Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
فإذا كانت الزوجة ليس من حقها أن تضرب زوجها – لأنه مدلل عليها – فليس من حق أحد من الأمة أن ينظر إلى أبي بكر نظراً فيه شيء من الشر والغضب فضلا ً على أن يأخذهم؟؟؟
القصة الثانية: رواها الإمام الحاكم في مستدركه والطبراني في معجمه، وغيره بسند صحيح عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال كنت أخدم النبي ﷺ ، فقال لي: يا ربيعة ألا تتزوج قلت: لا والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج وما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء.
стр. 1122
ثم عرض عليه الزواج مرة ثانية فرفض، ثم وافق في الثالثة فأرسل ﷺ إلى (؟) من الأنصار ليزوجوه فزوجوه، ثم جمع له الصحابة الصداق وزن نواة من ذهب ثم عاونوه على الوليمة، إلى أن أخذ قرابة صفحتين في المجمع) ، ثم قال – أبي ربيعة: إن رسول الله ﷺ أعطاني بعد ذلك أرضاً وأعطى أبا بكر أرضا، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عِذق نخلة [لأنها متدلية على الأرض] فقلت أنا: هي في حَدّي، وقال أبو بكر هي في حَدّي وكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها، وندم – أي أبو بكر – فقال: يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصاً، قلت: لا أفعل، قال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدي عليك برسول الله ﷺ ، قلت: ما أنا بفاعل، قال وضرب الأرض [وضرب الأرض برجله مغضباً] وانطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ وانطلقت أتلوه، فجاء أناس من أسلم فقالوا: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي رسول الله ﷺ وهو الذي قال لك ما قال؟ فقلت: أتدرون من هذا، هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، هذا ذو شيبة المسلمين،؟؟ لا يلتفت إليكم يسمعكم فيلتفت إليكم – فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما فتهلك ربيعة، قالوا: ما تأمرنا، قال ارجعوا فانطلق أبو بكر رحمة الله عليه إلى رسول الله ﷺ فتبعته وحدي حتى أتى النبي ﷺ فحدثه الحديث كما كان، فرفع رأسه إلي فقال يا ربيعة مالك وللصديق، قلت: يا رسول الله، كان كذا، كان كذا، قال لي كلمة كرهتها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت، فقال رسول الله ﷺ لا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، قال الحسن: فولى أبو بكر ﵀ يبكي.
стр. 1123
والقصة أوردها الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/٢٥٦، ٢٥٧ في كتاب النكاح.
فهذا مدلل وموسى مدلل، فإذا ارتفع صوته فما الذي يحصل؟ فيجري بينه وبين حبيبه ما يجري فلا تدخل نفسك بينهما فأنت واجبك أن تحافظ على الحدود الشرعية التي قيدت بها.
الآية الثالثة: من الآيات الثلاث التي رآها في السموات عندما عرج به إلى السموات العلا رؤية سدرة المنتهى وما يوجد حولها من عجائب:
ثبت في حديث الإسراء والمعراج الذي تقدم معنا من رواية مالك بن صعصعة ﵁ وفيه: يقول النبي ﷺ [ثم رُفِعْتُ إلى سدرة المنتهى [[وضبط: ثم رُفِعَتْ لي سدرة المنتهى أي أظهرت وبينت فإذا نَبِقْهَا (بفتح النون وإسكان الباء، ويقال بكسر الباء وهو ثمر السدر مثل قلال هجر (جمع قلة وهى وعاء كبير يوضع فيه الماء من الفخار، وهجر بلده في البحرين وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قلت: ما هذه يا جبريل: قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أراد أنها تخرج من أصلها: نهران باطنان (أي يسيران إلى داخل الجنة) ونهران ظاهران (إلى خارجها) قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنِّيْل والفرات] .
وسنبحث هنا عدة أمور:
المبحث الأول: (سدرة المنتهى) سميت بهذا الاسم لثلاثة أمور:
[لما أسري بي انتُهي بي إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهي ما يهبط فيُقبض منها، ينتهي ما يعرج من الأرض فيُقبض منها، وهي في السماء السادسة] .
إذن سدرة المنتهى في السماء السادسة فما يعرج من الأرض ويصعد ينتهي إليها فلا؟ وما يهبط من السماء فما فوقها وينزل يكون محل هبوطه عندها، ثم تأخذه الملائكة الموكلة بتبليغه إلى ما شاءت، من أهل سدرة المنتهى، فما يصعد يقف عند سدرة المنتهى وما يهبط يقف عند سدرة المنتهى ثم تتولى الملائكة؟؟ وتوزيعه حسب ما يأمرها الله .
стр. 1124
الثاني: قال الإمام النووي عليه رحمة الله: سميت سدرة المنهتى لأن علم الملائكة ينتهي إليها فلا يتجاوزها.
فالملائكة لا تعلم ماذا يوجد بعد سدرة المنتهى، وسدرة المنتهى أصلها في السماء السادسة – كما ذكرنا – وأغصانها وفروعها في السماء السابعة والملائكة لا تتجاوز هذا، ولذلك تقدم في حديث المعراج – وسيأتي هذا معنا في الآيات الرابعة أن نبينا ﵊ عُرج به وتوقف جبريل لما وصلا إلى سدرة المنتهى (وما منا إلا له مقام معلوم وقال: لو تقدمت طرفة عين لاحترقت) .
الثالث: نقله الإمام الطبري في تفسيره (٢٧/٣١) عند تفسير سورة النجم فروى بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أنه قال: [سميت بسدرة المنتهى لأنه ينتهي إليها أرواح؟؟ من المؤمنين] فإذن أرواح المؤمنين تكون في أصل سدرة المنتهى في ذلك المكان.
المبحث الثاني:
وصف الله هذه السدرة في كتابه بقوله (إذ يغشى السدرة ما يغشى)
والذي غشي السدرة عدة أمور منها:
أ- ما ثبت في حديث ابن مسعود المتقدم في صحيح مسلم وفيه [أنه غشيها فراش من ذهب] أي مملوءة بفراش من ذهب.
قد يقول قائل: فراش من ذهب له روح كيف هذا؟
نقول: يا عبد الله، لماذا هذا التفكير؟ فهل إذا كان الفراش من عصب أو لحم يمكن أن يكون فيه روح ويتحرك وإذا كان من ذهب لا يمكن؟ لماذا هذا التفكير؟
ألم ينزل على نبي الله أيوب ﵊ عندما اغتسل بعد أن برأ من مرضه عندما قال الله له: (هذا مغتسل بارد وشراب) فسقط عليه جراد من ذهب فبدأ نبي الله أيوب يغترف من هذا الجراد فقال الله له: ما هذا يا أيوب أوليس قد أغنيتك؟ فقال يا رب لا غنى لي عن بركتك. أي هذه البركة نزلت من عندك فأنا سآخذها وأجمعها.
стр. 1125
والحديث في صحيح البخاري، وهذا حصل في حياتنا الدنيوية هنا، أفلا يعقل في مثل هذه الرحلة المباركة التي حصلت لخير البرية ﵊ أن يكون هناك فراش من ذهب يطير حولها ويعيش فيها وكل هذه الرحلة خوارق وعجائب.
ب- ورد عن أبي سعد الخدري وابن عباس ﵃ قالا: [إنه يغشاها ملائكة الله] وثبت في سنن البيهقي عن أبي سعد الخدري ﵁ أنه قال: [على كل ورقة منها ملك الله] .
جـ- ورد أنه تغشاها أنوار عظيمة، ففي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: [فلما غشيها من أمر الله ما غشيها (أي من أنواره) تغيرت فما أحد من خلالها يستطيع أن ينعتها من حسنها]
المبحث الثالث:
قال نبينا ﵊ عن هذه السدرة:
[فإذا نَبْقِها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة] .
هذه الشجرة التي هي سدرة المنتهى، وهذا النبق الذي هو الثمر والذي هو كقلال هجر لِمَ خصت بالذكر ووضعت في ذلك المكان ورآها نبينا ﵊؟
خصت لثلاثة أمور:
أولها: ثمرها طيب.
ثانيها: رائحتها ذكية.
ثالثها: ظلها واسع.
فإذن لها طعم ولها ريح ولها ظل، فخصت لهذه الاعتبارات الثلاثة، وهذه الاعتبارات الثلاثة تشبه الإيمان فالمؤمن ينبغي أن يكون:
رائحته: قوله حسناً ...
ظله ... : وفعله حسناً ...
طعامهِ ... : ونيته حسنة
بمثابة شجرة السدر طعم ورائحة وظل.
وهكذا المؤمن فالقول الذي يصدر منه هو بمثابة الرائحة الذكية التي تعبق وتفوح، فلا يتكلم إلا بطيب، كما قال نبينا ﵊ [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت] ، فهو قول حسن يعبق به المجلس ويفوح فلا نتكلم بما يخدش الآذان أو في عرض مسلم.
والعمل الذي يصدر منه هو بمثابة ظل شجر السدر، فهو عمل صالح؟؟ النية التي تصدر منه هي بمثابة الطعم وهي أطيب وأطيب مما ذكر.
стр. 1126
فإذن ذكرت هذه الشجرة وخصت في ذلك المكان ورآها نبينا ﵊؟؟ الإيمان الذي كلف به ﵊ وبتبليغه يشبه هذه الشجرة التي غشاها ما غشاها، ونبقها في تلك الصورة الحسنة البهية وراحتها ذكية.
وقد شبه نبينا ﵊ المؤمن بالأترجة إذا قرأ القرآن،؟؟؟؟؟ يقرأ القرآن، ثبت في الصحيحين وسنن النسائي وغيرها من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: [مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب] والأترجة هي المانجو الآن، ويمكن أن يقال شجر التفاح يعد لها هي في الأصل المانجو،وهي موجودة في بلاد مصر بكثرة، وهكذا التفاح ريحه طيب وطعمه حلو، ولو اشتريت ثمر المانجو ووضعته في البيت، فإنك إذا دخلت إلى البيت تشم ريحه إذا كان ناضجاً وكأن البيت مطيب، وهكذا الطعم. ثم قال: [ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها] فتوجد نية طيبة لكن لا توجد رائحة حسنة من هذا المؤمن.
