← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

غضبه الله نِّي خَشِيتُ علة المنهي يعنى لو أنكرت عليهم بالقتال لصاروا أحزابا يتقاتلون نْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) اى لم تحفظ وصيتي الّتي قلت لك اخلفني في قومى وأصلح- فانه يدل على الرفق إذا الإصلاح ينافى اراقة الدعاء ثم اقبل موسى على السامرىّ و. قالَ فَما خَطْبُكَ قال البيضاوي مصدر من خطب الشيء يخطبه إذا طلبه يعنى ما طلبك اى مطلوبك بهذا الفعل يعنى غرضك الّذي حملك عليه وفي النهاية ما خطبك اى ما شأنك وحالك والخطب الأمر الّذي يقع فيه المخاطبة والشأن والحال- وفي القاموس الخطب الشان والأمر عظم او صغر يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ قرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً وهو المرة من القبض اطلق على المقبوض اى من تراب قبضت مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ اى من اثر فرس جبرئيل ﵇ فَنَبَذْتُها اى ألقيتها في فم العجل- قال بعضهم انما خاد لكون التراب ماخوذا من حافر فرس جبرئيل وانما عرفه لان امه لمّا ولدته (فى السنة الّتي كان فرعون يقتل فيها البنين من بنى إسرائيل) وضعته في الكهف حذرا عليه فبعث الله جبرئيل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة- فكان جبرئيل يغدوه حتى استقل وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي اى زيّنت وحسّنت لى نَفْسِي (٩٦) ان افعله ففعلته. قالَ له موسى فَاذْهَبْ اى ان فعلت ذلك فاذهب من عندى فَإِنَّ لَكَ الفاء للسببية يعنى اذهب لان لك فِي الْحَياةِ الدنيا مادمت حيّا عقوبة من الله على ما فعلت أَنْ تَقُولَ لكل من رايته لا مِساسَ علم للمسة كفجار يعنى لا تمسنى ولا تقربنى. قلت لعل ذلك لاجل وحشة القى الله تعالى في قلبه فكان لا يستانس من أحد وقيل كان إذا مس أحدا او مسه أحد حمّا جميعا ولذلك كان يقول ذلك- فكان في البرية طريدا وحيدا كالوحشى النافر حتى مات- وقال البغوي امر موسى بنى إسرائيل ان لا يخالطوه ولا يقربوه فقال ابن عباس لامساس لك ولولدك وَإِنَّ لَكَ يا سامرىّ مَوْعِداً من الله بعذاب الاخرة لَنْ تُخْلَفَهُ قرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب بكسر اللام على البناء للفاعل اى لن تغيب ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة وجاز ان يكون من أخلفت الموعد إذ وجدته خلفا. وقرأ الآخرون بفتح اللام اى لن يخلفك الله إياه وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ اى ما زعمته

стр. 2382

الها بالباطل الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً اى ظلمت ودمت عليه مقيما فحذفت اللام الاولى تخفيفا لَنُحَرِّقَنَّهُ بالنار او بالمبرد على انه مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد وقرأ ابو جعفر بالتخفيف من من الإحراق ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ اى لنذرينه رمادا او مبرودا فِي الْيَمِّ اى البحر نَسْفاً (٩٧) فلا بصادف منه شيء ففعل موسى ذلك لاظهار غباوة المفتتنين به لمن له ادنى نظر. إِنَّما إِلهُكُمُ المستحق لعبادتكم اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا أحد يماثله او يدانيه في كمال العلم والقدرة وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) تميز عن النسبة يعنى وسع علمه كل شى لا العجل الّذي يصاغ ويحرق وان كان حيّا في نفسه كان مثلا في الغباوة. كَذلِكَ صفة لمصدر محذوف لقوله نَقُصُّ عَلَيْكَ يعنى نقض عليك اقتصاصا مثل اقتصاصنا قصة موسى مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ اى من اخبار الأمور السابقة والأمم الماضية تبصرة لك وزيادة في علمك وتكثيرا لمعجزاتك وتنبيها للمستبصرين من أمتك وَقَدْ آتَيْناكَ حال من فاعل نقص مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) اى قرانا مشتملا على هذه الأقاصيص والاخبار حقيقا بالتفكر والاعتبار والتنكير فيه للتعظيم وقيل معناه قد أعطيناك من لدنا ذكرا جميلا وصيتا عظيما بين الناس- او المعنى جعلنا ذكرك مقرونا بذكرى في الاذان والاقامة والتشهد وغير ذلك. مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ صفة لذكرا او مستانفة يعنى من اعرض عن القران فلم يومن به ولم يعمل بما فيه او عن ذكرك وقيل عن الله فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) اى حملا ثقيلا من الذنوب وقد مر في سورة مريم في تفسير قوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ما اخرج ابن ابى حاتم عن عمرو بن قيس الملائى وفيه ان الكافر استقبله عمله القبيح في أقبح صورة وأنتن ريح فيقول افلا تعرفنى قال لا الا ان الله قبح صورتك وأنتن ريحك فيقول كذلك كنت في الدنيا انا عملك السيء طال ما ركبتنى وانا أركبك اليوم وتلا وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم- او المعنى يحمل عقوبة ثقيلة سماها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الّذي يقدح الحامل وينقض ظهره. خالِدِينَ فِيهِ اى جزاء الوزر او في حمله

стр. 2383

حال من فاعل يحمل- والجمع فيه والتوحيد في يحمل نظرا الى معنى من ولفظها وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) تميز عن ضمير مبهم في ساء والمخصوص بالضم محذوف اى ساء حملا وزرهم واللام في لهم للبيان- وجاز ان يكون معنى الاية انه يحمل على عاتقه ما أخذ من عرض الدنيا بغير حق قال رسول الله ﷺ لا يأخذ أحدكم شيئا بغير حقه الا لقى الله يحمله يوم القيامة فلا اعرفن أحدا منكم لقى الله يحمل بعيرا له رغاء وبقرة له خوار وشاة يتّعر- رواه الشيخان في الصحيحين في حديث عن ابى حميد الساعدي في أخذ العامل شيئا من الصدقات وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ من ظلم قدر شبر من ارض طوقه يوم القيمة من سبع ارضين- واخرج الطبراني عن الحكم بن الحارث السلمى قال قال رسول الله ﷺ من أخذ من طريق المسلمين شبرا جاء به يحمله من سبع ارضين. واخرج احمد والطبراني عن يعلى بن مرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلف الله ان يحفره حتى يبلغ اخر سبع ارضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس- واخرج الطبراني عن انس قال قال رسول الله ﷺ من ظلم شبرا من الأرض جاء يوم القيامة مطوّتا من سبع ارضين- وكذا اخرج احمد والطبراني عن ابى مالك الأشعري واخرج احمد والشيخان عن ابى هريرة قال قام رسول الله ﷺ فعظم الغلول وامره ثم قال ألا لا الفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعيرته رغاء فيقول يا رسول الله أعنّي أقول لا املك لك من الله شيئا قد أبلغتك- فذكر الحديث نحوه وفيه على رقبته فرس لها حمجة على رقبته شاة لها شفاء على رقبته واخرج ابو يعلى والبزار عن عمر ابن الخطاب نحوه- وكذا ورد في سعاة الصدقة إذ اغلوّا منها حديث سعد بن عبارة وهلب عند احمد وحديث ابن عمرو عائشة عند البزار وابن عباس وعبادة بن الصامت وابن مسعود عند الطبراني واخرج الطبراني وابو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ من بنى بناء فوق ما يكفيه كلف ان يحمله على عاتقه واخرج ابو داود وابن ماجة والطبراني بسند جيد عن انس ان النبي ﷺ مرّ بقبة لرجل من الأنصار فقال

стр. 2384

كل بناء اكثر من هذا (وأشار بيده على راسه) فهو وبال على صاحبه يوم القيامة فبلغ صاحب القبة فهدمها- واخرج الطبراني نحوه من حديث واسلة بن الأسقع قال المندرى وله شواهد واخرج الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود ان النبي ﷺ مر على بئر يسقى عليها فقال ان صاحب هذا البئر يحملها يوم القيمة ان لم يؤد حقها-. يَوْمَ يُنْفَخُ قرأ ابو عمرو بالنون المفتوحة وضم الفاء على صيغة المتكلم المعروف- والباقون بالياء المضمومة وفتح الفاء على صيغة الغائب المجهول فِي الصُّورِ عن ابن عمران اعرابيّا سال النبي ﷺ عن الصور فقال قرن ينفخ فيه رواه ابو داود والترمذي وحسنه النسائي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وابن المبارك وكذا اخرج مسدد عن ابن مسعود وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) حال من المجرمين اى زرق العيون والزرقة هى الخضرة في سواد العين وصفهم بذلك لانه أسوأ ألوان العين وأبغضها الى العرب- لان الروم كانوا اعداء أعدائهم وهم كانوا زرق العيون فيحشر الكافر زرق العيون سود الوجوه وقيل المراد بقوله زرقا عميا لان حدقة الأعمى تزرق- وهذا التأويل يوافق قوله تعالى وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى - وقيل المراد عطاشا. يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ حال من المجرمين او مستانفة يتكلمون بينهم خفية لما ملا صدورهم من الرعب والهول إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً (١٠٣) مفعول ليتخافتون يعنى يتكلمون سرّا ما لبثتم في الدنيا زمانا الا عشر ليال يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا لزوالها او لاستطالتهم مدة الاخرة او لتاسّفهم عليها لما عاينوا الشدائد وعلموا انهم استحقوها على اضاعتها في قضاء الأوطار واتباع الشهوات- وقيل ما لبثتم في القبور الا عشرا- وقيل بين النفختين وهو أربعون سنة لان العذاب يرفع عنهم بين النفختين وجاز ان تكون جملة ان لبثتم بتقدير يقولون عطف بيان او بدلا من يتخافتون او خالا من فاعله. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ فيه جملة معترضة يعنى ليس الأمر كما قالوا إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً اى أوفاهم عقلا واعدلهم قولا او عملا إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً (١٠٤) رحج الله تعالى قول هذا القائل لكون مدة عمر الدنيا بالنسبة الى طول الاخرة او لوجوه اخر اقل من نسبة عشر ليال

стр. 2385

الى عمر الدنيا والله اعلم- قال البغوي قال ابن عباس سأل رجل من ثقيف رسول الله ﷺ فقال كيف تكون الجبال يوم القيمة فانزل الله. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ واخرج ابن المنذر عن ابن جريح قال قلت قريش كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيمة فانزل الله تعالى فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) وقيل لم يسئل والتقدير وان سالوك فقل ولذلك جئ بالفاء بخلاف سائر الاجوبة حيث قال يسئلونك عن المحيض قل هو أذى- يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير- يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله وغير ذلك والسّف القلع اى يقلعها من أصلها ويفتتها ويجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح. فَيَذَرُها اى يذر مقارها او الأرض واضمارها من غير ذكرها لدلالة الجبال عليها قاعاً فى القاموس اى أرضا سهلا مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام صَفْصَفاً (١٠٦) فى القاموس اى مستويا يعنى كان اجزاؤها على صف واحد. لا تَرى فِيها عِوَجاً اى اعوجاجا وَلا أَمْتاً (١٠٧) اى لانتوا ان تأملت فيها بالمقياس الهندي ثلاثتها احوال مرتبة فالاولان باعتبار الاحساس والثالث باعتبار المقياس- قيل لا ترى استيناف مبين للحالين قال مجاهد اى لا ترى انخفاضا ولا ارتفاعا قال الحسن العوج ما انخفض من الأرض والامت ما نشر من الروابي. يَوْمَئِذٍ اى يوم إذا نسفت على اضافة اليوم الى وقت النسف ظرف لقوله يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ جملة مستأنفة او بدل ثان من يوم القيمة اى يتبعون صوت الداعي الّذي يدعوهم الى المحشر وهو اسرافيل ﵇ يدعو الناس قائما على صخرة بيت المقدس فيقول يا ايها العظام النخرة والجلود المتمزّقة والاشعار المنقطعة ان الله يأمرك ان تجمعى لفصل الخطاب كذا اخرج ابن عساكر عن زيد بن جابر الشافعي لا عِوَجَ لَهُ اى لا يعوج له مدعوّ ولا يعدل عنه اى لاعوج لدعائه وهو من المقلوب اى لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه يمينا وشمالا اى لا يقدرون على العدول عنه بل يتبعونه سراعا وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ اى خضعت يعنى تخضع لمهابة الرّحمن حال من فاعل يتبعون بتقدير قد او عطف على يتبعون يعني وتخشع الأصوات للرحمن فَلا تَسْمَعُ الفاء للسببية والخطاب لمخاطب غير معين إِلَّا هَمْساً (١٠٨) اى صوتا خفيّا كصوت اخفاف الإبل في المشى قال البغوي قال مجاهد هو

