالك عن عبد الرحمن ابن صعصعة انه بلغه ان عمرو بن الجموح وعبد الله بن جبير الأنصاري كان قد حفر السبيل قبرهما وكان قبرهما مما يلى السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد- فحفرا ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كانهما ماتا بالأمس وكان بين أحد وبين حفر عنهما ست وأربعون «١» سنة- واخرج البيهقي ان معاوية لما أراد ان يجرى كظامة نادى من كان له قتيل بأحد فليشهد فخرج الناس الى قتلاهم فوجدهم رطايا ينبتون فاصابت المسحات رجل رجل منهم فانبعث دما ولقد كانوا يحفرون التراب فحفروا نثرة من تراب ناح عليهم ريح المسلك- هكذا اخرج الواقدي عن شيوخه واخرج ابن ابى شيبة نحوه واخرج البيهقي عن جابر وفيه فاصابت المسحات قدم حمزة فانبعث دما- واخرج الطبراني عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ المؤذن المحتسب كالشهيد المتشخط في دمه إذا مات لم يدود في قبره- واخرج ابن مندة عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ إذا مات حامل القران اوحى الله الى الأرض ان لا تأكل لحمه فيقول الأرض اى رب كيف أكل لحمه وكلامك في جوفه- قال ابن مندة وفي الباب عن ابى هريرة وابن مسعود قلت لعل المراد بحامل القرآن الصديق فان مساس بركات القران مختص به حيث قال الله تعالى لا يمسّه إلّا المطهّرون- واخرج المروزي عن قتادة قال بلغني ان الأرض لا تسلط على جسد الذي لم يعمل خطيئة- قلت لعل المراد بالذي لم يعمل خطيئة الصّالحون من عباد الله اعنى الأولياء لما كانوا محفوظين من الخطايا ومغفورين حتى صلحت قلوبهم وأجسادهم والله اعلم وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) فيه تنبيه على ان حياتهم ليست من جنس ما يحسّه كل أحد وانما هى امر لا يدرك بالعقل ولا بالحس بل بالوحى او الفراسة الصحيحة المقتبسة من الوحى-. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ اى لنصيبنكم يا امة محمد إصابة من يختبر لاحوالكم هل تصبرون للبلاء وتستسلمون للقضاء حتى يفاض عليكم بركات من السماء وانما أخبرهم بذلك قبل وقوعه لتوطينهم عليه نفوسهم بِشَيْءٍ قليل وانما قلله بالاضافة الى ما وقاهم عنه وذكر بالتنكير للتقليل ليخفف عليهم

стр. 153

ويريهم رحمة لا يفارقهم مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ عن ابن عباس الخوف خوف العدو والجوع القحط وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ عطف على شىء او الخوف يعنى الخسران والهلاك وَالْأَنْفُسِ يعنى بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب وَالثَّمَراتِ يعنى الجوايح في الثمار- وحكى عن الشافعي انه قال الخوف خوف الله والجوع صيام رمضان ونقص من الأموال أداء الزكوة والصدقات والأنفس الأمراض والثّمرات موت الأولاد- عن ابى موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ قال إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته اقبضتم ولد عبدى قال فيقولون نعم قال اقبضتم ثمرة فواده قالوا نعم قال فماذا قال قالوا استرجع وحمدك قال ابنوا لعبدى بيتامى الجنة وسموه بيت الحمد- رواه الترمذي وحسنه وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ عبيدا وملكا وكل ما أعطانا من النعم فهو من مواهبه الهنيئة وعواريه المستودعة فحق علينا ان نرضى بقضائه ولا نكفر عند استرداد أماناته فان المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٥) فى الاخرة وكذا في الدنيا بالذكر والمراقبة فيعطينا ان شاء الله أفضل مما استرد منا الخطاب للنبى ﷺ ولكل من يأتى منه البشارة- والمصيبة كل ما يصيب الإنسان من مكروه- انقطع نعال النبي ﷺ فاسترجع فقالوا مصيبة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة- رواه الطبراني في الكبير من حديث ابى امامة وله شواهد مرفوعة وموقوفة- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع فانه المصاب- رواه البيهقي في شعب الايمان وفي الحديث من استرجع عند المصيبة خير الله مصيبته واحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه- أخرجه ابن ابى حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الايمان قال سعيد بن جبير ما اعطى أحد في المصيبة ما اعطى هذه الامة يعنى الاسترجاع ولو اعطى أحد لاعطى يعقوب الا تسمع قوله في فقد يوسف يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ. أُولئِكَ اى اهل هذه الصفة عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ الصلاة في الأصل الدعاء ومن الله ما يترتب عليه من البركة والمغفرة والرحمة جمعها للتنبيه على كثرة أنواعها وذكر الرحمة بعدها تأكيدا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) للحق والصواب حيث استرجع ورضى بقضاء الله سبحانه- كتب رسول الله ﷺ في كتاب الى معاذ يعزيه في ابن له قبضه

стр. 154

منك بأجر كثير الصلاة والرحمة والهدى ان احتسبت- رواه الحاكم في المستدرك وابن مردوية- وقال عمر رضى الله عنه نعم العدلان ونعمت العلاوة فالعدلان الصلاة والرحمة والعلاوة الهداية- وقد وردت الاخبار في حق ثواب اهل البلاء واجر الصابرين- منها ما روى عن جابر قال قال رسول الله ﷺ يودّ اهل العافية يوم القيامة حين يعطى اهل البلاء الثواب لو ان جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب- وعن ابى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه- متفق عليه- وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ انها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من مصيبة يصيب عبدا فيقول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ اللهم أجرني في مصبتى واخلف لي خيرا منها الا اجره الله في مصيبته واخلف له خيرا منها- رواه مسلم وعن محمد بن خالد السلمى عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ ان العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده او في ماله او في ولده ثم صبّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله- رواه احمد وابو داود- وعن سعد قال سئل النبي ﷺ اى الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الا مثل فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلب اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة هون عليه فما زال كذلك حتى يمشى على الأرض ماله ذنب- رواه الترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجة والدارمي وفي الباب أحاديث كثيرة لا تحصى-. إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ جبلين بمكة مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الشعائر جمع شعيرة وهى العلامة- والمراد هاهنا المناسك الّتى جعلها الله تعالى اعلاما لطاعته فان الطواف بينهما واجب في الحج والعمرة اجماعا الا في رواية عن احمد فقال سنة لقوله تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فان نفى الجناح تدل على الإباحة وكذا قوله فَمَنْ تَطَوَّعَ- والحق ان الإباحة والتطوع كل واحد منهما أعم من الوجوب فلا ينفيانه والحج لغة القصد والاعتمار الزيارة وفي الشرع عبارتان عن العبادتين المعروفتين والجناح بمعنى الميل عن القصد والمعنى لا اثم عليه- واصل يطوّف يتطوّف أدغمت التاء فى الطاء والمعنى ان يدور بهما- وسبب نزول هذه الاية انه كان على الصفا والمروة صنمان اساف ونائلة فكان اساف على الصفا ونائلة على المروة وكان اكثر اهل الجاهلية يطوفون بينهما تعظيما للصنمين و

стр. 155

يتمسحون بهما فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعى بين الصفا والمروة لاجل الصنمين وكانت الأنصار قبل الإسلام يعبدون المناة ويهلون لها وكان من اهلّ لها يتحرج ان يطوف بالصفا والمروة فلما اسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك وقالوا كنا نتحرج ان نطوف بين الصفا والمروة فنزلت الاية في الفريقين- اما الاول فقد رواه الحاكم عن ابن عباس قال كانت الشياطين فى الجاهلية تعرف الليل اجمع بين الصفا والمروة وكان بينهما أصنام لهم فلما جاء الإسلام قال المسلمون يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة فانه شىء كنا نصنعه في الجاهلية فانزل الله الاية واخرج البخاري عن عاصم قال سألت أنسا عن الصفا والمروة قال كنا نرى انهما من امر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ الاية- واما الثاني ففى الصحيحين عن عروة عن عائشة قال قلت أرأيت قول الله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فقالت عائشة بئسما قلت يا ابن أختي انها لو كانت على ما أولتها عليه كانت فلا جناح عليه ان لا يطوف بهما ولكنها «١» انما نزلت في الأنصار قبل ان يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية وكان من اهلّ لها يتحرج ان يطوف بالصفا والمروة فسالوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله كنا نتحرج ان نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فانزل الله ان الصفا والمروة الاية- ويدل على وجوب السعى حديث صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت تجراه قالت رايت رسول الله ﷺ بطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى ارى ركبتيه من شدة اسعى يدور به إزاره وهو يقول اسمعوا ان الله كتب عليكم السعى- أخرجه الشافعي واحمد- وفي اسناده عبد الله بن مؤمل يضعفه الدارقطني وجماعة لكن قال ابن الجوزي قال يحيى ليس به بأس- ورواه الدارقطني من طريق منصور بن عبد الرحمن قال ابو حاتم لا يحتج به وقال يحيى بن معين ثقة وقال الذهبي ثقة مشهور من رجال مسلم- قال الحافظ لهذا الحديث طرق اخرى عند الطبراني عن ابن عباس إذا انضمت الى الاولى قويت- وقد يستدل على الوجوب بحديث ابى موسى المتفق عليه قال له النبي ﷺ فطف بالبيت وبالصفا والمروة- فان الأمر للوجوب ثم القائلون بالوجوب اختلفوا- فذهب ابو حنيفة على أصله ان ادلة الوجوب إذا كانت ظنية لا يزاد بها على الكتاب فقال- هو واجب في الحج ليس بركن فينجبر بالدم وقال الشافعي وغيره انه ركن لعدم التفرقة عندهم بين الفرض والواجب- واجمع العلماء على ان السعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط- وعلى ان

