Полный текст (4 363 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
دون النار فانها تحت الأرضين السبع كما نطقت به الأحاديث وعلى ما قلت من التأويل ان الخطاب مختص بالمحسنين يصح القول بان ما توعدون من الثواب والجنة كاين فى السماء وقيل وما توعدون كلام مستانف وما موصولة او مصدرية مبتداء خبره.
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ وعلى هذا فالضمير المنصوب لما وعلى الاول يحتمل له ولما ذكر سابقا من البعث والجزاء والرزق والوعد والوعيد مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ قرأ ابو بكر وحمزة والكسائي مثل بالرفع على انه صفة لحق والباقون بالنصب على انه حال من المستكن فى لحق او وصف لمصدر محذوف يعنى انه لحق حقا مثل نطقكم وقيل انه مبنى على الفتح لاضافة الى غير متمكن وهو ما ان كانت بمعنى شىء وان مع جملتها ان كانت ما زائدة ومحله الرفع شبه الله سبحانه الرزق وغيره مما وعد واخبر به ينطق الإنسان قال البغوي ما انكم تنطقون فتقولون لا اله الا الله يعنى المراد بالنطق المنطوق والخطاب ان كان للمحسنين فمنطوقه غالبا لا اله الا الله وان كان الخطاب عاما فشبه تحقق ما اخبر عنه يتحقق نطق الآدمي كما يقال انه لحق كما أنت هاهنا وانه لحق كما أنت تتكلم والمعنى انه فى صدقه ووجوده كالذى تعرفه ضرورة وقال بعض الحكماء يعنى ان كل انسان ينطق بلسان نفسه ولا يمكنه ان يأكل رزق غيره حكى فى المدارك عن الأصمعي انه قال أقبلت من جامع البصرة فطلع علىّ أعرابي فقال ممن الرجل قلت من بنى اصمع قال من اين أقبلت أقلت من موضع يتلى فيه كلام الله الرحمن قال اتل علىّ فتلوت والذّاريات فلما بلغت قوله فى السماء رزقكم قال حسبك فقام الى ناقة فنحرها ووزعها على من اقبل وأدبر وعمد الى قوسه وسيفه فكسرهما وولى فلما حججت مع امر الرشيد طفقت أطوف فاذا انا بمن يستهنف بصوت رفيق فالتفت فاذا انا بالأعرابي فسلّم علىّ واستقرأ السورة فلما بلغت الاية صاح قال قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ثم قال وهل غير هذا فقرأت فورب السماء والأرض انه لحق فصاح فقال سبحان الله من ذا الذي اغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى إلجاؤه الى اليمين قالها ثلثا وخرجت معها نفسه يعنى مقتضى البلاغة ان يؤكد الكلام على حسب انكار المخاطب فالله سبحانه أورد الكلام بكمال المبالغة فى التأكيد حيث اقسم عليه وأكد بكلمة ان ولام التأكيد والاخبار بانه حق والتشبيه بما هو اجلى البديهيات وليس هذه الاشارة الى ان الناس كانهم فى غاية الإنكار فى تقدير الرزق الموعود كاد حين فى اكتساب ما التزم الله سبحانه على نفسه بقوله وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها غافلين عما كلفهم الله به وعلق به الثواب والعقاب الأيدي
стр. 3712
لا حول ولا قوة الا بالله.
هَلْ أَتاكَ استفهام للتقرير يعنى قد أتاك والغرض منه تفخيم شان الحديث والتنبيه على انه اوحى اليه قبل ذلك حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ضيف فى الأصل مصدر ولذا يطلق على الواحد والمتعدد قال البغوي اختلفوا فى عددهم فقال ابن عباس وعطاء كانوا ثلثة جبرئيل وميكائيل واسرافيل وقال محمد بن كعب كان جبرئيل ومعه سبعة وقال الضحاك كانوا تسعة وقال مقاتل كانوا اثنى عشر ملكا وقال السدى كانوا أحد عشر ملكا على سورة الغلمان الوضاء وجوههم الْمُكْرَمِينَ فيه اشارة الى ان ابراهيم ﵇ أكرمهم قبل ان يعرفهم حيث خدمهم بنفسه واهله وعجل إليهم قرا هم وذلك سنة المرسلين وداب المهتدين قال رسول الله ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليحسن الى جاره وفى رواية فلا يوذ جاره ومن كان يومن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليسكت رواه احمد والشيخان فى الصحيحين والترمذي وابن ماجة من حديث ابى هريرة وفى الصحيحين من حديث ابى شريح الكعبي بلفظ من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه جايزته يوم وليلة والضيافة ثلثة ايام فما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له ان يثوى عنده حتى يحرجه وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ان رجلا سال رسول الله ﷺ اى الإسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف وقيل سماهم مكرمين لانهم كانوا ملائكة كراما على الله تعالى قال الله تعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ....
إِذْ دَخَلُوا الظرف متعلق بالحديث او الضيف او المكرمين والضمير راجع الى الضيف من حيث المعنى عَلَيْهِ اى على ابراهيم ﵇ فَقالُوا سَلاماً اى نسلم عليك قالَ ابراهيم سَلامٌ ج اى عليكم سلام عدل الى الرفع بالابتداء لقصد الثبات حتى تكون تحية احسن من تحيتهم قال الله تعالى وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً وجملة قال سلام استيناف كانه فى جواب ماذا قال ابراهيم حين سلموا عليه قرأ حمزة والكسائي سلم بكسر السين وسكون اللام بغير الف والباقون بفتح السين واللام والف بعدها المعنى واحد قَوْمٌ مُنْكَرُونَ اى أنتم قوم منكرون لا نعرفكم قال ابن عباس قال فى نفسه هؤلاء قوم منكرون لا نعرفهم قال ابو العالية أنكر سلامهم فى ذلك الزمان فى تلك الأرض لان السلام علم الإسلام.
فَراغَ اى ذهب ومال عطف على قال إِلى أَهْلِهِ مبادرة فى القرى فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ مشوى لانه كان عامة ماله البقر.
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ بان وضع بين أيديهم لياكلوا فلم يأكلوا قالَ ابراهيم أَلا تَأْكُلُونَ
стр. 3713
الهمزة للانكار ان كان بعد ما راى انهم لا يأكلون وان كان فى أول الأمر فالهمزة للعرض والحث على الاكل على طريقة الأدب.
فَأَوْجَسَ يعنى أضمر مِنْهُمْ خِيفَةً ط اى خوفا لما راى اعراضهم عن طعامه عن ابن عباس انه وقع فى نفسه انهم ملائكة أرسلوا للعذاب قالُوا لا تَخَفْ ط انا رسل الله وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ يعنى اسحق ﵇ عَلِيمٍ يكمل علمه إذا بلغ.
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ سارة فِي صَرَّةٍ اى صيحة قيل لم يكن ذلك إقبالا من مكان الى مكان وانما هو كقول القائل اقبل يشتمنى اى أخذت تصيح وعلى هذا التأويل قوله فى صرة فى محل النصب على المفعولية وان كان المراد الإقبال من مكان الى مكان فهى فى محل النصب على الحال فَصَكَّتْ وَجْهَها قال ابن عباس لطمت وجهها يعنى جمعت أصابعها فضربت وجهها كما هو عادة النساء عند التعجب إذا انكرن شيئا وقيل وجدت حرارة دم الحيض فلطمت وجهها من الحياء وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ يعنى أتلد عجوز عقيم وكانت سارة لم تلد قبل ذلك وكانت بنت تسعين سنة.
قالُوا اى الملائكة كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ ط يعنى قال ربك قولا مثل ذلك الذي قلنا وانما نخبرك من الله إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ فى صنعه الْعَلِيمُ بما كان وما يكون فيكون قوله حقا وفعله محكما ولما علم ابراهيم انهم ملائكة وانهم لا ينزلون مجتمعين الا لامر عظيم.
قالَ فَما خَطْبُكُمْ اى ما شانكم وفيم أرسلتم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعنى قوم لوط كانوا يعملون الخبائث التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء ويقطعون السبيل ويأتون فى ناديهم المنكر فارسل الله إليهم أخاهم لوطا فكفروا به وقالوا اتنا بعذاب الله ان كنت من الصادقين قال رب نجنى من القوم الظالمين وانصرني على القوم المفسدين فارسل الله إليهم الملائكة.
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ متحجر وهو السجيل-.
مُسَوَّمَةً معلمة على كل واحد منها اسم من يهلك به عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ المجاوزين الحد فى الفجور قال ابن عباس يعنى للمشركين فان الشرك أسرف الذنوب وأعظمها.
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها اى فى قرى قوم لوط واضمارها مع عدم سبق ذكرها لكونها معلوما بالسياق مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بلوط ﵇ وذلك قوله تعالى قالوا يعنى الملائكة يا لوط انا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر باهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك انه مصيبها ما أصابهم-.
فَما وَجَدْنا فِيها اى فى قرى قوم لوط غَيْرَ اهل بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
стр. 3714
يعنى لوطا وبناته وصفهم الله تعالى بالايمان والإسلام جميعا لانه ما من مؤمن الا وهو مسلم.
وَتَرَكْنا فِيها آيَةً علامة لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ المعتبرين بها وهى تلك الحجارة الواقعة فى تلك القرى او صخر منضود فيها او ماء اسود منتن.
وَفِي مُوسى عطف على قوله وتركنا فيها على معنى وجعلنا فى إرسال موسى اية وهذا كقوله علفتها تبنا وماء باردا يعنى وسقيتها ماء باردا وهذا اقرب وانسب مما قيل انه معطوف على قوله وفى الأرض لبعده وعدم المناسبة فى القصة إِذْ أَرْسَلْناهُ هذا الظرف متعلق بما تعلق به فى موسى يعنى جعلنا فى موسى وقت ارسالنا إياه إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة ظاهرة يعنى معجزاته كالعصاء واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين وفلق البحر.
فَتَوَلَّى اى اعرض فرعون عن الايمان بِرُكْنِهِ اى بجمعه وجنوده الذين كان ينضوبهم وَقالَ فرعون هواى موسى ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ قال ابو عبيدة او بمعنى الواو والظاهر انها بمعناه فانه لما راى على يديه الخوارق قال ساحر ولما سمعه يقول ما لا يدركه عقله السقيم زعم انه مجنون وبين كلاميه منافاة وقال البيضاوي كانه جعل ما ظهر منه من الخوارق منسوبا الى الجن وتردونى انه هل حصل ذلك باختياره وسعيه او بغيرهما يعنى ان كان باختياره فهو ساحر والا فهو مجنون.
َخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ
فاغرقناهم فى اليم هُوَ مُلِيمٌ
اى ات بما يلام عليه من الكفر والعناد والتكبر والجملة حال من الضمير المنصوب فى أخذناه.
وَفِي عادٍ يعنى تركنا فى إهلاك عاد اية إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ وهى التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا وكانت دبورا لقوله ﵊ نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور.
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ يعنى جعلت الأشياء كالرماد من الرم وهى البنى؟؟؟ والتفتت.
وَفِي ثَمُودَ يعنى وتركنا فى إهلاك ثمود اية إِذْ قِيلَ لَهُمْ قال لهم صالح لما عقروا لناقة تَمَتَّعُوا فى دياركم حَتَّى حِينٍ يعنى ثلثة ايام.
فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ استكبروا عن امتثاله واتباع صالح والايمان به- فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ قرأ الكسائي الصعقة بإسكان العين من غير الف والباقون بالألف بعد العين والصاعقة الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب والصعق معركة شدة الصوت كذا فى القاموس اخذتهم بعد مضى الأيام الثلاثة وَهُمْ يَنْظُرُونَ اى يرون ذلك العذاب
стр. 3715
عيانا فاصبحوا فى ديارهم جاثمين.
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ للهرب بعد نزول العذاب قال قتادة لم ينهضوا من تلك الصرعة وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ اى ممتنعين منه او منتقمين منا.
وَقَوْمَ نُوحٍ قرأ ابو عمر وحمزة والكسائي قوم بالجر عطفا على ثمود يعنى تركنا فى إهلاك قوم نوح اية والباقون بالنصب على انه مفعول بفعل محذوف دل عليه السياق تقديره وأهلكنا قوم نوح مِنْ قَبْلُ اى من قبل قوم لوط وفرعون وجنوده وعاد وثمود إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن الاستقامة بالكفر والمعاصي.
وَالسَّماءَ منصوب بفعل مضمر يفسره بَنَيْناها بِأَيْدٍ اى بقوة وقدرة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ قال ابن عباس اى قادرون ومطيقون من الوسع بمعنى الطاقة كما فى قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها والجملة حال من فاعل بنينا وجملة والسماء عطف على وفى موسى وقال الضحاك معناه به الأغنياء كما فى قوله تعالى عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وفى رواية عن ابن عباس انا لموسعون الرزق على خلقنا وقيل معناه لموسعون السماء او ما بنينها وبين الأرض.
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها اى مهدناها ليستقروا عليها والتركيب نحو ما سبق فَنِعْمَ الْماهِدُونَ نحن.
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ صنفين قلت ليس المراد تعين تعدد التثنية بل المراد تعدد اصناف المخلوقات يعنى خلقنا من كل شىء اصناف ذات عدد فوق الواحد أدناه المثنى بل كل فرد منه ذو جهتين خير من وجه وشر من وجه معدوم بالذات واجب بالغير عاجز بالذات قادر بالغير لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ لكى تذكروا وتعلموا ان التعدد من خواص الممكنات والواجب بالذات لا يقبل التعدد والانقسام واجب وجوده لا يصادم وجوده العدم قادر لا عجز له.
فَفِرُّوا من كل شىء إِلَى اللَّهِ ط بالتوجه والمحبة والاستغراق وامتثال الأوامر وكسب السعادات حتى تخلصوا من النقائص والشرور وتفوزوا بالخيرات وتصعدوا مصاعد القرب والكمال والفاء للسببية فان التذكر والتدبر فى شان الممكنات والواجب تعالى يوجب الفرار منها اليه تعالى وهذه الجملة بتقدير القول من كلام الرسول ﷺ ليرتبط بما بعده يعنى قل يا محمد ففروا الى الله إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ اى من عذابه المترتب على غضبه وهجرانه وبعده وعصيانه نَذِيرٌ مُبِينٌ بين كونه نذيرا من الله تعالى بالمعجزات او مبين ما يجب ان يحذر عنه.
