← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

"وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع" ثم ذكر بعد ذلك قصصاً كثيرة منها: قول الخليل إبراهيم (والذي أطمع أن يغفر لي) فلم يُدّلَ بعمل بل يطمع من الله بالمغفرة، ومنها قول أبي بكر وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، وذلك لما قال النبي ﷺ : ما نفعني مال كمال أبي بكر، فقام أبو بكر وقال ذلك، فانظر لحال العقل الكامل، وهكذا أورد كلاماً لعدد من الصالحين ثم يقول: "وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع" فإذن هذا فعل عقلاء هذه الأمة، وانظروا لصلحاء بني إسرائيل، ومنهم هؤلاء الثلاثة يقول:"وقد روي عن أقوام من صلحاء بني إسرائيل يدل على قلة الإفهام لما شرحتُه لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدلوا بهما (١) ، فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة، وأخرج الله له كل ليلة رمانة، وسأله أن يميته في سجوده فإذا حشر قيل له: ادخل الجنة برحمتي قال: لا بعملي، فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة فلا يفي، فيقول: يا رب برحمتك (٢) ،

стр. 1997

وكذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة فإن أحدهم توسل بعمل كان ينبغي أن يستحي من ذكره – وهو أنه عزم على الزنا ثم خاف العقوبة فتركه – فليت شعري بماذا يُدلّ من خاف أن يعاقب على شيء فتركه لخوفه العقوبة (١) إنما لو كان مباحاً فتركه كأن فيه ما فيه، ولو فَهِم لشغله خجله من الإدلال، كما قال يوسف: (وما أبرئ نفسي (٢)) والآخر ترك صبيانه يتضاغنون إلى الفجر ليسقي أبويه وفي هذا البر أذىً للأطفال (٣) ، لكن الفهم عزيز، وكأنهم لما أحسنوا قال لسان الحال أعطوهم ما طلبوا، فإنهم يطلبون أجرة ما عملوا، ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه، ولكان كل كامل خائفاً محتقراً لعمله حذراً من التقصير في شكر ما أنعم عليه، وفهم هذا المشروح ينكّس رأس الكبر ويوجب مساكنة الذل، فتأمله، فإنه أصل عظيم" أ. هـ إي والله إنه أصل عظيم، وما رأيت هذا المعنى إلا في صيد الخاطر، وهو أن هؤلاء توسلوا إلى الله بعمل كان ينبغي أن يستحي بعضهم من ذكره، لكن الفهم عزيز، فقضى الله حاجتهم، وهو أرحم الراحمين. إذن أن يصدر سبب من المتوسل نحو المتوسل به، وهذا هو أحد الفرعين للصورة الثانية. الفرع الثاني: أن يصدر سبب من المتوسل يقتضي حصول طلبك والتوسل في هذه الحالة أيضاً شرعي.

стр. 1998

مثاله: أن يتوسل مخلوق إلى مخلوق فيقوم المتوسل به فيدعو يشفع للمتوسل أو: أن يقول شخص: نتوسل إليك يا رب بالعبد الصالح فلان – ولابد من أن يكون موجوداً بينهم ليس بغائب – فيقوم ذاك العبد الصالح ويقول: يا رب اقض حاجتهم وفرج كروبهم والطف بهم وردّ عنهم عدوهم، إذن دعا لنا ونحن طلبنا من الله أن يجيب دعاءه. كذلك: إذا جرى من المتوسَل به سبب نحو المتوسِل إلى المتوسِل إليه وهو الله جل وعلا فدعا لك من توسلت به، وشفع لك. وهنا أنت لم تتوسل بذات المتوسل به، ولا بجاهه ولا بمنزلته بل بسبب صدر وجرى منه من دعاء وشفاعة وطلب ونحو هذا. مثاله من السنة: ثبت في صحيح البخاري (٢/٤٩٥- مع الفتح) عن أنس ﵁ قال: [إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحِطوا (١) استسقى بالعباس بن عبد المطلب ﵁، فيقول – أي عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا (٢) ﵊ فتسقينا وأنا أتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال أنس: فيسقون] . وورد في رواية الإسماعيلي (٣) عن أنس ﵁ قال: [كانوا إذا قحطوا عهد عهد رسول ﷺ استسقوا بالنبي ﵊، فيستسقي لهم فيسقون، فلما كانت إمارة عمر ﵁ استسقى عمر بالعباس] ﵃ أجمعين. وورد في المصنف لعبد الرزاق أن عمر ﵁ قال بعد أن قال ما تقدم في صحيح البخاري: [قال للعباس: يا عباس يا عم رسول الله ﷺ قم فادع] أي نحن طلبنا من الله أن يقضي حاجتنا بدعائك، فقم ونفذ هذا الطلب وادع لنا ليقضي الله لنا حاجتنا.

стр. 1999

وورد في كتاب الزبير بن بكار في تاريخ المدينة المشرفة أن عمر بن الخطاب ﵁ قال عندما قحطوا: [إن النبي ﷺ كان يرى العباس للعباس ما يرى الولد للوالد – أي من المنزلة – فاقتدوا برسول الله ﷺ في عمه العباس واجعلوه وسيلة لكم بينكم وبين الله] والمراد بالوسيلة هنا الواسطة الذي سيدعوا ونحن نؤمن على دعائه. وثبت في كتاب الزبير بن بكار أن العباس ﵁ دعا فقال: [اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة وقد توجه (١) القوم بي إليك لمنزلتي من رسول الله ﷺ وهذه أيدينا إليك بالذنوب (٢) ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث] قال: أنس ﵁: فأرخت السماء مثل الجبال (٣) حتى أخصبت الأرض وعاش الناس] . وهذا الذي فعله عمل لم يفعله تخرصاً من رأيه ولا اجتهاداً من ذهنه ـ إنما فعله بناءً على أثر ثابت – كما ذكرنا – عن نبينا ﵊ أنه كان يوجه أمته إلى مثل هذا التوسل، وهو أن نتوسل بدعاء فلان.

стр. 2000

إخوتي الكرام..... بالنسبة للجدب الذي يقع فيه الناس ينبغي أن يتوبوا إلى الله جل وعلا وأن يلجأوا إليه ليغيثهم ويفرج كروبهم، واستسقاء عمر كان في عام الرمادة الذي وقع سنة (١٨) هـ وفي ذلك العام لم ينزل من السماء قطرة ماء وبقي الحال على ذلك تسع أشهر، وسمي رمادة لأن الأرض صارت كالرماد ينسف نسفاً فليس فيها حشيشة خضراء ونتيجة لذلك كادت المواشي أن تهلك وتموت، ويموت الناس تبعاً لذلك لاسيما في العصر الأول لأن قوتهم من الأرض ومن هذه المواشي التي تتغذى على الأرض فاشتد الأمر على المسلمين ثم قدم عمر ﵁ العباس فاستسقى فسقي الناس. والعباد عندما تكثر منهم المعاصي يبتليهم الله جل وعلا بأنواع المحن، ولما حصلت رجفة في المدينة المنورة قال عمر: "أحدثتم والله، والله لو رجفت ثانية أساكنكم فيها وسأخرج منها" فالقحط يقع عندما يعصي العباد ربهم كما قال العباس [ما نزلت عقوبة إلا بذنب ولا ترفع إلا بتوبة] وهكذا الزلازل والفيضانات التي تقع هذه الأيام في بلاد الكفر ونسأل الله أن يغرقهم على بكرة أبيهم كما غرّق قوم نوح، إنه على كل شيء قدير، وأن يلهمنا رشدنا وأن يتوب علينا.