стр. 156

الذهاب من الصفا الى المروة شوط والعود من المروة الى الصفا شوط اخر- وحكى عن جرير الطبري وابى بكر الصوفي من الشافعية والطحاوي من الحنفية ان الذهاب من الصفا الى المروة ثم العود منها الى الصفا شوط واحد قياسا على الطواف بالبيت حيث كان المنتهى الى المبدء- وقيل الرجوع الى الصفا ليس معتبرا من الشوط بل لتحصيل الشوط الثاني- لنا حديث جابر الطويل وفيه فلما كان اخر طوافه بالمروة قال لو استقبلت من امرى الحديث- رواه مسلم وعمل الجمهور المبنى على النقل المستفيض يكفى لنا حجة واجمعوا على ان للسعى شرائط منها الترتيب وهى البداية من الصفا والختم على المروة وما قيل انه ليس بشرط عند ابى حنيفة باطل- والحجة على الترتيب مواظبة النبي ﷺ على ذلك- وقوله فى حديث جابر ابدا بما بدا لله فبدا بالصفا فرقى عليه- رواه مسلم ورواه احمد ومالك وابو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والنسائي بلفظ- نبدا- وروى الدارقطني بلفظ ابدءوا على صيغة الأمر وصححه ابن حزم فلو ثبت صيغة الأمر فهو اظهر للايجاب والا فهو حجة على الوجوب إذا ضم اليه قوله ﷺ خذوا عنى مناسككم فانى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى- رواه مسلم- ومنها كونه مرتبا على أحد الطوافين اما طواف القدوم او طواف الزيارة والفصل لا يضره ما لم يكن بينهما وقوف بعرفة- فمن سعى قبل طواف القدوم لا يعتد به اجماعا الا ما روى عبد الرزاق عن عطاء انه قال لو سعى ثم طاف جاز- والحجة لهذا القول حديث اسامة بن شريك ورد فيه السؤال عن السعى قبل الطواف فقال النبي ﷺ افعل ولا حرج- والجواب ان الامة ترك العمل بهذا الحديث فهو شاذ- لنا انه عبادة غير معقولة فيقتصر على كيفية ما ورد عليها الشرع- وعن عائشة قالت قدمت مكة وانا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة قالت فشكوت ذلك الى رسول الله ﷺ فقال افعلي كما يفعل الحاج غير ان لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى- متفق عليه- وهذا صريح في ان النبي ﷺ منع عائشة عن الطواف واجازها في غيره من المناسك وانها امتنعت عن الطواف والسعى جميعا وقد علم النبي ﷺ ذلك وقال لها يجزئ عنك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة عن حجك وعمرتك- فبهذا ظهر ان السعى بين الصفا والمروة تابع للطواف- ويبتنى على هذا انه من طاف للزيارة ولم يسع أصلا لا بعد طواف القدوم ولا بعد طواف الزيارة يجب عليه الدم لترك السعى ولا يقضى السعى لان السعى لم يدرك عبادة الا بعد الطواف- واما من

стр. 157

فاته الطواف والسعى جميعا يجب عليه قضاء الطواف والسعى جميعا- والسنة انه إذا وقف على الصفا يكبر ثلثا ويقول لا الله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعوا ويصنع على المروة مثل ذلك- وإذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه ثم إذا رقي المروة مشى كنا في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر وغيره وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً- قرا حمزة والكسائي يطّوّع بالياء التحتانية وتشديد الطاء على صيغة المضارع المجزوم وكذلك فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا- ووافق يعقوب في الاولى فقط وقرا الجمهور بالتاء وفتح العين على الماضي- ومعناه فعل طاعة فرضا كان او نفلا- وقال مجاهد معناه فمن تطوع بالطواف بين الصفا والمروة- بناء على انه سنة- وقال مقاتل والكلبي فمن تطوع زاد في الطواف بعد الواجب- وقيل- من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه- وقال الحسن أراد سائر الأعمال يعنى فعل غير المفترض عليه من صلوة وزكوة وطواف وغيرها من انواع الطاعات- وخيرا منصوب على انه صفة مصدر محذوف- او بحذف الجار وإيصال الفعل اليه- او بتعدية الفعل لتضمنه معنى اتى- فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) يثيب على الطاعة ولا يخفى عليه شىء والله اعلم- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال سال معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة ابن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التورية فكتموهم إياه وأبوا ان يخبروهم فانزل الله تعالى. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ الشاهدة على صدق محمد ﷺ وَالْهُدى اى ما يهدى الى الطريق المستقيم واتباع محمد ﷺ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ اى التورية أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) اصل اللعن الطرد- ومعنى يلعنهم اللّاعنون انهم يسئلون الله لعنهم- واللّاعنون الذين يأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة وللمسلمين من الجن والانس ودواب الأرض كلها- عن البراء بن عازب قال كنا مع النبي ﷺ في جنازة فقال ان الكافر يضرب بين عينيه فيسمعه كل دابة غير الثقلين فيلعنه كل دابة سمعت صوته فذلك قول الله تعالى وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ- أخرجه ابن ماجة وابن ابى حاتم وابن جرير قال ابن عباس جميع الخلائق الا الجن والانس- وقال قتادة هم الملائكة وقال عطاء الجن والانس- وقال الحسن جميع عباد الله- وقال مجاهد اللّاعنون البهائم

стр. 158

يلعن عصاة بنى آدم إذا سننت السنة وامسك المطر وقالت من شوم بنى آدم. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن الكتمان وغيره من المعاصي وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا بالتدارك وَبَيَّنُوا ما في التورية فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أتجاوز عنهم فان التوبة من العبد الرجوع من المعصية ومن الله الرجوع من العقوبة وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) المبالغ في قبول التوبة والرحمة- عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ان العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه- متفق عليه وعن انس قال قال رسول الله ﷺ لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب اليه من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فايس منها فاتى شجرة فاضطتجع في ظلها قد ايئس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فاخذ بحطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وانا ربك من شدة الفرح- رواه مسلم. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ يعنى ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) قال ابو العالية هذا يوم القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم يلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس- فان قيل الملعون من الناس فكيف يلعن نفسه قيل قال الله تعالى يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- وقيل انهم يلعنون الظالمين وهم منهم. خالِدِينَ فِيها اى في اللعنة او في النار واضمارها قبل الذكر تفخيما لشأنها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) لا يمهلون من الانظار- او لا ينتظرون ليعتذروا- او لا ينظر إليهم نظر رحمة- قال البغوي ان كفار قريش قالوا يا محمد صف وانسب لنا ربك فانزل الله تعالى سورة الإخلاص وقوله تعالى. وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وصف الإله بالواحد للتأكيد مع دلالة تنوين الله على الوحدة وفيه تقدير للوحدانية ما ليس في قولك إلهكم واحد والخطاب عام اى المستحق للعبادة منكم ايها العالمين الله واحد لا يمكن له نظير ولا شريك- ويجوزان يكون خطابا للكاتمين زجرا لهم على معاملتهم مع الله تعالى حيث يكتمون التوحيد ويقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله بعد زجرهم على كتمان الرسالة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة ثانية لتقرير الوحدانية وتأكيدها بعد تقرير- او هو خبر إلهكم بعد خبر الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) خبران آخران لقوله إِلهُكُمْ- او المبتدأ محذوف- وفيه اشارة الى الحجة على استحقاقه العبادة فانه المنعم على الإطلاق مولى النعم كلها أصولها وفروعها

стр. 159

وما سواه منعم عليه- عن اسماء بنت يزيد انها قالت سمعت النبي ﷺ يقول ان في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ- واللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ- رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي- واخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الايمان عن ابى الصخر قال لما نزلت وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ- تعجب المشركون وقالوا الها واحدا فليأتنا باية ان كان من الصادقين- فانزل الله تعالى-. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وما فيها من الشمس والقمر والكواكب- واخرج ابن ابى حاتم وابن مردوية من طريق جيد موصول عن ابن عباس قال قالت قريش للنبى ﷺ ادع الله ان يجعل لنا الصفا ذهبا نتقوى به على عدونا فاوحى الله تعالى الى النبي ﷺ انى معطيهم ولكن ان كفروا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال رب دعنى وقومى فادعوهم يوما بيوم- فانزل الله تعالى هذه الاية يعنى انهم كيف يسئلون الصفا ذهبا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم منه في الوجود ومثله في الإمكان وَالْأَرْضِ وما فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر وانواع النباتات والحيوانات واختلاف التأثيرات والأقطار والأقاليم- وانما جمع السموات وأفرد الأرض لان تعدد السموات كان مقررا عند المخاطبين بناء على مشاهدتهم تعدد حركات الكواكب بخلاف الأرض فان تعددها لم يثبت الا بالشرع والاستدلال انما هو بما هو معلوم عندهم- وقيل لان السموات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين فان كلها من جنس واحد وهو التراب- وقيل لان طبقات السموات متفاصلة بخلاف الأرضين وهذا ليس بشىء فان الثابت بالسنة كون كل واحد من السموات والأرضين متناصلة كما روينا الأحاديث سابقا في تفسير قوله تعالى فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ اى تعاقبهما في الذهاب والمجيء وقصر الليالى وطول الأيام في الصيف وعكسها في الشتاء وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ كيف سخرها الله تعالى لكم تحمل الأثقال ولا ترسب في البحر- والفلك واحد وجمعه سواء فاذا أريد به الجمع تؤنث صفته وإذا أريد به المفرد يذكر نحو أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ - وكُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ- وتَجْرِي فِي الْبَحْرِ- بِما يَنْفَعُ النَّاسَ اى ينفعهم او بالذي ينفعهم من الركوب عليها والحمل فيها في التجارات والمكاسب وانواع المطالب وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ من الاولى للابتداء والثانية للبيان فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها يبسها وجذوبتها