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ شريكا له فى وجوب الوجود او فى استحقاق العبودية او فى كونه مقصودا لكم ومجبوبا مستغلا به إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ للتاكيدا والاول لتحذير الخواص عن مطلق التوجه والمحبة بغيره تعالى والثاني
стр. 3716
لتحذير العوام عن الشرك والمعاصي كما يدل عليه السياق يعنى ان لم تقدروا على الفرار من كل شىء حتى من أنفسكم الى الله تعالى فلا تجعلوا مع الله الها اخر فى العبادة وامتثال الأوامر.
كَذلِكَ خبر مبتدا محذوف اى شانك مع قولك كذلك الشان للرسل من قبلك مع أقوامهم ولما كان فى التشبيه إبهاما فسره بقوله ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الضمير عايد الى كفار مكة والمراد بالموصول كفار الأمم السابقة مفعول لاتى وفاعله مِنْ رَسُولٍ من زائدة فى النفي للاستغراق إِلَّا قالُوا استثناء مفرغ والمستثنى فى محل النصب على الحالية من فاعل اتى او مفعوله او كليهما يعنى ما أتاهم رسول فى حال الا حال قولهم ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ خبر مبتدا محذوف والجملة مقولة- قالوا يعنى قالوا هذا ساحرا ومجنون كما يقول لك قومك وجاز ان يكون مشار اليه بذلك تكذيبهم الرسول وتسميتهم إياه ساحرا او مجنونا وجملة ما اتى علة للتشبيه.
أَتَواصَوْا اى الأولون والآخرون من الكفار بِهِ بهذا القول يعنى اوصى بعضهم بعضا بهذا القول حتى قالوا جميعا والاستفهام للانكار والتوبيخ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ إضراب عن التواصي من جميعهم بهذا القول لتباعد ايامهم الى ان الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم فى الطغيان الحامل عليه وقوله كذلك الى قوله طاغون معترضات لتسلية النبي ﷺ وقوله فتول عنهم اى عن الكفار عطف على قل المقدرة يعنى قل ففروا إلخ.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ اى اعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فابوا للاصرار والعناد فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ على الاعراض بعد ما بذلت جهدك فى البلاغ واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وابن منيع وابن راهويه والهثيم بن كليب فى مسانيدهم من طريق مجاهد عن على رض عنه قال لما نزلت فتول عنهم فما أنت بملوم لم يبق منا أحد الا أيقن بالهلاكة إذا مر النبي ﷺ ان يتولى عنا فنزلت.
وَذَكِّرْ الاية فطابت أنفسنا واخرج ابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا انه لما نزلت فتول عنهم الاية اشتد على اصحاب رسول الله ﷺ وراوا ان الوحى قد انقطع وان العذاب قد حضر فانزل الله تعالى وذكر الاية كذا ذكر البغوي قول المفسرين وقوله تعالى ذكّر عطف على قوله تولّ يعنى لا تدع التذكير والموعظة فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ تعليل لقوله تعالى ذكر يعنى ان الذكر ينفع المؤمنين ويزداد لهم البصيرة وان لم ينتفع الكفار او المعنى تنفع من قدر الله إيمانه.
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ اى الا لامرهم بعبادتي وادعوهم اليه يعنى للتكليف يؤيده قوله تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً
стр. 3717
كذا ذكر البغوي قول على رض قال مجاهد الا ليعرفوا والكفار ايضا يعرفون وجوده تعالى حيث قال الله تعالى ولئن سالتهم من خلقهم ليقولن الله وقيل معناه الا ليكونوا عباد الى او ليخضعوا لى ويتذللوا ومعنى العبادة فى اللغة التذلل والانقياد وكل مخلوق من الجن والانس خاضع لقضاء الله تعالى متذلل لمشيته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق له وقيل الا ليوحدون اما المؤمنون فيوحدون فى الشدة والرخاء اما الكافرون فيوحدونه فى الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء قال الله تعالى وإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين قال صاحب المدارك الكفار كلهم يوحدون الله فى الاخرة قال الله تعالى ثم لم تكن فتنتهم الا ان قالوا والله ربنا ما كنا مشركين واشراكهم فى الدنيا وهى بعض أحيان وجودهم لا ينافى كونهم مخلوقين للتوحيد قلت والقول ما قال على رض ما سواه اقوال ضعيفة واهية والذي حملهم على ما قالوا ان ظاهر الاية يقتضى انهم خلقوا مرادا منهم الطاعة وتخلف مراد الله تعالى محال وقد قال رسول الله ﷺ كل ميسّر لما خلق له وقال الله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس وقال الكلبي والضحاك والسفيان هذا خاص لاهل الطاعة من الفريقين يدل عليه قراءة ابن عباس ما خلقت الجن والانس من المؤمنين الا ليعبدون وعندى تاويل الاية ما خلقت الجن والانس الا مستعدين العبادة صالحين لها نظيره قوله ﷺ ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهود انه وينصرانه ويمجسانه كما تنتهج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول فطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله متفق عليه من حديث ابى هريرة وهذا التأويل يناسب تاويل على رض ومقتضى هذه الاية ذم الكفار لاجل اضاعتهم الفطرة السليمة هى اصل الخلقة.
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ المراد ان شانه تعالى مع عباده ليس شان السادة مع عبيدهم فانهم انما يملكونهم ليستعينوا بهم فى تحصيل رزقهم وكسب طعامهم والله تعالى منزه عن ذلك وقيل معناه ما أريد منهم ان يرزقوا أحدا من خلقى ولا ان يرزقوا أنفسهم وان يطعموا أحدا من خلقى وينافى هذا التأويل اسناد الطعام الى نفسه وأجيب بان الخلق عيال الله ومن اطعم عيال أحد فقد أطعمه كما جاء فى الحديث يقول الله يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال اما علمت انه استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه انك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى رواه مسلم من حديث ابى هريرة فى حديث ذكر فيه مرضت فلم تعدنى واستسقيتك فلم تسقنى قلت هذا قول بالتجوز ومع ذلك
стр. 3718
يرد عليه ان الله تعالى أراد من المؤمنين وامر الناس أجمعين بأداء زكوة أموالهم رزقا للفقراء وان يطعموا أنفسهم وأهليهم ومن وجب عليهم نفقاتهم فكيف يقال ما أريد منهم ان يرزقوا اللهم الا ان يقال المقص من إيجاب الزكوة امتثال الأمر وفعل الأداء دون الترزيق ومن هاهنا قال ابو حنيفة لا يجب الزكوة على الصبى والمجنون ولكن هذا الجواب لا يستقيم فى العشر والخراج ونفقة الآباء والأولاد والزوجات فان المقصود إيصال الرزق الى العباد ولذا تجرى فيها النيابة ويتادى بأداء ولى الصبى.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ لجميع خلقه مستغن عنه ذُو الْقُوَّةِ على الترزيق وعلى كل ما أراد الْمَتِينُ شديدة المبالغ فى القدرة قيل فى تاويل الاية ان قوله تعالى ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ إلخ من كلام رسول الله ﷺ مقدر بقل يعنى قل يا محمد ما أريد منهم اى من الناس من رزق نظيره لا أسألكم عليه اجرا قال بعض المحققين قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ بتقدير قل عطف على ذَكِّرْ والى قوله تعالى ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ داخل فى مقولة قل لا يقال كيف يصح ما خَلَقْتُ الْجِنَّ إلخ كلاما للرسول لانا نقول هو على طريقة قول الملك للسفير قل ان أمركم بكذا فيقول السفير بقول الملك انى أمركم بكذا وان الأمير يأمركم بكذا ومثل هذا متعارف.
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالشرك والمعاصي واضاعة الفطرة السليمة ووضع الكفران موضع العبادة التي كلفوا بها وخلقوا مستعدين لها ذَنُوباً اى نصيبا من العذاب وهو فى الأصل الدلو العظيم الذي له ذنب واستعير للنصيب أخذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلاء وقال الزجاج الذنوب فى اللغة النصيب مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ اى مثل نصيب نظرائهم من الأمم السابقة كعاد وثمود وفرعون وقوم نوح وقوم لوط والفاء للسببية تعليل لقوله فتول عنهم- فَلا يَسْتَعْجِلُونِ الفاء ايضا للسببية يعنى إذا سمعت وعيدي لكفار فهو يكفيك للتسلية فلا تستعجلون فى تعذيبهم وجاز ان يكون هذا خطابا بالكفار جوابا لقولهم متى هذا الوعد ان كنتم صادقين.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يعنى يوم القيامه وقيل يوم بدر الفاء للسببية مسبب لتحقق الوعيد والله تعالى اعلم.
стр. 3719
سورة الطّور
مكّيّة وهى تسع وأربعون اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
وَالطُّورِ وهو الجبل بالسريانية والمراد به طور سينين جبل بمدين سمع موسى فيها كلام الله تعالى.
وَكِتابٍ مَسْطُورٍ السطر ترتيب الحروف المكتوب والمراد به مكتوب.
فِي رَقٍّ الرق الجلد الذي يكتب استعير لما كتب فيه الكتاب مَنْشُورٍ لاجل التلاوة صفة لرق والظرف متعلق بمسطور وتقيد الكتاب بكونه مكتوبا فى زق منشور يابى كونه لوحا محفوظا فالمراد به اما القران او جنس ما كتب فيه الشرائع وقال الكلبي هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير القلم ومقتضى هذا القول مناسبته وعطفه على الطور وقيل المراد به دواوين الحفظة يخرج لهم يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا.
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ هو بيت فى السماء السابعة حيال الكعبة يقال له الصراح حرمته فى السماء كحرمة الكعبة فى الأرض روى مسلم عن انس فى حديث المعراج وقال ﵇ فى السماء السابعة فاذا انا بإبراهيم مسند أظهره الى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون الف لا يعودون اليه قال البغوي يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون اليه ابدا عمارته كثرة غاشية من الملائكة قال البيضاوي المراد به الكعبة وعمارتها بالحجاج والمجاورين او قلب المؤمن وعمارته بالمعرفة والإخلاص.
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ يعنى السماء قال الله تعالى وجعلنا السماء سقفا محفوظا.
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فى القاموس سجر التنور حماه والنهر ملأه وقال محمد بن إسحاق والضحاك يعنى الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور وهو قول ابن عباس وذلك ما روى ان الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزداد بها فى نار جهنم واخرج البيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا او معتمرا او حاجا فان تحت البحر نارا او تحت النار بحرا وعن يعلى بن امية ان النبي ﷺ قال البحر جهنم واخرج ابو الشيخ فى العظمة والبيهقي من طريق سعيد بن المسيب عن على بن ابى طالب رض قال ما رايت يهود يا اصدق من فلان زعم ان نار الله الكبرى هى البحر فاذا كان يوم القيامة جمع الله فيه الشمس والقمر والنجوم ثم بعث عليه الدبور فسعرته واخرج ابو الشيخ عن كعب فى قوله تعالى والبحر المسجور قال قال البحر يسجر فيصير نار جهنم واخرج البيهقي فى الشعب عن وهب قال إذا قامت القيامة
стр. 3720
امر بالفلق فيكشف عن سقر وهى غطاءها فيخرج منه نار فاذا وصلت الى البحر المطبق على شفير جهنم وهو البحر المسجور اسرع من طرفة عين وهو حاجزيين جهنم والأرضين السبع فيدعها جمرة واحدة وقال مجاهد والكلبي المسجور المملو ويقال سجرت الإناء إذا ملاته وقال الحسن وقتادة وابو العالية هو اليابس الذي قد ذهب ماءه وقال الربيع بن انس المختلط العذب بالملح وروى الضحاك عن النزال بن سيرة عن على رض انه قال فى البحر المسجور وهو بحر تحت العرش عمقه كما بين سبع سموات الى سبع ارضين فيه ماء غليظ يقال له بحر الحيوان يمطر العباد بعد النفخة الاولى منه أربعون صباحا فينبتون فى قبورهم وهذا قول مقاتل اقسم الله تعالى بهذه الأشياء وجواب القسم.
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ بالكفار.
ما لَهُ مِنْ دافِعٍ يدفعه الجملة صفة الواقع قال جبير بن مطعم قدمت المدينة لا كلم رسول الله ﷺ فى أسارى بدر فدفعت اليه وهو يصلى بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ والطور الى قوله ان عذاب ربك لواقع ماله من دافع فكانما صدع قلبى حين سمعته ولم أكن اسلم يومئذ قال فاسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن الا ان أقوم من مكانى حتى يقع بي العذاب.
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً اى تدور كدور ان الرحى وتنكفا باهلها تكفاء السفينة وقال قتادة تتحرك وقال عطاء الخراسانى تختلف اجزاءها بعضها فى بعض وقيل تضطرب وكل ذلك جاء معانى مور فى اللغة الذهاب المجيء والتردد والدوران والاضطراب كذا فى القاموس وهذه الاية تدل على ان السماء غير متحرك كالارض والجبال خلافا للفلاسفة والظرف متعلق لواقع.
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً عطف على تمور يعنى تسير عن وجه الأرض فتصير هباء.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ اى إذا وقع ذلك الفاء للسببية فان وقوع العذاب الغير المدفوع سبب للويل لِلْمُكَذِّبِينَ بالعذاب.
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ غافلين لاهين.
يَوْمَ يُدَعُّونَ بدل من يوم تمور الى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا اى دفعا بعنف وجفوة وذلك ان خزنة جهنم يغسلون أيديهم الى أعناقهم ويجمعون نواصيهم الى أقدامهم تم يدفعون الى النار دفعا على وجوههم ويزعجون إزعاجا حتى إذا دنوا منها يقول لهم خزنتها.
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ وجاز ان يكون يوم يدعون ظرفا ليقول مقدر هاهنا وهذه الجملة بتقدير يقول لهم حال من المكذبين.
أَفَسِحْرٌ هذا عطف على هذه النار التي كنتم بها تكذبون والاستفهام للانكار والتوبيخ والفاء للتعقيب
стр. 3721
والمعنى اى يتعقب مشاهدة النار كونها سحرا يعنى كنتم تقولون للوحى وما يشهد من المعجزات هذا سحر وهذا مصداقه فلو كان ذلك سحرا فهذا ايضا سحر على زعمكم وتقديم الخبر لانه المقصر بالإنكار والتوبيخ- أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ هذه النار كما كنتم لا تبصرون ما يدل عليه فى الدنيا وتقولون انما سكرت أبصارنا وهذا الكلام نهيكم بهم.
