← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

وعن الكرخي انه قيد الوصية بالحال فان قال أوصيت لك بنتي هذه الان ينعقد لانه صاربه مجازا عن التمليك قلنا الاضافة ماخوذ فى مفهوم الوصية وعدمه فى النكاح فيتضادان- وقال قوم لا ينعقد النكاح الا بلفظ النكاح او التزويج فى حق النبي ﷺ ايضا كما لا يصح فى حق الامة لقوله تعالى إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها وانما اطلق لفظ الهبة فى الاية على النكاح مجازا. قال البيضاوي محتجا بهذه الاية على مذهب الشافعي ان اللفظ تابع للمعنى وقد خص النبي ﷺ بالمعنى اجماعا وهذا القول غير سديد فان جواز اطلاق لفظ الهبة فى النكاح انما هو بطريق المجاز ولا وجه لتخصيص التكلم بالمجاز بحضرة الرسالة ﷺ والنكاح يصلح ان يكون معنى مجازيا للفظ الهبة ولا اختصاص بالنبي ﷺ لمعناه المجازى- فان قيل معناه الحقيقي غير مراد فى الاية البتة لان المعنى الحقيقي للهبة تمليك العين وهو غير مراد بل المراد تمليك البضع بغير عوض فاذا اختص به معناه المجازى واللفظ تابع للمعنى فلا يجوز لغيره ﷺ النكاح بلفظ الهبة مجازا- قلنا المعنى المجازى للهبة غير منحصر فى تمليك البضع بغير عوض بل يجوز ان يطلق لفظ الهبة وأريد به تمليك البضع مطلقا سواء كان بعوض او بغير عوض وقال ابن همام انما الكلام فى تحقق طريق المجاز فنفاه الشافعي بناء على انتفاء ما يجوز به التجوز اما اجمالا فلانه لو وجد لصح ان يتجوز بلفظ كل منهما عن الاخر بان يقال نكحتك هذا الثوب مرادا به وهبتك او ملكتك وليس فليس واما تفصيلا فلان التزويج هو التلفيق وضعا والنكاح الضم ولا ضم ولا ازدواج فى المالك والمملوك ولذا يفسد النكاح عند ورود ملك أحد الزوجين على الاخر ولو كان لم ينافه تأكد به- ولنا على الشافعي اولا النقض الإجمالي وهو انه لولا العلاقة المصححة للمجاز بين الهبة والنكاح لما جاز نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة وذلك جائز ولمّا ثبت العلاقة المصححة للمجاز بينهما وبين النكاح بلا عوض ثبت بينها وبين مطلق النكاح ايضا لوجود الأعم فى ضمن الأخص وثانيا ان معنى الحقيقي للهبة تمليك العين وتمليك العين سبب لملك المتعة فى محلها بواسطة ملك الرقبة وملك المتعة

стр. 3152

فى محلها هو الثابت بالنكاح والسببية طريق المجاز- واما عدم جواز استعارة النكاح لتمليك العين فلما ذكر فى الأصول انه لا يجوز استعارة اسم المسبب للسبب عندنا الا إذا كان المقصود من السبب شرعيته كالبيع لملك الرقبة وليس ملك المتعة الذي هو موجب النكاح هو المقصود من التمليك بل ملك الرقبة- وقوله لا ضم ولا ازدواج بين المالك والمملوك ممنوع والله اعلم. قال البغوي اختلفوا فى انه هل كانت عند النبي ﷺ امرأة وهبت نفسها له قال ابن عباس ومجاهد لم تكن عنده امراة الا بعقد نكاح او ملك يمين وقوله ان وهبت نفسها للنّبىّ على طريق الشرط والجزاء وقال آخرون كانت عنده منهن قال الشعبي هى زينب بنت خزيمة الانصارية يقال لها أم المساكين وقال قتادة ميمونة بنت الحارث وقال على بن الحسين ﵉ والضحاك ومقاتل هى أم شريك بنت جابر من بنى اسد اخرج ابن سعد وابن ابى شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن على بن الحسين وابن سعد عن عكرمة انها أم شريك بنت جابر وقال عروة بن الزبير هى خولة بنت حكيم من بنى سليم. قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا اى ما أوجبنا عَلَيْهِمْ اى على المؤمنين فِي أَزْواجِهِمْ من شرائط النكاح ووجوب القسم والمهر بالوطى حيث لم يسم وان لا يتزوجوا اكثر من اربع وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ بالشراء وغيره بان يكون الامة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية وان يستبرا قبل الوطي وما وسع الله الأمر فيهن فى العدد وعدم وجوب القسم والجملة معترضة لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ متعلقة بقوله خالصة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما يعسّر التحرز عنه رَحِيماً (٥٠) بالتوسعة فى مضانّ الحرج. اخرج الشيخان فى الصحيحين عن عائشة انها كانت تقول اما تستحيى المرأة ان تهب نفسها فانزل الله. تُرْجِي مَنْ تَشاءُ الاية فقالت عائشة ارى ربك ليسارع لك فى هواك وفى لفظ قالت عائشة كنت أعار على اللاتي وهبن انفسهن لرسول الله ﷺ وأقول أتهب المرأة نفسها فلما انزل الله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ الاية قلت ما ارى ربك الا يسارع فى هواك- قرأ نافع وحمزة

стр. 3153

والكسائي وحفص ترجى بإسكان الياء بغير همز والباقون بهمزة مضمومة اى تؤخر من تشاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ منهن قال البغوي اختلف المفسرون فى معنى الاية فاشهر الأقاويل انها فى القسم بينهن وذلك ان التسوية فى القسم بينهن كان واجبا عليه فلمّا نزلت هذه الاية سقط عنه فصار الاختيار اليه فيهن قال ابو زيد وابن زيد نزلت هذه الاية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي ﷺ وطلب بعضهن زيادة النفقة فهجرهن النبي ﷺ شهرا حتى نزلت اية التخيير فامره الله ان يخيرهن بين الدنيا والاخرة وان يخلى سبيل من اختارت الدنيا ويمسك من اختارت الله ورسوله على انهن أمهات المؤمنين فلا ينكحن ابدا وعلى انه يؤوى اليه من يشاء منهن ويرجى من يشآء منهن فيرضين به قسم لهنّ او لم يقسم او قسم لبعض دون بعض او فضّل بعضهن فى النفقة والقسم فيكون الأمر فى ذلك اليه يفعل كيف يشاء وكان ذلك من خصائصه ﷺ فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط- قلت وليس هذا من خصائص النبي ﷺ بل الحكم كذلك فى الامة ايضا فمن كان تحته نساء وقال لهن من شاء منكن حقوق النكاح من النفقة والتسوية فى القسم فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ومن رضى منكنّ ان تبقى فى نكاحى بلا مطالبة فى النفقة على ان أؤاوي الىّ من أشاء منكن وأرجى منكن من أشاء سواء اقسم لكن او لم اقسم او اقسم لبعض دون بعض او أفضل بعضكن على بعض فى النفقة والكسوة والقسم فقلن له نحن نختارك وتركنا حقنا فى النفقة والقسم يكون الأمر فى ذلك اليه يفعل كيف يشآء والله اعلم قال البغوي واختلفوا فى انه هل اخرج أحدا منهن عن القسم فقال بعضهم لم يخرج أحدا بل كان رسول الله ﷺ مع ما جعل الله له من ذلك يسوى بينهن فى القسمة الاسودة فانها رضيت بترك حقها من القسم وجعل يومها لعائشة- وقيل اخرج بعضهن روى ابن جرير عن منصور عن ابى رزين قال لما نزل التخيير أشفقن ان يطلقهن فقلن يا رسول الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا فنزلت هذه الاية تُرْجِي مَنْ تَشاءُ منهن فارجى

стр. 3154

رسول الله ﷺ بعضهن وأوى اليه بعضهن وكان ممن أوى اليه عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة فكان يقسم بينهن سواء وأرجى منهن خمسا أم حبيبة وسودة وصفية وميمونة وجويرية وكان يقسم لهن ما يشاء روى البخاري عن معاذة عن عائشة ان رسول الله ﷺ كان يستأذن فى يوم المرأة منّا بعد ان أنزلت هذه الاية تُرْجِي مَنْ تَشاءُ الاية فقلت لها ما كنت تقولين قالت كنت أقول له ان كان ذاك الىّ فانى لا أريد يا رسول الله ان اوثر عليك أحدا- وقال مجاهد معناه ترجى من تشاء منهن يعنى تعزل منهن من تشاء بغير طلاق وتردّ إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد- وقيل معناه تطلّق منهن من تشاء وتمسك منهن من تشاء وقال الحسن معناه تترك نكاح من شئت وتنكح من تشاء من نساء أمتك وقال كان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لغيره ان يخطبها حتى يتركها رسول الله ﷺ وقيل معناه تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي وهبن انفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبل روى البغوي عن هشام عن أبيه قال كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن انفسهن للنبى ﷺ فقالت عائشة اما تستحيى امراة ان تهب نفسها للرجل فلمّا نزلت هذه الاية تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ فقلت يا رسول الله ما ارى ربك الا يسارع فى هواك- وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ اى طلبت وأردت ان تؤوي إليك امراة ممن عزلتهن عن انفسهن فَلا جُناحَ اى لا اثم عَلَيْكَ فى شىء من ذلك ذلِكَ التفويض الى مشيتك أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ اى اقرب الى قرة أعينهن وعدم حزنهن ورضائهن جميعهن لان حكم كلهن فيه سواء ثم من أويت منهن إليك وجدت ذلك تفضلا ومن عزلت منهن علمت انه بحكم الله وعلمت منك تفضلا ايضا حيث أبقيت فى نكاحك من غير حاجة منك إليها وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ فاجتهدوا فى إحسانه وفيه وعيد لمن لم ترض منهن بمشية رسوله ﷺ وقيل معناه اللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ من امر النساء والميل الى بعضهن وانما خيرناك فيهن تيسيرا لك وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بذات الصدور حَلِيماً (٥١) لا يعاجل بالعقوبة فهو حقيق

стр. 3155

بان يتقى اخرج ابن سعد عن عكرمة قال لما خيّر رسول الله ﷺ أزواجه واخترن الله ورسوله انزل الله تعالى. لا يَحِلُّ قرأ ابو عمرو ويعقوب بالتاء الفوقانية والباقون بالياء التحتانية لان تأنيث الجمع غير حقيقى لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ اى بعد هذا اليوم حتى لو ماتت واحدة منهن لم يحل له نكاح اخرى وَلا أَنْ تَبَدَّلَ أصله تتبدل حذفت احدى التاءين من مضارع التفعل بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ من مزيدة لتأكيد النفي يعنى لا يجوز لك ان تطلق منهن واحدة وتنكح مكانها اخرى قال البغوي وذلك ان النبي ﷺ لما خيرهن واخترن الله ورسوله شكرهن الله وحرم على نبيه من النساء سواهن ونهاه عن تطليقهن والاستبدال بهن وهذا قول ابن عباس وقتادة- واختلفوا فى انه هل أبيح له من بعد اخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد واحمد وعبد بن حميد وابو داؤد فى ناسخه والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردوية والبيهقي من طريق عطاء عن عائشة قالت لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله ان يتزوج من النساء ما شاء الا ذات محرم بقوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ فان تلك الاية وان تقدمها قراءة مسبوق بها نزولا- واخرج ابن ابى حاتم عن أم سلمة مثله واخرج ابن سعد عن ابن عباس مثله وذكر البغوي قول انس مات رسول الله على التحريم- وقال البغوي قال عكرمة والضحاك معنى الاية لا يحل لك النساء بعد اللاتي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها وقيل لابى بن كعب لو مات نساء النبي ﷺ كان له ان يتزوج قال وما يمنعه من ذلك قيل قوله تعالى لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال انما أحل الله له ضربا من النساء فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ الاية ثم قال لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ- قال ابو صالح أمران لا يتزوج اعرابية ولا عربية ويتزوج من نساء قومه من بنات العمّ وبنات العمّة وبنات الخال وبنات الخالة ان شاء ثلاث مائة وقال مجاهد لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا ان تبدل بالمسلمات غيرهن يقول لا يكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية الا ما ملكت يمينك أحل له

