← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

.. وقد تبع عمرو بن عبيد واصل بن عطاء على تلك المقالة النكراء، وبلغ من شدة تعلقه به أن زوجه أخته، والطيور على أشكالها تقع، وقال له: زوجتك أختي إذ لم يكن لي بنت، وما بي إلا أن يكون لك عقب، وأنا خاله، فما حقق الله أمنيته، وقطع نسلهما، وماتا جميعاً، ولم يعقبا، وفي الميزان، وتهذيب التهذيب نقلا ً عن ابن حبان – عليه رحمة الرحيم الرحمن – كان عمرو بن عبيد من أهل الورع والعبادة، إلى أن أحدث ما أحدث، واعتزل مجلس الحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى – هو وجماعة معه، فمسوا بالمعتزلة – وكان يشتم الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – ويكذب في الحديث وَهْماً لا تعمُّداً، قال ابن حجر معلقاً على كلام ابن حبان وغيره: والكلام فيه، والطعن عليه كثيراً جداً وبذلك ختم ترجمته. وفي البداية والنهاية نقلا ً عن الحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى – قال: عمرو بن عبيد سيد شباب القراء ما لم يحدث، قالوا: فأحدث والله أشد الحدث، وقد قال عبد الله ابن المبارك – عليه رحمة الله تعالى –: أيها الطالب علماً ... ايتِ حماد بن زيدِ فخذِ العلم بحلم ... ثم قيده بقيدِ وذر البدعة من ... آثار عمرو بن عبيدِ ... قال الإمام ابن كثير – عليه رحمة الرب الجليل –: وقد كان عمرو بن عبيد محظياً عند أبي جعفر المنصور، وكان المنصور يحبه ويعظمه، لأنه كان يفد على المنصور مع القراء، فيعطيهم المنصور فيأخذون، ولا يأخذ عمرو منه شيئاً، وكان يسأله أن يقبل كما يقبل أصحابه، فلا يقبل منه، فكان ذلك مما يغر المنصور ويروج به عليه حاله، لأن المنصور كان بخيلا ً، وكان يعجبه ذلك منه وينشد: كلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد

стр. 772

.. ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الأرض مثل عمر بن عبيد، والزهد لا يدل على صلاح، فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد مال لا يطيقه عمرو، ولا كثير من المسلمين في زمانه، مات عمر سنة ثلاث وأربعين ومائة (١) . حكم تلك الفرقة:

стр. 773

.. الذي حط عليه كلام المحققين، الحكم عليهم بالضلال، وتفويض شأنهم إلى الكبير المتعال – ﷻ – قال الإمام الذهبي في الميزان، وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين – عليهم جميعاً رحمة رب العالمين – يقول: كان عمرو بن عبيد من الدهرية، قلت: وما الدهرية؟ قال: الذين يقولون لا شيء، إنما الناس مثل الزرع، وكان يرى السيف، قال المؤلف – الإمام الذهبي – لعن الله الدهرية، فإنهم كفار، وما كان عمرو هكذا ١٠هـ.

стр. 774

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: نصوص الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم ١٠هـ ونقل عن السلف تكفير من نفى الكتاب والعلم من القدرية، ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال، قال: وأقدم من بلغنا أنه تكلم في تعيين الفرق الهالكة وتضليلهم يوسف بن أسياط، ثم عبد الله بن المبارك – وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين عليهما رحمة رب العالمين – قالا: أصول البدعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن مبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد – ﷺ – وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، وقالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة، وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنين والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة، ثم قال شيخ الإسلام: من أخرج الجهمية منهم لم يكفرهم فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله – ﷺ –: "هم في النار" مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره كما قال – ﷻ –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ النساء١٠. ومن أدخل الجهمية فيهم – أي: في الفرق الضالة البالغ عدد ثنتين وسبعين فرقة – منهم على قولين:

стр. 775

.. منهم من يكفرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة، أو المتكلمين وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير "المرجئة" و"الشيعة المفضلة" ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص الإمام أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميعه أهل البدع – من هؤلاء وغيرهم – خلافاً عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة. ... ومنهم من لم يكفر أحداً من هؤلاء إلحاقاً لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحداً بذنب، فكذلك لا يكفرون أحداً ببدعة، والمأثور عن السلف والأئمة: إطلاق أقوال بتكفير "الجهمية" المحضة (١) .