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ج كلمة او للتسوية والجملتان بتقدير مستويا لكم صبركم وعدمه حال من الضمير المستكن فى اصلوها- سَواءٌ عَلَيْكُمْ ط سواء مصدر بمعنى الفاعل خبر مبتداء محذوف الأمر ان مستويان عليكم والجملة تأكيد لما سبق إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تعليل للاستواء فانه لما كان جزاء الكفر واجب الوقوع بايجاب الله تعالى ووعيده كان الصبر وعدمه سيئان فى عدم النفع.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ وتنكيرهما للتعظيم يعنى جنات عظيم ونعيم فخيمه.
فاكِهِينَ ناعمين متلذذين حال من الضمير فى الظرف بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إيهام ما اتهم واسناده الى ربهم للتفخيم والتعظيم يعنى ناعمين بشىء عظيم او بالذي هو عظيم الشان اتهم أكرم الأكرمين وأعظم العظماء وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ عطف على أتاهم ان جعل ما مصدرية او على فى جنات او حال من فاعل اتى او من مفعوله او كليهما.
كُلُوا وَاشْرَبُوا بتقدير يقال لهم خبر بعد خبر لان او حال من المستكن فى الظرف او الحال هَنِيئاً اى أكلا وشربا هنيئا او طعاما وشرابا هنيا والهنيء ما لا يلحق فيه مشقة ولا يعقبه خامة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بسببه او مقابلته وقيل الباء زائدة وما فاعل لهنيأ والمعنى هنيئكم هنيا ما كنتم تعملون اى جزاؤه وحينئذ هنيئا جملة معطوفة على كلوا مقولة قال المقدر.
مُتَّكِئِينَ حال من المستكن فى الظرف اى فى جنات او فى فاكهين او من الضمير فى كلوا واشربوا على التنازع عَلى سُرُرٍ متعلق بمتكئين مَصْفُوفَةٍ اى مصطفة- وَزَوَّجْناهُمْ عطف على خبران او على ان والماضي فى معنى المستقبل بِحُورٍ عِينٍ الباء للالصاق فان فى التزويج معنى الوصل او للسببية يعنى صيرناهم أزواجا بسببهن.
وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتداء وَاتَّبَعَتْهُمْ قرأ ابو عمرو اتبعناهم بقطع الالف واسكان التاء والعين من الافعال وضمير المتكلم مع الغير تعظيما والباقون بوصل الالف وفتح التاء والعين من الافتعال وتاء التأنيث الساكنة ذُرِّيَّتُهُمْ قرأ ابو عمرو ابن عامر ويعقوب ذرياتهم للمبالغة فى كثرتهم
стр. 3722
فكسر ابو عمرو التاء منصوبا على انه مفعول ثان لاتبعناهم وضم ابن عامر ويعقوب مرفوعا على الفاعلية وقرأ الباقون ذريتهم بالتوحيد مرفوعا على الفاعلية والذرية يقع على الواحد والكثير بِإِيمانٍ حال من الضمير المنصوب او من الذرية او منهما وتنكيره للاشعار بانه يكفى للالحاق المتابعة فى اصل الايمان بل يكفيه الايمان الحكمي كايمان الصغر والجنون تبعا لغير الأبوين دينا أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قرأ نافع وابو عمرو وابن عامر ذرياتهم بالجمع وكسر التاء والباقون بالتوحيد وفتح التاء عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ان الله يرفع ذرية المؤمنين فى درجة وان كانوا دوية؟؟؟ فى العمل ليقربهم عينه ثم قرأ هذه الاية رواه الحاكم والبيهقي فى سننه والبزاز وابو نعيم فى الحلية وابن المنذر وابن جرير وابن ابى حاتم وعن على رض قال سالت خديجة النبي ﷺ عن ولدين لها ماتا فى الجاهلية فقال رسول الله ﷺ هما فى النار فلما راى الكراهة فى وجهها قال لو رأيت مكانها لا بغضتها قالت يا رسول الله فولدى منك قال فى الجنة ثم قال رسول الله ﷺ ان المؤمنين وأولادهم فى الجنة وان المشركين وأولادهم فى النار ثم قرأ رسول الله ﷺ والذين أمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم رواه عبد الله بن احمد فى زوايد المسند وفيه مجهول وانقطاع- (فصل) هذا الحديث يدل على ان أطفال المشركين فى النار والصحيح انهم فى الجنة وهذا الحديث ضعيف فيه مجهول وانقطاع وكذا ما روى احمد عن عايشة انها ذكرت لرسول الله ﷺ عن أطفال المشركين فقال ان شئت أسمعتك تصاعدهم فى النار سنده ضعيف جدا وقيل هذا الحديث منسوخ فى حق أطفال المشركين لما روى ابن عبد البر بسند ضعيف عن عائشة قالت سالت خديجة رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال هم من ابائهم ثم سالت بعد ذلك فقال الله اعلم بما كانوا عالمين ثم سالته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت ولا تزر وازرة وزر اخرى فقال هم على الفطرة او قال فى الجنة وما روى ابن ابى شيبة عن انس قال قال رسول الله ﷺ سالت ربى اللاهين من ذريات البشر فاعطانيهم قال ابن عبد البرهم الأطفال لان أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقل ولا عزم واخرج ابن جرير عن سمرة قال سالنا رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين فقال هم خدم اهل الجنة واخرج مثله عن ابن مسعود موقوفا وكذا روى الطيالسي عن انس مرفوعا معناه وقال بعض العلماء أطفال المشركين يمتحنون لانه سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين فقال الله اعلم
стр. 3723
بما كانوا عاملين متفق عليه من حديث ابى هريرة والله اعلم وَما أَلَتْناهُمْ قرأ ابن كثير بكسر اللام من باب سمع يسمع والباقون بفتح اللام من ضرب يضرب وكلاهما لغتان فى ألت يالت يعنى ما نقصنا الآباء مِنْ عَمَلِهِمْ من للتبعيض اى بعض ثواب أعمالهم مِنْ شَيْءٍ ط من زائدة وشىء فى محل النصب على انه مفعول ثانى لالتنا ومن عملهم خال عنه قدم عليه لتنكيره يعنى لا ينقص ثواب الآباء بإعطاء الأبناء فى إلحاقهم بهم والجملة معطوفة على الحقنا ولما كان هاهنا مظنة سوال السائل يسئل ان هذا شان من أمن واتبعه ذريته بايمان فما شان من كسب سيئة قال الله تعالى كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ قال مقاتل كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن محبوس فى النار لا يجاوز جزاء السيئة ممن كسب الى غيره فلا يلحق بالكافر والفاسق ذريته من غير ان يعملوا.
وَأَمْدَدْناهُمْ عطف على زوجناهم يعنى زدناهم يعنى المتقين وقتا بعد وقت بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ من انواع التنعم.
يَتَنازَعُونَ من النزع يعنى الاخذ من يد الغير والتفاعل هاهنا بمعنى المجرد من عاقبت اللص وترافعنا الى القاضي وجعلنا من المزيد فيه للدلالة من الكثرة يعنى ينزعون الى اهل الجنة من يد الساقي فِيها اى فى الجنة كَأْساً الكأس الإناء بما فيها من الشراب ويسمى كل واحد منهما بانفراده كاسا يقال كاس حال وقال شربت كاسا والمراد هاهنا كاس مملو من شراب لا لَغْوٌ وهو الباطل قال قتادة وقال مقاتل بن حيان لا فضول فِيها وقال سعيد بن المسيب لا رفث فيها وقال ابن زيد لاسباب ولا تخاصم فيها وقال القتيبي لا يذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا وَلا تَأْثِيمٌ قال الزجاج لا يجرى بينهم ما يلغى ولا ما فيه اثم كما يجرى فى الدنيا بشرب الخمر وقيل لا يأثمون فى شربها قرأ ابن كثير وابو عمرو لا لغو ولا تأثيم بالفتح فيها أعمالا للاو الباقون بالرفع فيهما الفاء لعمل لا لاجل لتكرير.
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ لاجل الخدمة غِلْمانٌ لَهُمْ اى مماليك مخصوص بهم اخرج ابن ابى الدنيا عن انس رض قال قال رسول الله ﷺ ان أسفل اهل الجنة أجمعين درجة من يقوم على راسه عشرة آلاف خادم واخرج ابن ابى الدنيا عن ابى هريرة ان ادنى اهل الجنة منزلة وليس فيها دنى من تغدو ويروح عليه خمسة آلاف خادم ليس منهم خادم الا ومعه ظرف ليس مع صاحبه كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ مستور فى الصدف شبهوا باللؤلؤ فى بياضهم وصفائهم وحسنهم قال البغوي روى عن الحسن انه تلا هذه الاية وقال قالوا يا رسول الله الخادم كاللؤلؤ فكيف المخدوم
стр. 3724
وعن قتادة ايضا ذكر لنا ان رجلا قال يا نبى الله ﷺ هذا الخادم فكيف المخدوم قال فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على ساير الكواكب واخرج عبد الرزاق وابن جرير فى تفسيرهما من مرسل قتادة نحوه.
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعنى يسال بعضهم بعضا عن أحواله واعماله فى الدنيا قال ابن عباس يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف فى الدنيا واقبل صيغة ماض بمعنى المستقبل حال بتقدير قد من الضمير المجرور فى يطوف عليهم.
قالُوا يعنى يقولون جملة مستانفة كانها فى جواب- ماذا يقول المسئولون إِنَّا كُنَّا قَبْلُ اى قبل هذا فى الدنيا فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ اى خائفين من عذاب الله.
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالتوفيق والمغفرة والرحمة وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ اى عذاب النار النافذة فى المسام نفوذ السموم وقال الحسن السموم اسم من اسماء جهنم.
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ اى قبل ذلك فى الدنيا نَدْعُوهُ ط نعبده اى الله تعالى ونساله الوقاية إِنَّهُ قرأ نافع والكسائي بفتح الهمزة يعنى ندعوه بانه والباقون بالكسر على الاستيناف هُوَ الْبَرُّ اى المحسن وقال ابن عباس اللطيف وقال الضحاك الصادق فيما وعد الرَّحِيمُ الكثير الرحمة.
فَذَكِّرْ الفاء للسببية فان تحقيق الوعد والوعيد من الله تعالى باعث على التذكير والموعظة فَما أَنْتَ الفاء للتعليل يعنى ذكر الناس لانك نبى من الله ولست بِنِعْمَةِ رَبِّكَ اى متلبسا بنعمة ربك حال من الضمير المرفوع فان قوله ما أنت بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ فى معنى انتفى كونك كاهنا او مجنونا والمراد بنعمة ربك النبوة والعقل السليم يعنى نبوتك ودينك يتلقى الكهانة وعقلك السليم البالغ ينافى الجنون والاية نزلت فى الذين اقتسموا أعقاب مكة يرمون رسول الله ﷺ بالكهانة والسحر والجنون والشعر اخرج ابن جرير عن ابن عباس ان قريشا اجتمعوا فى دار الندوة فى امر النبي ﷺ قال قائل منهم احبسوه فى اوثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء ما زهير والنابغة فانما هو كاحدهم فانزل الله تعالى.
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ صفة شاعر او خبر بعد خبر لمبتداء محذوف اى هو منتظر به رَيْبَ الْمَنُونِ اى ما يتعلق النفوس من حوادث الدهر او حوادث الموت يعنى الحوادث التي يقضى الى الموت قالت الكفار انه يموت ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء ويتفرق أصحابه وان أباه مات شابا ونحن نرجو ان يكون موته موت أبيه او المنون مفعول من منه إذا قطعه يكون بمعنى الدهر وبمعنى الموت سميا بذلك لانهما
стр. 3725
تقطعان الاجل..
قُلْ يا محمد تَرَبَّصُوا هلاكى فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ط حتى يأتي امر الله فيكم فتعذبوا بالسيف يوم البدر.
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ اى عقولهم بِهذا التناقض فى القول فان الكاهن يكون ذا فطانة ودقة نظر والمجنون مغطى عقله والشاعر ذا كلام موزون منتسق بليغ متخيل ولا يتاقى ذلك من المجنون وذلك ان عظماء قريش كانوا يوصفون بأحلامهم فازرى الله بعقولهم حتى قال انهم لا يتميزون بين الفطان والمجنون ولا يعرفون الحق من الباطل أَمْ هُمْ يعنى بل هم قَوْمٌ طاغُونَ مجاوزون الحد فى العناد فانهم إذا لا يجدون سبيلا الى الإنكار فى القران والنبي ﷺ بظهور الحجة وسطوع البرهان يقولون فيه قولا اخر مناقضا للاول.
أَمْ اى بل يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ج اى القران تقوله محمد ﷺ يعنى اختلقه من تلقاء نفسه وليس من عند الله وليس الأمر كذلك بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ج بالقران عنادا او استكبارا فيرمون بهذه المطاعن كذبا.
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ اى مثل القران فى البلاغة واخبار الغيب إِنْ كانُوا صادِقِينَ ط فيما قالوا انه كاهن او مجنون او شاعر تقوله إذ فيهم كثير من الكهنة والمجانين والشعراء فهو رد للاقوال الثلاثة المذكورة بالتحدي ويجوز ان يكون ردا للتقول فقط فان ساير الأقوال ظاهر الفساد وهذا شرط مستغن عن الجزاء.
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قال ابن عباس يعنى من غير رب خلقهم وذلك محال فان الحادث الذي لم يكن موجودا قبل ذلك لا يتصور وجوده من غير موجد وقيل معناه أم خلقوا من أجل لا شىء من العبادة والمجازاة يعنى خلقوا عبثا وتركوا سدى لا يومرون ولا ينهون كذا قال ابن كيسان والزجاج أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ط لانفسهم وذلك فى البطلان اظهر من ان يخلقوا من غير شىء وهذه الجملة يؤيد التأويل الاول لما قبلها ولذلك عقبه بقوله.
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ بما يجب به الإيقان ويدل عليه البرهان من ان الله خلقهم وخلق السموات والأرض ولو أيقنوا به لما اعرضوا من عبادته.
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ اى خزائن رزقه فيرزقوا النبوة من يشاء او خزائن علمه فيعلمون من هو أحق بالنبوة من غيره وبقضية الحكمة أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ط المسلطون القاهرون على الأشياء يجعلونها على حسب مشيتهم ولا يكونوا تحت امر ونهى قرأ قتيل وحفص بخلاف عنه وهشام بالسين وحمزة بخلاف عن خلاد بين الصاد والزاء والباقون بالصاد خالصة.