стр. 160

وَبَثَّ اى نشر فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ صغيرة لا يكاد يبصر وكبيرة لا يتصور تسخيرها الا بحول الله وقوته عطف على انزل او على أحيا فان الدواب ينمون من الخصب ويعيشون بالماء وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ الى المشرق والمغرب والجنوب والشمال مفيدة ومضرة- لينة وعاصفة- حارة وباردة- اعلم ان الريح كلما وقع في القران المعرف باللام اختلف القراء في جمعها وافرادها الا في الذاريات الرّيح العقيم فانهم اتفقوا على الافراد- والا في الحرف الاول من سورة الروم الرّياح مبشّرت فانهم اجمعوا على جمعها- فقرا حمزة والكسائي تصريف الريح هنا وفي الكهف والجاثية والأعراف والنمل والثاني من الروم وفاطر بالإفراد وتابعهما ابن كثير في الاربعة الاخيرة- وقرا ابن كثير في الفرقان وحمزة في الحجر بالإفراد والباقون في جميعها بالجمع- وقرا نافع في ابراهيم والشورى بالجمع والباقون بالإفراد- وقرا ابو جعفر «١» كل ما ذكر على الجمع جميعا- وكل ريح في القران منكر فهو بالإفراد اجماعا والله اعلم وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا ينزل ولا ينقشع مع ان الطبع يقتضى أحدهما حتى يأتى امر الله وايضا هو مسخر فى الجو يقلبه الله حيث يشاء قال ابن وهب ثلثة لا يدرى من اين يجىء الرعد والبرق والسحاب لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) يتفكرون فيها وينظرون الى انها امور حادثة ممكنة في ذواتها لا يقتضى ذواتها وجوداتها ولا شيئا من اثارها موجودة على وجوه مخصوصة من وجوه كثيرة كلها محتملة فلا محالة من وجود صانع يقتضى ذاته وجوده حى عليم حكيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد متصف بصفاة الكمال منزه عن النقص والزوال متعال عن مماثل ومعارض إذ لو كان معه اله يقدر على ما يقدر عليه لزم اما اجتماع المؤثرين على اثر واحد بالشخص وهو محال او عجز أحدهما او التمانع الموجب للفساد- وينظرون الى ما في تلك المخلوقات من اثار رحمة الله تعالى فيعرفون انه تعالى هو المستحق للعبادة والشكر دون غيره- اخرج ابن ابى الدنيا في كتاب التفكر عن عائشة ان النبي ﷺ قال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ثم قال ويل لمن قرا ولم يتفكر فيها- وقيل للاوزاعى فما غاية التفكر فيهن قال يقرا وهو يعقلهن- والله اعلم. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً أصناما او رؤساءهم الذين كانوا يطيعونهم او ما هو أعم منهما يعنى كل ما كان مشغلا عن الله تعالى مانعا عن امتثال او امره يُحِبُّونَهُمْ يعظمونهم ويطيعونهم كَحُبِّ اللَّهِ كتعظيمهم لله اى يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة والمحبة

стр. 161

ميل القلب كذا قال الزجاج او المعنى يحبون الهتهم كحب المؤمنين الله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من حب الكافرين الهتهم لانه لا ينقطع محبة المؤمنين ولا يعرضون عن الله تعالى في السراء والضراء والشدة والرخاء بخلاف الكفار فان محبتهم لاغراض موهومة فاسدة تزول بأدنى سبب ولذلك كانوا يعدلون عن الهتهم عند الشدائد الى الله تعالى ويعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه الى غيره قال سعيد بن جبير ان الله يأمر يوم القيامة من احرق نفسه في الدنيا على روية الأصنام ان يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون ثم يقول للمؤمنين بين يدى الكافرين ان كنتم احبائى فادخلوا جهنم فيقتحمون «١» فيها وينادى منادى من تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ- قلت ويمكن ان يكون المعنى الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من حب كل أحد لكل أحد لان محبتهم فيما بينهم اما لتوقع جلب منفعة او دفع مضرة او لالتذاذ يحصل بروية الجمال او لانتسابهم الى أنفسهم بالنبوة او الابوة فهى في الحقيقة محبة لانفسهم لا للمحبوبين ومن ثم ترى زوالها بزوال تلك الأسباب- ثم الكفار منهم اقتصر نظرهم على الحظوظ العاجلة ولا يعرفون لله سبحانه الا وجودا موهوما وينسبون المنافع والمضار الى العباد او الكواكب او اسماء سموها هم واباؤهم فيحبونهم كحب الله او أشد منه- والذين يدّعون الإسلام من اهل الأهواء كالمعتزلة والروافض والخوارج فلاعتقادهم بالمنافع والمضار المختصة بالدار الاخرة واعترافهم بان مالك يوم الدين هو الله الواحد القهار يحبون الله تعالى أشد من حبهم لغيره تعالى حيث يزعمون ان منافعهم ومضارهم مختصة بالدنيا- ومن اختار الدنيا على الاخرة منهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فلا كلام فيه فهؤلاء الناس مشركون غيره تعالى به تعالى في اصل الحب المبنى على إيصال النفع والضرر المبنى على اعتقادهم بان افعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى- فهم بسبب اقتدارهم بقاذورات الفلاسفة اكفاء للمشركين ومجوس في هذه الامة واما اهل السنة والجماعة فلاعتقادهم بان افعال العباد مخلوقة لله تعالى وان الله تعالى هو الضار النافع دون غيره فكما انهم لا يعبدون غير الله تعالى كذلك لا يحمدون غيره الا بنوع من التجوز باذنه وامره وكذلك لا يحبون غيره تعالى الا لله تعالى فحمدهم وحبهم كلها راجعة الى الله تعالى انما الحب الحب لله وانما البغض البغض لله غير ان حب عامتهم راجع الى اغراض صحيحة اخروية مرضية لله تعالى- واما اهل التحقيق منهم وهم الصوفية العلية الرضية فكل حب مبنى على خوف او طمع

стр. 162

دنيوى او اخروى لا يسمونه حبا- بل الحب عندهم نار يشتعل في قلوب المحبين تحرق ما سوى المحبوب لا تبقى ولا تذر حتى يسقط عن نظر بصيرته نفسه فكيف ينظر نفعه وضرّه وما سواه هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً نعم رب قد اتى على الإنسان حين مستمر من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ولا مخطورا- والسرّ في ذلك ان اقرب الأشياء عند العوام أنفسهم فهم لا يحبون الا أنفسهم او لاجل أنفسهم واما المحققون فاقرب الأشياء إليهم هو الله سبحانه الذي قال نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ايها العوام فهم لا يحبون أحدا الا الله سبحانه ويحبون أنفسهم لاجله تعالى لا بالعكس ويحبون كل محبوب لاجله تعالى وأولئك هم الصادقون في دعوى المحبة الذاتية- وإذا بلغت المحبة الى هذه المثابة يكون إيلام المحبوب عندهم كانعامه بل احلى وألذ فإن في إيلامه اخلاص ما ليس في انعامه- وهؤلاء هم الذين يقال لهم يوم القيامة بين يدى الكافرين ان كنتم احبائى فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادى مناد من تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ- أليس تعلم انه من كان يعبد الله تعالى خوفا من جهنم وطمعا في الجنة كيف يختار النار المؤبدة ابتغاء مرضات الله ولا يتصور ذلك الا من له محبة ذاتية وهو حامل امانة الله التي حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا وَلَوْ يَرَى قرا نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء على انه خطاب للنبى ﷺ او لكل مخاطب ومفعوله بعده- وقرا الباقون بالياء وفاعله ضمير السامع يعنى لو يرى السامع او فاعله بعده الَّذِينَ ظَلَمُوا باتخاذ الانداد وحبهم كحب الله ومفعوله محذوف يعنى أنفسهم إِذْ يَرَوْنَ الكفار الْعَذابَ يوم القيامة قرا ابن عامر بضم الياء على البناء للمفعول والباقون بالفتح- وجواب لو محذوف يعنى لرايت امرا فظيعا عظيما- او لندموا ندامة شديدة- وفائدة الحذف انّ لو إذا جاء فيما يشوق اليه او يخوف منه فيحذف الجواب هناك يذهب القلب فيه كل مذهب ويستفاد منه كمال الشوق او كمال الفظع- ولو وإذ تدخلان على الماضي وانما دخلتا على المستقبل لان في اخبار الله تعالى المستقبل كالماضى في التحقق أَنَّ يعنى لان الْقُوَّةَ الغلبة «١» لِلَّهِ جَمِيعاً حال وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) اى شديد عذابه يتعلق بالجواب المحذوف على قراءة العامة- وقرا ابو جعفر ويعقوب أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ بكسر الهمزة في ان في الجملتين فهذا استيناف والكلام قد تم عند قوله إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ ويحتمل على قراءة لو يرى الّذين ظلموا على الغيبة ان يكون الروية بمعنى الروية القلبية