стр. 3156

ما ملكت يمينه من الكتابيات ان يتسرى بهن- وروى عن الضحاك معنى ان تبدّل بهن اى ولا ان تبدل بازواجك اللاتي فى حبالتك أزواجا غيرهن بان تطلقهن وتنكح غيرهن فحرم عليه طلاق النساء اللاتي كن عنده إذ جعلهن أمهات المؤمنين وحرمهن على غيره حين اخترنه فاما نكاح غيرهن فلم يمنع عنه وقال ابن زيد فى قوله وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ انهم كانوا يتبادلون فى الجاهلية بأزواجهم يقول الرجل للرجل بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتى بان تنزل لى عن امرأتك وانزل لك عن امراتى فانزل الله تعالى وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ يعنى لا تبادل بازواجك غيرك بان تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته الا ما ملكت يمينك فلا بأس بان تبدل بجاريتك ما شئت واما الحلائل فلا- عن ابى هريرة قال دخل عيينة بن حصين على النبي ﷺ بغير اذن وعائشة رضى الله عنها عنده فقال رسول الله ﷺ فاين الاستيذان قال يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مصر منذ أدركت ثم قال من هذه الحميرى الى جنبك قال هذه عائشة أم المؤمنين قال عيينة أفلا انزل لك عن احسن الخلق فقال رسول الله ﷺ ان الله تعالى قد حرّم ذلك فلمّا خرج قالت عائشة من هذا يا رسول الله قال هذا أحمق مطاع وانه على ما ترين لسيد قومه وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ اى حسن الأزواج المستبدلة وهو حال من فاعل تبدل دون مفعوله وهو قوله من ازواج لتوغله فى التنكير وتقديره مفروضا إعجابك بهن قال البغوي يعنى ليس لك ان تطلق أحدا من نسائك وتنكح بدلها اخرى ولو أعجبك جمالها قال ابن عباس انها بنت عميس الخثعمية امراة جعفر بن ابى طالب رضى الله عنه فلمّا استشهد جعفر أراد رسول الله ﷺ ان يخطبها فنهى عن ذلك إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ محل ما الرفع استثناء من النساء لانه يتناول الأزواج والإماء وقيل الاستثناء منقطع قال ابن عباس ملك رسول الله ﷺ بعد ذلك مارية يعنى أم ابراهيم وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) فتحفظوا أمركم ولا تتجاوزوا عمّا حد لكم. (مسئلة) قال البغوي فى الاية دليل على جواز النظر الى من يريد نكاحها

стр. 3157

من النساء عن جابر رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إذا خاطب أحدكم امرأة فان استطاع ان ينظر الى ما يدعوا الى نكاحها فليفعل رواه ابو داود وعن المغيرة بن شعبة قال خطبت امراة فقال النبي ﷺ هل نظرت إليها قلت لا قال فانظر إليها فانه أحرى ان يؤدم بينكما- رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وعن ابى هريرة ان رجلا أراد ان يتزوج امرأة من الأنصار فقال النبي ﷺ انظر إليها فان فى أعين نساء الأنصار شىء- رواه مسلم قال الحميدي فان فى أعينهن صفرة والله اعلم. اخرج الشيخان فى الصحيحين عن انس قال لمّا تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون فاذا كانه يتهيؤا للقيام فلم يقوموا فلمّا راى ذلك قام فلمّا قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي ﷺ ليدخل فاذا القوم جلوس ثم انهم قاموا فانطلقت فجئت فاخبرت النبي ﷺ انهم انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت ادخل فالقى الحجاب بينى وبينه فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الاية وذكر البغوي حديث ابن شهاب عن انس انه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله ﷺ المدينة قال أمهاتي يواطينى على خدمة النبي ﷺ فخدمته عشر سنين وتوفى النبي ﷺ وانا ابن عشرين سنة وكنت اعلم الناس بشأن الحجاب حين نزل كان أول ما نزل فى مبنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش أصبح النبي ﷺ بها عروسا فدعى القوم فاصابوا من الطعام الحديث- فذكر مثل رواية البخاري وفى رواية للبخارى قال انس كنت اعلم الناس بهذه الاية اية الحجاب لما أهديت زينب الى النبي ﷺ كانت معه فى البيت صنع طعاما ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فانزل الله تعالى تلك الاية وضرب الحجاب وقام القوم- وفى رواية له قال انس او لم حين بنى النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم فارسلت على الطعام داعيا فيجئ القوم فياكلون ويخرجون ثم يجئ قوم فيأكلون ويخرجون

стр. 3158

فدعوت حتى ما أجد أحدا ادعوه فقلت يا نبى الله ما أجد أحدا ادعوه فقال ارفعوا طعامكم وبقي ثلاثة رهط يتحدثون فى البيت فخرج النبي ﷺ فانطلق الى حجرة عائشة فقال السلام عليكم اهل البيت ورحمة الله فقالت وعليك السّلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك بارك الله لك فذهب الى حجر نسائه كلّهن يقول لهن كما قال لعائشة ويقلن له كما قالت ثم رجع النبي ﷺ فاذا ثلثة رهط فى البيت يتحدثون وكان النبي ﷺ شديد الحياء فخرج منعطفا نحو حجرة عائشة فما أدرى أخبرته او اخبر ان القوم خرجوا فرجع حتى إذا وضع رجله فى أسكفة الباب داخلة والاخرى خارجة ارخى الستر بينى وبينه ونزلت اية الحجاب- وفى رواية للبخارى قال انس او لم رسول الله ﷺ حين بنى بزينب فاشبع الناس خبزا ولحما ثم خرج الى حجرات أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلم عليهن ويدعو لهن ويسلمن عليه ويدعون له فلمّا رجع هو الى بيته راى رجلين جرى بينهما الحديث فلمّا راهما رجع عن بيته فلمّا راى الرجلان نبى الله ﷺ قاموا فرجع حتى دخل البيت وارخى الستر بينى وبينه. واخرج الترمذي وحسنه عن انس قال كنت مع رسول الله ﷺ فاتى باب امراة عرس بها فاذا عندها قوم فانطلق ثم رجع وقد خرجوا فدخل وارخى بينى وبينه سترا فذكرته لابى طلحة فقال لان كان كما تقول لينزلن فى هذا شىء فنزلت اية الحجاب. واخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة قالت كنت أكل مع النبي ﷺ فى قعب فمرّ عمر فدعاه فاكل فاصابت إصبعه إصبعي فقال اوّه لو أطاع فيكن ما راتكن عين فنزلت اية الحجاب- وكذا اخرج البخاري فى الأدب المفرد والنسائي واخرج ابن مردوية عن ابن عباس قال دخل رجل على النبي ﷺ فاطال الجلوس فخرج النبي ﷺ ثلاث مرات ليخرج فلم يفعل فدخل عمر فراى الكراهية فى وجهه فقال للرجل ولعلّك آذيت النبي ﷺ فقال النبي ﷺ لقد قمت ثلاثا لكى يتبعنى فلم يفعل فقال له عمر يا رسول الله لو اتخذت حجابا فان نساءك لسن كسائر

стр. 3159

النساء وذلك اطهر لقلوبهم فنزلت اية الحجاب- وقد مرّ فى سورة البقرة ما رواه البخاري وغيره عن عمر قال وأفقت «١» ربى فى ثلاث فقلت لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلى فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وقلت يا رسول الله ان نسائك يدخل عليهن البر والفاجر فلو امرتهن ان يحتجبن فنزلت اية الحجاب واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه من الغيرة فقلت لهن عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ فنزلت كذلك- وكذا اخرج النسائي من رواية انس وذكر البغوي نحوه عن ابن عباس وقال البغوي وقد صح فى سبب نزول اية الحجاب ان ازواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن الى المصانع وهو صعيد افيح وكان عمر يقول للنبى ﷺ احجب نساءك فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل فخرجت سودة بنت زمعة ذات ليلة من الليالى عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ان قد عرفناك حرصا على ان ينزل الحجاب فانزل الله تعالى الحجاب- قال الحافظ ابن حجر يمكن الجمع بان ذلك وقع قبيل قصة زينب فلقربه منها اطلق نزول الاية بهذا السبب ولا مانع من تعدد السبب- إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ استثناء مفرغ منصوب على الظرف او على المصدر او على الحال يعنى لا تدخلوا فى وقت الا وقت ان يؤذن لكم او لا تدخلوا دخولا الا دخولا مأذونا لكم او لا تدخلوا فى حال الا حال ان يؤذن لكم إِلى طَعامٍ متعلق بيؤذن لتضمنه معنى يدعى وفيه اشعار بانه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وان اذن كما هو اشعار فى قوله تعالى غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ اى غير منتظرين وقت نضجه حال من فاعل لا تدخلوا او المجرور فى لكم داخل فى الاستثناء اى لا تدخلوا الا بإذن والا غير ناظرين وهذا الاستثناء مختص بمن أراد الدخول لاجل

стр. 3160

الطعام لا مطلقا- امال حمزة «وهشام وخلف وقلله ورش من طريق الأزرق- ابو محمد» والكسائي اناه فهو حينئذ مصدر انى الطعام إذا أدرك يقال انى الحميم إذا انتهى حره وانى ان يفعل كذا اى حان وقال البغوي انى بكسر الهمزة مقصورة فاذ فتحتها مددتّ وقلت الإناء وفيه لغتان انى يأنى مثل رمى يرمى وان يئين مثل باع يبيع وفى القاموس انى الشيء يأنى أينا واناء وانا بالكسر فهو انى كغنى حان وأدرك وانى الحميم انتهى حره فهو ان وبلغ هذا اناه يعنى بالفتح وبكسر يعنى بلغ غايته او نضجه او إدراكه وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ يعنى أكلتم الطعام فَانْتَشِرُوا يعنى تفرقوا واخرجوا من منزله ولا تمكثوا بعد الاكل وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ مجرور معطوف على ناظرين او منصوب اى لا تدخلوها مستأنسين وقيل تقديره ولا تمكثوا مستأنسين فهو عطف جملة على جملة نهوا ان يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لاجل حديث يحدثه به إِنَّ ذلِكُمْ اللبث كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ لتضيق المنزل عليه وعلى اهله واشتغاله بما لا يعنيه تعليل لما سبق فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ولا يخرجكم عطف على الجملة الاسمية السابقة وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ عطف او حال او معترضة اى لا يترك الله تأديبكم حياء فان التأديب حق وقال البيضاوي يعنى إخراجكم حق فينبغى ان لا يترك حياء كما لا يترك الله الحق فيأمركم بالخروج وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ اى نساء النبي ﷺ لدلالة بيوت النبي عليهن لان فيها نساؤه مَتاعاً اى شيئا ينتفع به استعارة او استيهابا او ردّا للعارية فَسْئَلُوهُنَّ المتاع مِنْ وَراءِ حِجابٍ اى الستر الجملة الشرطية معطوفة على قوله لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ قال البغوي فبعد اية الحجاب لم يكن لاحد ان ينظر الى امرأة من نساء رسول الله ﷺ منتقبة كانت او غير منتقبة ذلِكُمْ اى السؤال من وراء الحجاب أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من الخواطر الشيطانية الجملة تعليل لما سبق. اخرج ابن ابى حاتم عن ابن زيد قال بلغ النبي ﷺ ان رجلا يقول لو توفى النبي ﷺ تزوجت فلانة من بعده فنزلت وَما كانَ اى ما صح لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ اى تفعلوا ما يكرهه وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد وفاته او فراقه أَبَداً واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس

стр. 3161

قال نزلت فى رجل همّ ان يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده- قال سفيان ذكر انها عائشة واخرج عن السدىّ قال بلغنا ان طلحة بن عبيد الله قال أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا لان حدث حدث لنتزوجن نساءه من بعده فانزلت هذه الاية- واخرج ابن سعد عن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال نزلت فى طلحة بن عبيد الله لانه قال إذا توفى رسول الله ﷺ تزوجت عائشة- واخرج جويبر عن ابن عباس ان رجلا اتى بعض ازواج النبي ﷺ فكلمها وهو ابن عمها فقال النبي ﷺ لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا فقال يا رسول الله انها ابنة عمى والله ما قلت لها منكرا ولا قالت لى قال النبي ﷺ قد عرفت ذلك انّه ليس أحدا غير من الله وانّه ليس أحدا غير منى فمضى فقال يمنعنى من كلام ابنة عمى لا تزوجها من بعده فانزل الله تعالى هذه الاية- قال ابن عباس فاعتق ذلك الرجل رقبة وحمل عشرة ابعرة فى سبيل الله وحج ماشيا توبة من كلمته- قال البغوي روى معمر عن الزهري ان العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي ﷺ تزوجت رجلا وولدت له وذلك قبل تحريم ازواج النبي ﷺ على الناس قال البيضاوي خصت التي لم يدخل بها النبي ﷺ روى ان الأشعث بن قيس تزوج المستعيذة فى ايام عمر رضى الله عنه فهم عمر برجمها فاخبر انه ﷺ فارقها قبل ان يمسها فتركه من غير نكير إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (٥٣) اى ذنبا عظيما قلت وجاز ان يكون ذلك لاجل ان النبي ﷺ حىّ فى قبره ولذلك لم يورث ولم يتئم أزواجه عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من صلى علىّ عند قبرى سمعته ومن صلّى علىّ نائيا أبلغته رواه البيهقي فى شعب الايمان. إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً من أذى النبي ﷺ او من نكاحهن أَوْ تُخْفُوهُ فى أنفسكم قال البغوي نزلت فيمن أضمر نكاح عائشة رضى الله عنها بعد رسول الله ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) تعليل لجزاء محذوف أقيم مقامه تقديره يعلمه الله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيجازيكم عليه وفى هذا التعميم

стр. 3162

والبرهان على المقصود بعد التصريح بالنهى عن نكاحهن مزيد تهويل ومبالغة فى الوعيد ولذلك أعتق ذلك الرجل الذي هم بنكاح بعض ازواج النبي ﷺ رقبة وحمل عشر ابعرة فى سبيل الله وحج ماشيا توبة من كلمته كما مر فى حديث ابن عباس قال البغوي ولما نزلت اية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب ونحن ايضا نكلمهن من وراء حجاب فانزل الله تعالى. لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ اى فى ترك الاحتجاب من ابائهن وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وانما لم يذكر العم والخال لانه لما ذكر أبناء اخوانهن وأبناء أخواتهن يظهر بدلالة النص حكم الأعمام والأخوال لانهن عمات بالنسبة الى أبناء الاخوة وخالات بالنسبة الى أبناء الأخوات والعم والعمة من جنس واحد كالخال والخالة روى البخاري عن عروة بن الزبير ان عائشة قالت استأذن أفلح أخ ابى القعيس بعد ما انزل الحجاب فقلت لا اذن حتى استأذن فيه رسول الله ﷺ فان أخاه أبا القعيس ليس هو ارضعنى ولكن أرضعتني امرأة ابى القعيس فدخل علىّ النبي ﷺ فقلت يا رسول الله ان أفلح أخا ابى القعيس استأذن فابيت ان اذن له حتى استأذنك فقال النبي ﷺ تأذنين عمك قلت يا رسول الله ان الرجل ليس هو ارضعنى ولكن أرضعتني امرأة ابى القعيس فقال ائذني له فانه عمك تربت يمينك- قال عروة فلذلك كانت عائشة تقول حرموا من الرضاع ما تحرموا من النسب وَلا نِسائِهِنَّ يعنى مؤمنات حرائر وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من العبيد والإماء وقيل من الإماء خاصة كما ذكرنا فى سورة النور وَاتَّقِينَ اللَّهَ هذه الجملة معطوفة على مضمون لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ يعنى وَاتَّقِينَ اللَّهَ فى البروز للاجانب وفى كل ما امرتن به وفيه التفات من الغيبة الى الخطاب لمزيد التأكيد إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من افعال العباد شَهِيداً (٥٥) فيجازى عليه. إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قال ابن عباس ان الله يرحم النبي ﷺ والملائكة يدعون له- وعن ابن عباس ايضا يصلون اى يبركون وقيل الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار قال ابو العالية صلوة الله عليه ثناؤه عند الملائكة وصلوة الملائكة الدعاء وقد ذكرنا الكلام فى الصلاة

стр. 3163

فى قوله تعالى هو الذي يصلّى عليكم وملئكته يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ادعوا له واسئلوا الله تعالى ان يرحمه وَسَلِّمُوا عليه تَسْلِيماً يعنى حيوة بتحية السّلام وقولوا السّلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته والاية تدل على وجوب الصلاة والسّلام فى الجملة ولو فى العمر مرة وبه قال ابو حنيفة ومالك رحمهما الله واختاره الطحاوي قال ابن همام موجب الأمر القاطع الافتراض فى العمر مرة لانه لا يقتضى التكرار وقلنا به- وقيل يجب فى كل صلوة بعد التشهد فى القعدة الاخيرة وبه قال الشافعي واحمد قال فى رحمة الامة فى اختلاف الائمة الصلاة على النبي ﷺ فى التشهد الأخير عند ابى حنيفة ومالك سنة وفرض عند الشافعي وقال احمد فى أشهر روايتيه يبطل صلاته بتركها وقال ابن الجوزي فرض عند احمد وعنه انها سنة- وقيل يجب الصّلوة كلما جرى ذكره ﷺ وبه قال الكرخي استدل من يقول بوجوبها فى الصلاة بحديث سهل بن سعد ان النبي ﷺ قال لا صلوة لمن لم يصل على النبي ﷺ رواه ابن الجوزي من طريق الدار قطنى وفيه عبد المهيمن ابن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال الدار قطنى عبد المهيمن ليس بالقوى وقال ابن حبان لا يحتج به ورواه ابن الجوزي بلفظ لا صلوة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ولا صلوة لمن لم يصل على النبي ﷺ ولا صلوة لمن لم يحب الأنصار- وفيه عبد المهيمن ضعيف لا يحتج به واخرج الطبراني عن أبيّ بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه قالوا حديث عبد المهيمن أشبه بالصواب مع ان جماعة قد تكلموا فى أبيّ بن عباس وبحديث ابى مسعود الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ من صلّى صلوة لم يصل فيها علىّ ولا على اهل بيتي لم يقبل منه- رواه ابن الجوزي من طريق الدار قطنى قال ابن الجوزي وفيه جابر الجعفي ضعيف وقد اختلف فيه فوقفه على ابن مسعود تارة ورفعه اخرى وذكره ابن همام عن ابن مسعود قال قال ابن الجوزي فيه جابر ضعيف وقد اختلف فيه فوقفه تارة ورفعه اخرى وروى الحاكم والبيهقي عن يحيى بن السباق عن رجل من بنى الحارث عن ابن مسعود عنه عليه الصّلوة

стр. 3164

والسّلام إذا تشهد أحدكم فليقل اللهم صل على محمد وعلى ال محمد وبارك على محمد وعلى ال محمد وارحم محمدا وال محمد كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انك حميد مجيد- قال الحافظ ابن حجر رجاله ثقات الا هذا الرجل الحارثي فينظر فيه قال ابن همام حديث لا صلوة لمن لم يصل علىّ ضعفه اهل الحديث كلهم ولو صح فمعناه كاملة او لمن لم يصل علىّ فى العمر مرة. وقال الحافظ ابن حجر أقوى من هذا الحديث حديث فضالة بن عبيد انه سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو فى صلاته فلم يصل على النبي ﷺ فقال عجّل هذا ثم دعاه ثم قال له ولغيره إذا صلّى أحدكم فليبدا بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء رواه ابو داود والنسائي والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم قال ولفظ الترمذي بينما رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال اللهم اغفر لى وارحمني فقال رسول الله ﷺ عجّلت ايها المصلى إذا صليت فقعدتّ فاحمد الله بما هو اهله وصل علىّ ثم ادعه قال ثم صلّى رجل اخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ ايها المصلى ادع تجب- رواه الترمذي وروى ابو داؤد والنسائي نحوه قلت ويمكن الاستدلال على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه فى الصلاة بعد التشهد بان المراد بالأمر فى هذه الاية ان يصلى عليه ﷺ فى الصلاة كما ان المراد بقوله تعالى وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ تكبير التحريمة وبقوله تعالى قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ وقوله تعالى واركعوا واسجدوا القيام والركوع والسجود فى الصلاة وبقوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ القراءة فى الصلاة يدل على هذا ما رواه البخاري عن كعب بن عجرة وكذا فى حديث ابى سعيد الخدري قيل يا رسول الله اما السّلام عليك فقد عرفنا فكيف الصلاة قال قولوا اللهم صل على محمد الى آخره يعنى قد عرفنا السّلام فى التشهد وهو قوله السّلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته فكيف نصلى حينئذ فعلّم رسول الله ﷺ بقوله اللهم صل على محمد الى آخره وقد تلقته الامة بالقبول واجمعوا على جعلها بعد التشهد وان اختلفوا

стр. 3165

فى كونها فريضة فعلم بهذا الحديث ان مراد الله سبحانه بالأمر فى هذه الاية جعلها بعد التشهد والله اعلم. واستدل من يقول بوجوب الصلاة كلّما جرى ذكره ﷺ بحديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رغم انف رجل ذكرت عنده فلم يصل علىّ ورغم انف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل ان يغفر له ورغم انف رجل أدرك عنده أبواه الكبر او أحدهما فلم يدخلاه الجنة- رواه الترمذي وابن حبان فى صحيحه وحديث جابر بن سمرة عنه ﷺ من ذكرت عنده فلم يصلّ علىّ فدخل النار فابعده الله وحديث ابن عباس مرفوعا بلفظ أتاني جبرئيل من ذكرت عنده فلم يصل عليك فدخل النار فابعده الله روى الحديثين الطبراني وروى ابن السنى عن جابر مرفوعا بلفظ من ذكرت عنده فلم يصل على فقد شقى- وعن علىّ قال قال رسول الله ﷺ البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علىّ- رواه الترمذي ورواه احمد عن الحسين ابن على رضى الله عنهما وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب وروى الطبراني بسند حسن عن الحسين بن على رضى الله عنهما مرفوعا من ذكرت عنده فخطى الصلاة علىّ خطى طريق الجنة- وروى النسائي بسند صحيح عن انس من ذكرت عنده فليصل علىّ فانه من صلى علىّ ﷺ عشرا. (فصل) فى فضل الصلاة والسّلام على النبي ﷺ وكيفيتها عن عبد الرحمن بن ابى ليلى قال لقينى كعب بن عجرة فقال الا اهدى لك هدية سمعتها من النبي ﷺ فقلت بلى فاهدها لى فقال سالنا رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليكم اهل البيت فان الله قد علّمنا كيف نسلم عليك قال قولوا اللهم صلّ على محمّد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى ال محمد كما باركت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انك حميد مجيد- متفق عليه الا ان مسلما لم يذكر على ابراهيم فى الموضعين وعن ابى حميد الساعدي قال قالوا يا رسول الله كيف نصلى عليك فقال رسول الله ﷺ قولوا