أَمْ لَهُمْ
стр. 3726
سُلَّمٌ مر تقى الى السماء يَسْتَمِعُونَ صاعدين فِيهِ اى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كاين او يعلموا ما هو حق من الله تعالى فيستمسكون به ولا يتبعوا بمحمد ﷺ فان ادعو ذلك فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ط اى بحجة واضحة يصدق استماعه.
أَمْ لَهُ الْبَناتُ اى لله تعالى بنات كما يقولون الملائكة بنات الله وَلَكُمُ ايها الناس- الْبَنُونَ ط فيه تسفيه لهم واشعار بان من هذا رايه لا يعد من العقلاء فضلا ممن يرتقى بروحه الى عالم الملكوت فيطلع على الغيب.
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً على تبليغ الرسالة فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ اى من التزام غرم مُثْقَلُونَ ط فلذلك لا يتبعونك مع ظهور الداعي الى الاتباع.
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ قال ابن عباس المراد منه اللوح المحفوظ المثبت فيه المغيبات فَهُمْ يَكْتُبُونَ ط منه وقيل معناه عندهم علم ما غاب عنهم حتى علموا ان ما جاء به محمد ﷺ من البعث وامر القيامة والثواب والعقاب مع كونه ممكنا فى نفسه واجبا تبوته بالبرهان باطل غير واقع وقال قتادة هذا جواب لقولهم نتربّص به ريب المنون يعنى أعندهم علم الغيب بان محمدا ﷺ يموت قبلهم ولا يبقى له اثر ومعنى قوله فهم يكتبون اى يحكمون والكتاب الحكم كذا قال القعنبي.
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ط بك ليهلكوك وهو كيدهم فى دار الندوة قال الله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ يعنى يحيق بهم الكيد أو يعود إليهم وبال كيدهم وجزاؤه وهو قتلهم يوم بدر وعذابهم بالنار فى الاخرة وضع الموصول موضع الضمير للتسجيل على كفرهم والدلالة على انه هو الموجب للحكم المذكور.
أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ ط يمنعهم من عذاب الله وينصرهم ويرزقهم سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ عن اشراكهم او عن شركة ما يشركون قال به الخليل ما فى هذه الصورة من أم كله استفهام يعنى الإنكار وليس بعطف.
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً اى قطعة مِنَ السَّماءِ ساقِطاً هذا جواب لقولهم فاسقط علينا كسفا من السماء يَقُولُوا هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ تراكم بعضها على بعض كما ان عادا لما رأو عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا يعنى لو عذبناهم بإسقاط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم حتى يهلكوا لكن الحكمة لا يقتضى استيصالهم.
فَذَرْهُمْ ولا تسال نزول العذاب عليهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ اى يوم عذابهم
стр. 3727
الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ قرأ عاصم وابن عامر بضم الياء على البناء للمفعول اى يوم يهلكهم الله تعالى من الصعق والباقون بفتح الياء على البناء للفاعل من صعق يصعق اى يوم يموتون قال البيضاوي هو عند النفخة الاولى- قلت هذا ليس بشىء فانه جعل غاية لقوله ذرهم وذا لا يتصور الا ان يراد يوم يموتون.
يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إغناء وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ط يمنعون من عذاب الله يوم لا يغنى بدل من يومهم.
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يحتمل العموم والخصوص- عَذاباً فى الدنيا دُونَ ذلِكَ اى قبل ذلك اليوم يوم موتهم قال ابن عباس يعنى القتل يوم بدر وقال مجاهد الجوع والقحط سبع سنين وقال البراء بن عازب يعنى عذاب القبر قلت هذا على تقدير ان يراد بيومهم الذي فيه يصعقون يوم نفخة الصعق وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك.
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بامهالهم وابقائك فى عنائهم وقيل معناه واصبر الى ان يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا قال الزجاج يعنى انك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إليك بمكروه والحاصل انك بحفظنا وجمع العين لجمع الضمير وجمع الضمير للتعظيم او يقال جمع العين للمبالغة والدلالة على كثرة اسباب الحفظ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ عطف على واصبر حِينَ تَقُومُ قال سعيد بن جبير وعطاء اى قل حين تقوم من مجلسك سبحانك اللهم وبحمدك فان كان المجلس خيرا ازدادت خيرا وان كان غير ذلك كان كفارة له عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل ان يقوم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا أنت استغفرك وأتوب إليك كان كفارة لما بينهما رواه البغوي ورواه الترمذي والبيهقي فى الدعوات الكبير الا غفر له ما كان فى مجلسه وعن رافع بن خديج قال كان رسول الله ﷺ بآخر عمره إذا اجتمع اليه أصحابه فاراد ان ينهض قال سبحان الله وبحمدك اشهد ان لا اله الا أنت استغفرك وأتوب إليك عملت سوأ او ظلمت نفسى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا أنت استغفرك وأتوب إليك عملت سوء قال قلنا يا رسول الله ان هذه كلمات احدثتهن قال أجل جاءنى جبرئيل فقال يا محمد هن كفارات المجلس رواه النسائي واللفظ له وصححه الحاكم وأخرجه الطبراني فى المعاجم الثلاثة مختصرا بسند جيد وعن عبد الله ابن عمر بن العاص انه قال كلمات لا يتكلم بها أحد فى مجلس خبر ومجلس ذكر إلا ختم له بهن كما يتختم بالخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا أنت استغفرك وأتوب إليك رواه ابو داود
стр. 3728
وابن حبان فى صحيحه وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم الا كانت عليهم ترة ان شاء عذبهم وان شاء غفر لهم رواه ابو داود والترمذي وحسنه واللفظ له وابن ابى الدنيا والبيهقي وفى رواية ابى داود ومن قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليهم من الله ترة ومن اضطجع مضطجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة وما مشى أجد مشى لا يذكر الله فيه الا كان عليه ترة وقال ابن عباس معنى الاية صل الله حين تقوم من منامك وقال الضحاك والربيع إذا قمت الى الصلاة فقل سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك رواه ابو داود والترمذي ورواه ابن ماجة عن ابى سعيد وقال الترمذي هذا الحديث لا نعرفه الا من حارثة وقد تكلم فيه من قبل حفظه وقال الكلبي المراد بالآية الذكر باللسان حين تقوم من الفراش الى ان تدخل فى الصلاة عن عاصم بن حميد سالت عائشة باى شىء كان يفتتح رسول الله ﷺ إذا قام من الليل قالت كان إذا قام كبر الله عشرا وحمد الله عشرا وسبح الله عشرا واستغفر عشرا وقال اللهم اغفر لى واهدني وارزقني وعافنى ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة رواه البغوي ورواه ابو داود عن شريق الهوزلى عن عائشة بلفظ كان إذا ذهب من الليل كبر عشرا وحمد الله عشرا وقال سبحان الله وبحمده عشرا وقال سبحان الملك القدوس عشرا واستغفر عشرا وهلل عشرا ثم قال اللهم انى أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة عشرا.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ اى صل له قال مقاتل يعنى صلوة المغرب والعشاء قلت والظاهر انه صلوة التهجد خص صلوة الليل بالذكر لان العبادة فى الليل أشق على النفس وابعد عن الريا ولذلك قدم الظرف على الفعل- وَإِدْبارَ النُّجُومِ ع يعنى إذا أدبرت النجوم وغابت بطلوع الصبح وقال الضحاك المراد به صلوة الفجر وقال اكثر المفسرين المراد به ركعتان قبل صلوة الفجر عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها رواه المسلم وعنها قالت لم يكن النبي ﷺ أشد تعاهدا منه على ركعتا الفجر متفق عليه وعن جبير بن مطعم قال سمعت رسول الله ﷺ قرأ فى المغرب بالطور رواه البغوي.
стр. 3729
سورة النّجم
مكّيّة وهى اثنان وستّون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى قال ابن عباس فى رواية الوالبي والعوفى يعنى الثريا إذ أسقطت وهويه مغيبه والعرب يسمى الثريا نجما وجاء فى الحديث عن ابى هريرة مرفوعا ما طلع النجم قط وفى الأرض من العاهة شىء الا رفع وأراد بالنجم الثريا ذكره البغوي ورواه احمد بلفظ ما طلع النجم صباحا قط ويقوم عاهة الا ورفعت عنهم او خفت وسنده ضعيف- وقال مجاهد نجوم السماء كلها حين تغرب واللام للجنس سمى الكواكب نجما بطلوعه وكل طالع نجم يقال نجم السن والقران والسنة وروى عن عكرمة عن ابن عباس انه الرجوم من النجوم يعنى ما يرمى به الشياطين عن استراقهم السمع وقال ابو حمزة الثمالي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة وقال ابن عباس فى رواية عطاء المراد بالنجم القران فسمى نجما لانها نزلت نجوما متفرقة فى ثلثة وعشرين سنة يسمى التفريق تنجيما والمفرق منجما وقال الكلبي الهوى النزول من أعلى الى أسفل وقال الأخفش النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه قوله تعالى والنجم والشجر يسجد ان وهويه سقوط على الأرض وقال جعفر الصادق رض يعنى محمدا ﷺ إذا نزل من السماء ليلة المعراج والهوى النزول وقيل المراد بالنجم المسلم وبهويه دفنه فى القبر والظرف لا يجوز ان يكون متعلقا بفعل قسم مقدر لان القسم لا يتعدى بذلك الوقت ولا ان يكون الظرف صفة منجم لانه جثة وظرف الزمان لا يكون صفة للجثه بل هو متعلق بحدث مقدر مضاف الى النجم تقديره وتحرك النجم إذا هوى وقيل إذا هاهنا اسم وليس بظرف وهو بدل اشتمال من النجم مقسم به ووجه تعين هذا الوقت للقسم ان وقت الهوى أفضل اوقات النجم لانه ان كان المراد بالنجم الثريا او مطلق النجم فان أريد بهواه سقوط شعلة منه لرجم الشياطين- فلا شك ان رجم الشياطين مقصود من خلقة النجوم وان أريد به انتشاره يوم القيامة فذلك وقت إتمام المقاصد التي قصد بالنجوم وان أريد به غروبه فغروبه أوضح دليل على إمكانه ووجود صانعه ولذا استدل الخليل ﵇ بالأفول من الكواكب والقمر والشمس حيث قال فلما أفل لا أحب الآفلين وان أريد به نجم القران وبهويه نزوله او بالنجم محمد ﷺ وبهويه نزوله من السماء ليلة المعراج فلا شك ان نزول القران لهداية الناس ونزول محمد ﷺ بعد عروجه لهداية الخلق نعمة جليلة من الله تعالى لا نطير لهما وان أريد بالنجم المسلم
стр. 3730
وبهويه دفنه فى القبر فلا شك ان دفن المسلم مع إيمانه سالما عن تسويلات النفس والشيطان غانما بنعمة الايمان والأعمال الصالحة وقت كماله وزوال حظر زواله والله تعالى اعلم وجواب القسم.
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ محمد ﷺ عن طريق الهدى وَما غَوى ج فى اتباع طريق الباطل قيل الضلال ضد الهداية والغى ضد الرشد يعنى هو مهتد راشد وليس كما تزعمون يا معشر قريش وتنسبونه الى الضلال والغى.
وَما يَنْطِقُ بالقران ولا بغيره عطف على ما ضل عَنِ الْهَوى ط صفة لمصدر محذوف يعنى نطقا ناشيئا عن الهوى يعنى لم يتقول القران من تلقاء نفسه كما يتقول الشعراء وكذا كل ما يتكلم ليس منشاؤه الهوى النفسانية بل مستند الى الوحى جلى او خفى وان كان باجتهاد مامور من الله تعالى مقرر من الله عليه فهو ليس عن الهوى البتة.
إِنْ هُوَ الضمير راجع الى القران المعهود فى الدهن والمدلول فيما سبق من الكلام إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فليس فى هذه الاية ما يدل على انه ﷺ ما كان يتكلم بالاجتهاد والجملة تعليل بقوله ما ينطق.
عَلَّمَهُ يعنى محمدا ﷺ الضمير المنصوب مفعول أول لعلم والقران او ما يوحى اليه ﵇ مطلقا من حيث انه اسم لكلام تام قايم مقام مفعولية الثاني والثالث وفاعله شَدِيدُ الْقُوى جمع قوة والمراد به الله سبحانه القوى المتين.
ذُو مِرَّةٍ المرة القوة الشدة والاصالة والاحكام كذا فى القاموس والله سبحانه شديد البطش يحكم اصل كل شىء وجملة علمه مع ما عطف عليه حال من الضمير المستكن فى يوحى او صفة بعد صفة فَاسْتَوى عطف على علمه والاستواء من المتشابهات قال السلف فى قوله تعالى الرحمن على العرش استوى ان الاستواء معلوم بلا كيف وقال سهيل بن عبد الله التستري لا يجوز لمومن ان يقول كيف الاستواء لمن خلق الاستواء ولنا عليه الرضا والتسليم وقال مالك بن انس الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والسؤال عنه بدعة وحاصل الاية انه كان لله تعالى إذا علم محمدا ﷺ نسبته به ﵇ مجهول الكيفية كنسبته مع العرش المجيد والكعبة الحسناء وقد تظهر تلك النسبة للصوفية الكرام وتظهر على وجه أكمل منه يوم يرونه كما يرون القمر ليلة البدر.
وَهُوَ يعنى محمدا ﷺ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يعنى كان محمد ﷺ إذا يوحى اليه فى كمال رفعة استعداده وعلو مرتبته والأفق الناحية على منتهى دايرة الإمكان حيث يكون وراء ذلك دايرة الوجوب التي لا يتصور هناك للسالك سير قدمى والجملة حال من الضمير المنصوب فى علمه.
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
стр. 3731
بحذف المضافين ان كان مقدار قربه قاب قوسين او ادنى وجملة ثم دنى عطف على علمه قال البغوي روينافى قصة المعراج عن شريك بن عبد الله بن انس ودنى الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه ﷺ قاب قوسين او ادنى قال الشيخ محمد حيات السندي فى رسالته هذا حديث غريب ومثله عن ابن عباس رواه ابو سلمة عنه واو هاهنا ليس للشك بل بمعنى بل كما فى قوله تعالى وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ يعنى بل يزيدون قالت الصوفية العلية المراد بقوسين قوس الوجوب وقوس الإمكان فالصوفى فى مرتبة دنوه قاب قوسين يبقى فى نظره مرتبتى الوجوب والإمكان كلتيهما وفى دنوه أدنى من قوسين يستر عن بصيرته قوس الإمكان مطلقا لا يرى نفسه عينا ولا اثرا والقاب والقيبة والقاد والقيد عبارة عن المقدار وهاهنا كناية عن كمال القرب وأصله ان الحليفين من العرب كانا إذا أراد عقد الصفا والعهد خرجا بقوسيهما وألصقا بينهما يريدان بذلك انهما متظاهران يحامى كل واحد منهما عن صاحبه ومراتب الدنو والتدلي وما كنى بقاب قوسين او بما هو ادنى منه درجات قرب للعهد من الله تعالى فى تجلياته سبحانه يدركه الصوفي ومن لم يذق لم يدر وقد ذكروا هذه الدرجات فى كتب التصوف فى كلماتهم اكثر مما تحصى وقال الضحاك معناه دنى محمد من ربه فتدلى يعنى فاهوى للسجود وهذا يستلزم انتشار الضمائر.