стр. 2386

تخافت الكلام وخفض الصوت وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تحريك الشفاه من غير منطق- واخرج ابن ابى حاتم من طريق ابى طلحة عن ابن عباس قاعا مستويّا صفصفا لا نبات فيه عوجا واديا امتا رابية وخشعت الأصوات سكنت همسا الصوت الخفي واخرج من وجه اخر عنه قال أرضا مبلساء لا ترى فيها ابنية مرتفعة ولا انخفاضا واخرج من وجه اخر عنه قال همسا صوت وطى الاقدام يعنى صوت أقدام الناس إذا نقلوا الى المحشر. يَوْمَئِذٍ اى يوم إذا كان كذلك لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ جملة مستانفة اى لا تنفع شفاعة أحد أحدا إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ الاستثناء من الشفاعة اى الا شفاعة من اذن له الرّحمن او من أعم المفاعيل اى الا من اذن الرحمن في ان يشفع له فان الشفاعة تنفعه له فمن على الاول مرفوع على البدلية وعلى الثاني منصوب على انه المفعول له وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) ورضى لمكانه عند الله قوله في الشفاعة او رضى له قول الشافع في شأنه او قوله لاجله وفي شأنه- قال ابن عباس يعنى قال لا اله الا الله- قلت هذا تفسير لمن تنفع شفاعة الشافعين له. يَعْلَمُ اى الرحمن ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ اى ما بين أيدي الشافعين ومشفوعين لهم وَما خَلْفَهُمْ يعنى ما تقدم من أحوالهم في الدنيا وفي القبور وما يستقبلونه في الاخرة والجملة حال من الرحمن وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) تميز من النسبة اى لا يحيط علمهم بمعلوماته تعالى وقيل بذاته وقيل الضمير لاحد الموصولين او لمجموعهما فانهم لم يعلموا جميع علومه تعالى-. وَعَنَتِ اى ذلت وخضعت خضوع العناة- وهم الأسارى في يد الملك القهار عنى يعنى عناء نصب وتعناه تحشمها قال البغوي ومنه العاني للاسير الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الّذي لا يموت ويصلح له فان كلمّا كان حياته جائز الزوال فهو ميت في حد ذاته الْقَيُّومِ القائم على كل نفس بما كسبت والقائم بتدبير الخلق- والمراد بالوجوه أصحابها وظاهرها العموم ويجوز ان يراد بها وجوه المجرمين فيكون اللام بدل الاضافة ويؤيد قوله تعالى وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) اى شركا قال ابن عباس خسر من أشرك بالله- والجملة معترضة او مستأنفة لبيان ما لاجله عنت وجوههم. ويحتمل ان يكون حالا من الوجوه- وقال طلق بن حبيب المراد بالعناء السجود للحى القيوم- قلت وعلى هذا معنى الاية سجدت الوجوه

стр. 2387

للحى القيوم وقد خاب من الشرك ولم يسجد له- وجملة عنت الوجوه معطوفة على خشعت او حال من فاعله بتقدير قد. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ شرط وكلمة من للتبعيض اى بعض الصالحات يعنى الفرائض منها وجاز ان يكون من للابتداء والتقدير ومن يعمل عملا كائنا من النيات الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ حال من الضمير المرفوع في يعمل يعنى ان الايمان شرط لصحة الطاعات وقبول الخيرات فَلا يَخافُ جزاء للشرط قرأ ابن كثير فلا يخف بالجزم والظاهر انه مجذوم على انه جزاء للشرط- وقال البيضاوي وغيره مجزوم على النهى- وقرأ الجمهور فلا يخاف بالرفع اما بناء على انه تعليل لجزاء محذوف والفاء للسببية تقديره من يعمل من الصّلحت وهو مؤمن يفلح لانه لا يخاف- واما خبر لمبتدأ محذوف والجملة الاسمية جزاء للشرط تقديره فهو لا يخاف ظُلْماً اى لا يخاف ان يراد على سيأته وَلا هَضْماً (١١٢) ان ينقض من ثواب حسناته كذا قال ابن عباس وقال الحسن لا ينقص من ثواب حسناته ولا تحمل عليه ذنب مسئ- وقال الضحاك لا يوخذ بذنب من لم يعمله او لا يبطل حسنة عملها- واصل الهضم النقص والكسر ومنه هضم الطعام- والجملة الشرطية معطوفة على عنت الوجوه-. وَكَذلِكَ عطف على قوله وكذلك نقصّ عليك صفة لمصدر محذوف منصوب بقوله أَنْزَلْناهُ الضمير المنصوب راجع الى القران يعنى كما قصصنا عليك أبناء السلف من الأمم الماضية أنزلنا عليك القران انزالا مثل ذلك الانزال في كونه ممّن خلق الأرض والسّموات العلى وفي كونه متضمنا للوعد والوعيد حال كونه قُرْآناً عَرَبِيًّا مقروّا بلسان العرب كله على وتيرة واحدة واسلوب بديع معجز وَصَرَّفْنا اى كررنا فِيهِ مِنَ آيات الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اى لكى يجتنبوا للشرك والمعاصي فيصيرا التقوى ملكة لهم أَوْ يُحْدِثُ ذلك القرآن لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) عظة واعتبارا ما حين يسمعونه فيمنعم عن المعاصي ولو في الجملة- ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم لكون التقوى ملكة لهم والأحداث الى القران- ونسبة الأحداث الى القران مجاز من قبيل الاسناد الى السبب والمعنى يحدث الله لهم بسبب القرآن ذكرا- وقيل كلمة او بمعنى الواو. فَتَعالَى اللَّهُ فيه التفات من التكلم الى الغيبة والفاء للسببية يعنى جل الله وعلا من ان تماثل كلامه كلام غيره كما لا يماثل هو في

стр. 2388

ذاته وفي شيء من صفاته أحدا من خلقه فهو متعال عما يقول فيه المشركون- قلت بل هو متعال ايضا عما يصفه الواصفون الكاملون- اللهم لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك على ما أردت الْمَلِكُ النافذ امره ونهيه القديم سلطانه العظيم العميم قهرمانه الْحَقُّ الثابت وجوده وصفاته وملكوته باقتضاء ذاته لا يحتمل الفساد والزوال وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ اى بقراءته مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ قرأ يعقوب تقضى بالنون المفتوحة وكسر الضاد وفتح الياء على صيغة التعظيم والبناء للفاعل ووحيه بالنصب على المفعولية. والباقون بضم الياء وفتح الضاد على صيغة الغائب المبنى للمفعول ووحيه بالرفع مسندا اليه. نهى عن الاستعجال بقراءة القران قبل ان يفرغ جبرئيل من الإبلاغ- مثل قوله تعالى لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - وقال مجاهد وقتادة معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معانيه- فهى نهى عن تبلغ ما أجمل قبل ان يأتى بيانه وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) يعنى الى ما علمتنى سل زيادة العلم بدل الاستعجال- فان ما اوحى إليك تناله لا محالة-. وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ واللام جواب قسم مقدر يعنى والله لقد أمرنا آدم ووصينا اليه ان لا يأكل من الشجرة- يقال عهد اليه اى أوصاه كذا في القاموس مِنْ قَبْلُ اى من قبل هذا فَنَسِيَ العهد او المعنى فترك ما امر به من الاحتراز عن الشجرة وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) اى جدّا على حفظ ما امر به او صبرا عما نهى عنه والعزم في اللغة عقد القلب على إمضاء الأمر- ومنه فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ- ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ- وإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ- وفي القاموس عزم عليه ويعرّم أراد فعله وقطع عليه أو جدّ في الأمر- وفي النهاية العزم الجدّ والصّبر- قلت عقد القلب على إمضاء الأمر يستلزم الجدّ في إتيانه والصبر على مشاقه- وقيل معنى الاية لم نجد له عزما اى قصدا على كل الشجرة بل أكل ناسيا «١» - يعنى لم يكن له عقد قلب على إمضاء المعصية- ولم نجد ان كان من افعال القلوب بمعنى العلم فله عزما مفعولاه- وان كان من الوجود ضد العدم فعزما مفعول وله حال فيه- او ظرف لغو متعلق بلم نجد- وجملة لقد عهدنا

стр. 2389

قال صاحب الكشاف والبيضاوي وغيرهما انها معطوفة على قوله تعالى وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ- يعنى نقض العهد بعد تصريف الوعيد لهؤلاء ليس امرا مبدعا منهم بل أساس بناء آدم على العصيان وعرقهم راسخ فيه النسيان حيث عهدنا الى آدم من قبل فنسى- روى الترمذي عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته الى يوم القيمة- وجعل بين عينى كل انسان منهم وبيضا من نور ثم عرضهم على آدم فقال اى رب من هؤلاء قال ذريتك فراى رجلا منهم فاعجبه- وبيض ما بين عينيه قال اى رب من هذا قال داود فقال اى ربّ كم جعلت عمره قال ستين سنة قال رب زده من عمرى أربعين سنة- قال رسول الله ﷺ فلما انقضى عمر آدم الا أربعين جاءه ملك الموت فقال آدم اولم يبق من عمرى أربعين سنة قال اولم تعطها ابنك داود فجحد آدم فجحدت ذريته ونسى آدم فاكل من الشجرة فنسيت ذريته وخطا فخطات ذريته- وقال بعض المحققين هذا ليس بسديد لان قوله تعالى صرّفنا يتعلق به كذلك وهو معطوف على قوله وكذلك نقصّ عليك- وذلك اشارة الى حديث موسى- وقصة آدم ﵇ في النسيان ومخالفة الأمر ليس مشابها بحديث موسى ﵇ بل هو معطوف على قوله تعالى وهل اتيك حديث موسى لانه بمعنى قد أتاك وقصة آدم من القصص الماضية والله اعلم-. وَاذكر إِذْ قُلْنا اى اذكر حاله في ذلك الوقت ليتبين لك انه نسى- وهذه الجملة معطوفة على قوله تعالى لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ- لكنه يشكل بان هذه الجملة بتقدير اذكر انشائية وجملة لقد عهدنا خبرية فلا يصلح العطف الّا ان يقال هذا مقدر بنقول يعنى ونقول اذكر إذ قلنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ سبق القول فيه أَبى (١١٦) ان يسجد جملة مؤكدة لما سبق من الكلام- وجاز ان تكون هذه الجملة تعليلا للاستثناء وحينئذ لا يجوز ان يقدر له مفعول والا لزم تعليل الشيء بنفسه بل يجرى الإباء مجرى الفعل اللازم ويكون معناه اظهر الإباء عن المطاوعة. فَقُلْنا لادم وهذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة يعنى فادخلنا آدم الجنة فقلنا له يا آدَمُ إِنَّ هذا يعنى إبليس عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ

стр. 2390

نهى في اللفظ لابليس وفي المعنى نهى لهما ان يتبعاه اى لاتتبعاه فيتسبب إبليس لاخراجكما من الجنة حيث يخرجكما الله تعالى منها بسبب اتباعه وعصيان ربكم- والفاء للسببية إذ العداوة سبب لعدم للاتباع المنهي عنه معنى فَتَشْقى (١١٧) منصوب بعدا الفاء في جواب النهى اى فتتعب وتنصب ويكون عيشك في كدّ يمينك وعرق جبينك يعنى الحرث والذرع والحصد والطحن والخبز قال البغوي روى عن سعيد ابن جبير انه اهبط الى آدم ثور احمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عرجبينه فذلك شقاؤه وافراد الضمير بعد اشراكها في الخروج محافظة للرؤس الاى واكتفاء باستلزام شقائه شقاءها من حيث انه قيم عليها او لان المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش وذلك وظيفة الرجال ويؤيد قوله تعالى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها اى في الجنة وَلا تَعْرى (١١٨) . وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا اى لا تعطش فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) اى لا تبرز للشمس فيوذيك- قال عكرمة لا يصيبك والشمس وأذاها لانه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود- فانه بيان وتذكر لما له في الجنة من اسباب الكفاية واقطاب الكفاف الّتي هى الشبع والري والكسوة والكنّ مستغنيا عن اكتسابها والسعى في تحصيل اعراضها قرأ نافع وابو عمرو انك بكسر الهمزة عطفا على ان لك والباقون بفتح الهمزة عطفا على ان لا تجوع- والعاطف وان ناب عن انّ لكنه ناب من حيث انه حرف عامل لا من حيث انه حرف تحقيق فلا يمتنع دخوله على انّ كما امتنع دخول انّ عليه- او يقال لا يجوز دخول انّ على انّ من غير فصل واما مع الفصل كما في هذه الاية فيجوز يقال انّ في علمى انك قائم وانما عظامك علىّ واجب-. فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ فانهى اليه وسوسته قالَ يا آدَمُ بيان للوسوسة هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ اى الشجرة الّتي من أكل منها خلد ولم يمت أصلا- أضافها الى الخلد وهو الخلود لكونه سببه يزعمه وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) اى لا يزول ولا يضعف. فَأَكَلا يعنى آدم وحواء منها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما اى أخذ يلزقان على سوء آلتهما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ للتستر وهو ورق التين وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ بأكل الشجرة فَغَوى (١٢١) يعنى ضل عن المطلوب وأخطأ طريق الحق وخاب حيث طلب الخلد بأكل الشجرة الّتي هى سبب لضده او عن المأمور به او عن الرشد حيث اغتر بقول العدوّ- وقال ابن الاعرابى اى فسد عليه عيت فار من العزّ