стр. 3166

اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صلّيت على ال ابراهيم وبارك على محمّد وأزواجه وذريته كما باركت على ال ابراهيم انك حميد مجيد- متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من صلّى علىّ واحدة صلى الله عليه عشرا رواه مسلم وعن انس قال قال رسول الله ﷺ من صلّى علىّ صلوة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات- رواه احمد والبخاري فى الأدب والنسائي والحاكم وصححه وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ اولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم صلوة- رواه الترمذي وعنه قال قال رسول الله ﷺ ان لله ملائكة سياحين فى الأرض يبلغونى من أمتي السّلام- رواه النسائي والدارمي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من أحد يسلم علىّ الا ردّ الله علىّ روحى حتى أرد ﵇ رواه ابو داود والبيهقي فى الدعوات الكبير وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبرى عيدا وصلوا علىّ فان صلاتكم يبلغنى حيث كنتم- وعن ابى طلحة ان رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والبشر فى وجهه فقال انه جاءنى جبرئيل فقال ان ربك يقول اما يرضيك يا محمد ان لا يصلى عليك أحد من أمتك الا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد من أمتك الا سلمت عليه عشرا- رواه النسائي والدارمي. وعن أبيّ بن كعب قال قلت يا رسول الله انى اكثر الصلاة عليك فكم اجعل لك من صلاتى قال ما شئت قال الربع قال ما شئت وان زدتّ فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت وان زدتّ فهو خير لك قلت فالثلثين قال ما شئت فان زدتّ فهو خير لك قلت اجعل لك صلاتى كلها قال إذا تكفى همك ويكفر لك ذنبك- رواه الترمذي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من سرّه ان يكتال بالمكيال الا وفى إذا صلّى علينا اهل البيت فليقل اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته واهل بيته كما صليت على ابراهيم انك حميد مجيد- رواه ابو داؤد عن عبد الله بن عمرو قال من صلّى على النبي صلى

стр. 3167

الله عليه وسلم واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلوة- رواه احمد وعن رويفع ان رسول الله ﷺ قال من صلّى على محمّد وقال اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتى- رواه احمد وعن عبد الرحمن ابن عوف قال خرج رسول الله ﷺ حتى دخل نخلا فسجد فاطال السجود حتى خشيت ان يكون الله توفاه قال فجئت انظر فرفع رأسه فقال مالك فذكرت ذلك له قال فقال ان جبرئيل ﵇ قال لى الا أبشرك ان الله يقول لك من صلّى عليك صليت عليه ومن سلّم عليك سلمت عليه- رواه احمد وعن عمر بن الخطاب قال ان الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شىء حتى تصلى على نبيك- رواه الترمذي وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه انه سمع النبي ﷺ يقول من صلّى علىّ صلوة صلت عليه الملائكة ما صلى علىّ فليقلل العبد من ذلك او ليكثر- رواه البغوي وعن علىّ قال قال رسول الله ﷺ من صلّى علىّ صلوة كتب له قيراط والقيراط مثل أحد رواه عبد الرزاق فى الجامع بسند حسن وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ من صلّى علىّ حين يصبح عشرا وحين يمسى عشرا أدركته شفاعتى يوم القيامة «١» - رواه الطبراني فى الكبير بسند حسن. (مسئلة) هل يجوز الصلاة والسّلام على غير الأنبياء والصحيح انه يجوز تبعا ويكره استقلالا كما يكره ان يقال محمد مع كونه عزيزا جليلا لاختصاصه

стр. 3168

بالأنبياء عرفا كاختصاص ذلك بالله تعالى وقد ذكرنا هذه المسألة مبسوطا فى سورة التوبة فى تفسير قوله تعالى وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ.. إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ قال البغوي قال ابن عباس هم اليهود والنصارى والمشركون فاما اليهود فقالوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ويَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ- وقالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ- واما النصارى فقالوا الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ- وثالِثُ ثَلاثَةٍ- واما المشركون فقالوا الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى ولم يكن له اما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدنى كما بدانى وليس أول الخلق باهون علىّ من إعادته واما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وانا الأحد الصمد الذي لم الد ولم اولد ولم يكن لى كفوا أحد- وفى رواية ابن عباس واما شتمه إياي فقوله لى ولد فسبحانى ان اتخذ صاحبة او ولدا- رواه البخاري وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى يؤذينى ابن آدم يسب الدهر وانا الدهر بيدي الأمر اقلب الليل والنهار متفق عليه وقيل معنى يوذينى يلحدون فى أسمائه وصفاته وقال عكرمة هم اصحاب التصاوير عن ابى زرعة انه سمع أبا هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول قال الله تعالى ومن اظلم ممن ذهب يخلق كخلقى فليخلقوا ذرة وليخلقوا حبة او شعيرة- متفق عليه وروى البخاري عن ابن عباس من صور صورة فان الله معذبه حتى ينفخ فيه الروح فليس بنافخ فيها ابدا- وقيل معنى الأذى مخالفة امر الله وارتكاب معاصيه وانما ذكر على ما يتعارف الناس بينهم والله منزه من ان يلحقه أذى من أحد ويؤذون رَسُولَهُ قال ابن عباس هو انه شج وجهه وكسرت رباعيته وقيل ساحر شاعر معلم مجنون- وهذا الذي ذكرنا انما يستقيم على قول من جوز اطلاق اللفظ الواحد على معنيين وعند الجمهور معناه ان الذين يرتكبون ما يكرهه الله ورسوله وجاز ان يكون معنى الاية الذين يؤذون رسول الله وذكر الله لتعظيم الرسول كانّ من أذى الرسول فقد أذى الله اخرج ابن ابى حاتم من طريق العوفى عن ابن عباس ان الاية نزلت فى الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 3169

حين اتخذ صفية بنت حيى- وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس انها نزلت فى عبد الله ابن أبيّ وناس معه قذفوا عائشة الصديقة الطيبة فخطب النبي ﷺ وقال من يعذرنى من رجل يؤذينى ويجمع فى بيته من يؤذينى فنزلت- عن انس وابى هريرة عن النبي ﷺ انه قال قال الله تعالى من أهان ويووى من عادى وليّا فقد بارزني بالمحاربة وما رددتّ فى شىء انا فاعله ما رددت فى قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وانا اكره مساية ولا بد له منه وما تقرب بي عبدى المؤمن بمثل الزهد فى الدنيا ولا يعبدنى بمثل ما افترضته عليه- رواه البخاري وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الله تعالى يقول يا ابن آدم مرضت فلم تعدنى قال يا ربّ كيف أعودك وأنت رب العالمين قال اما علمت ان عبدى فلانا مرض فلم تعده اما علمت انك لوعدتّه لوجدتنى عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى الحديث نحوه- رواه مسلم قلت ولا شك ان معاداة الأولياء لمّا كان معاداة ومحاربة مع الله تعالى وأسند الله سبحانه مرض أوليائه الى نفسه تعالى عن ذلك علوا كبيرا لاجل وصل غير متكيف فاسناد إيذاء الرسول ﷺ الى الله تعالى اولى وقيل نظرا الى ما ذكرنا من الأحاديث معنى الاية الَّذِينَ يُؤْذُونَ اولياء الله على حذف المضاف كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يعنى اهل القرية وهذا القول عندى غير سديد لان ذلك يفضى الى تقديم ذكر الأولياء على ذكر الرسول ﷺ فان قيل هو تخصيص بعد تعميم فان الرسول داخل فى اولياء الله قلنا لو كان كذلك لزم التكرار فى قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ... لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) جملة إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مستأنفة كانه فى جواب من سال انا أمرنا بالصّلوة والسّلام على النبي ﷺ فما شان من أذاه فقال الله تعالى لَعَنَهُمُ اللَّهُ إلخ. (مسئلة) من أذى رسول الله ﷺ بطعن فى شخصه او دينه او نسبه او صفة من صفاته او بوجه من وجوه الشين فيه صراحة او كناية او تعريضا او اشارة كفر ولعنه الله فى الدنيا والاخرة واعدّ له عذاب جهنم وهل يقبل توبته

стр. 3170

قال ابن همام كل من ابغض رسول الله ﷺ بقلبه كان مرتدّا فالسباب بالطريق الاولى ويقتل عندنا حدّا فلا تقبل توبته فى إسقاط القتل قالوا هذا مذهب اهل الكوفة ومالك ونقل عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه ولا فرق بين ان يجئ تائبا بنفسه او شهدوا عليه بذلك بخلاف غيره من موجبات الكفر فان الإنكار فيها توبة ولا تعمل الشهادة معه حتى قالوا بقتل ان سبّ سكران ولا يعفى عنه ولا بد من تقييده بما إذا كان سكره بسبب محظور باشره باختياره بلا اكراه والا فهو كالمجنون وقال الخطابي لا اعلم أحدا خالف فى وجوب قتله واما قتله فى حق من حقوق الله تعالى فتعمل توبته فى إسقاط قتله ولا يحكم بارتداد من اتى بكلمة الكفر سكران فى غير سباب النبي ﷺ وان كان السكر بسبب محظور باشره باختياره بلا اكراه.. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا اى من غير ان يعملوا ما يوجب إذا هم وقال يقعون فيهم ويرمون بغير جرم فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) تنكير البهتان والإثم للتفخيم قال مقاتل نزلت فى على بن ابى طالب رضى الله عنه وقيل نزلت فى شأن عائشة رضى الله عنها قلت اللفظ عام فى كل من يؤذى «١» مؤمنا او مؤمنة باىّ وجه كان وان كان المورد خاصّا عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من امنه الناس على دمائهم وأموالهم- رواه الترمذي والنسائي وسب عائشة هو سب النبي ﷺ عرفا وعقلا ونقلا لما ذكرنا فى قول جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قوله ﷺ من يعذرنى من رجل يؤذينى ويجمع فى بيته من يؤذينى يعنى عبد الله ابن أبيّ حين قذف عائشة فقول من قال هاهنا انها نزلت فى شأن عائشة معناه ان قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الى قوله إِثْماً مُبِيناً نزلت فى شأن عائشة لا الجملة الاخيرة وحدها وكذا من سبّ عليّا فقد أذى رسول الله ﷺ حيث قال رسول الله ﷺ

стр. 3171

أنت منى وانا منك رواه الشيخان فى الصحيحين عن البراء بن عازب بل سب الصحابة عامتهم يفضى الى إيذاء النبي ﷺ عن عبد الله بن مغفل رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ الله الله فى أصحابي الله الله فى أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبهم فبحبى أحبهم ومن ابغضهم فببغضى ابغضهم ومن اذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله ومن أذى الله فيوشك ان يأخذه رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب والله اعلم. وقال الضحاك والكلبي نزلت الاية فى شأن الزناة الذين يمشون فى طرق المدينة وهم المنافقون يتبعون النساء إذا برزن فى الليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة فان سكتت اتبعوها وان زجرتهم انتهوا عنها- ولم يكونوا يطلبون الا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الامة لان زى الكل كان واحدا يخرجن فى درع وخمار الحرة والامة فشكون ذلك الى أزواجهن فذكروها لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الاية ثم نهين الحرائر ان يتشبهن بالإماء فى الاية اللاحقة والله اعلم اخرج ابن سعد فى الطبقات عن ابى مالك واخرج نحوه عن الحسن ومحمد بن كعب القرظي قال كان نساء النبي ﷺ يخرجن بالليل لحاجتهن وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذين فشكون ذلك فقيل ذلك للمنافقين فقالوا انما نفعله بالإماء فنزلت. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ امر بتقدير اللام اى ليدنين عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ جمع جلباب وهى الملحفة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار روى البخاري عن عائشة قالت خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امراة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فراها عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال يا سودة اما والله ما تخفين علينا فانظرى كيف تخرجين قالت فانكفات «مالت ورجعت الى بيتها- منه رح» راجعة ورسول الله ﷺ فى بيتي وانه ليتعشى وفى يده عرق فدخلت فقالت يا رسول الله انى خرجت لبعض حاجتى فقال عمر كذا وكذا قالت فاوحى الله تعالى اليه ثم رفع عنه وان العرق «١» فى يده ما وضعه فقال