ثم قال: [ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة] ، والريحانة ريحها طيب لكن طعمها مر وكذا حال هذا المنافق فالقول الذي يصدر منه هو بمثابة الرائحة الطيبة، أما النية فهي سيئة الله أعلم بحال صاحبها، فتجده يتجمل بقراءة القرآن فتحصل منه رائحة طيبة. ثم قال [ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظل لا ريح لها وطعمها خبيث] .
стр. 1127
فإذن شبه المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة، وشبه في حديث الإسراء والمعراج بشجرة السدر، وضرب النبي ﷺ مثلا ً لاستمرار الخيرية في المؤمن وعند انقطاع المؤمن عن الخير بشجرة النخيل، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال [إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مِثْل المسلم يفي مثل المسلم – أي هي تشبهه) فحدثوني ما هي؟ قال عبد الله بن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت لأنه كان عاشر عشرة فيهم أبو بكر وعمر ﵄، وقد كان صغيراً – ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: هي النخلة] فلما قال لوالده عمر: أنا علمت أنها النخلة ولكنني استحيت أن أقولها؟ فقال: لأن تكون قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا من الأرض ذهباً، ليكون له قدر عند النبي ﷺ عندما يوفق إلى الحكمة وليسدد للصواب.
(ألم تر كيف ضرب الله مثلا ً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفروعها في السماء) فالكلمة الطيبة هي التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والشجرة الطيبة كشجرة السدر وشجرة التفاح وشجر النخيل وشجر الأترجة.
(تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) وهكذا المؤمن هو في الأرض لكن أعماله تصعد إلى الله جل وعلا (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) .
المبحث الرابع:
الأنهار التي رآها نبينا ﵊ تخرج من أصل سدرة المنتهى:
قلنا رأى النبي ﷺ نهرين باطنين ونهرين ظاهرين، أما الباطنان فهما الكوثر والرحمة ويخرجان من عين هي أمّ لهما أسمها السلسبيل وأما الظاهران فهما النيل والفرات كما قال نبينا ﵊.
стр. 1128
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال [سيحان وجيحان والنيل والفرات كلها من أنهار الجنة] وسيحان وجيحان نهران في بلاد سمرقند التي هي الآن تحت حكم الاتحاد السوفيتي فك الله أسر بلاد المسلمين، والنيل في بلاد مصر، والفرات في بلاد الشام، وهذه الأنهار كلها من الجنة.
فإن قيل: كيف نجمع بين هذا الحديث وبين حديث الإسراء والمعراج الذي ذكر فيه نهرين فقط؟
نقول: وهو الجواب المعتمد الذي قرره الإمام النووي ﵀ والحافظ ابن حجر:
لا إشكال في ذلك، فسيحان وجيحان من أنهار الجنة، لكن لا ينبعان من أصل سدرة المنتهى، وأما النيل والفرات فمن أنهار الجنة ولكن ينبعان من أصل سدرة المنتهى ثم يتفجران للناس في الأرض فالنيل والفرات لهما مزيد بركة وفضل ومزية على سيحان وجيحان.
وانظروا شرح الإمام النووي على صحيح مسلم (١٧/١٧٧) وفتح الباري (٧/٢٠٣) .
ما المراد هنا من كون هذه الأنهار الظاهرة (النيل والفرات وسيحان وجيحان) من الجنة؟)
ذكر علماؤنا قولين:
القول الأول: ذكره القاضي عياض – وهو في نظري مردود مع جلالة قائله وهو أن في كون سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة إشارة إلى معجزة عظيمة من معجزات نبينا ﵊ وهي: أن البلاد التي فيها تلك الأنهار عما قريب ستفتح ويسلم أهل تلك البلاد ويؤولون إلى الجنة بعد ذلك، فهذه الأنهار ليس ماؤها من الجنة فعبر بالمحل وأراد من سيحل فيها في المستقبل من أهل الجنة.
وهذا في منتهى التكلف فيما يظهر لي ولا داعي دائماً لإخراج اللفظ من ظاهره.
стр. 1129
القول الثاني: وهو المعتمد وهو الذي قرره شيخ الإسلام الإمام النووي وابن حجر وغيرهما أن هذه الأنهار من أنهار الجنة حقيقة، فماؤها ينزل من الجنة بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها ونحن نحن معشر أهل السنة نؤمن بأن الجنة مخلوقة، وأن النار مخلوقة، وإذا كان الأمر كذلك فالأنهار موجودة في الجنة الآن، وهذان النهران الظاهران (النيل والفرات) يصبان في النيل والفرات في الأرض بكيفية يعلمها الله جل وعلا.
وحقيقة لو أكرمك الله بشرب ماء النيل قبل أن يلوثه أهل الضلال والأباطيل بما سار عليه من مياه المجاري، وكذا الفرات، فأنت لو ذهبت إلى منبع النيل الأصلي لوجدت الماء أحلى وأطيب من العسل، لأنه من أنهار الجنة.
ولا يوجد ماء على وجه الأرض يعدل ماء النيل أو الفرات اللهم إلا ماء زمزم – كما تقدم معنا فإنه أفضل المياه.
وكذا لو ذهبت إلى النهر الثاني (الفرات) وشربت من ذلك الماء الصافي قبل أن يعكر المعكرون لانتعشت انتعاشاً ليس بعده انتعاش.
وهكذا سيحان وجيحان:
هذا ما يتعلق بالمبحث الرابع.
وختام الكلام على الآيات الثلاث التي رآها نبينا ﵊ معراجه في السموات العلا: رأى الملائكة الكرام – كما تقدم معنا – كما رأى خليل الرحمن إبراهيم وكيف أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى قيام الساعة.
وقد أخبرنا نبينا ﵊ عن أحوال بعض الملائكة الذين رآهم،؟؟ وأميرهم ورئيسهم هو جبريل ﵊ – كما أن سيد البشر وأميرهم وأولهم نبيناعليه الصلاة والسلام.
ثبت في مسند البزار ومعجم الطبراني الأوسط بسند رجاله ثقات عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى (وهم الملائكة) فإذا جبريل كالحِلْس البالي من خشية الله] .
стр. 1130
والحِلْس: المتاع والثياب، أي كالمتاع والثياب الممزق الذي مضى عليه وقت كثير من الدهر فبلى.
وهذا هو حال الملائكة الكرام على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
القسم الرابع: آخر الآيات وآخر مباحث الإسراء والمعراج:
آيات عظيمة حصلت له بعد رقي السموات
أكرمه الله بعدة أمور منها:
١- فرض الصلوات الخمس.
٢- مغفرة الكبائر لأمته الذين لا يشركون بالله شيئاً.
٣- خواتيم سورة البقرة.
٤- رؤية الله.
٥- كلام الله.
فهذه آيات حصلت لخير البريات عليه صلوات الله وسلامه فوق السموات (؟؟؟) بعد أن انتهى من السماء السابعة وعُرج به إلى مستوىً سمع فيه صريف الأقلام.
وهذه أعظم الجوائز، وعندما اجتمع الحبيب بحبيبه فيعطيه أحسن التحف وهي الخمسة السابقة.
أولاً: أما الصلوات الخمس:
فقد فرضت في تلك الليلة من رحلته المباركة.
ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال وهو يروي لأصحابه حديث الإسراء والمعراج: [ففرض الله علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فمررت فنزلت إلى موسى – وتقدم معنا أن موسى صار في السماء السابعة بعد أن كان في السادسة – فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك؟؟ ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وخبرتهم] أي أنا أعلم الناس بأحوال الناس؟؟؟؟ لن تطيق خمسين صلاة، إذ قد فرض الله على بني إسرائيل صلاتين في الغداء والعشي فما أطاقوها ولا فعلوها، فكيف ستؤدي أمتك خمسين صلاة؟ إنها لن تطيق ذلك.
стр. 1131
[قال نبينا ﵊: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي، فحط عني خمساً، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمساً، قال: فإن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، يقول نبينا ﵊: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، حتى قال، يا محمد، إنهن خمس صلواتٌ كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فذلك خمس صلاة (إذن نزل وصعر بسبع مرات) ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت عشراً، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب شيئاً فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت إلى موسى، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف (أي ليخفف من الخمس أيضاً شيئاً) فقلت: رجعت إلى ربي استحييت منه] وفي رواية البخاري (فقلت: لكن أرضى وأسلم) أي لا أريد أن أرجع إلى ربي مرة عاشرة لأنه راجعه تسع مرات حتى خفف الصلوات إلى خمس.
[فلما جاوزت نادى منادٍ: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، فهي خمس وفي الأجر خمسون] .
هذا هو الحديث الذي يقرر أن الصلوات فرضت في ليلة المعراج فوق السموات العلا بينه وبين ربه جل وعلا، ثم نزل ومر على نبي الله موسى ﵊ وهو في السماء السابعة وهذا الحديث عندنا حوله عدة تنبيهات:
أ - ورد في رواية الصحيحين من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: [فوضع عني شطرها] وتقدم معنا هنا: أنه وضع عنه خمس صلوات، خمس صلوات حتى خففت إلى خمس ورواية أبي ذر شطرها، والشطر النصف أي خمس وعشرين.
وفي رواية البخاري من حديث مالك بن صعصعة: [فوضع عني عشراً] و؟؟ خمساً فكيف نجمع بين هذه الألفاظ؟
стр. 1132
نقول لا إشكال على الإطلاق: فالمراد من الشطر إما البعض وهو الخمس وليس النصف الذي هو خمس وعشرين، أو أن المراد منه النصف لكن ليس بمرة واحدة إنما بمرات متعددة فأخبر عن وضع الشطر في خمس مرات كل مرة يضع خمساً وخمساً وخمساً وخمساً فالمجموع خمسة وعشرون وهذا شطر الخمسين. وأما العشر: فالمراد أنه وضعها في مرتين.
لكن الذي وقع حقيقة وضع خمس صلوات في كل مرة، هذا هو الجمع بين هذه الروايات.