стр. 2001

ووالله الذي لا إله إلا هو ما يمنع الله عقوبته عن الكفار إلا لفساد فينا، ولو كان فينا صلاح واستقامة لأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فإذا كنا ضعافاً وليس عندنا قوة على مقاومتهم فإن معنا القوي الذي يمكر من حيث لا يعلم العباد، وأسلحتهم التي يجبرون بها ويتكبرون يدمرهم الله بها والله على كل شيء قدير، كما دمر أهل اليمن عندما فعلوا ما فعلوا وعتوا عن أمر ربهم، دمرهم بالسد الذي بنوه كما قال تعالى: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق الله واشكرا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم (١) وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أُكُلٍ خمطٍ وأثلٍ وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) . وهكذا تلك البلاد التي تجبرت وتكبرت وأنعم الله عليها فطغت وبطرت ولو وجد عندنا ما يستدعي عقوبتها لعاقبها الله، لكن يوجد عندنا من ينبغي أن يعاقب قبل أولئك، وما تأخرت عقوبتنا أيضاً إلا لما فينا من بقايا الصالحين. يذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) في حوادث ٧١٨ هـ، وكان قد أدرك ذلك الأمر وهو في سن السابعة عشر تقريباً، فيخبر عن القحط الذي وقع في بلاد المشرق في الجزيرة بلغ عن ذلك القحط أنهم أكلوا الجيف ونبشوا القبور وأكلوا الموتى وأكلوا الكلاب، حتى أن الأم بدأت تأخذ ولدها وتبيعه من أجل أن يستعمله ويعطونها ثمناً خمسين درهماً، وبدأ الناس يذبحون أولادهم أيضاً ليأكلوهم ويذكر أبو شامة في كتابه (الذيل على الروضتين) أنه حدث في سنة ٥٩٧ هـ ما لا يخطر ببال بشر، كان الناس يدعون الأطباء إلى بيوتهم بحجة العلاج فإذا دخلوا ذبحوهم وأكلوهم حتى أنهم أكلوا القطط والكلاب أيضاً ونبشوا القبور وأكلوا الموتى والجيف، حتى أن الأم كانت تمسك ولدها ليذبحه الوالد وأكلانه، وصلب السلطان كثيراً من الناس الذين فعلوا هذه الفعلة الشنيعة.

стр. 2002

وهذه النعم التي الآن نأشر بها ونبطر، والله الذي لا إله إلا هو أتوقع زوالها أكثر من توقعي لمجيء الغد، وقدر الله إذا حلَّ ونزل ينزل كلمح البصر وليس له نذر تتقدمه (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس) ولا يوجد عصر تنطبق عليه هذه الآية كعصرنا، فنسأل الله لطفه ومعونته وستره إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. س: ما الفرق بين البلاء والابتلاء؟ جـ: إذا نزل البلاء بالإنسان واعتبر به وحسَّن حاله فهذا مكفر له، وإذا نزل البلاء بالإنسان ولم يكن هناك اعتبار منه ولا انزجار فهذه نقمة له.

стр. 2003

مثال آخر له: - كتوسل عمر بالعباس – ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمزي وابن ماجة، ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن عثمان بن حُنَيْف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوتُ لك، وإن شئت صبرت فهو خير لك، فقال: بل ادع (١)

стр. 2004

فقال له النبي ﷺ : توضأ فأحسن الوضوء ثم صلِّ ركعتين وقل (١) اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه فيّ (٢) ] زاد الحاكم: [وشفعني فيه] ، فما برح الأعرابي من مكانه حتى رد الله عليه بصره. فهنا الأعرابي توجه لله بدعاء النبي ﷺ ، وليس بذاته فانتبهوا!! رحمة الله على الإمام النووي يذكر عند شرحه للحديث المتفق عليه [الكمأة من المن (٣)

стр. 2005

وماؤها شفاء العين] في شرح صحيح مسلم أن بعض شيوخه في بلاد الشام عَمِيّ، فتداوى بالكمأة تبركاً بإشارة النبي ﷺ إلى العلاج الذي فيها للعين، فأخذها وغلاها في الماء وبدأ يقطر هذا الماء في عينيه فما مضت عليه إلا أيام يسيرة حتى عاد إليه بصره بإذن الله. والتداوي بالقرآن وهكذا التداوي بعد ذلك بالأدوية النبوية التي أخبرنا بها خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، هذه حجبنا عنها بما عندنا من الأدوية المركبة، وقد كان يكفينا العلاج القرآني والنبوي، ومن ينظر في المجلد الرابع من كتاب زاد المعاد يجده كله من أوله لآخره يتكلم عن الطب والعلاج، ويذكر أحاديث نبوية وأذكاراً تقال عند بعض الأمراض كالأرق، واللدغ، ونحوهما ... وهذا الذي حصل للضرير الذي جاء للنبي ﷺ يعتبر خارقاً للعادة ويسمى معجزة لأنه جرى على يدي نبي. س: هل لما طلب الأعرابي العلاج بعد التخيير لن يدخل الجنة؟ جـ: قطعاً سيدخل وليس عندنا شك في ذلك، فهو لما قال له إن شئت صبرت فهو خير لك أي لك الجنة ليس المراد من هذا أنه إن صبر له الجنة بل المراد شيئاً أعلى من البشارة بالجنة فهو إن صبر له الجنة مع رفعة المكانة، وإن لم تصبر فليس لك هذه الرفعة للمكانة إنما لك الجنة مصداقاً لحديث الرسول ﷺ – في البخاري – [إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – فصبر، عوضته منهما الجنة] ثم إنه صحابي مؤمن، والمؤمنون في الجنة فكل من بُشر بالجنة هو ليس له بشارة بالدخول فقط، بل له بشارة بالدخول مع شيء آخر مع ذهاب الخوف والفزع يوم الفزع الأكبر مع منزلة خاصة ... وسأضرب لذلك مثلاً: لو أن إنساناً عمل حفلة ودعى الناس إلى هذه الحفلة دعوة عامة بحيث أن كل من جاء سيدخل، لكنه وجه بطاقات دعوة خاصة لأشخاص مقربين، فإذا جاء الناس إلى الحفلة كلهم سيدخلون لكن من عنده بطاقة دعوة ستأخذه إلى غرفة خاصة، فهم الآن لهم شأن، ولله المثل الأعلى.

стр. 2006

فهذا إذا بُشر ونحن إذا أكرمنا الله ودخلنا الجنة فيكون كلنا قد دخلها، هو ونحن لكن هو له اعتبار خاص ومزية خاصة إن كان قد صبر، وإن لم يصبر فله أيضاً مزية وهي بسبب الصبر على هذه البلية، هذا هو المعنى وليس المعنى أنه إن دعا له النبي ﷺ فلن يدخل الجنة، ونحن نجزم أن الصحابة كلهم من أهل الجنة لكن دون تحديد لأعيانهم إلا من ورد فيه النص، كما أننا نجزم بأن جنس المؤمنين كلهم من أهل الجنة لكن دون تحديد لأعيانهم لأننا لا ندري بأي شيء سيختم لهم، لكن لو علمنا أن هذا خُتم له على الإيمان فهو من أهل الجنة قطعاً وجزماً، وسيدخلها إن عاجلاً مع الباقين، أو آجلاً بعد أن يعذب ويطهر، لا، الله أعطانا عهداً بأن من ختم له على الإيمان سيدخله غرف الجنان. إخوتي الكرام.... هذا الحديث – حديث عثمان بن حنيف – قال عنه الإمام الشوكاني في كتابه (تحفة الذاكرين) صـ٣٧ وصـ١٣٨ صلاة الحاجة: "في هذا الحديث دليل على جواز التوسل بالنبي ﷺ ، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله، وأنه المعطي المانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن". وهذا الكلام الذي قاله الشوكاني لا يزيل الإشكال الذي زيد إزالته، فنقول: إن هذا التوسل ليس بذات النبي ﷺ ، فكان ينبغي أن يقول: "إن هذا التوسل بدعائه ... " ولذلك عَلّقوا على كلام الإمام الشوكاني، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، في كتابه النفيس (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) واحرصوا على هذا الكتاب فهو أحسن ما كتب في التوسل، قال في صـ٦٥: "وهذا التوسل – أي توسل الأعمى بالنبي ﵊ هو من النوع الثاني" أي من التوسل بدعاء المتوسَل به، فهو كنظير توسل عمر بالعباس ﵃ أجمعين. إخوتي الكرام.... إذن لابد من سبب إما من المتوسِل نحو المتوسَل به وإما من المتوسَل به. الرسم التخطيطي