стр. 3172

انه قد اذن لكن ان تخرجن لحاجتكن- قلت يعنى اذن لكن ان تخرجن متجلببات قال ابن عباس وابو عبيدة امر نساء المؤمنين ان يغطين رؤسهن ووجوههن بالجلابيب الا عينا واحدا ليعلم انهن الحرائر ومن للتبعيض لان المرأة ترخى بعض جلبابها ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ بإضمار الى متعلق بأدنى اى اقرب الى ان يعرفن او بتقدير المضاف اى ادنى اسباب معرفتهن انهن حرائر فَلا يُؤْذَيْنَ عطف على يعرفن اى فلا يتعرضهن اهل النفاق والفسق وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما سلف رَحِيماً (٥٩) بعباده حيث يراعى مصالحهم حتى الجزئيات منها- قال انس مرّت بعمر بن الخطاب رضى الله عنه جارية متقنعة فعلاها بالدرة وقال يا لكاع «١» أتشبهين بالحرائر القى القناع. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ عن نفاقهم وعما يتعرضون للنساء وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اى ضعف ايمان وقلة ثبات عليه او فجور عن تزلزلهم فى الدين او فجورهم وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ الذين يوقعون فى المدينة الرجفة وهو الزلزلة والاضطراب الشديد وذلك ان أناسا من المنافقين كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله ﷺ يوقعون. فى الناس الاخبار الكاذبة يقولون انهم قتلوا وانهزموا ويقولون قد أتاكم العدو ونحوها وقال الكلبي يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ويفشون الاخبار يعنى الكاذبة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ جواب لقسم محذوف لفظا وللقسم والشرط معا معنى اى لنأمرنك بقتالهم واجلائهم او ما يضطرهم الى طلب الجلاء او لنسلطنك عليهم ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ عطف على لنغرينّك لانه يجوز ان يجاب به القسم لصحة قولك لان لم ينتهوا لا يجاورونك ولمّا كان الجلاء عن الوطن من أعظم المصائب عطف بثم لبعد حاله عن حال المعطوف عليه اى لا يساكنونك فِيها اى فى المدينة إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) اى زمانا قليلا او جوارا قليلا حتى يخرجوا منها او يقتلوا. مَلْعُونِينَ منصوب على الذم والشتم او الحال والاستثناء شامل له

стр. 3173

ايضا اى لا يجاورنك الا ملعونين ولا يجوز ان ينتصب بقوله تعالى أَيْنَما ثُقِفُوا اى وجدوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) لان ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبله والتشديد فى قتّلوا يدل على التكثير. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ مصدر مؤكد اى سنّ الله ذلك فى الأمم الماضية وهو ان يقتل الذين نافقوا بالأنبياء وسعوا فى وهنهم بالارجاف ونحوه اين ما ثقفوا او منصوب بنزع الخافض اى كسنة الله وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) لان الله تعالى لا يبدل سنته وغيره لا يقدر على ان يبدلها. يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ اى عن وقت قيامها استهزاء او تعنتا او امتحانا فالمشركون كانوا يستهزءون ويسئلون عن الساعة إنكارا واستهزاء واليهود كانوا يسئلون اما تعنتا واما امتحانا لان الله عمى وقتها فى التورية وفى سائر الكتب قُلْ يا محمد إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ لم يطلع الله عليه أحدا من الأنبياء والملائكة وَما يُدْرِيكَ واى شىء يعلمك وقت قيامها إذا لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) اى شيئا قريبا او يكون الساعة عن قريب او انتصابه على الظرف ويجوز ان يكون تذكير قريب لان الساعة فى معنى اليوم- وكونه قريبا مبنى على ان كل ما هو ات قريب ولعل لوجوب الوقوع وفيه تهديد للمستعجلين وإسكات للمتعنتين. إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) نارا شديدا لا يقاد. خالِدِينَ حال من الضمير فى لهم اى مقدرين خلودهم فِيها اى فى السعير أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يحفظهم وَلا نَصِيراً (٦٥) يدفع العذاب عنهم. يَوْمَ تُقَلَّبُ ظرف لقوله لا يجدون او منصوب باذكر اى يوم تصرف وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ من جهة الى جهة كاللحم يشوى بالنار او من حال الى حال خصت الوجوه بالذكر لانها أكرم مواضع من الجسد او الوجه عبارة عن الجملة يَقُولُونَ حال من الضمير المجرور فى وجوههم والمضاف جزء من المضاف اليه وهو مسند اليه فيصح وقوع الحال عنه يا لَيْتَنا اى يا قومنا ليتنا وقيل يا للتنبيه أَطَعْنَا اللَّهَ فى الدنيا وَأَطَعْنَا فى الدنيا الرَّسُولَا (٦٦) فلم نبتل بهذا العذاب فى الاخرة زيدت الالف فى الرَّسُولَا والسَّبِيلَا لرعاية الفواصل والدلالة على انقطاع الكلام واستيناف ما بعده. وَقالُوا رَبَّنا يا ربنا إِنَّا أَطَعْنا

стр. 3174

سادَتَنا وَكُبَراءَنا يعنون قادتهم الذين سنوا لهم الكفر قرأ ابن عامر ويعقوب سادتنا بكسر التاء والف قبلها على جمع الجمع للدلالة على الكثرة والباقون بفتح التاء بلا الف قبلها فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) بما زيّنوه لنا. رَبَّنا اى يا ربنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ اى مثلى ما أتيتنا منه لانهم ضلوا وأضلونا وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨) قرأ عاصم بالباء الموحدة اى أشد اللعن وأعظمه والباقون بالثاء المثلثة اى كثير العدد-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى يعنى قالوا فيه ما يشينه فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا فاظهر براءته قيل ذلك ما روى عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان موسى كان رجلا حييا كريما ستيرا لا يرى من جلده شىء استحياء منه فاذاه من أذاه من بنى إسرائيل فقال ما يستر هذا الستر الا من عيب بجلده اما برص واما ادرة واما آفة فاراد الله ان يبرئه مما قالوا فخلا وحده وخلع ثيابه ووضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلمّا فرغ اقبل على ثيابه ليأخذها فاذا الحجر عدا بثوبه فاخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبى يا حجر ثوبى يا حجر حتى انتهى الى ملأ من بنى إسرائيل فرأوه عريانا احسن ما خلق الله فابراه مما يقولون وقام الحجر فاخذ موسى ثوبه ولبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فو الله ان بالحجر لبقيا من اثر ضربه ثلاثا او أربعا او خمسا فذلك قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا- رواه البخاري والترمذي واحمد وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية وعبد الرزاق وعبد بن حميد وقال ابو العالية هو ان قارون استأجر امرأة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمه الله فبرأ موسى من ذلك وأهلك قارون وقد مر القصة فى سورة القصص- وقال قوم إذا هم موسى انه لما مات هارون فى التيه ادّعوا على موسى انه قتله فامر الله الملائكة حتى مروا به على بنى إسرائيل فعرفوا انه لم يقتله فبراه الله مما قالوا- أخرجه ابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم والحاكم وصححه وابن مردوية عن ابن عباس عن على بن ابى طالب رضى الله عنهم والله اعلم روى البخاري عن عبد الله رضى الله عنه قال قسّم النبي ﷺ قسما فقال رجل ان هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فاتيت النبي ﷺ فاخبرته فغضب حتى رايت الغضب فى وجهه فقال يرحم الله موسى قد أوذي

стр. 3175

بأكثر من هذا فصبر وَكانَ موسى عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (٦٩) اى كريما ذا جاه يقال وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه إذا كان ذو جاه وقدر قال ابن عباس كان عند الله بحيث لا يسئل شيئا الا أعطاه وكذا قال الحسن وقيل كان مجيبا مقبولا. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ فى ارتكاب ما يكرهه فضلا عما يؤذى رسوله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٧٠) قال ابن عباس صوابا وقال قتادة عدلا وقال الحسن صدقا وقيل مستقيما وقيل قاصدا الى الحق والمال واحد يعنى صدقا غير كذب ولا مجازفة فان الكذب يمحق والصدق يبقى قيل المراد منه نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل وما خاضوا فيه من حديث افك عائشة قال عكرمة هو قول لا اله الا الله. يُصْلِحْ مجزوم فى جواب الأمر وكذا ما عطف عليه لَكُمْ أَعْمالَكُمْ قال ابن عباس يقبل حسناتكم وقال مقاتل يزكى أعمالكم يعنى يصلحها للقبول والاثابة عليها وقيل معناه يوفقكم للاعمال الصالحة وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ اى يجعلها مكفرة باستقامتكم على القول والعمل وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) اى ظفر بالخير كله يعيش فى الدنيا حميدا ويبعث فى الاخرة سعيدا. إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ وهاهنا ابحاث الاول فى ان الامانة ما هى الثاني فى ان المراد بالسماوات والأرض والجبال ما هى أعيانها او أهلها كما فى قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يعنى أهلها والثالث ان المراد بالعرض الخطاب اللفظي او الحالي والرابع فى معنى الحمل والإباء عنه- قال ابن عباس الامانة الطاعة والفرائض التي فرض الله تعالى على عباده عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال يعنى على أعيانها بالخطاب اللفظي على ان أدتها اثابهن وان ضيعتها عذبهن- وقال ابن مسعود الامانة أداء الصلاة وإيتاء الزكوة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث والعدل فى الكيل والوزن وأشد من هذا كله الودائع- وقال مجاهد الامانة أداء الفرائض وحفظ الدين وقال ابو العالية ما أمروا به ونهوا عنه وقال زيد بن اسلم هى الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع يعنى ما لا مدخل للرياء فيه وقال عبد الله بن عمرو بن العاص أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال هذه امانة استودعكها فالفرج امانة والاذن امانة والعين امانة والرجل امانة ولا ايمان

стр. 3176

لمن لا امانة له- وقال بعضهم هى أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن ان لا يغش مؤمنا ولا معاهدا فى شىء قليل ولا كثير وهى رواية الضحاك عن ابن عباس- ومرجع هذه الأقوال ان الامانة هى التكليفات الشرعية والمراد بالسماوات والأرض أعيانها قال البغوي هذا قول ابن عباس وجماعة واكثر السلف والعرض بالخطاب اللفظي قال البغوي قال الله تعالى لهن أتحملن هذه الامانة بما فيها قلن وما فيها قال ان احسنتن جوزيتن وان عصيتن عوقبتن فقلن لا يا رب نحن مسخرات لامرك لا نريد ثوابا ولا عقابا- قلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين الله ان لا يتادى منهن حقه لا معصية ومخالفة وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ولو الزمهن لم يمتنعن من حملها- وقيل المراد بالعرض الخطاب اللفظي وبالسماوات والأرض والجبال أهلها كما فى قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ اى أهلها دون أعيانها- وقيل المراد بالسماوات والأرض والجبال أعيانها وبالعرض اعتبارها بالاضافة الى استعدادهن وبآبائهن الآباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوما جهولا ما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية وعلى هذا يحسن ان يكون هذان الصفتان باعثتين للحمل عليه قال البيضاوي لعل المراد بالامانة العقل او التكليف ومن فوائد العقل ان يكون مهيمنا على القوتين حافظا لهما عن التعدّى ومجاوزة الحدود الشرعية ومعظم مقصود التكليف تعديلها وكسر شوكتها وايضا قال البيضاوي هذه الاية تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة وسماها امانة من حيث انها واجبة الأداء والمعنى انها لعظم شأنها بحيث لو عرضت على الاجرام العظام وكانت ذات شعور وادراك لابت ان تحملها وأشفقت منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فاز الراعي بها والقائم بحقوقها بخير الدارين قلت ونظيره قوله تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فهذه الاية على هذا التأويل كانه مثل ضرب وهذان القولان يعنى قول من ارتكب التجوز فى لفظ السماوات ونحوها وقول من ارتكب التجوز فى العرض والخطاب مبنيان على استبعاد الخطاب مع الجمادات فقال بعضهم فى دفع هذا الاستبعاد انه تعالى لما خلق هذه الاجرام خلق فيها فهما وقال انى فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني ونارا لمن عصانى فقلن نحن مسخرات على ما خلقنا لا نحتمل فريضة ولا نبغى ثوابا- ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فتحمله وكان ظلوما لنفسه بتحمله

