← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الفرق بينهما إذ المقصود وصلها بما يتضمنه من المعنى المصدري وصيغ الافعال كلها لذلك سواء- والمعنى أمرت بكونى على الايمان والاستقامة فى الدين والاستبداد فيه بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح- او فى الصلاة باستقبال القبلة لِلدِّينِ حَنِيفاً حال من الدين او الوجه وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) عطف على أقم يعنى أمرت بان لا تكونن من المشركين ومعناه نهيت عن كونى على الشرك وَلا تَدْعُ عطف تفسيرى على قوله لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعنى لا تعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ان دعوته وَلا يَضُرُّكَ ان خذلته ولا شك ان من تفكر ونظر بعين الانصاف فى هذا الدين المؤيد بالعقل والنقل حصل له اليقين بصحة الدين وزال عنه الشك ان شاء الله تعالى فَإِنْ فَعَلْتَ عبادة ما لا ينفعك ولا يضرك فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) حيث وضعت العبادة فى غير موضعه جزاء للشرط وجواب لسوال مقدر عن تبعة عبادة غير الله- وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ اى يصيبك بِضُرٍّ اى بمرض او شدة او بلاء فَلا كاشِفَ لَهُ اى لا دافع له أحد إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ الله بِخَيْرٍ من خيرات الدنيا والاخرة فَلا رَادَّ اى لا دافع لِفَضْلِهِ أحد لعله ذكر الارادة مع الخير- والمس مع الضر مع تلازم الامرين للتنبيه على ان الخير مراد بالذات والضر انما مسّهم لا بالقصد الاول- ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على انه متفضل بما يريدهم من الخير لا لاستحقاق لهم عليه- ولم يستثن لان مراد الله لا يمكن رده يُصِيبُ بِهِ اى بكل واحد من الخير والشر مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فتتعرضوا الرحمة بالطاعة ولا تتكلوا عليها ولا تيئسوا من غفرانه بالمعصية ولكن خافوا عذابه- روى ابو نعيم عن على رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ان الله اوحى الى نبى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك ان لا يتكلوا على أعمالهم انى لا اناصب عبدا لحساب يوم القيامة أشاء ان أعذّبه الا عذبته وقل لاهل معصيتى من أمتك لا تلقوا بايديكم فانى اغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي- قطع الله سبحانه بهذه الاية طريق الرغبة والرهبة الا اليه وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)

стр. 1787

سبقت رحمته على غضبه. قُلْ يا محمّد يا أَيُّهَا النَّاسُ اهل مكة قَدْ جاءَكُمُ العلم الْحَقُّ الثابت المطابق للواقع يعنى العلم بالتوحيد والصفات واحوال المبدأ والمعاد فى القران وعلى لسان رسوله ﷺ مِنْ رَبِّكُمْ ولم يبق لكم عذر بالجهل- او المراد بالحق ما ظهر تحققه وصدقه بالاعجاز يعنى القران او الرسول ﷺ ولم يبق لكم عذر فَمَنِ اهْتَدى بإذعان ذلك العلم والسلوك على مقتضاه وبقبول القران ومتابعة الرسول فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ فان نفعه عائد إليها وَمَنْ ضَلَّ عن طريق الحق بالإنكار والعناد فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لان وباله عائد عليها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) بحفيظ موكول الىّ أمركم حتّى اؤاخذ بضلالكم وَاتَّبِعْ يا محمّد ما يُوحى إِلَيْكَ بامتثال الأوامر وترك المناهي وَاصْبِرْ على الطاعة وتحمل اذيتهم حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بقتال الكفار وضرب الجزية عليهم وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) لا يمكن الخطاء فى حكمه لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على الظواهر- والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمّد واله وأصحابه أجمعين تمت تفسير سورة يونس من التفسير المظهرى التاسع والعشرين من رمضان السنة الاولى من المائة الثالثة عشر بعد الهجرة شوال «١» سنة ١٢٠١ هجرى

стр. 1788

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فهرس سورة هود ﵇ من التفسير المظهرى مضمون صفحة ما ورد فى كتابة مقادير الخلائق والاجل والعمل والرزق ونحو ذلك- ٧ ما ورد فى العرش على الماء- ٧ مسئلة السموات والأرض وما بينهما خلقت لمحمّد ﷺ وللمؤمنين ٧ حديث عجبا لامر المؤمن ان امره كله له خير ٩ حديث تواضعوا لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى- ٩ ما ورد فى ان الكفار يعطون ثواب حسناتهم فى الدنيا- ١٢ حديث من أشرك فى عمله يعنى يرائى ١٢ حديث من كانت نيته طلب الاخرة ومن كانت نيته طلب الدنيا- ١٢ ما ورد فى كون علىّ رضى الله عنه باب العلم وذكر قطبيته- ١٤ حديث والّذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد ولم يؤمن الا كان من اهل النار- ١٥ حديث ان الله يدنى المؤمن فيضع كتفه عليه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا الحديث ١٥ ما ورد فى شهادة الأعضاء والازمنة والامكنة وغير ذلك- ١٦ قصة نوح ﵇ ١٨ صفة السفينة- فى التنور ٢٢ قصة هود ﵇ ٣١ حديث الإسلام يهدم ما كان قبله ٣١ قصة صالح ﵇ ٣٤ قصة مجيء الملائكة لاهلاك قوم لوط اولا عند ابراهيم بالبشارة بإسحاق ويعقوب ﵈ ٣٦ قصة مجيئهم لوطا ﵇ ٤٠ حديث رحم الله أخي لوطا كان يأوى الى ركن شديد ٤٢ قصة شعيب ﵇ ٤٦ مسئلة من اشترى مكيلا او موزونا لا يجوز للمشترى ان يبيعه او يأكله حتّى يعيد الكيل والوزن- ٤٧ حديث نهى رسول الله ﷺ حتّى يجرى فيه الصاعان- ٤٧

стр. 1789

مضمون صفحه مضمون صفحه حديث زن وأرجح ٤٧ ذكر موسى ﵇ وفرعون- ٥٢ حديث ان الله ليملى الظالم حتّى إذا اخذه لم يفلته- ٥٣ حديث ما من نفس منفوسة الا قد كتب مكانها من الجنة او النار ٥٤ قول ابن مسعود ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وتأويله والإجماع على ان الكفار مخلدون فى النار وما ورد فى الباب من الأحاديث- اقوال المفسرين فى تأويل قوله تعالى فى اهل النار والجنة خلدين فيها الّا ما شاء ربّك- ٥٥ حديث اشتكت النار الى ربها فاذن لها بنفسين- ٥٦ ما ورد فى دخول الفساق فى النار وخروجهم منها- ٥٦ اهل الجنة ينعمون فى بعض احيانهم بما هو أعلى من الجنة وهو الاستغراق فى رؤية الله تعالى- ٥٨ حديث قل امنت بالله ثم استقم ٦٠ الاستقامة فوق الكرامة- ٦٠ حديث ان الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد الا غلبه ٦١ فائدة الميل الى الظالمين ادنى ميل يوجب العذاب فكيف بالميل كله ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه وما ورد فى مصاحبة الظالم وتقويته- ٦١ ما ورد فى الجمع بين الظهرين والعشاءين وتأويلها وقول الفقهاء فيها- ٦٢ ما ورد فى ان الحسنات والصلوات الخمس ورمضان مكفرات للخطايا- ٦٥ الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم- ٦٦ مسئلة الأمر غير الارادة وان ما أراد الله يجب وقوعه- ٦٦ حديث خط رسول الله ﷺ خطوطا- ٦٧ حديث شيبتنى سورة هود وأخواتها- ٦٨ تمّت

стр. 1790

سورة هود ﵇ مائة وثلاث وعشرون اية مكية الا قوله أقم الصّلوة طرفى النّهار الاية ربّ يسّر وتمّم بالخير «١» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ مبتدا وخبر- او كتاب خبر مبتدا محذوف أُحْكِمَتْ آياتُهُ اى نظمت آياته نظما محكما لا يقع فيه نقص من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى- او منعت من النسخ ان كان المراد آيات السورة فانه ليس شيء منها منسوخا- او أحكمت بالحجج والدلائل- او جعلت حكيمة منقول من حكم بالضم إذا صار حكيما لاشتمالها على أمهات الحكم العلمية والعملية ثُمَّ فُصِّلَتْ اى بينت بالفوائد من العقائد والاحكام والمواعظ والاخبار كما يفصل القلائد بالفرائد- او فصلت بجعلها سورا- او بانزالها نجما نجما- او فصل اى بين فيها ولخص ما يحتاج اليه مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ صفة للكتاب او خبر بعد خبر او صلة لاحكمت او لفصلت يعنى فصلت من عنده أحكامها وهو تقرير لاحكامها وتفصيلها على أكمل ما ينبغى باعتبار ما ظهر من امره وما خفى أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ اى لان لا تعبدوا- او بان لا تعبدوا- او فى ذلك الكتاب ان لا تعبدوا- وقيل ان مفسرة لانّ فى تفصيل الآيات معنى القول- ويجوز ان يكون كلاما مبتدا للاغراء كانه قيل الزموا ان لا تعبدوا الا الله إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ اى من الله تعالى نَذِيرٌ بالعقاب على الشرك وَبَشِيرٌ (٢) بالثواب على التوحيد وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا

стр. 1791

عطف على ان لا تعبدوا يعنى استغفروا رَبَّكُمْ على ما سلف منكم من المعاصي ثُمَّ تُوبُوا ثم ارجعوا بالطاعة إِلَيْهِ وقال الفراء ثم هاهنا بمعنى الواو والاستغفار هو التوبة يعنى يلزم أحدهما الاخر يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً اى يعيشكم عيشا حسنا فى أمن وسعة فان المعاصي جالبة للمصائب والبليات قال الله تعالى ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وقيل العيش الحسن الرضاء بالمقسوم والصبر على المقدور إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى اى حين موت كل واحد منكم فانها مدة معلومة عند الله تعالى بحيث لا يتغير وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فى دينه وعمله فَضْلَهُ اى جزاء فضله فى الدنيا بكثرة التوفيق وطمانية القلب والالتذاذ والراحة بذكر الله والبشرى وفى الاخرة بكثرة الثواب ومدارج القرب وَإِنْ تَوَلَّوْا حذفت احدى التاءين اى تتولوا وتعرضوا عن عبادة الله والتوحيد فَإِنِّي قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) يعنى يوم القيامة فان مقداره خمسين الف سنة بل ما لا نهاية لها إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ اى رجوع أموركم كلها فى الدنيا والاخرة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الاثابة والتعذيب فى الدارين قَدِيرٌ (٤) فهو تقرير لما مر من الآيات- أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ اى من الله تعالى روى البخاري عن ابن عباس قال كان ناس يعنى من المسلمين يستحيون ان يتخلوا فيفضوا بفروجهم الى السماء وان يجامعوا نساءهم فيفضوا الى السماء فنزل ذلك فيهم- وكذا اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ وابن مردوية من طريق محمّد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس- واخرج ابن ابى شيبة وابن جرير وابن المنذر من طريق ابن ابى مليكة قال سمعت ابن عباس يقرا أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ قال كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط الا وقد تغشوا ثيابهم كراهة ان يفضوا بفروجهم الى السماء- وقال البغوي قال عبد الله بن شداد نزلت هذه الاية فى بعض المنافقين كان إذا مرّ برسول الله ﷺ ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يراه النبي ﷺ وكذا اخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله ابن شداد بن الهاد- وفى لفظ المنافقين نظر فان الاية مكية والنفاق حدث بالمدينة وضمير منه