стр. 163

والذين ظلموا فاعله وان القوة الى آخره ساد مسد مفعوليه- والمعنى ولو يعلم الذين ظلموا حين يرون العذاب والمصائب في الدنيا ان القوة لله جميعا وان الله تعالى هو الضارّ والنافع وان افعال العباد لم يوجد الا بقدرته ومشيته وخلقه وان الله شديد العذاب في الدنيا والاخرة لا مانع لما يعطيه ولا معطى لما منعه ولا راد لقضائه أحدكما يعلم المؤمنون لما اتخذوا أندادا وما أحبوا غير الله تعالى كالمؤمنين- او المعنى لو يعلم الذين ظلموا ان القوة لله جميعا حين يرون العذاب يوم القيامة لندموا أشد ندامة- ويحتمل ان يكون ان القوة لله جميعا جواب لو والمعنى ولو يرى الذين ظلموا اندادهم لا ينفع لعلموا ان القوة لله جميعا-. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا منصوب بتقدير اذكر او بدل من إذ يرون وَرَأَوُا الْعَذابَ الواو للحال وقد مضمرة او للعطف على تبرا وكذا في قوله تعالى وتقطّعت وذلك التبري يوم القيامة حين يجمع الله القادة والاتباع فيتبرا بعضهم من بعض وقيل الشياطين يتبرءون من الانس وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ اى عنهم الْأَسْبابُ (١٦٦) اى اسباب المحبة التي كانت بينهم في الدنيا وهى توقعات فاسدة في النفع ودفع الضرر- واصل السبب ما يوصل به الى شىء من ذريعة او قرابة او مودة ومنه يقال للجبل وللطريق سبب. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً اى رجعة الى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ منصوب على جواب لو بمعنى ليت مِنْهُمْ اى من المتبوعين كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم كَذلِكَ الاراءة يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ ندامات عَلَيْهِمْ حسرات ثالث مفاعيل يرى ان كان من روية القلب والا فحال ما تركوا من الحسنات واتباع الرسول يندمون على تضييعها وما اثروا من السيئات واختاروا الدنيا على الاخرة يتحسرون على إتيانها- قال السدى يرفع لهم الجنة فينظرون إليها والى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله تعالى ثم يقسم بين المؤمنين فبذلك يندمون ويتحسرون وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) أصله ما يخرجون فعدل الى الجملة الاسمية للمبالغة في الخلود والاقناط عن الخلاص والرجوع الى الدنيا. يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر ابن صعصعة وبنى مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والانعام والبحيرة

стр. 164

والسّائبة والحام والوصيلة حَلالًا مفعول كلوا او حال من ما في الأرض ومن للتبعيض- والحلال ضد الحرام اى ما لم يمنعه الشرع فان الأصل في الأشياء الحل لقوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً طَيِّباً مستلذا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ اى لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحلوا الحرام قرا ابو جعفر وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب بضم الطاء والباقون بسكونها وهما لغتان في جمع خطوة وهى ما بين قدمى الخاطي- وخطوات الشيطان اثارها وزلاتها يعنى طرقه «١» فى المعاصي إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) ظاهر العداوة عند اهل البصيرة وان كان يظهر الموالات لمن يغويه ولذلك سماه وليّا في قوله أولياؤهم الطّاغوت- او مظهرها حيث ابى من سجود آدم وأخرجه من الجنة وحلف لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ- وابان يكون لازما ومتعديا- ثم ذكر عداوته. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ السوء في الأصل اسم لما يسوء صاحبه يقول ساءه يسوءه سواء ومساءة اى أحزنه وسأته فسىء اى حزنته فحزن- والفحشاء مصدر على وزن بأساء وضراء والمراد بهما الإثم والعطف لاختلاف الوصفين فانه سوء لاغتمام العاقل به وفحشاء لاستقباحه إياه وقيل السوء مطلق المعصية والفحشاء الكبيرة او ما فيه حد- والمراد بامره وسوسته وذالا يقتضى سلطانه الا على من اتبعه من الغاوين عن جابر قال قال رسول الله ﷺ ان إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس فادناهم منه منزلة أعظم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا- ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت- رواه مسلم وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ان للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فاما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق واما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم انه من الله فليحمد الله ومن وجد الاخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرا الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ- رواه الترمذي وفى حديث ابن عباس قوله ﷺ الحمد لله الذي رد امره الى الوسوسة- رواه ابو داود- وَأَنْ تَقُولُوا في موضع الجر عطفا على السوء عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) من تحريم الحرث والانعام-. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اى لليهود اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قصة مستانفة والضمير عن غير مذكور- اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال دعا رسول الله ﷺ اليهود الى

стр. 165

الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم عن عذاب الله ونقمته «١» فقال رافع بن حريملة ومالك بن عوف بل تتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا اعلم وخيرا منا فانزل الله تعالى- والمراد ب ما أَنْزَلَ اللَّهُ القران او التورية فانها ايضا تأمر باتباع محمد ﷺ وقيل هى نازلة في مشركى العرب وكفار قريش والضمير راجع الى قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ- وقيل الضمير راجع الى الناس في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا- وعدل عن الخطاب عنهم إيذانا على ضلالتهم كانه التفت الى العقلاء وقال قال لهم انظروا الى هؤلاء الحمقاء ماذا يجيبون قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ قرا الكسائي بل نتّبع بإدغام اللام فى النون فانه يدغم لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء- والثاء- والزاء- والسين- والطاء- والظاء- والضاد- والنون- نحو هل نعلم- وهل ثّوّب- وبل زيّن- وبل سوّلت- بل طبع- بل ظننتم- بل ضلّوا- هل ندلّكم- هل ننبّئكم- وهل نحن وشبهه وادغم حمزة في التاء والثاء والسين فقط واختلف عن خلاد عند الطاء في قوله تعالى بل طبع الله- واظهر هشام عند النون والضاد وعند التاء في الرعد هل تستوى لا غير وادغم ابو عمرو هل ترى من فطور في الملك- فهل ترى لهم فى الحاقة لا غير واظهر الباقون اللام في الثمانية ما أَلْفَيْنا ما وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا من اتباع التورية او من التحريم والتحليل أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) الواو فى الأصل واو العطف ويقال في هذا المقام واو التعجب دخلت عليها الف الاستفهام للتوبيخ يعنى أيتبعون آباءهم لو كان اباؤهم يعقلون ولو كان اباؤهم لا يعقلون فحذف صدر الجملة- والجملة حال وكلمة لا يعقلون عام ومعناه الخصوص اى لا يعقلون شيئا من امر الدين لانهم كانوا يعقلون امر الدنيا- فان قيل نزول الاية في اليهود فكيف يتصوران آباءهم لا يعقلون شيئا فانهم كانوا متبعين للتورية- قلت بل لم يكونوا متبعين للتورية ولو كانوا متبعيها لما كفروا بعيسى ﵇ او يقال فيه تعريض بانهم لعلهم ألفوا آباءهم على تحريف التورية فحرفوها إذ لو وجدوهم على التورية لوجدوهم طالبين لدين محمد ﷺ منتظرين له-. وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً النعق والنعيق صوت الراعي بالغنم والاية ان كانت في عبدة الأوثان فلا حاجة في تأويلها ومعناه مثل الذين كفروا فى عبادتهم ودعائهم للاوثان حيث لا يسمعون دعاءهم كمثل الذي ينعق

стр. 166

بما لا يسمع كما في قوله تعالى إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ- والتمثيل من باب التمثيل المركب فلا محذور في قوله تعالى الّا دعاء ونداء- وان كانت الاية في اليهود فالتوجيه ان مثل الذين كفروا من اليهود في جواب دعائك إياهم الى الإسلام بقولهم بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا- كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ من البهائم فانه كما ان الناعق لا يقصد بصوته معنى بل يتكلم بمهل كذلك الكافر لا يقول جوابا مقبولا بل يقول صوتا غير مغن- او الغرض منه تشبيه الكفار بالبهائم فحينئذ لا بد من التأويل فتقديره مثلك ومثل الذين كفروا- او مثل داعى الذين كفروا بحذف المضاف في المشبه- او تقديره ومثل الذين كفروا كمثل المنعوق به فالكلام خارج على الناعق والمراد به المنعوق به وهو فاش في كلام العرب يقلّبون الكلام يقولون فلان يخافك خوف الأسد وقال الله تعالى ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ وانما العصبة تنوء بالمفاتيح- والمعنى ان الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم الى ما يتلى عليهم ولا يتاملون فيه كالبهائم التي ينعق عليها فيسمع الصوت ولا يفهم معناه- او المعنى مثل الذين كفروا في اتباع ابائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها كمثل المنعوق به من البهائم التي يسمع الصوت ولا يفهم ما تحته فان آباءهم الذين كانوا قبل نسخ التورية كانوا يتبعون ما انزل الله في التورية ينتظرون محمدا ﷺ والقران وهؤلاء يدّعون اتباع التورية بعد ما نسخت ويخالفون التورية في انكار القران صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ رفع على الذم اى لا يسمعون سماع تفكر ولا ينطقون بالخير ولا يبصرون الهدى فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) امر الدين للاخلال عن النظر ولما امر الله تعالى الناس بأكل الحلال الطيب والكف عن اتباع الشيطان وطال الكلام فيما يتعلق بالكف وكان لاكل الحلال الطيب غاية وهو الشكر وأراد الله تعالى ذكره أعاد الأمر بالأكل ليتصل به قوله واشكروا ولما كان الشكر مختصا باهل التوحيد والايمان خاطب هنا بخطاب اهل الايمان فقال. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات مستلذات ما رَزَقْناكُمْ عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الله طيب لا يقبل الا الطيب وان الله امر المؤمنين بما امر المرسلين فقال يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً- وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ- ثم ذكر الرجل يطيل السفر يمديده الى السماء يا رب يا رب اشعث اغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذّى بالحرام فانى يستجاب لذلك- رواه مسلم وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) يعنى ان صح انكم تخصونه بالعبادة

