اى بشرا وقيل هو مفعول بمعنى الفاعل.
انْظُرْ يا محمد كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ كيف ظرف متعلق بضربوا قدم عليه لتضمنه صدر الكلام والجملة بتأويل المفرد مفعول لانظر اى انظر الى كيفية ضربهم الأمثال اى الأشباه يعنى جعلوك مثل المفترين والقاصين حتى حكموا عليك بالافتراء واستكتاب القصص ومثل المسحورين ومثل من يدعى الملكية او السلطنة حتى حكموا عليك باستحالة الاكل والتسوّق واستلزام لوازم الأغنياء والسلاطين من الكنز والجنة فَضَلُّوا عطف على ضربوا اى كيف ضربوا وكيف ضلوا عن الطريق الموصل الى الحق ومعرفة نبوتك بمعرفة خواص الأنبياء من كونه بشرا معصوما يوحى اليه من ربه ومعرفة ما يميّز بينه وبين المتنبّى من المعجزات الدالّة على نبوته فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا الى الرشد والهدى عطف على ضلوا او المعنى ضربوا لك أمثالا متناقضة فلا يستطيعون سبيلا الى القدح فى نبوتك لان الكلام المتناقض ساقط والله اعلم.
اخرج ابن ابى شيبة فى المصنف وابن جرير وابن ابى حاتم عن خيثمة قال قيل للنبى ﷺ ان شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها لا ينقص ذلك عند ناشيئا فى الاخرة وان شئت جمعتها لك فى الاخرة قال لا اجمعهما لى فى الاخرة فنزلت.
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ فى الدنيا خَيْراً مِنْ ذلِكَ الّذى قالوا من الكنز والبستان ولكن اخّره للاخرة لانه خير وأبقى خيرا مفعول أول لجعل ولك مفعول ثان له قال البغوي وروى عن عكرمة عن ابن عباس قال يعنى خيرا من المشي فى الأسواق والتماس المعاش ثم بين ذلك الخير بقوله جَنَّاتٍ فهو بدل من خيرا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة لجنات وَيَجْعَلْ لَكَ عطف على جعل قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم برواية ابى بكر بالرفع والباقون بالجزم لان الشرطان كان ماضيا جاز فى جزائه الجزم والرفع ويجوز ان يكون الرفع على الاستيناف على انه وعد بما يكون له فى الاخرة قُصُوراً اى بيوتا مشيدة والعرب تسمى كل بيت مشيد قصرا روى احمد والترمذي وحسنه عن ابى أمامة عن النبي ﷺ قال عرض علىّ ربى ان يجعل لى بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما وفى رواية عند البغوي او قال ثلاثا ونحو هذا فاذا جعت تضرعت إليك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ لو شئت لسارت معى جبال الذهب جاءنى ملك ان حجزته لتساوى الكعبة فقال ان ربك يقرأ عليك السلام ويقول ان شئت نبيّا عبدا وان شئت نبيّا
стр. 2802
ملكا فنظرت الى جبرئيل فاشار الىّ ان ضع نفسك فقلت نبيّا عبدا قالت فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك لا يأكل متكئا ويقول أكل كما يأكل العبيد واجلس كما يجلس العبيد.
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ عطف على قالوا يعنى قالوا ذلك بل قالوا اعجب من ذلك او متصل بما يليه يعنى بل قصرت انظارهم على الحطام الدنيوية وظنوا ان الكرامة انما هى بالمال فكذبوك وطعنوا فيك بالفقر وبما تمحّلوا من المطاعن الفاسدة او المعنى بل كذبوا بالساعة فكيف يلتفتون الى هذا الجواب ويصدقونك بما وعد الله لك فى الاخرة او فلا تعجب تكذيبهم إياك فانه اعجب منه وَأَعْتَدْنا عطف على كذبوا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً نارا شديدا لاسعار وقيل اسم لجهنم فيكون صرفه باعتبار المكان.
إِذا رَأَتْهُمْ اى إذا رات النار الكفار حمل بعض المحققين اسناد الرؤية الى النار على الحقيقة لما قال البغوي انه روى عن رسول الله ﷺ قال من كذب علىّ متعمدا فليتبوا مقعده بين عينى النار قالوا وهل لها من عينين قال الم تسمع قول الله تعالى إذا راتهم من مكان بعيد وقيل الاسناد مجازى فقيل والتقدير إذا راتهم زبانيتها على حذف المضاف وقيل بعيني إذا كانت بمرئ منها كقوله ﷺ لا تتراى نارهما اى لا يتقاربان بحيث يكون أحدهما بمرئى من الاخرى مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قال الكلبي من مسيرة مائة عام وقيل من مسيرة خمس مائه سنة سَمِعُوا اى الكفار لَها اى للنار تَغَيُّظاً اى صورت تغيظ هى صوت غليانها شبيها بصوت المتغيظ وَزَفِيراً وهو صوت يسمع من جوقه والجملة الشرطية صفة لسعير وتأنيث ضمير راتهم لانه بمعنى النار او جهنم.
وَإِذا أُلْقُوا يعنى الكفار عطف على الشرطية الاولى مِنْها اى من جهنم حال مما بعده مكانا ظرف لالقوا ضَيِّقاً لزيادة العذاب فان الكرب مع الضيق والرّوح مع السعة قرا ابن كثير بسكون الياء والباقون بتشديدها اخرج ابن ابى حاتم عن يحيى بن أسيد ان رسول الله ﷺ سئل عن هذه الاية قال والّذى نفسى بيده ليستكرهون فى النّار كما يستكره الوتد فى الحائط واخرج عن ابن عمر فى الاية قال مثل الزّج فى الرمح وقال ابن المبارك من طريق قتادة قال ذكر لنا ان عبد الله كان يقول ان جهنم لتضيق على الكافرين كضيق الزّجّ على الرمح واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود قال إذا القى فى النار من يخلد فى النار جعلوا فى توابيت من حديد فيها مسامير من حديد ثم جعلت تلك التوابيت فى توابيت من حديد ثم قذفوا فى أسفل جهنم فما يرى أحدهم انه يعذب
стр. 2803
غيره واخرج ابو نعيم والبيهقي عن سويد بن غفلة نحوه مُقَرَّنِينَ حال من الضمير المرفوع فى القوا يعنى وقد قرئت أيديهم الى أعناقهم بالسلاسل وقيل مقرنين مع الشياطين دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً جزاء للشرط قال ابن عباس يعنى ويلا وقال الضحاك هلاكا اخرج احمد والبزار وابن ابى حاتم والبيهقي بسند صحيح عن انس رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من بعده وذريته من بعده وهو ينادى يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار فيقال لهم.
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً استيناف كانّه فى جواب ماذا يقال لهم حين يدعون ثبورا يعنى هلاككم اكثر من ان تدعوا مرة واحدة فادعوا ادعية كثيرة وذلك لان عذابكم انواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته او لانه يتجدد كقوله تعالى كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب او لانه لا ينقطع فهو فى كل وقت ثبورا قال الله تعالى.
قُلْ يا محمد استيناف أَذلِكَ الذي ذكرت لك من صفة النار وأهلها او أذلك الكنز والجنة التي فى الدنيا خَيْرٌ من جنة الخلد أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ خير من ذلك استفهام تقرير للتقريع مع التهكم والتوبيخ للكفار واضافة الجنة الى الخلد للمدح او للدلالة على خلودها او للتميز عن جنات الدنيا الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ العائد الى الموصول محذوف والمراد بالمتقين من يتقى الشرك والتكذيب بدلالة مقابلة الكفار وان الجنة يكون جزاء لكل مؤمن كانَتْ لَهُمْ فى علم الله او اللوح المحفوظ او لان ما وعد الله فى تحققه كالواقع جَزاءً ثوابا على أعمالهم وَمَصِيراً مرجعا ينقلبون اليه التنكير فيها للتعظيم وجزاء ومصيرا حالان من الضمير المرفوع فى كانت او خبر ثان له وجملة كانت لهم حال من المفعول المقدر لوعد اى جنّة الخلد الّتى وعد المتّقون إياها وقد كانت لهم جزاء ومصيرا او حال من المتّقون والرابط ضمير لهم.
لَهُمْ فِيها اى فى الجنة ما يَشاؤُنَ العائد محذوف اى ما يشاءونه من النّعيم يعنى على ما يليق برتبته إذا الظاهر ان الناقص لا يدرك ما يدركه الكامل بالتشهى وفيه تنبيه على ان جميع المرادات لا يحصل الا فى الجنة خالِدِينَ حال من أحد ضمائرهم كانَ الضمير الراجع الى ما يشاءون عَلى رَبِّكَ وَعْداً اى موعودا من الله وكلمة على للوجوب استعمل لاستحالة الخلف فى الموعود ولا يلزم منه الا لجاء لان تعلق الارادة بالموعود مقدم على الوعد الموجب للانجاز وهو تحقق الاختيار مَسْؤُلًا اى
стр. 2804
حقيقا بان يسئل ويطلب او مسئولا ساله الناس فى دعائهم ربّنا اتنا ما وعدتنا على رسلك قال محمد بن كعب القرظي كان مسؤلا من الملائكة بقولهم ربّنا وأدخلهم جنّت عدن الّتى وعدتهم.
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ متعلق بقالوا سبحانك وجملة قالوا سبحانك مع متعلقاتها عطف على واتّخذوا من دون الله الهة. قرأ ابن كثير وابو جعفر ويعقوب وحفص بالياء على الغيبة والباقون بالنون على التكلم والتعظيم وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ اى كل معبود سواه عبد بالباطل عاقلا كان او غير عاقل لان كلمة ما يعمهما على الأصح وقال مجاهد رض يعنى من الملائكة والجن وعيسى ع وعزير ع خص لهؤلاء بقرينة السؤال والجواب. وقال عكرمة والضحاك والكلبي يعنى الأصنام لان ما لغير ذوى العقول وهذا القول محمول على ان الله سبحانه يجعلها فى الاخرة ذات حيوة ونطلق فتنطق كما تنطق الجوارح والامكنة ونحو ذلك فَيَقُولُ للمعبودين بالباطل عطف على يحشر قرأ ابن عامر بالنون على التكلم والتعظيم والباقون بالياء على الغيبة اى يقول الله سبحانه لهم أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ بدل من عبادى يعنى أضللتم إياهم بدعوتكم إياهم الى عبادة أنفسكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ اى معرفة الحق لاخلالهم بالنظر الصحيح واعراضهم عن المرشد النصيح الفصيح وهو استفهام تقريع وتبكيت للعبيد وأصلهء أضللتم أم ضلّوا فغير النظم ليلى حرف الاستفهام المقصود بالسؤال وهو المتولى للفعل دون نفس الفعل لانه قطعى لا شبهة فيه والا لما توجه العتاب.
قالُوا أورد صيغة الماضي للمستقبل لتحقق الوقوع سُبْحانَكَ تعجبا لما قيل لهم لعصمتهم ان كانوا ملائكة او أنبياء او لعدم قدرتهم على الإضلال ان كانوا جمادات او غير ذلك. او اشعارا بانهم الموسومون بتسبيحه وتحميده حيث قال الله تعالى وان من شىء الّا يسبّح بحمده فكيف يليق بهم إضلال عبيده او تنزيها لله تعالى من ان يكون له شريك ما كانَ يَنْبَغِي لَنا جملة ينبغى خبر كان واسمه ضمير الشان أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ من مزيدة لتأكيد النفي اى ما يصح لنا ان نوالى أحدا غيرك للعصمة وعدم القدرة فكيف يصح لنا ان ندعو غيرنا الى ان يتخذ وليا دونك وهذا جواب صحيح للانبياء والملائكة وكذا للجمادات واما من ادعى فى الدنيا الوهيّة باطلة من شياطين الجن والانس فهذا الجواب منهم كقولهم والله ربنا ما كنّا مشركين وكقول الشيطان لمّا قضى لامر انّ الله وعدكم وعد الحقّ ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان
стр. 2805
الاية وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ بطول العمر والصحة وانواع النعم فاستغرقوا فى الشهوات حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ عطف على متّعتهم يعنى حتى غفلوا عن ذكرك وتذكّر آلائك والتّدبّر فى آياتك المنصوبة الدالّة على ذلك وعن احتياجهم إليك او تركوا الموعظة والايمان بالقران فهو نسبة للضلال إليهم من حيث انه يكسبهم واسناد له الى ما فعل الله بهم فحملهم عليه فهذه الاية حجة لنا على المعتزلة لا لهم علينا وَكانُوا فى قضائك عطف على نسوا قَوْماً بُوراً اى هلكا مصدر وصف به ولذلك يستوى فيه الواحد والجمع وقيل جمع بائر كعائذ وعوذ.
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ خطاب مع المشركين فى الدنيا يعنى فسيكذبكم فى الاخرة الهتكم التي تعبدونها أورد صيغة الماضي للقطع بوقوعها كما فى قوله تعالى إذا السّماء انشقّت. وجاز ان يكون بتقدير القول يعنى فنقول حينئذ للمشركين فقد كذبكم المعبودون بِما تَقُولُونَ الباء بمعنى فى اى فى قولكم انهم الهة او هؤلاء أضلونا وجاز ان يكون بما تقولون بدل اشتمال من الضمير المنصوب فى كذّبوكم يعنى كذبوا قولكم فَما تَسْتَطِيعُونَ عطف على فقد كذّبوكم قرأ حفص بالتاء على الخطاب للعابدين والباقون بالياء على ان الضمير راجع الى المعبودين صَرْفاً اى لا يستطيع المعبودون صرف العذاب عنكم وَلا نَصْراً لكم اولا تستطيعون أنتم صرف العذاب عن أنفسكم ولا نصر أنفسكم. وقيل الصرف الحيلة ومنه قول العرب انه يتصرف اى يحتال وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ايها الناس نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ان كان المراد بالظلم الشرك فالجزاء لازم اجماعا وان كان يعم الكفر والفسق فاقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا وهو التوبة والإحباط بالطاعة اجماعا وبالعفو عندنا اخرج الواحدي من طريق جويبر والبغوي عن الضحّاك رض عن ابن عبّاس رض وابن جرير رض نحوه من طريق سعيد او عكرمة عند انه لما عيّر المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة وقالوا ما لهذا الرّسول يأكل الطّعام ويمشى فى الأسواق حزن رسول الله ﷺ فنزل.