стр. 1792

على هذا راجع الى النبي ﷺ وقال البغوي قال ابن عباس نزلت فى الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر يلقى رسول الله ﷺ بما يحب وينطوى بقلبه على ما يكره ومعنى قوله يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ يغطون صدورهم على الكفر والشحناء وعداوة رسول الله ﷺ وقال قتادة كانوا يحنون صدورهم لكى لا يسمعوا كتاب الله ولا ذكره- وقال السدى معنى يثنون يعرضون بقلوبهم من قولهم ثنّيت عنانى- وقرا ابن عباس فيما روى عنه البخاري تثنونى صدورهم بالتاء والياء بالإسناد الى الصدور من اثنونى يثنونى- وهو بناء للمبالغة- وقيل كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخى ستره ويحنى ظهره ويتغشى بثوبه وهو يقول هل يعلم الله ما فى قلبى فنزلت هذه الاية أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ اى يغطون رءوسهم بثيابهم يَعْلَمُ الله ما يُسِرُّونَ فى قلوبهم وفيما عداها وَما يُعْلِنُونَ بأفواههم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) اى باسرار ذات الصدور او بالقلوب وأحوالها وإذا لم يخف شيء من الله تعالى فسيظهر ما يشاء على رسوله وعلى المؤمنين- وَما مِنْ دَابَّةٍ وهى كل حيوان يدب على الأرض فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها لتكفله إياها تفضلا ورحمة- وانما اتى بلفظ الوجوب تحقيقا لوصوله وحملا على التوكل فيه- ومن هاهنا قيل انّ على بمعنى من والاضافة فى رزقها للعهد يعنى ان الرزق المعهود المعلوم عند الله تعالى للعبد فالله تعالى متكفله إياه يأتى منه دون من غيره- قال مجاهد هو ما جاء من رزق فمن الله وربما لم يرزقها حتّى يموت جوعا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها قال البغوي قال ابن مقسم وروى ذلك عن ابن عباس مستقرها المكان الّذي تأوى اليه وتستقر فيه ليلا ونهارا- ومستودعها الموضع الّذي تدفن فيه إذا مات- وقال ابن مسعود المستقر أرحام الأمهات والمستودع أصلاب الآباء- ورواه سعيد بن جبير وعلى بن طلحة وعكرمة عن ابن عباس- وقيل المستقر الجنة او النار والمستودع القبر لقوله تعالى فى صفة الجنة والنار حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا- وساءَتْ مُسْتَقَرًّا كُلٌّ اى كل واحد من الدواب وأحوالها وأرزاقها فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) اى مثبت فى اللوح المحفوظ او فى كتب الحفظة- عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ كتب الله مقادير الخلائق قبل ان يخلق السموات والأرض

стр. 1793

بخمسين الف سنة قال وعرشه على الماء رواه مسلم وعن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما نطفة- ثم تكون علقة مثل ذلك- ثم تكون مضغة مثل ذلك- ثم يبعث الله اليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله واجله ورزقه وشقى او سعيد الحديث متفق عليه- وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ ان الله فرغ الى كل عبد من خلقه من خمس من اجله وعمله ومضجعه واثره ورزقه رواه احمد- كانّه أريد بالآية كونه عالما بالمعلومات كلها وبما بعدها ببيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها تقريرا للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اى خلقهما وما فيهما- او المراد بالسماوات ما هو فى جهة العلو- وبالأرض ما هو فى جهة السفل- وجمع السموات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات وَكانَ عَرْشُهُ قبل خلق السموات والأرض عَلَى الْماءِ قال البغوي وكان ذلك الماء على متن الريح- وقال كعب الأحبار خلق الله ياقوتة خضراء- ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد- ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها- ثم وضع العرش على الماء- وقال ضمرة ان الله كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه وما هو خالق من خلقه ثم ان ذلك سبح الله ومجّده الف عام قبل ان يخلق شيئا من خلقه وروى البخاري عن عمران بن حصين قال قال رسول الله ﷺ كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء- ثم خلق السموات والأرض وكتب فى الذكر كل شيء الحديث- وقد ذكرنا بعض ما ورد من الاخبار فى العرش فى تفسير اية الكرسي فى سورة البقرة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا اى ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر لاحوالكم وهو اعلم بكم حتّى يظهر فيكم استحقاق الثواب والعقاب فان السموات والأرض وما فيها اسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم وما يحتاج اليه أعمالكم يستدعى ان تشكروا ربكم- ودلائل وامارات تستدلون بها على صانعكم وتستنبطون منها معرفة ربكم- فقوله ليبلوكم متعلق بخلق وفيه اشارة الى ان السموات والأرض وما بينهما لم تخلق لانفسها بل توطية وتمهيدا لخلق المكلفين بل لخلق المؤمنين بل لخلق أحسنهم عملا

стр. 1794

وهو محمّد ﷺ ومن يشبهه والمراد بالعمل ما يعم عمل الجوارح والقلب- اخرج ابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية والحاكم فى التاريخ بسند رواه عن النبي ﷺ قال يعنى فى تفسير هذه الاية أيكم احسن عقلا وأورع من محارم الله واسرع فى طاعته فان احسن الأعمال اعمال القلوب وأحسنها حب الله والاشتغال بذكره والاستغراق فيه- فالمقصود من خلق السموات والأرض وجود اهل الله وفيه تحضيض على الترقي دائما فى مراتب العلم والعمل كما يدل عليه صيغة التفضيل وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا اى البعث او القول به او القران المتضمن لذكره إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) اى كالسحر فى الخديعة والبطلان وقرا حمزة والكسائي الّا ساحر على ان الاشارة الى القائل والساحر كاذب مبطل- اخرج ابن ابى حاتم عن قتادة قال لما نزلت اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ قال أناس ان الساعة قد اقتربت فتناهى القوم قليلا ثم عادوا الى أعمالهم السوء فانزل الله أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فقال أناس هذا امر الله قد اتى فتناهى القوم ثم عادوا الى مكرهم السوء فانزل الله وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ الاية- واخرج ابن جرير عن ابن جريج مثله يعنى لان أخرنا عنهم العذاب الموعود إِلى أُمَّةٍ اى الى حين مَعْدُودَةٍ ساعاته- ذكر فى القاموس فى معانى امة الحين- وقال البغوي اى الى أجل معدود- واصل الامة الجماعة فكانّه قال الى انقراض امة ومجيء اخرى- وقال البيضاوي الى جماعة من الأوقات معدودة اى قليلة لَيَقُولُنَّ اى الكفار استهزاء ما يَحْبِسُهُ اى ما يمنعه من الوقوع أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ العذاب فى علم الله كيوم بدر لَيْسَ ذلك العذاب مَصْرُوفاً عَنْهُمْ اى مدفوعا عنهم ويوم منصوب بمصروفا يعنى ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأتيهم وَحاقَ بِهِمْ اى أحاط بهم وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة فى التهديد ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) اى العذاب الّذي كانوا يستعجلونه ويقولون استهزاء ما يحبسه فوضع يستهزءون موضع يستعجلون- وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ يعنى الجنس مِنَّا رَحْمَةً اى من نعمة صحة وأمن وجدة واللام فى لئن لتوطية القسم ثُمَّ نَزَعْناها اى سلبنا تلك النعمة مِنْهُ وجواب

стр. 1795

القسم وجزاء الشرط إِنَّهُ لَيَؤُسٌ اى شديد اليأس من ان يعود اليه مثل تلك النعمة المسلوبة قاطع رجاءه من سعة فضل الله لقلة صبره وعدم ثقته به وعدم تسليم لقضائه كَفُورٌ (٩) عظيم الكفر ان لما سلف له من نعمة الله نسّاء له ولما معه من نعمائه لان الإنسان لا يخلو من نعماء الله تعالى من الوجود وتوابعه وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم مَسَّتْهُ صفة لضراء لَيَقُولَنَّ جواب قسم وجزاء شرط ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي «١» اى المصائب الّتي ساءتنى يعنى لا ينسب ذهاب السيئات الى الله تعالى ولا يشكره بل ينسبه الى عادة الدهر إِنَّهُ لَفَرِحٌ اشر بطر بالنعمة مغتربها والفرح لذة فى القلب بنيل المشتهى فَخُورٌ (١٠) على الناس يزعم نفسه مستحقّا لذلك النعمة متعاليا على الناس يشغله الفرح والفخر عن الشكر إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ استثناء من الإنسان يعنى الا المؤمنين فانهم ليسوا بيؤس ولا كفور عند سلب النعمة بل يرجون فضل الله ويشكرون نعماءه السابقة والباقية ولا فرحين بطرا وأشرا غير مفتخرين على الناس عند انعامه بل يشكرون الله تعالى- وضع الله سبحانه الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ موضع المؤمنين اشعارا بانهم يصبرون فى الضراء ويعملون شكرا فى السراء- عن صهيب قال قال رسول الله ﷺ عجبا لامر المؤمن ان امره كله له خير وليس ذلك لاحد الا للمؤمن ان أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له رواه مسلم- وقال الفراء هذه استثناء منقطع معناه لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات فانهم ان نالهم شدة صبروا وان نالوا نعمة شكروا- وعلى قول الفراء اللام فى الإنسان للعهد يعنى إذا أذقنا الإنسان الكافر الّذي مر ذكره منا رحمة إلخ حتّى ينقطع الاستثناء أُولئِكَ اى الصابرون الشاكرون لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) يعنى رضوان الله وجنته- عن عياض بن حمار المجاشعي ان رسول الله ﷺ قال ان الله اوحى الىّ ان تواضعوا حتّى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد رواه مسلم- فَلَعَلَّكَ يا محمّد تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ يعنى ما فيه سبّ الهتهم وذلك حين قالوا ايت بقرآن غير هذا ليس فيه سبّ الهتنا كذا قال البغوي- قال البيضاوي

стр. 1796

ولا يلزم من توقع الشيء لوجود ما يدعو اليه وقوعه- لجواز ان يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسول عن الخيانة فى الوحى والتقية فى التبليغ هاهنا- قلت وبهذا يندفع ما قيل ان لعل من الله واجبة الوقوع وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ الضمير فى به مبهم تفسيره أَنْ يَقُولُوا لَوْلا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ «١» على محمّد كَنْزٌ ينفقه فى الاستتباع كالملوك أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يصدقه قاله عبد الله بن امية المخزومي- يعنى يضيق صدرك وتغتم بقولهم هذا- وجاز ان يكون المعنى لعلّك تارك بعض ما يوحى إليك اى تترك تبليغه إياهم لتهاونهم به وضائق به اى يضيق بذلك الترك صدرك فان ترك ما امر الله به يوجب ضيق الصدر كما ان إتيان ما امر الله به يوجب انشراح الصدر- ان يقولوا اى تترك التبليغ مخافة ردهم واستهزائهم بان يقولوا وضائق صدرك لاجل أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ان كان رسولا فقال الله تعالى إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ يعنى ليس عليك الا الانذار بما يوحى إليك ولا عليك شيء ان ردوا او اقترحوا او قالوا ايت بقرآن غير هذا- فما بالك تترك بقولهم او بمخافة ردهم او يضيق صدرك بقولهم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) يحفظ ما يقولون فيجازيهم عليه- أَمْ يَقُولُونَ أم منقطعة والاستفهام فيه للانكار يعنى بل أيقولون افْتَراهُ اى اختلقه من عند نفسه الضمير المنصوب عائد الى ما يوحى قُلْ يا محمّد فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فان قيل قد قال فى سورة يونس فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وقد عجزوا عنه فكيف قال فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ فهو كرجل يقول لاخر أعطني درهما فيعجز فيقول أعطني عشرة- أجيب بان سورة هود نزلت اولا فلما عجزوا عن إتيان العشرة انزل بعد ذلك فاتوا بسورة- وأنكر المبرد هذا الجواب وقال بل نزلت سورة يونس اولا وأجاب بان معنى قوله فى سورة يونس فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ فى الاخبار عن الغيب والاحكام والوعد والوعيد على طبق الكتب المنزلة المتقدمة فعجزوا عن ذلك فقال لهم فى سورة هود فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فى مجرد البلاغة وحسن النظم- قلت ثم قال فى سورة البقرة فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ- وتوحيد المثل باعتبار كل واحد مُفْتَرَياتٍ مختلقات من عند أنفسكم ان صح انى اختلقته فانكم عرب فصحاء مثلى تقدرون على ما اقدر عليه بل