стр. 167

وتقرون بانه مولى النعم كلها فاشكروه فان عبادتكم لا يتم الا بالشكر عن النبي ﷺ يقول الله تعالى انى والانس والجن في نبإ عظيم اخلق ويعبد غيرى وارزق ويشكر غيرى- أخرجه الطبراني في مسندات الشاميين والبيهقي في شعب الايمان والديلمي من حديث ابى الدرداء-. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرا ابو جعفر الميّتة في كل القران بالتشديد والباقون انما شددوا البعض وسنذكرها ان شاء الله تعالى فان قيل كلمة انما الحصر وكم من حرام لم يذكر- قلنا المختار عند الحنفية ما قال نحاة الكوفة ان كلمة انما ليست للقصر بل هى مركبة من انّ للتحقيق وما الكافة وعلى تقدير التسليم فالقصر إضافي بالنسبة الى ما حرمه الكفار من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام ونحوها والله اعلم- والميتة حيوان مات من غير ذكوة وقد كان من شانها الذكوة فالسمك والجراد غير داخلتين فيها او هما خصتا منها بالحديث قال رسول الله ﷺ أحل لنا ميتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال- أخرجه ابن ماجة والحاكم من حديث ابن عمرو الحق بها بالسنة ما أبين من الحي اخرج ابو داود- والترمذي وحسنه عن ابى واقد الليثي قال قال رسول الله ﷺ ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة- واجمعوا على انه لا يجوز بيع الميته ولا أكل ثمنه ولا الانتفاع بشحمه ولا بجلده قبل الدباغ عن جابر انه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله ارايت شحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال عند ذلك قاتل الله اليهود ان الله لمّا حرم شحومها اجملوه ثم باعوه فاكلوا ثمنه- متفق عليه وعن عمران رسول الله ﷺ قال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها- متفق عليه وعن عبد الله ابن عكيم قال أتانا كتاب رسول الله ﷺ الا لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب رواه احمد والشافعي واصحاب السنن الاربعة- وفي رواية للشافعى واحمد وابى داود «١» - قبل موته بشهر وفي رواية احمد بشهر او شهرين قال الترمذي حسن صحيح- وعن جابر ان رسول الله ﷺ قال لا ينتفع من الميتة بشىء- رواه ابو بكر الشافعي واسناده حسن وعن اسامة ان رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع- رواه ابو داود والنسائي والحاكم وصححه وزاد وان يفترش- وعن معاوية بلفظ نهى عن ركوب النمار- رواه ابو داود والنسائي وعن المقدام بن معديكرب قال نهى رسول الله صلى الله

стр. 168

عليه وسلم عن الحرير والذهب ومناثر النمور- رواه احمد والنسائي- وعن ابى هريرة مرفوعا لا تصحب الملائكة رقعة فيها جلد نمر- رواه ابو داود واختلفوا في جلد الميتة بعد الدباغ فقال ابو حنيفة والشافعي رحمهما الله يطهر بالدباغ فيجوز بيعه والانتفاع به وقال مالك واحمد لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به- لنا أحاديث منها حديث ابن عباس قال مر رسول الله ﷺ بشاة ميتة فقال الا استمتعتم بجلدها فقالوا يا رسول الله انها ميتة قال انما حرم أكلها او ليس في الماء والقرظ ما يطهر- وفى بعض الروايات- الا استمتعتم بجلدها- وفي بعضها- انما حرم لحمها ورخص لكم في مسكها- قال الدارقطني أسانيده صحاح- وحديثه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اى إهاب دبغ فقد طهر- رواته مسلم وعن ابن عمر مرفوعا مثله رواه الدارقطني بسند حسن- وعن سفيان مثله رواه مسلم وعن عائشة عن النبي ﷺ طهور كل أديم دباغه- وعنها ان رسول الله ﷺ امر ان ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت- وعن سودة ماتت شاة لنا فدبغنا مسكها- رواه البخاري واحتج اصحاب مالك واحمد بما ذكرنا سابقا من الأحاديث انه لا يجوز الانتفاع من الميتة بشىء قالوا هذا اخر الامرين من رسول الله ﷺ لما ورد في حديث عبد الله بن عكيم أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر او شهرين- قلنا حديث عبد الله بن عكيم مضطرب سنده ومتنه فلا يصادم ما روينا من الصحاح فلا يكون ناسخا على ان الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ ونحن نقول بحرمة الانتفاع به- فان قيل ورد في حديث عبد الله بن عكيم عند الطبراني في الأوسط وابن عدى- قال كتب رسول الله ﷺ ونحن في ارض جهينة انى كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب- قلنا هذا الطريق لا يصح فان فيه فضالة بن مفضل قال ابو حاتم الرازي لم يكن باهل ان يكتب منه اهل العلم- واختلفوا في شعر الميتة وعظمها وعصبها وقرنها وحافرها فقال ابو حنيفة طاهر يجوز بيعه والانتفاع به- وقال الشافعي نجس- واحمد ومالك معنا في الشعر ومعه في العظم والعصب- وحجتهم قوله ﷺ لا ينتفع من الميتة بشىء- واحتج الشافعي على نجاسة الشعر بحديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ادفنوا الأظفار والدم والشعر فانه ميتة- والجواب ان الحديث الثاني فيه عبد الله بن عزيز قال ابو حاتم الرازي أحاديثه منكرة وليس محله الصدق عندى- وقال على بن الحسين بن الجنيد

стр. 169

لا يساوى فلسا يحدث بأحاديث كذب- واما الحديث الاول فقد تكلّم عليه ولو سلم عن التكلم فهو معارض بما تقدم من حديث ابن عباس المتفق عليه انما حرم أكلها وطرقه متكثرة- ولنا ايضا حديث ابن عباس بلفظ انما حرم رسول الله ﷺ لحمها فاما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به- لكن فيه عبد الجبار ضعيف وذكره ابن حبان في الثقات وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول الا كلّ شىء من الميتة حلال الا ما أكل منها فاما الجلد والشعر والصوف والسن والعظم فكل هذا حلال وفيه ابو بكر الهذلي متروك قال غندر كذاب وقال يحيى وعلى ليس بشىء- وحديث ثوبان اشترى رسول الله ﷺ لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج- فيه حميد وسليمان مجهولان- ولنا من الآثار ما ذكره البخاري معلقا قال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها لا يرون به بأسا- قلت أسلاف الزهري هم الصحابة رضى الله عنهم او كبار التابعين وقال حماد بن ابى سليمان لا بأس بريش الميتة- وقال ابن سيرين وابراهيم لا بأس بتجارة العاج- والله اعلم وَالدَّمَ أراد به الجاري منه اجماعا كما في قوله تعالى او دما مسفوحا وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ اجمعوا على ان الخنزير نجس عينه لا يجوز بيع شىء من اجزائه حتى شعره- وانما خص اللحم بالذكر لانه معظم ما يقصد من الحيوان وسائر اجزائه كالتابع له- ويدل على حرمة عينه قوله تعالى فانّه رجس وسنذكر تفسيره في سورة الانعام ان شاء الله تعالى وهل يجوز الانتفاع بشعره قال ابو حنيفة ومالك يجوز الانتفاع به للخزر للضرورة- ومنع منه الشافعي وكرهه احمد- ولو وقع في الماء القليل أفسده وعند محمد لا يفسد لان اطلاق الانتفاع دليل طهارته- ولابى يوسف ان الإطلاق للضرورة ولا يظهر الضرورة الا في حالة الاستعمال وحالة الوقوع بغايرها- كذا في الهداية وقال الفقيه ابو الليث لو لم يوجد الا بالشراء جاز شراؤه- وقال ابن همام قد قيل ايضا أن الضرورة ليست ثابتة في الخرز به بل يمكن ان يقام بغيره وقد كان ابن سيرين لا يلبس خفا خرز بشعر الخنزير قال ابن همام فعلى هذا لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قال الربيع بن انس يعنى ما ذكر عند ذبحه اسم غير الله والإهلال أصله روية الهلال يقال اهل الهلال ثم لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير عند روية الهلال سهى لرفع الصوت مطلقا الإهلال- وكان الكفار إذا ذبحوا لالهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وان لم يجهر مهلّ- واما متروك