стр. 2007

بعد أن انتهينا من هذه المسألة المهمة عندنا سؤال، وهو يرد على كثير من الأذهان فلابد من الجواب عليه. سؤال: لو قال قائل: أسألك يا رب بجاه / بمنزلة / بشرف / بنبوة / بمكانة / نبيك ﷺ أن تقضي حاجتي وكذلك لو قال أسألك يا رب بجاه / بمنزلة / بشرف / بنبوة / بمكانة / أبي بكر ﵁ أن تقضي حاجتي وكذلك لو قال في حق غيرهما أيضاً، وهذا النوع فاشٍ في هذه الأيام، فهل يجوز التوسل بهذه الكيفية أم لا؟ والجواب: أنه لا يجوز مثل هذا النوع من التوسل ويمكن تقرير هذا الجواب بخمسة أجوبه: الجواب الأول: أننا نعلم يقيناً أنه لا حق للمخلوق على الخالق فمن توسل بحق مخلوق على الخالق، فقد خالف الأمر الشرعي.

стр. 2008

فإن قيل: ورد عن نبينا ﵊ حديث يشير إلى أن للمخلوق حقاً على الخالق، والحديث في المسند والصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كنت رديف النبي ﷺ على حمار اسمه عُفير، وليس بيني وبينه إلا مثل مؤخرة الرحل (١) فقال لي: يا معاذ قلت: لبيك رسول الله وسعديك (٢) ، فسار النبي ﷺ ساعة (٣) ، ثم قال ثانية: يا معاذ، قلت لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة، فقال في الثالثة: يا معاذ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، فقال: أتدري ما حق الله على عباده؟، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار النبي ﵊ ساعة فقال في الرابعة: يا معاذ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك] انتبه!! [قال أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه (٤) ،

стр. 2009

قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقهم على الله ألا يعذبهم، قلت: يا رسول الله، أفلا أُبشّر الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا] أي خشية أن يصبح عندهم شيء من الغرور والأماني وترك العمل ويقولوا ما دمنا موحدين فلن يعذبنا الله، فيفتر عزمهم في الطاعات – وهذا حال البشر – فلا يتهجدون ولا يتنفلون ولا يكثرون من الصدقة ولا من الذكر ولا من الدعاء ولا يتنافسون في أمور الخير (١) . إخوتي الكرام ... الشاهد أنه أوجب لهم حقاً في هذا الحديث ونقول: لا إشكال في هذا الحديث، لأن هذا الحق هو محض فضل من الله ومحض كرم منه والعبد لا يستحق هذا على ربه لأنه مخلوق له وتوفيقه بالطاعة هو من فضل الله، فكيف إذن يستحق على الله شيئاً؟!! وقد تقدم معنا أنه لن ينجو أحد النار إلا بفضل الله، ولن يدخل الجنة إلا برحمته: فإن يثيبنا فبمحض الفضل ... وإن يعذبنا فبمحض العدل

стр. 2010

إذن فحق العباد هنا هو تفضل الله به عليهم، وقد ثبت في سنن أبي داود وابن ماجه وصحيح بن حبان ومسند الإمام أحمد عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي قال: [لو عذب الله أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم] وهذا محض عدل [ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم] أي: خيراً من أعمالهم. إذن فأنت عندما تقول: أسألك بحق نبيك، فهل للمخلوق حق على الخالق؟ لا، وقد تقدم معنا أنه "لو عذب الله وحاسب نبيه محمداً ﷺ وعيسى بن مريم بما جنت السبابة والإبهام لعذبهما ثم لم يظلمهما" ولو عذب الله جبريل فمن دونه من المخلوقات في العالم الأعلى والأسفل لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم. تنبيه: إن قيل: إن النبي ﷺ نهى معاذاً عن البشارة وقد بلغنا، وقد ورد في آخر الحديث، فأخبر معاذ بها – أي بهذه البشارة – عند موته تأثماً أي خشية الإثم، فكيف ينهى عن التبشير ثم يبلغ ويبشر بهذا الحديث؟ أجاب العلماء عن ذلك بأربعة أجوبة: أولها: وهو اختيار الحافظ ابن حجر، وهو: أن معاذاً فهم من المنع كراهة التنزيه (خلاف الأولى) أي أن النبي ﷺ نهاه مرشداً له إلى الأكمل، لا أن عليه إثماً إذا أخبر بذلك، فتعارض هذا مع الأحاديث الآمرة بالبيان وعدم الكتمان لحديث [من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار] فأخبر بذلك دفاعاً للوقوع في المحرم وهو الكتمان وإن وقع في خلاف الأولي وهو التبشير.

стр. 2011

ثانيها: وهو اختيار القاضي عياض وهو: أن النبي ﷺ لم يرد من نهي معاذ عن البشارة النهي لا التحريم ولا التنزيه، إنما أراد أن يكسر عزمه، لئلا يذهب معاذ إلى الأسواق والمجامع وينادي حقكم على الله ألا يعذبكم إذا عبدتموه وبالتالي يحصل سوء فهم لهذه البشارة على حقيقته فكسر عزمه وقال لا تخبرهم أي الآن في هذا الوقت وأنت مندفع ومتحمس، لكن أخبرهم بعد أن تتروى ويخف الأمر على نفسك. وهذا الجواب لعله أوجه الأجوبة. ثالثها: وقد ذكره القاضي عياض ذكراً فقط، وهو: أن معاذاً فهم المنع والتحريم من النهي، ثم تبين له النسخ بعد ذلك بالأحاديث التي فيها حض على نشر العلم وتحريم كتمانه، فبلغ الحديث. وهو وجه ضعيف، لأنه لو كان الأمر كذلك لما أخر معاذ هذا إلى وقت وفاته. رابعها: وقد ذكره الإمام ابن الصلاح: أن النبي ﷺ نهى معاذاً عن البشارة العامة ورخص له بالبشارة الخاصة، وهذا هو الذي فعله معاذ، فإنه لم يخبر الناس في مجامعهم، لكنه أخبرهم عندما احتضر، والعادة أنه لا يحضر مجلس المحتضر إلا خواصه وأصحابه ليسلوه ويثبتوه ويدعوا له فأخبرهم عند موته. أظهر الأجوبة والعلم عند الله الجواب الثاني، وأما الجواب الثالث ففيه بعد، والجوابان الأول والرابع مقبولان والعلم عند الله. الجواب الثاني:

стр. 2012

إذا قيل: ورد عن نبينا ﵊ السؤال بحق السائلين وهذا توسل بحق مخلوق، ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد ومسند بن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري والحديث رواه الإمام ابن السني في كتابه (عمل اليوم والليلة) من حديث بلال وأبي سعيد الخدري، ورواه أيضاً أبو نُعيم في كتاب الصلاة، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، ولفظ الحديث. عن نبينا ﵊ أنه قال: [من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تدخلني الجنة وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قال ذلك: أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك] فهنا ورد [بحق السائلين] فكيف هذا؟ والجواب: أن السؤال بحق السائلين هو توسل إلى رب العالمين بما جعل الله سبباً لإجابة دعاء المخلوقين وذلك السبب هو: دعاء الله وعبادته، وكأن القائل للدعاء المتقدم يقول: يا رب إنك وعدت السائلين الإجابة وقطعت وعداً على نفسك بذلك لما قلت (ادعوني أستجب لكم) فأسألك بذلك الوعد الذي قطعته على نفسك وأسألك بحق السائلين هذا أن تجيرني من النار وأن تدخلني الجنة وأن تغفر لي ذنوبي (١) وهذا توسل بمعنىً مقبول فإن هناك ارتباطاً وملازمة بين المتوسَل به وبين المتوسِل.