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ
يعنى محمدا ﷺ ما أَوْحى
ط من القران وغيره من الوحى الغير المتلو وضمائر اوحى وعبده واوحى راجعة الى شديد القوى وهذا التفسير مروى عن انس وابن عباس وغيرهما من السلف ولا غبار عليه من حيث العربية وقالت عائشة رض واختاره اكثر المفسرين ان المراد بشديد القوى جبرئيل ﵇ ذو مرة قال ابن عباس فى رواية اى ذو منظر حسن وقال قتادة وخلق طويل حسن فاستوى جبرئيل وهو يعنى محمد ﷺ عطف على الضمير المرفوع المستتر فى استوى على ما اجازه الكوفيون قال البغوي استوى جبرئيل ومحمد ﵉ ليلة المعراج وقيل ضمير هو راجع الى جبرئيل كان يأتي رسول الله ﷺ فى صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين فساله رسول الله ﷺ ان يره نفسه على صورة التي خلقها فاراه مرتين فى الأرض ومرة فى السماء فاما فى الأرض ففى الأفق الأعلى والمراد بالأعلى جانب المشرق وذلك ان محمدا ﷺ كان بحراء فطلع له جبرئيل من المشرق فسد الأفق الى المغرب فخر رسول الله ﷺ مغشيا عليه فنزل جبرئيل فى صورة الآدميين وضمه ﷺ الى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه واما فى السماء فعند سدرة المنتهى ليلة المعراج ولم يره أحد من
стр. 3732
الأنبياء على تلك الصورة الا محمد ﷺ قوله تعالى ثُمَّ دَنا يعنى جبرئيل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى فنزل الى محمد ﷺ لما خرّ رسول الله ﷺ مغشيا عليه فكان منه قاب قوسين او ادنى يعنى بل ادنى والقوس ما يرمى به فى قول مجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس فاخبر انه كان بين جبرئيل وبين محمد ﷺ مقدار قوسين قال معناه حيث الوتر من القوس وقال ابن مسعود قاب قوسين قدر ذرا عين وهو قول سعيد بن جبير وشفيق بن سلمة والقوس الذراع يقاس بها كل شىء كذا روى البخاري فى تاويل الاية عن عائشة رض وقال البغوي وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة قيل فى الكلام تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى فدنى لان التدلي سبب الدنو والظاهر ان الدنو أعم مطلقا عن التدلي فان الدنو لا يقتضى وصول الشيء الى منتهى مسافة يريد قطعها الى تحت بخلاف التدلي فانه ماخوذ من الدلو فان التدلي وصول الدلو الى قعر البير وايضا يعتبر فى التدلي الوصول الى المنتهى مع بقاء تعلقه بالمبدأ يتال ادلى رجله من السرير وادلى دلوه والدوالي للثمر المعلق فاوحى جبرئيل الى عبده يعنى عبد الله وما اوحى الله اليه وهذا التأويل يأباه العربية والمعقول بوجوه أحدها ان قصة جبرئيل هذه حكاية حال والكلام فى ان القران ليس شيأ منها مما نطقه محمد ﷺ من تلقاء نفسه بل كله مما اوحى اليه من ربه وجملة شديد القوى مع ما عطف عليه من قوله فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى حال من الضمير المستكن فى قوله الا وحي يوحى وزمان الحال يتحد مع زمان صاحبه فمقتضى الكلام وقوع تلك القصة فى كل مرة اوحى اليه شىء من القران والا لا يجوز وقوعه حالا او لا يجوز القول بان القران كله كذلك ثانيها انه يلزم حينئذ انتشار الضمائر فى قوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
ورجوع ضمير عبده الى الله سبحانه قرينة لكونه ضميرا وحي راجعا الى الله تعالى ثالثها ان الدنو او التدلي من جبرئيل ﵇ وكونه قاب قوسين او ادنى ليس كما لا للنبى ﷺ فان النبي ﷺ كان أفضل من جبرئيل ﵇ قال رسول الله ﷺ وزير اى فى السماء جبرئيل وميكائيل ووجه القول بالتأويل الثاني انما هو استبعاد الاستواء والدنو والتدلي الى الله تعالى ولما كان القران ناطقا بان منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات فلا وجه للقول بهذا التأويل البعيد والاستواء والدنو والتدلي وكونه قاب قوسين او ادنى بلا كيف على ما يليق بالتنزيه مشهود لارباب القلوب كمشاهدة القمر ليلة البدر فالاوجه فى القول ما قالوا والله تعالى اعلم قال سعيد بن جبير فى قوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
انه اوحى اليه أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى الى قوله ورفعنا لك ذكرك
стр. 3733
وقيل اوحى اليه ان الجنة لحرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت وعلى
الأمم حتى يدخلها أمتك والظاهر أن ما اوحى عام ولا وجه للتخصيص.
ما كَذَبَ الْفُؤادُ اى فواد محمد ﷺ ما رَأى قال ابن مسعود راى محمد ﷺ جبرئيل له ستمائة جناح وكذا روى عن عائشة رض وأنكرت عائشة روية النبي ﷺ وبه روى البخاري عن مسروق قال قلت لعائشة يا أماه هل راى محمد ﷺ ربه فقالت لقد يقف شعرى مما قلت اين أنت من ثلث من حدثكهن فقد كذب من حدثك ان محمد راى ربه فقد كذب ثم قرأت لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا او من وراء الحجاب ومن حدثك انه يعلم ما فى غد فقد كذب ثم قرأت ما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ومن حدثك انه كتم شيأ من الوحى فقد كذب ثم قرأت يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك الاية ولكن راى جبرئيل فى صورته مرتين وقال ابن عباس ما كذب الفؤاد ما راى ولقد راه نزلة اخرى ان محمدا ﷺ راى ربه جل وعلى بفؤاده مرتين كذا روى مسلم عنه وفى رواية الترمذي قال ابن عباس راى محمد ربه قال عكرمة قلت أليس الله يقول لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وقال ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره وقد راى محمد ربه مرتين واخرج ابن جرير عن ابن عباس انه ﷺ سئل هل رايت ربك قال رايت بفؤادى وقال انس والحسن وعكرمة راى محمد ﷺ ربه يعنى بعينه قال البغوي قال عكرمة عن ابن عباس قال ان الله اصطفى ابراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد ﷺ بالروية وروى الترمذي عن الشعبي ان كعب الأحبار قال لابن عباس ان الله قسم رويته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين وراى محمد ﷺ مرتين قلت المراد بالروية المختلف فيها اما الروية بالبصر واما الروية القلبية المعبر عنها بالمشاهدة فغير مختص بالنبي ﷺ بل يتشرف اولياء أمته ﷺ ايضا وقد ادعى بعض الأولياء الروية البصرية وذلك خلاف اجماع فى حق غير النبي ﷺ وهذا الدعوى مبنى على الاشتباه ووجه الاشتباه ان الصوفي قد يرى ربه بقلبه وهو يقظان ويتعطل حينئذ بصره لكنه يزعم فى غلبة الحال انه يراه ببصره وانما هو يراه بقلبه وبصره معطل وقوله ﵇ رايته بفؤادى لو ثبت لا يدل على انفى الروية بالبصر الا بالمفهوم قلت وقول ابن مسعود وعائشة شهادة على النفي وشهادة الإثبات أرجح وما احتج به عائشة على نفى رويته ﷺ فلا يخفى ضعفه واما قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فقد ذكرنا فى تفسير تلك الاية فى سورة الانعام ان الدرك أخص من الروية
стр. 3734
ونفى الدرك لا يستلزم نفى الروية قال الله تعالى فلما تراء الجمعان قال اصحاب موسى انا لمدركون قال كلا ان معى ربى وايضا مفهوم الاية سلب عموم الدرك لا عموم سلب الدرك واما قوله ما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا او من وراء حجاب ترديد بين الوحى من وراء الحجاب والوحى بلا حجاب فلا استدلال به والله تعالى اعلم وروى مسلم عن ابى ذر قال سالت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك قال نورانى أراه انى بفتح الهمزة للاستفهام يعنى كيف أراه وفى بعض الروايات نورانى منسوب الى النور أراه فعلى الرواية الثانية يثبت الروية وعلى الرواية الاولى ليس الحديث صريحا فى نفى الروية مطلقا قلت وبعد ثبوت روية ﷺ ربه بالعين كما يدل عليه حديث ابن عباس وكعب ايضا ان المراد بالروية فى الاية الروية القلبية فانها هى المتصورة عند كل وحي يوحى اليه دون الروية البصرية فانها مختصة بليلة المعراج قرأ ابو جعفر وهشام عن ابى عباس كذب بتشديد الذال من التكذيب يعنى ما كذب قلب محمد ﷺ ما راى بعينه او بقلبه بل صدقه وايقنه وهو حققه فان الأمور القدسية تدرك او لا بالقلب ثم ينتقل منه الى البصر والبصيرة فان ابصر مثل ما أدرك بالقلب وان قصر بصره او بصيرته عما أدركه القلب وراى بخلافه كذبه وهذا هو المصداق الفارق بين العلوم الحقة الفائضة من الرحمن وبين الخيالات الوهمية وملتبسات الشيطانية فان الصوفي قد يلتبس عنده العلوم والإلهامات والمكاشفات القدسية المفاضة عليه من الله سبحانه بما يتخيله الوهم والخيال وبما القى
الشيطان فى أمنيته والفارق بينهما ان يرجع الصوفي الى قلبه فان صدقه قلبه واطمأن به ورأى فى قلبه منه برد اليقين علم انه من الله سبحانه وان كذبه قلبه واضطرب عنده وابى عرف انه من النفس او الشيطان قال رسول الله ﷺ إذا جاءك فى صدرك شىء فدعه رواه احمد عن ابى امامة او قال ﵇ استفت قلبك وان أفتاك المفتون وقرأ الجمهور بتخفيف الذال والكذب يجىء متعديا بمعنى كذب له ومجازه ما كذب الفؤاد لمحمد ﷺ فيما راى يعنى أخبره على ما فى نفس الأمر فان قيل هذه الاية يقتضى ان تصديق القلب يغاير روية القلب قلنا نعم وتحقيق المقام ان قلب المؤمن يدرك الله سبحانه وصفاته يمعية ذاتية غير متكيفة مترتبة على محبة ذاتية غير متكيفة ولا يراه بل روية مقتصرة على مراتب الظلال بل القلب لا يرى شيئا من ذوات الممكنات ايضا فان حصول الأشياء فى الأذهان انما هى باشباهها وظلالها لا بانفسها وما يرى ذات شىء مما يراه الا يتوسط الباصرة فروية الله سبحانه تيسير للمومنين فى الاخرة بتوسط الحاسة لا فى الدنيا الا ما ذكرنا من الخلاف فى حق النبي ﷺ خاصة ودركه تعالى مختص بالقلوب دون الابصار فانه تعالى لا تدركه الابصار
стр. 3735
لا فى الدنيا ولا فى الاخرة فروية القلب سواء كانت بتوسط البصر او بلا توسط قد يعتبر به الغلط بتخليط الوهم او تلبيس الشيطان او زيغ البصر وطغيانه عما يراه واما دركه البسيط فلا يعتبر به شىء من ذلك ويتفرع عليه الاطمينان بالحق وتصديقه والإباء عن الباطل وتكذيبه والله تعالى اعلم بحقيقة الحال.
أَفَتُمارُونَهُ معطوف على محذوف قرأ حمزة والكسائي أفتمارونه على وزن تدعونه بمعنى تغلبونه فى المرأ يقال ماريته فمريته بمعنى حادلته فغلبته وعلى هذا التقدير الكلام أتمارونه فتمرونه عَلى ما يَرى عدى بعلى لان الفعل بمعنى الغلبة وقيل تمرون تجحدون يقال مريت الرجل حقه يعنى جحدته والمعنى أتجادلون محمدا فتحجدون صدقه على ما يرى والتعدية بعلى حينئذ ايضا لتضمن الفعل مع الغلبة فان المجادل والجاحد يقصدان يفعلهما للغلبة على الخصم وقرأ جمهور القراء أفتمارونه من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة اى استخرج لبنها فان كلا من المتجادلين بمرى ما عند صاحبه يستخرجه وتقدير الكلام حينئذ تنكرون قول محمد فتمارونه عن ما يرى والاستفهام للتوبيخ والإنكار يعنى لا ينبغى....... الإنكار والجدال فيما يدعى محمد ﷺ رويته وأورد صيغة المضارع استحضارا للحال الماضي وحكاية عنه وجاز ان يراد به التوبيخ على انكار كل ما أراه محمد ﷺ فى الحال او الاستقبال-.
وَلَقَدْ رَآهُ يعنى والله لقد راى محمد ﷺ ربه جل وعلا او جبرئيل على صورته التي خلق عليها على اختلاف القولين المذكورين نَزْلَةً فعلة من النزول كجلسة من الجلوس منصوب على الظرفية من راه تقديره وقت نزلة اخرى او على المصدرية تقديره نازلا نزلة اخرى وفى إيراد نزلة اشعار بان الروية فى هذه المرة كانت ايضا بالنزول والدنو فان روية البشر الممكن الواجب جل سلطانه انما يتصور إذا كان البشر الرائي فى الأفق الأعلى والدرجة الانس من درجات الإمكان والله تعالى يتنزل من مراتب التنزيه الى نوع من درجات التشبيه فيرى من وراء حجب الظلال او الصفات ولا يذهب عليك من مقالتى هذا حدوث امر فى جانبه تعالى ذلك علوا كبيرا بل النزول والعروج كلها فى مرتبة العلم يظهر بحدوث صفاء فى مراة قلب المتجلى له وقد مر البحث عن مثله فى سورة البقر فى تفسير قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ أُخْرى هذا يدل على تعدد الروية ولا يدل على الانحصار فى المرتين فما روى عن ابن عباس وكعب الأحبار انه راى ربه مرتين محمول على بيان ادنى ما يتصور فيه التعدد وهذه الاية حكاية عن روية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج.