стр. 1797

أنتم اقدر لتعلمكم وكثرة مما رستكم وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ليعينكم على إتيان سور مثله إِنْ كُنْتُمْ ايها الكافرون صادِقِينَ (١٣) فى قولكم انه مفترى وهذا شرط مستغن عن الجزاء بما مضى فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ بإتيان ما دعوتم اليه وجمع الضمير فى لكم اما لتعظيم الرسول- او لان المؤمنين ايضا كانوا يتحدّونهم- وكان امر الرسول متناولا لهم من حيث انه يجب اتباعه عليهم فى كل امر الا ما خصه الدليل- او للتنبيه على ان التحدي مما يوجب قوة يقينهم ورسوخ ايمانهم فلا يغفلون عنه ولذلك رتب عليه قوله فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ اى متلبسا «١» بما لا يعلمه الا الله ولا يقدر عليه سواه وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لانه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره ولظهور عجز الهتهم ولتنصيص هذا الكلام الثابت صدقه باعجازه عليه- وفيه تهديد واقناط من ان يجيرهم من بأس الله الهتهم فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) ثابتون على الإسلام راسخون مخلصون فيه إذا تحقق عندكم اعجازه مطلقا ويجوز ان يكون الكل خطابا للمشركين والضمير المرفوع فى لم يستجيبوا لمن استطعتم والمعنى فان لم يستجب لكم ايها الكفار من استطعتم دعوتهم الى المعاونة على المعارضة لعجزهم وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة فاعلموا انه نظم لا يعلمه الا الله وانه منزل من عنده وان ما دعاكم اليه من التوحيد حق فهل أنتم داخلون فى الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة وفى هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر- مَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله وإحسانه الْحَياةَ الدُّنْيا اى طول البقاء فى الدار الدنيا والصحة وَزِينَتَها من الأموال والأولاد والأزواج والخدم والحشم نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ اى نوصل إليهم جزاء أعمالهم الحسنة وافيا فِيها اى فى الدنيا وَهُمْ فِيها فى الدنيا لا يُبْخَسُونَ (١٥) اى لا ينقصون شيئا من أجورهم أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ شيء من الجزاء إِلَّا النَّارُ لانهم استوفوا جزاء أعمالهم الحسنة فى الدنيا وبقيت لهم أوزار الأعمال السيئة وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها من الحسنات يعنى لم يبق لهم ثواب فى الاخرة- اولم يكن لانهم لم يريدوا بها وجه الله تعالى حتّى يكون اجره على الله- والظرف اما متعلق بحبط والضمير يعود الى الاخرة- واما بصنعوا والضمير يعود الى الدنيا وَباطِلٌ فى نفسه

стр. 1798

ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) من الحسنات فى الدنيا لانه لم يعمل على ما ينبغى وكانّ كلّ واحدة من الجملتين علة لما قبلها- والظاهر ان هذه الاية فى حق الكفار- روى البخاري عن عمر بن الخطاب فى حديث طويل انه قال رفعت بصرى فى بيته ﷺ فو الله ما رايت فيه شيئا يرد البصر غير اهبة ثلاثة فقلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فان فارس والروم قد وسع عليهم واعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله فجلس النبي ﷺ وكان متكيا فقال او فى هذا أنت يا ابن الخطاب ان أولئك قوم عجلوا طيباتهم فى الحيوة الدنيا واما المؤمن فيريد الدنيا والاخرة- وإرادته الاخرة غالبة فيجازى بحسناته فى الدنيا ويثاب عليها فى الاخرة- عن انس ان رسول الله ﷺ قال ان الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى عليها فى الدنيا ويثاب عليها فى الاخرة واما الكافر فيطعم بحسناته فى الدنيا حتّى إذا افضى الى الاخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا رواه مسلم واحمد- قلت وقوله تعالى لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ قرينة دلت على ان الاية فى حق الكفار للاجماع على ان مال المؤمن الى الجنة البتة- وقيل هذه الاية فى حق اهل الرياء عن ابى سعيد بن فضالة عن رسول الله ﷺ قال إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك فى عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فان الله اغنى الشركاء عن الشرك رواه احمد وعن انس ان النبي ﷺ قال من كانت نيته طلب الاخرة جعل الله غناه فى قلبه وجمع الله شمله وأتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه امره ولا يأتيه منها الا ما كتب له رواه الترمذي ورواه احمد والدارمي عن ابان عن زيد بن ثابت- وقوله تعالى نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ «١» فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ لا ينافى قوله ﵇ لا يأتيه منها الا ما كتب له لان إيفاء أعمالهم فى الدنيا بحيث لا يبخسون مكتوب لهم ويأتيهم البتة ولا يأتيه ما يزيد عليه وان كان طالب الدنيا يطلب ما لا نهاية له فانه لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا- قلت وان كانت هذه الاية فى اهل الرياء فمعنى قوله تعالى لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ انه ليس لهم جزاء ما يراءون فيه الا النار- أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ برهان مِنْ رَبِّهِ يدله على الحق والصواب فيختار عبادة الله على عبادة الأوثان والدار الاخرة الباقية ونعيمها على الدار الدنيا الفانية ولذاتها- الموصول

стр. 1799

مبتدا حذف خبره والفاء للتعقيب والهمزة لانكار الحكم بمشابهة من هذا شأنه بهؤلاء المقصرين هممهم وافكارهم على الدنيا بعد العلم بان المقصرين ليس لهم فى الاخرة الّا النّار وهو الّذي اغنى عن ذكر الخبر- والتقدير أفمن كان على بيّنة من ربّه كمن كان يريد الحيوة الدنيا- والمراد بالموصول المؤمنون المخلصون ومن قال المراد به النبي ﷺ عنى به الرسول ﷺ واتباعه للعموم وجمعية اسم الاشارة اليه فى قوله أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ- اخرج ابو الشيخ عن ابى العالية وابراهيم النخعي فى قوله أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ قال ذلك محمّد ﷺ وكذا اخرج ابن ابى حاتم وابن مردوية وابو نعيم فى المعرفة عن على بن ابى طالب- والمراد بالبينة القران وَيَتْلُوهُ اى يقرأ ذلك البرهان شاهِدٌ مِنْهُ اى من الله تعالى وَمِنْ قَبْلِهِ اى من قبل نزوله كِتابُ مُوسى يعنى التورية شاهد من الله يصدق القران إِماماً كتابا مؤتما به فى الدين وَرَحْمَةً على المنزل عليهم وهما حالان من كتاب موسى- والمراد بالشاهد جبرئيل ﵇ أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ وابن مردوية من طرق عن ابن عباس أفمن كان على بيّنة من ربّه ويتلوه شاهد منه قال جبرئيل- فهو شاهد من الله يتلو من كتاب الله الّذي انزل على محمّد ﷺ ومن قبله تلا التورية على موسى كما تلا القران على محمّد ﷺ وكذا ذكر البغوي قول ابن عباس وعلقمة وابراهيم ومجاهد وعكرمة والضحاك واكثر اهل التفسير انه جبرئيل ﵇ وقال الحسن وقتادة هو لسان محمّد ﷺ يعنى يقرا ذلك البرهان الّذي عليه المؤمنون شاهد من الله وهو محمّد ﷺ ومن قبله كتاب موسى شاهد له- اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم والطبراني فى الأوسط وابو الشيخ عن محمّد بن على بن ابى طالب قال قلت لابى ان الناس يزعمون فى قول الله تعالى وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ انك أنت الشاهد- فقال وددت انى انا هو ولكنه لسان محمّد ﷺ وأخرجه ابو الشيخ من طريق ابى نجيح عن مجاهد- وقيل يتلو من التلو بمعنى التبعية والشاهد ملك يحفظه والضمير فى يتلوه اما لمن او للبينة باعتبار المعنى- ومن قبله كتاب موسى جملة مبتدئة- اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن مجاهد أفمن كان على بيّنة من ربّه قال هو محمّد

стр. 1800

صلى الله عليه وسلم والشاهد منه قال ملك يحفظه- وقيل الشاهد هو على بن ابى طالب قال البغوي قال على رضى الله عنه ما من رجل من قريش الا وقد نزلت فيه اية من القران فقال له رجل وأنت اىّ شيء نزل فيك- قال وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ- فان قيل فما وجه تسمية على بالشاهد- قلت لعل وجه ذلك انه أول من اسلم من الناس فهو أول من شهد بصدق النبي ﷺ والاوجه عندى ان يقال ان عليّا رضى الله عنه كان قطب كمالات الولاية وسائر الأولياء حتّى الصحابة رضوان الله عليهم اتباع له فى مقام الولاية- وافضلية الخلفاء الثلاثة بوجه اخر كذا حقق المجدد رضى الله عنه فى مكتوب من اواخر مكتوباته فكانّ معنى الاية أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ يعنى على حجة واضحة وبرهان قاطع وهو محمّد ﷺ فانه كان على حجة واضحة من ربه وبرهان قاطع يفيد العلم بالقطع انه رسول الله- وذلك معجزاته وأفضلها القران وعلومه المستندة الى الوحى- ويتلوه اى يتبعه شاهد من الله على صدقه وهو علىّ ومن شاكله من الأولياء- فان كرامات الأولياء معجزات للنبى ﷺ وعلومهم المستندة الى الإلهام والكشف ظلال لعلوم النبي ﷺ المستندة الى الوحى فتلك الكرامات والعلوم شاهدة على صدق النبي ﷺ فقوله ﷺ انا دار الحكمة وعلىّ بابها رواه الترمذي بسند صحيح عن على- وانا مدينة العلم وعلىّ بابها فمن أراد العلم فليأت الباب رواه ابن عدى فى الكامل والعقيلي فى الضعفاء والطبراني والحاكم عن ابن عباس وابن عدى والحاكم عن جابر- اشارة الى علوم الأولياء دون علوم الفقهاء فان أخذ علوم الفقهاء لم ينحصر على علىّ رضى الله عنه بل قال فيه رسول الله ﷺ أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم- وقيل شاهد منه هو الإنجيل- وقبله كتاب موسى التورية شاهد له- وقيل البينة البرهان العقلي والشاهد القران- قال الحسين بن الفضل الشاهد هو القران ونظمه واعجازه- والمعنى أفمن كان قائما على وفق البرهان العقلي ويتبع ذلك البرهان شاهد من الله يعنى القران يشهد بصحة البرهان ومن قبل القران كتاب موسى يعنى التورية ايضا يشهد للبرهان والمراد بالموصول المسلم المخلص أُولئِكَ اشارة الى من كان على بينة بناء على ان المراد به جماعة المسلمين وجاز ان يكون اشارة الى شاهد من حيث المعنى ان كان المراد به علىّ رضى الله عنه ومن

стр. 1801

شاكله من الأولياء يُؤْمِنُونَ بِهِ حقيقة الايمان وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ اى محمّد ﷺ او بالقران مِنَ الْأَحْزابِ من اهل الملل كلها فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ والّذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الامة ولا يهودى ولا نصرانى ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به الا كان من اصحاب النار رواه مسلم فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ فى شك مِنْهُ اى من الموعد او من القران إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) لقلة نظرهم واختلال فكرهم- وَمَنْ أَظْلَمُ يعنى لا أحد «١» اظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بان زعم ان له ولدا او شريكا- او أسند اليه ما لم ينزله ونفى عنه ما أنزله- وأسند اليه تحريم ما لم يحرّم وتحليل ما حرم أُولئِكَ المفترون يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ يوم القيامة فيسئلهم عن أعمالهم وَيَقُولُ الْأَشْهادُ يعنى الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم كذا اخرج ابو الشيخ عن مجاهد وعن ابن عباس انهم الأنبياء والرسل وهو قول الضحاك ويؤيده قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً- واخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيب قال ليس من يوم الا وتعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم- وقال قتادة الخلائق كلهم- روى الشيخان فى الصحيحين عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ ان الله يدنى المؤمن فيضع عليه كتفه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا فيقول نعم اى رب حتّى قرره بذنوبه وراى فى نفسه انه قد هلك قال سترتها عليك فى الدنيا وانا اغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته واما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) فيه تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ بظلمهم على الله بكذبهم عليه- قلت وليست الاشهاد منحصرة فى من ذكر بل من الاشهاد أعضاء المكلف قال الله تعالى الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ- وقال الله تعالى قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا الاية- وقال الله تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ الاية وسنذكر- وفى حديث انس عند مسلم يقول الله كفى بنفسك اليوم عليك