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ يعنى الا رسلا انهم لياكلون فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه والمعنى الا رسلا آكلين الطعام والماشين فى الأسواق كقوله تعالى وما منّا الّا له مقام معلوم اى ما منّا من أحد الا من له مقام معلوم وجاز ان يكون حالا اكتفى منها بالضمير يعنى ما أرسلنا قبلك أحد من المرسلين فى حال من الأحوال الّا والحال انّهم لياكلون وجملة ما أرسلنا معترضة لتسلية النبي ﷺ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
стр. 2806
اى بلية فالغنى فتنة للفقير يقول الفقير مالى لم أكن مثله والصحيح فتنة للمريض والشريف للوضيع وقال ابن عباس اى جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا على ما تسمعون فيهم وترون من خلافهم وتتبعوا الهدى وقيل نزلت فى ابتلاء الشريف بالوضيع وذلك ان الشريف إذا أراد ان يسلم فراى الوضيع قد اسلم قبله انف وقد اسلم بعده. فيكون له على الشريف السابقة والفضل فيقيم على الكفر ويمتنع عن الإسلام فذلك افتتان بعضهم ببعض وهذا قول الكلبي وقال مقاتل نزلت فى ابى جهل والوليد بن عتبة والعاص بن وائل والنضر بن الحارث وذلك انهم إذا راوا أبا ذر رض وابن مسعود رض وعمّارا رض وبلالا رض وصهيبا رض وعامر بن فهيرة قالوا نسلم ونكون مثل هؤلاء. وقال قتادة رض نزلت فى ابتلاء المؤمنين بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون انظروا الّذين اتبعوا محمدا من موالينا ورذالتنا فقال الله تعالى لهؤلاء المؤمنين أَتَصْبِرُونَ على هذه الحالة من الفقر والشدة والأذى فتؤجروا أم لا تصبرون فتزدادوا غمّا الى غمكم وحاصل المعنى اصبروا وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً بمن صبر وجزع عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا نظر أحدكم الى من فضل عليه فى المال والجسم فلينظر الى من هو أسفل منه. رواه الشيخان فى الصحيحين واحمد.
стр. 2807
الجزء التّاسع والعشر.
وَقالَ عطف على قال الّذين كفروا الَّذِينَ لا يَرْجُونَ اى لا يأملون لِقاءَنا بالخير لانكارهم البعث ولا لقاءنا بالشر اما مجازا واما على لغة تهامة قال الفراء ان الرجاء بمعنى الخوف على لغة تهامة ومنه قوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا اى لا يخافون لله عظمة واصل اللقاء الوصول الى الشيء ومنه الرؤية فانه وصول الى المرئي والمراد به الوصول الى جزائه لَوْلا اى هلّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فيخبروننا بصدق محمد او يكونون رسلا من الله إلينا أَوْ نَرى رَبَّنا فيامرنا باتباعه لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا جواب قسم محذوف فى شأن أَنْفُسِهِمْ حيث طلبوا لانفسهم ما ينفق لافراد من الأنبياء الّذين هم أكمل خلق الله فى أكمل أوقاتها وما هو أعظم من ذلك وَعَتَوْا تجاوزوا الحد فى الظلم وقال مجاهد طغوا وقال مقاتل علوا فى القول وقال البغوي العتو أشد الكفر وأفحش الظلم عُتُوًّا كَبِيراً بالغا أقصى مراتبه حيث طلبوا رؤية الله ولا شىء فوق ذلك وقيل عتوهم انهم عاينوا المعجزات الباهرة فاعرضوا عنها وطلبوا لانفسهم الخبيثة ما تقطعت دونه أعناق الطالبين الكاملين.
يَوْمَ يَرَوْنَ اى الكفار الْمَلائِكَةَ يعنى حين الموت او يوم القيامة جملة معترضة والظرف امّا متعلق باذكر ويقولون حجرا محجورا عطف على يرون وجملة لا بشرى يومئذ لّلمجرمين معترضة اخرى واما متعلق بقوله تعالى لا بشرى بتقدير القول يعنى يوم يرون الملئكة يقولون اى الملائكة لا بُشْرى للمجرمين قال عطية ان الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة ويقولون للكافرين لا بشرى لكم.
وقيل معناه يوم يرون الملائكة لا يبشرون كما يبشرون المؤمنين بالجنة يَوْمَئِذٍ تكرير او خبر للا او ظرف لما تعلق به اللام فى للمجرمين لِلْمُجْرِمِينَ اما متعلق بالظرف المستقر اعنى يومئذ او خبر للا او متعلق بالبشرى ان قدرت منونة غير مبنية مع لا فانها لا تعمل وللمجرمين أمّا عام يتناول حكمه حكمهم واما خاص وضع موضع ضميرهم تسجيلا على جرمهم واشعارا بما هو المانع للبشرى والموجب لما يقابله وَيَقُولُونَ اى الملائكة عطف
стр. 2808
على يقولون لا بشرى حِجْراً مَحْجُوراً كذا قال البغوي عن عطاء عن ابن عباس انه تقول الملئكة حراما محرما ان يدخل الجنة الا من قال لا اله الا الله محمد رسول الله وعن مقاتل انه إذا خرج الكفار من قبورهم قالت الملائكة لهم حراما محرما عليكم ان تكون لكم الجنة وقال بعضهم معنى الاية يقولون اى المجرمون حين يخرجون من قبورهم ويرون الملائكة حجرا محجورا قال البغوي قال ابن جريح كانت العرب إذا نزلت بهم شدة وراوا ما يكرهون قالوا حجرا محجورا فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة ومعناه عوذا معوذا قال مجاهد يستعيذون من الملائكة يعنى يوم يرون الملائكة وتقول الملائكة لا بشرى ويقول المجرمون حجرا محجورا اى يطلبون من الله ان يمنع لقاءهم.
وَقَدِمْنا اى عمدنا ذلك اليوم عطف على ويقولون إِلى ما عَمِلُوا اى الكفار مِنْ عَمَلٍ صالح كقرى الضيف وصلة الرحم واغاثة الملهوف ونحوها فَجَعَلْناهُ عائد الى ما عملوا هَباءً مَنْثُوراً اى باطلا لا ثواب له لفوات شرط الثواب عليه من الايمان والإخلاص لله تعالى قال على الهباء ما يرى فى الكوى إذا وقع الشمس فيها كالغبار ولا يمس منها بالأيدي ولا يرى فى الظل وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد- والمنثور المفرق صفة لهباء وقال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير هو ما تسفه الريح وتذريه من التراب وحطام الشجر وقال مقاتل هو ما يطير من حوافر الدّواب عند السير وقيل الهباء المنثور ما يرى فى الكوة والهباء المنبتّ ما يطيره الريح من سنابك الخيل شبه عملهم المحبط فى حقارته وعدم نفعه بالهباء ثم بالمنثور منه فى انتثاره بحيث لا يمكن نظمه او فى تفرقه نحوا عراضهم التي كانوا يتوجهون نحوها او مفعول ثالث من حيث انه كالخبر كقوله تعالى كونوا قردة خسئين.
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ اى يوم يرون الملئكة خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا اى مكانا يستقر فى اكثر الأوقات وَأَحْسَنُ مَقِيلًا مكانا يؤوى اليه للاسترواح بالأزواج وهو التمتع بهن ويجوز ان يراد به مكان القيلولة على التشبيه إذ لا نوم فى الجنة وقال الأزهري القيلولة والمقيل الاستراحة نصف النهار وان لم يكن مع ذلك نوم لان الله تعالى قال واحسن مقيلا والجنة لا نوم فيها وفى احسن رمز الى ما يتزين به مقيلهم من حسن الصور وغيره من المحاسن ويحتمل ان يراد بالمستقر والمقيل المصدر او الزمان واشارة الى ان مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيل من الامكنة والازمنة والتفضيل اما لارادة الزيادة مطلقا او بالاضافة الى ما للمترفين فى الدنيا اخرج ابن المبارك فى الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ابى حاتم والحاكم وصححه
стр. 2809
عن ابن مسعود رض قال لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء وذكر البغوي عن ابن مسعود رض لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل اهل الجنة فى الجنة واهل النار فى النار وقرأ ثمّ انّ مقيلهم لالى الجحيم هكذا كان يقرأه- واخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابو نعيم فى الحلية عن ابراهيم النخعي قال كانوا يرون انه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة نصف النهار فيقيل اهل الجنة فى الجنة واهل النار فى النار وقال البغوي كان ابن عباس رض يقول فى هذه الاية الحساب ذلك اليوم فى اوله وقال القوم حين قالوا فى منازلهم فى الجنة قال البغوي ويروى ان يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر الى غروب الشمس.
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ عطف على يوم يرون قرأ اهل الكوفة وابو عمرو بتخفيف الشين هاهنا وفى سورة ق بحذف احدى التاءين والباقون بالتشديد بإدغام التاء فى الشين السَّماءُ بِالْغَمامِ اى بسبب طلوع الغمام وهو الغمام المذكور فى قوله تعالى هل ينظرون الّا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملئكة وقد مر فى سورة البقرة. وهو غمام ابيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن الا لبنى إسرائيل فى تيههم وقال البغوي الباء بمعنى عن يتعاقبان يقال رميت السهم بالقوس وعن القوس فالمعنى تشقق السماء عن الغمام وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ قرأ العامة بنون واحدة وتشديد الزاء وفتح اللام على صيغة الماضي المبنى للمفعول ورفع الملائكة على انه مسند اليه وقرأ ابن كثير بنونين وتخفيف الزاء وضم اللام على صيغة المضارع المبنى للفاعل المتكلم على التعظيم من الانزال ونصب الملائكة على المفعولية تَنْزِيلًا اخرج الحاكم وابن ابى حاتم وابن جرير وابن ابى الدنيا فى كتاب الأهوال عن ابن ابى عباس انه قرأ يوم تشقّق السّماء بالغمام قال يجمع الله الخلق يوم القيمة فى صعيد واحد الجن والانس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق فتشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم اكثر ممّن فى الأرض من الجن والانس وجميع الخلق فيحيطون بالجن وو الانس وجميع الخلق فيقول اهل الأرض أفيكم ربنا فيقولون لا ثم ينزل اهل السماء الثانية وهم اكثر من اهل السماء الدنيا واهل الأرض فيقولون أفيكم ربنا فيقولون «١» لا فيحيطون بالملائكة الّذين نزلوا قبلهم وبالجن والانس وجميع الخلائق ثم ينزل اهل السماء الثالثة وهم اكثر من اهل السماء الثانية والاولى واهل الأرض فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا ثم ينزل اهل السماء الرابعة وهم اكثر من اهل السماء الثالثة والثانية والاولى واهل الأرض فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا ثم
стр. 2810
ينزل اهل السماء الخامسة وهم اكثر ممن تقدم ثم اهل السماء السادسة كذلك ثم اهل السماء السابعة وهم اكثر من اهل السماوات واهل الأرض فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا ثم ينزل ربّنا فى ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم اكثر من اهل السماوات السبع والأرضين وحملة العرش لهم قرون ككعوب القنا ما بين قلام أحدهم كذا وكذا ومن أخص قدمه الى كعبه خمس مائة عام ومن كعبه الى ركبته خمس مائة عام ومن ركبته الى ارنبه خمس مائة عام ومن ارنبه الى ترقوته مقدم الحلق مسيرة خمس مائة ومن ترقوته الى موضع القرط خمس مائة عام وقد مرّ هذا الحديث «١» واقوال فى أعلى الصيد وحيث تترقى النفس منه رح العلماء فى تاويل نزوله تعالى فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى هل ينظرون الّا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام. واخرج ابن جرير وابن المبارك عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة امر الله السّماء فتشققت باهلها فيكون الملائكة على حافتها حين يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فصفّوا صفّادون صف ثم ينزل ملك الا على مجنبته اليسرى جهنم فاذا راها اهل الأرض ندوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض الا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فرجعوا الى المكان الذي كانوا فيه وذلك قوله تعالى انّى أخاف عليكم يوم التّناد يوم تولّون مدبّرين وقوله تعالى وجاء ربّك والملك صفّا صفّا وجئ يومئذ بجهنّم وقوله تعالى يمعشر الجنّ والانس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السّموت والأرض فانفذوا وقوله تعالى وانشقّت السّماء فهى يومئذ واهية والملك على أرجائها يعنى ما تشقق منها فبينما كذلك إذا سمعوا الصوت واقبلوا الى الحساب.
الْمُلْكُ مبتدا يَوْمَئِذٍ اى يوم إذ تشقق السماء متعلق بالملك الْحَقُّ صفة للملك لِلرَّحْمنِ خبر للمبتدا يعنى الملك الثابت المتحقق الّذى لا زوال له يومئذ ثابت للرحمن دون غيره وجاز ان يكون يومئذ خبرأ للمبتدا وللرحمان متعلق به وَكانَ يَوْماً خبر كان واسمه ضمير مستتر عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً صفة ليوم وعلى الكافرين متعلق به يعنى كان ذلك البوم يوما شديدا على الكافرين وجاء فى الحديث عن ابى سعيد قال سئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن يوم كان مقداره خمسين الف سنة ما أطول هذا اليوم فقال والّذى نفسى بيده انه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا والله اعلم قال البغوي كان عقبة بن ابى
стр. 2811
معيط لا يقدم من سفر الا صنع طعاما يدعو اليه اشراف قومه وكان يكثر مجالسة النبي ﷺ فقدم ذات يوم من سفر فصنع الطعام فدعا الناس ودعا رسول الله ﷺ فلمّا قرب الطعام قال رسول الله ﷺ ما انا بأكل طعامك حتى تشهد ان لا اله الّا الله وانى رسول الله فقال عقبة اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فاكل رسول الله ﷺ من طعامه- وكان عقبة صديقا لابى بن خلف فلمّا اخبر أبيّ بن خلف قال له يا عقبه صبأت قال لا والله ما صبأت ولكن دخل على رجل فابى ان يأكل طعامى الا ان اشهد له فاستحييت ان يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له فطعم فقال ما انا بالّذى ارضى منك ابدا الا ان تأتيه فتبزق فى وجهه ففعل ذلك عقبة فقال النبي ﷺ لا القان خارجا من مكة الا علوت رأسك بالسيف فقتل عقبة يوم بدر صبرا واما أبيّ بن خلف فقتله النبي ﷺ يوم أحد بيده وكذا اخرج ابن جرير مرسلا وفيه وقال أبيّ لعقبة ارضى منك الا ان تأتيه فتطأ قفاه وتبزق فى وجهه فوجده ساجدا فى دار الندوة ففعل ذلك فقال ﵇ لا ألقاك خارجا من مكة الا علوت راسك بالسيف فاسر يوم بدر فامر عليا بقتله وطعن ابيّا بأحد فى المبارزة فرجع الى مكة فمات ففى شأن عقبة وأبيّ نزلت.