стр. 3736
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى والظاهران ما حكى عن ابن عباس وكعب رويته ﷺ ربه بعينه هو هذه الروية وقوله عند سدرة المنتهى ظرف متعلق يراه او اضافة السدر الى المنتهى اضافة موصوف الى صفة نحو جانب الغرب ومسجد الجامع اجازه الكوفيون وتأويله عند البصريين سدرة المكان منتهى وجعل المنتهى صفة لها لانه ينتهى إليها ما يعرج به من الأرض فيقبض منها ويهبط به من فوقها فيقبض منها وينتهى إليها علم الخلائق وما خلقها غيب ويدل عليه ما يورد عليك من حديث ابن مسعود وكعب (قصة المعراج) فى الصحيحين عن انس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ قال بينما انا فى الحطيم مضطجعا إذا تأنى ات فشق بين هذه وهذه يعنى من ثغرة نحره الى شعرته فاستخرج قلبى ثم أتيت بطست من ذهب مملو ايمانا فغسل قلبى ثم حشى ثم أعيد وفى رواية ثم غسل البطن بماء زمزم ثم صلى ايمانا وحكمة ثم أتيت بداية دون البغل وفوق الحمار يقال له البراق ليضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبرئيل حتى اتى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا قال جبرئيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسلت اليه قال نعم قيل مرحبايه فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فاذا فيها آدم فقال هذا أبوك وآدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالا بن الصالح ثم صعد بي حتى اتى السماء الثانية فاستفتح فذكر نحو ما ذكر فى السماء الدنيا وكذا ذكر كل السماء قال فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال هذا يحيى وهذا عيسى فسلم فسلمت عليهما فردا ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وذكر فى السماء الثالثة يوسف وفى الرابعة إدريس وفى الخامسة هارون وفى السادسة موسى كل قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال ﵇ فلما جاوزت بكى يعنى موسى قيل له ما يبكيك قال ابكى لان غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته اكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي الى السماء السابعة فذكر الاستفتاح وغير ذلك نحو ما مرو ذكر هناك ابراهيم قال جبرئيل هذا أبوك ابراهيم فسلم عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح ثم رفعت الى سدرة المنتهى فاذا نبقها مثل قلال هجروا ذا ورقها مثل أذان القيلة قال هذه سدرة المنتهى فاذا اربعة انهار نهران باطنان ونهران ظاهران قلت ما هذا يا جبرئيل قال اما الباطنان فنهران فى الجنة واما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع بي الى البيت المعمور ثم أتيت باناء من خمر واناء من لبن واناء من عسل فاخذت اللبن فقال هى الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علىّ
стр. 3737
الصلاة خمسين صلوة كل يوم فرجعت ومررت على موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمسين صلوة كل يوم قال ان أمتك لا تستطيع خمسين صلوة كل يوم وانى والله قد جربت الناس قبلك عالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فاسئله التخفيف لامتك فرجعت فوضع عنى عشرا فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عنى عشرا فرجعت الى موسى فقال مثله فامرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فامرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت الى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال ان أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وانى قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فاسئله التخفيف لامتك قلت سالت ربى حتى استحييت ولكنى ارضى واسلم قال فلما جاوزت نادى منادى أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى وروى مسلم عن ثابت البناني عن انس ان رسول الله ﷺ قال أتيت بالبراق وهو دابة ابيض طويل فوق الحمار دون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء وقال ابن جرير عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ لما انتهينا الى بيت المقدس قال جبرئيل بإصبعه فخرق بها الحجر وشد به البراق قال رسول الله ﷺ ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرج فجاءنى جبرئيل باناء من خمر واناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبرئيل اخترت الفطرة ثم عرج بنا الى السماء وساق مثل معنى ما ذكر من الحديث قال فاذا انا بآدم فرحب بي ودعا بي بخير وقال فى السماء الثالثة فاذا
انا بيوسف إذا هو قد اعطى شطر الحسن فرحب بي ودعا بي بخير ولم يذكر بكاء موسى وقال فى السماء السابعة فاذا انا بإبراهيم مسند أظهره الى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون اليه وفى رواية قال جبرئيل هذا البيت المعمور يصلى فيه كل يوم سبعون الف ملك إذا خرجوا لا يعودوا اخر ما عليهم ثم ذهب بي الى السدرة المنتهى فاذا اورقها كاذان القبلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشّها من امر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع ان ينعتها من حسنها واوحى الى ما اوحى ففرض علىّ خمسين صلوة فى كل يوم وليلة فنزلت الى موسى قال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلوة فى كل يوم وليلة قال ارجع الى ربك فسئله التخفيف فان أمتك لا يطيق ذلك فانى بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت الى ربى فقلت يا رب خفف عن أمتي فحط عنى خمسا فرجعت الى موسى فقلت حط عنى خمسا قال ان أمتك لا تطيق ذلك فارجع الى ربك فسئله التخفيف قال فلم ازل ارجع بين ربى وبين موسى حتى قال يا محمد انهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلوة عشر فلذلك خمسون من عمّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فان
стр. 3738
عمل بها كتبت له عشرا من همّ بسيئه فلم يعملها لم يكتب له بشى فان عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتهيت الى موسى فاخبرته فقال ارجع الى ربك فسئله التخفيف فقال رسول الله ﷺ فقلت قد رجعت الى ربى حتى استحييت منه وفى الصحيحين عن ابن عباس عن ابى ذر يحدث عن النبي ﷺ فقال ففرج عنى سقف بيتي وانا بمكة فذكر شق الصدر نحو ما ذكر ولم يذكر البراق قال ثم أخذ بيدي فعرج بي الى السماء فلما جئت الى السماء الدنيا فقال جبرئيل لخازن السماء افتح فذكر نحوه فلما فتح علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه اسودة وعلى يساره اسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبرئيل من هذا قال هذا آدم وهذه الاسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فاهل اليمين منهم اهل الجنة والاسودة التي عن شماله اهل النار فاذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى فذكر انه وجد فى السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وابراهيم ولم يثبت كيف منازلهم غير انه قال وجد آدم فى السماء الدنيا وابراهيم فى السادسة قال ابن شهاب فاخبرنى ابن حزم ان ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان قال النبي ﷺ ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى اسمع فيه صريف الأقلام وقال ابن حزم وانس ففرض الله على أمتي خمسين صلوة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى قال ما فرض الله لك قلت خمسين صلوة قال فارجع الى ربك فان أمتك لا يطيق فراجعنى فوضع شطرها فرجعت الى موسى فقلت وضع الله شطرها فقال ارجع الى ربك فان أمتك لا يطيق فراجعته فقال هى خمس وهى خمسون لا يبدل القول لدىّ فرجعت الى موسى فقال راجع ربك فقلت استحييت من ربى فانطلق بي حتى انتهى بي الى السدرة وغشيها ألوان لا أدرى ما هى ثم ادخلت الجنة فاذا فيها جنابذا اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وروى معمر عن قتادة عن انس ان النبي صلى الله عليه واله وسلم اتى البراق ليلة اسرى به مسرجا ملجما فاصعب عليه فقال جبرئيل أبمحمد تفعل هذا فما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفض عرقا وروى مسلم عن ابن مسعود قال لما اسرى برسول الله ﷺ انتهى به الى السدرة المنتهى وهى فى السماء السادسة إليها ينتهى ما يعرج بها من الأرض فيفيض منها وإليها ينتهى ما يهبط به من فوقها فيقبض منها وذكر البغوي انه قال هلال بن يسار سال ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وانا حاضر فقال انها سدرة فى اصل العرش وإليها ينتهى علم الخلائق وما خلقها غيب لا يعلمه الا الله قلت ومعنى قوله إليها ينتهى علم الخلائق يعنى ان بعض المخلوقات اعنى الملائكة يحضرون الى سدرة المنتهى
стр. 3739
ولا يتجاوزها أحد من الخلائق فما ورائها غيب من كل وجه واما سدرة المنتهى فهى وان كان غيبا بالنسبة الى البشر
فليس يغيب بالنسبة الى بعض الملائكة وروى البغوي بسنده عن اسماء بنت ابى بكر قالت سمعت النبي ﷺ يدكر سدرة المنتهى قال يسير الراكب فى ظل الغصن مائة عام ويستظل فى الغصن منها ماية الف راكب فيها فراش من ذهب كان ثمرها القلال وقال مقاتل هى شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار وجميع الألوان لوان ورقة منها وضعت فى الأرض أضاءت لاهل الأرض وهى طوبى التي ذكرها الله فى سورة الرعد.
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ط واضافة جنة الى المأوى ايضا من قبيل اضافة الموصوف الى الصفة جوزها الكوفيون ويؤله البصريون بجنة المكان المأوى قال عطاء عن ابن عباس معناه جنة يأوي إليها جبرئيل والملائكة وقال مقاتل والكلبي فاوى إليها أرواح الشهداء وجنة المأوى مبتدا او فاعل للظرف والجملة صفة لسدرة ان كانت الاضافة للعهد الذهني فى قوة النكرة والا فهى حال عنها.
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى الظرف متعلق يراه الموصول مع الصلة فاعل يغشى استعمال الموصول للتفخيم وصيغة المضارع بمعنى الماضي والمعنى غشيها ما لا يستطيع أحد ان ينعبتها لحسنها او لكثرة عددها او لعدم درك كنهها وقد مر فى حديث المعراج عن انس فلما غشيتها من امر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق يستطيع ان ينعتها من حسنها وروى مسلم عن ابن مسعود قال إذ يغشى السدرة ما يغشى قال فراش من ذهب وكذا ذكر البغوي قول ابن عباس قال البغوي عن الحسن قال غشيتها نور رب العزت فاستنارت قلت لعل نور رب العزة كعزة كنى عنها بفراش من ذهب وقال مقاتل تغشيها الملائكة أمثال الغربان- وقال السدى من الطيور وروى عن ابى العالية عن ابى هريرة رض او غيره قال غشيتها نور الخلائق وغشيها الملائكة من حب الله أمثال الغربان حتى يقعن على الشجر قلت ولا منافات بين تغشية نور رب العزة وتغشية الملائكة فان تغشية الملائكة انما هى لأجل تغشية نور رب العزة كما يدل عليه قوله غشيها من الملائكة من حب الله أمثال الغربان وتغشية النور من قبيل التجليات النورية والله تعالى اعلم قال البغوي يروى فى الحديث رايت على كل ورقة منها ملكا قايما يسبح الله تعالى.
ما زاغَ الْبَصَرُ يعنى ما مال بصر النبي ﷺ يمينا ولا شمالا وما أخطى فى النظر بل أثبته اثباتا صحيحا وَما طَغى اى ما جاوز عن الجيوب؟؟؟ الى يثيره اه من العشق وحالاته احرق قلبى بحراراته ما نظر العين الى غيركم اقسم بالله وآياته قيل معناه ما عدل عن روية العجائب التي امر برويتها-.
لَقَدْ رَأى
стр. 3740
اى لقد راى محمد ﷺ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى مفعول لراى ومن ايت ربه حال منه مقدم عليه ومن للتبعيض يعنى والله لقد راى محمد الكبرى من آيات ربه وجاز ان يكون من زائدة وآيات ربه مفعول به الكبرى صفة لها وجاز ان يكون المفعول محذوفا تقديره لقد راى شيئا من آيات ربه الكبرى والمراد بالآيات العجائب الملكوتية التي راى ها فى ليلة المعراج فى مسيره وعوده من البراق والسموات والأنبياء والملائكة والسدرة المنتهى وجنة المأوى- روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال لقد راى من آيات ربه الكبرى قال راى جبرئيل فى صورته له ستمائة جناح وروى البخاري عنه لقد راى من آيات ربه الكبرى قال راى رفر فاخضر اسد الأفق وانما وصف تلك الآيات بالكبرى لتجليات مخصوصة فى تلك الآيات وكونها مهبط الرحمة والبركة والأفكل ممكن اية كبرى على وجود صانعه ودليل واضح مكتفى لا يحقر منها شىء قال الله تعالى ان الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له فان قيل هذه الاية تؤيد قول من قال ان النبي ﷺ انما راى مرتين جبرئيل ﵇ دون الله سبحانه لان روية الآيات غير روية الذات قلنا روية الآيات لا ينافى روية الذات بل الآيات قد ينجلى فيه الذات كما ان الشمس يتجلى فى المرآة فان قيل قد ذكرت فى تفسير قوله تعالى ما طَغى يعنى ما جاوز بصره عن المحبوب الى غيره فكيف يتصور روية الآيات قلنا المقصود من روية الآيات انما هى الذات ومن ثم تكون الآيات مرأة للذات فحين راى الآيات جاوز نظره عنها الى الذات وحين راى الذات لم يتجاوز عنه الى غيره أصلا- (مسئلة) اجمع المؤمنون من اهل السنة والجماعة ان معراجه ﷺ فى اليقظة حق فقيل مسراه ﷺ من المسجد الحرام الى الأقصى قطعى ثابت بقوله تعالى سبحانه الذي اسرى بعبده الاية فيكفر جاحده واما معراجه الى السماء السابعة وما فوقها فثبت بأحاديث صحاح فيفسق جاحده ولا يكفر والصحيح ان معراجه ﷺ الى السدرة المنتهى قطعى ثابت بهذه الاية يكفر جاحده فان قيل ما رواه الشيخان فى الصحيحين عن شريك بن عبد الله قال سمعت انس بن مالك يقول ليلة اسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة انه جاء ثلثة نفر قبل ان يوحى اليه وهو نائم فى المسجد الحرام وساق حديث المعراج بقصته قال فاذا هو فى السماء الدنيا بنهرين يطروان قال هذا النيل والفرات ثم مضى به فى السماء فاذا هو بنهر أخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فاذا هو مسك ازفر قال ما هذا يا جبرئيل قال هذا الكوثر الذي هيّا لك ربك وساق الحديث
стр. 3741
وقال ثم عرج بي الى السماء السابعة وقال قال موسى رب لم أظن ان يرفع على أحد ثم علابه فوق ذلك بمالا يعلمه الا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين او ادنى فاوحى اليه ما اوحى اوحى الله خمسين صلوة كل يوم وليلة قال فلم يزل يردده موسى الى ربه حتى صارت الى خمس صلوات ثم أجبته موسى عند الخمس فقال يا محمد والله لقد راودت بنى إسرائيل قومى على ادنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه فامتك أضعف أجساد او قلوبا وأبدانا وابصارا وسماعا فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتقت النبي ﷺ الى جبرئيل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبرئيل فرفعه عند الخامسة فقال يا رب ان أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم فخفف عنا فقال الجبار يا محمد فقال لبيك وسعديك قال انه لا يبدل القول لدى كما فرضت عليك فى أم الكتب فكل حسنة بعشر أمثالها فهى خمسون فى أم الكتاب وهى خمس عليك فقال موسى ارجع الى ربك فسئله فليخفف عنك ايضا قال رسول الله ﷺ قد والله استحييت من ربى مما اختلف اليه قال فاهبط باسم الله فاستيقظ وهو فى المسجد الحرام هذا لفظ البخاري ورواه مسلم مختصرا يدل على كون المعراج فى المنام قلنا طعن بعض اهل الحديث على هذا الحديث وقالوا وجدنا لمحمد بن اسمعيل ولمسلم فى كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا الا هذا وأحال الآفة فيه الى شريك بن عبد الله وذلك انه ذكر فيه ان ذلك قبل ان يوحى اليه واتفق اهل العلم على
ان المعراج كان بعد الوحى بنحو من اثنى عشر سنة قبل الهجرة بسنة وقال بعض اهل الحديث ان هذا كان رويا فى المنام أراه قبل الوحى وهو فى المسجد الحرام ثم عرج به فى اليقظة بعد الوحى قبل الهجرة تحقيقا لرؤياه من قبل كما انه راى فتح مكة فى المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل قوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق والله تعالى اعلم ولما ذكر الله سبحانه روية النبي ﷺ ربه وآيات ربه وتعلمه ﷺ منه تعالى وتصديق قلبه اردفه بذلك تقبيح الكفار بقصر نظرهم على مجازه لا حقيقة لها فقال.