стр. 170

لتسمية فسنذكرها في سورة الانعام ان شاء الله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ قرا عاصم وابو عمرو وحمزة بكسر النون هاهنا ومن أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وأَنِ احْكُمْ ولكِنِ انْظُرْ وأَنِ اغْدُوا وشبهه وكسر الدال من لقد استهزىء والتاء من قالَتِ اخْرُجْ والتنوين من فتيلان انظر ومبينان اقتلوا وشبهه إذا كان بعد الساكن الثاني ضمة لازمة وابتدأت همزة الوصل بالضم- ووافقهم ابن عامر في التنوين فقط وكذا قرا عاصم وحمزة بكسر اللام والواو مثل قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ وتابعهما يعقوب الا فى الواو- وقرا الباقون بالضم في كلها بضمة أول الفعل- وقرا ابو جعفر بكسر الطاء اتباعا لكسر النون والمعنى انه من اضطر الى أكل الميتة او نحوه مما ذكر سواء كان الاضطرار لاجل المخمصة او الإكراه او غير ذلك حل له أكلها بالإجماع غَيْرَ باغٍ حال اى أكل غير باغ للذة وشهوة وَلا عادٍ اى متجاوز قدر الحاجة فالحاصل انه لا يجوز للمضطر الاكل منه الا قدر سد الرمق- وفي قول للشافعى يجوز له الشبع- وهو قول مالك واحدى «١» الروايتين عن احمد- والراجح من مذهب الشافعي انه ان توقّع حلالا قريبا لم يجز غير سد الرمق وانّ للمنقطع ان يشبع ويزوّد- وقال بعض اصحاب الشافعي في تأويل الاية غير باغ على الوالي ولا عاد بقطع الطريق او فساد في الأرض- قال البيضاوي وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول احمد- وقال البغوي وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وقالوا لا يجوز للعاصى بسفر ان يأكل الميتة إذا اضطر إليها ولا ان يترخص برخص المسافرين حتى يتوب- قلت والظاهر ان البغي والعدوان راجعان الى الاكل- وقال مقاتل بن حبان غير باغ اى مستحل لها ولا عاد اى مقصر في طلب ما أبيح له- فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فى أكلها إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل في حالة الاضطرار رَحِيمٌ (١٧٣) حيث رخص العباد في ذلك- وهذا يدل على ان المضطر ان لم يأكل الميتة ونحوها حتى مات فلا اثم عليه ايضا فان الاكل عند الاضطرار مباح رخصة من الله تعالى وليس بواجب وهو أصح قول الشافعي- وقال ابو حنيفة بل يأثم ويجب عليه حينئذ أكله لقوله تعالى وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ- حيث استثنى ما اضطررتم اليه من المحرم فبقى على الأصل مباحا والمباح واجب أكله عند خوف الهلاك وانما سمى ذلك رخصة مجازا. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعنى آيات التورية في شأن محمد ﷺ نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمأكل-

стр. 171

وكانوا يرجون ان يكون النبي المبعوث منهم- فلما بعث محمد ﷺ من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا الى صفة رسول الله ﷺ فغيروها ثم أخرجوها إليهم- فلما نظرت السفلة الى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ فلم يتبعوه ذكره البغوي وكذا اخرج الثعلبي عن ابى صالح عن ابن عباس- واخرج ابن جريح عن ابن عباس- ان هذه الاية والتي في ال عمران نزلتا جميعا في اليهود وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا يعنى اعراض الدنيا فانها وان جلت فهى قليلة بالنسبة الى ثواب الاخرة أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ سمّى الرشوة والحرام نارا لانه يودى إليها- او لانه صير نارا في الاخرة- او المعنى ما يأكلون في الاخرة الا النار- ومعنى في بطونهم ملاء بطونهم وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بالرحمة وبما يسرهم او هى كناية عن غضبه عليهم نعوذ بالله منه وَلا يُزَكِّيهِمْ اى لا يثنى عليهم او لا يطهرهم من دنس الذنوب بخلاف عصاة المؤمنين فانهم ان عذبوا بالنار كان ذلك تطهيرا لذنوبهم وإعدادا لهم لدخول الجنة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فى الدنيا. وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فى الاخرة بكتمان الحق لاغراض دنيّة دنيوية فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) يعنى ما أشد صبرهم عليها تعجيب للمؤمنين على اختيارهم موجبات النار مع علمهم بتحقيق المصير إليها كانهم صبروا عليها والا فاىّ صبر. ذلِكَ العذاب ومحله الرفع وقيل محله النصب يعنى فعلنا ذلك بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ يعنى التورية او جنس الكتاب التورية والقران وغيرهما بِالْحَقِّ فاختلفوا- وقيل معناه ذلك الاجتراء من اليهود على الله وصبرهم على النار من أجل ان الله تعالى نزل الكتاب بالحق وهو قوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ اللام للجنس واختلافهم ايمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض- او للعهد والاشارة اما الى التورية واختلافهم فيه اتباعهم بعض أحكامه وتركهم بعضه وهو اتباع محمد ﷺ واما الى القران واختلافهم فيه قولهم انه سحر او كلام يقوله بشرا وأساطير الأولين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٢) عن الحق-. لَيْسَ الْبِرَّ قرا حفص وحمزة بالنصب على انه خبر ليس واسمها ما بعده والباقون بالرفع بعكس التركيب- والبر كل فعل مرضى لله تعالى أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة قال كانت اليهود يصلى قبل المغرب يعنى الى بيت المقدس والنصارى

стр. 172

قبل المشرق فانزل الله تعالى هذه الاية يعنى ليس البر ما عليه اليهود والنصارى فان قبلتهم منسوخة ودينهم كفر- وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن ابى العالية- قال البغوي هذا قول قتادة ومقاتل بن جبان وقيل المراد به المسلمون وذلك ان الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا اتى بالشهادتين وصلى الصلاة الى اىّ جهة كانت ثم مات على ذلك وجبت له الجنة فلما هاجر رسول الله ﷺ ونزلت الفرائض وحدّت الحدود وصرّفت القبلة الى الكعبة انزل الله تعالى هذه الاية يعنى ليس البر كله مقتصرا في ان تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا غير ذلك ولكن البر ما ذكر في هذه الاية قال البغوي هذا قول ابن عباس ومجاهد والضحاك- قلت واخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة نحوه- قلت ذكره تعالى بتولية الوجوه وعدم تسميته بالصلوة قرينة على ان المخاطبين «١» بها اليهود والنصارى دون المؤمنين وقد قال الله تعالى للمؤمنين انّ الله «٢» لا يضيع ايمانكم يعنى صلاتكم وَلكِنَّ الْبِرَّ قرا نافع وابن عامر لكن مخففة والبر بالرفع في الموضعين والباقون بالتشديد والنصب فيهما مَنْ آمَنَ لا بد للحمل ان يعتبر المصدر بمعنى الفاعل مبالغة او يقدر المضاف في الاسم او الخبر يعنى لكن البار او ذا البر من أمن او لكن البرّ برّ من أمن وهذا أوفق بالسياق بِاللَّهِ المتوحد بجلال ذاته وكمال صفاته المنزه عن وسمة الحدوث والمناقص بحيث لا يتصور ثناؤه الا بما اثنى به نفسه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعنى يوم القيامة فانه اخر الأيام والمراد به من وقت النشور الى الابد المشتمل على البعث والحساب والميزان والصراط والجنة وما فيها والنار وما فيها والشفاعة والمغفرة وخلود الثواب والعذاب وكل ما ثبت بالكتاب والسنة وَالْمَلائِكَةِ بانهم خلقوا من نور أجسام ذوو أرواح أولوا اجنحة مثنى وثلث ورباع- وراى رسول الله ﷺ جبرئيل وله ستمائة جناح- لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون قوتهم التسبيح والتهليل لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ يموتون ثم يبعثون ومنهم رسل يأتون بالوحى على الأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات وجزاء أعمالهم رضوان الله تعالى منهم ومراتب قربهم عند الله تعالى حيث قال عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ فهم غير محتاجين في جزاء أعمالهم الى دخول الجنة بل خزنة النار وملائكة العذاب ايضا يوفون أجورهم وهم لا يظلمون- فلا يذهب عليك ان عوام المؤمنين أفضل من الملائكة أجمعين حيث يدخلون الجنة لاجل الجزاء دون الملائكة نعم خواص البشر يعنى الأنبياء والرسل منهم أفضل من جميع الملائكة لاجل التجليات الذاتية المختصة بالبشر لاختصاصها بالتراب- وكما ان جزاء اعمال الملائكة غير متوقفة بدخول

стр. 173

الجنة كذلك بعض الأصفياء من البشر يحصل لهم في الدنيا بعض ما يحصل لهم في الجنة قال الله تعالى فى حق خليله ﵇ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وَالْكِتابِ والمراد به الجنس او المراد به القران فان الايمان به مستلزم لجميع الكتب المنزلة- والقران وغيره من الكتب والصحف كلام الله غير مخلوق- والحق انه النظم والمعنى جميعا- وتعاقبه وترتبه على السنة البشر وأسماعهم المقتضى للحدوث لا يستلزم كونه كذلك قائما به وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى - وَالنَّبِيِّينَ- أجمعين لا نفرق بين أحد من رسله أولهم آدم ﵇ وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين ولا يجوز تعيين العدد في الايمان بالنبيين لان الله سبحانه قال مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ والعدد انما ورد في بعض أحاديث الآحاد وذا لا يفيد القطع ومبنى الايمان على القواطع- كلهم معصومون من الصغائر والكبائر يصدق بعضهم بعضا لا خلاف بينهم في الايمانيات انما الخلاف في فروع الأعمال بناء على نسخ الاحكام ومن هاهنا يظهر بطلان قول الروافض حيث يجعلون الايمان بالائمة داخلا في الايمان إذ لو كان كذلك لذكر الله تعالى ذلك كما ذكر الايمان بالأنبياء والملائكة والله اعلم وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ الجار والمجرور في موضع الحال والضمير راجع الى الله سبحانه فان كل ما اعطى لوجه الله فثوابه على الله وما كان لغير الله فالله سبحانه منه برىء عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان أول الناس يقضى عليه يوم القيامة ثلثة نفر ثالثهم رجل وسع الله وأعطاه من اصناف المال كله فاتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما علمت فيها قال ما تركت من سبيل تحب ان ينفق فيه في سبيل الله الا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القى في النار- رواه مسلم- وعنه قال قال رسول الله ﷺ ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم- رواه مسلم- وعنه قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه- وفي رواية فانا منه برىء هو الذي عمله- رواه مسلم- او الضمير راجع الى المال اى اعطى المال في حال صحته ومحبته المال كذا قال ابن مسعود- وعن ابى هريرة قال جاء رجل الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله اى الصدقة أعظم اجرا قال ان تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر

стр. 174

وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان- متفق عليه ويؤيد إرجاع الضمير الى المال قوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ- ويحتمل ان يكون حينئذ معناه اعطى المال حال كون ذلك المال أحب الأموال اليه فهو نظير قوله تعالى أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ- «١» وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ الاية- او الضمير راجع الى المصدر يعنى تعطى المال على حب الإعطاء بسخاوة القلب وشرح الصدر ذَوِي الْقُرْبى القربى مصدر بمعنى القرابة قدمهم لان إيتاءهم اولى وأحق ويدخل في ذوى القربى ذوى القربى النسبي والسببى من الزوج والزوجة والمملوك- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقته على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها اجرا الذي أنفقته على أهلك- رواه مسلم وعن زينب امراة ابن مسعود قالت قال رسول الله ﷺ تصدّقن يا معشر النساء ولو من حليكم فقالت هى وامراة اخرى اتجزى الصدقة عنهما على ازواجهما وعلى أيتام في حجورهما فقال رسول الله ﷺ لهما أجران اجر القرابة واجر الصدقة متفق عليه وعن سلمان بن عامر قال قال رسول الله ﷺ الصدقة على المسكين صدقة وهى على ذى الرحم ثنتان صدقة وصلة- رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وَالْيَتامى إذا فقد الصبى أباه قبل البلوغ فهو يتيم - قال البيضاوي في ذوى القربى واليتامى يريد المحاويج منهم ولم يقيد لعدم الالتباس- قلت هذا التقييد غير ظاهر فان الكلام في إيتاء المال تطوعا او ما هو أعم من الفريضة والتطوع واما الزكوة المفروضة فسيرد ذكره بعد ذلك والإيتاء تطوعا لا يتقيد بالمحاويج فان صلة الرحم وتفريح اليتيم قد يكون مع كون المعطى له غنيا بل لا يتوقف الصلة على اسلام المعطى له قال الله تعالى وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً- عن اسماء بنت ابى بكر قالت قدمت على أمي وهى مشركة فقال رسول الله ﷺ صليها- متفق عليه- وعن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان ال ابى فلان ليسوا لى باولياء انما وليي الله وصالحوا المؤمنين ولكن لهم رحم ابلها ببلالها- متفق عليه وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ليس الواصل بالمكافئ لكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها- رواه البخاري- وقال رسول الله ﷺ انا وكافل اليتيم في الجنة هكذا- وفي رواية-

стр. 175

كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى- رواه البخاري واحمد وابو داود والترمذي وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ قال مجاهد هو المسافر المنقطع عن اهله يمر عليك- وقيل هو الضيف عن ابى شريح قال قال النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه- متفق عليه وَالسَّائِلِينَ عن أم عبيد ان رسول الله ﷺ قال ردوا السائل ولو بظلف محرق- وفي رواية ان لم تجدى الّا ظلفا محرقا فادفعيه اليه- رواه احمد وابو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح- وعن الحسين بن على قال قال رسول الله ﷺ للسائل حق وان جاء على فرسه رواه احمد- واخرج ابو داود من حديث على واسناده جيد- وابن راهويه في مسنده من حديث فاطمة الزهراء ﵍ والطبراني من حديث الهرماس بن زياد- واخرج احمد في الزهد عن سالم بن ابى الجعد قال قال عيسى بن مريم ﵇ ان للسائل حقا وان أتاك على فرس مطوق بالف ضة- قلت وهذا الحديث يدل على ان إعطاء السائل لا يتوقف على كونه محتاجا فان السؤال وان كان حراما على غير المحتاج لكن على المسئول منه حق ان يعطيه وَفِي الرِّقابِ يعنى المكاتبين فهو نظير قوله تعالى وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ- وقيل عتق النسمة فهو نظير قوله تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ- وقيل فداء الأسارى قال الله تعالى وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً- وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة والنافلة يعنى ادّاها بحقوقها ورعاية سننها وآدابها- وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة وفيما سبق كان ذكر الصدقات النوافل او ما هو أعم من الفريضة والنافلة فذكر الفريضة بعدها لمزيد الاهتمام- وقيل المقصود منه ومما سبق واحد وهى الزكوة المفروضة لكن الغرض مما سبق بيان مصارفها وبالثاني أداؤها والحث عليها- قلت والاول اولى لان الكلام في بيان البر وهو من الافعال ما هو مرضى لله تعالى فريضة كانت او نافلة ويؤيده حديث فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله ﷺ ان في المال لحقا سوى الزكوة ثم تلا لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الاية- رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي والمراد بالحق أعم من ان يكون واجبا او منه وبا بالإجماع «١» لحديث طلحة بن عبيد الله قال جاء رجل الى رسول الله ﷺ يسئل عن الإسلام فذكر رسول الله ﷺ خمس صلوات وصيام شهر رمضان والزكوة- فقال هل عليّ غيرها قال لا الا ان تطوع- متفق عليه-

стр. 176

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين الله تعالى يوم الميثاق وفي الحيوة الدنيا إذا حلفوا او نذروا أوفوا- وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا انجزوا وإذا قالوا صدقوا وإذا اؤتمنوا أدوا وإذا استشهدوا على الحق شهدوا عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اية المنافق ثلث إذا حدث كذب وإذا وعد خلف وإذا اؤتمن خان- متفق عليه- زاد مسلم وان صام وصلى وزعم انه مسلم- وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر- متفق عليه معطوف على من أمن وَالصَّابِرِينَ ايضا معطوف على من أمن ونصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب تغيير الاعراب إذا طال الكلام كذا قال ابو عبيدة- ومثله في المائدة والصّابئون وفي سورة النساء والمقيمين الصّلوة- وقال الخليل منصوب على المدح ولم يعطف لفضل الصبر على سائر الأعمال لان أفضل الأعمال أدوم وذلك بالصبر وتقديره اخصّ الصابرين بمزيد البرا وامدح الصابرين بمزيد البر- فحينئذ من عطف الجملة على الجملة- وقيل منصوب عطفا على ذوى القربى يعنى واتى الصابرين- نظيره قوله تعالى لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ فِي الْبَأْساءِ اى الشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة وَحِينَ الْبَأْسِ اى القتال والحرب أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فى الايمان والبر وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) عن الكفر وسائر الرذائل والاية جامعة للكمالات الانسانية صريحا او ضمنا دالة على صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وهذا منصب الأبرار واما الصديقون المقربون فمزيد فضلهم مبنى على الفضل والاجتباء ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى القصاص المساوات والمماثلة- قال البغوي قال الشعبي والكلبي وقتادة نزلت هذه الاية في حيين من احياء العرب اقتتلوا فى الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام قال مقاتل بن حبان كانت بين القريظة والنضير- وقال سعيد بن جبير كانت بين الأوس والخزرج- قالوا جميعا- وكان لاحد الحيين على الاخر طول في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهود

стр. 177

فاقسموا لنقتلن بالعبد «١» منا الحرّ وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم وجعلوا جراحاتهم ضعفى جراحات أولئك فرفعوا أمرهم الى النبي ﷺ فانزل الله تعالى هذه الاية وامر بالمساوات فرضوا وسلموا- كذا اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير- قلت ورضاؤهم وتسليمهم وخطاب الله تعالى إياهم بقوله يا ايها الذين أمنوا دليل على ان المخاطبين به هم الأوس والخزرج الذين صاروا أنصار الله دون قريظة والنضير فانهم كانوا اعداء الله كفارا- وفي قوله تعالى كتب عليكم القصاص حجة لابى حنيفة ﵀ على قوله ان الواجب في القتل العمد القصاص فقط دون الدية وانه لا يجوز أخذ المال الا برضاء القاتل- ويؤيده قوله ﵇ في العمد القود- رواه الشافعي وابو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس في حديث طويل واختلف في وصله وإرساله وصحح الدارقطني الإرسال والمرسل عندنا حجة ورواه الدارقطني من طريق عبد الله بن ابى بكر بن محمد بن حزم عن أبيه عن جده مرفوعا العمد قود والخطاء دية- وفي اسناده ضعف ولكل واحد من مالك والشافعي واحمد في المسألة قولان أحدهما ان الواجب هو القود لكن يجوز لورثة المقتول ان يعفو عن القود الى الدية من غير رضاء الجاني- وثانيهما ان الواجب أحدهما لا بعينه اما القصاص واما الدية- والفرق بين القولين يظهر إذا عفى مطلقا من غير ذكر الدية فعلى القول الاول يسقط القصاص بلادية وعلى القول الثاني يثبت الدية- واحتجوا على جواز أخذ المال من غير رضاء الجاني بأحاديث- منها حديث ابى شريح الكعبي ان رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة بعد مقامى هذا فاهله بين خيرتين ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا العقل- رواه الترمذي والشافعي وروى ابن الجوزي والدارمي عن ابى شريح الخزاعي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أصيب بدم او خبل والخبل الجرح فهو بالخيار بين احدى ثلاث فان أراد الرابعة فخذوا على يديه بين ان يقتص او يعفوا ويأخذ العقل فان أخذ من ذلك شيئا ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا ابدا- ومنها حديث ابى هريرة عن النبي ﷺ من قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما ان يفدى واما ان يقتل- متفق عليه- ومنها حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله ﷺ قال من قتل متعمدا دفع الى اولياء المقتول فان شاء واقتلوه وان شاءوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها- رواه احمد والترمذي وابن ماجة- قال اصحاب ابى «٢» حنيفة ﵀ في الجواب عن هذه الأحاديث ان المراد ان اولياء المقتول