وَيَوْمَ يَعَضُّ عطف على يوم تشقّق الظَّالِمُ يعنى عقبة بن ابى معيط عَلى يَدَيْهِ من فرط الحسرة اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال كان ابى بن خلف يحضر النبي ﷺ فزجره عقبة بن ابى معيط فسنزلت هذه الاية الى قوله خذولا واخرج مثله عن الشعبي ومقسم قال البيضاوي عض اليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة. قال الضحاك لما بزق عقبة فى وجه رسول الله ﷺ عاد بزاقه فى خده فاحترق خداه وكان اثر ذلك فيه حتى الموت وقال الشعبي كان عقبة بن ابى معيط خليل امية بن خلف فاسلم عقبة فقال امية وجهى من وجهك حرام ان بايعت محمدا فكفر وارتدّ فانزل الله ويوم يعضّ الظّالم يعنى عقبة بن ابى معيط بن امية بن عبد الشمس بن عبد مناف على يديه ندما وأسفا على ما فرط فى جنب الله واوبق نفسه بالمعصية والكفر لطاعة خليله الّذى صده عن سبيل ربه قال عطاء يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه ثم تنبتان ثم يأكل هكذا كلّما نبتت يده أكلها تحسرا على ما فعل يَقُولُ يا لَيْتَنِي تقديره يا قوم ليتنى قرا ابو عمرو رض بفتح الياء والآخرون بإسكانها خال من فاعل يعض اتَّخَذْتُ فى الدنيا مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يليتنى اتبعت محمدا او اتخذت معه سبيلا الى الهدى
стр. 2812
والنجاة طريقا واحدا وهو طريق الحق ولم ينشعب بي طريق الضلالة.
يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً يعنى ابى بن خلف وفلان كناية عن الاعلام خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي فلان عَنِ الذِّكْرِ اى عن ذكر الله او كتابه او موعظة الرسول او كلمة الشهادة جواب قسم محذوف بَعْدَ إِذْ جاءَنِي اى الذكر مع الرسول وَكانَ الشَّيْطانُ يعنى الخليل المضلّ فان كل متمر دعات من الانس والجن وكل من صد عن سبيل الله فهو شيطان لِلْإِنْسانِ خَذُولًا فعول من الخذلان وهو ترك الاعانة والنصر يعنى لا يواليه حتى يؤديه الى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه وهذه الآيات وان كان موردها خاصا لكنها عامة من حيث العمارة يشتمل حكمه كل متحابين اجتمعا على معصية عن ابى موسى رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك اما ان يجديك واما ان تبتاع منه او تجد ريحا طيبة ونافخ الكير اما ان يحرق ثيابك واما ان تجد ريحا خبيثة رواه البخاري وعن ابى سعيد الخدري انه سمع رسول الله ﷺ يقول لا تصاحب الا مؤمنا ولا يأكل طعامك الا تقى رواه احمد وابو داود والترمذي وابن حبان والحاكم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ المرء على دين خليله فلينظر من يخالل- رواه البغوي وفى الصحيحين وعند احمد واصحاب السنن عن انس وفى الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال المرء مع من أحب.
وَقالَ الرَّسُولُ محمد ﷺ يومئذ عطف على يعضّ الظّالم يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي قرا نافع وابو عمرو والبزي بفتح الياء والباقون بإسكانها يعنى قريشا اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً اى متروكا فاعرضوا عنه ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه وقيل معناه جعلوه بمنزلة الهجر والهذيان والقول السيء فزعموا انه شعر او سحر او كهانة وهو قول النخعي ومجاهد وقيل معناه قال الرسول محمد ﷺ فى الدنيا يشكوا قومه الى ربه انّ قومى اتّخذوا لهذا القران مهجورا وعلى هذا قال الرسول عطف على قال الّذين لا يرجون ولما شكى رسول الله ﷺ قومه الى ربه عزاه الله تعالى بقوله.
وَكَذلِكَ اى جعلا مثل ما جعلنا لك اعداء من مشركى قريش جَعَلْنا عطف على قال الرّسول لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا لفظ العدو يحتمل للواحد والجمع مِنَ الْمُجْرِمِينَ اى من المشركين فاصيركما صبروا فانى ناصرك وهاديك وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً الى طريق قهرهم وَنَصِيراً عليهم هاديا ونصيرا حال من فاعل كفى او تمييز من النسبة مثل قوله تعالى وكفى بالله شهيدا والله دره فارسله جملة كفى بربّك عطف على كذلك جعلنا.
стр. 2813
واخرج ابن ابى حاتم والحاكم وصححه والضياء فى المختار عن ابن عباس انه قال المشركون ان كان محمد (كما يزعم) نبيّا فلم يعذبه ربه الا ينزل عليه القران جملة واحدة فانزل الله تعالى.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على قال الّذين لا يرجون لَوْلا هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ اى انزل عليه كخبّر بمعنى اخبر كيلا يناقض قوله جُمْلَةً واحِدَةً دفعة واحدة حال من القران كما أنزلت التورية على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود عليهم الصلاة والسلام. قال البيضاوي هذا اعتراض لا طائل تحته لان الاعجاز لا يختلف بنزوله جملة او مفرقا مع ان التفريق قوائد منها ما أشار اليه بقوله كَذلِكَ متعلق بمحذوف اى أنزلناه كذلك مفرقا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ اى لنقوى بتفريقه قلبك على حفظه وفهمه ولان نزوله بحسب الوقائع يوجب بصيرة فى المعنى ولانه إذا نزل منجما وهو يتحدى كل نجم فيعجزون عن معارضة ذلك زاد ذلك قوة قلبه ولانه إذا نزل به جبرئيل حالا بعد حال يثبت به فواده ومن فوائد التفريق فى النزول معرفة الناسخ من المنسوخ ومنها انضمام القرائن الحالية الى الدلالات اللفظية فانه يعين على البلاغة وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا عطف على أنزلناه المقدر الّذى تعلق به لنثبت قال ابن عباس رض بيّنّه بيانا والترتيل القراءة فى ترسل وتثبت وقال السدى فصلناه تفصيلا وقال مجاهد بعضه فى اثر بعض وقال النخعي والحسن فرقناه تفريقا واصل الترتيل فى الأسنان وهو تفليجها.
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ اى سوال عجيب كانه مثل يريدون به القدح فى نبوتك إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ يعنى الّا جئنا لك فى جواب سوالهم بما يحق لرد ما جاءوك وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً عطف على الجار والمجرور اى بما هو احسن بيانا يزيل اشكالهم او المعنى لا يأتونك بحال عجيب يقولون هذا كان حاله الا أعطيك من الأحوال ما يحق لك فى حكمتنا وما هو احسن كشفا لما بعثت له والفسر الا بانة وكشف المغطى كذا فى القاموس.
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ ذم منصوب او مرفوع او مبتدا خبره أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا والمفضل عليه هو الرسول على طريقة قوله تعالى قل هل أنبئكم بخير من ذلك متوبة عند الله من لّعنه الله وغضب عليه كانّه قيل ان حالهم على هذه الاسئلة تحقير مكانه بتضليل سبيله ولا يعلمون حالهم ليعلموا انهم هم شرّ مّكانا واضلّ سبيلا وقيل انه متصل بقوله تعالى اصحاب الجنّة يومئذ خير مستقرّا واحسن مقيلا فالمفضل عليه عام كما كان هناك يعنى أولئك شر مكانا من كل مكين وأضل سبيلا من كل سالك ضالّ فكلمتا
стр. 2814
مكانا وسبيلا تميزان من النسبة ووصف السبيل بالضلال من الاسناد المجازى للمبالغة عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة اصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم فقال رجل يا رسول الله او يمشون على وجوههم قال الّذى أمشاهم على أقدامهم قادر على ان يمشيهم على وجوههم. رواه ابو داود والبيهقي وعن انس رض سئل رسول الله ﷺ كيف يحشر الكافر على وجهه قال أليس الّذى أمشاه على رجليه فى الدنيا قادرا على ان يمشيه على وجهه يوم القيامة متفق عليه وعن معاوية بن حيدة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول انكم تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم. رواه الترمذي وحسنه وعن ابى ذر قال حدثنى الصادق المصدوق ﷺ ان الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين وفوج يمشون ويسعون وفوج يسحبهم الملائكة على وجوههم. رواه النسائي والحاكم والبيهقي..
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ اى التورية وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً يوارده ويعينه فى الدعوة وإعلاء كلمة الله ولا ينافى ذلك مشاركته فى النبوة لان المتشاركين فى الأمر متوازران عليه.
فَقُلْنَا لهما اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فادعواهم الى الايمان بالله وآياته الدالّة على وجوده ووحدته وصفاته الكاملة فانهم كانوا ينكرون الصانع او يشركون به غيره ويعبدون الأصنام وجاز ان يكون المراد بالآيات معجزات موسى ﵇ وعلى هذا قوله تعالى الّذين كذّبوا بايتنا صادق بالنسبة الى زمان الحكاية يعنى حين نزول القران ولا يجوز ان يكون المراد بالآيات آيات التوراة لانها ما نزلت الا بعد هلاك فرعون وقومه فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً فى الكلام حذف للايجاز تقديره فذهبا إليهم فدعواهم الى الايمان بالله وآياته فكذّبوهما فدمّرناهم تدميرا اقتصر على ما هو المقصود من القصة وهو الزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
وَقَوْمَ نُوحٍ منصوب باذكر او بفعل مضمر يفسره قوله أغرقناهم يعنى أغرقنا قوم نوح ولا يجوز ان يكون معطوفا على هم فى دمّرناهم إذ لو كان كذلك لزم تعقيب تدمير قوم نوح بإتيان موسى وقد كان قبل ذلك لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ظرف لفعل مضمر ناصب لقوم نوح او ظرف لما بعده والمراد بتكذيب الرسل تكذيب نوح ومن قبله من الرسل ﵈ او تكذيب نوح وحده وأورد صيغة الجمع لان تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل او المعنى كذبوا بعثة الرسل أَغْرَقْناهُمْ بالطوفان وَجَعَلْناهُمْ اى جعلنا إغراقهم
стр. 2815
او قصتهم لِلنَّاسِ آيَةً عبرة وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ على أنفسهم بالكفر عَذاباً أَلِيماً وَعاداً وَثَمُودَ عطف على هم فى جعلنهم وجاز ان يكون منصوبا بفعل محذوف دلّ عليه سياق الكلام يعنى أهلكنا عادا وثمودا وباذكر وقد مرّ قصتهما فيما سبق من سورة الأعراف وغيرها.
وَأَصْحابَ الرَّسِّ فى القاموس الرسّ ابتداء الشيء ومنه رسّ الحمى ورسيسها والبئر المطوية بالحجارة والإصلاح والإفساد ضد وواد بآذربيجان عليه الف مدينة والحفر ودفن الميت. ولعل اطلاق اصحب الرس على قوم معهودين لكونهم بلدين بالشر والكفر مفسدين فى الأرض او لكونهم اهل بئر او ساكنى تلك الوادي او لانهم قتلوا نبيهم ودفنوه والمراد هاهنا قوم كانوا اهل بئر قعود عليها اصحب مواش يعبدون الأصنام فوجه الله عليهم شعيبا ﵇ يدعوهم الى الإسلام فتمادوا فى طغيانهم وفى أذى شعيب ﵇ فبينما هم حول البئر فى منازلهم انهارت البئر فخسف الله بهم وبديارهم ورباعهم فهلكوا جميعا كذا قال وهب بن منبه وأخرجه ابن جرير وابن عساكر عن قتادة قال البغوي قال قتادة والكلبي الرس بئر بفلح اليمامة قتلوا نبيهم فقتلهم الله وقال بعضهم هم بقية ثمود قوم صالح وهم اصحب البئر التي ذكرها الله تعالى فى قوله وبئر معطّلة وقصر مشيد وكذا اخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ابى حاتم عن قتادة وقال البغوي قال سعيد بن جبير كان لهم نبى يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فاهلكهم الله. قيل ابتلاهم الله بطير عظيم كان فيها من كل لون وسموها عنقا لطول عنقها وكانت تسكن جيلهم الذي يقال له فتح ادمخ وتنقضّ على صبيانهم فتخطفهم فدعا عليها حنظلة فاصابتها الصاعقة ثم انهم قتلوه واهلكوا- وقال البغوي قال كعب ومقاتل والسدى الرس بئر بانطاكية قتلوا فيها حبيب النجار وهم الّذين ذكرهم الله فى سورة يس وقيل هم اصحاب الأخدود الذي حفروه وقال عكرمة هم رسّوا نبيهم فى البئر اى دفنوه وقيل الرسّ المعدن وجمعه رساس وَقُرُوناً عطف على اصحب الرّس يعنى وأهلكنا قرونا وهو جمع الكثرة لقرن وهو قوم مقترنون من زمن واحد- القرن إذا كان مضافا الى شخص معين او جمع معلوم يراد به من يقترن ويلاقى ذلك الشخص او تلك الجماعة يعنى أكثرهم او واحدا منهم ومنه ما يقال القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير بقوله ﷺ خير القرون قرنى ثم الّذين يلونهم ثم الّذين يلونهم فقرن النبي ﷺ هم الصحابة الّذين راوا النبي ﷺ والقرن الثاني الّذين راوا واحدا من الصحابة او اكثر والثالث الّذين راوا واحدا منهم او اكثر وان كان غير مضاف يراد به قوم مقترنون فى زمن واحد
стр. 2816
ولا شك فى انه إذا اقترن جماعة فى زمان فكبارهم تقترن فى صغرهم بكبار سبقوا وصغارهم تفترن فى كبرهم بصغار تلحقهم- فوضعوا لاطلاق القرن مدة فقيل أربعون او عشرة او عشرون او ثلاثون او خمسون او ستون او سبعون او تسعون او مائة او مائة وعشرون والاصحّ انها مائة سنة بقوله ﷺ لغلام عش قرنا فعاش مائة سنة والمعنى على هذا وأهلكنا اهل اعصار كثيرة كافرة بَيْنَ ذلِكَ اى بين ماد وثمود واصحاب الرّسّ وقوم موسى كَثِيراً صفة لقرون.