أَفَرَأَيْتُمُ الاستفهام للانكار والتوبيخ والفاء للعطف على محذوف تقديره انظر تم ما تعبدونه فرايتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى هذه اسماء أصنام اتخذوها الهة يعبدونها ويزعمون الملائكة بنات الله ويزعمون الأصنام هياكل الملائكة ويقولون الأصنام استوطنها جنيات هن بنات الله واشتقوا لها اسماء من اسماء الله تعالى فاشتقوا من الله اللات ومن العزيز العزى تأنيث الأعز وقيل اللات أصله لوية على وزن فعلة
стр. 3742
من لوى يلوى لانهم كانوا يلوون عليها اى يطوفون حولها قلبت الواو الفا وحذفت الياء على خلاف قياس ووضعت تاء التأنيث مكانها فكتبت طويلا قرأ ابن عباس ومجاهد وابو صالح ورويس بتشديد التاء على انه سمى به لانه صورة رجل كان يلت السويق بالسمن ويطعم الحاج فلما مات كانوا عكرنا على قبره ثم كانوا يعبدونه وقال قتادة كانت اللات صنما لثقيف بالطائف وقال ابن زيد كانت بيت بنخلة تعبده قريش واما العزى قال مجاهد هى شجرة بغطفان كانوا يعبدونها وقال ابن إسحاق كانت بيتا بنخلة وكانت سدنتها وحجابها بنى شيبان حلفاء بنى هاشم كانت أعظم أصنام قريش وجميع كنانة كان عمرو بن لحى قد أخبرهم ان الرب يشتى بالطائف عند اللات ويصيف بالعزى فعظموهما وبنوالهما بيتا وكانوا يهدون اليه كما يهدون الى الكعبة وروى البيهقي عن ابى الطفيل بعث رسول الله ﷺ يوم فتح مكة خالد بن وليد فاتاها خالد فقطع السمرات وهدمها ثم رجع الى رسول الله ﷺ فقال هل رايت شيئا قال لا قال فانك لم تهدمها فرجع خالد وهو مستيقظ فلما رات السدنة خالدا انبعثوا فى الحيل وهم يقولون يا عزى خليه يا عزى عوربه والا فموتى برغم فخرجت اليه سوداء عريانة ناشرة الراس تحثوا لتراب على راسها ووجهها فجرد سيفه وهو يقول كفرانك لا سبحانك انى رايت الله قد أهانك فضربها بالسيف فخبر بها باثنين ثم رجع الى رسول الله ﷺ فاخبره قال نعم تلك العزى قد يئست ان تعبد ببلدكم ابدا وقال الضحاك هى صنم بغطفان وضعها سعد بن ظالم الغطفاني وذلك انه قدم مكة فراى صفا والمروة وراى اهل مكة يطوفون بينهما فعاد الى بطن نخلة وقال لقومه ان لاهل مكة الصفا والمروة وليست لكم ولهم اله يعبدونه وليس لكم قالوا فما تأمرنا قال انا اصنع لكم كذلك فاخذ حجرا من الصفا وحجرا من المروة نقلها الى النخلة فوضع الذي أخذ من الصفا فقال هذا الصفا ثم وضع الذي أخذ من المروة فقال هذه المروة ثم أخذ ثلثة أحجار فاسندها الى شجرة فقال هذا ربكم فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة حتى افتتح رسول الله ﷺ مكة فامر برفع الحجارة وبعث خالد بن الوليد الى العزى فقطعها.
وَمَناةَ قرأ ابن كثير بمد وهمزة على انه مفعلة من النوع كانهم يستمطرون الأنواع عندها تبركا بها أصله منواة قلبت الواو الفا بعد نقل حركتها الى ما قبلها والباقون بلا مد وهمزة فهى فعلة من مناة إذا قطعه فانهم كانوا يذبحون عندها القرابين قال قتادة هى لخزاعة كانت بقديد وقالت عائشة رض فى الأنصار كانوا يهلون لمناة
стр. 3743
وكانت حذو؟؟؟ قديد وقال ابن زيد بيت كان ما لمشلل تعبده بنو كعب وقال الضحاك صنم لهذيل وخزاعة يعبدها اهل مكة وقال بعضهم اللات والعزى ومناة كانت فى جوف الكعبة يعبدونها ذكر محمد بن يوسف الصالحي فى سبيل الرشاد انه بعث رسول الله ﷺ حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي الى مناة وهو بالمشلل وهو الجبل الذي يهبط منه الى قديد لست بقين من رمضان فى فتح مكة وكانت مناة للاوس والخزرج وغسان فخرج سعد فى عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن فقال السادن ما تريد قال هدم مناة قال وأنت ذاك فاقبل سعد يمشى إليها ويخرج امراة عريانة سوداء ثائرة الراس تدعوا بالويل وتضرب صدرها فقال السادن مناة دونك بعض غضبانك ويضربها سعد بن زيد الاشهيلى فقتلها ويقبل الى الصنم معه أصحابه فهدموه اختلف القراء فى الوقف على اللات ومناة فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء وقال بعضهم ما كتب فى المصحف بالتاء يعنى اللات يوقف بالتاء وما كتب بالهاء يعنى مناة يوقف عليه بالهاء الثَّالِثَةَ صفة لمناة اى الثالثة للصنمين المذكورين الْأُخْرى صفة لمناة بعد صفة للتاكيد او الاخرى من التأخير فى الرتبة واللات والعزى ومناة منصوبان على انها مفعول أول لرأيتم ومفعوله الثاني محذوف تقديره انظر تم ما تعبدونه فرأيتم اللات والعزى ومناة بنات الله تعالى البتة مستحقة للعبادة يعنى ليس كذلك والله تعالى اعلم قال الكلبي كان المشركون بمكة يقولون الأصنام والملائكة بنات الله وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره فقال الله تعالى منكرا عليهم.
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى قال ابن عباس وقتادة اى قسمة جايرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لانفسكم وقال مجاهد ومقاتل اى قسمة عوجا وقال الحسن غير معتدل قرأ ابن كثير ضئزى بالهمزة من ضئزة إذا ظلمه على انه مصدر لعت به مبالغة يعنى قسمة ظالمة والباقون بالياء قال الكسائي يقال ضاز يضيز ضازا وضاز يضوز ضوزا وضاز يضاز ضازا إذا ظلم ونقض قلت ليس هذا ضاز ويضوز بل هو يائي من ضاز يضير على وزن باع يبيع او ضاز يضاز على وزن نال ينال واصل ضيزى فعلى بضم الفاء لانها صفة والصفات لا تكون الأعلى فعلى بضم الفاء كحبلى وأنثى او فعلى بفتح الفاء نحو غضبى وسكرى وعطشى وليس فى كلام العرب فعلى بكسر الفاء فى النعوت وانما يكون فى الأسماء كذكرى وشعرى وانما كسر الضاد هاهنا لئلا يتقلب الياء واوا فيلتبس بناءه كذا قالوا فى جمع الأبيض بيض والأصل بضم الفاء مثل حمر وصفر.
стр. 3744
إِنْ هِيَ الضمير للاصنام فان كان المراد بالأصنام اجرام الحجارة فالمعنى ما تلك الحجارة باعتبار الالوهية شيئا مستحقا للالوهية إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ط جملة سميتموها إلخ وجملة ما انزل الله صفتان لاسماء والضمير للاصنام مبتداء والمستثنى المفرغ خبره والمعنى ما تلك الحجارة الهة الا الهة اسمية باصطلاحكم من غير داع اليه وما جعل الله على الوهيتها واستحقاقها للعبادة حجة وجاز ان يكون الضمير للاصنام باعتبار ما يدعى الكفار انها حقائق ملكيته او غير ذلك حالة فتلك الأصنام وهى بنات الله وشفعاء فالمعنى ما هى شيئا فى الواقع الا اسماء بلا مسمى تخيلتم وجودها وسميتموها بأسماء مثل اللات والعزى وبنات الله وشفعاء وحالة فى الأصنام ما انزل الله على وجودها برهانا وجاز ان يكون الضمير راجعا الى الأسماء المذكورة والمعنى ليست الأسماء المذكورة من اللات والعزى شيا الا اسماء مجعولة لكم من غير استحقاق ومنشأ انتزاع فانهم يطلقون اللات باعتبار استحقاقها الالوهية والعكوف عليها والعزى بعزتها ومناة لاستحقاقها التقرب إليها بالقرابين وجاز ان الضمير راجعا الى الصفة التي يصفونها بها من كونها الهة وبنات الله وشفعاء يعنى ليست تلك الصفات التي تصفونها بها الا اسماء من غير حقيقة وصدق فى نفس الأمر إِنْ يَتَّبِعُونَ اى الكفار فى تسميتها إِلَّا الظَّنَّ الحاصل بتقليد الآباء من غير دليل صحيح او المعنى الا توهما بإطلاق وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ج يعنى فاتشتهيه أنفسهم الجملة بيان او بدل من قول ما انزل الله بها من سلطن فيه التفات من الخطاب الى الغيبة واشارة الى ترك مخاطبة هولاء السفهاء كما يصرح فيما بعد بقوله فاعرض عمن تولى وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى اى ما يهتدى به الى الحق القطعي يعنى الرسول والكتاب فلم يتبعوه وتركوه والجملة معترضة.
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى أم منقطعة ومعنى بل فيه للابتداء ومعنى الهمزة للانكار يعنى ليس للانسان كل ما يتمناه والمراد نفى طمعهم فى شفاعة الأصنام وقولهم لئن رجعت الى ربى ان لى عنده للحسنى وقولهم لولا نزل هذا القران على رجل من القريتين عظيم ونحوها.
فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ع الفاء للسببية والجملة تعليل للنفى المفهوم مما سبق يعنى ليس للانسان كل ما يتمناه بان الدار الاخرة والدار الاولى كل واحدة منهما مملوكة لله مختص به يعطيهما من يشاء ويمنعهما ممن يشاء لادخل فى منعه وإعطائه لتمنى متمن ولا لشىء اخر
стр. 3745
غير إرادته تعالى.
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ كاين فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً من الغناء ولا ينفع فى حين من الأحيان إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فى الشفاعة لِمَنْ يَشاءُ من الملائكة ان يشفع او من الناس ان يشفع له وَيَرْضى بشفاعة له مع كونهم عباد الله المكرمين المقربين فكيف يرجون هؤلاء شفاعة الأصنام والاية رد لقولهم هؤلاء شفعاءنا عند الله وقال البغوي معناه كم من ملك فى السموات ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعتهم عند الله يعنى شفاعتهم.
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعنى كفار مكة والتعبير بالموصول لبيان جهلهم لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ اى كل واحد منهم تَسْمِيَةَ الْأُنْثى حيث يقولون انها بنات الله لما كان هذا القول فى غاية الاستبعاد وجريا بالإنكار أورد الكلام بالاستيناف والتأكيد بان واللام جريا للسامع مجرى المنكر.