стр. 3177

ما يشق عليه جهولا لو خامة عاقبته- اخرج ابن ابى حاتم عن مجاهد نحوه وفيه فكان بين ان تحملها الى ان اخرج من الجنة قدر ما بين الظهر والعصر. وقيل فى دفع الاستبعاد ان الجمادات كلها وان كانت غير عاقلة بالنسبة إلينا لكنها بالنسبة الى الله تعالى عاقلة خاضعة مطيعة ساجدة له قال الله تعالى للسماوات والأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ وقال الله تعالى وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ... وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقال الله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ قيل المراد بالإنسان فى قوله تعالى وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ آدم ﵇ قال الله تعالى لادم انى عرضت الامانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها قال وأنت أخذ بما فيها قال يا رب وما فيها قال ان أحسنت جوزيت وان اسأت عوقبت فحملها آدم فقال بين اذنى وعاتقى فقال الله تعالى إذا قبلت فساعينك واجعل لبصرك حجابا فاذا خشيت ان تنظر الى ما لا يحل فضع عليه حجابه واجعل للسانك لحيين وغالقا فاذا خشيت فاغلق واجعل لفرجك لباسا فلا تكشف على ما حرمت عليك- قال مجاهد فما كان بين ان حملها وبين ما خرج من الجنة الا مقدار ما بين الظهر والعصر قلت لعل الحكمة فى إخراجه من الجنة بعد حمل الامانة ان الجنة ليست محلا لاداء الامانة بل هى محل للثواب على أدائها فاخرج الى الدنيا التي هى مزرعة الاخرة لاداء الامانة- قال البغوي حكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود انه مثّلت الامانة كصخرة ملقاة ودعيت السماوات والأرض والجبال إليها فلم يقربن منها وقلن لا نطيق حملها وجاء آدم من غير ان دعى وحرك الصخر وقال لو أمرت بحملها لحملتها فقال له احملها فحملها الى ركبتيه ثم وضعها وقال والله ان أردت ان ازداد لزدتّ فقلن له احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه فاراد ان يضعها فقال الله تعالى مكانك فانما هى فى عنقك وعنق ذريتك الى يوم القيامة وذكر الزجاج وغيره من اهل المعاني المراد بالامانة الطاعة التي يعم الطبيعية والاختيارية وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من الاختيار وارادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ومنه قولهم حامل لامانة ومحتملها لمن لا يؤديها فيبرأ ذمته فيكون الإباء عنه إتيانها بما يمكن ان يتأتى والظلم والجهالة للخيانة والتقصير قال الله تعالى لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وحكى عن الحسن على هذا التأويل انه قال وَحَمَلَهَا

стр. 3178

الْإِنْسانُ يعنى الكافر والمنافق حملا الامانة اى خانا قال البغوي قول السلف هو الاول قلت ولمّا كان مقتضى سياق الاية اختصاص الإنسان بحمل الامانة دون غيره من المخلوقات فالقول بان الامانة هى التكليفات الشرعية غير مناسب لاشتراك الجن والملائكة فيها ويلزم منه فضل الملائكة على الإنسان لادائهم الامانة بكمالها لعصمتهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ بخلاف الإنسان لانّ منهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ- ومن ثم قالت الصوفية العلية المراد بالامانة نور العقل ونار العشق فنور العقل يحصل به معرفة الله سبحانه بالاستدلال ونار العشق يحصل بها معرفة الله سبحانه بحرق الحجب والملائكة وان كانوا عباد الله المقربين لكنهم مخلوقين فى مقام معلوم من القرب والعرفان قال الله تعالى حكاية عنهم وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فالترقى الى المراتب الغير المتناهية بنار العشق انما هو من خصائص الإنسان- وعندى على ما استفدت من كلام المجدد للالف الثاني رضى الله عنه ان الامانة ما أودع الله سبحانه فى ماهية الإنسان من الاستعداد للتجليات الذاتية الدائمة فان الجن وان كان بعد الايمان والإتيان بالأعمال الصالحة يلحق بالملائكة وتستعد للتجليات الصفاتية لكن التجلي الذاتي لا يتحملها من لا مزاج له من الأرض وهذا الاستعداد هو المستوجب للخلافة وهذا العلم هو المعنى بقوله تعالى للملائكة فى حق آدم ﵇ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعنى اعلموا ان التجلي الذاتي لا يتحملها من لا مزاج له من الأرض واليه الاشارة بقوله تعالى إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً يعنى مركبا للقوى السبعية الداعية الى التفوق والتعلى المقتضية للترقيات الى أعلى الشواهق جَهُولًا (٧٢) مركبا للقوى البهيمية التي يطيق بها صاحبها تحمل رياضات ومشاق لا بد منها للعاشق فى طلب وصل المحبوب فهو تعليل ومنقبة له- وتلك القوتين جميعا ناشيتان من الأرض فان مادة الأرض لكمال كثافته يتحمل التجلي الذاتي كما ان الاجرام الارضية لكثافتها تتنور بنور الشمس دون الاجرام اللطيفة والملائكة المقربون منحصرون فى مقاماتهم وولاياتهم وان كانت ولايتهم فوق ولاية الأنبياء لكونها مستفادة من الصفات من حيث البطون اعنى من حيث قيامها بذات الله سبحانه وولاية الأنبياء من الصفات من حيث الظهور اعنى من حيث هى هى لا من حيث قيامها بالذات- ومن هذه الاعتبار

стр. 3179

هى مباد لمبادى تعينات العالم لكن لاحظ للملائكة من التجلي الذاتي الذي هى كمالات النبوة ولاجل ذلك اختص النبوة بنوع البشر دون غيرهم وصار خواص البشر اى الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وصارت الجنة للبشر والملائكة تدخلون عليهم من كل باب ومن قال ان المراد بالامانة التكليفات الشرعية وبتحملها قبولها بالاختيار فمعنى هذه الجملة عندهم انه كان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليه جهولا بوخامة عاقبته وما يلحقه العذاب بترك ادائه وليس فيه مذمة للانسان بل هى بيان للواقع وقال البيضاوي حين قال هذه الاية تقرير للوعد السابق ما معنا ان الامانة مع عظم شأنها بحيث لا يطيق حملها الاجرام العظام لو فرضت ذات شعور وحملها الإنسان مع ضعف بنيته فاز الراعي لها بخير الدارين ان قوله إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً حيث لم يف بها ولم يراع حقها جهولا بكنه عاقبتها وصف للجنس باعتبار الأعم الأغلب وقال صاحب بحر المواج معناه ان الإنسان كان ظلوما حيث زعم نفسه قادرا على أداء ما أشفقت عنه السماوات وأمثالها ثم لم يؤدّها جهولا لعجزه عن أدائها- وهذا التأويل ليس عندى بمرضى لان تحمل الامانة كان من آدم ﵇ وهو المراد بالإنسان وهو كان نبيّا معصوما قد ادى ما حمل عليه وضمير انّه راجع الى من حمل وقالت الصوفية معنى الاية انه اى الإنسان باعتبار اكثر افراده كان ظلوما على نفسه حيث ضيع استعداده للمعرفة والتجليات الالهية الذي هو فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها جهولا يحسن ما فات عنه وقبح ما اكتسبه قال رسول الله ﷺ ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهوّدانه او ينصّرانه او يمجّسانه الحديث متفق عليه من حديث ابى هريرة قلت لما سمعت ان الظلم كناية عن القوة السبعية والجهل عن القوة البهيمية وحسن القوتين وقبحهما ليس الا بحسب متعلقهما ومصرفهما الا ترى ان القوة السبعية ان صرفت لدفع اعداء الدين من الشيطان وأمثاله وكسب التفوق والتعلى الى مدارج القرب كانت حسنة إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ وان الله يحب معالى الهمم- وان صرفت فى قهر المعصومين والتكبر والتعلى فى مقابله رب العالمين كانت قبيحة أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ- وكذا القوة البهيمية ان صرفت فى كسب السعادة كانت حسنة وان صرفت فى كسب اللذات كانت قبيحة لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ولا شك ان حسن تعلقهما موقوف على تزكية النفس والقلب والعناصر قال رسول الله ﷺ ان فى

стр. 3180

جسد بنى آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله الا وهى القلب رواه البخاري- قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها- وامتثال التكليفات الشرعية سبب لتزكيتها فان كان المراد بالامانة التكليفات الشرعية فقوله إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا اشارة الى علة تحميل الإنسان وتحمله تلك الامانة فالمعنى إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ولاجل ذلك عرضنا عليه الامانة وتحمله آدم ﵇ حتى يتزكى بها عن امر زائل ويستعد للفضائل ويكون محمودا فى الدارين وان كان المراد بالامانة التجليات الذاتية فهو اشارة الى انه كان أهلا لتلك الامانة دون غيره لان تلك الامانة لا يتصور حملها الا من كان جامعا لتلك الصفتين كما ذكرنا وغيرهما من الحواس والقوى. وعلى كلا التقديرين لمّا كانت الصفتان المذكورتان على تقدير عدم التزكية والخذلان من الله تعالى وكونهما مصروفتين فى الباطل موجبتين للعذاب وعلى تقدير التزكية والتأييد من الله وكونهما مصروفتين فى الحق موجبتين للرحمة والثواب حسن تعليل حمل الامانة وعرضها الذي هو مقتضى تلك الصفتين المركبتين فى الطبيعة الانسانية بقوله تعالى. لِيُعَذِّبَ اللَّهُ اللام للعاقبة كما فى قوله لدوا للموت وابنوا للخراب الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ المضيعين للامانة والمنهمكين فى الظلم واللذات وَيَتُوبَ اللَّهُ اى يرجع بالرحمة والمغفرة والجدب والاجتباء وإعطاء مراتب القرب عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ المؤدين للامانات المستغرقين فى التجليات- قال ابن قتيبة اى عرضنا الامانة يعنى التكليفات الشرعية او الاستعداد المودع ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهم الله ويظهر ايمان المؤمن (قلت وعرفان العارف) فيتوب عليه بالرحمة والمغفرة ان حصل منه تقصير فى بعض الطاعات قلت وبالتجليات الذاتية الدائمة والوصل بلا كيف من غير حجاب وذكر التوبة فى الوعد اشعار بان كونهم ظلوما جهولا فى جبلتهم فلا يخلوا عن فرطات وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً للمؤمنين حيث تاب على فرطا بقم رَحِيماً (٧٣) بهم حيث أثابهم على طاعاتهم تفضلا وأفاض عليهم تجلياته وبركاته. تم تفسير سورة الأحزاب (ويتلوه سورة سبا ان شاء الله تعالى) غرة شهر المحرم من السنة السابعة بعد الف ومائتين سنة ١٢٠٧ هـ وصلى الله على محمّد واله وأصحابه.