ب- تنبيه حول رجوع نبينا ﵊ إلى ربه:
كيف رجع نبينا ﵊ إلى ربه يسأله التخفيف في المرات التسع؟؟ ولم يرجع في المرة العاشرة؟
نقول: لعله علم أن الله لما فرض عليه الخمسين لم يفرضها فرض إلزام، فبقي هنالك مجال للمراجعة، فلما وصلت إلى خمس وقد أخبره في المرة الأخيرة أنها خمس في كل يوم وليلة وهي في الأجر خمسون علم أن الأمر صار أمر إلزام وحتم فلا يمكن أن أطلب التخفيف فقال [أرضى وأسلم] .
يضاف إلى هذا أنه إذا طلب التخفيف في المرة العاشرة (الأخيرة) وقد حط عنه خمساً خمساً فإذا حط عنه الخمس المتبقية فستبقى هذه الأمة بلا فريضة؟؟ تقوم بها، ولذلك لو سأل في المرة العاشرة التخفيف فإن حاله يدل على أنه يريد إسقاط هذه الفريضة عن هذه الأمة، وهذا لا يليق ولذلك قال [أرضى وأسلم] ، وأما المرات السابقة فلعله علم بقرينة من القرائن أن ما فرض ليس من باب الجزم ويدل على هذا أن الله قد أجاب سؤاله وخفف عنه حتى وصلت إلى خمس صلوات.
جـ- ما الحكمة من فرضية الصلاة في تلك الليلة المباركة، وفي ذلك المكان الذي هو أشرف الأمكنة فوق السموات العلا.
ذكر العلماء حكمة معتبرة، وتبدو لي حكمة معتبرة لعلها أوجه من ما هو موجود في الكتب والعلم عند الله.
стр. 1133
١- الحكمة التي ذكروها هي: أن النبي ﵊ في ليلة الإسراء والمعراج رأى حال الملائكة وعبادتهم لربهم جل وعلا، فمنهم الراكع الذي لا يرفع رأسه من الركوع، ومنهم الساجد الذي لا يرفع رأسه من السجود، ومنهم القائم لله ، هكذا عبادتهم، فتطلع نبينا ﵊ لهذه العبادات العظيمة التي يقوم بها الملائكة العظام، فأجاب تطلعه وحقق أمنيته فأعطاه هذه العبادات بأسرها التي يقوم الملائكة في ركعة واحدة من ركعات الصلاة ففيها قيام وفيها ركوع وفيها سجود.
أي: ليجمع الله لهذه الأمة عبادات الملائكة بأسرها في ركعة من ركعات الصلاة.
٢- والحكمة التي تبدو لي هي: أن الصلاة إنما فرضت في ذلك المكان المعتبر لما فيها من عظيم الأثر فالصلاة لها أثر في الإنسان لا يوجد هذا الأثر في غيرها من عبادات الرحمن، فالجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، والزكاة والحج والصوم وهكذا ما شئت من العبادات لا يوجد في هذه العبادات أثر كأثر الصلاة من تزكية للنفس ومن داوم مراقبة الرب جل وعلا، ومن؟؟ بين المؤمنين في هذه الصلوات.
فإذن الآثار التي توجد في الصلاة لا توجد في غيرها، فكل يوم ينبغي أن تصلي خمس مرات ولعل الإنسان لا يمر عليه يوم ويصلي أقل من أربعين ركعة وأحياناً يزيد، فالفرائض سبعة عشر ركعة والسنة الراتبة اثنا عشرة صار المجموع ٢٩، ثم ضم إليها قيام الليل الذي هو ثماني ركعات صار العدد ٣٧، مع ثلاث ركعات الوتر صار العدد٤٠ ركعة، هذا لم يؤدى سنة الضحى، ونافلة قبل العصر، ونافلة قبل المغرب، إذا لم يتطوع تطوعا؟؟ ويحيي ما بين العشاءين بالصلاة كما هو حال الصالحين.
стр. 1134
فأنت تصلي هذا العدد في اليوم وهذا له أثر جليل، أما الصوم فيجيء شهر متواصل تصوم وينقضي، وفيه آثار عظيمة لكن ليس كأثر الصلاة، ولذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ – كما في موطأ مالك – يكتب إلى عماله: [إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع] ، وأول ما يحاسب عليه العبد من أعمال يوم القيامة هو الصلاة، فإن صلحت نظر في سائر عمله وحوسب عليه وإلا فالويل له.
فإذن الصلاة لها أثر معتبر ومنزلة عظيمة وإذا كان الأمر كذلك فتعظيماً لشأنها فرضت في مكان وأحسنه وأغلاه وهو فوق السموات العلا من قبل الله إلى عبده محمد عليه صلوات الله وسلامه عليه مباشرة ودون أن يتخلل ذلك واسطة من جبريل أو غيره.
ثانياً: مغفرة الكبائر لأمته الذين لا يشركون به شيئاً:
... ثبت في صحيح مسلم وسنن النسائي والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [فأُعطي رسول الله ﷺ ثلاثاً – أي مما أعطي – (لما رفع فوق السماء السابعة) : الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحماتُ] أي غفرت المقحمات لمن لم يشرك بالله من أمته والمقحمات هي الذنوب العظيمة الكبيرة التي يقحم صاحبها وتزجه في نار جهنم.
... وقد ثبت في سنن الترمذي بسند صحيح عن نبينا ﵊ قال: [يقول الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك....] وآخر الحديث هو محل الشاهد: [يا ابن آدم لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة] أي لو أتيت بما يقارب ملء الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة، وهذا من فضل الله على هذه الأمة، فنسأل الله أن يتوفانا على الإيمان بفضله ورحمته إنه ذو الجلال والإكرام.
стр. 1135
.. وقد أخبرنا نبينا ﵊ في أحاديث صحيحة متواترة أن شفاعته لأهل الكبائر من أمته، والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أبو داوود والحاكم وابن حبان وغيرهم عن أنس ﵁ – وهو مروى عن غيره عند غيرهما أيضاً – أن النبي ﷺ قال: [شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي] ، فالله يشفّع نبيه في أهل الكبائر ويقبل شفاعته ويغفر لهم ويرحمهم فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين،وهذه أعظم تُحفة حصلت لهذه الأمة في حادث الإسراء والمعراج.
المحاضرة الحادية عشرة: ٨/٤/١٤١٢هـ
... وعقيدتنا معشر أهل السنة أن أصحاب الكبائر يفوض أمرهم إلى ربنا القاهر فلا نحكم عليهم بنار، ولا ننزلهم جنة، لكن نرجو لهم المغفرة.
... هذا إذ لم يتوبوا، فإذا تابوا تاب الله عليهم، ومن يمت ولم يتب من ذنبه، فأمره مفوض لربه، فإن عذبه الله على ذنوبه فهذا عدل، وإن غفر له فهذا فضل، وأفعال الله تدور بين هذين الحكمين عدل، أو فضل، ولا دخل للظلم أو الجور في أفعاله ؛ لأن أفعال الله إما أن تكون عدلاً أو فضلاً أو جوراً، والجور يتنزه الله عنه، يقول تعالى كما في الحديث القدسي [إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا] ، ويقول (ولا يظلم ربك أحداً) ويقول (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً) ، فبقي العدل والفضل فمن عذبه فبعدله، ومن غفر له وأدخله الجنة فبفضله سبحان الله.
стр. 1136
وهذا فيه رد على الفرق الضالة من الخوارج والمعتزلة الذين يخلدون فاعل الكبيرة في النار وكذلك فيه رد على فرقة الإباضية بزعامة مفتي عمان في هذه الأيام أحمد الخليلي، فإن هذا يرد على الخوارج الذين يكفرون فاعل الكبيرة – مع أن الإباضية فرقة من الخوارج، لكن يقول: هم مخلدون في النار وليسوا بكفار، فمن فعل كبيرة من زناً أو سرقة أو شرب خمر فهو مخلد في النار لكن – كما يقول – ليس بكافر ثم يقول وقد أخطأت الخوارج بتكفيره.
نقول له: ما الفارق بين قولك وقول الخوارج في النهاية والآخرة، هل يوجد هناك فرق؟
لا يوجد فارق أبداً، فالخوارج قالوا: يخلد فاعل الكبيرة في النار، وأنت تقول إنه يخلد في النار فما الفرق إذن؟!!
لكن الخوارج أجرأ منك على الباطل فقالوا: هو في الدنيا كافر، أما أنت فتذبذبت وقلت إنه مؤمن.
فنقول لك: إذا كان مؤمناً فكيف ستخلده في نار جهنم مع فرعون وأبي لهب وأبي جهل؟!! إن هذا لهو الضلال بعينه.
وقد نشر في هذا الوقت كتاباً سماه (الحق الدامغ) ، وكله باطل ليس فيه حق، أراد أن يقرر فيه ثلاث مسائل فحشاها ضلالاً وباطلاً:
١- نفي رؤية الله في الآخرة، ومن قال بالرؤية فهو ضال!!
٢- كلام الله مخلوق.
٣- أهل الكبائر مخلدون في نار جهنم.
وقد ضلَّ في هذه المسائل الثلاثة وحرف الكلام عن مواضعه، وافترى على الشريعة المطهرة، وهذا الكتاب الذي ألفه، سبقه إلى تأليف مثله زنديق ضال خبيث حيث ألف كتاباً سماه (الدامغ) ومؤلفه هو أحمد بن يحيى الرواندي المتوفى سنة ٢٩٨هـ، يقول الحافظ ابن حجر في لسان الميزان في ترجمته ألف كتاب الدامغ ليرد به على القرآن ويبين – على زعمه – تناقضه – ثم قال: أجاد الذهبي في حذفه فلم يذكره في ميزانه، وإنما ذكرته لألعنه.
فهذا ألف الحق الدامغ في هذا العصر، ونحن نقول له: إنك تتحلى - أو تتقبح – بقبائح مستعارة فهذا العنوان سبقك إليه زنديق ضال. فذاك ألف الدامغ ليدمغ به القرآن على زعمه.