стр. 1802

شهيدا- وبالكرام الكاتبين شهيدا فتحتم على فيه ويقال لاركانه انطقى الحديث- وسنذكر أحاديث الباب فى تفسير الآيات المذكورة ان شاء الله تعالى- ومن الاشهاد الامكنة والازمنة وغير ذلك وقد ذكرنا بعض ما ورد فيها فى سورة العاديات فى تفسير قوله تعالى يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها- قوله ﵇ اخبارها ان تشهد يعنى الأرض على كل عبد وامة بما عمل على ظهرها- وروى البخاري عن ابى سعيد الخدري انه قال لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا انس الا شهد له يوم القيامة ورواه ابن خزيمة بلفظ لا يسمع صوته حجر ولا مدر ولا شجر ولا جن ولا انس الا شهد له- وفى حديث ابى هريرة مرفوعا عند ابى داود وابن خزيمة للمؤذن يغفر له مدى صوته وشهد له كل رطب ويابس- واخرج ابن المبارك عن عمر من سجد عند موضع عند شجر او حجر شهد له يوم القيامة- وعن عطاء الخراسانى نحوه- واخرج ابو نعيم عن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال ليس من يوم يأتى على ابن آدم الا ينادى فيه يا ابن آدم انا خلق جديد وانا فيما تعمل عليك غدا شهيد- فاعمل فىّ خيرا شهد لك به غدا- فانى لو قد مضيت لم ترنى ابدا- ويقول الليل مثل ذلك- واخرج مسلم عن ابى سعيد الخدري ان رسول الله ﷺ قال ان هذا المال خضر حلو ونعم صاحب لمسلم وهو لمن اعطى منه الأسير واليتيم وابن السبيل شهيد- وانه من يأخذ بغير حق كالذى يأكل ولا يشبع فيكون عليه شهيدا يوم القيامة واخرج ابو نعيم عن طاءوس قال يجاء يوم القيامة بالمال وصاحبه فيتحاجان الحديث- الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى يمنعون الناس عن دينه وَيَبْغُونَها عِوَجاً اى يصفونها بالانصراف عن الحق والصواب- او يبغون أهلها ان يعوجوا بالردة وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) يعنى والحال انهم كافرون بالاخرة وتكرير كلمة هم لتأكيد كفرهم واختصاصهم أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ قال ابن عباس سابقين- وقال قتادة هاربين- وقال مقاتل فائتين- والمعنى واحد يعنى ما كانوا يعجزون الله فى الدنيا ان يعاقبهم وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يعنى أنصارا يحفظهم من عذاب الله ولكن الله اخر عذابهم الى يوم القيامة ليكون أشد ودوم يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ استيناف قرا ابن كثير وابن عامر وابو جعفر- ابو محمّد ويعقوب يضعّف بالتشديد من التفعيل

стр. 1803

والباقون من المفاعلة- قيل تضعيف العذاب لاضلالهم الغير واقتداء الاتباع بهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ يعنى استماع الحق فان الله تعالى لم يخلق «١» فيهم استعداد سماع للحق فهم صم لا يسمعونه وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) الهدى لتعاميهم عن آيات الله لعدم خلق الله تعالى البصيرة فى قلوبهم أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ حيث اشتروا عبادة الحجارة بعبادة الله تعالى واشتروا النار بالجنة وَضَلَ اى فات عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) ان الأصنام يشفع لهم عند الله لا جَرَمَ فيه اقوال أحدها انّ لا- ردّ لكلام سابق يعنى ليس الأمر كما زعموا افتراء- وجرم كلام مبتدا معناه كسب وفاعله مضمر وقوله تعالى أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) فى محل النصب على المفعولية يعنى كسب الحكم بخسرانهم- وقيل معنى جرم وجب وحق فعلى هذا انهم فى الاخرة فى محل الرفع على الفاعلية- ثانيها ان لا جرم كلمتان ركبتا فصار معناهما حقا وانهم فى الاخرة فى محل الرفع على انه فاعل يعنى حق حقا انهم خاسرون- ثالثها ان معناه لا محالة- وفى القاموس لا جرم ولا ذا جرم ولا ان جرم ولا ان ذا جرم ولا جرم ككرم بالضم اى لا بد او حقا او لا محالة- وهذا أصله ثم تحول الى معنى القسم فلذلك يجاب عنه باللام يقال لا جرم لاتينّك- وكونهم من الأخسرين لان خسران غيرهم بالكفر او المعاصي وخسرانهم بالكفر وصد غيرهم عن الايمان إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ قال ابن عباس خافوا- وقال قتادة انابوا وقال مجاهد اطمأنوا- وفى القاموس اخبت خشع وتواضع والخبيت الشيء الحقير أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) دائمون مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ المؤمنين والكافرين كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ فانه مثل الكافر فان الكفار لا يستطيعون السمع يعنى سماع الحق سماع قبول وما كانوا يبصرون الهدى وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ وذلك مثل المؤمن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ويبصرون بنور الله فى قلوبهم- فالكافر مشبه بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين ضديهما- والعاطف لعطف الصفة على الصفة ولذلك قال هَلْ يَسْتَوِيانِ ولم يقل هل يستوون كذا قال الفراء مَثَلًا اى تمثيلا او صفة او حالا

стр. 1804

أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) اى تتعظون بضرب الأمثال والتأمل فيها- فيه أدغمت التاء فى الذال- وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي قرا ابن كثير وابو عمرو والكسائي بفتح الهمزة اى بانّى والمعنى أرسلناه متلبسا «١» بهذا الكلام وهو قوله إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ بالكسر فلما اتصل به الجار فتح كما فتح كانّى والمعنى على الكسر- والباقون بالكسر اى فقال انّى لان فى الإرسال معنى القول مُبِينٌ (٢٥) ابيّن لكم موجبات العذاب والثواب أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ بدل من انّى لكم او مفعول مبين ويجوز ان يكون مفسرة متعلقة بأرسلنا او بنذير إِنِّي قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) ان تشركوا به شيئا- واليم بمعنى مؤلم فى الحقيقة صفة للمعذب يوصف به العذاب وزمانه على طريقة جدّ جدّه ونهارك صائم للمبالغة فَقالَ الْمَلَأُ يعنى الاشراف والرؤساء لانهم يملؤن القلوب هيبة والمجالس ابهة الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ يا نوح إِلَّا بَشَراً آدميّا مِثْلَنا لا مزية لك علينا حتّى تكون نبيّا واجب الطاعة- كانهم أرادوا ان يكون ملكا او ملكا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا اى سفلتنا والرذل الدون من كل شيء وجمعه أرذل ثم جمع على اراذل مثل كلب وأكلب وأكالب لانه بالغلبة صار مثل الاسم قال عكرمة يعنى الحاكة والاساكفة بادِيَ الرَّأْيِ الرأى النظر بالعين والقلب. وايضا الرأى الاعتقاد كذا فى القاموس- وبادى الرأى معناه ظاهر النظر من غير تعمق من البدو- او أول الرأى من البدء- والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها- وقرا ابو عمرو بهمزة مفتوحة بعد الدال والباقون بالياء- وانتصابه بالظرف على حذف المضاف اى وقت حدوث بادى الرأى- والعامل فيه اتّبعك وانما استرذلوه لذلك او لفقرهم فانهم لمّا لم يعلموا الا ظاهرا من الحيوة الدنيا كان ذا حظ بها اشرف عندهم والمحروم فيها أرذل وَما نَرى لَكُمْ يا نوح مع من تبعك عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فى مال او غير ذلك يوهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) أنت فى دعوى النبوة واتباعك فى دعوى العلم بصدقك فغلّب المخاطبين على الغائبين قالَ نوح يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي حجة واضحة شاهدة بصحة دعوى وَآتانِي رَحْمَةً اى بينة او هدى ونبوة مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ

стр. 1805

قرا حمزة والكسائي وحفص بضم العين وتشديد الميم من التفعيل بمعنى أخفيت والباقون بفتح العين وتخفيف الميم من المجرد بمعنى خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها «١» بالحجة- يقال بصيرة ومبصرة إذا يهتدى بها- ويقال عمياء إذا لا يهتدى بها- وتوحيد الضمير لان البينة فى نفسها هى الرحمة- او لان خفاءها يوجب خفاء النبوة او على تقدير فعميت به النبوة وحذفها للاختصار او لانه لكل واحد منهما أَنُلْزِمُكُمُوها اى نلزمكم على الاهتداء بها اى بالبينة او الرحمة ونجبركم على قبولها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) لا تريدونها قال قتادة لو قدر الأنبياء ان يلزموا قومهم الايمان لالزموا ولكن لم يقدروا- وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على التبليغ فهو وان لم يذكر لكنه معلوم مما ذكر مالًا اى جعلا يثقل عليكم ان أديتم او علىّ ان لم تؤدوا إِنْ أَجرِيَ قرا نافع وابن عامر وابو عمرو وحفص بفتح الياء والباقون بإسكانها- يعنى ليس ثوابى إِلَّا عَلَى اللَّهِ بناء على وعده تفضلا وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا جواب لهم حين سالوا طردهم ليؤمنوا به انفة من المجالسة معهم إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيخاصمون طاردهم عنده- او انهم يلاقونه ويفوزون بقربه- فكيف اطرد اولياء الله ومقربيه وَلكِنِّي قرا نافع والبزي وابو عمر بفتح الياء والباقون بإسكانها أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) بلقائهم ربهم او بمراتب قربهم من الله او فى التماس طردهم او تتسفهون عليهم بان تدعوهم اراذل او تجهلون عاقبة أمركم وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ يدفع انتقامه منى إِنْ طَرَدْتُهُمْ وهم بتلك الصفة والمثابة أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) بإدغام التاء فى الذال يعنى أفلا تتعظون وتعقلون لتعرفوا ان التماس طردهم ليس بصواب وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ اى خزائن رزقه وأمواله يعنى لست مدعيا فضلى عليكم بالمال حتّى تنكرونه وتقولون ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ عطف على عندى خزائن الله ولا أقول انا اعلم الغيب حتّى تكذبونى استبعادا- او حتّى اعلم ان هؤلاء الذين اتبعونى بادى الرأى من غير بصيرة وعقد قلب- وعلى الثاني يجوز عطفه على أقول وَلا أَقُولُ لَكُمْ «٢» إِنِّي مَلَكٌ حتّى تنكرونه وتقولون ما أنت الا بشر مثلنا وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ

стр. 1806

اى تحتقره وتستصغره أعينكم يعنى الذين قلتم فيهم أراذلنا لاجل فقرهم- افتعال من زرا عليه إذا عابه- قلبت تاؤه دالّا لتجانس الراء فى الجهر- واسناده الى العين للمبالغة والتنبيه على انهم استرذلوهم بادى الرأي من غير رؤية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة مالهم دون تأمل فى معانيهم وكمالاتهم وخصالهم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً بل ما أعطاهم فى الدنيا من الايمان والهداية- وفى الاخرة من الجنة والدرجات خير مما اعطاكم الله فى الدنيا من المال اللَّهُ أَعْلَمُ منى ومنكم بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من محبة الله ومحاسن الأخلاق والعقائد إِنِّي قرا نافع وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها إِذاً اى إذا طردتهم وقلت فيهم لن يؤتيهم الله خيرا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) . قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا خاصمتنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فاطلته إذ أتيت بانواعه فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) فى دعوى النبوة والوعيد على ترك الايمان فان مناظرتك لا تؤثر فينا. قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ ليس ذلك فى وسعى لا إتيانه ولا تعجيله إِنْ شاءَ عاجلا او أجلا وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) الله بدفع العذاب او الهرب منه إذا جاء عذابه. وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي قرا نافع بفتح الياء وكذا ابو عمرو والباقون بإسكانها إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ شرط ودليل جواب والجملة دليل جواب لقوله إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وتقدير الكلام ان كان الله يريد ان يغويكم فاردت ان انصح لكم لا ينفعكم نصحى فيه دليل على ان ارادة الله يصح تعلقها بالإغواء وان خلاف مراده تعالى محال وقيل معنى ان يغويكم ان يهلككم من غوى الفصيل إذا هلك هُوَ رَبُّكُمْ خالقكم والمتصرف فيكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) فيجازيكم بأعمالكم. أَمْ يَقُولُونَ يعنى بل أيقولون افْتَراهُ قال ابن عباس يعنى يقولون افترى نوح وقال مقاتل معناه تقولون افترى محمّد ﷺ قُلْ يا نوح او يا محمّد إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي اى وبال اجرامى والاجرام كسب الذنب وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) من اجرامكم فى اسناد الافتراء الىّ- قال البغوي روى الضحاك عن ابن عباس ان قوم نوح كانوا يضربون نوحا عليه السلام