стр. 2013

وليس من هذا النوع سؤال المخلوق الخالق بحق مخلوق أو بصلاحه أو بجاهه أو بمنزلته، لأن كون المخلوق له منزلة وله جاه وله قدر وله شرف وله رتبة ليس ذلك بمعنىً موجب لإجابة الدعاء، فأي مناسبة بين صلاح إنسان ما وبين توسلك إلى الله بصلاحه في إجابة دعائك؟!! وأي مناسبة بين نبوة وجاه ومنزلة النبي ﷺ وبين دعائك. ثم إن السؤال بالجاه والمنزلة يستوي فيه الكافر والمؤمن فلو قال الكافر يا رب أسألك بجاه بينك أن تقضي حاجتي، ولو قال المؤمن يا رب أسألك بنبيك ﷺ – أن تقضي حاجتي لاستوى الأمر، فهذا الكلام لو قاله الكافر لما أمر به ولو صار مؤمناً بقوله هذا، ولو قاله المؤمن لما دل على أنه متبع، بل لابد من سبب منك نحو المتوسّل به، أو منه، أو نفس الجاه والمنزلة فليس بعله في إجابة الدعاء ولا يوجب قضاء الجوائج، ولا يلزم من حصول ذلك الجاه، قضاء حاجتك إلا إذا آمنت به، فقل: اللهم إني أسألك بإيماني بمنزلة نبيك ﷺ أن تقضي حاجتي، ولا حرج في ذلك، ثم إن التوسل هنا بحق السائلين إنما توسل بأمر قد وعد الله به عباده فآل الأمر إلى توسل بسبب من المتوسِّل، لأن الله قطع على نفسه عهداً أن يجيب السائل، فنحن كأننا نقول: نسألك يا رب بذلك الحق الذي آمنا به وصدقنا أن تجيب دعاءنا والدليل على إيماننا هذا الدعاء منا. تنبيه: حديث أبي سعد وبلال هذا ضعيف على انفراده، قال أئمتنا: هو مسلسل بالضعفاء. وقد حكم عليه بالضعف الإمام النووي في الأذكار والإمام المنذري في الترغيب والترهيب، لكن الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله حسنه في تخريج أحاديث الأذكار لكثرة طرقه وشواهده. وعليه فهو ضعيف على انفراده، لكن له شواهد ترفعه لدرجة الحسن، فلا مانع من الدعاء به إذا خرج الإنسان إلى المسجد. الجواب الثالث:

стр. 2014

قررنا في الجواب السابق أن هذا التوسل يؤول في النهاية إلى أنه توسل إلى الله بفعلنا، ويمكن أن يقال هنا في هذا الجواب، أن هذا من باب التوسل إلى الله بأفعاله أيضاً، فالله جل وعلا عندما وعد السائلين العطاء والداعين الإجابة فهذا فعل من أفعاله، ويجوز أن نتوسل إلى الله جل وعلا بأفعاله وصفاته كما يجوز بذاته، فكأننا نقول: يا رب كما أنك تعطي السائلين وتجيب الداعين نتوسل إليك بهذا الفعل الذي يجري منك والذي تكرمت به علينا وأن تقضي حوائجنا وأن تعطينا طلبنا (دخول الجنة، والإجارة من النار، ومغفرة الذنوب) . وكل من الجوابين أفادهما الإمام ابن تيمية في كتابه الجليل (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) من صـ٥٢ إلى صـ٦٥، وأعاده في صـ١٤٥ إلى صـ١٤٧. الجواب الرابع: في جواب أنه لا يجوز أن نقول بحق فلان ... أنه لو كان التوسل بالجاه مشروعاً لاستوى الأمر في ذلك كون المتوسَّل به حياً أو ميتاً وإذا كان الأمر كذلك فجاه نبينا ﵊ أعلى جاه وأرفعه وأتمه، فلو كان التوسل بجاهه جائزاً لما عَدَل عمر عن التوسل بجاه النبي ﷺ إلى العباس، لان جاه نبينا ﵊ جاه رفيع عالٍ لا يختلف سواء كلن حياً أو ميتاً. ولم ينقل عن صحابي أنه توسل بجاه النبي ﷺ ، بل غاية ما قاله عمر كما تقدم في صحيح البخاري [إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﵊ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ﵊ فاسقنا] . فإذن عدول الصحابة عن التوسل بجاه نبينا ﵊ بعد موته دل على أنه لا يجوز التوسل بجاهه في حياته لأن الجاه لا يختلف حياً أو ميتاً، نعم كانوا يتوسلون به لكن بدعائه واستشفاعه لا بجاهه، ولو كانوا يتوسلون بجاهه في حياته لتوسلوا بجاهه بعد مماته. الجواب الخامس: وهو آخر الأجوبة:

стр. 2015

نقول: أمور الاعتقاد ينبغي فيها غاية الاحتياط ولو سلمنا جدلاً وتنزلاً – بعد أن قررنا في الأجوبة الأربعة الماضية أنه لا يجوز – لو سلمنا أن هذا النوع من التوسل اختلف في جوازه مع أن المذاهب الأربعة يقولون: "ولا يُسأل الله إلا به (١) فلا تقل: أسألك بملائكتك أو أنبيائك أو رسلك" وهذا نص متن الحنفية في كتاب (الاختيار) وهذا على سبيل المثال لو سلمنا أن فيه خلافاً فتركه متعين عند المهتدي خشية أن يكون فيه ضلال وهو لا يدري فليترك الصيغة المختلف فيها فليقل صيغة لا اختلاف فيها. إخوتي الكرام.... انتبهوا!! نظير هذه المسألة مسألة شد الرحل لزيارة النبي ﷺ هل يجوز أم لا؟ فالإمام ابن تيمية قال: لا يجوز شد الرحل لزيارة النبي ﷺ لأن النبي ﷺ قال: [لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد] ، فجاء الإمام السُبكِي ورد عليه بعد ذلك بكتاب سماه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) ، ثم ألف الإمام الحافظ ابن عبد الهادي بعد ذلك كتاباً رد فيه على السبكي سماه (الصارم المُنْكِي في الرد على السُبْكِي) .