стр. 1137
وهذا – الخليلي – ألف الدامغ ليدمغ به عقيدة أهل السنة والجماعة، فانتبهوا لهذا!!.
وهذا بمنصب مفتي عمان وقد قلقل أذهان أهل السنة في ذلك المكان، وقبل أن آتي إلى رأس الخيمة من أبها اتصل بي بعض الأخوة من عمان وأرسل لي رسالة صغيرة بحدود ثلاثين صفحة، نشرها ذلك المفتي هناك حول جواب على سؤال وجه إليه،وهو أن رؤية الله في الآخرة مستحيلة، ومن قد آمن بهذا فهو ضال يشبه الخالق بالمخلوق , ذكر كلاماً باطلاً، وقد قال لي هذا الأخ: هذه الرسالة زعزع بها أهل السنة، إذ أنه منطيق في الكلام، وصاحب كلام معسول ويأتي بأمور متشابهة وكما قال يصطاد في الماء العكر.
فأعظم منه من الله بها على نبينا ﵊ وعلى هذه الأمة أن بُشِّر نبيه ﵊ بأنه سيغفر لهذه الأمة المقحمات وهى الذنوب الكبائر وهذا فضل عظيم،وهذه تحفة عظيمة، وحتى هذه التحفة على قدر المتحِف والمهدِي، وعلى قدر المُتحَف والمُهْدى، فهذه هدية بين الله ونبيه حبيبه وخير خلقه، فماذا ستكون؟!
حقيقة لابد أن تكون أنفس الهدايا والتحف، فأمتك لن نسوءك فيهم، فمن جاءنا؟؟؟ وعليه من الذنوب أمثال الجبال – إذا لم يشرك بالله شيئاً – نغفر له برحمتنا الواسعة نسأل الله أن يدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوه إنه واسع المغفرة.
ثالثا: خواتيم سورة البقرة:
... وهذه هي التحفة الثالثة، وقد نزلت على نبينا ﵊ في الإسراء والمعراج؟؟ بالآيتين في ذلك المكان وامتن الله على نبيه ﵊ بهما، وبما لهما من الفضائل العظام.
وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة ففي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن عقبة بن عامر الجهني قال: [أن رسول الله ﷺ قال له اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإنهما من كنز من تحت العرش] أي هذه من الكنوز الثمينة وتلقيتها من تحت عرش الرحمن، فهذا إذن مال عظيم؟؟ ثمين نتقرب به إلى رب العالمين.
стр. 1138
وقد أخبرنا النبي ﵊ عن منزلة هاتين الآيتين، ففي الصحيحين، وسنن النسائي والترمذي من حديث إلى أبي مسعود ﵁ (وقد ورد في بعض الكتب ابن مسعود، كتفسير ابن كثير وغيره وهذا خطأ مطبعي صوابه: أبو مسعود وهو الأنصاري البدري وليس عبد الله بن مسعود فهذا من المهاجرين أن النبي ﷺ قال: [الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه] .
قال الإمام النووي: (كفتاه) تحتمل أمرين لعل الله يجمعهما للقارئ بفضل رحمته:
١- كفتاه عن قيام الليل إذا لم يتيسر له أن يقوم في تلك الليلة لغلبة نوم أو تعب، فيكون له أجر قيام الليل بفضله ورحمته، ولا يقل قائل: أقرهما ولا أقوم للقيام وسأحصل الأجر.
٢- كفتاه تلك الليلة كل مكروه وأذىً وبلية تقع في تلك الليلة.
وقد ثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن حيان ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن نبينا ﵊ أنه قال: [الآيتان من آخر سورة البقرة لا تُقرآن في دار ثلاث مرات فيقربها الشيطان] أي فمن قرأها ثلاث مرات في بيته فلا يقرب الشيطان هذا البيت في ذلك اليوم.
وروى ابن مَرْدُويَهْ عن علي ﵁ أنه قال [لا أرى أحداً يعقل؟؟ ينام قبل أن يقرأ آية الكرسي والآيتين من آخر سورة البقرة] ومعنى كلامه أنه لا يمكن أن يكون ببالي أن أرى مسلماً يعقل – أي ليس بكافر، وليس بصغير حتى نقول إنه لا يدرك منزلة هذه الآيات – بل هو مسلم عاقل ينام دون أن يقرأ آية الكرسي والآيتين من آخر سورة البقرة، فحافظوا على ذلك.
أما آية الكرسي كما في صحيح البخاري: [من قرأها إذا أخذ مضجعه لا يقربه شيطان حتى يصبح] وهي أفضل آي القرآن على الإطلاق، فأفضل آياته آية الكرسي وأفضل سوره سورة الإخلاص.
стр. 1139
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي بن كعب ﵁ [أن النبي ﷺ قال له: أي آيات في كتاب الله أعظم؟ فقلت: آية الكرسي، فضرب النبي ﵊ في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر] ومعنى ليهنك هنيئاً لك وأحسن على هذه الإصابة.
وفي آية الكرسي اسمان؟؟؟؟؟؟؟ إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب.
وكان النبي ﵊ – كما في سنن الترمذي وغيره – [إذا اجتهد في الدعاء يقول: يا حي يا قيوم] أي إذا دعا دعاءً يلح به وهو مهم فإنه يناجي ربه بهذين الاسمين: يا حي، يا قيوم.
وقد أوصى نبينا ﵊ – كما في مستدرك الحاكم وعمل اليوم والليلة لابن السني بسند صحيح عن أنس ﵁ [أن النبي ﷺ قال لابنته فاطمة ما يمنعك أن تقولي ما أوصيتك به، تقولين إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين] فهذا توسل إلى الله بحياته وقيوميته.
فحافظوا عليه صباحاً ومساءً، فإنه هدية من نبينا ﵊ لبِضْعَتِه فلتأخذ به أنت وهذان الاسمان هما أصل لسائر صفاته، فكل صفة لله أصلها الحي أو القيوم.
فالصفات الذاتية بأسرها لا يثبت شيء منها لله إلا بعد ثبوت الحياة له جل وعلا، والصفات الفعلية بأسرها من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والإعزاز والإذلال وما شاكلها لا تثبت لله إلا إذا ثبتت القيومية له.
فهو حي حياة كاملة فلا تأخذه سنة ولا نوم، ومن باب أولى لا يطرأ عليه فناء ولا يموت ، وهو قيوم قائم بنفسه مقيم لشؤون غيره يدبر أمور عباده (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) .
стр. 1140
وقد ورد في سنن ابن ماجه بسند حسن – وهو في غيره أيضاً – عن نبينا ﵊ أنه قال: [الاسم الأعظم في ثلاث سور] قال القاسم بن عبد الرحمن، راوي الحديث، وهو من أئمة التابعين – فطلبته هذا فوجدته في سورة البقرة وآل عمران وطه.
فهي في سورة البقرة في آية الكرسي آية (٢٥٥)
في سورة آل عمران الآية الثانية: (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم)
وفي سورة طه الآية (١١١) : (وعنت الوجوه للحي القيوم)
وما ذكر الله اسمي الحي القيوم مقترنين إلا في هذه السور الثلاث، فقوله ﷺ في الحديث [اسم الله الأعظم في ثلاث سور] قرينة – كما قال أئمتنا – على أن هذين الاسمين هما اسم الله الأعظم لكن مع هذا نقول اختلف أئمتنا لقرائن هل هو هذا، أم يا ذا الجلال والإكرام؟ أم لفظ الله؟ وقيل غير ذلك، وكل فريق أورد أدلة له، لكن هذا – الحي القيوم – فيما يظهر أظهرها؛ لأن له ميزة على سائر أسماء الله ، فإنهما كما قلنا أصلان لسائر أسماء وصفات الله فلا يستبعد أن يكونا هما اسم الله الأعظم، لاسيما مع قرينة [في ثلاث سور] .
ومبالغة النبي ﷺ في الالتجاء إلى الله عندما يهمه أمر بـ (يا حي يا قيوم) فهذا مما يدل على أن لهذا منزلة، وكذلك تعليمه لابنته فاطمة أن تلجأ إلى الله في الصباح والمساء بـ (يا حي يا قيوم) والعلم عند الله.
يقول الإمام ابن تيمية – كما نقل عنه هذا تلميذه ابن القيم في مدارج السالكين: "لهذين الاسمين المباركين الأثر في حياة القلب ما ليس لغيرهما" ويقول "ومن تجريبات السالكين أن من واظب عليه قبل صلاة الفجر أحيا الله قلبه".
أي أن من تجريبات السالكين أنهم كانوا يلهجون بهذين الاسمين قبل صلاة الفجر فيحيي الله جل وعلا قلوبهم ويجعلها منشرحة منورة مطمئنة.
стр. 1141
س: هل ثبت أن الاسم الأعظم من الغيب الذي لا يعلمه إلا الولي الصالح أو أنه استنتاج حيث أنه لم يصرح به الرسول ﷺ ؟
جـ- لم يثبت هذا عن نبينا ﵊، ونقول: هو استنتاج من أحاديثه ويتوصل إلى معرفته أصحاب العقول السليمة الواعية بالنظر في أحاديث الرسول ﷺ لأن النبي ﷺ – أحياناً – يشير إلى شيء ممكن أن يصل الإنسان إليه عن طريق النظر والتفكير فيما أشار إليه، كما في تعيين ليلة القدر فإنه ﷺ لم يحددها ولكن أشار في أحاديثه إلى أشياء يمكن التوصل عن طريقها إلى معرفة الليلة.
إذن فالتحفة الثالثة خواتيم سورة البقرة، وقد ثبت في صحيح مسلم وسنن النسائي عن ابن عباس الله ﵄: [أن جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه كان جالساً مع النبي ففتح باباً من السماء فسطع نورٌ ونزل ملك منه فقال جبريل: هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط ثم جاء إلى النبي ﵊، وقال: يا محمد، أبشر بنورين قد أوتيتهما فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته] .