وَما لَهُمْ بِهِ اى بهذا القول مِنْ عِلْمٍ ط الجملة حال من فاعل يسمون إِنْ يَتَّبِعُونَ اى لهؤلاء الكفار الجهال إِلَّا الظَّنَّ ج الحاصل بالتقليد او التوهم الباطل من غير دليل وهذه الجملة بيان وتأكيد لقوله ومالهم به من علم وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ج اما منصوب على المصدرية ومن الحق ظرف لغو متعلق بلا يغنى واما منصوب على المفعولية ومن الحق حال منه والمراد بالحق العلم لانه عبارة عن الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع والواقع هو الحق والمعنى ان الظن لا يغنى من العلم شيئا من الغناء او لا يفيد شيئا من العلم يعنى لا يقوم الظن الحاصل بالتقليد ونحوه مقام العلم الحاصل بدليل قطعى سمعى او عقلى فلا يجوز للعاقل اتباع الظن بل يجب طلب اليقين والجملة معترضة لتقبيح الكفار فى اتباع الظن ولما كان صلابتهم فى اتباع الظن والتقليد امارة انكارهم لهذه الجملة أورد هذه الجملة بالتاكيد فان قيل جاز فى الشرع اتباع الظن فى العمليات وغالبا مسائل الفقه مستنبطة من الادلة الظنية وايضا ثبت بأحاديث الآحاد ونحو ذلك كثير من القصص الماضية وتفاصيل نعم الجنة وعذاب جهنم وتفاصيل اخبار يوم المعاد فلو كان الظن لا يفيد شيئا من العلم لكان تعليمها عبثا ولا يجوز القول بها ولا العمل بالفقه والاعتقاد بها- قلنا معنى هذه الاية انه لا يجوز اتباع الظن فيما يعارضه العلم الحاصل بدليل قطعى وان الظن لا يفيد فائدة العلم إذ لا شك ان الأضعف لا يصادم الا قوى فمقتضى هذه الاية ان العقائد الحقة الثابتة بالادلة القطعية العقلية او الآيات المحكمات والاخبار المتواترات السمعية لا يجوز تركها باتباع الظن
стр. 3746
ويجب ما أمكن تحصيل العلم من الادلة القطعية والعمل بها وفيما لا يوجد دليل قطعى فالعقل يحكم الجزم والاحتياط يوجب العمل بدليل ظنى اى ما يفيد غلبة الظن بطريق صحيح مثلا إذا ثبت بدليل ظنى ان الوتر واجب وان صلوة الضحى سنة وان البنج حرام وان البيع بشرط فاسد ممنوع وليس هاهنا دليل قطعى يعارض هذا الظن فالعقل يحكم ان لا يترك الوتر ولا يشرب البنج ولا يباع بالشرط الفاسد مخافة العذاب وان يصلى الضحى رجاء للثواب لان احتمال جلب المنفعة عند تيقن عدم المضرة كان للاتيان واحتمال المضرة كاف للاجتناب كما ان احتمال الحية فى الحجر كاف للاجتناب عن وضع الأصابع هناك وايضا ثبت بالادلة القطعية من الأحاديث المتواترة بالمعنى بإجماع الامة وبقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين وقوله تعالى فاعتبروا يا اولى الابصار وجوب اتباع أحاديث الآحاد والقياس عند عدم معارضة ما هو أقوى منه فالظن فى المسائل الفقهية انما هى فى الطريق وبعد ثبوت الظن الصحيح وجوب العمل بها ثابت بدليل قطعى واخبار المبتدا والمعاد الثابتة بالنصوص الظنية قطعيات فى القدر المشترك منها موجبة للعلم واما تفاصيلها فغير معارضة بدليل أقوى منه فيجوز استفادة الترغيب او الترهيب منها والله تعالى اعلم وقيل المراد بالحق فى الاية العذاب واللام فى الظن للعهد ومعنى الاية ان ظن الكفار الحاصل بتقليد الآباء او التوهم لا يدفع شيئا من العذاب او لا يدفع العذاب شيئا من الدفع.
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يعنى القران او الايمان او عن الاشتغال بذكر الله وَلَمْ يُرِدْ شيئا إِلَّا شهوات الْحَياةَ الدُّنْيا ط اتهمك فيها بحيث كان منتهى همته مبلغ علمه الدنيا فحسب الفاء للسببية والموصول وضع موضع المضمر لتاكيد سببية الاعراض يعنى إذا علمت جهلهم وسفاهتهم وسخافت عقلهم انهم يتبعون الظن ويتركون ما جاءهم من ربهم الهدى ويختارون عبادة حجارة لا تضر ولا تنفع ويتولون عن الاشتغال بالرحمن الواحد القهار فاعرض عنهم حيث لا تفيد دعوتك فيهم فانهم كالانعام بل هم أضل ولما كان بعض حركاتهم وسكناتهم مفيدة فى الدنيا دالة على ادراكاتهم موهمة لهم نصيبا من العقل قال الله تعالى لدفع ذلك الوهم قوله.
ذلِكَ يعنى امر الدنيا وكونها شبهة مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ط يعنى لا يتجاوز علمهم وعقلهم من العلم بالأمور المعاشية والتعقل بها وذلك غير معته به عند الله اعلم ان العلم والعقل كل منهما مخلوقة لله تعالى على حسب ما أراد وليست الأسباب الا أسبابا عادية وليست الأسباب أسبابا حقيقة كما زعمته الفلاسفة فالله تعالى انشأ يخلق العلم
стр. 3747
بعد ما أراد الآيات والا فلا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى فيجازى كلا على حسب الضلالة واهتدائه هذه الجملة وعد ووعيد تعليل لما سبق من الأمر بالاعراض يعنى لا تهتم بهم نحن نكفيهم للجزاء.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لا ملكا وخلقا عطف على الجملة السابقة يعنى هو الا علم بهم وهو إلهكم وخالقهم يفعل بهم ما يشاء وما يقتضيه الحكمة لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى اللام متعلق بمضمون الجملتين السابقتين يعنى خلق العالم وميز الضال من المهتدى وحفظ أحوالهم ليجزى الذين أساءوا بالشرك والعصيان بسبب أعمالهم من الإشراك والمعاصي يجزى الذين أحسنوا أعمالهم بالإخلاص بالحسنى اى بالمثوبة الحسنى يعنى الجنة او بالأحسن من أعمالهم وهى الإخلاص او لسبب الأعمال الحسنى.
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بدل من الذين أحسنوا او خبر لمبتداء محذوف اى هم الذين يجتنبون كَبائِرَ الْإِثْمِ قرأ حمزة والكسائي وخلف كبير الإثم على صيغة الاخر او على ارادة الجنس فهو اضافة صفة الى موصوفها نحو اخلاق ثياب والمراد بكبير الإثم الشرك فان الشرك لظلم عظيم وقرأ الباقون كبائر بصيغة الجمع اصناف افراد الكبائر الى جنسه على طريقة كرام البشر وجياد الدرهم وقد ذكرنا تحقيق الكبائر من الذنوب فى سورة النساء فى تفسير قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ... وَالْفَواحِشَ اما عطف تفسيرى او المراد ما فحش من الكبائر خصوصا قيل أريد به ما شرع فيه الحد إِلَّا اللَّمَمَ يعنى ما صدر من العبد بلا اصرار ثم تاب عنه ولا يكون له عادة واقامة عليه بل حينا بعد حين يقال فلان يفعل كذا اى حينا بعد حين كذا قال الجوهري قال البغوي وهو قول ابى هريرة ومجاهد والحسن ورواية عن عطاء عن ابن عباس قال السدى قال ابو صالح سئلت عن قول الله الا اللمم فقلت هو الرجل يلم بالذنب اى يقربه ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس فقال لقد اعانك عليها الملك الكريم قال البغوي وروينا عن عطاء عن ابن عباس فى قوله تعالى الا اللمم قال قال رسول الله ﷺ ان تغفر اللهم تغفر جما واى عبد لك لا الما فالاستثناء متصل كما هو الأصل وقيل اللمم الصغار من الذنوب كذا فى القاموس فهو كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا قال البغوي وهو قول ابن مسعود وابى هريرة ومسروق والشعبي ورواته طاؤس عن ابن عباس روى البخاري عن ابن عباس قال ما رايت أشبه باللمم بما قال ابو هريرة
стр. 3748
عن النبي ﷺ ان الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمنى وتشتهى والفرج يصدق ذلك ويكذبه ورواه سهل بن ابى صالح عن أبيه عن ابى هريرة عن النبي ﷺ وزاد والعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا وقال الحسن بن الفضل اللمم النظرة من غير تعمد فهو مغفور فان عاد النظرة فليس بلمم وعلى هذا اللمم أخص من صغاير الذنوب وقال سعيد بن المسيب ما لم على القلب اى خطر وهذا يناسب ما قال الجوهري من قولك ألممت بكذا اى أنزلت به وقاربته من غير مواقعة وعلى هذه الأقوال الاستثناء منقطع وقال الكلبي اللمم على وجهين كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا فى الدنيا ولا عذابا فى الاخرة فذلك الذي تكفره الصلاة ما لم تبلغ الكبائر والفواحش والوجه الاخر هو الذنب العظيم الذي يلم به المسلم مرة فيتوب منه قلت وقول الكلبي هذا ليس قولا مغايرا للاقوال والا يلزم عموم المشترك او الجمع بين الحقيقة والمجاز بل هو اختيار للقولين الأولين على وجه الاحتمال كما روى القولين المذكورين عن ابى ابى هريرة وابن عباس رض والله تعالى اعلم إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ يغفر لمن يشاء ما يشاء من الذنوب صغائرها وكبائرها بتوبة وبلا توبة عقب الله تعالى وعيد المسيئين ووعد المحسنين بهذه الاية لئلا ييئس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى كما قال به اهل الهواء من المعتزلة اخرج ابو نعيم عن على رض قال قال رسول الله ﷺ ان الله ﵎ اوحى الى بنى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك ان لا يتكلوا على أعمالهم فانى لا اناصب عند الحساب يوم القيامة ما شاء ان أعذبه إلا عذبته وقل لاهل معصبتى من أمتك لا تلقوا بايديهم فانى اغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي والله تعالى اعلم ثم عقب ذلك قوله هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ اى بصنيعكم وسعادتكم وشقائكم وما يصير اليه أموركم وافعل هاهنا بمعنى الفعيل إذ لا اعلم لاحد غير الله تعالى بما يصدر من الإنسان قبل وجوده كما يدل عليه قوله تعالى إِذْ أَنْشَأَكُمْ اى انشأ أباكم آدم مِنَ الْأَرْضِ فان علمه تعالى بالأشياء قديم وقد قال رسول الله ﷺ كتب الله تقادير الخلائق قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة قال وعرشه على الماء رواه مسلم من حديث عبد الله
بن عمرو قال رسول الله ﷺ ان أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال ما اكتب قال اكتب القدر فكتب ما كان وما هو كاين الى الابد رواه الترمذي من حديث عبادة بن الصامت وقال هذا حديث غريب اسناده وقال رسول الله ﷺ -
стр. 3749
ان الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل اهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره واستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل اهل النار فقال رجل ففيم العمل يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ ان الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل اهل الجنة حتى يموت على عمل من اعمال اهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من اعمال اهل النار فيدخله به النار رواه مالك والترمذي وابو داود من حديث عمر بن الخطاب وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ج معطوف على إذا نشاكم وكلا الظرفين متعلق بأعلم عن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضفة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله واجله ورزقه وشقى او سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالذى لا اله غيره ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها متفق عليه فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ اى لا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير او بالطهارة عن المعاصي والرذائل إذ لا علم لكم بعواقب أموركم- قال الحسن علم الله من كل نفس ما هى صانعة والى ما هى صائرة فلا تزكوا أنفسكم فلا تبروها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها وكذا قال ابن عباس قال الكلبي ومقاتل كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون صلوتنا وصيامنا وحجنا فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج الواحدي والطبراني وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبى صغير هو صديق فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله فى بطن امه الا انه شقى او سعيد فانزل الله تعالى عند ذلك هذه الاية هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ الاية هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى فانه يعلم من يختم له منكم على التقوى واخلاص العمل قبل ان يخرجكم من صلب آدم ﵇.
أَفَرَأَيْتَ الاستفهام للتعجب والفاء للعطف على محذوف يعنى أنظرت يا محمد الَّذِي تَوَلَّى عن اتباع الحق والثبات عليه يعنى الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبي ﷺ على دينه فعيره بعض المشركين وقال لم تركت دين الأشياخ وضللتهم قال انى خشيت عذاب الله فضمن الذي عاتبه ان هو أعطاه كذا من ماله ورجع الى شركه ان يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد الى الشرك.
وَأَعْطى الذي غيره بعض ذلك
стр. 3750
المال الذي ضمنه ومنعه فانزل الله تعالى أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ادبرا عن الايمان واعطى صاحبه قَلِيلًا وَأَكْدى اى بخل بالباقي كذا قال البغوي واخرج ابن جرير عن ابن زيد نحوه قال ان رجلا اسلم فلقيه بعض من يعيره فقال تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت انهم فى النار قال انى خشيت عذاب الله قال أعطني شيئا وانا احمل كل عذاب كان عليك فاعطاه شيئا فقال زدنى فتفا سر حتى أعطاه شيئا وكتب له كتابا واشهد له ففيه نزلت أفرأيت الذي تولى الاية وقال مقاتل اعطى الوليد قليلا من الخير بلسانه ثم أكدى قطعه وامسك ولم يتم على العطية وقال السدى نزلت فى العاص بن وائل السهمي وذلك انه ربما يوافق النبي ﷺ فى بعض الأمور وقال محمد بن كعب القرظي نزلت فى ابى جهل وذلك انه قال ما يأمرنا محمد إلا مكارم الأخلاق فذلك قوله تعالى وَأَعْطى قَلِيلًا من الإقرار بالحق وَأَكْدى اى لم يؤمن ومعنى أكدى قطع وأصله من الكدية وهى حجر صلب يظهر فى البير يمنع من الحفر يقول العرب أكدى الحافر واجبل إذا بلغ فى الحفر الكدية والجبل.
أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ استفهام للانكار فَهُوَ يَرى الفاء للسببية يعنى ان كان عنده علم الغيب فهو يعلم ان صاحبه يتحمل عنه إذا اشركه لما أخذ من ماله-.
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ اى لم يخبر بِما فِي صُحُفِ مُوسى يعنى اسفار التوراة.
وَصحف إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ما امره الله به وإثمه حتى قام يذبح ابنه وبلغ رسالات ربه واحتمل من الخلق أذى حتى صبر على نار نمرود وابتلاه ربه بكلمات فاتمهن والتوصية الإتمام وروى البغوي بسنده عن ابى امامة عن النبي ﷺ قال وابراهيم الذي وفى قال صلى اربع ركعات أول النهار واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن معاذ بن انس عن رسول الله ﷺ قال الا أخبركم لم سمى ابراهيم خليل الله الذي وفى انه كان يقول كلما أصبح وامسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون حتى ختم الاية وروى الترمذي عن ابى الدرداء وابى ذر عن رسول الله ﷺ عن الله ﵎ انه قال يا ابن آدم اركع لى اربع ركعات أول النهار أكفك آخره ورواه ابو داود والدارمي عن نعيم الفطفانى واحمد عنهم وقدم موسى لان صحفه يعنى التوراة كان أشهر وأم قيل منقطعة لان من شرط المتصلة ان يليه أحد المتساويين والاخر الهمزة وهاهنا ليس كذلك قلت جاز ان يقال فى تاويل الاية أعنده علم الغيب بتوسط الانباء او بلا توسط بانه يتحمل عنه غيره أم ليس عنده علم الغيب الحاصل بتوسط الانباء والكتب ايضا بانه لا بتحمل أحد عن غيره والاستفهام للانكار يعنى ليس عنده علم الغيب يتحصل أحد عن غيره وعنده علم حصل بالتواتر والشهرة
следующие страницы →