стр. 178

بالخيار في القود والصلح والصلح لا يكون الا برضاء القاتل والظاهر ان القاتل يرضاه لحقن دمه فترك النبي ﷺ ذكر رضاء القاتل بناء على الظاهر والله اعلم الْحُرُّ يقتل بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى وهذا لا يدل على ان الحر لا يقتل بالعبد- والعبد لا يقتل بالحر- والأنثى لا يقتل بالذكر- او الذكر لا يقتل بالأنثى- فان ذلك الاحكام مسكوت عنها في هذه الاية ولا عبرة بالمفهوم عند ابى حنيفة ﵀ مطلقا- وكذا فى هذه الاية عند القائلين بالمفهوم إذا المفهوم عندهم انما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم- وكان الغرض هاهنا دفع استطالة أحد الحيين على الاخر فالمفهوم المعتبر من هذه الاية على ما يقتضيه القصة ان الحر إذا تفرد بقتل الحر يقتل القاتل وحده ولا يقتل معه غيره لاجل شرف المقتول وكذا العبد إذا قتل العبد يقتل ذلك العبد القاتل بالعبد المقتول ولا يقتل حر مكان ذلك لاجل شرف المقتول وكذا الأنثى إذا قتل الأنثى قتلت القاتلة لا رجل مكان امراة والله اعلم- بقي المبحث عن الاحكام المسكوت عنها في تلك الاية- فقال ابو حنيفة ﵀ يقتل النفس حرا كانت او رقيقا- ذكرا كانت او أنثى- مسلما كان او ذميّا بالنفس كيف ما كانت لعموم قوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ- والاحكام الالهية في الكتب المنزلة السّابقة إذا ثبتت عندنا حكايتها بالقران او السنة ولا عبرة بقول الكفار من اليهود والنصارى فهى باقية واجبة اتباعها إذ الحاكم واحد والشرع واحد قال الله تعالى فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وقال الله تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى - ولا يختلف الاحكام الا لاجل النسخ سواء كان في كتاب واحد او كتب وما لم يظهر النسخ يبقى الحكم- ويدل ايضا على بقاء هذا الحكم حديث ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله الا بإحدى ثلاث النفس بالنفس- والثيب الزاني- والمارق لدينه التارك للجماعة- متفق عليه- وحديث ابى امامة ان عثمان اشرف يوم الدار فقال أنشدكم بالله أتعلمون ان رسول الله ﷺ قال لا يحل دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث زنى بعد إحصان او كفر بعد اسلام او قتل نفسا «١» بغير حق- الحديث رواه الشافعي واحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وفي الباب عن عائشة رواه مسلم وابو داود وغيرهما- لكن قال ابو حنيفة لا يقتل رجل يقتل عبده ولا مدبره ولا مكاتبه وبعبد ملك

стр. 179

بعضه ولا بعبد ولده لانه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص ولا ولده عليه- وبه قال الجمهور خلافا لداود محتجا بما روى الترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه- قال الجمهور هذا الحديث محمول على السياسة والحديث مرسل لم يسمع الحسن عن سمرة وقد روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقد به وامره ان يعتق رقبة- لكن فيه اسمعيل بن عياش ضعيف والله اعلم- واما غير ابى حنيفة ﵀ فاتفقوا على ان العبد يقتل بالحر والأنثى بالذكر والكافر بالمسلم لان في كل ذلك تفاوت الى نقصان والناقص يجوز ان يستوفى بالكامل دون عكسه- واتفقوا ايضا على ان الذكر يقتل بالأنثى لما روى عن عمرو بن حزم ان النبي ﷺ كتب في كتابه الى اهل اليمن ان الذكر يقتل بالأنثى هذا طرف من كتاب النبي ﷺ وهو مشهور رواه مالك والشافعي- واختلف اهل الحديث فى صحة هذا الحديث- قال ابن حزم- صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا يقوم بها حجة وسليمان بن داود «١» راويه متفق على تركه- وقال ابو داود سليمان بن داود وهم انما هو سليمان بن أرقم- وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي- ونقل عن احمد انه قال ارجوا ان يكون صحيحا- وقد اثنى على سليمان بن داود ابو زرعة وابو حاتم وجماعة من الحفاظ- وصحح الحديث جماعة من الائمة لا من حيث الاسناد بل من حيث الشهرة فقال الشافعي في رسالته- لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم انه كتاب رسول الله ﷺ قال ابن عبد البر هذا كتاب مشهور عند اهل السير معروف ما فيه عند اهل العلم- بقي الاختلاف في انه هل يقتل الحر بالعبد عبد غيره فقال مالك والشافعي واحمد لا يقتل وقال ابو حنيفة يقتل- احتجوا بحديث ابن عباس ان النبي ﷺ قال لا يقتل حر بعبد رواه الدارقطني والبيهقي- وحديث على قال من السنة ان لا يقتل حر بعبد- رواه ايضا الدارقطني والبيهقي- والجواب ان حديث ابن عباس فيه جويبر وعثمان البزي ضعيفان متروكان كذا قال ابن الجوزي والحافظ ابن حجر وحديث على فيه جابر الجعفي كذاب- وفي انه هل يقتل المسلم بالكافر الذمي- فقال الشافعي واحمد لا يقتل احتجا بحديث ابى جحيفة عن على قال سالت عليا هل عندكم شىء ليس في القران قال والذي فلق الحبة وبرىء النسمة ما عندنا الا ما في القران الا فهما

стр. 180

يعطى الرجل في كتابه وما في هذه الصحيفة قلت وما في الصحيفة- قال العقل وفكاك الأسير وان لا يقتل مسلم بكافر- رواه البخاري ورواه احمد بلفظ لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي ﷺ قضى- لا يقتل مسلم بكافر رواه احمد واصحاب السنن الا النسائي ورواه ابن ماجة من حديث ابن عباس ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر- وروى الشافعي عن عطاء وطاءوس والحسن ومجاهد مرسلا ان رسول الله ﷺ قال يوم الفتح لا يقتل مؤمن بكافر ورواه البيهقي من حديث عمران بن حصين- وحديث عائشة عن رسول الله ﷺ لا يحل قتل مسلم الا في احدى ثلاث خصال زان محصن فيرجم ورجل يقتل مسلما متعمدا ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل او يصلب او ينفى من الأرض- رواه ابو داود والنسائي وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه ان مسلما قتل رجلا من اهل الذمة فرفع الى عثمان فلم يقتله به وغلظ عليه الدية- قال الحافظ قال ابن حزم هذا في غاية الصحة ولا يصح عن أحد من الصحابة فيه بشىء غير هذا الا ما رويناه عن عمر انه كتب في مثل ذلك ان يقاد به ثم الحقه كتابا فقال لا تقتلوه ولكن اعتقلوه- والجواب ان المراد بالكافر في قوله ﷺ لا يقتل مسلم بكافر الحربي دون الذمي ويدل عليه قوله ﷺ ولا ذو عهد في عهده- يعنى لا يقتل الذمي في عهده بكافر ولا شك ان الذمي يقتل بالذمي اجماعا فالمراد بالكافر هو الحربي لا غير وفتوى عثمان وعمر رضى الله عنهما كان بالرأى ولذا اختلف الجواب عن عمر رضى الله عنه- واما قيد الإسلام في حديث عائشة فقد وقع اتفاقا- واحتج صاحب الهداية على وجوب قتل المسلم بالذمي بما روى ان النبي ﷺ قتل مسلما بذمي- قلت وهذا الحديث رواه الدارقطني عن ابن عمران رسول الله ﷺ قتل مسلما بمعاهد وقال انا أكرم من اوفى بذمته- قال الدارقطني لم يسنده غير ابراهيم بن يحيى وهو متروك الحديث- قال ابن الجوزي ابراهيم بن يحيى كذاب والصواب عن ابن سليمان عن النبي ﷺ مرسلا وابن سليمان ضعيف لا يقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله- قلت والاولى بالاحتجاج ما ذكرنا سابقا النفس بالنفس- وحديث ابن مسعود وعثمان وعائشة واختلفوا في انه هل يقتل الوالد بولده قال مالك إذا اضتجعه فذبحه قتل به وقال داود لا يقتل به «١»
следующие страницы →