وَكُلًّا منصوب بفعل مضمر يدل عليه ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ والتنوين عوض من المضاف اليه تقديره وأنذرنا كل واحد من تلك القرون ضربنا له الأمثال اى بيّنّا له القصص العجيبة من القصص الأولين ليعتبروا بها وَكُلًّا اى كل واحد منهم تَبَّرْنا تَتْبِيراً اى أهلكنا إهلاكا لما لم يعتبروا بالأمثال وكذبوا المنذرين قال الأخفش معناه كسرناه تكسيرا قال الزجاج كل شىء كسرته وفتنه فقد تبّرته ومنه التبر لفتات الذهب والفضة.
وَلَقَدْ أَتَوْا جواب لقسم محذوف معطوف على ولقد اتينا موسى الكتاب والضمير راجع الى اهل مكة أسند فعل البعض الى الكل كما فى قوله فكذّبوه فعقروها يعنى والله لقد مرّ اهل مكة يعنى أكثرهم مرّوا مرامرا فى أسفارهم الى الشام عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ يعنى سدوم عظمى قريات قوم لوط أمطرت عليها الحجارة لما كانوا يعملون الخبائث إتيان الرجال فى ادبارهم قال البغوي قريات قوم لوط كانت خمسا فاهلك الله تعالى منها أربعا ونجت واحدة وهى صغيرة وكان أهلها لا يعملون الخبيث وكانت تلك القرى على طريق اهل مكة عند ممرهم الى الشام أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها الاستفهام للانكار وانكار النفي اثبات وتقرير يعنى لقد كانوا يرونها فما لهم لم يعتبروا بها ولم يتذكروا بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً يعنى ليس عدم اتعاظهم لاجل عدم رؤيتهم بل لعمه فى قلوبهم لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة او لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون علما فى الثواب او لا يخافونه على لغة تهامة..
وَإِذا رَأَوْكَ يعنى كفار قريش عطف على لا يرجون إِنْ يَتَّخِذُونَكَ اى ما يتخذونك إِلَّا هُزُواً استثناء مفرغ منصوب على انه مفعول ثان ليتخذونك مصدر بمعنى المفعول اى مهزوّا به قال البغوي نزلت فى ابى جهل وأصحابه مرّوا على رسول الله ﷺ فقالوا استهزاء أَهذَا يعنون محمدا ﷺ مبتدا خبره الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ اى بعثه الله رَسُولًا جملة أهذا معمول لفعل محذوف تقديره يقولون أهذا الّذى بعثه الله
стр. 2817
رسولا والاستفهام للتعجب والإنكار وكلمة هذا للتحقير وجملة يقولون بيان لما سبق يعنى يتخذونك مهزوّا به يقولون فيك كذا.
إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا اى ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده فى الدعاء الى التوحيد وكثرة إتيانه بما يسبق الى الذهن انها حجج ومعجزات- ان مخففة من الثقيلة واللام فارقة وفيه دليل على فرط اجتهاده ﷺ وفى دعوتهم وعرض المعجزات المتكاثرة المتوافرة عليهم حتى شارفوا بزعمهم ان يتركوا دينهم المعوج الى دينه القويم لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة الهتهم ومن هذا شأنه ان لا يتذكر بمشاهدة المعجزات المتوافرة الباهرة فكيف يعتبر برؤية حجارة القرى الحالية لَوْلا أَنْ صَبَرْنا اى ثبتنا عَلَيْها واستمسكنا بعبادتها وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله تقديره لولا صبرنا ثابت او لولا ثبت صبرنا لاضلّنا. ولولا فى مثله تفيد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ ولمّا كان كلامهم هذا مشعرا بنسبة الضلال الى رسول الله ﷺ وأصحابه قال الله سبحانه ردا عليهم وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا أهم أضل سبيلا أم المؤمنون وفيه وعيد ودلالة على انه لا يهملهم الله.
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ بان أطاع هواه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يتبصر دليلا قدم المفعول الثاني للعناية به قال البغوي قال ابن عباس ارايت من ترك عبادة الله خالقه وهوى حجرا فعبده من شرطية جزاؤه أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا حفيظا يمنعه عن ذلك والجملة الشرطية قائم مقام المفعولين لرايت والاستفهام الاول للتقرير والتعجيب والثاني للانكار يعنى لست عليهم حفيظا قال الكلبي نسختها اية القتال.
أَمْ تَحْسَبُ أم منقطعة يعنى بل أتحسب أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ كلام الله منك أَوْ يَعْقِلُونَ ما يستفاد منه والاستفهام للانكار يعنى انهم لا يسمعون ولا يعقلون حيث ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم والمراد بالسمع هاهنا سمع قلوبهم فهم لا ينتفعون بالمواعظ والحجج وفيه دليل على ان إفادة البرهان العلم بالنتيجة امر عادى منوط بمشية الله تعالى وتخصيص الأكثر لانه كان منهم من أمن ومنهم من تعقل الحق وكابر استكبارا او خوفا على الرياسة إِنْ هُمْ اى ما هم الضمير راجع الى أكثرهم إِلَّا كَالْأَنْعامِ حيث يسمعون بآذانهم كالانعام ولا يسمعون بقلوبهم فلا ينتفعون به ولا يتدبرون فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا من الانعام فان الانعام ان لم يدركوا الحق حقّا والباطل باطلا فهم لا يزعمون الحق باطلا والباطل حقا فالانعام فى جهل بسيط والكفار فى جهل مركب ولا شك ان الجاهل بالجهل المركب أضل
стр. 2818
وابعد من الحق من الجاهل بالجهل البسيط فالانعام لا يميزون بين الحق والباطل والكفار يحكمون بحقيقة الشرك ويعبدون الحجارة بلا دليل بل مع ظهور بطلانها وينكرون الرسل مع شواهد الحجج والمعجزات وسطوع برهانها. وقيل لان البهائم تنقاد من يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسئ إليها وتطلب ما ينفعها وتهرب ممّا يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من اساءة الشيطان ويمكن ان يقال ان الانعام تعرف خالقها وتسجد له وتسبح له بحمده وتعقل وان كان تعقلهم غير مدرك للعوام. وقد روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال بينما رجل يسوق بقرة إذ عيى فركبها فقالت لم نخلق لهذا انما خلقنا لحراثة الأرض فقال الناس سبحان الله بقرة تكلم فقال رسول الله ﷺ فانى او من به وابو بكر وعمر رض وما هما «١» ثمه وقال بينما رجل فى غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها فاخذها فادركها صاحبها فاستنقذها فقال له الذئب فمن له يوم السبع إذ لا راعى لها غيرى فقال سبحان الله ذئب يتكلم فقال رسول الله ﷺ او من به انا وابو بكر رض وعمر رض وماهما ثمّ.
فائدة: للملائكه روح وعقل وللبهائم نفس وهوى والآدمي مجمع للجميع فان غلب نفسه وهواه على الروح والعقل كان اضلّ من البهائم وان غلب عقله وروحه على النفس والهوى كان أفضل من الملائكة-.
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ الم تنظر الى صنعه كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ كيف بسطه او المعنى الم تنظر الى الظل كيف مده ربك فغير النظم اشعار ابان المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه هو «٢» دلالة حدوث الظل وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة علا ان ذلك فعل للصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس او المعنى الم ينته علمك الى ربك كيف مد الظل وهو ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس جعله ممدودا لانه ظل لا شمس معه كما قال فى ظل الجنة وظلّ ممدود او المراد بالظل ما يقع للجدران والأشجار بعد طلوع الشمس قال ابو عبيدة الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس فقبل الزوال يسمى ظلا وبعد الزوال فيا لانه فاء من جانب المشرق الى جانب المغرب ويمكن ان يقال ان الظل هو ظلمة الليل تنسخه الشمس بطلوعها وَلَوْ شاءَ ربك لَجَعَلَهُ ساكِناً اى ثابتا مسنقرا من سكن بمعنى قرّبان جعل اللّيل سرمدا الى يوم القيمة او عير متقلص من السكون
стр. 2819
بان يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد وجملة ولو شاء اما حال من ربك او معترضه ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ اى على الظل دَلِيلًا يعنى لو لم تكن الشمس لما عرف الظل ظلا ولولا النور لما عرف الظلمة ظلمة فان الأشياء تعرف بأضدادها وايضا لا يوجد الظل ولا يتفاوت الا بسبب حركات الشمس وفيه التفات من الغيبة الى التكلم.
ثُمَّ قَبَضْناهُ اى أزلناه بطلوع الشمس وارتفاعها ووقوع شعاعها موقع الظل لمّا عبر احداثه بالمد عبر عن إزالته بالقبض إِلَيْنا اى الى حيث ما أردنا وقيل القبض الى نفسه كناية عن الكف قَبْضاً يَسِيراً سهلا غير عسيرا وقليلا قليلا حيثما ترتفع الشمس تنقص الظل وان كان المراد بالظل ظلمة الليل فقبضه اليسير ازالة الظلمة قليلا قليلا حين طلوع الفجر تقل الظلمة انا فانا حتى تسفر جدّا ثم إذا طلعت الشمس تزول الظلمة عن مواضع تقع فيها شعاع الشمس وتقل الظلمة عن مواضع تقع فيها أنوارها مع الحجب على حسب تفاوت الحجب- وثمّ فى الموضعين لتفاضل اوقات ظهورها شبّه تباعد ما بينهما فى الفضل بتباعد ما بين الحوادث فى الوقت. ولى هاهنا تأويل اخر وهو ان يراد بالظلّ عالم الإمكان فانه ظلّ لمرتبة الوجوب موجود بوجود ظلّى فى خارج ظلّى ويراد بالشمس مراتب صفات الله سبحانه وأسمائه- والمعنى الم تر الى صنع ربّك كيف أوجد عالم الإمكان ومدّ الوجود المنبسط على هياكل الماهيات الممكنة الّذى هو ظل للوجود الحق ولو شاء لجعله ساكنا مستقرّا على حالة واحدة ولكن لم يشأ ذلك بل جعله محلا للحوادث مستعدا للتغير والفناء حتى يتضح إمكانه وافتقاره انى ماهية متاصلة الوجود ذات الوجوب والبقاء قال الله تعالى ثمّ جعلنا الشّمس عليه دليلا وذلك حين يتجلّى على الصوفي اسماء الله تعالى وصفاته وشاهد ببصيرة القلب لوجود الحق فحينئذ ظهر له كون عالم الإمكان ظلّا من ظلاله وكان يزعم قبل تلك التجلّيات والمشاهدات ان عالم الإمكان هو الموجود على الحقيقة دون غيره ثم يعنى بعد تلك التجليات والمشاهدات قبضناه إلينا يعنى اجتبيناه وقربناه قربا غير متكيف إلينا اى الى مرتبة الصفات والذات قبضا يسيرا- قال رسول الله ﷺ حكاية عن ربه ﷺ لا يزال عبدى يتقرب الىّ بالنوافل حتى أحببته فاذا أحببته كنت سمعه الّذى يسمع به الحديث وقالت الصوفية من استوى يوماه فهو مغبون..
وَهُوَ يعنى ربك الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً شبه ظلمة الليل باللباس فى ستره وَالنَّوْمَ سُباتاً اى راحه للابد ان يقطع المشاغل واصل السبت القطع او موتا كقوله تعالى
стр. 2820
وهو الّذى يتوفّيكم باللّيل ومنه المسبوت للميت وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً اى ذا نشور وانتشار ينتشر فيه الناس لاكتساب المنافع الدينية والدنيوية.
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ قرا ابن كثير الرّيح على التوحيد ارادة للجنس والباقون على الجمع ملاحظة للافراد بُشْراً قرا الجمهور بضم النون والشين من النشور وابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف وأصله ضم الشين جمع ناشرة يعنى ناشرات للسحاب وقرا حمزة وخلف ابو محمد والكسائي بفتح النون على انه مصدر وصف به وقرا عاصم بضم الباء التحتانية وتخفيف الشين تخفيف بشر جمع بشير بمعنى مبشرين بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ اى قدام المطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً عطف على أرسل على سبيل الالتفات من الغيبة الى التكلم والطهور اما اسم لما ينطهر به كالسحور لما يتسحر به والفطور لما يفطر به كما فى قوله ﷺ ان الصعيد الطيب طهور المسلم ما لم يجد الماء ولو الى عشّر حجج رواه احمد وابو داود والترمذي عن ابى ذر وصححه وقوله صلى الله عليه واله وسلم جعل لنا الأرض كلها مسجدا وترابها طهورا واما مصدر كالقبول ومنه قول ﷺ طهور اناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسل سبع مرات أولهن بالتراب رواه مسلم وابو داود عن ابى هريرة وانما وصف الماء به مبالغة وما صفة للمبالغة كالصبور والشكور والقطوع والضحوك بمعنى الكامل فى الطاهرية قال البغوي ذهب قوم الى ان الطهور ما يتكرر به التطهير كالصبور اسم لما يتكرر منه الصبر والشكور اسم لما يتكرر منه الشكر وهو قول مالك حتى جوز والوضوء بالماء الّذى استعمل فى الوضوء مرة. قلت وهذا ليس بشئ لان الفعول ليس من التفعيل فى شىء وايضا لا دلالة فيه على التكرار بل على المبالغة الا ان يقال الكمال فى الطاهرية اما بان يكون طاهرا فى نفسه مطهرا لغيره وقد ثبت كون الماء على هذه الصفة بالنصوص والإجماع والنقل المتواتر واما بان كان طاهرا بحيث لا ينجسه شىء وبه قال مالك محتجا بقوله ﷺ الماء لا ينجسه شىء رواه احمد وابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس رض وروى اصحب السنن الاربعة بلفظ ان الماء لا يخبث ورواه الدار قطنى عن عائشة رض والطبراني فى الأوسط وابو يعلى والبزار وابو على بن السكن فى صحاحه من حديث شريك وروى احمد والترمذي وابو داود والنسائي عن ابى سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أنتوضا من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله ﷺ ان الماء طهور لا ينجسه شىء. وروى ابن ماجة عن ابى سعيد قوله ﷺ فى الحياض تردها السباع والكلاب والحمر لها ما حملت فى بطونها
стр. 2821
ولنا ما غير طهور. فان قيل هذه الأحاديث متروكة بالإجماع حتى ان مالكا يقول ان الماء إذا تغير أحد أوصافه يتنجس بوقوع النجاسة فيه قلنا إذا تغير أحد أوصاف الماء فهو ليس بماء مطلق وكلامنا فى الماء المطلق. والجواب عن هذا الاحتجاج ان المراد بالماء هاهنا الماء المعهود يعنى الماء الكثير المستقر فى الحياض وفى بئر بضاعة ونحو ذلك حتى يندفع التعارض بين هذه الأحاديث وأحاديث اخر تدل على تنجس الماء بوقوع النجاسة فيه وان لم يتغير أحد أوصافه منها قوله ﷺ طهور اناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه ان يغسل سبع مرات أولهن بالتراب. رواه مسلم وابو داؤد ومنها قوله ﷺ لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الّذى لا يجرى ثم يتوضا منه متفق عليه وهذا لفظ البخاري ومنها قوله ﷺ إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فان أحدكم لا يدرى اين باتت يده. رواه مالك والشافعي واحمد والبخاري ومسلم واصحاب السنن الاربعة عن ابى هريرة رض وقد روى نحو هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ابن عمر رض وجابر رض وعائشة رض فحملنا أحاديث تنجس الماء على القليل وأحاديث عدم التنجس على الكثير فاختلف العلماء فى حد الكثير فقال الشافعي واحمد الماء إذا بلغ القلتين (وهى خمسمائة رطل بالبغدادي وبالمساجة ذراع وربع ذراع طولا
وعرضا وعمقا) فهو كثير لا يتنجس الا إذا تغير بالنجاسة طعمه او لونه او ريحه وما دونه قليل يتنجس. وقال ابو حنيفة ما لا يصل فيه النجاسة من جانب الى جانب اخر على اكبر رأى المبتلى به فكثير والا فقليل وقدّره بعض المتأخرين بعشر فى عشر وقيل خمسة عشر فى خمسة عشر وقيل اثنى عشر فى اثنى عشر وقيل ثمان فى ثمان وقيل سبع فى سبع بذراع الكرباس وهى سبع قبضات كل قبضة اربع أصابع والتقدير غير منقول عن ابى حنيفة ولا عن صاحبية. وجه قول ابى حنيفة ان التقدير لم يرد من جهة الشارع وحديث القلتين ضعيف فيجب تفويضه الى رأى المبتلى به. واحتج الشافعي واحمد بحديث القلتين والحق انه حديث صحيح رواه الشافعي واحمد والاربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطنى والبيهقي من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر رض بن الخطاب عن أبيه ولفظ ابى داود سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال رسول الله ﷺ إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ولفظ الحاكم إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شىء.