стр. 2391

الى الذّل ومن الراحة الى التعب- قال ابن قتيبة يجوز ان يقال عصى آدم ولا يجوز ان يقال آدم عاص لانه يقال عاص لمن اعتاد فعل العصيان الا ترى انه من خاط ثوبه يقال خاط فلان ولا يقال فلان خياط حتى ويعاد ذلك ويعتاده روى مسلم عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ احتج آدم موسى عند ربهما فحج آدم موسى- قال موسى أنت آدم الّذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملئكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك الى الأرض- قال آدم أنت موسى الّذي اصطفاك الله سبحانه برسالته وبكلامه واعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيّا فيكم وجدت الله كتب التوراة قبل ان اخلق- قال موسى بأربعين عامّا قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ربّه فغوى قال نعم قال أفتلومني على ان عملت عملا كتبه الله علىّ ان أعمله قبل ان يخلقنى بأربعين سنة قال رسول الله ﷺ فحج آدم موسى ورواه البغوي بلفظ قال موسى يا آدم أنت أبونا فاخرجتنا من الجنة- فقال آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده تلومنى على امر قدّره الله علىّ قبل ان خلقنى بأربعين سنة فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسى فان قيل إن كان المراد بقوله نسى انه نسى العهد وفعل ما فعل فكيف ورد في حقه عصى فان الإنسان رفع عنه النسيان- قلنا اما ان يكون رفع النسيان مختصا بهذه الامة كما يدل عليه قوله ﷺ رفع عن أمتي الخطأ. والنسيان وما استكرهوا عليه- رواه الطبراني عن ثوان وعن ابن عمر حيث لم يقل رفع مطلقا كما قال في المجنون وشبهه رفع القلم عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم حتى يستقيظ وعن الصبى حتى يحتلم- كما ذكرنا في سورة البقر في تفسير قوله تعالى رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ان الاية تدل على المؤاخذة على الخطاء والنسيان لم تكن ممتنعا عقلا فان الذنوب كالسموم فكما ان تناول السموم عمدا كان او خطأ يفضى الى الهلاك كذلك الذنوب يفضى الى العقاب لو لم يغفرها الله وان كان بغير عزم- وقال الكلبي كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به او أخطئوا عجلت عليهم العقوبة فحرم عليهم من مطعوم او مشروب على حسب ذلك الذنب- قلت فلذلك حرم على آدم ﵇ مطاعم الجنة ومشاربها- واما ان ان يقال ان حسنات الأبرار سيئات المقربين

стр. 2392

فالخطاء والنسيان إن كان مرفوعا عن الإنسان لا يواخذ بهما في الاخرة بالنار لكن الخواص من الناس لعلو درجتهم مؤاخذون بهما وبما هو ترك الاولى والأفضل لا بالنار في الاخرة بل بالغين على القلوب في الدنيا والهجران من المعاملات قال رسول الله ﷺ انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله في اليوم مائدة مرة- رواه مسلم واحمد وابو داود والنسائي من حديث الأعز المزلّى- قال صاحب المدارك الأنبياء ماخوذون بالنسيان الّذي لو تكلفوا حفظوا (فائده) ومن هاهنا قال بعض العلماء يجوز صدور الصغيرة من الأنبياء قبل النبوة-. ثُمَّ «١» اجْتَباهُ رَبُّهُ اى اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة واصل الكلمة للجمع يقال جبى الخراج جباية والاجتباء افتعال منه فمعناه الاقتراب ويلزمه الاصطفاء فَتابَ عَلَيْهِ اى رجع عليه بالرحمة والعفو وَهَدى (١٢٢) اى هداه الى التوبة حق قال ربّنا ظلمنا أنفسنا الاية- والى مراتب القرب. قالَ الله جملة مستأنفة اهْبِطا مِنْها اى من الجنة خطاب لادم وحوا ولما كان هبوطهما مستلزم لهبوط ذريتهما «٢» فهو خطاب لذريتهما تبعا ولذلك أكد بقوله جَمِيعاً وأورد ضمير الجمع في قوله بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اى لبعضكم عَدُوٌّ عداوة دنيوية ودينية فَإِمَّا ما زائدة للتأكيد أدغمت فيه «٣» نون ان الشرطية يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً اى كتاب ورسول فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) قال البغوي روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال من قرأ القران واتبع ما فيه هداه الله في الدنيا من الضلالة ووقاه يوم القيمة سوء الحساب- وذلك بان الله يقول فمن اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وقال الشعبي عن ابن عباس أجار الله تابع القران من ان يضل في الدنيا ويشقى في الاخرة وقرأ هذه الاية. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي يعنى عن الهدى الذاكر لى والداعي الى عبادتى- فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً اى ضيقا مصدر وصف به للمبالغة ولذلك يستوى فيه المذكر والمؤنث- قال البغوي عن ابن مسعود وابى هريرة وابى سعيد الخدري انهم قالوا هو عذاب القبر- واخرج البن ربسند جيد عن ابى هريرة عن النبي ﷺ

стр. 2393

فانّه له معيشة ضنكا قال عذاب القبر- قال ابو سعيد يضغط حتى يختلف أضلاعه- وفي بعض المسانيد مرفوعا يلتأم عليه القبر حتى يختلف أضلاعه فلا يزال يعذب حتى يبعث- وهو في سنن الترمذي من حديث ابى هريرة وقال الحسن هو الزقوم والزريع والغسلين في النار- وقال عكرمة هو الحرام وقال الضحاك الكسب الخبيث- وعن ابن عباس قال الشقاء- قلت وانما اطلق الضنك على الحرام والكسب الخبيث والشقاء لكونها مفضية الى ضيق المقام في القبر او النار قال الله تعالى في اهل النار إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ- وروى عن ابن عباس انه قال كل مال اعطى العبد قل او كثر فلم يتق فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة وان قوما اعرضوا عن الحق وكانوا اولى سعة من الدنيا مكثّرين فكانت معيشتهم ضنكا وذلك انهم يرون الله ليس بمخلف عليهم معائشهم من سوء ظنهم بالله وقال سعيد بن جبير معناه نسلبه القناعة حتى لا يشبع- وحاصل هذين القولين ان من اعرض عن ذكر الله كان مجامعا همه ومطامح نظره الى اعراض الدنيا متهالكا على ازديادها خائفا على انتقاصها- بخلاف المؤمن الطالب للاخرة فانه قانع على ما أعطاه الله شاكر عليه متوكل على الله فتكون حياته في الدنيا طيبة- قلت وعلى هذا التأويل ليس المراد بمن اعرض عن ذكر الله الكافر المعرض عن الايمان بل المعرض عن الإكثار ذكر الله فان عامة المؤمنين منهمكون في طلب الدنيا خائفون على انتقاصها فمن اعرض عن إكثار ذكر الله وجعل همته في اعراض الدنيا اظلم عليه وقته وتشويش عليه رزقه- فان قيل ان كان تعب الرجل في دار الدنيا معيشة ضنكا- فذلك غير مختص بالكفار والفساق بل موجود في الأنبياء والصلحاء أشد البلاء- قال رسول الله ﷺ أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه- فان كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة- رواه احمد والبخاري في الصحيح والترمذي وابن ماجة عن سعد والطبراني عن اخت حذيفة نحوه والبخاري في التاريخ عن ازواج النبي ﷺ بسند حسن بلفظ أشد الناس بلاء في الدنيا نبىّ او صفى- قلت الجواب عندى بوجهين أحدهما انه ليس المراد بالآية ان ضيق المعيشة مختص بالكفار بل هذه الاية نظيرة

стр. 2394

لقوله تعالى نمتّعه «١» قليلا ثمّ نضطرّه الى عذاب النّار فالمعنى انه من اعرض عن ذكرى نعطيه في الدنيا معيشة قليلة فان متاع الدنيا قليل كله نعطيه أياما معدودة في نوع من الضيق ثم نحشره يوم القيامة أعمى- ثانيهما ان معيشة الدنيا لا يخلو لاحد من المؤمن والكافر عن تعب وبلاء- قال الله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ اى الى لقائه غير ان ذلك التعب للمؤمن موجب لمحو الخطيات او رفع الدرجات كما يدل عليه الحديث المذكور فهو وان كان ضيق صورة لكنه فرج معنى وسبب لانشراح صدره باطنا بخلاف الكافر فان ضيقه وتعبه أنموذج لعذابه المعد له في الاخرة- ثم إذا صح للعبد المؤمن حب مع الله سبحانه فكل ما أصابه ووصله من الله تعالى يلتزبه ويفرح فان ضرب الحبيب زبيب- روى الحديث المذكور ابن ماجة وعبد الرزاق والحاكم عن ابى سعيد الخدري رضى الله عنه بلفظ قال رسول الله ﷺ أشد البلاء الأنبياء ثم الصالحون لقد كان أحدهم يبتلى الفقر حتى ما يجد الا العباءة يحويها ويلبسها ويبتلى بالقمل حتى يقتله- ولاحدهم أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء والله اعلم وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قال ابن عباس أعمى البصر وقال مجاهد أعمى عن الحجة- ويويد قول ابن عباس قوله تعالى. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي قرأ نافع بفتح الياء والباقون بإسكانها أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ في الدّنيا بَصِيراً (١٢٥) فانه لم يكن له في الدنيا حجة قال الله تعالى وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ- وقال مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى - اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ان رجلا ساله فقال ارايت قوله تعالى وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً واخرى عميا- قال ان يوم القيامة يكونون في حال زرقا وفي حال عميا. قالَ كَذلِكَ متعلق بفعل محذوف اى فعلت أنت كذلك اشارة الى مبهم يفسر قوله أَتَتْكَ آياتُنا الدالة على الوحدانية او آياتنا المنزلة على الأنبياء فَنَسِيتَها فاعرضت عنها وتركتها غير منظور إليها كما يترك الأعمى وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) يعنى اليوم تترك في النار تركا مثل تركك إياها- و

стр. 2395

قيل التقدير الأمر كذلك وجملة اتتك في مقام التعليل. وَكَذلِكَ نَجْزِي اى نجزى جزاء مثل ذلك الجزاء مَنْ أَسْرَفَ يعنى أضاع عمره بالانهماك في الشهوات والاعراض عن الآيات وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ بل كذبها وخالفها وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ في نار جهنم أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) من ضنك العيش والعمى وهذه الجملة معطوفة على قوله تعالى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً إلخ. أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الضمير المرفوع راجع الى الهدى والمراد منه الكتاب او الرسول- او الى الله تعالى المذكور في قوله تعالى وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وعلى هذا في الكلام التفات من التكلم الى الغيبة- ويؤيد هذا التأويل قرأة افلم نهدلهم بالنون على صيغة المتكلم- والمعنى اولم يهد لهم الله او القرآن او الرسول يعنى لكفار مكة- الاستفهام للانكار يعنى هداهم الى صراط مستقيم فاستحبوا العمى على الهدى والفاء للتعقيب معطوف على محذوف تقديره الم يبين لهم فلم يهد لهم انكار لعدم الهداية بعد البيان لفظا وفي المعنى انكار لعدم اهتدائهم بعد الهداية وقيل افلم يهد لهم معطوف على مضمون الكلام السابق فانه تعالى ذكر حال المؤمنين بقوله فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وحال الكفار بقوله وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً فقال بين الله لهم فيما تلونا حال الفريقين الم يتبين لهم فلم يهد لهم- وقيل لم يهد مسند الى ما دل قوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنا كم خبرية اى أهلكنا كثيرا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ اى أهلكنا القرون السابقة او مسند الى الجملة بمضمونها يعنى الم يهد لهم إهلاكنا القرون يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ حال من القرون يعنى أهلكناهم ماشّين في مساكنهم- او حال من الضمير المجرور في لهم على تقدير اسناد الفعل الى مضمون جملة كم أهلكنا يعنى أفلم يهد لكفار مكة حال كونهم ماشين في مساكن القرون الماضية إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) اى لذوى العقول الناهية عن التغافل والتعامي-. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهى العدة بتأخير عذاب كفار هذه الامة الى يوم القيمة- وعدم استيصالهم في الدنيا لكون النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2396