стр. 2016

إخوتي الكرام ... والله ما أدري أن الأمر يستدعي هذا الخلاف الطويل الشديد، ولا أرى هذا مشروعاً، فالمسألة تحل بسهولة، قال لي بعض الإخوة مرة، وأنت ما رأيك في المسألة فقلت: والله إن المسألة أقل من أن نبذل جهداً في حلها، ثم قلت له: هل تجوز زيارة مسجد النبي ﵊ أم لا؟ قال: بالإجماع تجوز، قلت: وإذا دخلنا المسجد فهل يجوز أن نسلم على النبي ﵊ وأن نبكي في الروضة المشرفة شوقاً إليه وحزناً على عدم رؤيته أم لا؟ قال: يجوز، قلت: إذن لا خلاف في المسألة، فلماذا بدلاً من أن أقول شددت الرحل إلى زيارة النبي ﷺ أقول شددت الرحل لزيارة المسجد ثم بعد دخول المسجد أزور النبي ﵊، فلماذا لا ينوي من يريد زيارة النبي ﷺ نية مجمعاً على جوازها ولا يقول لأى أحد إنك قد ابتدعت، لأنه نحن في الأصل لا خلاف بيننا في النهاية أنا وأنت سنزور النبي ﷺ ، لكن اختلافنا في القصد هل نشد الرحل للزيارة المجردة أو للمسجد قلت: ما أحد يشد الرحل للزيارة المجردة، فهل يعقل أن يذهب أحد إليه ولا يصلي فيه مع أن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة؟!! وهل يعقل أن يذهب أحد للروضة ولا يصلي فيها؟!! هذا مستحيل. إذن فالذي يذهب إلى المدينة المنورة فلينو الذهاب إلى المسجد ثم يقول بعد ذلك: سأزور النبي ﷺ ، ولا حرج في ذلك إن شاء الله. بعض المتوسلين ممن كان يتوسل بجاه النبي ﷺ قال لي – وهو يعلم أنني لا أجيز هذا – وكأنه يريد أن يتحداني -: يا شيخ هؤلاء الوهابية يقولون لا يجوز التوسل بجاه النبي ﷺ ، فإذا لم يكن للنبي جاه فمن له جاه؟!

стр. 2017

إخوتي الكرام ... لو أردت أن أقابل عنفه بعنف فلن نصل إلى حل، فقلت له: يا عبد الله لا أريد الآن لا وهابية ولا صوفية، هذه الشريعة إسلامية ونحن نعبد الله بها، وأقل ما في هذه الصورة التي تقولها أن فيها خلافاً وعندنا صيغة أخرى تؤدي مدلولها وفيها زيادة عليها ولا خلاف في جوازها، قل: أسألك بحبي لنبيك ﵊ أن تقضي حاجتي وأرح نفسك وخلص الأمة من الخلافات والمشاكل وهل صار الدين نكاية ببعضنا، فلكوني لا أجيز هذا أنت ستتحداني، بل تعال يا عبد الله لنقل كلمة مجمع عليها، أنا أقول لك جزاك الله خيراً، وأنت تقول لي جزاك الله خيراً، وأنت مهتد وأنا مهتدي إن شاء الله تعالى. إخوتي الكرام.... بالنسبة لتوحيد كلمة الأمة والتأليف بين القلوب هذا مطلوب لاسيما إن لم يكن في ذلك ترك لركن أو شعيرة، ولم يكن فيه احتقار للنبي ﷺ ، أما لو كان فيه ذلك وكان فيه احتقار للنبي ﷺ فإننا لا نوافق أهل الأرض على كلامهم بحجة التأليف وتوحيد الكلمة فلا مجاملة في دين الله، والأمر الذي عندنا ليس كذلك فليس في توحيد الكلمة فيه ترك لركن أو شعيرة بل وهو مما ليس فيه أيضاً احتقار للنبي ﷺ . ولذلك يجب على المهتدي أن يقول صيغة في توسله لا خلاف فيها حتى، لا يُعترض عليه لاسيما أننا في أمر اعتقاد، وليس في أحكام عملية فرعية حتى يُقال دعوا الأمة في سعة، وقد تقدم معنا إخوتي الكرام ما يشير إلى هذا عند كلام الإمام أحمد في

стр. 2018

أنه يجوز القسم بالنبي ﷺ وذكرت لكم هذا، وأننا إذا أقسمنا بالله فهو قسم جائز بالإجماع، وإذا أقسمنا بالنبي ﵊ فهو مما فيه خلاف، فلنترك ما فيه خلاف إلى ما لا فيه خلاف، وهنا كذلك، التوسل بحب النبي ﷺ أو بنحوه من التوسل الجائز أفضل من التوسل بالجاه لأنه مما أُجمع على جوازه، ثم إن فيها معنىً أعلى من التوسل بالجاه أيضاً، بالإضافة إلى ما فيها من توحيد القلوب وتآلفها، ودين الله ليس نكاية ببعضنا البعض، فنحن كلنا نتبع نبياً واحداً ﵊ ونعبد إلهاً واحداً، فأنا إذا رأيت فعلك شرعياً، وعندي بعد ذلك رأي يمكن أن يخالف فعلك، فأقول: أفعل الفعل الشرعي الذي تفعله كي أوافق أخي وأترك رأيي وإن كان شرعي خير وأحسن من فعل يفعله واحد وهو شرعي. ... إخوتي الكرام ... الاحتياط في أمور الاعتقاد مطلوب، وإذا رأيتم من يفعل هذا النوع من التوسل – وما أكثرهم – فعظوه برفق ولطف، وقل له: أدري أنك لا تقصد بدعة ولا ضلالاً ولا انحرافاً بدعائك هذا، بل أنت لا تقصد إلا خيراً، لكني سأرشدك إلى صيغة أحسن من هذه وأكمل وتدل على تعلقك بنبيك ﵊ – وأنت إذا قلت هذا فسيفرح حتماً ويقول لك: وما هي التي أعلى منها؟ فقل له قل: أسألك بحبي للنبي ﵊، فبالرفق ادعوه وأما إذا رأيته يتوسل بالجاه وقلت له: هذه بدعة، فإنه سيسبك أنت وأبويك والذي علمك ومن هم على طريقتك من أهل الأرض لأنه يفسّر هذا القول منك بأنه احتقار للنبي ﷺ وامتهان له مع أن الأمر ليس كذلك، واللهِ إن الذي يقول لا يوجد جاه للنبي ﷺ فهو كافر، وإذ لم يكن للنبي جاه فمن الذي له جاه؟!! وهو الذي يقول عن نفسه: [أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر] فهل بعد هذه السيادة من سيادة؟!!!. واختموا الكلام عن هذا السؤال وأجوبته بقول أئمتنا، وهو:

стр. 2019

إن السؤال بجاه مخلوق هذا من باب الاعتداء في الدعاء، وهو حرام، وقد نهانا نبينا ﵊ عن الاعتداء في الدعاء. ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه – والحديث صحيح – عن عبد الله بن مغفّل ﵁ [أنه سمع ابناً له يدعو فيقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، فقال: يا بني سمعت النبي ﷺ يقول: سيكون في هذه الأمة أقوام يعتدون في الدعاء وفي الطُّهور، فإذا دعوت فسَل الله الجنة واستعذ به من النار] . هذا التحكم وهذا التحديد وهذا الشطط من باب الاعتداء في الدعاء، بل الواجب أن تسأل الله الجنة، وأن تستعذ به من النار، ولا تحدد وتتحكم. والاعتداء في الطهور هذا موجود وهو الإسراف في الوضوء والغسل، فتراه يتوضأ ببرميل واثنين وأكثر ويرى أنه لم يتطهر ولم يغتسل ولم يسبغ الوضوء، حتى أن البعض ينغمس في البركة خمس مرات ثم يخرج ويقول الماء لم يبلغ جسمي!!!. وقد رأيت أمثال هؤلاء الموسوسين في حلب لما يأتي للصنبور (الحنفية) يضربها برجله خشية أن يكون مسها إنسان ونجسها ثم يجلس يتوضأ من بداية الآذان وتنتهي الصلاة وما زال يتوضأ وكلما قام رجع وقال لم أسبغ الوضوء بعد!!!. وجاء رجل إلى الإمام ابن عقيل الحنبلي فقال له أغتسل في البركة ويوسوس لي الشيطان بأنني لم أبلّغ أعضائي ولم يسقط غسل الجنابة عني، فماذا أعمل؟ فقال له الإمام: تسمع مني؟ قال: نعم، قال: اترك الصلاة، قال: وكيف أتركها؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاث ذكر منهم: وعن المجنون حتى يعقل، ولا يفعل هذا إلا مجنون. الحاصل أن الإسراف في الماء من الاعتداء في الطهور، والطهور إنما شُرع لأجل أن يزيل الخطايا والذنوب لا ليطهّر الأعضاء الحسية، فلا داعي للإسراف وإياكم أن تعتدوا!!!. وكذلك الدعاء بجاه النبي ﷺ هذا من باب الاعتداء في الدعاء، فإياكم أن تعتدوا!!!. تنبيه ثانٍ:

стр. 2020

روي الحاكم في المستدرك (٢/٦١٥) عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: [لما اقترف آدم الخطئية (١) ، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي (٢) ، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه (٣) ، قال: يا رب إنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله، صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك] ، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. فقد يقول قائل: هذا حديث في المستدرك على الصحيحين وقد صححه الحاكم مع أن فيه: أن آدم توسل بحق محمد – ﵊ – فكيف تقولون: إنه لا يجوز أن نسأل الخالق بحق مخلوق؟ والجواب: إن الإمام الذهبي علق على كلام الحاكم في تلخيص المستدرك وهو مطبوع مع المستدرك في حاشيته: "صحيح الإسناد!! قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ" إذن هذا حديث موضوع مكذوب فلا حجة فيه. والسبب في أن الحاكم أخطأ في كثير من الأحاديث وصححها وهي ضعيفة بل موضوعة، أن كتابه المستدرك هذا كتبه تلامذته وكان هو يمليهم من صدره، فلما كتبه التلاميذ بقى في حيز المسوّدات ولم يبيضه الحاكم وكان ينوي أن يعيد النظر فيه، ويراجعه، فتوفي قبل ذلك ﵀.

стр. 2021

والإنسان أحياناً عندما يحدث من حفظه قد يشتبه عليه بعض الرواة فيكون الراوي ضعيفاً أو كذاباً ولا ينتبه له عندما يحدث من حفظه، لكن عندما يجلس ليؤلف ويصنف فهناك يتحقق، ودائماً الحديث الشفوي النظري ليس له من التحري والتأكد كما يكون في حال الكتابة والتوثيق، فهذا مثلاً في هذا الحديث عند الرحمن بن زيد بن أسلم واهٍ لكن خفي هذا الكلام على الحاكم، لأنه في مجلس إملاء – كما قلت – ومجالس (١) الإملاء كانت في سلفنا وانقضت بانقضاء السلف الصالح وما خلفهم أحد يسد مسدهم والعجب لموقف الإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البرية نحو هذا الحديث، ففي كتاب الاستغاثة الذي سماه في الرد على البكري، يقول في صـ٥: هذا الحديث لا يوجد في شيء من دواوين الإسلام فلم يخرجه أحد من أصحاب الصحيحين ولا المسانيد ولا السنن ولا الحاكم في المستدرك ولا غيرهم.

стр. 2022

وجاء في كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة فقال صـ٦٩ بعد أن ذكر هذا الحديث: "رواه أبو عبد الله الحاكم في المستدرك وهذا مما أنكر عليه". وفوق كل ذي علمٍ عليم – وهذا حال البشر – فلعله – والعلم عند الله – ألف كتاب الاستغاثة في أول الأمر وما علم بوجود هذا الحديث في المستدرك ثم اطلع عليه بعد ذلك فتعرض له في كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة وبين أن هذا الحديث موضوع. فهذا الحديث باطل قطعاً وجزماً [لولا محمد ما خلقتك] ، والحديث الموضوع الآخر [لولاك لما خلق الله الأفلاك] أي الكواكب والنجوم والحديث الموضوع الآخر [خلق الله الورد من عرق النبي ﷺ ] . هذه الأحاديث كلها أحاديث موضوعة يضعها بعض المخرفين الذين يزعمون أنهم بوضع هذه الأحاديث يحبون النبي الأمين عليه صلوات الله وسلامه، وعندنا فرقة ضالة في الأمة الإسلامية أجازت وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب هم الكرامية (١)

стр. 2023

وجوز الوضع على الترغيب ... قوم ابن كرّام وفي الترهيب س: حُكمنا على هذا الحديث جاء من المتن أو الإسناد؟ جـ: جاء من الأمرين معاً: فالسند كما قلنا فيه عبد الرحمن بن زيد وهو ضعيف بالاتفاق، وخفي ضعفه على الحاكم، فليس هو من رجال البخاري ولا من رجال مسلم، وأخرج له الترمذي وابن ماجه القزويني، ولذلك إذا نظرت في ترجمته في تقريب التهذيب ترى الحافظ ابن حجر قال: "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من الثامنة ضعيف، ت، ق" أي هو من طبقة الرواة الثامنة، وهو من رجال الترمذي والقزويني ابن ماجة. ثم إن معنى الحديث كما قلت باطل ومردود منكر، فالآفة من الأمرين، والحاكم في الأصل أنه يورد في المستدرك أحاديث الرواة الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، ولكن عبد الرحمن بن زيد ليس كذلك بل وليس هو أيضاً على شرط الصحيح مطلقاً.

стр. 2024

.. حكم عليه الإمام الذهبي بالوضع، وإلا فالسند لا يقوى على الوضع، والراوي الضعيف أحياناً نحكم على روايته بالوضع لا لأنه ضعيف إنما لأن هذه الرواية خالفت عندنا الأصول الشرعية الثابتة، فلعله لضعفه التبس الأمر عليه ووهم، لكن شتان بين من يتعمد الوضع وبين من يخطئ ويهم وينسى ولا يضبط، فنحن بالنسبة لعبد الرحمن على انفراده لا نقول عنه إنه وضاع كذاب لكن نقول: هذه الرواية موضوعة ووهم في روايتها، هذا كما لو جاءنا راوٍ ثقة برواية مقلوبة، فما معنى مقلوبة؟ يعني موضوعة لكن أئمتنا أرادوا أن يهذبوا اللفظ لأن لفظ الوضع فيه شناعة لا يليق أن توصف به رواية الراوي الثقة كالحديث الثابت في صحيح مسلم عن السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله [رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله] هذا مما انقلب على الراوي والصحيح الثابت عند البخاري وغيره من الأئمة [حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه] ، كأن القلب وضع، لكن هناك فرق بين يكون الراوي تعمد ذلك وبين أن يكون قد أخطأ، فلما أخطأ قلنا هذه مقلوبة في المتن، والمقلوب ليس من لفظ النبي ﷺ فكأنه موضوع لكنه لا يوصف بأنه موضوع كما ذكرنا ولا يوصف الراوي بأنه وضاع بل يبقى عندنا ثقة، وهنا كذلك الراوي ضعيف لكن الرواية موضوعة نص على وضعها الذهبي في تلخيص المستدرك، ونص على وضعها أيضاً الإمام ابن تيمية عليهم جميعاً رحمة الله. س: لماذا أورد الحاكم هذا الحديث مع بطلانه وضعف سنده؟