وقد يقول قائل: هل نزل هذا الملك بفاتحة الكتاب وبالآيتين من آخر سورة البقرة؟
نقول: لا، الملك لم ينزل يهما إنما نزل مخبراً بفضلهما، إذ أن هذه الآيات – كما قلنا – نزلت على النبيِّ ﵊ وبُلِّغها فوق السموات العلا.
وقد ثبت في الصحيحين عن نبينا ﵊ أن المؤمنين عندما يقرؤون آخر سورة البقرة؟؟؟ جملة فيها دعاء يقول الله قد فعلت.
стр. 1142
.. (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) فيقول الله: قد فعلت؟؟؟ (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) يقول الله: قد فعلت، (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) قد فعلت، (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) قد فعلت، (واعف عنا) قد فعلت، (واغفر لنا) قد فعلت، (وارحمنا) قد فعلت (أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) قد فعلت. فلا يقرؤون بجملة إلا يقول الله قد فعلت.
... وأما سورة الفاتحة فقد ثبت في الصحيح عن نبينا ﵊ أن الله جل وعلا قال: [قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال (مالك يوم الدين) مجدني عبدي، وفي رواية: قال [فوض إليّ عبدي] وإذا قال (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي] وتكملة الحديث: [ولعبدي ما سأل] أي: بعد أن أثنى علي العبد فليسأل ما يريد فأنا سأجيبه.
س: هل الأجر المذكور فيما سبق يترتب على مجرد التلفظ أم على إدراك المعنى؟
جـ: الأصل أن الأجر يترتب على القراءة التامة الكاملة بحضور القلب وخشوعه، وفهم المعنى ومعرفته، وحسن التلاوة وسلامتها، فإن نقص شيء من ذلك نقص الأجر بحسابه.
стр. 1143
.. فإذا أخل بالقراءة السليمة نقص الأجر، وإذا أخل بالخشوع والمراقبة والاستحضار والتفكر نقص الأجر، وإذا أخل في فهم المعنى نقص الأجر، وهذا كالصلاة فإنها؟؟؟؟؟. كاملة، وكل ما نقص من كمالها ينقص من أجرها ولذلك ثبت في السنن عن نبينا ﵊ أنَّ العبد يصلي الصلاة وما يكتب له نصفها، وما يكتب له ثلثها، وما يكتب له ربعها، وما يكتب له خمسها، حتى وصل وما يكتب له عشرها، وإذ لم يكتب عشرها مع أنه صلى، والقراءة كذلك.
... فإذن الثواب الذي نيط بالقراءة وعلق بها هو للقراءة الكاملة التي فيها – كما ذكرنا – خشوع التلاوة وفهم المعنى، وسلامة النطق، فإذا أخل بشيء من ذلك نقص من أجره، وقد يصل إلى حالة: [ربَّ قارئ للقراءة والقرآن يلعنه] ، نسأل الله العافية، وقد يصل المصلي إلى حالة [لا تزيده صلاته من الله إلا بعداً] وقد يصل الصائم إلى حالة [ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش] ، وقد يصل القائم إلى حالة [ليس له من قيامه إلا التعب والسهر] .
... ولذلك كان بعض الصالحين من أجل هذه المخاوف يقول: "من لم ير أن طاعاته ستدخله الجنة فقد عقله وضاعت بصيرته، أي عليه أن يقول: إن طاعاتي قد تستوجب لي النار، فكيف بمخالفاتي، وواقع الأمر كذلك، فطاعاتنا فيها من نقص وشوائب، ولو قدمت لبشر لما رضي بها لما فيها من نقص وتفريط، فكيف لو قدمت إلى أرحم الراحمين، لكن ليس لنا تعويل إلا على فضل الله الجليل، كما قال الأعرابي عندما تعلق بأستار الكعبة: "اللهم إن استغفاري مع إصراري لؤم؟؟؟ وإن تركي للاستغفار مع علمي بواسع فضلك عجز مني، يا من تتحبب إلينا بالنعم، ونتبغَّض إليك بالمعاصي، يا من إذا وَعَد وفَّى، وإذا توعّد تجاوز وعفى أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك" الأمر كذلك فهذا حال البشر إذا رجعوا إلى عقولهم.
стр. 1144
.. ولذلك كان الصالحون يقولون: "اللهم إن أطعناك فبفضلك والمنة لك، وإن عصيناك ف؟؟؟ وعدلك والحجة لك، اللهم بحق قيام حجتك علينا وانقطاع حجتنا اغفر لنا". أي نحن؟؟؟ عاجزون مستسلمون، وحقيقة.. لعل هذا يرضي ربنا علينا.
... الحجاج وهو الظالم المشهور سفاك الدماء عندما يخاطب بمثل هذا الأسلوب يلين ويرق قلبه، فقد أساء أناس مرة في حقه فأحضرهم وأعمل السيوف في رقابهم حتى وصل إلى واحد منهم فقال له: قف أيها الأمير، قال: وماذا تريد أن تقول؟ قال: إن أخطأنا عليك وجنينا فلا تخطئ أنت؟؟؟ العفو عنا، فطرح الحجاج سيفه وقال: أما في هؤلاء من يحسن يعتذر؟! أي هؤلاء الذين قطعت رؤوسهم لا يوجد فيهم شخص واحد يحسن الكلام والاعتذار ويقول كقول هذا.
... ونقول نحن حالنا يستوجب قعر جهنم، لكن لا تعويل لنا إلا على فضل الله، فإن عذبنا فهذا ما نستحق وإن رحمنا فهذا جود منه وإحسان، أما أنه نريد أن يكون لنا عند الله يد وعليه منة ونقول فعلنا وفعلنا ونخص الحسنات، فبئس هذا العمل وهذا القول، وهذه الحسنات لا يعلم حالها عندما فعلت إلا الله ، فلنحسن التوبة والاعتذار فكما قلنا حسن الأسلوب يرق قلوب الجبابرة فكيف بأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ذي الفضل العظيم، فخواتيم سورة البقرة إذن هي التحفة الثالثة.
رابعا: رؤية الله سبحانه وتعالي:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ السموات العلا.
... ومبحث الرؤية مرّ في منهج السنة الأولى، وقد مرّ معكم مختصراً، وتكلم عن رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا يوم القيامة، لكن هناك مباحث أخرى تتعلق بموضوع الرؤية منها:
١- النساء وهل يرين ربهن في الآخرة أم لا؟
وهذه المسألة شهيرة ولم يتعرض لها في شرح الطحاوية، وقد ألف أئمتنا كتباً فيها من جملة ذلك: تحفة الجلساء برؤية النساء لرب الأرض والسماء للإمام السيوطي، وهو مطبوع ضمن الحاوي للفتاوى له (٢/٣٩٧) .
стр. 1145
والأقوال في هذه المسألة ثلاثة، والمعتمد أنهن يرين الله وهن مكلفات كما أن الذكور مكلفون، وسبب الخلاف ورود بعض الروايات التي استدل منها بعض الناس على خلاف ذلك وأورد بحثاً فقال النساء لا يرين الله جل وعلا، وهذا باطل، وكان لابد من التعرض لهذا؟؟؟.
٢- موضوع الرؤيا المنامية لربنا جل وعلا، هل تحصل أم لا؟
... نعم تحصل، والله جل وعلا يُرى في المنام، وقد رآه نبينا ﵊ – وهذا ليس بخصوصية له. وقرر هذا الإمام ابن تيمية وغيره عليهم جميعاً رحمة الله.
... يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/١٦٧) : "ولم يأتنا نص جلي بأن النبي ﵊ رأى الله تعالى بعينيه فأما رؤية المنام فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة".
... وأما رؤية الله عياناً في الآخرة فأمر متيقن تواترت به النصوص، جمع أحاديثها؟؟؟ والبهيقي وغيرهما".
... ففي رؤية الله في المنام ثابتة باتفاق أهل السنة، وقد حكى ابن حجر في فتح الباري في الجزء الثالث عشر الإجماع على أن الله يُرى في المنام.
... وقد رآه أبو حنيفة والإمام أحمد والإمام الأوزاعي وأبو سليمان الرَبْعي (محدث دمشق) ، ورآه عدد غيرهم، وأنا أعرف بعض من رآه ممن قصّ عليّ رؤيته، والله تعالى على كل شيء قدير.
... ولو كان البحث معنا في الرؤيا لذكرت الأدلة على ذلك بتوسع، لكن نذكر نزراً منها:
ثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "خير ما يرى النائم في منامه أن يرى ربه، أو نبينه ﵊، أو أبويه أو أحدهما ماتا على الإسلام".
... وثبت في سنن الدرامي في كتاب الرؤى باب رؤية الرب في المنام، ثم نقل عن؟؟؟ بسند صحيح: "من رأى ربه دخل الجنة". أي هذا هو تأويل الرؤيا إذا رآها.
... ثم بعد ذلك حديث معاذ، الذي ألف الإمام ابن رجب حوله كتاباً سماه (اختيار؟؟؟ في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) .
стр. 1146
٣- رؤية نبينا ﵊ لربنا جل وعلا، فهذه المباحث حولها شيء من الخلاف ولابد من؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الآخرين فليس لنا به الآن شغل أو علاقة لضيق الوقت، ولعله يأتي في حينه إن شاء الله في مبحث الرؤيا، فنقول وبالله التوفيق:
... اتفق أهل الحق على أن رؤية الله لم تحصل لأحد من الأنبياء في هذه الحياة الدنيا من آدم إلى عيسى ﵇ أو لأحد من البشر.
... وأن من ادعاها لنفسه أو لأحد غير نبينا ﵊ فهو ضال، وهذا محل وفاق وإجماع، لكن حصل خلاف في نبينا ﵊ فقط.
... ودليل هذا الإجماع ما ثبت في صحيح مسلم وسنن الترمذي وابن ماجه عن نبينا ﵊ أنه قال [واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا] هذا لفظ ابن ماجه.
... ولفظ الإمام مسلم في صحيحه (١٨/٥٦ – بشرح النووي) : [تعلموا (أي اعلموا) أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت] .