رحمة للعالمين- وجملة سبقت صفة لكلمة وخبر المبتدا محذوف يعنى لولا كلمة سبقت حاصلة لَكانَ إهلاكنا هؤلاء الكفار بمثل ما نزل بالقرون الخالية نم من عاد وثمود وأشباههم لِزاماً اى ملازما لهؤلاء الكفار غير منفك عنهم- مصدر من باب المفاعلة وصف به مبالغة او على انه بمعنى الفاعل او اسم فمعز الدولة سمى به اللازم لفرط لزومهم وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) عطف على كلمة اى ولولا أجل مسمى لمدة بقائهم في الدنيا او لقيام القيامة او لعذابهم ففى الكلام تقديم وتأخير تقديره ولولا كلمة سبقت من ربّك وأجل مسمّى لكان لزاما- وجاز ان يكون أجل مسمّى عطف على الضمير المستكن في كان ولا بأس به بوجود الفصل- والتقدير على هذا ولولا كلمة سبقت من ربّك بتأخير العذاب لكان العذاب العاجل والعذاب المؤجل بأجل مسمّى كلاهما لازمين لهم- والجملة الشرطية اعنى لولا كلمة الى آخره معطوفة على جملة محذوفة مفهومة من قوله وكم أهلكنا- تقديره كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم وهؤلاء الكفار مثلهم في استحقاق نزول العذاب- ولولا كلمة لكان لزاما وأجل مسمّى-. فَاصْبِرْ يا محمد يعنى إذا علمت انّ عذاب هؤلاء الكفار مؤجل الى أجل مسمى فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فيك وَسَبِّحْ يعنى صل متلبسا بِحَمْدِ رَبِّكَ يعنى حامدا على ما وقفك للصلوة والتسبيح واعانك عليه- كانّ فيه اشارة الى ان العبد ان صدر منه العبادة لا يغتربه بل يشكر الله على إتيانه واعانته كما يشير اليه قوله تعالى إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بعد قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعنى نستعين بك على عبادتك ويمكن ان يستنبط من هذه الاية وجوب قراءة الفاتحة في كل صلوة على ما صرح به النبي ﷺ حيث قال لا صلوة الا بفاتحة الكتاب- وفي لفظ لا صلوة لمن لم يقراء بفاتحة الكتاب- رواه الشيخان في الصحيحين واحمد فان الاية اقتضت بإتيان الصلاة متلبسا بالحمد- لكن التلبس مجمل فالتحق قول رسول الله ﷺ بيانا له وظهر ان المراد بالتلبس بالحمد قراءة الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الى اخر السورة قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعنى صلوة الصبح وَقَبْلَ غُرُوبِها يعنى صلوة العصر- وقيل المراد بقبل الغروب بعد نصف النهار

стр. 2397

يعنى الظهر والعصر جميعا وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ اى من ساعاة جمع انى بالكسر والقصر يعنى المغرب والعشاء- قال ابن عباس يريد أول الليل قلت ويمكن ان يراد به التحجد ايضا فانها كانت واجبة على النبي ﷺ والظرف متعلق بقوله فَسَبِّحْ والفاء زائدة او على تقدير اما يعنى وامّا من اناء اللّيل فسبّح على الخصوص لكون الليل وقت خلّو القلب عن الاشغال- والنفس فيها أميل الى الاستراحة فكانت العبادة فيها احسن وأفضل- قال الله تعالى إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا ... وَأَطْرافَ النَّهارِ عطف على قبل طلوع الشمس وعلى محل من آناء اللّيل- ولعل هذا تكرير لصلوتى الفجر والعصر لارادة الاختصاص ومزيد التأكيد- لان الفجر وقت نوم والعصر وقت اشتغال بالدنيا- فالاية نظيرة لقوله تعالى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوسطى ومجيئه بلفظ الجمع للامن من الالتباس- او المراد باطراف النهار صلوة الظهر فقط لان وقته نهايت النصف الاول من النهار وبداية النصف الاخر- وجمعه باعتبار النصفين- وقيل المراد من اناء اللّيل صلوة العشاء ومن أطراف النّهار صلوة الظهر والمغرب- لان الظهر في اخر الطرف الاول من النهار وفي أول الطرف الاخر فهو طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس وعند ذلك يصلى المغرب- او المراد منه التطوع في اجزاء النهار لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) اى لكى ترضى يعنى سبح في هذه الأوقات لان تنال من عند الله ما به ترضى- وقرأ الكسائي وأبو بكر بالبناء للمفعول اى لكى يرضيك ربك- وقيل معنى ترضى ان يرضاك الله كما قال وكان عند ربّه مرضيّا- وقيل معنى الاية لعلك ترضى بالشفاعة كما قال وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى - روى الشيخان في الصحيحين واحمد واصحاب السنن الاربعة عن جرير بن عبد الله انه قال كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فراى القمر ليلة البدر فقال انكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رويته فان استطعتم ان لا تغلبوا على صلوة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها والله اعلم. اخرج ابن ابى شيبة وابن مردوية والبزار وابو يعلى عن ابى رافع قال نزل عند رسول الله ﷺ ضيف فارسلنى الى رجل من اليهود ان أسلفني دقيقا- وفي رواية يعنى كذا وكذا

стр. 2398

من الدقيق او أسلفني الى هلال رجب فقال لا الا برهن فأتيت النبي ﷺ فاخبرته فقال والله لئن باعني او أسلفني لقضيته وانى لامين في السماء أمين في الأرض- اذهب بدرعي الحديد اليه فلم اخرج من عنده حتى نزلت. وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ اى نظر عينك- عطف على فاصبر ولما كان قوله تعالى وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ إلخ دالّا على انتفاء العذاب العاجل عن الكفار وثبوت العذاب الاجل رتب عليه بالفاء الدالة على السببية جملتين تفيد أحدهما الأمر بالصبر بناء على انتفاء العذاب العاجل- وثانيتهما النهى عن مد النظر تمنّيّا بناء على تحقق العذاب الاجل إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ استحسانا له وتمنّيا ان يكون لك مثله أَزْواجاً مفعول لقوله متّعناه مِنْهُمْ صفة له يعنى ما متعنا به أصنافا من الكفرة- وجاز ان يكون حالا من الضمير المجرور والمفعول به قوله منهم- وكلمة من للتبعيض يعنى ما متعنابه بعضهم وناسا منهم حال كون المتمتع به أصنافا من المال زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا (٥) منصوب بفعل محذوف- دل عليه متّعنا- تقديره أعطيناهم زهرة الحيوة الدّنيا- يعنى زينتها وبهجتها- او منصوب بمتّعنا على تضمينه معنى أعطينا او على البدلية من محل به- او على البدلية من أزواجا بتقدير معناف ان كان المراد اصناف الكفرة وبدون التقدير ان كان المراد اصناف المال- قرأ يعقوب زهرة بفتح الهاء وهى لغة كالجهرة في الجهرة او جمع زاهر وصف لهم بانّهم زاهر والدنيا اى ازدهروها اى احتفظوا بها وفرحوا بها لتنعمهم- فى القاموس الازدهار بالشيء الاحتفاظ به والفرح به لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ اى لنبلوهم ونختبرهم- او لنتركهم في الكفر والضلال بان يطغوا في دنياهم- او لنعذبهم في الاخرة بسبب متعلق بمتعنا وَرِزْقُ رَبِّكَ اى ما رزقك ربك في الدنيا من الهدى والنبوة او الكفاف من الحلال او في الاخرة من الجنة ومراتب القرب خَيْرٌ مما اعطوا في الدنيا وَأَبْقى (١٣١) منه فانه لا ينقطع ابدا- والجملة حال من فاعل لا تمدن- قال البغوي قال أبيّ بن كعب رضى الله عنه من لم يتعز بعن الله تقطعت نفسه خسرات- ومن يتبع بصره في أيدي الناس يظل حزنه ومن ظن ان نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه.

стр. 2399

وَأْمُرْ أَهْلَكَ اى قومك واهل دينك عطف على لا تمدّنّ بِالصَّلاةِ امره بان بامر اتباعه بعد ما امره به ليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم- ولا يهتموا يأمر المعيشة ولا يلتفتو الى ارباب الثروة وَاصْطَبِرْ اى داوم عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً اى لا نكلفك ان ترزق أحد من خلقنا ولا ان ترزق نفسك وانما نكلفك العمل- هذه الجملة في مقام التعليل للاصطبار على الصلاة نَحْنُ نَرْزُقُكَ وإياهم ففرغ بالك لامر الاخرة هذا تعليل لعدم سوال الرزق وَالْعاقِبَةُ يراد ما يعقب العمل الصالح من الثواب كما يراد بالعقاب ما يعقب العمل السوء من العذاب لِلتَّقْوى (١٣٢) اى لاهل التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك واتقونى- اخرج سعيد بن منصور في سننه والطبراني في الأوسط وابو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الايمان ان النبي ﷺ كان إذا أصاب اهل ضر أمرهم بالصلوة وتلا هذه الاية-. وَقالُوا يعنى المشركين لَوْلا يَأْتِينا محمد ﷺ بِآيَةٍ دالة على صدقه في ادعاء النبوة مِنْ رَبِّهِ قيل هذه جملة معطوفة على يقولون يعنى واصبر على ما يقولون وعلى ما قالوا- وهذا كلام مستأنف أنكروا إتيان الآيات ولم يعتدوا بما جاء به من الآيات الكثيرة تعنتا وعنادا- وطلبوا آيات مقترحة فالزمهم الله تعالى بإتيانه بالقران الّذي هو رأس المعجزات وأبقاها- لان حقيقة المعجزة اختصاص مدعى النبوة بنوع من العلم والعمل على وجه خارق للعادة- ولا شك ان العلم اصل العمل وأعلى منه قدرا وأبقى منه اثرا فكذا ما كان من هذا القبيل ونبّهم ايضا على وجه اثنى من وجوه اعجاز المختصة بهذا الباب فقال أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) الاستفهام للانكار والواو للعطف على محذوف تقديره الم يعرفوا صدقك في ادعاء النبوة ولم تأتهم بيان ما في الصحف الاولى من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية فان اشتمال القران على زبدة ما فيها من العقائد والاحكام الكلية مع ان الآتي بها امىّ لم يرها ولم يتعلّم ممن علمها اية واضحة على صدته- وفيه اشعار بان القران كما هو برهان على نبوته ﷺ شاهد لصحته ما تقدمه من الكتب من حيث انه معجز وليست هى كذلك بل هى مفتقرة الى

стр. 2400

ما يشهد عليها- قرأ نافع وابو عمرو وحفص تأتهم بالتاء لتانيث الفاعل والباقون بالياء التحنية لتقدّم الفعل وكون التأنيث غير حقيقى- وقيل معناه اولم تأتهم بيان ما في الصحف الاولى من أبناء الأمم انهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم ولم يومنوا بها كيف عجلنا بهم العذاب وأهلكنا هم فما يومنوا منهم ان أتتهم الآيات المقترحة ان يكون حالهم كحال أولئك-. وَلَوْ ثبت أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ يعنى كفار قريش لاجل اشراكهم بالله بِعَذابٍ متعلق باهلكنا مِنْ قَبْلِهِ يعنى بعذاب نازل من قبل بعثة محمد ﷺ او من قبل البينة والتذكير لانها في معنى البرهان لَقالُوا يوم القيمة رَبَّنا اى يا ربنا لَوْلا هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا يدعونا الى التوحيد فَنَتَّبِعَ منصوب بتقدير ان بعد الفاء في جواب لتخضيض فانه بمعنى الاستفهام آياتِكَ المنزلة على الرسول مِنْ قَبْلِ ظرف لنتبع أَنْ نَذِلَّ بالقتل والسبي في الدنيا وَنَخْزى (١٣٤) بدخول النار يوم القيمة او بان نذلّ يوم القيمة ونخزى في جهنم- مسئلة- هذه الاية تدل على ان الايمان بالله والتوحيد واجب على العقلاء قبل بعثة الرسل والكفر حينئذ كان سببا لاستحقاق العذاب وانما بعث الرسل لا تمام الحجة وقطع المعذرة ولمزيد الفضل وبه قال ابو حنيفة ﵀ خلافا للشافعى ﵀. قُلْ يا محمد كلام مستانف كُلٌّ اى كل واحد منا ومنكم مُتَرَبِّصٌ منتظر لما يؤل اليه أمرنا وأمركم فَتَرَبَّصُوا وذلك وان المشركين قالوا نتربص بمحمد حوادث الدهر وإذا مات تخلصنا يعنى انتظروا فَسَتَعْلَمُونَ يوم القيمة مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ اى الطريق الموصل الى الجنة وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) من الضلالة او اهتدى الى النعيم المقيم- ومن في الموضعين للاستفهام ومحلها الرفع بالابتداء ويجوز ان تكون الثانية موصولة بخلاف الاولى لعدم العائد فتكون معطوفة على محل الجملة الاستفهامية المعلق عنها الفعل- على ان العلم بمعنى المعرفة- او على اصحب الصراط او على الصراط على ان المراد به النبي ﷺ حمزة والكسائي يميلان اواخر هذه السورة من قوله تعالى لتشقى الى آخرها قوله ومن اهتدى- وابو عمر ويمين من ذلك ما فيه راء نحو قوله تعالى الثّراى ومن

стр. 2401

افتراى ولا تعرى شبهه وما عدا ذلك بين بين وورش جميع ذلك بين بين والباقون بإخلاص الفتح روى الحاكم في المستدرك والبيهقي بسند صحيح عن معقل بن يسار والبغوي نحوه عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ أعطيت سورة البقرة من الذكر الاول وأعطيت طه والطواسين والحواميم من الواح موسى وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة- وروى الحاكم في المستدرك والطبراني وابن ماجة عن امامة قال قال رسول الله ﷺ اسم الله الأعظم الّذي إذا دعى به أجاب في ثلاث سور البقرة وال عمران وطه- فتمت تفسير سوره طه بفضل الله تعالى وحسن توفيقه ثامن الشهر الربيع الثاني من السنة الثالثة بعد المائتين والف ويتلوه تفسير سورة الأنبياء ان شاء الله تعالى- الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمّد واله وأصحابه أجمعين.