стр. 1807

حتّى يسقط فيلقونه فى لبدو يبقونه فى بيت يزعمون انه قد مات فيخرج فى اليوم الثاني ويدعوهم الى الله وروى ان شيخا منهم كان يتوكا على عصا ومعه ابنه فقال يا بنى لا يغرنك هذا الشيخ المجنون فقال يا أبت أمكنني من العصا فاخذ العصا من أبيه حتّى شج شجة منكرة فاوحى الله تعالى اليه ما ذكر فى كتابه. وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ افتعال من البؤس وهو الحزن ومعناه لا تحزن بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) من التكذيب والإيذاء- اقنطه الله من ايمانهم حتّى لا يتعب نفسه فى دعوتهم ونهاه ان يغتم حيث وعده بانى مهلكهم ومنقذك منهم- فحينئذ دعا نوح عليهم بقوله رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً- وحكى محمّد بن إسحاق عن عبيد ابن عمير الليثي انه بلغه انهم كانوا يبطشون بنوح فيخنقونه حتّى يغشى عليه وإذا أفاق قال رب اغفر لقومى فانهم لا يعلمون- حتّى إذا عادوا فى المعصية واشتد عليه منهم البلاء انتظر النجل بعد النجل- فلا يأتى قرن الا أخبث من الّذي قبله- حتّى كان الاخر منهم ليقولون قد كان هذا مع ابائنا وأجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا- فشكى الى الله وقال رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً حتّى قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً فاوحى الله اليه. وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا حال اى متلبسا بأعيننا- قال ابن عباس بمراء منا- وقال مقاتل بعلمنا- وقيل بحفظنا- عبر عن المبالغة فى الحفظ بالأعين لكونها اكثر آلات الحفظ والمراعات عن الاختلال من سائر الحواس وَوَحْيِنا إليك كيف تصنع او بامرنا بصنعه وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا يعنى لا تدعنى باستدفاع العذاب عنهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) بالطوفان حكمت عليهم فى الأزل بالاغراق فلا سبيل الى كفّه- قال البغوي فى القصة ان جبرئيل ﵇ اتى نوحا- فقال ان ربك يأمرك ان تصنع الفلك- قال كيف اصنع ولست بنجار- فقال ان ربك يقول اصنع فانك بعيني فاخذ القدوم وجعل يصنع ولا يخطئ- وقيل اوحى اليه ان يصنعها مثل جوء جوء الطائر. وَيَصْنَعُ نوح الْفُلْكَ حكاية حال ماضية- قال البغوي اقبل نوح على عمل الفلك ولهى عن قومه- واعقم الله أرحام نسائهم فلم يولد لهم ولد- وجعل نوح يقطع الخشب ويضرب الحديد

стр. 1808

ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره- وجعل قومه يمرون عليه وهو فى عمله وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ استهزءوا به بعمله السفينة- فانه كان يعملها فى برية لم يكن بقربها ماء او ان عزّته- وكانوا يضحكون منه ويقولون يا نوح قد صرت نجارا بعد ما كنت نبيّا- وروى انهم كانوا يقولون له يا نوح ماذا تصنع فيقول اصنع بيتا يمشى على الماء فيضحكون منه قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ إذا عاينتم عذاب الله فى الدنيا بالغرق وفى الاخرة بالحرق- قيل هذا على سبيل المشاكلة- والمعنى ان تستجهلونى فانى استجهلكم إذا نزل العذاب- وقيل معناه ان تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) يعنى سخرية مثل سخريتكم منا عند رؤية الفلك. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ الموصول فى محل النصب بتعلمون اى فسوف تعلمون الّذي يأتيه عَذابٌ يُخْزِيهِ يهينه وَيَحِلُّ عَلَيْهِ اى ينزل عليه او يحل حلول الدين الّذي لا انفكاك عنه عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) دائم فحل بهم عذاب الغرق حتّى ماتوا وصاروا معذّبين فى البرزخ الى يوم القيامة ثم مردّهم الى عذاب النار وبئس المصير- قال البغوي زعم اهل التورية ان الله امره ان يصنع الفلك من خشب الساج وان يصنعه اعوج ازور وان يطليه القار من داخله وخارجه- وان يجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله فى السماء ثلاثين ذراعا- والذراع الى المنكب- وان يجعله ثلاث أطباق سفلا ووسطا وعلوا ويجعل فيه كوى- ففعله نوح كما امره الله تعالى- واخرج إسحاق ابن بشر وابن عساكر عن ابن عباس بلفظ ان نوحا لمّا امر ان يصنع الفلك- قال يا رب واين الخشب قال اغرس الشجر فغرس الساج عشرين سنة- وكف عن الدعاء وكفوا عن الاستهزاء- فلما أدرك الشجر امره ربه فقطعها وجفّها- وقال يا رب كيف اجعل هذا البيت- قال اجعله على ثلاث صور راسه كرأس الديك وجؤجؤه كجؤجؤ الطير وذنبه كذنب الديك- واجعلها مطبقة- واجعل لها أبوابا فى جنبها وشدها بدسر يعنى مسامير الحديد وبعث الله جبرئيل فعلمه صنعة السفينة وكذا اخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب- وقال البغوي قال ابن عباس اتخذ نوح السفينة فى سنتين وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها

стр. 1809

خمسين ذراعا وطولها فى السماء ثلاثين ذراعا وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاث بطون- فحمل فى البطن الأسفل الوحوش والسباع والبهائم- وفى البطن الأوسط الدواب والانعام وركب هو ومن معه البطن الا على مع ما يحتاج اليه من الزاد- واخرج ابن مردوية عن سمرة بن جندب قال طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا وسمكها ثلاثين ذراعا- وأخرجه ابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية عن ابن عباس من غير ذكر العرض- واخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابو الشيخ عن قتادة قال ذكر لنا ان طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها فى السماء ثلاثون ذراعا- وزاد انّ بابها فى عرضها- واخرج ابن جرير عن ابن عباس بلفظ كانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الطير وفى شرح خلاصة السير ان الطبقة السفلى للطيور والبهائم والوحوش وغيرهم من الحيوانات والوسطى للطعام والشراب والثياب والعليا للناس- وقال الشامي كان طول السفينة ثمانين ذراعا وعرضها خمسين وسمكها الى السماء ثلاثين ذراعا والذراع الى المنكب- وعن ابن عباس ان طولها ستمائة ذراع- قال البغوي وروى عن الحسن قال كان طولها الفا ومائتى ذراع وعرضها ستمائة ذراع والمعروف هو الاول ان طولها ثلاثمائة ذراع- وعن زيد بن اسلم قال مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها ومائة سنة يعمل الفلك- وقيل غرس الشجر أربعين سنة وجففه أربعين سنة وعن كعب الأحبار ان نوحا عمل السفينة ثلاثين سنة وروى انها كانت ثلاث طبقات الطبقة السفلى للدواب والوحوش والطبقة الوسطى فيها الانس. الطبقة العليا فيها الطير فلما كثرت أرواث الدواب اوحى الى نوح ان اغمر ذنب الفيل- فوقع منه خنزير وخنزيرة فاقبلا على الروث- فلما وقع الفار تخرب السفينة تقرضها وحبالها فاوحى الله اليه ان اضرب بين عينى الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة فاقبلا على الفار-. حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا بالعذاب غاية لقوله ويصنع وما بينهما حال من الضمير فيه- او حتّى هى الّتي يبتدا بعدها الكلام وَفارَ التَّنُّورُ واختلفوا فى التنور- اخرج ابو الشيخ عن عكرمة والزهري هو وجه الأرض كذا ذكر البغوي عنه- وكذا اخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن ابن عباس- وذلك انه قيل لنوح ﵇ إذا رايت الماء-

стр. 1810

فار على وجه الأرض فاركب السفينة- واخرج عبد بن حميد وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن قتادة فى قوله تعالى وَفارَ التَّنُّورُ قال أعلى الأرض وأشرفها- واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس فى قوله تعالى وفار التّنّور قال العين الّتي بالجزيرة عين الوردة- وروى عن علىّ قال فار التّنّور يعنى طلع الفجر ونور الصبح- وقال الحسن ومجاهد والشعبي انه التنور الّذي تخبز فيه- وهو قول اكثر المفسرين ورواية عطية عن ابن عباس اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس بلفظ إذا رايت تنور أهلك تخرج منه الماء فانه هلاك قومك- قال الحسن كان تنورا من حجارة كانت حواء تخبز فيه فصارت الى نوح فقيل لنوح إذا رايت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك واختلفوا فى موضعه قال مجاهد والشعبي كان فى ناحية الكوفة وكان الشعبي يحلف بالله ما فار التنور الا من ناحية الكوفة- وقال اتخذ نوح السفينة فى جوف مسجد الكوفة وكان التنور على يمين الداخل مما يلى باب كندة- وكان فوران الماء منه علما لنوح- اخرج ابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن علىّ بن ابى طالب قال فار التنور من مسجد الكوفة من قبل باب كندة- وأخرجه عنه ايضا ابو الشيخ من طريق الشعبي بلفظ والّذي فلق الحبة وبرئ النسمة ان مسجدكم هذا الرابع من اربعة مساجد المسلمين والركعتان فيه أحب الىّ من عشرهما سواها الا المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ وان من جانبه الايمن مستقبل القبلة فار التنور- وقال مقاتل كان ذلك تنور آدم وكان بالشام بموضع يقال له عين وردة- وروى عن ابن عباس انه كان بالهند- اخرج عنه ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ والحاكم وصححه- والفور ان الغليان قُلْنَا احْمِلْ فِيها اى فى السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ الزوجان كل اثنين لا يستغنى أحدهما عن الاخر فيقال لواحد من خف او نعل زوج خف وزوج نعل والمراد بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى- يعنى من كل ذكر وأنثى اثْنَيْنِ منصوب على المفعولية لاحمل يعنى احمل اثنين من كل ذكر وأنثى اى من مجموعهما من كل واحد منهما واحدا- هذا على قراءة الجمهور باضافة كل الى زوجين- وقرأ حفص هاهنا وفى سورة المؤمنين من كلّ بالتنوين يعنى من كل نوع من الحيوان زوجين يعنى ذكرا وأنثى- فهو منصوب على المفعولية واثنين على هذا تأكيد- قال البغوي وفى القصة ان نوحا

стр. 1811

عليه السلام قال يا رب كيف احمل من كل زوجين اثنين فحشر الله اليه السباع والطير فجعل يضرب بيديه فى كل جنس فيقع الذكر فى يده اليمنى والأنثى فى يده اليسرى فيحملهما فى السفينة وَأَهْلَكَ عطف على المفعول به اعنى اثنين او زوجين والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ من الله تعالى فى الأزل بالهلاك يعنى امرأته واعلة وابنه منها كنعان فانهما كانا كافرين وَمَنْ آمَنَ من الناس غيرهم وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) واختلفوا فى عددهم فقال قتادة وابن جريج ومحمّد بن كعب القرظي لم يكن فى السفينة إلا ثمانية نفر- نوح وامرأته وثلاثة بنين له سام وحام ويافث ونساؤهم- اخرج ابن جرير وابو الشيخ عن ابن جريج قال حدثت ان نوحا حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه- وأصاب حام زوجته فى السفينة فدعا ان يغير نطفته- فجاءت بالسّودان وقال الأعمش كانوا سبعة نوح وثلاث بنين له وثلاث كنائن- وهذان القولان يأباهما القران فان عطف قوله ومن أمن على أهلك يدل على المغائرة والسبعة المذكورون كانوا من اهله وقال ابن إسحاق كانوا عشرة نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان أمن به سواهم وأزواجهم جميعا يعنى كانوا عشرة من الرجال وعشرا من النساء- وقال مقاتل كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامراة- وبنيه الثلاثة ونساءهم- فجميعهم ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء- وعن ابن عباس قال كان فى سفينة نوح ثمانين رجلا أحدهم جرهم- اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن ابن عباس قال حمل نوح معه فى السفينة ثمانين إنسانا وكان لسانه عربيّا- قال ابن عباس أول ما حمل نوح الدرة واخر ما حمل الحمار- فلما دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه فلم يستقل رجلاه فجعل نوح ﵇ يقول ويحك ادخل فنهض فلا يستطيع حتّى قال ويحك ادخل وان كان الشيطان معك- كلمة زلت عن لسانه فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان فقال نوح ما أدخلك علىّ يا عدو الله- قال الم تقل ادخل وان كان الشيطان معك- قال اخرج عنى يا عدو الله- قال مالك بد من ان تحملني معك وكان فيما يزعمون فى ظهر الفلك- وروى عن بعضهم ان الحيّة والعقرب أتيا نوحا فقالتا احملنا- فقال انكما سبب الضر والبلاء فلا احملكما