... وهذا الحديث ذكره نبينا ﵊ عند معرض ذكره للدجال عليه لعنة ذي العزة والجلال لأن الدجال يدعي أنه الرب، فيقول لنا النبي ﷺ يكفي في بطلان دعواه أن الله لا يرى في هذه الحياة الدنيا ولا يراه أحد من المخلوقات فيها فـ[اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا] ، والدجال أعور وربكم ليس بأعور.
فإن قيل: لماذا لم يدخل النبي ﷺ ضمن هذا الكلام لأنه عام يشمل كل أحد؟
فالجواب: أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه فيوجهه لغيره ويستثنى هو من الكلام فلا يشمله فذلك لم يدخل النبي ﷺ ضمن هذا الكلام.
стр. 1147
ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/٩٦) حيث قال بعد ذكر الحديث من رواية الإمام مسلم المتقدم "وفيه تنبيه على أن دعواه الربوبية كذب، لأن رؤية الله مقيدة بالموت والدجال يدعي أنه الله، ويراه الناس مع ذلك، وفي هذا الحديث رد على من يزعم أنه يرى الله في اليقظة تعالى الله عن ذلك،ولا يرد على ذلك رؤية النبي ﷺ له ليلة الإسراء لأن ذلك من خصائصه ﷺ فأعطاه الله في الدنيا القوة التي يُنعم الله بها على المؤمنين في الآخرة".
فذكر هنا أن الله خص نبينا ﵊ بهذا، وفي (٨/٦٠٨) منه – أي من فتح الباري عند كتاب التفسير في تفسير سورة النجم تعرض لهذا المبحث، فقال: "فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلاً فقد امتنعت سمعاً، لكن من أثبتها للنبي ﷺ له إن يقول: أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه".
فإذن النبي ﷺ لا يشمله العموم السابق فهو مستثنىً، وهذا كما أنه ﷺ أخبر هذه الأمة بأنه لا يحل لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة وقال لمن أسلم وعنده تسع نسوة [اختر أربعاً وفارق سائرهن] ، فهو لم يدخل في هذا الكلام بل له حكم خاص خصه الله به.
وهنا في هذا الحديث لا يدخل النبي ﷺ في عموم هذا الكلام ولا يقال إنه لن تحصل الرؤية حتى يموت صلوات الله عليه وسلامه.
وعليه فقد اختلف أهل السنة في مسألة رؤية نبينا ﵊ لربه ليلة الإسراء والمعراج على أربعة أقوال أذكرها على سبيل الإجمال ثم أفصل الكلام فيها عازياً كل قول لأهله من أهل السنة والسلف مبيناً دليله، مرجحاً – بعد ذلك – ما يظهر لي أنه راجح والعلم عند الله.
القول الأول: حصلت الرؤية بعيني رأسه ﷺ .
القول الثاني: حصلت الرؤية بقلبه.
القول الثالث: لم تحصل الرؤية.
القول الرابع: التوقف، فلا نقول حصلت له، ولا نقول: لم تحصل.
стр. 1148
وسنفصل الكلام فيها الآن:
المحاضرة الخامسة عشر ٩/٤/١٤١٢هـ
القول الأول:
أن رؤية نبينا ﵊ لربه جل وعلا حصلت بعيني رأسه:
... قال بهذا جمّ غفير من أئمة الإسلام، منهم: الإمام الحسن البصري، وكان يحلف على ذلك وقد أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧/٣٨١) في ترجمة العبد الصالح إبراهيم بن طهمان وهو من رجال الكتب الستة ثقة وفوق الثقة، توفي سنة ١٦٣هـ، أورد في ترجمته أنه كان يقول: "والله الذي لا إله إلا هو لقد رأى محمد ﵊ ربه".
... قال الإمام ألألوي في روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع مثاني (٢٧/٥٤) : "وأنا أقول برؤية نبينا ﵊ لربنا".
... وهذا القول قال به الإمام السخاوي وهو تلميذ الحافظ ابن حجر وصاحب كتاب المقاصد الحسنة – التحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة (١/٣٠) .
... والتحفة اللطيفة تتكلم عن المدينة المنورة كما أنه ألفت كتب في أخبار مكة مثل أخبار مكة لأزرقي، وشفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، والعِقد الثمين في أخبار البلد الأمين للإمام الفاسي،وهذا أحسن ما كتب في أخبار مكة ومن دخلها يقع في (٨ مجلدات) ، وكذلك ألفت كتب في أخبار المدينة من ذلك الكتاب السابق الذكر الذي ألفه الإمام السخاوي وهو كتاب جليل، وكتاب المغانم المطابة في أخبار طابة للفيروز آبادي.
... الشاهد أنه قال في التحفة اللطيفة: "وأنا أقول برؤية النبي ﷺ لربه" وقد انتصر لهذا القول الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد وقرره في صفحات كثيرة تزيد على الثلاثين (من ١٩٧ - ٢٣٠)
دليل هذا القول وعمدته خمسة أمور:
أولها: آثار ثابتة عن الصحابة لها حكم الرفع إلى نبينا ﵊:
١- روى ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص ١٩٩ بإسناد قوي قاله الحافظ في الفتح ٨/١٠٨ عن أنس ﵁ قال [رأى محمد ﷺ ربه] .
стр. 1149
٢- روي الإمام الطبري في تفسيره، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، والحاكم في المستدرك ٢/٤٦٩ بسند صحيح على شرط الشيخين أقره عليه الذهبي عن ابن عباس ﵄ قال: [اصطفى الله إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالتكليم، واصطفى محمداً ﷺ بالرؤية؟؟؟؟؟؟؟؟ له الرؤية، وأي هذه التحف والعطايا أغلى؟
حتما إنها الرؤية فهي أغلى العطايا.
... فموسى اصطفاه الله بالكلام، وإبراهيم اصطفاه الله بالخلة، ونبينا ﵊ حصل له التكليم – كما سيأتيننا – وحصلت له الخلة، وخلته أكمل خلة لربه ولذلك يقول خليل الله إبراهيم – كما في حديث الشفاعة وهو حديث متواتر – عندما يذهب الخلق ويقولون اشفع لنا فقد اتخذك الله خليلاً فيقول [إنما كنت خليلاً من وراء وراء، اذهبوا إلى محمد ﵊ فإن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر] .
... فإذن هو خليلٌ وكليمٌ، وله فضل لم يحصل لغيره من النبيين وهو الرؤية.
٣- روي الطبراني في معجمه الأوسط بسند لا بأس به – والأثر في مجمع الزوائد (١/٧٩) – عن ابن عباس ﵄ قال: [رأى محمد ﷺ ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده] . إذن فهذه آثار مصرحة بأن نبينا ﵊ حصلت له الرؤية للعزيز الغفار.
ثانيها: احتمال الآيات لهذا القول:
... انتبه!! هناك فارق كبير بين قولنا نص الآيات وبين احتمالها، وإذا احتملت الآية هذا فاللائق بكرم الله ومنزلة رسول الله ﵊ حصول هذا الأمر له.
ونقول: إذا احتملت وكان الاحتمال صحيحاً وجيهاً فهذا كافٍ في الدلالة.
... فإذن الآيات تحتمل ولا تنص، لأنها لو نصت لما كان هناك مجال للخلاف في هذه القضية والذي دفعنا لقول هذا الاحتمال – كما قلنا – تفضيل الله لنبيه ﵊ على غيره من؟؟؟ ولا مانع من أن تفضيله الله تعالى بهذا الأمر.
стр. 1150
.. أي أن منزلة نبينا ﵊ يليق بها حصول هذا التفضيل، فإذا احتملت الآيات ما يليق بكرم الله ومنزلة رسول الله ﵊ ثبت هذا له كما سيثبت للمؤمنين في جنات النعيم، والله على كل شيء قدير.
أما الآيات التي تحتمل هذا، فهي أربع آيات:
١- قول الله تعالى (إنه هو السميع البصير)
وقد تقدم الكلام عليها عند آية الإسراء وقلنا في تفسير الضمير ومرجعه قولان:
الأول: أن يعود على الله، وهذا هو المعتمد أي أن الله سميع بصير.
الثاني: وحكى هذا أبو البقاء العُكْبري يمكن أن يعود على النبي ﷺ أنه، أي هذا النبي الذي أسري به وعرج سميع لأوامري بصير بي حصلت له الرؤية وليس حاله كحال نبي الله موسى وهذا القول ليس هو المعتمد في تفسير الآية لكن الآية تحتمل هذا وليس في هذا الاحتمال؟؟؟ حتى نقول إنه مطروح وهذا هو المطلوب وهو كافٍ في الدلالة.
٢- قوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس)
وقد تقدم ذكر هذه الآية، وقلنا إنه ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: [هي رؤيا عين لربنا رسول الله ﷺ ] .
وهذه الرؤيا شاملة للآيات العظيمة التي رآها في الأرض وفي السماء وفي؟؟؟.
إذن إطلاق الآية بأن الله أرى نبيه ﵊ آيات عظيمة بعينيه، أفلا يدخل في هذا الإطلاق رؤيته لربه جل وعلا؟ يدخل.
وهذا احتمال في الآية وهو احتمال مقبول.
٣- قوله تعالى في سورة النجم (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى) .
في بيان المراد بالضمائر في قوله (دنا فتدلى) قولان لسلفنا الكرام:
стр. 1151
الأول وهو الظاهر: أنها تعود على جبريل ﵇، اقرأ الآيات وانظر إلى الترتيب (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علَّمه شديد القوى) . الذي علمه هو شديد القوى جبريل، تابع الآيات (ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا) أي جبريل (فتدلى فكان) من النبي ﵊ (قاب قوسين أو أدنى) ؟؟؟ الله إلى نبيه محمد ﵊ بواسطة هذا الذي دنا فتدلى في تلك الساعة ما أوحى.
... وهذا هو الظاهر من الآيات، وهو أن هذه الرؤية حصلت من نبينا لجبريل وما رآه إلا مرتين في صورته الحقيقية، مرة في حادثة الإسراء والمعراج، ومرة رآه بأجياد، وله ستمائة جناح قد سد الأفق، (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى) هذه هي الرؤية الثانية (عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ... ) الآيات.