وفى رواية لابى داود وابن ماجة فانه لا بنجس قال الحاكم صحيح على شرطهما وقد احتجا بجميع رواته
стр. 2822
وقال ابن مندة اسناده على شرط مسلم وقد اعترف الطحاوي بصحة الحديث ايضا فان قيل مدار هذا الحديث على الوليد بن كثير فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر تارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر رض وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر رض قلنا قال الحافظ هذا الاضطراب ليس بقادح فانه على تقدير كون الجميع محفوظا انتقال من ثقة الى ثقة وعند التحقيق الصواب عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم وقد رواه جماعة عن الوليد بن كثير على الوجهين قال الدار قطنى القولان صحيحان عن الاسامة عن الوليد وله طريق ثالث رواه الحاكم وغيره من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر سئل ابن معين عن هذا الطريق فقال اسناده جيد فان قيل قد روى لم يحمل خبثا وقد روى لم ينجسه شىء وقد روى لا يتنجس قلنا هذا مبنى على الرواية بالمعنى وهى صحيحة والاضطراب فى المتن لا يقال الا عند التعارض فان قيل قد روى بالشك قلتين او ثلاثا روى احمد عن وكيع والدار قطنى عن يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا إذا بلغ الماء قلتين او ثلاثا لم ينجسه شىء قلنا قال ابن الجوزي قد اختلف عن حماد فروى عنه ابراهيم بن الحجاج وهذبه وكامل بن طلحة فقالوا قلتين او ثلاثا وروى عنه عقان ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر بن السرى والعلاء بن عبد الجبار وموسى بن اسمعيل وعبيد الله بن موسى العبسي إذا كان الماء قلتين ولم يقولوا ثلاثا واختلف عن يزيد بن هارون فروى عنه ابن السباح بالشك وروى عنه ابن مسعود رض بغير شك فوجب العمل على قول من لم يشك قلت ويمكن ان يقال ان كلمة او ليس للشك بل للترديد والتخبير والمعنى اى المبلغين بلغ الماء لا يتنجس فلا يتنجس إذا بلغ القلتين كما لا يتنجس إذا بلغ ثلاثا. فان قيل قد روى أربعين قلة رواه الدار قطنى وابن عدى والعقيلي عن القاسم بن عبد الله العمرى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ إذا بلغ الماء أربعين قلة فانه لا يحمل الخبث قلنا قال احمد المقاسم كان يكذب ويضع الحديث وكذا قال يحيى بن معين وابو حاتم الرازي وابو زرعة فلا يضطرب بروايته الحديث الصحيح فان قيل روى الدار قطنى بإسناد صحيح من طريق روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن ابن عمر موقوفا إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يتنجس. ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن المنكدر عنه نحوه ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنكدر عنه نحوه وقول
стр. 2823
الراوي على خلاف ما رواه طعن الحديث قلنا اولا ان مفهوم الشرط ليس بحجة عند ابى حنيفة مطلقا وكذا عند الشافعي وغيره إذا خرج على طبق السؤال وثانيا بان القلة لفظ مشترك ليطلق على الكوز والجرة ايضا صغرت او كبرت فيحمل حديث الأربعين على الصغيرة التي تساوى عشرون منها قلة واحدة كبيرة لدفع التعارض. فان قيل إذا كان القلة لفظا مشتركا بين الجرة والقربة والدلو ورأس الجبل وغير ذلك قال فى القاموس القلّة بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل او كل شىء والجب العظيم والجرة العظيمة او عامة او من الفخار والكوز الصغير ضد. والتقييد بقلال هجر لم يثبت فى الحديث الصحيح المرفوع وما رواه ابن عدى من حديث ابن عمر رض إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شىء ففى اسناده مغيرة بن صقلان وهو منكر الحديث فلا بد ان يترك العمل بالحديث ما لم يتبين المراد منه كما هو الحكم فى المجمل ومن ثم قال الطحاوي هذا حديث
صحيح لكنا تركنا العمل به لعدم علمنا بالقلتين قلنا قد ترجح أحد معانيه وهى قلال هجر بوجوه فوجب العمل به لان رأس الجبل وكذا أعلى الرأس والسنام غير مراد بالإجماع لان وصول الماء الى رأس الجبلين فى الارتفاع لا يتصور الا فى البحر المحيط او عند الطوفان وأعلى الرأس والسنام ايضا غير مراد للاجماع علا ان الماء اقل من ذلك القدر يصير كثيرا فوجب الانصراف الى الأواني وبعد الانصراف الى آلاء انى ترجح قلال هجر بوجوه أحدها كثرة استعمال العرب لفظ القلة بهذا المعنى فى أشعارهم كذا قال ابو عبيدة فى كتاب الطهور قال البيهقي قلال هجر كانت مشهورة عندهم ولهذا شبّه رسول الله ﷺ ما راى ليلة المعراج من سدرة المنتهى فاذا ورقها مثل أذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر. ثانيها ان قلال هجر أكبرها كذا قال الأزهري فجعل الشارع الحد مقدرا بالعدد يدل على ان المراد بها أكبرها لانه لا فائدة فى تقديرها لقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. ثالثها ان الكبيرة ان كانت مرادة فذاك وان كانت الصغيرة مرادة فعدم تنجس الماء عند البلوغ قدر القلتين الكبيرتين اولى للقطع لوجود الصغيرة فى الكبيرة فحملنا القلتين على الكبيرتين احتياطا وبه يحصل التقن والله اعلم فان قيل قد ضعّف حديث القلتين الحافظ ابن عبد البر والعاصي إسماعيل بن اسحق وابو بكر بن الولي المالكيون قال ابن عبد البر ما ذهب اليه الشافعي مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر لانه حديث تكلم فيه جماعة من اهل العلم ولان القلتين لم يوقف على مبلغهما فى اثر ثابت والا اجماع قلنا أقوالهم اجمالات للاسولة المتقدمة ولم يقل أحد بتضعيف واحد من رواته فانهم
стр. 2824
رجال الصحيحين فاذا ظهر لك اجوبة الأسئلة اندفع ما قالوا والله اعلم.
(مسئلة) : - لا يجوز الوضوء والغسل بغير الماء من المائعات الطاهرة اجماعا لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا وهل يجوز التطهير من النجاسة الحقيقية بغير الماء من المائعات الطاهرة أم لافعال الجمهور لا يجوز وقال ابو حنيفة يجوز احتج البغوي للجمهور بهذه الاية وقال الطهور فى الاية بمعنى المطهر لما قال فى اية اخرى وينزّل عليكم من السّماء ماء ليطهّركم فثبت ان التطهير مختص بالماء ولو جاز ازالة النجاسة بها لجاز ازالة الحدث بها. وهذا الاستدلال غير صحيح لان كون الماء مطهرا لا يدل على حصر التطهير فيه كما ان كونه طاهرا لا يدل على حصر الطهارة فيه والفرق لابى حنيفة فى الأحداث والأنجاس ان الحدث نجاسة حكمية غير مرئية لا يدركه وجوده ولا زواله الا من الشرع وزواله باستعمال الماء ثابت بالنص والإجماع واما باستعمال غير الماء فلم يثبت بنص ولا اجماع ولا يجوز إثباته بالقياس لان الأصل معدول عن سنن القياس- والنجاسة الحقيقية امر مرئى وإزالته بالماء معقول لكونه طاهرا مزيلا فيقاس عليه سائر المائعات لاجل هذا المعنى قلت لكن يرد عليه ان الماء إذا صب على النجس تنجس باول الملاقات فحصول الطهارة بالغسل ثلاثا او سبعا امر تعبدى وبالعصر لا يخرج الماء يجمع اجزائه فكان القياس ان لا يتطهر الثوب ونحوه بالغسل ومن ثم كان فى شرائع من قبلنا قطع موضع النجاسة من الثوب ولما كان حصول الطهارة بالغسل ثابتا بالشرع على خلاف القياس فلا يجوز قياس المائعات على الماء.
(مسئله) الماء كما يتنجس بورود النجاسة عليه يتنجس بوروده على النجاسة عندنا لان المنجس انما هو اختلاط النجاسة بالماء ولا فرق فى الوجهين. وذكر ابن الجوزي مذهب احمد ان غسالة النجاسة إذا انفصلت غير متغيرة بعد طهارة المحل فهى طاهرة وكذلك البول على الأرض ونحوه إذا كوثر بالماء ولم يتغير الماء يحكم بطهارة الماء والمكان قال وهو قول مالك والشافعي واحتج على ذلك بحديث انس رض بن مالك قال كان رسول الله ﷺ قاعدا فى المسجد إذ جاء أعرابي قبال فى المسجد فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم قم فأتنا بدلو من الماء فشنه عليه. رواه احمد والبخاري ومسلم فى الصحيحين وروى البخاري عن ابى هريرة نحوه قلنا هذا الحديث مخالف للقياس الصحيح فهو محمول على انه ﷺ امر بصب الماء بعد نقل التراب من ذلك المكان ورواية بعض الحديث شائع من الصحابة والتابعين وغيرهم وقد روى ذلك بوجوه منها ما روى الدار قطنى من طريق عبد الجبار عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد
стр. 2825
عن انس ان أعرابيا بال فى المسجد فقال النبي ﷺ احفر وإمكانه ثم صبرا عليه ذنوبا من ماء- قال الحافظ رجاله ثقات فان قيل قال الدار قطنى وهم عبد الجبار على ابن عيينة لان اصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عنه عن يحيى بن سعيد ولم يذكروا الحفر قلنا عبد الجبار ثقة والزيادة من الثقة مقبولة ومنها ما رواه الدار قطنى عن ابن مسعود نحوه وسنده ضعيف لكن أحد من رواته لم يتهم بالكذب. ومنها ما رواه الدار قطنى وابو داود عن عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني قال الدار قطنى عبد الله بن مغفل تابعي ورواته ثقات غير ان من رواته جرير بن حازم قال الذهبي ثقة امام تغير قبل موته فحجبه ابنه وهب فما حدث حتى مات قال ابن معين هو فى قتادة ضعيف قلت وهذا الحديث ليس من قتادة بل هو عن عبد الملك بن عمير وعبد الملك ثقة مخرج فى الصحيحين فان قيل قال احمد هذا حديث منكر قلت هذا جرح اجمالى وهو غير مقبول وانما قال ذلك احمد لعدم وقوع الحفر فى الرواية المشهورة وذا ليس بجرح لان الزيادة من الثقة مقبولة- ومنها ما اخرج الطحاوي من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس وكذا روى سعيد بن منصور عن ابن عيينة ان النبي ﷺ قال احفروا مكانه. وهذا ايضا مرسل والمرسل عند ابى حنيفه رح أقوى من المرسل وعند مالك رح واحمد رح دونه لكنه حجة مطلقا وعند الشافعي لا يقبل المرسل الا بأحد امور خمسة ان يسند غيره او يرسله غيره وعلم ان شيوخهما مختلفة او يعضده قول صحابى او قول اكثر اهل العلم أو يعلم من حاله انه لا يرسل الا برواية عن عدل وهاهنا مرسل طاءوس صحيح أيده مرسل عبد الله بن مغفل وهو حسن ومسند انس رض صحيح او حسن ومسند ابن مسعود ضعيف. فان قيل رواية انس التي فى الصحيحين أقوى وأرجح من تلك الروايات قلنا اولا ان حديث الصحيحين صحيح من حيث السند ضعيف من حيث المعنى لتعارضه بالأحاديث التي تكاد ان تكون مقواترة الدلالة على نجاسة الماء باختلاط النجاسة وثانيا ان الترجيح انما يعتير عند التعارض ولا تعارض هاهنا بل ما ذكرنا من الأحاديث ناطق. بحفر التراب وحديث انس ساكت عنه فلا يترك العمل بشئ منها.