стр. 1812

قالتا احملنا فنحن نضمن لك ان نضر أحد أذكرك- فمن قال حين خاف مضرتهما سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ما ضرتاه- قال الحسن لم يحمل نوح فى السفينة الا ما يلد ويبيض فاما ما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا-. وَقالَ ارْكَبُوا فِيها اى صيروا فيها وجعل ذلك ركوبا لانها فى الماء كالمركوب فى الأرض بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها حال من الضمير المرفوع فى اركبوا يعنى اركبوا فيها مسمين الله او قائلين بسم الله وقت إجرائها وارسائها- او مكانهما على ان المجرى والمرسى للوقت او للمكان او للمصدر والمضاف محذوف كقولهم اتيك خفوق النجم وانتصابهما بما قدرنا حالا ويجوز رفعهما ببسم الله على ان المراد بهما المصدر او جملة من مبتدا وخبر اى اجراؤها بسم الله فبسم الله خبره او صلته والخبر محذوف وهى اما جملة لا تعلق لها بما قبلها كانّ نوحا أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بان مجرها ومرسها بذكر اسم الله اى باسم الله اجراؤها وارساؤها ولفظ الاسم مقحم- واما حال مقدرة من الضمير المرفوع فى اركبوا او من الضمير المجرور فى فيها قرا حمزة والكسائي وحفص مجرها بفتح الميم من جرى- وقرا محمّد بن محيصن مجرها ومرسها بفتح الميمين من جرت ورست وكلّا يحتمل الثلاثة الزمان والمكان والمصدر- والباقون بضم الميمين من أجريت وأرسيت وامال حفص مجرها خاصة فى القران لا غير إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) اى لولا مغفرته لسيئاتكم ورحمته إياكم لما نجيتم- قال البغوي قال الضحاك كان نوح إذا أراد ان تجرى السفينة فقال بسم الله جرت- وإذا أراد ان ترسو قال بسم الله رست-. وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ متصل بمحذوف دل عليه اركبوا يعنى فركبوا مسمين وهى تجرى بهم وهم فيها فِي مَوْجٍ جمع موجة كتمر وتمرة وهى ما ارتفع من الماء عند اضطرابه إذا اشتدت الريح كَالْجِبالِ يعنى كل موجة منها كجبل فى ترالمها وارتفاعها وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كنعان وقال عبيد بن عمير يام وكان كافرا وَكانَ فِي مَعْزِلٍ عزل فيه نفسه عن أبيه او عن دينه مفعل للمكان من عزله عنه إذا بعده يا بُنَيَّ قرا عاصم بفتح الياء اقتصارا عليه بالألف المبدلة من ياء الاضافة من قولك يا بنيا والباقون بكسرها اقتصارا عليه من ياء الاضافة ارْكَبْ مَعَنا فى السفينة-

стр. 1813

قرأ «١» ابن عامر وحمزة ويعقوب وابو بكر عن عاصم بإظهار الباء والآخرون يدغمونها فى الميم وفى التيسير اظهر ورش وابن عامر وحمزة واختلف عن قالون وعن اليزيدي وعن خلاد- والتقدير يا بنى اسلم واركب معنا- فان الركوب يدل على الإسلام لتوقفه عليه وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) فى الدين والانعزال فتهلك. قالَ له ابنه كنعان لا اسلم ولا اركب معك ولكن سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ يمنعنى من الغرق قالَ له نوح لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ اى من عذابه المأمور به إِلَّا مَنْ رَحِمَ قيل من فى محل الرفع يعنى لا مانع من عذاب الله الا الله الراحم- او الإمكان من ﵏ وهم المؤمنون- رد بذلك ان يكون اليوم معتصم من جبل ونحوه يعصم اللائذ به الا معتصم المؤمنين وهو السفينة- وقيل من فى محل النصب معناه لا معصوم الا من ﵀ كقوله تعالى عِيشَةٍ راضِيَةٍ وقيل الاستثناء منقطع يعنى ولكن من ﵀ يعصمه وَحالَ بَيْنَهُمَا اى بين نوح وابنه او بينه وبين الجبل الْمَوْجُ فَكانَ اى فصار او كان فى علم الله مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) يروى ان الماء علا على رءوس الجبال أربعين ذراعا وقيل خمسة عشر ذراعا- قال البغوي ويروى انه لما كثر الماء فى السكك وخشيت أم صبى عليه كانت تحبه حبّا شديدا- فخرجت الى الجبل حتّى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء ارتفعت حتّى بلغت ثلثيه فلمّا بلغها ذهبت حتّى استوت على رأس الجبل- فلمّا بلغ الماء رقبتها رفعت الصبى بيديها حتّى ذهب بها الماء فلو رحم الله منهم أحد الرحم أم الصبى- قلت لكن هذه القصة ينافى ما روى ان الله سبحانه اعقم أرحام نساء قوم نوح قبل غرقهم سنين حتّى لم يكن فيهم صبى حين اغرقوا-. وَقِيلَ يعنى قال الله تعالى بعد ما تناهى امر الطوفان يا أَرْضُ ابْلَعِي اشربى ماءَكِ اى الماء الّذي نبع منك فشربته دون ما نزل من السماء فصار أنهارا وبحارا

стр. 1814

وَيا سَماءُ أَقْلِعِي أمسكي عن المطر يعنى لا تمطرى فامسكت وَغِيضَ الْماءُ يعنى غاضه الله اى انقصه الله وهو لازم ومتعد وَقُضِيَ الْأَمْرُ اى أنجز ما وعد الله من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين وَاسْتَوَتْ اى استقرت السفينة عَلَى الْجُودِيِّ وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل وقيل بالشام وَقِيلَ يعنى قال الله تعالى بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) اى بعد القوم الظالمون بعدا من رحمة الله وهلكوا هلاكا ثم حذف الفعل وجعل للقوم الظّالمين وصفا للمصدر- قال البغوي روى ان نوحا ﵇ بعث الغراب «١» ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع- فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون فى منقارها ولطخت رجلها بالطين فعلم نوح ان الماء قد نضب- فقيل انه دعا على الغراب بالخوف فلذلك لا يألف البيوت- وطوق الحمامة الخضرة الّتي فى عنقها ودعا لها بالأمان فمن ثم يألف بالبيوت- واخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابو الشيخ عن قتادة قال وذكر لنا انها استقلت بهم فى عشر خلون من رجب وكانت فى الماء خمسين ومائة يوما ثم استقرت بهم على الجودي واهبطوا الى الأرض فى عشر ليال خلون من المحرم- واخرج ابن عساكر عن خالد الزيات بزيادة قال فى آخره فارست السفينة يوم عاشوراء فقال نوح لمن معه من الجن والانس صوموا هذا اليوم- وكذا قال البغوي انه روى ان نوحا ركب السفينة لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرت بالبيت فطافت به سبعا وقد رفعه الله من الغرق وبقي موضعه- وهبطوا يوم عاشوراء فصام نوح وامر من معه بالصوم شكرا لله وقيل ما نجى من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق كان فى الماء الى حجرته- وكان سبب نجاته ان نوحا احتاج الى خشب الساج للسفينة فلم يمكنه نقلها فحملها عوج اليه من الشام- فنجاه الله من الغرق لذلك قلت وقصة عوج ذلك يخالف ظاهر النصوص حيث قال الله تعالى قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً- وقال قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- وقال لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ

стр. 1815

فتخصيص عوج من العمومات القاطعة لا يجوز الا بقاطع ولم يوجد والقصة يأبى عنه العقل والنقل-. وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ الفاء لتفسير النداء رَبِّ إِنَّ ابْنِي يعنى كنعان مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ لا خلف فيه وعدت ان تنجى أهلي فماله لم ينج- ويجوز ان يكون هذا النداء قبل الغرق وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) لانك أعلمهم واعدلهم ولا يجوز خلف فى حكمك وقد حكمت بهلاك قوم ونجاة أهلي- او المعنى انك اكثر حكمة من ذوى الحكم والحكمة. قالَ الله تعالى يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ لقطع الولاية بين المؤمنين والكفار إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ تعليل لنفى كونه من اهله- قرا الكسائي ويعقوب عمل بكسر الميم على الفعل الماضي وغير بالنصب على المفعولية اى عمل الشرك والتكذيب- والباقون بفتح الميم والتنوين على انه مصدر مرفوع وهو خبران على حذف المضاف ونقل إعرابه الى المضاف اليه- تقديره انه ذو عمل غير صالح وفيه مبالغة حيث جعل ذاته ذات العمل- او المعنى ان سوالك إياي بانجائه عمل غير صالح فَلا تَسْئَلْنِ يا نوح- قرا نافع وابن عامر بفتح اللام وكسر النون المشددة على ان أصله تسئلنّنى بالنون المشددة ونون الوقاية فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات وكسرت المشددة الياء ثم حذفت الياء اكتفاء بالكسرة- وقرا ابن كثير كذلك الا انه يفتح النون المشددة وليس فى هذه القراءة نون الوقاية ولا ياء المتكلم الضمير المنصوب- وقرا الباقون بإسكان اللام وكسر نون الوقاية وتخفيفها وحذف الياء واثبت ابو جعفر وابو عمرو وورش ويعقوب الياء فى الوصل فقط ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اصواب هو أم خطاء سمى نداءه سوالا لتضمنه ذكر الموعد بنجاة اهله المشعر باستنجازه فى شأن ابنه او استفسارا لمانع للانجاز فى حقه وسماه جهلا وزجر عنه بقوله إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو جعفر- ابو محمّد ابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) لان استثناء من سبق عليه القول من اهله قد دل على الحال وأغناه عن السؤال- قال البغوي اختلفوا فى هذا الابن- قال مجاهد والحسن كان ولد خبث من غير نوح ولم يعلم بذلك نوح ولذلك قال ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ- وقرا الحسن فخانتاهما- وقال ابو جعفر الباقر ﵇ كان ابن امرأته ولذلك قال من أهلي ولم يقل منى- وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرون

стр. 1816

انه كان ابن نوح من صلبه- قال ابن عباس ما بغت امراة نبى قط وقوله إِنَّهُ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ اى من اهل دينك لانه كان كافرا- وقوله فَخانَتاهُما اى فى الدين والعمل لا فى الفراش- وقوله إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يعنى ان تدعو بهلاك الكفار ثم تسئل نجاة كافر- وقال الشيخ ابو منصور كان ابن نوح منافقا لا يعلم نوح بكفره والا لا يحتمل ان يقول نوح إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ويسئل نجاته وقد سبق من الله النهى عن سوال مثله- بقوله. وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ- فاعلمه الله تعالى إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ- وفى قول ابى منصور هذا نظر فان قوله تعالى يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ صريح فى كونه مجاهرا بالكفر والله اعلم. قالَ نوح رَبِّ إِنِّي قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ فيما يستقبل ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ اى ما لا علم لى بصحته وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي سوالى بنجاة الكافر بعد النهى عنه بخطاء فى الاجتهاد وَتَرْحَمْنِي بالتوبة والعصمة والتفضل علىّ أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) أعمالا-. قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ اى انزل من السفينة بِسَلامٍ مِنَّا اى مسلّما من المكاره من جهتنا- او مسلّما عليك وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ البركة الخير النامي- والمراد بالبركات مراتب قرب الله تعالى ورحمته وفضله وكثرة ذريته وبقاؤهم الى يوم القيامة وكون الأنبياء منهم والصالحين وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ من للبيان والمراد بالأمم الذين كانوا معه فى السفينة لانهم كانوا جماعات او لتشعّب الأمم منهم- او لابتداء الغاية اى على امم ناشية من معك قال محمّد بن كعب دخل فيه كل مؤمن الى قيام الساعة- فان قيل قوله تعالى وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ يدل على حصر البقاء فى ذرية نوح دون من معه فى الفلك- قلنا كان معه فى الفلك بنوه «١» الثلاثة فالمعنى على امم تنشا ممّن معك من ابنائك وَأُمَمٌ مبتدا حذف خبره يعنى وممّن معك امم لا بركة عليهم بل سَنُمَتِّعُهُمْ فى الدنيا بما كتبنا لهم ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) فى الاخرة لاجل كفرهم وقيل المراد بهم قوم هود وصالح ولوط وشعيب والعذاب عذاب الدنيا. تِلْكَ يعنى قصة نوح مرفوع على الابتداء خبره مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ اى ما غاب عنك يعنى بعضها