الثاني: أنها تعود على الله فتقول (ثم دنا) أي الرب جل وعلا، وقد ثبت هذا في صحيح البخاري في حديث الإسراء: [ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى] من نبينا ﵊ وحصل بينهما ما حصل (فأوحى إليه ما أوحى) وحصلت له الرؤية.
إذن فالدنو والتدلي هنا للرب جل وعلا، ولا يقال كيف دنا وكيف تدلى؟ لأن صفات؟؟؟ إقرار وإمرار، نقر بالصفة ولا نبحث في كيفيتها فعندما يقول (الرحمن على العرش) استوى نقول الاستواء معلوم والكيف مجهول، وكل ما خاطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
... وإذا بحثت في الكيفية فقد مثلت، وإذا نفيت النص فقد عطلت، فلا تمثيل ولا تعطيل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .
والعجز عن دَرَك الإدراك إدراك ... والبحث في كنه ذات الإله إشراك
فلو قيل لنا: ما معنى استوى؟ نقول: معناها استوى، وما معنى دنا فتدلى؟ نقول: دنا فتدلى، فتفسيرها قراءتها وقراءتها تفسيرها فقط دون أن نكيف معنىً من المعاني نتخيله بأذهاننا.
стр. 1152
وعليه نقول: ليس الدنو بأغرب من نزول الرب إلى السماء كل ليلة [وهو حديث متواتر نؤمن به ومنكره ضال] .
وهذا الحديث: مع أنه صحيح البخاري إلا أنه جرى حوله كلام، رواية شريك؟؟؟ لذلك قيل: إن شريك وهم في هذا اللفظ المذكور.
... السند في صحيح البخاري صحيح لكن يوجد في المتن وهم، وهذا كما يوجد حديث في صحيح مسلم انقلب على الراوي مع أن الإسناد صحيح [حتى لا تعلم ما أنفقت شماله] والأصل [حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه] ؟؟؟؟؟ وهنا كذلك قيل إن آفة هذا الحديث وهم الراوي لا ضعف السند.
لكن الحافظ ابن حجر في الفتح كأنه لم يرتض اتهام شريك بالوهم في هذا اللفظ المذكور فقال: روى الأموي في مغازيه بسند حسن عن ابن عباس ﵄ أنه قال: [ثم دنا منه ربه فتدلى] يقول: وهذه الرواية شاهد لرواية شريك وأنه ليس بواهم فيها.
... ويكفي أن يدخل هذا المعنى – الثاني – في الآية وأن لا يقال دخوله باطل وغير محتمل، لكن هل هو راجح أم مرجوح؟ فهذا موضوع آخر.
٤- قوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك)
وتقدمت معنا، وتقدم معنا أن الشرح يراد منه أمران:
الأول: شرح معنوي، أي عن طريق شق صدره عليه صلوات الله وسلامه أربع مرات ثابتة صحيحة.
الثاني: شرح معنوي أي أن الله ألقى في قلبه العلم النافع والسكينة والطمأنينة وشرح صدره بذلك ووفقه للعمل بما ألقى في قلبه ثم رفع ذكره وأعلى مقامه ورتبته فحصل له الشرح من جميع الجهات.
فنقول: أليس من أعظم أنواع شرح الصدر رؤية الله جل وعلا؟ بلى.
وحقيقة كل شرح دون حصول رؤية الله فليس بشرح كامل، فإن الله سبحانه يمن على نبيه ﵊ بأنه شرح له صدره على وجه التمام والكمال بحيث لم يبق في هذا الصدر؟؟؟ للشرح مرة ثانية، فلو لو تحصل له الرؤية فهل حصل الشرح التام الكامل؟ أم أننا نقول إنه يحتاج إلى شرح آخر مرة ثانية؟.
стр. 1153
.. ولذلك يكتمل نعيم الجنة ويطيب برؤية الله جل وعلا، ولولا هذا لما تلذذ أهل الجنة في الجنة، فكما أن هذه الدنيا لا تطيب إلا بمعرفة الله والأنس بذكره ولولا هذا؟؟؟ الحياة علينا، فهناك كذلك الجنة بلا رؤية لله كالدنيا بلا معرفة لله، فماذا تكون الفائدة من هذه الحياة إنما تكون كحياة البهائم.
... يقول الإمام الحسن البصري – عليه رحمة الله – كما في كتاب الاعتقاد للإمام البهيقي -: "والله لو علم العابدون أنهم لن يروا ربهم في الآخرة لزهقت أنفسهم" أي لماتوا، فكيف نعبد إلهاً في هذه الحياة، لم نره في الحياة لحكمة وهي حتى لا يكون الإيمان إيمان مشاهدة، لكن أن تصبح الحياة كلها إلى ما لا نهاية لن نرى فيها نور وجه ربنا الكريم؟ فهذا مما لا يرضاه أحد.
... وإن أحدنا لا يرضاه مع الزوجة فضلا ً عن المعبود، ولله المثل الأعلى – فيتزوج زوجة لا يراها ولا تراه بل مجرد كتابة عقد هي في الهند وهو في رأس الخيمة، فهل هذا مما يرضاه أحد؟ لا هذا مما لا يرضاه أحد – وهي زوجة – فكيف بالمعبود الذي نعبده جل وعلا ثم لا نتمتع برؤية نور وجهه.
وألا يتمنى أحدنا أن يرى رسول الله ﷺ ؟!!!.
كما في معجم الطبراني عن أنس ﵁ – مرفوعاً بسند حسن – [سيوشك أحدكم يتمنى أن ينظر إليَّ ولو بأهله وماله] وواقع الأمر كذلك، ولو قيل: يمكن لكم أن تروا نبينا ﷺ ، فكيف رؤية رب العالمين؟ وكيف نعبد إلهاً لا نراه؟!!.
ساء ظن الإباضية بربهم – وهم فرقة من الخوارج – حيث يقولون رؤية الله ضلال ومن؟؟؟؟ وهل يوجد عندنا حبيب أعظم من ربنا جل وعلا الذي خلقنا ونعبده؟!!.
فإذن آنسنا الله في هذه الحياة بذكره وفي الآخرة بعد الممات لا نأنس إلا برؤية وجهه ، إذن دخول هذا المعنى في الآية لا مانع منه والآية تحتمله، وهذا غرضنا. هذا هو الدليل الثاني.
стр. 1154
ثالثها: من أثبت الرؤية فمعه زيادة علم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ:
وعندنا قاعدة مقررة: المثبت مقدم على المنافي.
... وقد حصل عندنا الإثبات في أثر ابن عباس وليس رؤية مطلقة بل قيد فقال مرة ببصره ومرة بفؤاده، فالتصريح برؤية النبي ﷺ بعيني رأسه ثابت ولنضرب مثالا ً: لو قلت للأخ إبراهيم: رأيت والدك هذا اليوم في رأس الخيمة، فقال: أنا أعلم أن والدي في مكة، فأنا أثبتُّ وهو ينفي فبكلام من نأخذ؟
نأخذ بكلام المثبت، ولا يعني هذا أن كلام النافي باطل أو أنه كذاب، لكن النافي يخبرنا ما كان، والأصل عدم ثبوت مجيء والدك إلا ببينة، فأنا أثبت – وأنت متعلق بالحال السابق، وهنا من نفى الرؤية فهو متعلق بالحال السابق، ومن أثبت فمعه دليل زائد فيقدم على النافي.
رابعاً: خصوصيات نبينا ﵊ كثير وفيرة، فما المانع من أن يخصه بهذا؟!.
س: فهل هناك محظور أو مانع؟ وهل الرؤية في الدنيا مستحيلة أم ممكنة؟
جـ: ممكنة لكن ورد الشرع بأنها لا تحصل لغير نبينا ﵊ فنحن ننفيها عن طريق منع الشرع لا عن طريق الاستحالة العقلية، ولو كانت مستحيلة عقلاً لما سألها موسى ﵊ (قال رب أرني أنظر إليك) ، ومعنى المستحيل أنه كفر، فهل يسأل موسى ﵇ كفراً من ربه؟!.
... فدل هذا على أنه كان يعلم أن الرؤية ممكنة، فإذا أراد الله أن يكرم بعض عباده بها أكرمه، فموسى تطّلع لهذا فقال الله له: إنك لا تتأهل لذلك في الدنيا، لكن انظر إلى الجبل إن استقر فسوف تراني، وتعليق الرؤية على ممكن يدل على أن الرؤية ممكنة، فلو ثبَت الله الجبل لرأى موسى ربه، لكن لما تجلى ربنا للجبل (جعله دكاً وخرّ موسى صَعِقاً) الشاهد؟؟؟ أنه علق الرؤية على ممكن فدل ذلك على أن الرؤية ممكنة.
стр. 1155
.. وإذا كان الأمر كذلك فموسى سأل الرؤية ولكنه أخبر أنه لا يتأهل لهذا في الدنيا لأنه دون نبينا ﵊ لا لنقص فيه، ولكن – كما قلنا - الكمالات تتفاوت فنبينا أفضل من موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه قطعاً وجزماً، بل قلنا – إن خليل الرحمن إبراهيم أفضل من موسى.
... فإذن الرؤية جائزة عقلاً ممتنعة سمعاً وشرعاً للحديث الذي ذكرنا [واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا] وقلنا المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، فبقي النبي ﷺ مستثنىً، فهي إذن خصوصية فما المانع منها؟ لا يوجد شيء يمنع من ذلك.
خامسها: في هذا القول تأكيد لحصول الرؤية للمؤمنين في جنات النعيم:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فنحن إذا قلنا بهذا القول نقطع الطريق على المعتزلة والخوارج الذين ينفون رؤية المؤمنين لربهم؟؟؟ هل يمكن لمخلوق أن يرى ربه؟ فنقول لهم حصل لنبينا ﵊ فإذن هي ليست مستحيلا ً فنحن سنراه في الآخرة.
لكن عندما نقول لم تحصل لنبينا ﵊ فيبقى البحث في الرؤية في الآخرة هل حصلت له ولنا أن لن تحصل لأحد؟!!.