стр. 3181

الجزء الثامن فهرست السور القرآنية من التفسير المظهري فهرست سوره سبا مضمون/ صفحه/ ان الازمنة كلها وما فيها من الزمانيات الماضية والمستقبلة حاضرة عند الله سبحانه وهو خارج عن الزمان ٥ (فائدة) وقد يأتى على بعض الأكابر حالة يخرج فيه من حيز الزمان فيرى الماضي او المستقبل موجودا عنده ٥ كان الحديد فى يد داود كالشمع والعجين إلخ ١١ حديث ما أكل أحد طعاما قط خيرا من ان يأكل من عمل يديه وان داود نبى الله كان يأكل من عمل يديه ١١ كيفية بناء الجن البيت المقدس ١٣ حديث لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلثا ١٤ مسئله هل يجوز تزيين المساجد بالذهب والفضة ونحوهما ١٤ حديث كل مصور فى النار يجعل له بكل صورة صوّرها نفسا فيعذبه فى جهنم ١٥ حديث يخرج عنق من النار يوم القيامة إلخ حديث ومن اظلم ممن ذهب يغلق كخلقى ١٦ مضمون/ صفحه/ قال سليمان ﵇ اللهم أعم موتى على الجن بعلم الانس ان الجن لا يعلمون الغيب ١٧ حديث فروة بن مسيك الغطفاني قدم على رسول الله ﷺ فقال يا نبى الله ان سبا قوم كان لهم فى الجاهلية عزوانى أخشى ان يرتدوا عن الإسلام أفأقاتلهم إلخ ١٨ قال رجل يا رسول الله أخبرني عن السبأ إلخ ١٩ تفصيل قصة سيل العرم ٢٠ علمه تعالى قديم أكن تعلق العلم بالمعلوم حادث ٢٤ ان نبى الله ﷺ قال إذا قضى الله الام فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها إلخ ٢٦ كانت الفترة بين عيسى ومحمد ﵉ خمسمائة وخمسين سنة وقيل ستمأئة ٢٧ حديث أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى إلخ ٣٠ حديث قال رسول الله ﷺ يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده إلخ ٣٧ حديث لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلخ ٣٨ فهرست سورة الملائكة حديث ان رسول الله ﷺ كان يقول دبر كل صلوة لا اله الّا الله وحده لا شريك له ٤٢ حديث ما بين النفختين أربعون إلخ ٣٦ حديث ابن مسعود ما من عبد يقول خمس كلمات إلخ ٣٦ حديث لا يرد القضاء الّا الدعاء إلخ ٤٥ حديث يجيئ ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال إلخ ٥١ حديث إذا كان يوم القيامة رفع الى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين إلخ ٥١ قال الشيخ العارف الاجل شهاب الدين السهروردي فى هذه الاية تعريض الى انه من لا خشية له فهو ليس بعالم ٥٣ حديث ابى هريرة قال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيده لو تعلمون ما اعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا- ٥٤ حديث ابن مسعود قال رسول الله ﷺ يوفيهم أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة إلخ ٥٥ حديث سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له ٥٦ حديث ابى ثابت ان رجلا دخل المسجد فقال اللهم ارحم غربتى إلخ ٥٧ حديث ابى موسى يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول يا معشر العلماء إلخ ٥٧ حديث ابى هريرة يبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء إلخ ٥٩.

стр. 3182

سورة سبأ مكّيّة وهى اربع وخمسون اية ربّ يسّر بسم الله الرّحمن الرّحيم وتمّم بالخير الحمد لله الّذى له ما فى السّموت وما فى الأرض ملكا وخلقا وقمرا فهو الحقيق بالحمد سرّا وجهرا دون غيره وانما يحمد غيره لاجل اضافة بعض النعم الى غيره ظاهرا وبالمجاز. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ لان نعماء الاخرة ايضا له تعالى وليس هذا من قبيل عطف المقيد على المطلق بل المعطوف عليه مقيد بكونه فى الدنيا لما يدل الوصف بالموصول والصلة على انه المنعم بالنعم الدنيوية فله الحمد فى الدنيا لكمال قدرته وتمام نعمته وكذا فى الاخرة لان نعماء الآخرة ايضا له تعالى وتقديم الظرف فى الجملة الثانية للاشعار بان الحمد فى الدنيا قد يكون الله تعالى بواسطة من يستحق الحمد لاجلها ولا كذلك نعم الاخرة بل هى مختصة بالله تعالى قيل الحمد فى الاخرة هو حمد اهل الجنة كما قال الله تعالى وقالوا الحمد لله الّذى هدينا لهذا وما كنّا لنهتدى لولا ان هدينا الله وقالوا الحمد لله الّذى صدقنا وعده- والحمد لله الّذى اذهب عنّا الحزن وَهُوَ الْحَكِيمُ الذي احكم امور الدين الْخَبِيرُ (١) ببواطن الأشياء وظواهرها.

стр. 3183

يَعْلَمُ حال او استيناف فى مقام التعليل ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ من المطر الذي ينفذ فى مسام الأرض والأموات والكنوز وَما يَخْرُجُ مِنْها من النبات والفلذات والأموات إذا حشروا والماء من الآبار والعيون وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من الأمطار والصواعق والملائكة والكتب والمقادير والأرزاق وانواع البركات واصناف البليات وَما يَعْرُجُ فِيها من الملائكة واعمال العباد والدعوات وَهُوَ الرَّحِيمُ فينزّل ما يحتاجون اليه الْغَفُورُ (٢) للمفرطين فى شكر نعمته مع كثرتها هذه الجملة معطوفة على يعلم. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ انكار لمجيئها معطوف على جملة مقدرة مفهومة من قوله تعالى وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ... وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ فانه يفهم منه وعد الله بالرحمة والمغفرة للحامدين يوم تأتى الساعة قُلْ بَلى رد لكلامهم واثبات لما نفوه وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ تكرير لايجابه مؤكدا بالقسم وبتوصيف المقسم به بقوله عالِمِ الْغَيْبِ فان عظم المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم وفيه اشارة الى ان الساعة من الغيب وعلمه مختص بالله تعالى يكفى لاثباته شهادة تعالى ولا يجوز لاحد اثبات شيء من الغيب ولا نفيه الا بتعليم من الله تعالى. قرأ حمزة والكسائي علّام الغيب على وزن فعّال للمبالغة والباقون على وزن فاعل وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على انه خبر مبتدا محذوف او مبتدا خبره ما بعده والباقون بالجر على انه صفة للرب ففيه تأكيد للردّ على انكارهم فان انكار هم ليس الا مبنيّا على جهلهم واستبعادهم ممكنا مثل سائر الممكنات ثابتا إتيانه بأخبار عالم الغيب لا يَعْزُبُ قرأ الكسائي بكسر الزاء والباقون بضمها ومعناهما واحد اى لا يغيب عَنْهُ مِثْقالُ اى مقدار ثقل ذَرَّةٍ اى نملة صغيرة كائنة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ موجهة فى شيء من الازمنة الماضية او المستقبلة او الحال والقول بان المعنى لا يعزب عنه مثقال ذرّة موجودة فى الزمان الحال كائنة فى السماوات او الأرض يأباه المقام لان الجملة واقعة تأكيدا لقوله

стр. 3184

عالم الغيب بيانا لشمول علمه جميع الكائنات ماضيا كان او مستقبلا حتى يكون مؤكدا للاخبار بإتيان الساعة. وايضا حضور جميع الأشياء الموجودة فى الحال؟؟؟ لبعض من الخلائق كما ذكرنا فى سورة الانعام فى تفسير قوله تعالى تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا انه قيل يا رسول الله ملك الموت واحد والزحفان يلتقيان من المشرق والمغرب وما بين ذلك من السقط والهلاك انه حوى الدنيا الملك الموت حتى جعلها كالطست بين يدى فهل يفوته منها شيء فالظاهر من هذه الاية ان الازمنة كلها وما فيها من الزمانيات الماضية والمستقبلة حاضرة عند الله سبحانه وهو خارج عن الزمان كما ان الامكنة والمكانيات حاضرة عنده تعالى وهو خارج عن المكان لا يجرى عليه زمان كما لا يحويه مكان فالزمان مخلوق له تعالى حادث حدوثا ذاتيا كما ان المكان مخلوق له فالماضى والمستقبل بالنسبة اليه سواء كما ان الامكنة كلها بالاضافة اليه سواء وقد نبه على ذلك بعض الأكابر من علماء الظاهر قال الجلال الدواني رحمة الله عليه فى رسالته الزوراء إذا اعتبرت الامتداد الزمانى الذي هو محل التغيير والتبديل وعرض الحوادث الكونية بما يقارنه من الحوادث جملة واحدة وجدته شأنا من شيون العلة الاولى محيطا لجميع الشيون المتعاقبة- ثم ان أمعنت النظر وجدت التعاقب باعتبار حضور حدود ذلك الامتداد وغيبوبتها بالنسبة الى الزمانيات الواقعة تحت حيطته- واما المراتب العالية عليها فلا تعاقب بالنسبة إليها بل الجميع متساوية بالنسبة إليها متحاذية فى الحضور لذاتها فما ظنك ما على شواهق العوالي ليس عند ربك صباح والإمساء تنبيه إذا أخذت امتداد مختلف الاجزاء فى اللون كخشب اختلف اللون فى اجزائه ثم امررته فى محاذات ذرة او غيرها ممّا يضيق حدقته عن الإحاطة بجميع ذلك الامتدادات ليس تلك الألوان المختلفة متعاقبة فى الحضور لديها لضيق حدقتها متقاربة فى الحضور لديك لقوة احاطتك فاعتبروا يا أولى الابصار انتهى كلامه فائدة وقد يأتى على بعض الأكابر حالة يخرج فيه من حيز الزمان فيرى الماضي او المستقبل موجودا عنده ويشهد عليه ما رواه الشيخان فى الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال انخسف الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله

стр. 3185

صلى الله عليه وسلم والناس فقام قياما طويلا فذكر الحديث بطوله حتى قال قالوا يا رسول الله رايناك تناولت شيئا فى مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت فقال انى رايت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لاكلتم منه ما بقيت الدنيا ورايت النار فلم ار كاليوم منظرا قط أفظع ورايت اكثر أهلها النساء الحديث- ولا شك ان دخول النساء فى النار لا يكون الا بعد القيامة وقد راه النبي ﷺ موجودا لا يقال لعل النبي ﷺ راى صورة النار والجنة فى عالم المثال مثل ما يرى النائم فى المنام لان قوله لو أخذته لا كلتم منه ما بقيت الدنيا صريح فى انه ﷺ راى حقيقة الجنة والنار دون مثالهما وما روى مسلم عن جابر ان رسول الله ﷺ قال رايت الجنة فرايت امراة ابى طلحة وسمعت خشخشة امامى فاذا بلال وما روى احمد وابو داود والضياء عن انس قال قال رسول الله ﷺ لما عرج بي ربى مررت بقوم لهم اظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون فى اعراضهم وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ عرضت علىّ النار فرايت فيها امراة من بنى إسرائيل تعذب فى هرة ربطها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض حتى ماتت جوعا ورايت عمر بن عامر الخزاعي يجر قصبه فى النار وكان أول من سيب السوائب- رواه مسلم وقال اكثر المفسرين معنى قوله تعالى لا يَعْزُبُ عَنْهُ اى علمه مِثْقالُ ذَرَّةٍ ... وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ اى من الذرة وَلا أَكْبَرُ منه إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) حملة مؤكدة لنفى العزوب ان كان المراد بالعزوب العزوب عن علمه او المراد بالكتاب المبين علمه تعالى او اللوح المحفوظ الذي حاك عن بعض من علومه وان كان المراد عدم عزوب شيء من ذاته سبحانه فهذا تأسيس لا تأكيد وأصغر واكبر مرفوعان بالابتداء ويؤيده القراءة بالفتح على اعمال لا التي لنفى الجنس- ولا يجوز العطف مرفوعا على مثقال ومفتوحا على ذرة فى محل الجر لامتناعها من الصرف لان الاستثناء عنه؟؟؟ ولا يجوزان يكون الاستثناء منقطعا بمعنى لكن لان الاستدراك والاستثناء المنقطع