стр. 2402

فهرس تفسير سورة الأنبياء ﵈ من تفسير المظهرى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مضمون صفحه بيان دوام التسبيح والذكر من المقربين ١٨٩ ما ورد في الميزان ٢٠٠ حديث لم يكذب ابراهيم الا ثلاث كذبات ٢٠٤ قصة إلقاء ابراهيم ﵇ في النار ٢٠٦ ما ورد في القتل الوزغ ٢٠٧ قصة هجرة ابراهيم ﵇ ٢٠٩ ما ورد في فضل الشام والأمر بلزومها وان هناك الابدال ٢٠٩ قصة حكم داؤد وسليمان ﵉ إذا نفشت في الحرث غنم القوم ٢١٢ مسائل جناية الدواب واختلاف العلماء في حكمها في الإسلام ٢١٣ مسئلة المجتهد يخطى ويصيب وما ورد فيه ٢١٥ حديث في قصة حكم داؤد وسليمان ﵉ في امرأتين ذهب الذئب بابن إحداهما ٢١٥ قصة سليمان ﵇ ٢١٦ قصة أيوب ﵇ ٢٢٠ قصة ذالكفل ﵇ ٢٣٠ مضمون صفحه ما ورد في لا اله الّا أنت سبحانك انّى كنت من الظّالمين- ٢٣٤ الصوفية دائمون في الوصال والروية حديث انكم تحشرون الى الله حفاة عراة غرلا ٢٤٣ حديث لا يبقى على الأرض بيت مدر ولاوبر الا ادخله الله الإسلام ٢٤٤ حديث انما انا رحمة مهداة ٢٤٤ حديث انما بعثت رحمة ٢٤٤ بطلان التقية ٢٤٥.

стр. 2403

سورة الأنبياء ﵈ وهى مائة واثنا عشرة اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ رب يسّر وتمم بالخير. اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ بالاضافة الى ما مضى من ايام الدنيا واللام قيل بمعنى من فهو صلة لاقترب- وقيل تأكيد للاضافة وأصله اقترب حساب الناس ثم اقترب الحساب للناس ثم اقترب للناس حسابهم- ولام التعريف للجنس وقيل للعهد والمراد به الكفار بدليل قوله تعالى وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ عن الحساب وعما يفعل بهم لاستغراقهم في دنياهم وشهوات هم مُعْرِضُونَ (١) عن التفكر في الحساب والتأهب له- وصفهم بالاعراض بعد الغفلة احترازا عمن كان غفلته باستغراقه في ذكر لله تعالى عن غيره- واللام في الناس ان كان للاستغراق فالضمير المنفصل عائد. الى بعض افراد العام كما في قوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ يعنى بعولة الرجعيات منهن- ومعرضون خبر للضمير وفي غفلة حال من المستكن في الخبر او هما خبران للضمير والجملة حال من الناس او من حسابهم بحذف الرابط- والحساب عبارة عن اظهار ما فعله العباد وما استحقوا عليه- واقترابه عبارة عن اقتراب الساعة-. ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ينّبههم عن نوم الغفلة والجهالة من زائدة وذكر في

стр. 2404

محل الرفع على الفاعلية لياتيهم مِنْ رَبِّهِمْ صفة لذكر او صلة ليأتيهم مُحْدَثٍ صفة لذكر اى محدث تنزيله ليكور على أسماعهم في التنبيه كى يتعظوا وذا لا ينافى كونه قديما إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) اى يستهزءون به ويستسخرون منه لتناهى غفلتهم وفرط الاعراض عن التفكر في العواقب- حال من فاعل استمعوه. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ حال من فاعل يلعبون او من فاعل استمعوه- والمستثنى حال من الضمير المنصوب في ما يأتيهم- او صفة لمصدر محذوف ما يأتيهم من ذكر في حال من الأحوال الا حال استماعهم جامعين بين الاستهزاء به والتلهي والذهول عن التفكر فيه- وفي العواقب من الأمور او ما يأتيهم من ذكر اتيانا الا اتيانا استمعوه بعده جامعين بما ذكر قال أبو بكر الوراق القلب اللاهي المشغول بزينة الدنيا وزهرتها الغافل عن الاخرة وأهوالها- وجملة ما تأتيهم في مقام التعليل لقوله هم في غفلة وَأَسَرُّوا النَّجْوَى اى بالغوا في اخفائها او جعلوها بحيث خفى تناجيهم الَّذِينَ ظَلَمُوا فاعل لاسروا والواو في أسوأ زائدة ليدل من أول الأمر ان فاعله جمع وليست بضمير- او فاعله ضمير والموصول بدل منه جئ للايماء بانهم ظالمون فيما أسروا به- او الموصول مبتدأ والجملة المتقدمة خبره- وأصله وهؤلاء أسروا النجوى فوضع الموصول موضع هؤلاء تسجيلا على فعلهم بانه ظلم- او الموصول خبر لمبتداء محذوف تقديره هم الّذين ظلموا- او منصوب بتقدير اعنى او اذم وجملة اسرّوا النّجوى معطوفة على يلعبون او حال من فاعله بتقدير قد او معطوفة على استمعوه او على ما يأتيهم او معترضة هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ صفة مؤكدة لبشر أبدعوا حجة على تكذيبهم الرسول ﷺ في ادعائه الرسالة بكونه بشرا زعما منهم بان الرسول لا بد ان يكون ملكا كانّهم زعموا ان الرسول لا بد ان يكون من جنس المرسل وزعموا ان الملائكة من جنس الملك القهار ولذلك سهواها بنات الله وكل ذلك باطل قطعا- والحق ان الرسول لا بد ان يكون من جنس من لرسل إليهم حتى يقتبسوا أنواره- والملك القهار لا يجوز ان يكون له كفوا أحد- ثم أورد والدفع المعجزات الدالّة على الرسالة بقولهم أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ يعنى ليس هو رسولا لانه بشر وما يأتي به من الخوارق كالقران وغيره سحر- أفتأتون السحر الاستفهام للانكار والفاء للعطف على محذوف والسحر منصوب على المفعولية او العلية والمفعول محذوف تقديره اتصدقونه في دعوى الرسالة فتأتون السحر اى

стр. 2405

تتبعونه- او فتأتون محمدا لاجل سحره الّذي يأتى به- ولما لم يجدوا دليلا على كون الخوارق سحرا فان القول الباطل لا يمكن إثباته ادعوا بداهته تعنتا فقالوا وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) بالبداهة انه سحر- والجملة حال من فاعل تأتون وجملة أفتأتون السحر بدل اشتمال لجملة هل هذا الّا بشو- وجملة هل هذا الا بشر منصوب بدلا من النجوى او مفعولا لقالو- وجملة قالوا بيان لجملة أسروا النجوى او بدل منه او مستانفة في جواب ماذا قالوا- والغرض من اسرار هذا القول مشاورتهم في ما بينهم- حتى يحصل لهم كلام يهدم امر النبوة ويظهر فساده ولا يبطله السامع في أول الأمر يريدون ان يطفوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون. قل يا محمد قرأ حمزة والكسائي وحفص قالَ على الاخبار عن الرسول ﷺ والباقون بصيغة الأمر المستلزم لقوله منه ﷺ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ حال من القول يعنى يعلم القول كائنا ذلك القول في السماء والأرض من اى قائل كان- جهرا كان او سرا فلا يخفى عليه ما أسروا وَهُوَ السَّمِيعُ لاقوالهم الْعَلِيمُ (٤) بأفعالهم وأحوالهم ما ظهر منها وما بطن. بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ إضراب من الله تعالى في حكاية قولهم في شان الرسول ﷺ انه بشر لا يصلح ان يكون رسولا من الله- الى حكاية قولهم في شأن القران انه أضغاث أحلام- يعنى تخاليط أحلام راها في المنام يعنى ليس بوحي من الله منزل- وقيل هذا إضراب من الكفار عن مضمون قولهم أفتأتون السّحر والمعنى قالوا هو سحر بل هو أضغاث أحلام وكلمة قالوا على هذا تأكيد لفظى لقالوا مقدر مفهوم مما سبق بَلِ افْتَراهُ إضراب من الكفار عن كونه أباطيل خيلت اليه في النام وخلطت عليه الى كونه مفتريات اختلعها من تلفاء نفسه لم يرها في المنام ايضا بَلْ هُوَ شاعِرٌ إضراب ثان منهم عن كونه كلام مفترى الى كونه كلاما شعريّا قال البغوي أريد ان المشركين قال بعضهم أضغاث أحلام وبعضهم فرية وبعضهم ان محمدا شاعر وما جاء به شعر والفرق بين المفترى والشعر ان المفترى كلام كاذب أراد المتكلم منه حصول التصديق للسامع بنسبة غير مطابقة للواقع والشعر كلام مركب من مقدمات تأثر في ذهن السامع من الرغبة او الرهبة او الشوق او السرور او الحزن او التعظيم او التحقير او غير ذلك والغرض منه ذلك التأثير في النفوس دون حصول تصديق أصلا فكانه من قبيل الإنشاء- وقد يجتمع الاخبار صادقا او كاذبا مع مقدمات شعرية مؤثرة في النفوس وذلك في المثنويات والاول في الغزليات- وهذه الأقوال

стр. 2406

من الكفار دليل ظاهر على فساد أقوالهم وانها قضوهات منهم عنادا من غير جزم فَلْيَأْتِنا محمد ﷺ ان كان صادقا في دعوى الرسالة بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) صفة لاية وصحة التشبيه من حيث ان الإرسال يتضمن الإتيان بالآية وما موصولة او موصوفة وهى صفة لموصوف محذوف والتقدير فلياتنا باية كائنة كالاية الّتي أرسل بها الأولون من الرسل- وكاية أرسل بها الأولون فاتوبها- كالناقة لصالح والعصا واليد البيضاء لموسى والاحياء الموتى وإبراء لاكمه والأبرص لعيسى- اخرج ابن جرير عن قتادة قال قال اهل مكة للنبى ﷺ ان كان ما تقوله حقّا فحول لنا الصفا ذهبا فاتاه جبرئيل فقال ان شئت كان الّذي سالك قومك ولكنه ان كان ثم لم يومنوا لم ينظروا- وان شئت استأنيت لقومك قال بل استانى لقومى فانزل الله تعالى. ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ اى قبل مشركى مكة مِنْ قَرْيَةٍ اى من اهل قرية من زائدة وقرية في محل الرفع على الفاعلية أَهْلَكْناها صفة لقرية اى أهلكنا أهمها حين جاءتهم الآيات المقترحة أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ الفاء للعطف على ما امنت والاستفهام للانكار تعقب ايمان اهل مكة عدم ايمان السابقين مع كون اهل مكة اعنى منهم يعنى لم يومن من كان قبلهم فكيف يومن هؤلاء وهم أشد كفرا منهم- وفيه تنبيه على ان عدم إتيانه بالمقترحات كان لابقائهم- إذ لو اتى بها ولم يؤمنوا استوجبوا عذاب الاستيصال كمن قبلهم-. ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ يا محمد إِلَّا رِجالًا نُوحِي قرأ حفص بالنون على صيغة المتكلم المعلوم على التعظيم والباقون بالياء التحتانية على الغيبة والبناء للمفعول إِلَيْهِمْ جملة معترضة ردّ لقولهم هل هذا الّا بشر مثلكم فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعنى علما اهل الكتاب من حال الأولين من الرسل هل كانوا بشرا أم ملائكة حتى يزول عنكم شبهتكم إِنْ كُنْتُمْ يا اهل مكة لا تَعْلَمُونَ (٧) شرط استغنى عن الجزاء بما مضى والاحالة الى اهل الكتاب اما للالزام فان المشركين كانوا يشاورونهم في امر النبي ﷺ ويثقون بقولهم- واما لان اخبار اهل التواتر يوجب العلم وان كانوا كفارا. وَما جَعَلْناهُمْ اى الأولين من الرسل جَسَداً لم يقل أجسادا لانه اسم جنس او لانه في الأصل مصدر