... أما إذا قلنا أن رؤية النبي ﷺ لربه حصلت فإن هذا مما سيريحنا من مجادلتهم ونقاشهم.
القول الثاني:
يثبت رؤية نبينا علية الصلاة والسلام لربه، لكن بقلبه لا بعيني رأسه.
س: وما المراد بالرؤية القلبية هل هي العلم؟
стр. 1156
المراد من الرؤية القلبية أن يراه بقلبه كما يراه ببصره، وليس المراد منها العلم عند أصحاب هذا القول، لأن العلم مشترك بينه وبين سائر المؤمنين فكلهم يعلمون الله ولو كان المراد (رآه بقلبه) أي علمه ليلة المعراج، فهذا لا يستقيم فإنه كان يعلمه قبل ذلك وكلنا نعلم هذا فما الداعي إذن للقول بأن نبينا ﵊ رأي ربه بقلبه أي علمه؟!!!! وقد قال أصحاب هذا القول: ولا يشترط عقلاً لحصول الرؤية أن يرى الإنسان بعينيه اللتين هما في رأسه، فقد يرى بأصبعه وقد يرى برجله وقد يرى ببطنه وقد يرى بظهره وقد يرى بقلبه.
فإنه لم ير ربنا بعيني رأسه، لكن جعل له في قلبه بصراً فرأى ربه، كما كان للنبي ﷺ رؤية من وراء ظهره وله عينان يبصر بهما، ويرى من ورائه كما يرى من أمامه وهكذا جعل الله له في قلبه.
وقد قال بهذا القول أئمة أجلاء منهم:
الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والإمام ابن كثير وجمّ غفير وفي تقديري وعلمي أن هذا القول ضعيف لعدة أمور:
إطلاق الرؤية ينصرف إلى رؤية البصر لا إلى رؤية القلب، ونحن عندنا قد ثبتت الرؤية مطلقة ومقيدة، فالمقيدة أثر ابن عباس (ببصره) ، والمطلقة – كقول أنس [رأى محمد ﵊ ربه] .
ولا أعلم من أين أتى أصحاب هذا القول بقولهم إنه رآه بقلبه؟!
نقول: وثبت عنده [ببصره] وبقية الروايات عن الصحابة مطلقة، فعندما يقول أنس: [رأى محمد ﷺ ربه] فهذا اللفظ المطلق عندما يسمعه الإنسان يفهم منه أنها رؤية بصرية، لأن الرؤية إذا أطلقت فهي رؤية بصرية بعيني الرأس، فنقول: إطلاق الآثار المصرحة بحصول الرؤية لنبينا ﵊ تدل على أن الرؤية بالبصر لا بالقلب.
؟؟؟ ﵄ بأنه رآه ببصره.
٣- أن هذا خصوصية وذاك خصوصية فما الداعي لاعتبار هذا وإلغاء ذاك، وما الذي يرجح خصوصيتكم على خصوصيتنا.
стр. 1157
٤- القول بالقول الأول يدخل فيه هذا القول دون العكس.
فلو قلنا إنه رآه بقلبه فقط لما دخلت رؤية البصر، ولو قلنا إنه رآه ببصره فلا مانع من أن يراه بقلبه أيضاً.
إذن فالرؤية البصرية لا تمنع الرؤية القلبية، بخلاف العكس، وإذا كان الأمر كذلك فالذي يتناسب مع فضل الله ومع منزلة رسول الله ﵊ ودلالة الآثار أنه قد رآه بالأمرين، ببصره وبقلبه والله على كل شيء قدير.
والإباضية والخوارج والمعتزلة خالفوا في موضوع الرؤية ونفوا حصولها وقالوا هي مستحيلة فنقول نبي الله موسى سأل الرؤية، وهذا من أعظم أدلة أهل السنة على أن رؤية الله في الدنيا ممكنة فضلا ً عن الآخرة، لأنها أي الرؤية لو كانت كفراً وضلالاً فهل كان يسألها نبي من أولي العزم؟!!
وانظر إلى سفاهة الزمخشري عند هذه الآية (لن تراني) يقول لن تفيد التأبيد وهذا في الدنيا والآخرة، ونقول له: ألم يقل الله عن اليهود (ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم) ؟ ثم أخبر عنهم وعن أهل النار عموماً بأنهم سيتمنون الموت (ونادوا يا مالك ليقضي علينا ربك) فإذن المراد بـ (لن تراني) أي في الدنيا، فما الذي جعلك تقول إنه في الآخرة أيضاً لن تراه.
ثم بعد ذلك هجا أهل السنة ببيتين من الشعر في (كشافه) فيقول:
لجماعة سَمَّوا هَواهم سنة ... لجماعة حُمْرٌ لعمري موكفه
قد شبهوه بخلقه فتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفه
(حمر موكفة) هي حمير عليها الأكاف فهي مستعدة للركوب، والأكاف هو الذي يوضع على ظهر الحمار كالسراج للخيل.
(البلكفة) هي قولنا نراه بلا كيف، ويقصد أننا لما قلنا بأننا نرى ربنا خفنا أن يقول النار عنا مشبهة وأن يشنعوا علينا ويقولون كيف شبهتموه بالورى فتسترنا بالبلكفة، فحذار حذار من البلكفة فإنه من منصوبات طواغيت شيوخهم، هذا كلامه،وهو اعتقادنا بأننا كلما ذكرنا صفة قلنا: نؤمن بها من غير كيف لأن الله يقول (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .
стр. 1158
ونحن نقول إن كان هو شاعراً أفلا يوجد عندنا شعراء، فانظر بماذا أجابه أهل السنة:
هل نحن من أهل الهوى أم أنتم ... ومن الذي منا حمير موكفه
اعكس تصب فالوصف فيكم ظاهر ... كالشمس فارجع عن مقال الزخرفه
أترى الكليم أتى بجهل ما أتى ... وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفه
إن الوجوه إليه ناظرة بذا ... جاء الكتاب فقلت هذا سفه
نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى ... فهوى الهوى بك في الهاوي المتلفه
فليلزم هو وكذلك الإباضية حدهم وليقفوا عنده، هل صار أعظم نعيم نتمناه ضلال؟ والذي يسأله يكون من الكافرين؟ نعوذ بالله من هذا.
القول الثالث:
ينفي الرؤية، أي لم تحصل هذه الرؤية للنبي ﷺ ليلة الإسراء والمعراج.
تبنى هذا القول أمنا عائشة غفر الله لها ورضي عنها.
стр. 1159
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث مسروق أنه قال لأمنا عائشة: [يا أمتاه هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قفّ شعري مما قلت] ومعنى هذا أن شعري؟؟؟ من هول هذه الكلمة العظيمة فكيف تقول هذا، والإنسان إذا اعتراه وجل يصاب بمثل هذا كما قال جل وعلا (الله أنزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين لا يخشون ربهم) فإذا اعتراك وجل وهم ينقبض جلدك وكأن هناك برداً شديداً وتشعر بشعر رأسك كأنه انتصب، فهذا هو القف، ثم قالت له: [أين أنت من ثلاث، من حدثك أن محمد ﷺ رأى ربه فقد كذب، [وفي رواية فقد أعظم على الله الفرية] ورحمة الله على الإمام ابن خزيمة يقول في كتاب التوحيد ويلتمس عذراً لأمه: "قالت هذا في حال انفعال وغضب، ولا يجوز أن نقول إن من قال هذا إنه أخطأ فضلاً عن أن نقول إنه افترى فضلا ً عن أن نقول إنه أعظم الفرية" أي أن هذا الكلام صدر منها في حالة من الغضب ولا علم عندها في هذه المسألة فقالت على حسن ما عندها من العلم هذا اللفظ القاسي، فهي مخطئة في هذا وهي أمنا نستغفر لها ونترضى عنها ونسأل الله بفضله ورحمته أن يشفعها فينا إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
стр. 1160
وهذه شفاعة شرعية، وليست شركية، فإنك إذا سألت الله أن يشفع فيك أحداً من خلقه فهذه شفاعة شرعية بالإجماع، أما لو قلت: يا عائشة اشفعي لنا، فهذا هو المحظور وهي شفاعة شركية، لكن لو قلت اللهم شفع في أبا بكر، عمر، عثمان، علي ... اللهم شفع فيّ نبيك ﵊، شفع فيّ أمنا عائشة فهذا خالص التوحيد، فتطلب من الله أن يشفع لا تطلب من المخلوق، لأنه لا يشفع أحد إلا بعد أن يأذن له الرحمن ويرضى للمشفوع بحصول الشفاعة له، ولذلك نحن نطلب من الله أن يشفع فينا هذه الصديقة ﵂، ثم قالت: [؟؟؟ والله يقول (لا تدركه الأبصار) ] ولو أردنا الوقوف معها لقلنا هل يصح هذا دليلاً على نفي الرؤية عن نبينا ﵊؟ ليس فيه دليل على الإطلاق، فالإدراك هو رؤية مع إحاطة والله جل وعلا يُرى ولا يُحاط به، فإذن الإدراك معنىً زائد على الرؤية هذا هو المعنى المعتمد.
وقيل لا تدركه: على التنزل لنجعل قول أمنا معتبراً، ويكون المعنى لا تدركه أي لا تراه في الدنيا بإحاطة أو غيرها ونستثني من هذا نبينا ﵊.
وقيل: وهو المعنى الثالث: لا تدركه في الآخرة إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، فإذا تجلى بنوره الذي هو نوره فإنه لا يراه شيء في الدنيا ولا في الآخرة إلا مات واحترق والمؤمنون عندما يروه يكون بصورة تناسب قواهم في الآخرة، فإنه لو تجلى بنوره الذي هو نراه لم يره يابس إلا ند؟؟؟ ولا حي إلا مات، والأمر الثاني:
[ومن حدثك أن محمداً ﷺ كتم شيئاً مما أنزله الله عليه فقد كذب، والله يقول (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) ومن حدثك أن محمداً ﷺ يعلم الغيب فقد كذب، والله يقول (قل لا يعلم من في السموات والأرض إلا الله) ] .
следующие страницы →