(مسئلة) : - الماء المستعمل فى ازالة الحديث او اقامة القرية طاهر عند الجمهور وروى الحسن عن ابى حنيفة انه نجس نجاسة غليظة وروى ابو يوسف عنه انه نجس نجاسة خفيفة لمكان الاختلاف وروى محمد عن ابى حنيفة مثل قول الجمهور وبه قال محمد- احتج الحنيفية على نجاسة الماء بالنص والقياس اما النص فما رواه مسلم من حديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله
стр. 2826
عليه وسلم لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب- وروى ابو داود بلفظ لا يبولن.
أحدكم فى الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة- والنهى للتحريم يدل على تنجس الماء قلنا لا بل النهى للتنزيه لاحتمال تلوث بدن المجنب من المنى غالبا فهو كالنهى. للمستيقظ عن إدخال يده فى الإناء لاحتمال كون اليد نجسا بالنجاسة الحقيقية كما يدل عليه قوله ﷺ فانه لا يدرى اين باتت يده واما القياس فقياسهم على ما يزيل النجاسة الحقيقية بجامع الاستعمال فى النجاسة. قلنا هذا قياس مع الفارق فان استعمال الماء فى ازالة النجاسة الحقيقية يوجب اختلاط الماء بأجزاء النجاسة وذلك سبب لتنجس الماء ولا اختلاط فى ازالة النجاسة الحكمية لان الحدث امر حكمى لا يتجزى زوالها فكل ماء استعمل فى عضو من الأعضاء لا يرقع به الحدث بل استعمال الماء فى جميع البدن للمجنب وفى الأعضاء الاربعة كلها للمحدث شرط لزوال الحدث يزول الحدث بعد ذلك فكل جزء من اجزاء ماء الوضوء طاهر فكذا جميعه لان انضمام ما ليس بنجس الى ما ليس بنجس لا يوجب التنجس اجماعا. واستدلوا على تنجس الماء باقامة القربة بقوله ﷺ من توضأ فاحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره متفق عليه عن عثمان وعن ابى هريرة نحوه رواه مسلم قالوا هذا الحديث يدل على ان الخطايا تخرج من بدنه مع الماء ولا شك ان الخطايا قاذورات فيتنجس الماء باختلاطها كما يتنجس باختلاط سائر القاذورات وهذا ليس بشئ فان الخطايا ليست بأجسام ولا اعراض تقوم بالماء وليست مثل النجاسة الحقيقية من كل وجه وليس خروجها من البدن كخروج النجاسة الحقيقية حتى يلزم به تنجس الماء بل هو عبارة عن العفو والمغفرة ولو كانت الخطايا قاذورات لما جازت صلوة العصاة من المؤمنين وهى جائزة اجماعا بل هى مكفرة الخطايا قال الله تعالى ان الحسنات يذهبن السّيّئات وقال رسول الله ﷺ الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر- رواه مسلم عن ابى هريرة وحديث ابن مسعود فى رجل أصاب من امراة قبلة فاخبر النبي صلى الله عليه واله وسلم فانزل الله وأقم الصّلوة طرفى النّهار الاية متفق عليه ولنا على طهارة الماء المستعمل أحاديث منها حديث جابر قال جاء رسول الله ﷺ يعودنى وانا مريض لا عقل فتوضا وصبّ وضوءه علىّ فعقلت وقلت يا رسول الله انما يرثنى كلالة فنزلت اية الفرائض متفق عليه ومنها حديث السائب بن يزيد قال ذهبت بي خالتى الى النّبى صلى الله عليه واله وسلم فقالت يا رسول الله
стр. 2827
ان ابن أختي وجع فدعا بالبركة ثمّ توضا فشربت عن وضوئه فنظرت الى خاتم النبوة بين كتفيه مثل ذر الحجلة. متفق عليه ومنها حديث المسور بن مخرمة ذكر فى صلح الحديبية قال فو الله ما تتخم رسول الله ﷺ بنخامة إلا وقع فى كف رجل منهم فذلك بها وجهه وصدره وإذا توضا كادوا يقتتلون على وضوئه- رواه البخاري (مسئلة) : - ازالة النجاسة الحقيقية بالماء المستعمل فى ازالة الحدث او اقامة القربة جائز اتفاقا الا عند من يقول بكونه نجسا وهل يجوز به الغسل او الوضوء اختلفوا فيه فقال محمد الماء المستعمل فى اقامة القربة لا يجوز به التوضي والغسل فهو طاهر غير مطهر وقال زفر والشافعي المستعمل فى ازالة الحدث طاهر غير مطهر وقال ابو حنيفة كل ماء استعمل فى ازالة الحدث او اقامة القربة لا يجوز به التوضي والاغتسال فهو طاهر غير مطهر- استدلوا على كونه غير مطهر بالنص والقياس أمّا النص فقوله ﷺ لا يغتسل أحدكم فى الماء الراكد قالوا هذا نهى مقتضاه أحد الامرين اما نجاسة الماء بالاستعمال واما سلب طهوريته لكن الاول لا يتصور فتعين الثاني قلنا ليس الأمر كذلك بل النهى للتنزيه يقتضى احتمال النجاسة بالنجاسة الحقيقية واحتمال النجاسة لا يوجب التنجس فان الطهارة اليقينية لا يزول بالشك وايضا كون الماء مطهرا وصف لازم للماء المطلق واما القياس فالقياس على مال الزكوة بجامع اقامة القربة وإسقاط الفرض تقريره ان من المعلوم ان إسقاط الفرض واقامة القرية يوجب فى الآلة تدنسا لا يصل الى التنجس كما فى مال الزكوة حيث حرّم على الهاشمي ولم يتنجس فكذا يوجب الاستعمال للقربة او إسقاط الفرض تدنسا يسلب عنه وصف التطهير ولا يصل الى التنجس. والجواب انا لا
نسلم ان اقامة القربة او إسقاط الفرض موجب للتدنس مطلقا وحرمة مال الزكوة على الهاشمي امر تعبدى الا ترى ان الجسد والثوب يتادى بهما الصلاة ويسقط الفرض ويقام القربة ولا يتدنس منها شىء وكذا الاضحية يسقط بها الواجب ولا يتدنس لحمها حيث أكلها رسول الله ﷺ وايضا كون الماء مطهرا وصف لازم للماء المطلق الطاهر لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا علّق التيمم يفقد الماء المطلق ولا شك ان الماء المستعمل ماء مطلق فلا يجوز التيمّم مع وجوده فيجب به الوضوء لا محالة- فان قيل هو ليس بماء مطلق لان الماء المطلق ما لم يقم به خبث ولا معنى يمنع جواز التوضي به للصلوة فخرج الماء المقيد والماء المتنجس
стр. 2828
والماء المستعمل قلنا اولا انا لا نسلم ان الماء المستعمل قام به معنى يمنع جواز التوضي به فهو مصادرة على المطلوب وثانيا ان الماء المطلق ما يطلق عليه اللغوي لفظ الماء بلا تقييد ولا شك ان اللغوي لا يفرق عند اطلاق لفظ الماء بين الماء الطاهر والمتنجس الذي لم يتغير أحد أوصافه والمستعمل فى قربة والمستعمل فى تبرد ومن ثم قال الزهري إذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم وليس له وضوء غيره يتوضا به وقال سفيان هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا وهذا ماء ذكره البخاري تعليقا. لكنّا نقول لمّا منع الشارع عن استعمال النجاسات وأمرنا بالاجتناب عنها حيث قال وثيابك فطهّر والرّجز فالهجر وقال فى اية الوضوء ولكن يريد ليطهّركم وقال ﵇ إذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم فلبرقه ثم ليغسله سبع مرات. رواه مسلم عن ابى هريرة وقال ﵇ من ابتلى منكم بشئ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله وقال الله تعالى يحلّ لكم الطيّبات ويحرّم عليكم الخبائث فمن كان قادرا على الماء المتنجس فهو غير واجد للماء حكما لكونه ممنوعا عن استعماله شرعا كالقاعد على شفير البئر من غير دلو ونحوه ممنوع عن استعمال الماء طبعا فان الطبع يمنعه عن السقوط فى البئر وكذا المريض الواجد للماء منوع عن استعماله طبعا وشرعا فان الممنوع شرعا كالممنوع طبعا واما الماء المستعمل فليس بواجب الاجتناب عنه شرعا لكونه طاهرا فواجده واجد للماء حقيقة وحكما فلا يجوز له التيمم ويجب عليه الوضوء فثبت ان كون الماء مطهرا لازم لكونه طاهرا.
(مسئلة) : - إذا وقع فى الماء شىء طاهر فان لم يتغير به أحد أوصافه ولم يزد على الماء اجزاء جازيه الوضوء اجماعا- وان تغير به أحد أوصافه او اكثر فان كان الاحتراز عنه متعذرا كالطين والأوراق فى الخريف جاز به الوضوء اجماعا ما لم يخرجه عن طبع الماء اى رقته كما إذا تغير الماء بطول المكث وان لم يكن الاحتراز عنه متعذرا كالخل والزعفران والأشنان فان تغير به أحد أوصاف الماء لا يجوز به الوضوء عند الشافعي لانه ماء مقيد والوظيفة عند فقد الماء المطلق التيمم وعند ابى حنيفة ﵀ يجوز به الوضوء الا إذا اختلط الماء جامد أزال رقته او غيّر اكثر أوصافه من الطعم او اللون او الريح كالانبذة او مائع غلب عليه بالاجزاء او غيّر اكثر أوصافه او طبخ فى الماء غيره فغيّره كالمرق وماء الباقلا الا ما يقصد به النظافة كالاوس والسدر والأشنان ولا بأس لو تغير الماء باختلاط الطاهر تغييرا
стр. 2829
يسير المادوى ابن خزيمة والنسائي من حديث أم هانى ان رسول الله ﷺ اغتسل هو وميمونة فى قصعة فيها اثر العجين. وما روى البخاري عن أم عطية الانصارية قالت دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال اغسلها ثلاثا او خمسا او اكثر من ذلك ان رايتن ذلك بماء وسدر واجعلن فى الاخرة كافورا وشيئا من كافور. وما رواه البزار من حديث ابى هريرة ان ثمامة بن أثال اسلم فامره النبي ﷺ ان يغتسل بماء وسدر- وحديث قيس بن عاصم انه اسلم فامره النبي ﷺ ان يغتسل بماء وسدر.
لِنُحْيِيَ بِهِ اى بالماء بَلْدَةً مَيْتاً ذكر ميتا لان البلدة بمعنى البلد او بتأويل المكان او لان تأنيثه غير حقيقى او لانه غير جار على الفعل كسائر ابنية المبالغة فاجرى مجرى الجامد وَنُسْقِيَهُ سقى وأسقي لغتان بمعنى واحد مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً يعنى اهل البوادي الّذين يعيشون بالمطر ولذلك نكر الانعام والاناسىّ وتخصيصهم لان اهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار والآبار والمنابع فيستغنون لانفسهم ولانعامهم عن سقى السماء ولان سياق الاية لتعداد النعم على الإنسان وعامة منافعهم وغالب معائشهم منوط بالانعام ولذلك قدم سقيها «كقطران دويبة كالهرة منتنة جمع طرابين وظرابى- قاموس منه رح» على سقيهم كما قدم عليها احياء الأرض فانه كقطران دوسية كالهرة منتنة جمع قطرابين وظرابى قاموس منه رح سبب لحياتها وتعيشها. واناسىّ جمع انسى او جمع انسان كظرابى جمع ظربان علا ان أصله أناسين كبساتين جمع بستان فقلبت النون ياء.
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ يعنى المطر بَيْنَهُمْ مرة ببلد ومرة ببلد اخر قال البغوي قال ابن عباس ما من عام بامطر من عام ولكن الله يصرفه فى الأرض وقرا هذه الاية وروى مرفوعا ما من ساعة من ليل ولانهار الا السماء يمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء وذكر ابن إسحاق وابن جرع ومقاتل وبلغوا ابن مسعود يرفعه قال ليس من سنة بامطر من اخرى ولكن الله قسم هذه الأرزاق فجعلها فى السماء الدنيا فى هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف ذلك الى الفيافي والبحار وقيل المراد بتصريف المطر تصريفه وابلا وطلّا «كسحاب المطر الضعيف ١٢ قاموس منه رح» ورذاذا ونحوها وقيل المراد تصريفه فى الأنهار او فى المنابع كسحاب المطر الضعيف ١٢ قاموس منه رح وقيل التصريف راجع الى القول يعنى صرفنا هذا القول بين الناس فى القران وسائر الكتب لِيَذَّكَّرُوا اى ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة فى ذلك ويقوموا بشكره او ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً اى الا كفر ان النعمة إذا مطروا قالوا
стр. 2830
مطرنا بنوء كذا عن زيد بن خالد الجهني رضى الله عنه قال صلى لنا رسول الله ﷺ الصبح بالحديبية فى اثرة سماء كانت بالليل فلمّا انصرف اقبل على النّاس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله اعلم قال قال أصبح من عبادى مؤمن بي وكافه فاما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مومن بي وكافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب. متفق عليه.
وَلَوْ شِئْنا بعث الرسول فى كل قرية لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً نبيّا ينذر أهلها فيخف عليك اعياء التبليغ ولكن بعثناك الى الناس كافة إجلالا لك وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل.
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يدعونك اليه من موافقتهم ومداهنتهم ولكن اشكر إنعامنا عليك بالرسالة العامة فاثبت على ما أنت عليه من الدعوة واظهار الحق وَجاهِدْهُمْ بِهِ اى يا لله يعنى بعونه وتوفيقه او بالقران او بترك طاعتهم الّذى يدل عليه فلا تطع والمعنى انهم يجتهدون فى ابطال الحق فقابلهم بالاجتهاد فى مخالفتهم واحقاق الحق جِهاداً كَبِيراً شديدا بالقلب واللسان والسيف والسنان.