стр. 2025

جـ: بالإضافة إلى ما ذكرناه من أنه ﵀ لم يصنف هذا الكتاب إنما أملاه إملاءً وكتبه تلامذته وراءه، نضيف هنا فنقول: الإمام الحاكم ﵀ يجمع ما بلغه وما نُقل له وما حَدَّث به ثم يبقى بعد ذلك دور الغربلة والتنقية: هل هذا الحديث صحيح أم لا؟ يحتاج لنظر ولو صح هل وجد ما يعارضه أم لا؟ فإذا وجد ما يعارضه هل هذا أقوى أم ذلك حتى نعمل بينهما ترجيحاً؟ فشتان بين جمع الأحاديث فقط وبين جمعها للاستدلال بها. ففي الحالة الأولي (الجمع) يجمع فقط، وفي الثانية (الاستدلال) يختار ويمحص. ... وقد قلت مرة لأحد شيوخنا الشيخ مصطفى الحبيب الطير في مصر، وهو من المشايخ الصالحين الطيبين قلت له: موضوع أئمة الإسلام المتقدمين كأمثال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) وغيره كأبي نُعيم والخطيب البغدادي ملأوا كتبهم بالأحاديث الضعيفة، بل في بعضها موضوع أيضاً، فهذا العمل منهم يحيرني وهم الجهابذة وعلماء السنة والرجال والتاريخ. فقال لي: يا بني، إن عصرهم كان عصر جمع فقط، وهذا من أمانتهم وتقاهم وخشوعهم لربهم وتحريهم جمعوا ما بلغوا لكن لا تظنوا أنه جمع كجمعنا كحاطب ليل، بل جمع بأدق وأحسن وأتم طرق الجمع معه علامات تدل على قبول الرواية أوردها، وهذه العلامات هي الإسناد، وكأنهم يقولون لنا: هذا الكنز الذي نقلناه إليكم لم نخنكم فيه، بل أعطيناكم علامات تدل على ثبوته أو على رده وهي الإسناد. ولذلك قال أئمتنا: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقالوا أيضاً: إذا روى الإنسان حديثاً موضوعاً فلا يبرأ من عهدته ولا يخرج من إثم روايته إلا بأحد أمرين: أ) إما أن يرويه بالسند، فمن أسند لك فقد حملك. ب) وإما أن يبين أنه موضوع. وإذا لم يفعل أحد هذين الأمرين فهو آثم، وهو أحد الكاذبَيْن على رسول الله ﷺ [من كذب علي....] وهو هنا الذي نشر الكذب، لا الذي أنشأه وصاغه.

стр. 2026

وقال السخاوي في فتح المغيث في شرح ألفية الحديث، كان الإسناد من جملة البيان عند المتقدمين، وفي الأعصار المتأخرة صار ذكر الإسناد وعدمه سواء عند الناس فإذن هذا من أمانة العلماء المتقديمن. ثم قال لي – وهو جواب على ما استشكل على -: يا بني قد يكون الحديث ضعيفاً عند الطبري، والضعف يسير محتمل، وقد يوجد هذا الحديث نفسه عند أبي نُعيم من طريق آخر ضعيف أيضاً، وكذلك يوجد الخطيب البغدادي الحديث نفسه من طريق آخر ضعيفاً فلو أن كلاً منهم أهمل هذا الحديث بحجة أنه ضعيف عنده لأهملوا لنا ثروة عظيمة وهي الشواهد والمتابعات، فهذا الحديث الذي رواه الطبري وهو ضعيف يتقوى بما رواه أبو نعيم ويتقوى بما رواه الخطيب، فيصل لدرجة الحسن ويصبح مقبولاً.

стр. 2027

التعليق على الطحاوية (مبحث القدر) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان مبحث القَدر يقول الإمام الطحاوي عليه رحمات ربنا الباري: "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطّلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبيُّ مرسَل والتعمق والنظر في ذلك ذريعة (١) الخِذلان، وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسةً (٢) فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب، كان من الكافرين". أ. هـ. ... هذا المتن للإمام الطحاوي شرحه الإمام ابن أبي العز في عشر صفحات (ط. أحمد شاكر) أو أكثر، وسأضم إليه ما تقدم معكم موجزاً مبحث الإرادة وانقسامها إلى إرادة شرعية وإرادة كونية لتأخذوا هذا المبحث بصورة متكاملة من أطرافه إن شاء الله. القدر مسألة عظيمة من مسائل شريعتنا القويمة سنبحث مبحث القدر ضمن ست مباحث. المبحث الأول تعريف القدر لغة واصطلاحاً: القدر لغة: مصدر قَدَرْت الشيء أقدِره – أقدَرُه قَدْراً وقَدَراً ـ إذا أحطت بمقداره. اصطلاحاً: هو علم الله بمقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم إيجادها حسبما سبق في علم الله جل وعلا، فكل محدَث وكل مخلوق وكل موجود صادر عن علم الله وإرادته وقدرته، هذا الأمر معلوم من الدين بمحكم البراهين، وعليه كان الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان وهو مذهب أهل السنة الكرام.

стр. 2028

.. والإيمان بالقدر من أركان الإيمان كما ثبت في الصحيحين وغيرها من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ في حديث جبريل الطويل وفي آخره [قال جبريل: ما الإيمان؟ فقال الرسول ﷺ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره] وفي رواية: [حلوه ومره من الله تعالى] وهذا الحديث– حديث جبريل – هو أم السنة كما أن الفاتحة أم الكتاب، والإمام البغوي عليه رحمة الله جعله أول حديث في كتابه (مصابيح السنة) مشيراً إلى أن هذا الحديث ينبغي أن يُقدم على الأحاديث كما قدمت الفاتحة على سور القرآن. وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تَعْجِزْ فإن أصابك شيء فقل قدّر الله وما شاء فعل ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان] أي ما فيها إلا حسرة وندامة. ... والمراد بالقوة هنا قوة القلب أي المؤمن القوي الذي قلبه فيه قوة وعنده عزيمة قوية لأن قوة البدن تتبع قوة القلب، والذي يثبت في المعركة هو قوي القلب ولا عبرة بقوة البدل دون قوة القلب، فإن صاحب القلب القوي يثبت في المعركة ولو قطعت أطرافه الأربع ولا يتحرك ولا يولي الأدبار، وصاحب القلب الضعيف يجبن ويفر.

стр. 2029

.. فالمؤمن القوي الذي إيمانه تام وعزيمته تامة أحب إلى الله من المؤمن ناقص الإيمان ضعيف الإيمان ففي قلبه رخاوة وليس فيه ثبات، لكن في كل خير فهذا مع ضعف إيمانه إلا أن فيه خيراً ولم يخرج عن حظيرة الإيمان وليس هو كأهل النفاق والكفران فهؤلاء كما قال تعالى (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوقم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً، يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً) فهم من رعبهم وضعف عزيمتهم وخورهم وجبنهم يحسبون الأحزاب لم يذهبوا مع أنهم ذهبوا وهؤلاء في المدينة وإن يأت الأحزاب يودون لو أنهم بادون في الأعراب أي لو أنهم في بادية وليسوا في المدينة لئلا يلاقوا الخوف مرة أخرى كما حصلوه في المرة الأولى، ولذلك المؤمن قوته في قلبه وضعفه في بدنه أي تظهر عليه علامة الهزال وعلامة الخشوع وعلامة الإخبات من أجل صيامه وقيامه يذبل جسمه ويصغر فترى عليه علامة الإعياء والتعب، لكن عندما يفعل نتعجب من صدور هذه الأفعال وهذه القوة من هذا الضعف، والمنافق على العكس فهو قوي في بدنه لكن ضعيف في قلبه (١) .

стр. 2030

[احرص على ما ينفعك] أي لا تتواكل وتلقي الأمر على القدر بل ابذل ما في وسعك لتحصيل ما يجلب إليك منفعة ويدفع عنك مضرة. [فإن أصابك شيء] حرصت ورتبت الجيش مثلاً لكن قدر الله أن يقع انكسار وهزيمة (١) . [لو أني فعلت كذا..] أي عمل عملية لابنه فمات فقال لو لم يعمل العملية لكان سيحيى ويعيش مثل هذا لا يجوز أن تقوله فهذا تسخط على القدر وجحود وقد تكفر وأنت لا تدري، وهذا يا عبد الله مات بأجله سواء أجريت له عملية أو لم تجر له فسيموت، فدعك من هذا الكلام وقل قدر الله وما شاء فعل.