стр. 776

.. وصفوة كلامه – رحمه الله تعالى – أن من عدا الجهمية لا يكفرون، وفي تكفير الجهمية نزاع، والمنقول عن السلف القول بكفرهم، وبناء على هذا فالمعتزلة ضلال وليسوا بكفار، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن قدامة في رسالته إلى الشيخ محمد بن الخضر بن تيمية – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – ومما قاله في ذلك: ثم إن الإمام أحمد – الذي هو أشد الناس على أهل البدع – قد كان يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع والأعياد خلفهم ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول – تكفير أهل البدع، وتخليدهم في النار – الذي لم يرد عن النبي – ﷺ – ولا عن أحد قبله – أي: قبل الإمام أحمد – لأنكره أشد الإنكار، فقد كان ينكر أقل من هذا (١) .

стр. 777

.. قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – إطلاق الكفر على الزائغين المبتدعين، من قبل بعض السلف الصادقين، محمول على واحد من أمور أربعة عن المهتدين، فاعلم ذلك ولا تكن من الغافلين، قال الإمام البغوي – عليه رحمة رب العالمين – بعد أن قرر وجوب هجر الزائغين المفسدين، وسير السلف على ذلك الهدي القويم –: ثم هم مع هجرانهم كفوا عن إطلاق اسم الكفر على أحد من أهل القبلة، لأن النبي – ﷺ – جعلهم كلهم من أمته – أي في الحديث المتقدم في افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة –. وروي عن جماعة من السلف تكفير من قال بخلق القرآن، روي ذلك عن الأئمة الكرام مالك، وابن عيينة، وابن المبارك، والليث بن سعد، ووكيع بن الجراح، وغيرهم – ﵏ جميعاً –. وناظر الشافعي – رحمه الله تعالى – حفصاً الفَرْدَ، فقال: حفص: القرآن مخلوق، فقال الشافعي: كفرت بالله العظيم (١) . والأمور الأربعة التي يحمل عليها إطلاق الكفر على المبتدعين هي:

стр. 778

١- كفر لا يخرج عن الملة: فهو كفر دون كفر، قال الإمام البغوي وأجاز الشافعي شهادة أهل البدع، والصلاة خلفهم مع الكراهة على الإطلاق، فهذا القول منه دليل على أنه إن أطلق عليه بعضهم اسم الكفر في موضع أراد به كفراً دون كفر (١) . ٢- فعل المبتدعين، يشابه فعل الكافرين، ولوجود ذلك الاتفاق بينهما، صح إطلاق لفظ الكفر على المبتدعة منهما، ولم تطبق على المبتدعين أحكام الكفر، لقيام شبهة عندهم لهم فيها شائبة عذر، قال الإمام ابن تيمية: وكذلك الإمام الشافعي لما قال لحفص الفَرْد حين قال: القرآن مخلوق، كفرت بالله العظيم، بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لا يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بشهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم (٢) .

стр. 779

٣- إن ذلك الزيغ سيؤدي إلى الكفر في نهاية المطاف، لما يتلبس به المبتدع من شنيع الأوصاف وإذا كانت المعاصي بريد الكفر، فإن البدع بريدها السريع، مع الضمان الوثيق، لذلك الوصف الشنيع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى –: كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر، وآيلة إليه (١) . ٤- إطلاق الكفر على المبتدعين، من باب التغليظ والردع للزائغين، زجراً لهم عن إفكهم المبين وتنفيراً لغيرهم من ذلك المسلك الوخيم (٢) .

стр. 780

وبهذه التحقيقات العلية، يتبين الوجه في إطلاق لفظ "المجوس" على القدرية، في قول خير البرية – عليه صلوات الله وسلامه بكرة وعشية –: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم (١)

стр. 781

". ... قال ابن الأثير – عليه رحمة الملك الكبير – في جامع الأصول: القدرية في إجماع أهل السنة والجماعة: هم الذين يقولون: الخير من الله، والشر من الإنسان، وإن الله لا يريد أفعال العصاة، وسموا بذلك، لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله – جل وعلا – ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى، فيقولون: أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله، وأنكم أولى بهذا الاسم منا، وهذا الحديث يبطل ما قالوا، فإنه – ﷺ – قال: "القدرية مجوس هذه الأمة" ومعنى ذلك: أنهم لمشابهتهم المجوس في مذهبهم، وقولهم بالأصلين، وهما: النور والظلمة، فإن المجوس يزعمون: أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة فصاروا بذلك ثَنَوِيَّةً، وكذلك القدرية، لما أضافوا الخير إلى الله، والشر إلى العبيد أثبتوا قادِرَيْنِ خالِقَيْنِ للأفعال، كما أثبت المجوس، فأشبهوهم، وليس كذلك غير القدرية، فإن مذهبهم أن الله – – خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلا بخلقه ومشيئته، فالأمران معاً مضافان إليه خلقاً وإيجاداً، وإلى العباد مباشرة واكتساباً (١) .