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ اى خلاهما متجاورين متلاصقين يقال مرجت الدابة وامرجتها إذا أرسلتها فى المرعى وخلّيتها تذهب حيث تشاء عطف على قوله وهو الّذى أرسل الرّياح وما بينهما معترضات هذا عَذْبٌ فُراتٌ قامع للعطش من قرط عذريته وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ اى مرّ شديد الملوحة من تأجّح النار إذا تلهب فانه يريد فى العطش هذان الجملتان بتقدير القول حال من البحرين او صفة له على طريقة ولقد امرّ على اللئيم يسبنى او بحذف الموصول مع الصلة والتقدير مرج البحرين الّذين يقال فى شأنهما هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وَجَعَلَ بَيْنَهُما عطف على مرج يعنى جعل بينهما بقدرته بَرْزَخاً حاجزا مانعا لاختلاط بعضها ببعض وَحِجْراً مَحْجُوراً اى سترا ممنوعا فلا يبغيان ولا يفسد الملح العذب. قال البيضاوي وذلك كدخيلة تدخل البحر فتشقه فتجرى فى خلاله فراسخ لا يتغير طعمها وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل وبالبحر الملح البحر الكبير وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فيكون القدرة فى الفصل واختلاف الصفة مع ان مقتضى طبيعة اجزاء كل عنصر ان تضامت وتلاصقت وتشابهت فى الكيفية.
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ اى من النطفة بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً اى قسّمه قسمين
стр. 2831
ذوى نسب اى ذكورا ينسب إليهم وذوات صهر اى إناثا يصاهر بهن فهو كقوله تعالى وجعل منه الزّوجين الذّكر والأنثى وقيل جعله نسبا وصهرا اى ذا نسب «١» منسوب الى الأباء ذكرا كان او أنثى وذا مهربان يتزوج ذكرا او أنثى وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً اى قادرا على ما يشاء حيث خلق من مادة واحدة بشرا إذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكرا وأنثى.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ ان عبدوه عطف على الجملة السابقة او حال بتقدير المبتدا يعنى وهم يعبدون ما لا ينفعهم وَلا يَضُرُّهُمْ ان هجروه وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً اى معينا للشيطان على ربه بالمعاصي وقيل معناه كان الكافر على ربه هيّنا ذليلا يقال جعلنى ظهيرا اى ذليلا من ظهرت الشيء إذا جعلته خلف ظهرك ولم يلتفت اليه.
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً للمومنين بالجنة وَنَذِيراً للكافرين من النار جملة معترضة.
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على تبليغ الرسالة بدل عليه قوله مبشّرا ونذيرا مِنْ أَجْرٍ حتى يشق عليكم اتباعى خوف الغرامة جملة مستانفه الّا فعل مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ليتقرب اليه ويطلب الزلفى عنده جعل طاعة الرسول فى امتثال أوامر الله والانتهاء عن مناهيه اجرا على الرسالة من حيث انه مقصود منه واستثناه من الاجر المنفي سواله قلعا لشبهة الطمع واظهار الغاية المشفقة حيث جعل ما ينفعهم اجرا لنفسه وافيا مرضيّا به مقصودا عليه. واشعارا بان طاعتهم يعود عليه بالثواب من حيث انها بدلالته قال رسول الله ﷺ الدال على الخير كفاعله رواه البزار عن ابن مسعود والطبراني عن سهل بن سعد وعن ابى مسعود ورواه احمد واصحب الكتب الستة والضياء بزيادة والله يحب اغاثة اللهفان عن بريدة وابن ابى الدنيا فى قضاء الحوائج عن انس نحوه وقال رسول الله ﷺ من سنّ فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها من غير ان ينقص من أجورهم شىء- رواه مسلم فى حديث طويل عن جرير وقيل هذا استثناء منقطع ولكن من شاء ان يتّخذ الى ربّه سبيلا بالإنفاق من ماله فى سبيله فليتخذ يعنى لا اسئلكم لنفسى اجرا ولكن لا منع من انفاق المال فى سبيل الله وطلب مرضانه واتخاذ السبيل الى جنته ولعل الله سبحانه دفعا لتهمة سوال الاجر فى الأمر بأداء الزكوة وغيرها من الصدقات حرّم الصدقات على نبيه واهل بيته.
стр. 2832
(مسئله) : - يستنبط من هذه الاية انه لا يجوز الاستيجار للطاعة كتعليم القران والاذان والامامة ونحو ذلك وقوله الى ربه اى الى ثواب ربه حال من سبيلا وهو مفعول ليتخذ.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ فى دفع شرهما والاستغناء عن أجورهم فانه الحقيق بان يتوكل عليه من الاحياء الّذين يموتون فانهم إذا ما تواضاع من توكّل عليهم عطف على قل لا اسئلكم وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ونزّلهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بصفات الكمال طالبا لمزيد الانعام فقل سبحان الله وبحمده وقيل معناه صل لله شكرا على نعمه وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً اى عالما فيجازيهم بها جملة كفى به حال من الحي.
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ لعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقا بان يتوكل عليه من حيث انه الخالق للكل والمتصرف وفيه اشارة الى الثبات والثاني فى الأمور فانه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ امره فى كل مراد خلق الأشياء على تود رو تدرج الموصول مبتدا وخبره الرَّحْمنُ او الموصول صفة للحى او منصوب على المدح بتقدير اعنى او امدح والرحمان خبر مبتدأ محذوف اى هو الرحمان او بدل من فاعل استوى فَسْئَلْ بِهِ اى بما ذكر من الخلق والاستواء خَبِيراً اى عالما يخبرك بحقيقته كذا قال الكلبي والخبير هو الله او جبرئيل او من قرأ فى الكتب المتقدمة ليصدقك فيه وقيل الضمير للرحمن والمعنى ان أنكروا اطلاقه على الله فسئل عنه من يخبرك من اهل الكتاب ليعرفوا مجئ ما يرادفه فى كتبهم وعلى هذا يجوز ان يكون مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن يعدى بالباء وقيل معناه فسئل إليها الإنسان بالرحمن خبيرا يخبرك بصفاته.
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ عطف على قوله الّذى خلق السّموت والأرض فى ستّة ايّام ثمّ استوى على العرش الرَّحْمنُ او على جملة هو الرّحمان اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ لانهم ما كانوا يطلقونه على الله وكانوا يقولون لا نعرف الرحمان الا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب يسمونه حمن اليمامة أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا أنت يا محمد كذا قرأ الجمهور بصيغة المخاطب خطابا للنبى ﷺ وقرأ حمزة والكسائي لما يأمرنا بصيغة الغائب يعنون لما يأمرنا محمد ﷺ وَزادَهُمْ عطف على قالوا يعنى وزادهم الأمر بالسجود للرحمان نُفُوراً عن الايمان.
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً قال الحسن ومجاهد وقتادة البروج هى النجوم الكبار سميت بروجا لظهورها وقال عطية العوفى بروجا اى قصورا فيها الحرس وَ
стр. 2833
جَعَلَ فِيها سِراجاً
يعنى الشمس لقوله تعالى وجعل الشّمس سراجا وقرأ حمزة «وخلف ابو محمد» والكسائي سرجا على الجمع وهى الشمس وسائر الكواكب سوى القمر فانه ليس بسراج لان السراج ما يضئ بنفسه والقمر نوره مستفاد من نور الشمس كما يدل عليه كماله ونقصانه على حسب مقابلة الشمس ويدل عليه العطف بقوله وَقَمَراً مُنِيراً مضيئا بالليل.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً اى ذوى خلفة يخلف كل واحد منهما الا خربان يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله فى أحدهما قضاه فى «١» الاخر قال البغوي جاء رجل الى عمر رض بن الخطاب قال فاتتنى صلوة الليلة قال أدرك ما فاتك من ليلك فى نهارك قال الله تعالى لجعل اللّيل والنّهار خلفة لّمن أراد ان يذّكّر وقال مجاهد يعنى كل واحد منهما مخالف للاخر هذا اسود وهذا ابيض لِمَنْ أَرادَ متعلق بجعل أَنْ يَذَّكَّرَ قرأ حمزة والكسائي بتخفيف الذال والكاف وضمها مع سكون الذال من المجرد اى يذكر الله سبحانه والباقون بتشديد الذال والكاف وفتحهما من التفعل بإدغام التاء فى الذال يعنى لمن أراد ان يتذكر آلاء الله ويتفكر فى صنعه فيعلم انه لا بد له من صانع حكيم واجب لذاته رحيم على العباد او المعنى أراد ان يذكر ما فاته فى أحد الملوين من خير يفعله فى الاخر أَوْ أَرادَ شُكُوراً اى شكر نعمة ربه عليه يعنى ان خلق الليل والنهار وما اظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار وما فيها من المنافع لاجل ان يتذكر فيهما المتذكرون ويشكر على نعمائه الشاكرون فمن خلا وقته عن الذكر والشكر والتذكر والتفكر فقد ضاع وقته وهلك رأس ماله.
وَعِبادُ الرَّحْمنِ مبتدا خبره أولئك يجزون الغرفة أضاف الى نفسه تشريفا لهم وإظهارا لفضلهم أو لأنهم هم الراسخون فى عبادته على ان عابد وعباد كتاجر وتجار وذكر من أسمائه اسم الرحمن اشعارا بانهم موصوفون بكمال الرحمة على الخلق وموعودون بكمال رحمة الله عليهم الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً هينين او مشيا هيّنا مصدر وصف به والمعنى انهم يمشون على الأرض بالسكينة والوقار متواضعين غير أشرين ولا متكبرين «٢» والهون فى اللغة الرفق وألين وفى القاموس الهون الوقار ومنه قوله ﷺ
стр. 2834
المؤمن هين لين حتى تخاله من اللين أحمق. رواه البيهقي بسند ضعيف عن ابى هريرة وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ عطف على يمشون يعنى إذا خاطهم السفهاء بما يكرهون قالُوا سَلاماً قال مجاهد يعنى سدادا من القول ما يسلمون فيه من الإيذاء والإثم كذا قال مقاتل بن حبان قال الحسن لو جهل عليهم جاهل حملوا ولم يجهلوا وروى عن الحسن معناه سلموا عليهم دليله قوله وإذا سمعوا اللّغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم أعمالكم سلم عليكم قال الكلبي وابو العالية هذا قبل ان يؤمر بالقتال ثم نسختها اية القتال والحق ان لاية محكمة غير منسوخة فانما الأمر بالقتال انما هو لا علاء كلمة الله حقا لله سبحانه وهو منته يقول لا اله الا الله او إعطاء الجزية قال رسول الله ﷺ أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله وان محمدا رسول الله- الحديث متفق عليه عن ابن عمر وقال الله سبحانه قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله الى قوله حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وهذا بيان لحال المؤمنين فى مقابلة السفهاء واعراضهم عن انتقامهم وعدم مواخذتهم لاجل أنفسهم عن ابى هريرة ان رجلا قال يا رسول الله ان لى قرابة أصلهم ويقطعونى واحسن إليهم ويسيؤن الىّ واحلم عنهم ويجهلون علىّ فقال لئن كنت كما قلت فكانها تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك رواه مسلم روى عن الحسن البصري انه إذا قرا هذه الاية قال هذا وصف نهارهم ثم قرا.
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً فقال هذا وصف ليلهم وخص البيتوتة لان العبادة بالليل أشق وابعد من الرياء وأوفق للقلب باللسان ولان النهار خص لنوع اخر من العبادة وهو انهم يجاهدون فى سبيل الله لا يخافون فى الله لومة لائم ويصاحبون خيار الناس للتعليم والتعلم والإرشاد والاسترشاد قوله لربهم متعلق بسجّدا وهو جمع ساجد وقياما جمع قائم او مصدر اجرى مجراه وتأخير القيام المروي عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ اشراف أمتي حملة القران واصحاب الليل- رواه البيهقي فى شعب الايمان وعن ابى هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أفضل الصلاة بعد المفروضة صلوة فى جوف الليل- رواه احمد وعن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ عليكم بقيام الليل فانه داب الصالحين قبلكم وهو قربة الى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم. رواه الترمذي وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة يضحك الله إليهم الرجل إذا قام بالليل يصلى والقوم إذا صفوا فى الصلاة والقوم
стр. 2835
إذا صفوا فى قتال العدو- رواه البغوي فى شرح السنة قال البغوي قال ابن عباس من صلى بعد العشاء الاخرة ركعتين او اكثر فقد بات لله ساجدا وقائما. وعن عثمان بن عفان قال قال رسول الله ﷺ من صلى العشاء فى جماعة كان كقيام تصف ليلة ومن صلى الفجر فى جماعة كان كقيام ليلة. رواه احمد ومسلم فى الصحيح.
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ يعنى انهم مع حسن معاشرتهم مع الخلق واجتهادهم فى عبادة الحق خائفون من عذاب الله مبتهلون الى الله فى صرفه عنهم لعدم اعتذارهم بأعمالهم وعدم وثوقهم على استمرار حالهم عن على رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ان الله ﵎ اوحى الى نبى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك ان لا يتكلوا على أعمالهم فانى لا اناصب عند الحساب يوم القيامة أشاء ان أعذبه إلا عذبته وقل لاهل معصيتى من أمتك لا يلقوا بايديهم فانى اغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي- رواه ابو نعيم إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً اى لازما ومنه الغريم للملازمة وقال البغوي الغرام أشد اللازم وقيل غراما يعنى هلاكا وقيل الغرام ما يصيب الإنسان من شدة ومصيبة قال محمد بن كعب القرظي سال الله الكفار عن شكر نعمه فلم يؤدوا فاغرمهم الله فبقوا فى النار- قال الحسن كل غريم يفارق غريمه الا جهنم.
إِنَّها يعنى جهنم ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ساءت فعل ذم بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره الضمير والمخصوص بالذم ضمير محذوف اى هى به يرتبط باسم انّ ومستقرّا حال او تمييز والجملة تعليل للجملة الاولى او تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والابتداء من الله- وجاز ان يكون ساءت من الافعال المتصرفة من ساء يسوء سوءا ومساءة بمعنى مضاد لحسنت ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى فى وصف الجنة حسنت مستقرّا ومقاما وعلى هذا فى ساءت ضمير مستتر راجع الى اسم انّ ومستقرّا حال او تمييز عن النسبة بمعنى ساء الاستقرار والاقامة فيها.