стр. 1817

نُوحِيها الضمير للانباء خبر ثان أو حال من الانباء او هو الخبر ومن انباء متعلق به او حال من الضمير المنصوب فيه إِلَيْكَ يا محمّد ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا هذا خبر اخر اى مجهولة عندك وعند قومك من قبل ايحائنا إليك او حال من الضمير المنصوب فى نوحيها- او من الضمير المجرور فى إليك اى جاهلا أنت وقومك بها- تنبيه على كونه معجزة فانه لم يتعلمه الا من الله تعالى- فانه لم يخالط غير قومه وقومه مع كثرتهم لما لم يسمعوه فكيف بواحد منهم فمطابقة هذا النبا بالكتب المنزلة المتقدمة دليل واضح على نبوته ﷺ فَاصْبِرْ بعد ظهور أمرك على تبليغ الرسالة وما يلقاك أذى من الكفار كما صبر نوح إِنَّ الْعاقِبَةَ فى الدنيا بالظفر وفى الاخرة بالفوز لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) عن الشرك والمعاصي الجملة تعليل للصبر وعدم الجزع والاستعجال-. وَإِلى عادٍ عطف على قوله الى نوح يعنى وأرسلنا الى عاد أَخاهُمْ فى النسب هُوداً عطف بيان قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) على الله باتخاذ الأوثان شركاء له فى العبادة وجعلها شفعاء. يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على تبليغ الرسالة أَجْراً يمنعكم ثقل ادائه عن قبول الرسالة- او يبعثنى طمعه على الكذب إِنْ أَجْرِيَ قرا نافع وابن عامر وابو عمرو وحفص بفتح الياء والباقون بإسكانها- يعنى ما ثوابى إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي اى خلقنى قرا نافع والبزىّ بفتح الياء والباقون بإسكانها أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) اى أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا ان من هذا شأنه يجب تصديقه. وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ يعنى اطلبوا منه تعالى مغفرة ما سلف منكم من الشرك والمعاصي. وذلك بالإسلام فان الإسلام يهدم ما كان قبله- رواه مسلم عن عمرو بن العاص فى حديث مرفوع ثُمَّ تُوبُوا اى ارجعوا إِلَيْهِ اى الى ربكم بطاعته وترك عبادة غيره يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً كثير الدر أي السيلان وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ اى يضاعف قوتكم وذلك ان الله حبس عنهم المطر ثلاث سنين- واعقم أرحام نسائهم كما ذكرنا القصة فى سورة الأعراف- فقال لهم هو دان تستغفروا ربكم وتوبوا اليه يرسل «١» الله

стр. 1818

عليكم المطر فتزدادون مالا- ويعيد أرحام النساء فيلدن أولادا فتزدادون قوة بالأموال والأولاد- وقيل تزدادون قوة الى قوة بدنكم وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) عطف على استغفروا- يعنى لا تعرضوا عما دعوتكم اليه مصرين على جرائمكم-. قالُوا يعنى قومه يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ اى بحجة تدل على صحة دعواك- وذلك لفرط عنادهم بعد ما جاءهم به من المعجزات وَما نَحْنُ بِتارِكِي عبادة آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ اى بقولك فهو صلة- او صادرين عن قولك فهو حال من الضمير فى تاركي وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) اى بمصدقين اقناط من الاجابة والتصديق. إِنْ نَقُولُ اى ما نقول قولا إِلَّا قولنا هذا اعْتَراكَ من عراه يعروه إذا أصابه يعنى أصابك بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ اى بجنون وخبل حتّى تتكلم بالخرافات- وذلك انك تسبّ الهتنا وتمنع عن عبادتهم فانتقم بعضهم منك بالتخبيل- وجاز ان يكون معناه ما نقول فى حقك قولا الا قولنا اعتراك يعنى سيعتريك بعض الهتنا لاجل سبك إياهم بسوء اى باضرار وإهلاك- عبر عن المستقبل بالماضي مبالغة فى التحقيق والتهديد يعنى انه واقع لا محالة كانه وقع- وهذا التأويل يناسب قول هود فى الجواب حيث قالَ إِنِّي قرا نافع بفتح الياء والباقون بإسكانها أُشْهِدُ اللَّهَ على وَاشْهَدُوا أنتم يا قوم أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) به. مِنْ دُونِهِ يعنى من الأوثان لا أعبدهم ولا أخاف منهم أصلا فَكِيدُونِي فاحتالوا فى اضرارى وإهلاكي أنتم وشركاؤكم جَمِيعاً مجتمعين يعين بعضكم بعضا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) اى لا تمهلونى- فيه استهانة لهم وثقة بالله تعالى واظهار لعجز الهتهم- فانها حجارة لا تضرو لا تنفع وفيه معجزة فانهم بعد هذه المقالة عجزوا عن آخرهم وهم الأقوياء الأشداء الجبابرة العطّاش الى اراقة دمه من ان يضروه. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ اى اعتمدت عليه ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ يعنى الله سبحانه آخِذٌ بِناصِيَتِها الاخذ بالناصية تمثيل لقهر القاهر على المقهور وذل المقهور بين يديه يتصرف فيه كيف يشاء- قال البغوي خص الناصية بالذكر لان العرب يستعمل ذلك إذا وصف

стр. 1819

إنسانا بالذلة فيقول ناصية فلان بيد فلان- قال الضحاك يعنى يميتها ويحييها- وقال الفراء مالكها والقادر عليها وقال القتيبي يقهرها لان من أخذت بناصية فقد قهّرته إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) يعنى انه على الحق والعدل فيجازى المحسن على إحسانه والمسيء على عصيانه ولا يضيع عنده معتصم به ولا يفوته. فَإِنْ تَوَلَّوْا حذفت احدى التاءين يعنى ان تعرضوا عمّا دعوتكم اليه فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ يعنى ان أعرضتم يهلككم الله- ويستبدل بكم قوما غيركم أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه- حيث لم يبق لكم عذر بعد ما أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ولا بأس به علىّ فانى قد ادّيت ما علىّ من البلاغ وَلا تَضُرُّونَهُ تعالى باعراضكم شَيْئاً من الضرر انما تضرون أنفسكم- وقيل معناه لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم لان وجودكم وعدمكم عنده سواء إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) رقيب لا يخفى عليه ما تصنعون ولا يغفل عن مجازاتكم او حافظ مستول على كل شيء فلا يمكن ان يضره شيء-. وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا بالعذاب او عذابنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وكانوا اربعة آلاف بِرَحْمَةٍ بنعمة مِنَّا اى بفضل منا لا بعملهم او بالايمان الّذي أنعمنا عليهم وَنَجَّيْناهُمْ كرر نجينا للتأكيد والتعظيم والتهويل مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وهو الريح الّتي أهلك بها عادا- وقد مر قصتها فى سورة الأعراف. وَتِلْكَ عادٌ انث اسم الاشارة باعتبار القبيلة- وقيل اشارة الى اثار عاد يعنى فسيحوا فى الأرض وانظروا إليها ثم وصف إليها أحوالهم فقال جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ كفروا بها وَعَصَوْا رُسُلَهُ يعنى هودا وغيره من المرسلين فان كلهم يدعون الى التوحيد ويصدق بعضهم بعضا فعصيان واحد منهم عصيان بجميعهم وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ متكبر عَنِيدٍ (٥٩) لا يقبل الحق يقال عند الرجل يعنه عنودا إذا ابى ان يقبل الشيء وان عرفه- وقال ابو عبيد العنيد والعنود والمعاند المعارض لك بالخلاف- يعنى اتبعوا كبراءهم الطاغين يعنى عصوا من دعاهم الى الايمان وتركوا ما

стр. 1820

ينجيهم وأطاعوا من دعاهم الى الكفر وأتوا بما يهلكهم. وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً اى دعاء باللعنة من الناس والملائكة وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ايضا يتبعون باللعن من الله تعالى اى جعلت اللعنة تابعة لهم فى الدارين واللعنة هى الابعاد والطرد عن الرحمة أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ اى جحدوه او كفروا نعمه فحذف الجار أَلا بُعْداً لِعادٍ قيل بعدا من رحمة الله وقيل هلاكا- قال البغوي للبعد معنيان أحدهما ضد القرب والاخر بمعنى الهلاك- وكذا فى القاموس والجملة دعاء عليهم باللعن والهلاك والمراد به الدلالة على انهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكى عنهم- وانما كرر الا وأعاد ذكرهم تفظيعا لامرهم وحثّا على الاعتبار بحالهم قَوْمِ هُودٍ (٦٠) عطف بيان وفائدته الإيماء الى ان استحقاقهم البعد بما جرى بينهم وبين هود ﵇. وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ اى بدا خلقكم مِنَ الْأَرْضِ يعنى خلقكم من آدم وآدم من التراب وَاسْتَعْمَرَكُمْ يعنى عمّركم واستبقاكم من العمر- وقال الضحاك أطال عمركم حتّى كان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة الى الف سنة- وكذلك قوم عاد فِيها اى فى الأرض- وقيل معناه قدركم على عمارتها وجعلكم عمّارها وسكانها وقال مجاهد استعمركم من العمرى اى جعلها لكم ما عشتم ويرثها منكم بعد انصرام اعماركم- او جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها لغيركم فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ من عباده قربا لا كيف له حتّى أفاض عليهم الوجود- او قريب بالذات بلا كيف او بالرحمة لاوليائه مُجِيبٌ (٦١) لدعائهم. قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا اى كنا نرجوا ان تكون سيدا فينا- وقيل اى كنا نرجوا ان توافقنا فى الدين وتعود الى ديننا قَبْلَ هذا القول يعنى دعائك ايّانا الى ترك عبادة الأوثان- فلمّا سمعنا منك هذا القول انقطع رجاءنا عنك أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا على حكاية الحال الماضية وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد والتبرّى عن الأوثان مُرِيبٍ (٦٢) اى ذى ريبة على الاسناد المجازى

стр. 1821

من اراب فى الأمور- او موقع فى الريبة من ارابه إذا أوقعه فى الريبة وهى قلق النفس وانتفاء الطمأنينة. قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ اى بيان وبصيرة مِنْ رَبِّي ادخل حرف الشك باعتبار المخاطبين- وجاز ان يكون ان مخففة من المثقلة اسمه ضمير الشان او ضمير المتكلم محذوفا يعنى انّى كنت او انّه اى الشأن كنت على بيّنة من ربّى وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً اى نبوة وحكمة فَمَنْ يَنْصُرُنِي يمنعنى مِنْ عذاب اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فى تبليغ رسالته والمنع عن الإشراك به فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) اى غير ان تخسرونى بابطال ما منحنى الله به والتعريض لعذابه- وقال الحسين بن الفضل لم يكن صالح فى خسارة حتّى قال فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ- وانما المعنى ما تزيدوننى بما تقولون الا نسبتى ايّاكم الى الخسارة فان التفسيق والتفجير فى اللغة النسبة الى الفسق والفجور فكذلك التخسير النسبة الى الخسران- وقال ابن عباس معناه ما تزيدوننى غير بصارة فى خسارتكم-. وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً انتصبت اية على الحال وعاملها معنى الاشارة ولكم حال منها تقدمت عليها لتنكيرها- وذلك ان قومه طلبوا منه ان يخرج من صخرة معينة ناقة عشراء اية لنبوته- فدعا صالح فخرجت منها ناقة وولدت فى الحال مثلها وقد مرت القصة فى سورة الأعراف فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ترع نباتها وتشرب ماءها ليس عليكم مؤنتها وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ ان مسّستموها بسوء عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فى ثلاثة ايام. فَعَقَرُوها يعنى عقر بامرهم قذار بن سالف فَقالَ لهم صالح تَمَتَّعُوا عيشوا فِي دارِكُمْ اى فى الدنيا او فى بلدكم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ الأربعاء والخميس والجمعة تصبحون اليوم الاول ووجوهكم مصفرة وفى اليوم الثاني محمرة وفى الثالث مسودة ثم تهلكون ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) اى غير مكذوب فيه- اجرى الظرف مجرى المفعول به مجازا- او وعد غير كذب على انه مصدر كالمجلود والمعقول- او غير مكذوب على المجاز على ان الواعد كانّه قال له أفي بك فان وفى به صدقه والا كذبه- فكان كما وعد- وأتاهم العذاب فى اليوم الرابع. فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا

стр. 1822

مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ يعنى ونجيناهم من خزى يومئذ وهو هلاكهم بالصيحة بغضب الله- قرا ابو جعفر ونافع والكسائي هاهنا وفى المعارج من عذاب يومئذ بفتح يوم على اكتساب المضاف البناء من المضاف اليه والباقون بالكسر جرّا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) القادر على كل شيء والقاهر عليه. وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا اى كفروا الصَّيْحَةُ وذلك ان جبرئيل صاح صيحة واحدة- وقيل أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء فى الأرض- فتقطعت قلوبهم فى صدورهم فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) صرعى هلكى. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا اى لم يقيموا فِيها اى فى ديارهم أَلا إِنَّ ثَمُودَ قرا حفص ويعقوب وحمزة هنا والفرقان والنجم بفتح الدال من غير تنوين ووقفوا بغير الف والباقون بالتنوين ووقفوا بالألف عوضا عنه كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) قرا الكسائي ثمود بكسر الدال مع التنوين والباقون بفتح الدال من غير تنوين-. وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا من الملائكة قال ابن عباس وعطاء كانوا ثلاثة جبرئيل وميكائيل واسرافيل- وقال محمّد بن كعب كان جبرئيل ومعه سبعة- وقال الضحاك كانوا تسعة وقال مقاتل كانوا اثنى عشر ملكا- وقال السدى كانوا أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى اى بالبشارة بإسحاق ويعقوب وقيل باهلاك قوم لوط قالُوا سَلاماً اى نسلم عليك سلاما- ويجوز نصبه بقالوا على معنى ذكروا سلاما قالَ سَلامٌ اى «١» أمركم او جوابى سلام- او عليكم سلام رفعه اجابة بأحسن من تحيتهم- فانه جملة اسمية يدل على الدوام والاستمرار بخلاف الفعلية- قرا حمزة والكسائي هاهنا وفى الذاريات سلم بكسر السين بلا الف وهما لغتان نحو حلّ وحلال وحرم وحرام- وقيل المراد به الصلح اى نحن صلح لكم غير حرب فَما لَبِثَ اى فما ابطا ابراهيم أَنْ جاءَ اى فى ان- او ما تأخر عن المجيء والجار مقدر او محذوف- وجاز ان يكون ان جاء فى محل الرفع على الفاعلية يعنى فما ابطا مجيء ابراهيم بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) اى مشوى على الحجارة- فى القاموس الشاة يحنذها حنذا او تحناذا شواها وجعل فوقها حجارة محماة لتنضجها فهى حنيذ- وقيل الحنيذ ما تقطر ودكا من حنذت الفرس إذ عرقته بالجلال- وفى القاموس الفرس إذا ركضه وأعداه شوطا او

стр. 1823

شوطين ثم ظاهر عليه الجلال فى الشمس ليعرق فهو حنيذ- فعلى هذا معناه السمين مجازا فيوافق قوله تعالى فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قال قتادة كان عامة مال ابراهيم البقر. فَلَمَّا رَأى ابراهيم أَيْدِيَهُمْ اى الرسل لا تَصِلُ إِلَيْهِ يعنى لا يمدون اليه أيديهم ولا يأكلون نَكِرَهُمْ يعنى انكرهم قال البيضاوي نكر وأنكر واستنكر بمعنى- وفى القاموس التّنكّر التّغيّر عن حال تسرك الى حال تكرهها وَأَوْجَسَ يعنى أحس وأضمر كذا فى القاموس- وقال مقاتل وقع فى قلبه وقال البغوي اصل الوجوس الدخول كانّ الخوف دخل قلبه مِنْهُمْ اى من الأضياف حين لم يأكلوا خِيفَةً خوفا قال قتادة وذلك انهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا انه لم يأت بخير وانما جاء بشر- قيل وذلك لانه كان عادتهم انه إذا مس من يطرقهم طعامهم امنوه والا خافوه- فخاف ان يريدوا به مكروها وظنهم لصوصا- والظاهر انه أحس بانهم ملائكة وخاف ان يكون نزولهم لامر أنكره الله عليه- او لتعذيب قومه قالُوا يا ابراهيم لا تَخَفْ إِنَّا ملائكة الله أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) بالعذاب. وَامْرَأَتُهُ سارة بنت هاران بن ناخور وهى ابنة عم ابراهيم ﵇ قائِمَةٌ من وراء الستر تسمع كلامهم وقيل كانت قائمة تخدم الأضياف وابراهيم جالس معهم فَضَحِكَتْ قال مجاهد وعكرمة اى حاضت فى الوقت- تقول العرب ضحكت الأرنب اى حاضت وكذا فى القاموس ويقال ضحكت السمرة إذا سال صمغها- والأكثرون على ان المراد منه الضحك المعروف واختلفوا فى سبب ضحكها- قيل ضحكت سرورا بزوال الخوف عنها وعن ابراهيم حين قالوا لا تخف- وقال السدى لمّا قرب ابراهيم الطعام إليهم فلم يأكلوا فخاف ابراهيم وظنهم لصوصا- فقال أَلا تَأْكُلُونَ- قالوا انا لا نأكل الطعام الا بثمن- قال ابراهيم فان له ثمنا- قالوا وما ثمنه- قال تذكرون اسم الله على اوله وتحمدونه على آخره- فنظر جبرئيل الى ميكائيل ﵉ وقال حق لهذا ان يتخذه ربه خليلا- فلما راى ابراهيم وسارة أيديهم لا تصل اليه ضحكت سارة- وقالت يا عجبا لاضيافنا انا نخدمهم بانفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا- وقال قتادة ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم- وقيل ضحكت لاصابة رأيها فانها كانت تقول لابراهيم اضمم إليك لوطا فانى اعلم

стр. 1824

ان العذاب ينزل بهذا القوم- وقال مقاتل والكلبي ضحكت من خوف ابراهيم من ثلاثة وهو فيما بين خدمه وحشمه- وقيل ضحكت سرورا بالبشارة بالولد وولد الولد او بهلاك اهل الفساد وقال ابن عباس ووهب ضحكت تعجبا من ان يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها- وعلى هذا القول يكون فى الاية تقديم وتأخير تقديره وامرأته قائمة فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) فضحكت- قرا ابن عامر وحمزة وحفص يعقوب «١» بالنصب بفعل مضمر يفسره ما دل عليه الكلام- وتقديره ووهبناها من وراء اسحق يعقوب- وقيل انه معطوف على موضع بإسحاق او على لفظ إسحاق وفتحته للجر فانه غير منصرف- ورد للفصل بينه وبين ما عطف عليه بالظرف- والباقون بالرفع على انه مبتدا خبره الظرف اى ويعقوب مولود من بعد إسحاق- وقيل تقديره ومن بعد إسحاق يولد يعقوب- وقيل الوراء ولد المولد ولعله سمى به لانه بعد الولد- وعلى هذا إضافته الى إسحاق ليس من حيث ان يعقوب وراءه بل وراء ابراهيم من جهته- قال البيضاوي فيه نظر والاسمان يحتمل وقوعهما فى البشارة كيحيى- ويحتمل وقوعهما فى الحكاية بعد ان ولدا فسميا به- وتوجيه البشارة إليها وتخصيصها بها للدلالة على ان الولد المبشر به يكون منها- ولان النساء تكون أعظم سرورا بالولد من الرجال- ولانها كانت عقيمة حريصة على الولد فبشرت بالولد وولد الولد «٢» وعلى انها يعيش ولدها حتّى يولد له وتعيش هى حتّى ترى ولد ولدها- فلما بشرت بالولد صكت وجهها اى ضربت تعجبا و. قالَتْ يا وَيْلَتى يا عجبا أصله كلمة ندبة يقال فى الشر- فاطلق فى امر فظيع وعند رؤية ما يتعجب منه والالف مبدلة من ياء الاضافة يدل عليه قراءة الحسن يويلتى بالياء على الأصل- وقيل الالف الف الندبة أصله يا ويلتاه أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ كانت ابنة تسعين سنة فى قول ابن إسحاق وتسع وتسعين سنة فى قول مجاهد وَهذا بَعْلِي زوجى وأصله القائم بالأمر شَيْخاً ابن مائة وعشرين سنة فى قول ابن إسحاق ومائة سنة فى قول مجاهد- وكان بين البشارة والولادة سنة- ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الاشارة إِنَّ هذا يعنى الولد من الهرمين لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) يعنى خلاف العادة. قالُوا يعنى الملائكة منكرين عليها فى الاستعجاب

стр. 1825

أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ اى من قضائه وقدرته- فان الله إذا أراد شيئا كان- فان قيل العجب حالة يعترى للانسان عند رؤية امر بديع مخالف للعادة والأمر كذلك- وكونه مقدورا الله تعالى لا ينافى الاستعجاب- إذ كل شيء مقدور لله تعالى وان كان بديعا مخالفا للعادة فما وجه انكارهم عليها فى الاستعجاب- قلنا خوارق العادات باعتبار اهل بيت النبوة ومهبط المعجزات وتخصيصهم لمزيد النعم والكرامات ليس ببديع- ولا حقيق بان يستغربه عاقل فضلا عن من نشأت وشابّت فى ملاحظة الآيات رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ قيل هذا على معنى الدعاء من الملائكة- وقيل على معنى الخبر- والرحمة النعمة او المحبة من الله والبركة النماء والزيادة فى كل خير- وقيل الرحمة النبوة- والبركات الأسباط من بنى إسرائيل لان أنبياء بنى إسرائيل منهم وكلهم من أولاد سارة- وجملة رحمة الله وبركاته مستأنفة فى مقام التعليل للانكار على التعجب- كانه قيل إياك والتعجب فان أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله تعالى عليكم- هذا على تقدير كونه خبرا أَهْلَ الْبَيْتِ منصوب على المدح او النداء لقصد التخصيص كقوله اللهم اغفر لنا أيتها العصابة- وفى الاية رد على الروافض حيث لا يزعمون ازواج النبي ﷺ من اهل البيت مع ان اهل البيت من حيث اللغة هى الأزواج وغيرهن اتباع لهن إِنَّهُ حَمِيدٌ فاعل ما يستوجب به الحمد مَجِيدٌ (٧٣) فى الصحاح المجد السعة فى الكرم والجلالة- والكرم يوصف به الله تعالى لاحسانه وانعامه المتظاهرة- ويوصف به الإنسان للاخلاق والافعال المحمودة الّتي تظهر منه- ولا يقال هو كريم حتّى يظهر ذلك منه- قال البغوي واصل المجد الرفعة- وقال البيضاوي كثير الخير والإحسان وفى القاموس المجيد الرفيع العالي والكريم والشريف الفعّال-. فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ اى الخوف والفزع وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بإسحاق ويعقوب بدل الروع يُجادِلُنا جواب للماجئ به مضارعا على حكاية الحال- او لانه فى سياق الجواب بمعنى الماضي كجواب لو- او دليل جوابه المحذوف مثل اجترى على خطابنا او شرع فى جدالنا- او متعلق بجواب محذوف أقيم مقامه مثل أخذ او ظل او اقبل
следующие страницы →