стр. 3186

بعد النفي يكون اثباتا فيكون المعنى لا يعزب مثقال ذرة ولا أصغر منه ولا اكبر ولكن يعزب فى كتاب مبين وهذا فاسد- قال البيضاوي اللهم إذا جعل الضمير فى يعزب للغيب وجعل المثبت فى اللوح خارجا عنه لظهوره على المطالعين له فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب إلا سطورا فى اللوح وهذا التوجيه ضعيف كما يشعر به كلام البيضاوي لان كونه فى اللوح لا يخرجه عن الغيب والكلام فى شمول علمه تعالى ولا مساس لهذا التوجيه بالمدعى على انه ورد فى سورة يونس بلفظ لا يعزب عن ربّك من مّثقال ذرّة فى الأرض ولا فى السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر الّا فى كتب مبين ولا يتاتى هذا التوجيه هناك وقيل هذا على طريقة المدح بما يشبه الذم كما فى قوله تعالى وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ كقولك فى زيد لا عيب فيه الّا انه عالم يعنى لا عيب فيه أصلا والمعنى لا يعزب عنه مثقال ذرة الا فى كتاب مبين حكمه فكيف يغب عنه. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ علة لقوله لتأتينّكم وبيان لما يقتضى إتيانها أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما قصروا فى أداء حقوق العبودية التي لا يمكن استيفاؤها وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) حسن فى الجنة لا تعب فيه ولا منّ عليه لما أتوا بها من الحسنات وتفضلا-. وَالَّذِينَ سَعَوْا عطف على الّذين أمنوا مفعول ليجزى اى ليجزى الذين سعوا فِي آياتِنا بالابطال وتزهيد الناس فيها مُعاجِزِينَ قرأ ابن كثير وابو عمرو معجّزين من التفعيل اى مثبطين عن الايمان من اراده والباقون من المفاعلة اى مقدرين عجزنا او سابقين لنا فيفوتنا لظنهم بأن لا بعث ولا عقاب أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ قال قتادة الرجز سوء العذاب فمن بيانية أَلِيمٌ (٥) اى ذو الم يعنى مؤلم قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب بالرفع هنا وفى الجاثية على انه نعت للعذاب والباقون بالجر على انه نعت للرجز. وَيَرَى بمعنى يعلم مرفوع عطفا على مضمون بلى لتأتينكم وقيل منصوب معطوف على يجزى اى ليجزى الّذين أمنوا وليعلم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعنى مؤمنى اهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه وقال قتادة

стр. 3187

هم اصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان اى يعلم عند مجيء الساعة انه الحق عيانا كما علموه الان برهانا الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعنى القران مفعول أول ليرى هُوَ الْحَقَّ بالرفع «١» مبتدا وخبر والجملة ثانى مفعولى يرى وقرئى بالنصب على انه ثانى مفعولى يرى والضمير للفصل وجملة يرى مستأنفة للاستشهاد باولى العلم على الجهلة الساعين فى الآيات وَيَهْدِي الله او الذي انزل إليك عطف على الحق إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) اى الإسلام. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وبينهما معترضات ووضع المظهر موضع الضمير للتصريح على مناط الحكم يعنى قال منكروا البعث بعضهم لبعض متعجبين منه هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعنون محمدا ﷺ يُنَبِّئُكُمْ صفة لرجل اى يخبركم بأعجب الأعاجيب وهو انه إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ كل منصوب على المصدرية لاضافته الى المصدر الميمى يعنى إذا متم وتمزق أجسادكم كل تمزق بحيث يصير ترابا او على الظرفية بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم السيول كل مذهب وطرحته كل مطرح إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) منصوب بقوله ينبئكم بتضمين معنى القول يعنى يقول انّكم لفى خلق جديد وتقديم الظرف يعنى إذا مزّقتم للدلالة على البعد والمبالغة وعامله محذوف دل عليه ما بعده يعنى ينبئكم بانكم تبعثون إذا مزّقتم كلّ ممزّق يقول انّكم لفى خلق جديد وذلك لان ما قبله لم يقارنه وما بعد انّ لا يعمل فيما قبله وذكروا النبي ﷺ بالتنكير مع كونه مشهورا فى قريش شائعا انباؤه بالبعث تجاهلا به وبامره بناء على استبعاده وقصدا الى التحقير. أَفْتَرى همزة استفهام دخلت على همزة الوصل فسقطت من اللفظ للاستغناء عنها ولعدم اللبس بالخبر فان همزة الوصل هاهنا مكسورة بخلاف ما إذا كان همزة الوصل مفتوحة نحو ءالله والذكر وءائن فان هناك لا تحذف بل تسهل او تبدل الفا ويمد وسقطت من الخط ايضا على خلاف القياس عَلَى اللَّهِ

стр. 3188

كَذِباً منصوب على المصدرية بافترى إذا لافتراء نوع من الكذب وهو التعمد به أَمْ بِهِ جِنَّةٌ اى جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه وزعم بعضهم بجعل الجنون قسيما للافتراء ان بين الصدق والكذب واسطة وهى كل خبر لا يكون على بصيرة بالمخبر عنه وضعفه بيّن فان الافتراء ليس مساو للكذب بل هو أخص منه فان الكذب خبر لا يطابق الواقع سواء كان عمدا او خطا بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ إضراب من جملة مقدرة اى لم يفتر وليس به جنة بل الّذين لا يؤمنون بِالْآخِرَةِ المشتملة على البعث والعذاب فِي الْعَذابِ فيها وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) من الحق فى الدنيا رد الله سبحانه عليهم ترديد هم واثبت لهم ما هو أقبح من القسمين وهو البعيد من الضلال بحيث لا يرجى الخلاص منه وما هو مراده اى العذاب وجعل العذاب مقارنا للضلال فى الحكم مقدما عليه فى اللفظ للمبالغة فى استحقاقهم له والبعد فى الأصل صفة اتصال وصف به الضلال مجازا كقوله شعر شاعر.. أَفَلَمْ يَرَوْا الاستفهام للانكار والتوبيخ والفاء للعطف على محذوف تقديره اعموا فلم يروا اى لم ينظروا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ يعنى الى ما أحاط بجوانبهم مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعنى ان المشاهدات كلها تدل على كمال قدرة الصانع المختار وكمال قدرته يقتضى جواز البعث فكيف يحكمون باستحالته وكونه مكذبا فيه مفترى والمخبر على كمال صفات الكمال من العقل والصدق المعروف بينهم فكيف يحكمون عليه بالجنون والهزاء فما هو الإضلال بعيد- فهذه الجملة تعليل لقوله بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ثم بعد شرح ضلالهم يخوفهم الله تعالى على ما هم عليه بقوله إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ قرأ الكسائي بإدغام الفاء فى الباء والباقون بالإظهار الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ قرأ حمزة والكسائي يشأ يخسف يسقط بالياء فيهن على الغيبة لذكر الله فيما قبل والباقون بالنون على التكلم عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات قرأ حفص كسفا بتحريك السين والباقون بإسكانها قيل قوله أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ

стр. 3189

تمهيد للانذار والتخويف والمعنى اعمّوا فلم يروا ما أحاط بهم من السماء والأرض حيثما كانوا واين ما ساروا مقهورين لا يقدرون ان ينفذوا من أقطارهما ويخرجوا من ملكوتنا يعنى قد راوا ذلك فليخافوا ان يخسف الله بهم الأرض كما فعل بقارون او يسقط عليهم كسفا من السماء كما أرسلنا حجارة من السماء على قوم لوط لتكذيبهم رسولنا وكفرهم باياتنا إِنَّ فِي ذلِكَ الذي يرونه من السموات والأرض لَآيَةً دلالة واضحة على كمال القدرة وجواز البعث بعد الموت وجواز تعذيب من كفر بالله لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) راجع الى الله بقلبه لكونه كثير التفكر والتأمل. وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا على كثير من عباده المؤمنين يدل على ذلك قوله تعالى حكاية عن سليمان الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ويندرج فيه النبوة والكتاب والملك وحسن الصوت وتلين الحديد وغير ذلك وفضلا منصوب على المفعولية ومنّا حال منه يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ بدل من فضلا او من اتينا بتضمين القول اى قلنا يلجبال اوّبى معه اى سبح معه والإياب الرجوع اى ارجعي فى التسبيح كلما رجع داود فيه- او الإياب هو التسبيح يقال اوّب إذا سبح فان المسبح يرجع الى الله معرضا عن غيره وقال القتيبي أصله من التأويب فى السير وهو ان يسير النهار كله وينزل ليلا كانه قال إذا اتى النهار سيرى بالتسبيح معه وقال وهب نوحى معه وَالطَّيْرَ معطوف على الجبال قرأ يعقوب «١» بالرفع حملا على لفظه والباقون بالنصب حملا على محله وجازان يكون النصب عطفا على فضلا او على انه مفعول معه لاوّبى وجازان يكون بالعطف على ضميره قال البيضاوي كان اصل النظم ولقد اتينا داود منّا فضلا وهى تأويب الجبال والطير فبدل به هذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه وكبرياء وسلطانه حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لامره فى نفاذ مشيته فيها قال البغوي كان داود إذا نادى بالنياحة اجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه وقيل كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله

стр. 3190

جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح وقيل كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطا له وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) حتى كان الحديد فى يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشأ من غير نار ولا ضرب مطرقة. قال البغوي كان سبب ذلك على ما روى فى الاخبار ان داود لمّا ملك بنى إسرائيل كان من عادته ان يخرج للناس متنكرا فاذا راى من لا يعرفه يقدم اليه ويسئله عن داود ويقول له ما تقول فى داود وإليكم هذا اىّ رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيرا فقيض الله له ملكا فى صورة آدمي فلما راه داود تقدم اليه على عادته فساله فقال الملك نعم الرجل هو ولا خصلة فيه فراع داود ذلك وقال ما هى يا عبد الله قال انه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال فتنبه لذلك وسال الله ان يسبب له سببا يستغنى به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله فالان الله له الحديد وعلّمه صنعة الدرع وانه أول من اتخذها ويقال انه كان يبيع كل درع باربعة آلاف درهم فيأكل ويطعم منها عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين ويقال انه كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم فينفق منها الفين على نفسه وعياله ويتصدق باربعة آلاف على الفقراء والمساكين عن المقدام بن معديكرب قال قال رسول الله ﷺ ما أكل أحد طعاما قط خيرا من ان يأكل من عمل يديه وان نبى الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده- رواه البخاري واحمد وذكر البغوي هذا الحديث بلفظ كان داود لا يأكل الا من عمل يده. أَنِ اعْمَلْ اى أمرناه ان اعمل ان مصدرية او مفسرة سابِغاتٍ اى دروعا كوامل واسعات طوال يجرها لابسها على الأرض وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ السرد خرذ الجلد واستعير لنسج الدرع يعنى قدر فى نسجها بحيث تناسب حلقها ومساميرها فلا تجعلها رقاقا فتغلق ولا غلاظا فتكسر الحلق وَاعْمَلُوا يا داود واله صالِحاً خالصا لله صالحا لقبوله منصوب على المفعولية او المصدرية إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) فاجازيكم عليه عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الله طيب لا يقبل الا طيبا امر المؤمنين بما امر المرسلين
следующие страницы →