стр. 782

فائدة علية هي خاتمة الكلام على تلك الفرقة الردية الغوية: أفاد شيخ الإسلام – عليه رحمة الرحيم الرحمن – أن القدرية ثلاثة أقسام: القسم الأول: قدرية مشركة: وهو الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي قال الله – –: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ الأنعام١٤٨، مثلها في سورة النحل٣٥: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ . ... وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وقد ابتلي بهذا الجهميةُ وطوائفُ من الفقراء والصوفية، ولن يستتب لهم ذلك، وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب، وإذا خولف هوى أحد منهم قام في دفعه متعدياً للحدود غير واقف عند حد كما كانت تفعل المشركين أيضاً قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر فهذا يريد أمراً، والآخر يريد ضده، وكل من الإرادتين مقدرة، فلابد من ترجيح إحداهما، أو غيرهما. القسم الثاني قدرية مجوسية:

стр. 783

.. وهم الذين يجعلون لله – جل وعلا – شركاء في خلقه، كما جعل الأولون لله – جل وعلا – شركاء في عبادته، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست بمشيئة الله – – وربما قالوا: ولا يعلمها أيضاً فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة، ولهذا قال ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما –: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحد الله، وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. ويزعمون أن هذا هو العدل، ويضمون إلى ذلك سلب الصفات، ويسمونه: التوحيد، كما يسمي الأولون التلحيد: التوحيد، فيلحد كل منهما في أسماء الله وصفاته، وقد وقع بذلك المعتزلة، والمتأخرون من الشيعة. القسم الثالث قدرية إبليسية: ... وهم الذين صدقوا الله بأن الله – جل وعلا – صدر عنه الأمران، لكن عندهم هذا تناقض، وهذا حال الزنادقة الملاعين، كالمعري وشيعته المجرمين (١) . ... هذه هي أصناف الزائغين في قدر رب العالمين، وقد تكرم الله الكريم، بهداية عباده المخلصين إلى صراطه المستقيم، فأثبتوا أمر الله ونهيه، كما أثبتوا قدره وحكمته، وعولوا على القدر في المصائب، واستغفروا ربهم ولاذوا به عند المعايب – جعلنا الله العظيم من حزبه المفلحين، وختم لنا بالحسنى آمين. والحمد لله رب العالمين..

стр. 784

التعليق على الطحاوية (مبحث الإسراء والمعراج) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المحاضرة الأولى ٢١/٢/١٤٢١ هـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد.. فأول مبحث عندنا هو: مبحث: الإسراء والمعراج المراد بالإسراء: ما حصل لنبينا ﵊ من رحلة مباركة من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في جزء من الليل وتبع ذلك العروج به إلى السموات العلا إلى مستوىً سمع فيه صريف الأقلام أي حسها وكتابتها في اللوح المحفوظ عندما تكتب تقدير الله جلا وعلا، ثم أعيد عليه صلوات الله وسلامه إلى مكة المكرمة ولا زال فراشه دافئاً أي: لم يبرد بعد فراق النبي صلي الله عليه وسلم، وذلك أن الفراش يدفأ من أثر احتكاك الإنسان به وتنفسه ويسخن عندما ينام الإنسان فيه وهكذا عندما يجلس الإنسان، لذلك ورد في معجم الطبراني أو البزار – شك الشيخ الطحان – بسند ضعيف [أن امرأة جاءت إلى النبي ﵊ تناجيه في مسألة وتستفتيه في أمر في مسجده عليه صلوات الله وسلامه عليه وبعد أن انتهت وقامت جاء رجل وأراد أن يجلس مكانها، قال: لا حتى يبرد المكان] . فالشاهد: أن الإنسان عندما يجلس في مكان أو ينام في هذا المكان يكون فيه شيء من دفئه وحرارته الغريزية. وسنتناول مبحث الإسراء والمعراج ضمن مراحل متعددة: المرحلة الأولي: يجب علينا إذا أردنا أن نتكلم على هذا الحادث العظيم الجليل الشريف المبارك أن نذكر الآية التي أشارت إليه في سورة سميت باسم هذا الحادث المبارك وهي سورة (الإسراء) ، وتسمي أيضا بسورة (بني إسرائيل) وتسمي أيضا بسورة (سبحان) فلها ثلاثة أسماء، وأسماء السور توقيفية مبناها على النقل لا على العقل وعلى الرواية لا على الرأي، إما من الصحابة فلكلامهم حكم الرفع إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه ورضي الله عنهم أجمعين، وإما النقل عن التابعين فلذلك حكم الرفع المرسل فيقبل قول التابعي:

стр. 785

(١) إذا تعزز بقول تابعي الآخر. (٢) إذا كان قائله من أئمة التفسير الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة كمجاهد بن جبر وسعيد بن جبير عليهم جميعاً رحمة الله. فأسماء السور إذن توقيفية وكذا القول بأن هذا مكي وهذا مدني وأسباب النزول كلها مبنية على الرواية لا على الرأي وعلى النقل لا على العقل. يقول ربنا الجليل في أولها (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) . هذه الآية لابد من تفسيرها وكل من يتكلم على حادث الإسراء والمعراج ينبغي أن يستعرض تفسير هذه الآية لتربط المباحث ببعضها. (سبحان) مأخوذة من السَّبْح وهو الذهاب والإبعاد في الأرض، ومنه يقال السابح الذي يسبح في البركة وفي البحر سابح لأنه يبعد ويذهب بعيداً في حال سباحته، ولذلك لا تصلح السباحة في مكان ضيق محصور متر في متر ونحوها. فسبحان مأخوذة في أصلها اللغوي من السبح وهو الذهاب والإبعاد في الأرض كما ذكرنا ولفظ (سبحان) إما أن يكون مصدر (سبَّح - يسبح – تسبيحاً – وسبحاناً) على وزن (كفر – يكفر – تكفيراً وكفراناً) وهذا المصدر منصوب يعامل إما من لفظه فنقدر نُسبِّحُ الله سبحاناً، وإما من غير لفظه فنقدر: أُنَزِّهُ الله سبحاناً، وكلا التقديرين صحيح، وأما سبحان عَلَمٌُ على التسبيح انتصب بفعل مضمر، ثم نُزِّل ذلك العلم منزلة الفعل وسد مَسَدَّهُ. وأما معنى (سبحان) فقد جاء لثلاثة معانٍ في القرآن: ١- أولها:

стр. 786

تنزيه الله عن السوء وتبرئته من كل نقص، قال الإمام ابن كثير عليه رحمات ربنا الجليل في آخر سورة الصافات عند قوله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) الآيات قال: "كثيراً ما يقرن الله بين التسبيح والتحميد" (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) يقرن بين التسبيح والتحميد؛ لأن كلاً منهما يكمل الآخر "، فالتسبيح فيه تبرئَة لله عن النقائص ويستلزم ذلك إثبات المحامد إذن فيتضمن نفي النقص عن الله ويستلزم إثبات الكمال له، والحمد بالعكس يتضمن إثبات الكمال لله ويستلزم نفي النقص عنه فكل منها يستلزم الآخر. التسبيح يتضمن معناه الأصلي – نفي النقص عن الله وذلك يستلزم إثبات الكمال فإذا انتفى النقص ثبت الكمال وكل نفي لا يدل على إثبات ما يضاده فلا مدح فيه. س: إثبات الكمال بلفظ التسبيح من أي أنواع الدلالات هل هو دلالة تضمن أم دلالة مطابقة أم دلالة التزام؟ جـ: دلالة التزام، فإن معنى دلالة التضمن هو أن يدل اللفظ على ما وضع له أي وضع لأجل أن يدل على تبرئة الله عن النقص، وأما معنى دلالة الالتزام فهو دلالة اللفظ على أمر خارج عن المعني لكن لازم له فإذا نُفي النقص ثَبَتَ الكمال. فمثلاً: الحمد يتضمن إثبات الكمال والمحامد لله وذلك يستلزم نفي النقص فكل منهما يستلزم الآخر ويدل عليه فقرن الله بينهما فكأن الدلالة التي في لفظ التسبيح جيء بالحمد ليدلل الله عليها دلالة تضمن ودلالة مطابقة لا دلالة التزام، وهكذا الدلالة التي في الحمد وهي نفي النقص عن الله جيء بلفظ التسبيح ليدل عليها صراحة وتضمناً ومطابقة لا التزاماً. فـ[نفي النقص عن الله يستلزم إثبات الكمال وإثبات الكمال يستلزم نفي النقائص] ولذلك يقرن الله بين التسبيح والحمد لكن أصل معنى التسبيح تنزيه الله عن كل نقص وسوء.