стр. 2407

او على حذف المضاف اى ذوى جسد او بتأويل الضمير بكل واحد- والجسد جسم ذى لون ولذلك لا يطلق على الماء والهواء- وقيل هو جسم ذو تركيب لان أصله لجمع الشيء واشتداده لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ صفة لجسد وجملة ما جعلنا مستأنفة جواب لقولهم مال هذا الرّسول يأكل الطّعام وَما كانُوا خالِدِينَ فى الدنيا تأكيد وتقرير لما سبق فان التعيش بالطعام عن لوازم التحليل المؤدى الى الفناء. ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ اى في الوعد بالنصر على أعدائهم- الجملة معطوفة على جملة محذوفة معطوفة على قوله وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا وما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ ولا يموتون- ولكن طعن فيهم المشركون بمطاعن غير صحيحة ومعائب غير ثابتة كما طعن هؤلاء فيك فوعدناهم بالنصر عليهم ثمّ صدقنهم الوعد فَأَنْجَيْناهُمْ يعنى المرسلين من عذاب الله وإيذاء الكفار وَمَنْ نَشاءُ يعنى المؤمنين بهم ومن في ابقائه حكمته كمن سيؤمن هو او أحد من ذريته ولذلك حميت العرب من عذاب الاستيصال وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) متجاوزين الحد في الكفر والمعاصي-. لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا معشر قريش كِتاباً اى القران فِيهِ ذِكْرُكُمْ اى شرفكم ان علمتم به او لانه بلسانكم او المعنى ذكركم ربكم وذكر ما تحتاجون اليه من امر دينكم- وقال البيضاوي حيتكم والصيت اى الذكر اى الحسن او موعظتكم او ما تطلبون به حسن الذكر من مكارم الأخلاق وقال مجاهد فيه حديثكم- وفي القاموس الذّكر بالكسر الحفظ للشيء كالتذكار والشيء يجرى على اللسان والصيت والثناء والشرف والصلاة لله تعالى والدعا وكتاب فيه تفصيل الدين ووضع الملل- أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) عطف على أنزلنا والفاء للتعقيب والهمزة للانكار عدم تعقل ما فيه صلاحكم وشرفكم-. وَكَمْ قَصَمْنا يعنى كسرنا اى أهلكنا كثيرا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً يعنى اهل قرية كانوا ظالمين على أنفسهم بالكفر والمعاصي وَأَنْشَأْنا أورثنا بَعْدَها اى بعد هلاك أهلها قَوْماً آخَرِينَ (١١) مكانهم. فَلَمَّا أَحَسُّوا يعنى لما أدركوا بحاسة البصر والضمير الأهل المحذوف المضاف الى قرية بَأْسَنا شدة عذابنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) اى يهربون مسرعين راكضى دواتهما ومشبهين بهم من فرط إسراعهم

стр. 2408

لمّا ظرف بمعنى المفاجاة في إذا يعنى فاجا مربهم مسرعين حين رويتهم عذابنا هذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة وهما بيان لكيفية إهلاكهم تقديره ولما أردنا ان نقصهم أنزلنا عليهم بأسنا فلمّا احسّوا بأسنا اذاهم منها يركضون. لا تَرْكُضُوا محمول على تقدير قيل والجملة مستانفة في جواب ما قيل لهم عند هربهم يعنى قيل لهم استهزاء اما بلسان الحال او المقال- والقائل ملك أومن ثم من المؤمنين لا تركضوا ولا تهربوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ اى ما انعمتم من التنعم والتلذذ والإتراف ابطار النعمة قال الخليل المترف الموسع عليه عيشه القليل فيه همه وَمَساكِنِكُمْ الّتي كانت لكم لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) غدا عما جرى عليكم ونزل باموالكم فتجيبون السائل عن علم ومشاهدة او ارجعوا واجلسوا في مجالسكم وعبيدكم فيقولون لكم بم تأمرون- او يسئلكم الناس في انديتكم المعاون في النوازل والخطوب- او تسئلون غدا عن أعمالكم او تعذبون فان السؤال من مقدمات العذاب- وقال ابن عباس تسئلون عن قتل نبيكم- قال البغوي نزلت هذه الاية في اهل حضورا وهى قرية باليمن وكان أهلها العرب فبعث الله إليهم نبيّا فدعاهم الى الله فكذبوه وقتلوه فسلط الله عليهم بخت نصر حتى قتلهم وسباهم فلما استمر فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا فقالت الملئكة لهم استهزاء لا تركضوا وارجعوا الى مساكنكم وأموالكم لعلّكم تسئلون- قال قتادة لعلكم تسئلون شيئا من دنياكم فتعطون من شئتم وتمتعون من شئتم فانّكم اهل ثروة ونعمة فاتبعهم بخت نصر واخذتهم السيوف وناداى مناد من جو السماء يا ثاراث الأنبياء فلما راو ذلك أقروا على أنفسهم بالذنوب حين لم ينفعهم- وجاز ان يكون بعضهم قال لبعض لا تركضوا وارجعوا الى منازلكم وأموالكم لعلكم تسئلون مالا وخراجا فتعطون مالا تمتعون من القتل فنورى من السماء يا ثاراث الأنبياء واخذتهم السيوف فاقروا على أنفسهم و. قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) جملة مستانفة. فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ اى ما زالو يرددون ذلك وانما سماه دعوى لان المولول كانه يدعو الويل ويقول يا ويل تعال فهذا او انك وكل من تلك ودعويهم يحتمل الاسمية والخبرية لما زال حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً اى مثل زرع الحصيد المحصود ولذلك لم يجمع خامِدِينَ (١٥) ميتين من خمدت النار وهو مع حصيد بمنزلة اسم واحد

стр. 2409

مفعول ثان لجعلنا كقوله جعلته علوّا حامضا- فان المعنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود او صفة لحصيد او حال من ضميره. وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) يعنى عابثين فاعلين فعلا عبثا باطلا بل خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للناظرين وتذكرة للمعتبرين وتسبيبا لما ينتظم بامور المخلوقين في المعاش والمعاد فينبغى ان يتوصلوا بها الى تحصيل الكمال ولا يغتروا بزخارفها فانها سريعة الزول. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً قال ابن عباس في رواية عطاء اللهو المراءة وهو قول الحسن وقتادة وذلك ان الوطي سمى لهوا في اللغة والمرأة محل اللهو- وفي رواية الكلبي عن ابن عباس اللهو الولد وهو قول السدى فان المرء يلهو بالصغار اللاهين من أولاده- لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا اى من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات وما يناسب فاتنا كما هو المعلوم ان الزوج والولد يكون لكل شيء من جنسه ولما كان ذاته تعالى بحيث لم يماثله شيء ولا يجانسه ولا يكافثه أحد- فاستحال ان يكون له زوج او ولد- وتعلق الارادة الّتي لا ينفك المراد منها بالمستحيل مستحيل- فامتنع تعلق الارادة به فامتنع اتخاذ الزوج والولد- وهذا ردّ لقول النصارى في المسيح وامه إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) شرط مستغنى عن الجزاء بما مضى يعنى ان كنّا فعلين اتخاذ اللهو لاتخذناه من لدنا لكنا لسنا فاعلين لكونه مستحيلا مناف للالوهية- وقال قتادة وابن جريج ومقاتل ان لنفى اى ما كنا فاعلين والجملة كالنتيجة لشرط. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عطف على مضمون الكلام السابق يعنى لا نفعل اللهو والباطل بل نقذف بالحقّ اى نرمى بالحق بالآيات الدالّة على تنزيه الله تعالى من اتخاذ الصاحبة والوالد وكونه كفوا لاحد رميّا بعيدا عَلَى الْباطِلِ اى الكفر والكذب وذلك قولهم اتّخذ الله ولدا فَيَدْمَغُهُ اى يدمغه ويفنيه والدمغ كسر الرأس والدماغ المؤدى الى زهوق الروح- استعار الله سبحانه لاعدام الباطل بالحق واحقاق الحق وابطال الباطل فان القذف هو الرمي البعيد المستلزم لصلابة الموحى- والدمغ تصوير لابطال الباطل مبالغة بحيث لا يبقى من الباطل شيء فَإِذا هُوَ اى الباطل زاهِقٌ اى هالك ذاهب لا اثر له- فى القاموس زهق الباطل اى اضمحل والشيء بطل وهلك فهو زاهق- وقيل الزهوق ذهاب الروح ذكره لترشيح المجاز ولكم يا معشل لكفار

стр. 2410

الْوَيْلُ الهلاك مِمَّا تَصِفُونَ الله بما يليق به وما مصدرية او موضولة او موصوفة والجملة معطوفة على فاذا هو زاهق او حال او معترضة. وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وملكا فلا يصلح شيء منها ان يكون له أهلا او ولدا او كفوا وَمَنْ عِنْدَهُ قربا وعنديته بلا كيف وهم الملئكة والأنبياء ومن في معناهم معطوف على من في السّموت والأرض وافراده للتعظيم ولانه أعم منه من وجه فان بعض الملائكة كحملة العرش وغيرهم وحقائق الأنبياء والملائكة ودائرة الظلال متعال عن التبوء في السماء والأرض او مبتداء خبره لا يَسْتَكْبِرُونَ اى لا يتعظّمون عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) اى لا يعيون يقال حسر واستحسر إذا تعب واعيا والاستحسار ابلغ من الحسور وفيه اشارة الى ان عبادتهم لاجل ثقلها ودوامها كانت حقيقة بان يستحر منها وهم لا يستحسرون بل يتلذّذون به ويديمون فيه بحيث يرون تركها هلاكا. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ اى ينزّهونه ويعظمونه دائما قال كعب الأحبار التسبيح لهم كالنفس لبنى آدم لا يَفْتُرُونَ (٢٠) اى لا يضعفون ولا يسئمون حال من الضمير المرفوع في يسبحون وهو استيناف- او حال من ضمير لا يستكبرون ولا يستحسرون- وجملة لا يستكبرون مع ما عطف عليه حال من عنده على تقدير كونه معطوفا على من في السّموات والمراد بالعبادة الّتي لا تنقطع من المقربين دوام الحضور والذكر الخفي الّذي لا يمكن انقطاعه من المقربين بشرا كان او ملكا كما لا يمكن انقطاع التنفس بالهواء للحيوان البرى وبالماء للحيوان البحري- وايضا إذا حصل دوام الحضور فكلما يفعل المرء من فعل يفعله الله تعالى يأكل ويشرب وينام ليتقوى على طاعة الله وينكح أداء لسنة رسوله وتكاثرا لامته وامتثالا لامره تناكحوا فانى مباهى بكم الأمم- ولا يصدر عنه معصية- فان المعصية مبنى صدورها غالبا على الغفلة وان صدر عنه معصية بتقدير الله يندم ويتوب بحيث يبدّل الله سيّئاتهم حسنات- ومن أجل ذلك قالوا نوم العالم عبادة- ومن كان هذا شأنه يصدق عليهم انهم لا يستحسرون يسبّحون اللّيل والنّهار لا يفترون. أَمِ اتَّخَذُوا بلء اتّخذوا آلِهَةً أم منقطعته بمعنى بل والهمزة فمعنى بل للاضراب

стр. 2411

عن مضمون الكلام السابق فان مضمون قوله تعالى ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وقوله أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وقوله تعالى بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ انهم طعنوا في النبوة فالمعنى انهم طعنوا في النبوة والقران بل اتخذوا الهة ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ مِنَ الْأَرْضِ صفة للالهة او متعلقة بالفعل على معنى التبعيض او الابتداء يعنى اتخذوا وصنعوا من جواهر الأرض من حجر او ذهب او فضة او غير ذلك وفائدتها التحقير دون التخصيص وهُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) صفة لالهة اى يحبون الأموات وفيه تحميل الكفار وتهكم بهم فانه لا يستحق العبادة الا من يقدر على الاحياء والاماتة والانعام بأبلغ وجوه النعمة وهم لمّا أشركوا الأصنام في الالوهية فكانّهم ادعوا لها الاحياء ونحوه وذلك ظاهر البطلان- وللمبالغة في ال؟؟؟ كم زيد الضمير الموهم لاختصاص الإنشاء بهم. لَوْ كانَ فِيهِما اى في السماء والأرض آلِهَةٌ كما زعم المشركون إِلَّا اللَّهُ الّا هاهنا بمعنى غير صفة لالهة وليست للاستثناء لتعذر الاستثناء المتصل والمنفصل لعدم القطع في شمول المستثنى منه المستثنى وعدم شموله فهى محمولة على غير وأعرب ما بعده إعرابه كما يحمل لفظة غير على الّا فيستعمل للاستثناء لَفَسَدَتا لبطلتا ولم يوجدا فانها ان توافقت الالهة في المراد تطاردت عليها القدرة- وان تخالفت فيه تعاوقت عنه وهذه الجملة تعليل للتوبيخ المفهوم من أم المنقطعة فَسُبْحانَ اللَّهِ يعنى اسبح لله سبحانا رَبِّ الْعَرْشِ المحيط بجميع الأجسام الّذي هو محل التدابير ومنشاء المقادير وبمنزلة الدماغ للانسان في العالم الكبير- وانتزهه عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) من اتخاذ الشريك والصاحبة والولد. لا يُسْئَلُ الله تعالى عَمَّا يَفْعَلُ لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالالوهية والسلطنة الذاتية- ولانّه كلّما يفعل من فعل فهو تصرف في ملكه والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء لا اعتراض عليه عقلا ولا نقلا وَهُمْ يعنى من في السموات والأرض يُسْئَلُونَ (٢٣) عمّا يفعلون لكون أفعالهم تصرفا في ملك الله سبحانه فلا يجوز الا باذنه واباحته فيسئلون عن ذلك وجملة هم يسئلون حال او معطوفة على ما سبق وجملة لا يسئل مع ما عطف عليه تعليل المضمون الكلام السابق فان من كان مسئولا لا يصلح ان يكون شريكا لمن لا يكون مسئولا. أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً كرر الإنكار والتوبيخ استعظاما لكفرهم و