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا قرا ابن كثير واهل البصرة يقتروا بفتح الياء وكسر التاء وقرا اهل المدينة وابن عامر بضم الياء وكسر التاء وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم التاء وكلها لغات يقال اقتر يقتر وقتّر بالتشديد وقتر يقتر ويقتر على وزن ينصر ويضرب. والإسراف الانفاق فى معصية الله وان قلّت والاقتار منع حق الله تعالى وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج وبه قال الحسن فى هذه الاية ان معناه لم ينفقوا فى معاصى الله ولم يمسكوا عن فرائض الله وقال قوم الإسراف مجاوزة الحد فى الانفاق حتى يدخل فى حد التبذير. والاقتار التقتير عما لا بد منه وهذا معنى قول
стр. 2836
ابراهيم لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف قلت وهذا القول راجع الى القول الاول بل هو أخص منه فانه مجاوزة الحد المشروع فى الانفاق المباح حتى دخل فى حد التبذير وذلك حرام معصية حيث قال الله تعالى انّ المبذّرين كانوا اخوان الشّياطين وكان الشّيطن لربّه كفورا وانفاق من وجب نفقته عليه بحيث لا يجيعهم ولا يعريهم فريضة والإمساك عنه إمساك عن فريضة الله وَكانَ اى الانفاق بَيْنَ ذلِكَ اى بين الإسراف والاقتار قَواماً قصدا وسطا حسنة «١» بين السيئتين سمى الوسط قواما لاستقامة الطرفين كما سمى سواء لاستوائهما وهو خبر ثان او حال مؤكدة وجاز ان يكون خبرا لكان وبين ذلك ظرفا لغوا وقيل انه اسم كان مبنى لاضافته الى غير متمكن وهو ضعيف لانه بمعنى القوام فيكون كالاخبار بالشيء عن نفسه اخرج الشيخان فى الصحيحين عن ابن مسعود قال سالت رسول الله ﷺ اىّ الذنب أعظم قال ان تجعل لله ندّا وهو خلقك قلت ثمّ اىّ قال ان تقتل ولدك مخافة ان يطعم معك قلت ثم اىّ قال ان تزنى حليلة جارك فانزل الله تصديقها.
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ متعلق بمحذوف اى لا يقتلون قتلا الا قتلا بالحق او متعلق بلا يقتلون اى لا يقتلون بسبب الا بالحق يعنى بقود او رجم او نحو ذلك وَلا يَزْنُونَ نفى عنهم أمهات المعاصي بعد ما اثبت لهم اصول الطاعات إظهارا لكمال ايمانهم واشعارا بان الاجر موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة من الاتصاف بأضدادها كانه قال والذين طهّرهم الله عما أنتم عليه من الشرور والسيئات ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم فقال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى أشياء من هذه الأمور يَلْقَ أَثاماً يعنى جزاء اثم كذا قال ابن عباس وقال ابو عبيده الأثام العقوبة وقال مجاهد الأثام واد فى جهنم قال البغوي يروى ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص ويروى فى الحديث الغىّ والأثام بئران يسيل فيهما صديد اهل النار قلت اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عمر فى هذه الاية قال واد فى جهنم واخرج هناد عن سفيان مثله واخرج ابن جرير والطبراني والبيهقي «٢» قال قال رسول الله ﷺ لو ان صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت سبعين خريفا
стр. 2837
ثم تنتهى الى غىّ واثام قلت وما غىّ واثام قال نهران فى أسفل جهنم يسيل فيهما صديد اهل النار وهما اللذان ذكرهما الله تعالى فى كتابه فسوف يلقون غيّاء وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ قرأ ابن كثير «ابو جعفر ويعقوب ابو محمد» وابن عامر يضعّف من التفعيل والباقون من المفاعلة لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ لانضمام المعصية الى الكفر وَيَخْلُدْ قرا ابن عامر وابو بكر يضاعف «١» ويخلد بالرفع على الاستيناف او الحال والباقون بجزمهما بدلا من بلق فِيهِ قرا ابن كثير على أصله وحفص هاهنا خاصة بصلة الضمير المجرور مبالغة فى الوعيد والباقون على ما هو الأصل فى الضمير المجرور إذا سكن ما قبله باختلاس كسرتها مُهاناً اى ذليلا حال اخرج الشيخان عن ابن عباس ان ناسا من اهل الشّرك قتلوا فاكثروا وزنوا فاكثروا ثم أتوا محمدا ﷺ فقالوا ان الّذى تقول وتدعو اليه لحسن لو تخبرنا ان لعملنا كفارة فنزلت والّذين لا يدعون مع الله الها اخر ولا يقتلون النّفس الّتى حرّم الله الّا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما لّضعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا الّا من تاب عن الشرك.
وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً الى قوله تعالى غفورا رحيما ونزلت قل يعبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم الاية قال ابن عباس الّا من تاب من ذنبه وأمن بربه وعمل عملا صالحا فيما بينه وبين ربه واخرج البخاري وخيره عن ابن عباس قال لما انزل فى الفرقان والّذين لا يدعون مع الله الها اخر ولا يقتلون النفس الّتى الاية قال مشركوا مكة قد قتلنا النفس بغير الحق ودعونا مع الله الها اخر واتينا الفواحش فنزلت الّا من تاب وقال البغوي أخبرنا عن ابن عباس قال قرانا على عهد رسول الله ﷺ سنتين والّذين لا يدعون مع الله الها اخر الاية ثم نزلت الا من تاب وأمن فما رايت النبي ﷺ فرح بشئ فرحه بها وفرحه بانّا فتحنا لك فتحا مّبينا لّينفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تاخّر. فان قيل لا يجوز الاستثناء مفصولا فكيف يقال بنزوله بعد سنتين قلنا نزلت هذه الاية أول مرة بغير الاستثناء ثم نزلت تلك الآيات مع الاستثناء فهذه الاية ناسخة للاولى فى المقدار المستثنى فان قيل تقرر فى الأصول ان محل النسخ الاحكام دون الاخبار وهذه الاية اخبار فكيف يمكن نسخه قلنا عدم جواز النسخ فى الاخبار لعدم احتمال التخلف فيها كيلا يلزم الكذب واية الوعيد يجوز نسخه لانه إنشاء للوعيد يحتمل التخلف فيه تفضلا ومغفرة هذه الاية تدل على ان الاستثناء من الإثبات نفى وبالعكس كما يدل على ذلك الاستثناء المفرغ وليس كما قالوا ان
стр. 2838
المستثنى فى حكم المسكوت عنه والاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا إذ لو كان كذلك لما جاز نسخ المنطوق بالمسكوت وقوله عملا صالحا منصوب على المفعولية او المصدرية فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فذهب جماعة الى ان المراد ان يمحو الله سوابق معاصيهم بالتوبة وثبت مكانها لواحق طاعتهم او يبدل الله فى الدنيا ملكة المعصية فى النفس بملكة الطاعة ويوفقه لاضداد ما سلف منهم من المعاصي وهذا معنى ما قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والسدى يبدل الله بقبائح ما عملوا فى الشرك محاسن الأعمال فى الإسلام فيبدل الله لهم بالشرك التوحيد وبقتل المؤمنين قتل المشركين المحاربين وبالزنى عفة واحصانا وذهب جماعة الى ان المراد ان الله تعالى يبدل سيئاتهم التي عملوها فى الإسلام حسنات يوم القيامة تفضلا وهو قول سعيد بن المسيب ومكحول وعائشة وابى هريرة وسلمان رضى الله عنهم أجمعين ويؤيده حديث ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا صغائر ذنوبه فتعرض عليه صغائرها وتخبأ كبائرها فيقال أعملت كذا وكذا وهو يقرّ ليس ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول ان لى ذنوبا لا أراها هاهنا فلقد رايت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه رواه مسلم واخرج ابن ابى حاتم عن سلمان قال يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرا أعلاها فاذا يكاد ليسوء ظنه نظر فى أسفلها فاذا حسناته ثم ينظر فى أعلاها فاذا هى قد بدّلت حسنات واخرج ايضا عن ابى هريرة رضى الله عنه قال ليأتينّ الله بناس يوم القيامة ودوا انهم أكثروا من السيئات قيل من هم قال الذين يبدل الله سيأتهم حسنات فان قيل كيف يتصور تبديل السيئة على هذا المعنى بالحسنة وكيف يثاب على السيئة فان السيئة امر مكروه غير مرضى الله تعالى فكيف يتصور كونه مرضيّا له تعالى فان الله لا يرضى لعباده الكفر والعصيان قلت توجيه ذلك عندى بوجهين أحدهما ان عباد الله الصالحين كلما صدر عنهم ما كتب الله عليهم من العصيان ندموا غاية الندم واستحقروا أنفسهم غاية الاستحقار والتجئوا الى الله تعالى كمال الالتجاء وخافوا عذاب الله مع رجاء المغفرة فاستغفروه حتى صاروا مهبطا لكمال الرحمة بحيث لو لم يذنبوا لم يصيروا بهذه المثابة فعلى هذا صار عصيانهم الذي كان سببا للعقاب سببا للثواب ولو بتوسط الندم والتوبة من هاهنا قال رسول الله ﷺ والّذى نفسى بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء يقوم يذنبون فيستغفرون الله ويغفر لهم
стр. 2839
رواه مسلم من حديث ابى هريرة وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين امة لوسعتهم- وقال رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد حين سبّ الامرأة الغامدية مهلا يا خالد فو الذي نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس «١» لغفر له- رواه مسمر فى قصة ماعز والغامدية عن بريدة وهذا ما قيل معصية أولها غفلة وآخرها ندامة خير من طاعة أولها عجب وآخرها رؤية ثانيهما ان الغائصين فى بحار المحبة قد يصدر منهم امور لا يتزن بميزان الشرع ككلمات الشح والسماع والوجد ورهبانية ابتدعوها يجعل الله تعالى هذه الأمور الصادرة منهم كلها حسنات لصدورها عن محبة صرفة ومن هاهنا قال العارف الرومي مثنوى
هر چهـ گيرد علتى علت شود ... كفر گيرد كاملى ملت شود
كار پاكان را قياس از خود مگير ... گر چهـ ماند در نوشتن شير شير
او بدل گشت وبدل شد كار او ... لطف گشت ونور شد هر نار او
ولعل ما ورد فى حديث ابى ذر انه يقال اعرضوا صغائر ذنوبه فيعرض عليه صغائرها ويخبأ عنه كبائرها اشارة الى هذا فان هذه الأمور التي تصدر من الكاملين لغلبة المحبة انما هى بميزان الشرع صغار الذنوب دون كبائرها يجعلها الله تعالى لهم حسنات لكونها ناشية من منابع المحبة واما كبار الذنوب التي صدرن عنهم على سبيل الندرة لما كتب الله تعالى صدورها عنهم فيخبأ عنهم ويغفر ويستر ولا يذكر كما أشير اليه بقوله تعالى وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يغفر الذنوب جميعا صغائرها وكبائره ابالتوبة وو بلا توبة قلت لعل قوله تعالى والّذين لا يدعون مع الله الها اخر اشارة الى فناء القلب فان المرء بعد فناء قلبه لا يقصد شيئا غير الله ولا يرجوا شيئا الا منه ولا يخاف غيره وكل ما هو مقصود لك فهو معبود لك بل لا يرى غيره موجودا بوجود متاصل والا له هو الموجود بوجود بوجود متاصل يقتضى ذاته وجوده فان قيل أليس المؤمنون عامه قبل الفناء يعتقدون بان الله موجود بوجود يقتضيه ذاته وغيره ليس كذلك قلت بلى يعتقدون ذلك لكن بالاستدلال دون الرؤية والشهود ويشهد على
стр. 2840
ذلك بداهة الوجدان وخوفهم وطمعهم من الخلق. وقوله تعالى ولا يقتلون النّفس الّتى حرّم الله الّا بالحقّ ولا يزنون اشارة الى فناء النفس وان النفس الامارة بالسوء إذا فنيت واطمأنت بمرضاة الله تعالى انسلخ عن دواعى العصيان والدليل على هذه الاشارة وصفهم بهذه الصفات بعد وصفهم بصفات الكمال بقوله وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ الى آخره ولو كان المراد به التوحيد المجازى والتقوى الظاهري لقدم ذلك على الصفات المذكورات فيما سبق.
وَمَنْ تابَ عن الشرك والمعاصي بتركها والندم عليها والاستغفار وَعَمِلَ صالِحاً بتلافى ما فرط او خرج عن الشرك والمعاصي ودخل فى الطاعة فَإِنَّهُ يَتُوبُ اى يرجع إِلَى اللَّهِ مَتاباً لا الى غيره فحق عليه تعالى ان يثيبه ويبدل سيئاته بالحسنات وهذه الجملة معترضة معطوفة على معترضة سابقة وهى قوله تعالى ومن يفعل ذلك يلق أثاما والجملتان وقعتا بين الموصولات التي هى صفات مارحة لعباد الرحمان الاولى منهما لبيان عقاب المسيئين المفهومين من قوله تعالى والّذين لا يدعون الى آخره والثانية منهما لبيان عاقبة التوابين للذكورين فى الاستثناء قيل التنكير فى متابا للتعظيم والترغيب الى التوبة لئلا يتحد الشرط يعنى انه يتوب الى الله متابا مرضيا عند الله ماحيا للعقاب محصلا للثواب وقيل معناه فانه يرجع الى الله اى الى ثوابه مرجعا حسنا وهذه تعميم بعد تخصيص- وقال البغوي قال بعض اهل العلم هذه الاية فى التوبة عن غير ما ذكر فى الاية الاولى من القتل والزنى يعنى من تاب ورجع عن الشرك وادي الفرائض فمن لم يقتل ولم يزن فانه يتوب الى الله اى يعود اليه بعد الموت متابا حسنا يفضل على غيره ممن قتل وزنى ثم تاب. فالتوبه الاولى اى الشرط اعنى قوله ومن تاب معناها رجع عن الشرك والثانية اى الجزاء اعنى فانّه يتوب الى الله متابا معناها رجع الى الله للحزاء والمكافاة فافترقا. وقال بعضهم هذه الاية فى التوبة عن جميع المعاصي ومعناه ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله فقوله يتوب الى الله متابا خبر بمعنى الأمر اى ليتب الى الله وقيل معناه فليعلم ان توبته ومصيره الى الله. قلت وعلى تقدير كون المراد بقوله تعالى يبدّل الله سيّئاتهم التائبين الذين صدر عنهم بعض الأمور التي لم يتزن بميزان الشرع لغلبة السكر والمحبة فبدل الله سيئاتهم حسنات لاجل مجبتهم جاز ان يكون المراد بالتائبين فى هذه الاية عباد الله الصالحين الذين لم يصدر عنهم شىء من تلك الأمور يعنى من رجع عن جميع ما كره الله ولم يعملوا شيئا منها ولو يغلبة المحبة والسكر فانه يتوب الى الله متابا احسن من الأولين وهم اصحاب الصحو من الأولياء كالنقسبندية الذين هم على هيئة اصحاب رسول الله