стр. 2031

والقدر – كما سيأتينا – حجة في المصائب لا في المعايب، فإذا زنيت فلا تقل قدر الله وما شاء فعل وإذا شربت الخمر فلا تقل قدر الله وما شاء فعل، فهذا (الزنا والسرقة) وقع بقدر الله لكنك تقول قدر الله وما شاء فعل نقصد بذلك أن تنفي اللوم عن نفسك وأنت ملوم، وأما إذا سقط عليك حجر أو انهدم جزء من بيتك أو مات لك قريب أو صديق ونحو ذلك فهذه كلها مصايب فتقول قدر الله وما شاء فعل، فالكلام صحيح قدر الله وما شاء فعل فالزاني بقدر وشرب الخمر بقدر ولا يقع شيء إلا بقدر الله لكن ذاك لك فيه اختيار (الزنا وشرب الخمر ... ) فأنت ستعاقب عليه، وأما هذا (موت القريب، سقوط الحجر) فهو اضطرار وقع عليك دون اختيارك ولذلك تقول قدر الله وما شاء فعل. وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الإيمان لا يحصل في قلب الإنسان حتى يؤمن بقدر الرحمن. (١) ثبت في سنن الترمذي بسند حسن من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن البني ﷺ قال: [لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه] . [وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه] فما أصابك هو بقدر الله ولا يمكن أن يزول عنك. [وما أخطأه لم يكن ليصيبه] فلو فاتك شيء محمود كنت تمناه فقل قدر الله وما شاء فعل لأنه لم يكتب لك في هذا الوقت وقد يكتب لك فيما بعد وقد لا يكتب لك بل لأحد غيرك أيضاً فلن تستطيع أن تنال وتحصل ما فاتك مهما حاولت ولهذا كما قال نبينا ﵊ والحديث في المسند وسنن الترمذي وغيرهما – قال لابن عباس عندما كان رديفه: [.... واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام وجفت الصحف] فإذن ما كتبه الله لك وجعله من نصيبك لن يذهب إلى غيرك، وما كتبه لغيرك وجعله من نصيبه لا يمكن أن تناله وتحصله مهما حاولت.

стр. 2032

(٢) وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت ﵁ [أنه قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإني سمعت الرسول ﷺ : إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: يا رب وماذا اكتب – قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة] ، يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من مات على غير هذا فليس مني] أي ليس منه ﷺ لأنه ترك ركناً من أركان الإيمان. ... والحديث هذا رواه الإمام الترمذي برواية أخرى فيها شيء من الطول وفيها شاهد لموضوع تقدم (١)

стр. 2033

معنا – يقول [قال عبد الواحد بن سليم: قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح فقلت له يا أبا محمد إن بالبصرة قوماً يقولون لا قدر، فقال عطاء يا بني أتقرأ القرآن، قلت: نعم، قال: فاقرأ الزخرف، فقرأت: (حم والكتاب المبين إن جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) ثم قال – أي عطاء – أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: لا، قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السموات والأرض فيه: إن فرعون من أهل النار وفيه تبت يدا أبي لهب ثم قال – أي عطاء –ولقد رأيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله ﷺ ، فسألته ما كانت وصية أبيك لك عند الموت؟ فذكر الوصية التي تقدم ذكرها وهذا الذي أشارت إليه الأحاديث النبوية ودلت عليه الآيات القرآنية أذكر بعضها: أ- قال جل وعلا في سورة الأنعام: (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) وهو– أي الكتاب – اللوح المحفوظ فلا يوجد شيء وقع أو سيقع إلى يوم القيامة إلا وهو مسطر فيه. ب- وقال ربنا جل وعلا في سورة الحديد: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كلا مختال فخور) . ج- وقال جل وعلا في سورة التغابن: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدى قلبه والله بكل شيء عليم) . وسعي العباد وعمل المخلوقات بأسرها تنتهي إلى آيتين من كتاب الله: ١- قوله تعالى في سورة الإنسان: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً) . ٢- قوله تعالى في سورة التكوير: (لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) . خلاصة قولنا في قدر ربنا:

стр. 2034

.. أن الله علم الأشياء ومقاديرها وأزمانها قبل وقوعها ثم أوقعها وأوجدها حسبما علم ربنا جل وعلا ولذلك كل مخلوق وكل محدث وكل شيء يقع بعلم الله وإرادته وقدرته؛ أي علم الله وقوعه في الأزل قبل أن يقع وأراد الله وقوعه إرادة كونية لا يختلف مقتضاها، وقدر عليه فأوجده وخلقه فالله خالق كل شيء (والله خلقكم وما تعملون) ، إذن فـ: (١) العلم. (٢) والإرادة. (٣) الإيجاد والخلق. كل هذا لله جل وعلا فلا يوجد مخلوق إلا وقد أحاط به علم الله وتعلقت به إرادته وأوجدته قدرته خيراً كان أو شراً. المبحث الثاني إرادة الله جل وعلا تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: إرادة كونية قدرية: ... وهي عامة شاملة لا يتخلف مقتضاها وتكون فيما يحبه الله وفيما يكرهه فـ[ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن] كما ثبت هذا عن نبينا ﵊ في مسند أبي داود وغيره. ... وهذه الجملة – ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن– من نفيس اعتقاد أهل السنة والجماعة كما قرر ذلك الإمام أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن (٣/١٢٣٤) ، وقال الإمام ابن القيم في كتاب الفوائد صـ ٩٥ – ونعمت هذه الفائدة التي سيذكرها – "أساس كل خير أن يعلم العبد أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن". ووجه ذلك: أنه إذا أصابه خير وصدرت منه طاعة فيعلم أن هذا بمشيئة الله وتقديره وفضله وإحسانه فيشكر الله ويحمده ولا يفتخر ولا يعجب ولا يُدلِّ ولا يتكبر لأن هذا بتقدير الله [فمن وجد خيراً فليحمد الله] ، فليس لك في فعل الطاعة فضل إنما الفضل كله لمن قدر لك فعل هذه الطاعة وأقدرك عليها.

стр. 2035

وإذا عمل معصية أو أصابه سوء فيعلم أن هذا وقع بسبب خذلان الله له وهذا الخذلان وضعه الله في موضعه بسبب تقصير الإنسان أو فساده أو جُُرْمهِ فيدعوه هذا إلى الإقلاع عن ذنبه والتوبة إلى ربه ليقدر الله له الخير وييسره عليه، لأن الله أخبرنا أن العبد عندما يضل يزده الله ضلالاً (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) سورة الصف/ آية٥، (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) سورة الأنعام ١١٠. [فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] فليتب إلى ربه وليسأله إصلاح قلبه فبيده قلوب العباد فهو على كل شيء قدير، إذن إذا عمل طاعة يقول بفضل الله وإذا عمل معصية يقول بعدل الله، ولهذا كان أساس كل خير أن يعلم العبد أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. الأدلة من القرآن على هذا القسم من الإرادة: ١- قال الله جل وعلا (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء) ، فالمراد من قوله (فمن يرد الله أن يهديه– يرد أن يضله) إرادة كونية قدرية لا يختلف مقتضاها، فمن أراد الله هدايته كوناً وقدراً فسيهتدي ولا بد ومن أراد إضلاله كوناً وقدراً سيفعل ولابد، وهو الحكيم سبحانه يضع الأمور في مواضعها. ٢- وقال جل وعلا في سورة البقرة آية ٢٥٣ (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم ومن كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) فقوله (ولو شاء الله ما اقتتل ... ) المراد منه مشيئة كونية قدرية لا يتخلف مقتضاها والآيات في هذا كثيرة. القسم الثاني: إرادة دينية شرعية:
следующие страницы →