стр. 2412

استفظاعا وتبكيتا وإظهارا لجهلهم- او ضما لانكار ما يكون لهم سندا من النقل الى ما يكون لهم دليلا من العقل- والمعنى أوجد والهة ينشرون الموتى فاتخذوهم الهة لما راو فيها من خصائص الالوهية- او وجدوا في الكتب الالهية السماوية الأمر باشراكهم فاتخذوها الهة متابعة للامر- ويعضد ذلك التأويل انه رتب على الاول ما يدل على فساده عقلا وعلى الثاني ما يدل على فساده نقلا قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على الإشراك اما من العقل او من النقل فانه لا يصح القول بما لا دليل عليه- كيف وتطابقت الحجج على بطلانه عقلا كما مر ونقلا فان هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ قرأ حفص بفتح الياء والباقون بإسكانها يعنى هذا القران والتورية والإنجيل الموجود بين ايديكم ذكر أمتي اى عظتهم الى يوم القيامة وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي اى عظة الأمم الماضية- روى عطاء عن ابن عباس ذكر من معى القران وذكر من قبلى التورية والإنجيل- يعنى راجعوا الى الكتب السماوية من القران والتوراة والإنجيل وغيرها هل تجدون فيها ان الله تعالى اتخذ شريكا او ولدا او امر لعبادة غيره- والتوحيد لم يتوقف عليه صحة بعثة الرسل وإنزال الكتب فصح الاستدلال فيه بالنقل فان قيل مشركوا مكة لم يكونوا مسلمين لكتب السماوية لا سيما للقران- فكيف يصح عليهم الاحتجاج بها- قلنا لما كان صحة الكتب السماوية لا سيما القران باعجازه واضحا بينا وانكارهم انما كان عنادا لم يعتد بانكارهم وجعها كالمسلّمة لكونها مسلّمة عند الانصاف والله اعلم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ولا يميزون بينه وبين الباطل مع سطوع برهانه إضراب من الاتعاظ المفهوم من اضافة الذكر الى من معى فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) من الحق اى التوحيد واتباع الرسول لاجل ذلك. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي قرأ حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الحاء على التعظيم وضمير المتكلم والباقون بالياء التحتانية وفتح الحاء على البناء المفعول إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) اى فاعبدونى وحدي لا تشركوا بى شيئا- وهذا تعميم بعد تخصيص يعنى ليس الأمر بالتوحيد منحصرا في القران والتورية والإنجيل الموجودة بين أظهرهم مشار إليها بهذا في قوله هذا ذكر من معى وذكر من قبلى بل كل رسول أرسلناه كنّا نوحى إليهم التوحيد. وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ

стр. 2413

وَلَداً عطف على مضمون أم اتّخذوا الهة من الأرض ومضمون أم اتّخذوا من دونه الهة يعنى جعلوا الله شركاء وقالوا اتّخذ الرّحمن ولدا- قال البغوي نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ تنزيه له تعالى عن ذلك بَلْ عِبادٌ يعنى بل هم اى الملائكة عباد مخلوقون ليسوا باولاد مُكْرَمُونَ (٢٦) مقربون. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ اى لا يقولون شيئا الا باذنه- وأصله لا يسبق قولهم قوله واذنه فنسب السبق إليهم واليه وجعل القول محله وأداته تنبيها على استهجان اسبق المعترض به للقائلين على الله مالا يرضاه- وأنيب اللام عن الاضافة اقتصارا وتجافيا عن تكرير الضمير وَهُمْ بِأَمْرِهِ اى بما يأمرهم به يَعْمَلُونَ (٢٧) يتمثلون ولا يعصونه أصلا. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ اى لا يخفى عليه شيء مما عملوا وما هم عاملين- وهو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده فانهم لاحاطة علمه تعالى بأحوالهم يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم وَلا يَشْفَعُونَ مهابة منه إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ان يشفع له قال ابن عباس الا لمن قال لا اله الا الله- وقال مجاهد الا لمن رضى الله عنه وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) الخشية خوف مع التعظيم ولذلك خص به العلماء- والإشفاق خوف مع اعتناء فان عدى بمن كما في هذه الاية فمعنى الخوف فيه اظهر وان عدى بعلى فبا بالعكس- فالمعنى وهم من خوفه لاجل عظمته ومهابته خائفون لا يأمنون مكره. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ اى من الخلائق او من الملائكة على سبيل الفرض إِنِّي قرأ نافع وابو عمر بفتح الياء والباقون بإسكانها إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ الشخص نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ والغرض من الاية نفى الربوبية ونفى ادعاء ذلك من الملائكة- وتهديد المشركين بتهديد مدعى الالوهية فهذه الاية كقوله تعالى نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً - وقال قتادة عنى بذلك إبليس حيث دعا الى عبادة نفسه وامر بطاعة نفسه وقد كان من الملائكة اما حقيقة او حكما لاجل الحاقه بهم واما غيره من الملائكة فلم يقل به أحد كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) . أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا قرأ ابن كثير الم ير بغير واو العطف والباقون بالواو

стр. 2414

يعنى الم يعلموا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا لم يقل كانت لان المراد جماعة السموات وجماعة الأرض رَتْقاً قال ابن عباس والضحاك وعطاء وقتادة كائتا شيئا واحدا ملتزقين فَفَتَقْناهُما فصلناهما بالهواء والرتق في للغة السد والضم والفتق الشق والفتح قال كعب خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا فوسطها فتحها بها وقال مجاهد والسدى كانت السموات مرتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات وكذلك الأرض كانت مرتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع ارضين وقال عكرمة وعطية كانت السماء رتقا لا تمطروا لأرض رتقا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالبنات والمراد حينئذ بالسماوات السماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق او السموات بأسرها على ان لها مدخلا في الأمطار وهذا القول اظهر فان الكفرة «١» وكل من له عقل ينظر ويعلم ان المطر ينزل من السماء بعد مالم يمطر والنبات يخرج من الأرض بعد ما لم يخرج وهو امر حادث لا بد له من محدث واجب الوجود فالرتق والفتق بهذا المعنى ظاهر واما كونها في بدو الخلق ملتزقة وفتقت بالرياح فغير ظاهر على الكفار لكنهم متمكنون من تحصيل العلم بها بالاستفسار من العلماء ومطالعة الكتب السماوية وتناسب تاويل عكرمه وعطية قوله تعالى وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ عطف على فتقناهما يعنى فتقنا السماء وأنزلنا منها ماء وفتقنا الأرض وأخرجنا منها نباتا وجعلنا من الماء الّذي أنزلناه من السماء كل شيء حى وهو معطوف على كانتا وذلك محمول على السموات والأرض وعلى هذا يقال الرابط محذوف تقديره وجعلنا من الماء كل شيء حى كائن بينهما او الجملة عطف على مضمون ما سبق لان الاستفهام لانكار نفى الرؤية وهو يستلزم ثبوت الروية وذلك يستلزم وحصول الرتق والفتق فالتقدير حصل منها فتق السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل شيء حى والجعل ان كان بمعنى الخلق وهو الجعل البسيط فالطرف متعلق به وان كان بمعنى التصيير وهو الجعل المركب فالظرف مستقر مفعول ثان فان قيل خلق النبات الّذي له نوع من الحيوة من الماء وتصييره كائنا من الماء ظاهر فانه بمنزلة النطف للحيوان وكذا بعض الحيوانات كالحشرات فان؟؟؟ ضقها من الرطوبات واما اكثر الحيوانات

стр. 2415

فخلقها من النطفة فما معنى قول وجعلنا من الماء كل شيء قلنا لما كان الماء أعظم مواد بقاء الحيوان وأفرط احتياجه وانتفاعه بعينه فكانه خلق منه فضح ان يقال على سبيل التجويز خلقنا من الماء كل شيء حى وصيرناه منه كما قيل خلق الإنسان من عجل وخلق أيد من الكرم وجاز ان يقدر المضاف ويقال المعنى وجعلنا من الماء بقاء كل شيء حى وقال ابو العاليه واكثر المفسرين معنى الآية كل شيء حى فهو مخلوق من الماء اخرج احمد عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ كل شيء خلق من الماء قلت يعنى من النطفة نظيره قوله تعالى والله خلق كل دابة من ماء فالمراد بالشيء على هذا التأويل الحيوان وبالكل الأكثر كما في قوله تعالى كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وجاز ان يراد بالماء مطلق الرطوبة الشاملة لنطفة الحيوان وما يتولد منه النباتات والحشرات والله اعلم أَفَلا يُؤْمِنُونَ الاستفهام للانكار والفاء للتعقيب يعنى بعد روية هذه الادلة القاطعة على وجود الصانع الواجب وجوده المتصف بصفات الكمال المتوحد في الذات والصفات لا يؤمنون به. وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ جبالا رَواسِيَ ثوابت من رسا إذا ثبت أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ اى كراهة ان تميد بهم او لان لا تميد بهم فحذف ما حذف للامن من الالتباس وَجَعَلْنا فِيها اى في الأرض او في الرواسي فِجاجاً الفج الطريق الواسع بين الجبلين كذا في القاموس سُبُلًا جمع سبيل وهو الطريق وما وضح منه كذا في القاموس قدم فجاجا وهو وصف للسبيل لان فيه معنى الوسعة ليصير حالا من سبلا فيدل على انه حين خلقها كان كذلك او ليبدل منها سبلا فيدل ضمنا على انه خلقها ووسعها للسابلة مع ما فيه من التأكيد لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ الى مقاصدهم ومصالحهم. وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً عن السقوط لقدرته من غير عمد او عن الفساد والانحلال الى الوقت المعلوم بمشيته او عن استراق السمع بالشهب وَهُمْ عَنْ آياتِها اى عن أحوالها وما خلق فيها من الشمس والقمر والكواكب الدالة على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته وتناهى حكمته مُعْرِضُونَ غير متفكرين فيه. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بيان لبعض تلك الآيات كُلٌّ اى كل واحد فِي فَلَكٍ وهو مدار النجوم الّذي يضمها كذا في القاموس وهو في كلام العرب كل شيء مستدير وجمعه أفلاك ومنه فلك المغزل قال الحسن الفلك طاحوته كهيئة فلك المغزل يريد ان الّذي

стр. 2416

تجرى فيه النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة وقال بعضهم الفلك السماء الّذي فيه ركز الكواكب وكل كوكب يجرى في السماء الّذي قدر فيه وهو قول قتادة وقال الكلبي الفلك استدارة السماء وقال الآخرون الفلك موج مكفوف دون السماء تجرى فيه الشمس والقمر والنجوم قلت والصحيح ان المراد بالفلك السماء والتنوين للدلالة على ان كل واحد منها في فلك واحد من الافلاك وهو السماء الدنيا وان كان مدار الكواكب على أفلاك شتى فالمراد بالفلك الجنس كقولهم كساهم الأمير حلة والله اعلم يَسْبَحُونَ اى يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء والضمير راجع الى الشمس والقمر وانما جمع باعتبار المطالع وجعل واو العقلاء لان السباحة فعلهم والله اعلم اخرج ابن المنذر عن ابى جرع قال لما نعى للنبى ﷺ نفسه قال يا رب من لامتى فنزلت. وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ اى الخلود ودوام البقاء في الدنيا أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ قال البغوي نزلت هذه الآية حين قالت الكفار نتربص بمحمد ريب المنون والفاء لتعلق الشرط بما قبله والهمزة للانكار بعد ما تقرر ذلك والجملة معطوفة على مضمون ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد يعنى ثبت انك لست بخالد فان مت افهم الخالدون. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ اى ذائقة مرارة مفارقتها جسدها هذه الجملة مقررة لقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد وَنَبْلُوكُمْ نعاملكم معاملة المحشر بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ وبالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر وكل ما يحبون وما يكرهون فِتْنَةً اى ابتلاء فهو مصدر من غير لفظه يعنى نبلوكم ابتلاء حتّى يظهر منكم بعد ما تحبونه الشكر او الكفر ان وبعد ما تكرهونه الصبر او الجوع والشكوى وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم الصبر والشكر او ضدهما وفيه ايماء بان المقصود من هذه النشأة انما هو الابتلاء والتعريض للثواب او العقاب تقريرا لما سبق اخرج ابن ابى حاتم عن السدى قال مر النبي ﷺ على ابى جهل وابى سفيان وهما يتحدثان فلما راه ابو جهل ضحك وقال لابى سفيان هذا نبى من بنى عبد مناف فغضب ابو سفيان وقال ما تنكرون ان يكون من بنى عبد مناف نبى فسمع النبي ﷺ فرجع الى ابى جهل فوقع به وخوفه وقال ماراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمك فنزلت. وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً سخريا اى مهزوا به أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ

стр. 2417

بيان لقوله ان يتخذونك إلا هزوا تقديره يقولون اهذا الّذي يذكر الهتكم اى بسوء وانما أطلقه لدلالة الحال فان ذكر العدو لا يكون الا بسوء وذكر الحبيب لا يكون الا بخير يقال فلان يذكر فلانا يعنى يعيبها وفلان يذكر الله اى يعظمه ويجله وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ بالتوحيد والتعظيم او بإرشاده الخلق ببعث الرسل وانزل الكتب رحمة عليهم- او بالقران هُمْ كافِرُونَ منكرون يقولون لارحمن الا رحمن اليمامة يعنى مسيلمة الكذاب فهم أحق بان يهزوبهم وتكريرا لضمير للتاكيد او التحصيص او لحيلولة بينه وبين الخبر. خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ يعنى خلق الإنسان مجبولا على الاستعجال كانه خلق منه لفرط استعجاله وقلة تا؟؟؟ نيه يقول العرب للّذي يكثر منه الشيء خلق منه يقال خلقت من تعب وخلقت من غضب وخلق فلان من الكرم جعل ما طبع هو بمنزلة المطبوع هو منه مبالغة في لزومه له قال سعيد بن جبير والسدى لما دخل الروح في راس آدم وعينه نظر الى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل ان يبلغ الروح في رجليه عجلان الى ثمار الجنة فوقع فقيل خلق الإنسان من عجل والمراد بالإنسان آدم ﵇ وأورث أولاد العجلة من عجلته مبادرته الى الكفر واستعجال الوعيد قلت ويمكن ان يقال على ما قالت الصوفية ان العالم بأسرها ظلال لاسماء الله تعالى وصفاته ومباد لتعينات الخلائق والله سبحانه متصف بالصفات المتضادة فكما ان الصبور من الأسماء الحسنى كذلك سريع الحساب منها فالاستعجال الّذي هو من صفات الله تعالى له دخل في مبدأ تعين نوع الإنسان ومن هاهنا قال قوم معناه ان بنيته وخلقته من العجلة فان قيل إذا كان الاستعجال من صفات الله تعالى كان محمود او سياق هذه الآية تدل على كونه مذموما وايضا إذا كان الإنسان مجبولا على الاستعجال فالنهى عنه لا يجوز لان الطبيعيات لا يكون مقدورة الترك قلنا نفس الاستعجال غير مذموم وانما المذموم الافراط فيه او وضعه في غير موضعه الا ترى ان الله تعالى يمدح الأنبياء بانهم يسارعون في الخيرات فالممنوع هو الافراط ووضعه في غير موضعه وذلك مقدور تركه وقال قوم معناه خلق الإنسان يعنى آدم من تعجيل في خلق الله إياه لان خلقه كان بعد كل شيء في اخر النهار يوم الجمعه فاسرع في خلقه قبل مغيب الشمس قال مجاهد فلما احى الروح راسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس وقيل معناه خلق آدم بسرعة وتعجيل لا على ترتيب خلق سائر الآدمين من النطفة والعلقة والمضغة وغيرها وقال قوم من عجل اى من طين قال الشاعر

стр. 2418

والنبغ في الصخرة الصماء منبتة ... والنخل تنبت من الماء والعجل قال في القاموس العجل محولة الطين او الحماة وهذه جملة معترضة تمهيد للتشنيع على قولهم ويقولون متى هذا الوعد سَأُرِيكُمْ آياتِي ونعماتى في الدنيا لوقعة بدور في الآخرة عذاب النار فَلا تَسْتَعْجِلُونِ بالإتيان بها قبل وقتها المقدر لها الفاء للسببية معطوف على قوله ساريكم آياتي وهى معترضة ثانية رد الاستبعاد المشركين وعيد العذاب واستعجالهم استهزاء حيث كانوا يقولون أمطر علينا حجارة من السماء قيل نزلت في النضر بن الحارث حين استعجل العذاب. وَيَقُولُونَ اى الكفار مَتى هذَا الْوَعْدُ اى وقت وعد العذاب او القيامة الاستفهام للاستنبط المبنى على الاستعجال والجملة عطف على الشرطية السابقة اعنى وإذ أراك الذين كفروا ان يتخذونك الا هزوا او عطف على يقولون المقدر في قوله اهذا الّذي يذكر الهتكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بالوعيد بالعذاب او بإتيان القيامة خطاب للنبى ﷺ وأصحابه شرط مستغن عن الجزاء بما مضى يعنى فبينوا وقت إتيانها فقال الله تعالى. لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ جواب لو محذوف وحين قيل مفعول به ليعلم والمعنى لو يعلمون الوقت الّذي يحيط بهم النار من كل جانب بحيث لا يستطيعون دفعها عن أنفسهم بانفسهم ولا يجدون أحدا ينصرهم يدفعها عنهم لما أقاموا على كفرهم وقيل مفعول يعلم متروك وحين ظرف بفعل مقدر والتقدير لو كان لهم علم لما استعجلوا يعلمون بطلان ما هم عليه حين لا يكفون فهما جملتان- قلت وجاز ان يكون مفعول يعلم مقدر او يكون حين ظرفا لفعل مقدر والتقدير لو يعلم الذين كفروا ما ينزل بهم حين لا يكفون عن وجوههم النار يعنى حين يحيط بهم النار لما استعجلوا العذاب ولما قالوا متى هذا الوعد. بَلْ تَأْتِيهِمْ الضمير للنار او للوعد او الحين والتأنيث باعتبار ان الوعد بمعنى العدة والحين بمعنى الساعة والجملة إضراب عما تضمنه متى هذا الوعد من الاستبعاد او عما تضمنه لو يعلم الذين كفروا يعنى لا يعلمون وقت مجى الساعة او العدة او النار الّتي يحيط بهم في جميع الجوانب بَغْتَةً اى فجأة منصوب على المصدرية او على الحال فَتَبْهَتُهُمْ تلك العدة او النار او الساعة يعنى تغلبهم او تحيرهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ اى يمهلون فيه تذكير بامهالهم في الدنيا وتقديم المسند اليه

стр. 2419

فى قوله تعالى ولا هم ينصرون ولا هم ينظرون على المسند وهو فعل لدلالة الحصر بالكفار اشعارا بان عصاة المؤمنين ينصرهم الشفعاء من الأنبياء والملئكة والصلحاء وهم ينظرون ويغفرون. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ عطف على قوله وإذ أراك الذين كفروا ان يتخذونك إلا هزوا واللام لكونه جواب قسم محذوف وفيه تسلية للنبى ﷺ ووعيد لمن يستهزأ به فَحاقَ اى نزل بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ اى جزاء استهزائهم. قُلْ يا محمد للمستهزئين بك مَنْ يَكْلَؤُكُمْ اى يحفظكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ قال ابن عباس ان من عذاب الله ان أراد بكم او ان نزل بكم يعنى لاكالئ من عذابه الا رحمته العامة في الدنيا وان اندفاعه بامهاله بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ إضراب عن الأمر بالسؤال فان معناه ذكّرهم الرحمن وحذرهم عن عذابه فقال بل هم معرضون عن ذكره يعنى عن القران ومواعظ الله فلا ينفعهم التذكير او المعنى انهم لا يخطرون الرحمن ببالهم فضلا ان يخافوا بأسه حتى إذ كلئوا منه عرفوا الكالى وصلحوا للسوال عنه. أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ يعنى بل الهم الهة تَمْنَعُهُمْ من عذابنا صفة لالهة مِنْ دُونِنا صفة ثانية لالهة او حال عنه يعنى كائنة من دوننا إضراب ثان عن الأمر بالسؤال فان السؤال عن المعرض بعيد وعن المعتقد لنقيضه ابعد والاستفهام لانكار معتقدهم يعنى ليس الأمر كما اعتقدوه ان الهتهم تمنعهم من العذاب لا يَسْتَطِيعُونَ يعنى ما اعتقدوه الهة لا تستطيع شيء منها نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ أصلا ان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه جملة مستانفة في مقام التعليل للانكار وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ عطف على لا يستطيعون يعنى ولا يصحبهم منا نصركما يصحب لمن يشفع عصاة المؤمنين من النبيين والملئكة والصالحين وقال ابن عباس معناه ولا هم منا يمنعون فالمعنى ان العذاب يشتمل الالهة ايضا نظيره قوله تعالى انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم وقال عطية عنه معناه تجارون يقول العرب انا لك جار وصاحب من فلان وقال مجاهد معناه ينصرون وقال قتادة لا يصحبون من الله يعنى بالاذن في الشفاعة والنصر فهذا يؤل الى الاول والثالث والرابع الى الثاني. بَلْ مَتَّعْنا يعنى أعطينا النعمة وأمهلنا هؤُلاءِ الكفار في الدنيا وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ اى امتد بهم الزمان إضراب عما توهموا من نصر الالهة إياهم ببيان ما هو الداعي الى حفظهم وهو الاستدراج والتمتيع بما قدر لهم من الأعمار او عن الدلالة

стр. 2420

على بطلان ما توهموه ببيان ما أوهمهم ذلك وهو انه تعالى امهلهم استدراجا فاغتروا وحسبوا ان لا يزالوا كذلك وانه بسبب ما هم عليه ولذلك عقبه بما يدل على انه امل كاذب قال أَفَلا يَرَوْنَ الهمرة للانكار والغاء للعطف على محذوف تقديره الا ينظرون فلا يرون بالأبصار او التقدير الا يتفكرون فلا يعلمون أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ اى يأتي أمرنا ارض الكفار ان ينقص نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها اى نسلط المسلمين على أطرافها بيان لقوله ناتى الأرض وتصوير لما يجريه الله على أيدي المسلمين فتح ديار المشركين أرضا فارضا أَفَهُمُ الْغالِبُونَ رسول الله والمؤمنين الهمزة للانكار والفاء للعطف على ناتى الأرض يعنى ليس الأمر انهم يغلبون رسول الله ﷺ والمؤمنين. قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ اى أخوفكم بِالْوَحْيِ اى بما يوحى الى من القران هذه الجملة تقرير النهى عن استعجال لحوق العذاب ونفى استبعاده والمعنى ان اتدارى بالعذاب ليس من تلقاع نفسى انما هو بأخبار الله العليم القدير الّذي لا يحتمل التخلف في اخباره فلا وجه لاستبعادكم واستعجالكم وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ قرأ ابن عامر لا تسمع بالتاء الفوقانية المضمومة وكسر الميم من الافعال خطابا للنبى ﷺ ونصب الصم والباقون بالياء المفتوحة وفتح الميم من المجرور رفع الصم على الفاعلية والجملة حال من فاعل قل او من المحذوف يعنى قل للكافرين المستهزئين المستعجلين للعذاب فا اللام للعهد سماهم الصم ووضعه موضع ضميرهم ولم يقل ولا يسمعون الدعاء اولا يسمعهم فلتصريخ على تصامهم وعدم انتفاعهم بما يسمعون إِذا ما يُنْذَرُونَ ظرف ليسمع او للدعاء والتقييد به لان الكلام في الانذار او للمبالغة في تصامهم وتجاسرهم. وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ جواب قسم محذوف نَفْحَةٌ قال ابن عباس طرف وقيل قليل وقال ابن جريح نصيب من قولهم نفح فلان لفلان من ماله اى أعطاه حظا منه وقيل ضربة من قولهم نفحت الدابة برجلها واصل النفح هبوب رائحة الطيب وفيه مبالغات ذكر المس وما في النفحة من معنى القلة والبناء الدال على المرة مِنْ عَذابِ رَبِّكَ الّذي ينذرون به ويستعجلونه لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا يا هلاكنا احضر فهذا او انك إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ على أنفسنا بالاشراك بالله وعدم التحرز عن عذابه يعنى لدعوا على أنفسهم بالوكيل واعترفوا عليها بالظلم وندموا حين لا ينفعهم الندم. وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ اى ذوات القسط او وصفت به للمبالغة وأفرد القسط لانه مصدر لِيَوْمِ الْقِيامَةِ اى لجزاء يوم القيامة او لاجل أهلها او فيه كقولك
следующие страницы →