стр. 787

لذلك قال ربنا جل وعلا: (وقالوا اتخذ الله ولداً) فبأي شيء عقب على هذا الكلام؟ (سبحانه) تعالى وتنزه عن هذا النقص، فهكذا كل نقيصة يقولها الكفار ينفيها الله جل وعلا عن نفسه بلفظ التسبيح. إذن تنزيه الله عن السوء وقد ورد في مستدرك الحاكم (١/٥٠٢) في كتاب الذكر والدعاء عن طلحة بن عبيد الله – أحد العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم – قال [سألت النبي صلي الله عليه وسلم عن معني التسبيح فقال نبينا ﵊: هو تنزيه الله عن كل سوء] إذن فهذا هو معنى التسبيح، تبرئة الله عن النقائص وعن السوء. وهذا الأثر صححه الحاكم وقال إسناده صحيح لكن تعقبه الذهبي وقال: قلت: ليس كذلك ثم بين أن فيه ثلاث علل: العلة الأولي: فيه طلحة بن يحي بن طلحة بن عبيد الله الحفيد، منكر الحديث كما قال البخاري. العلة الثانية: وفيه حفص تالف الحديث واهٍ، وحفص هذا هو الذي نقرأ بقراءته فهو في القراءة إمام لكنه في الحديث تالف ضعيف، فإنه ما صرف وقته لحفظ الحديث وضبطه فكان إذا حدث يَهِِمُ وسبب الضعف عدم الضبط لا عدم الديانة فانتبه.. فإن سبب الضعف إما زوال الديانة أو زوال الضبط وليس في زوال الضبط منقصة وإن كانت روايته تُردُّ، لكن إذا كان الضعف بسبب ضياع العدالة؛ لأنه فاسق، كذاب، شارب للخمر، مرتكب الكبيرة، وما شاكل هذا فهذا هو النقص، أما إذا كان الإنسان لا يحفظ، وإذا حفظ ينسى، وإذا حدث يخلط، فهو مردود الرواية وسبب الرد عدم الضبط وذلك لأنه لابد من عدالة وضبط فإذا رُدَّتْ رواية الراوي لعدم ضبطه فلا منقصة في دينه، وإذا رُدَّتْ رواية الراوي لعدم عدالته فهذا هو البلاء. وحفص من ناحية العدالة عدل وفوق العدل، عدل إمام رضا، لكن في ناحية ضبط الحديث واهي الحديث تالف الحديث.

стр. 788

العلة الثالثة: وفيه أيضاً عبد الرحمن بن حماد منكر الحديث كما قال ابن أبي حاتم، فالحديث من ناحية الإسناد ضعيف لكن المعنى صحيح، أي تفسير سبحان الله والتسبيح بأنه تبرئة الله عن كل سوء وعن كل نقص، ثبوت هذا عن نبينا ﷺ ضعيف من حيث الإسناد لكن المعنى صحيح. ٢- ثانيها: ويأتي التسبيح بمعنى التعجب، وهذه المعاني ضروري معرفتها في هذا المبحث إذ لها معانٍ كبيرة وخفية فلفظ (سبحان) هذا وحده يدلنا على أن الإسراء كان بالروح وبالجسد كما سيأتينا، فلفظ سبحان على حسب ما فيها من دلالتين: إما تنزيه الله عن كل نقص أو التعجب، نستدل على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد، كيف هذا؟ لو كان رسولنا ﵊ كذاباً – وحاشاه من ذلك- وقال: أسرى الله بي إلى بيت المقدس وعرج بى إلى السموات ورجعت ولم يكن ذلك قد حصل، فإذا أقره الله فماذا يكون في هذا؟ يكون فيه منقصة في حق الله، فإذن هذا يكذب عليه وهو يؤيده بخوارق العادات من إنزال القرآن وغيره أفلا يكون في هذا منقصة والله تعالى يقول: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) . فلفظ (سبحان) إذن أول ما يدل عليه أن الإسراء والمعراج بالجسد لا بالروح فقط لأن هذا لو كان على خلاف ذلك لما كان هنا داعٍ لتعجيب العباد من هذا، فالروح كل واحد يرى أنه أسري بها، فقد يري الكافر أنه أسري بها إلى الصين التي هي أبعد من بيت المقدس، وهذا واضح ولو كان النبي صلي الله عليه وسلم يخبر بخلاف الحقيقة فكيف يقره الله وهو أحكم الحاكمين ورب العالمين؟! لذلك قال أئمتنا: المعجزة تدل على صدق الرسول لأنها بمثابة قول الله: صدق عبدي فيما بلغ عني.

стр. 789

فلو كان نور مثلاً حاضراً في مجلس الأمير، والأمير جالس، وقام وقال أنا رسول الأمير إليكم وأنني مسئول عن أمور الرعية، وأنا نائبه، وقد فوض إلي تدبير الشؤون في هذه المنطقة وأنا ممثله وليس عندي كتاب عنه وما تكلم هو، لكن الدليل على أنني رسوله وأنني نائبه أن الأمير يقعد الآن أمامكم عشر مرات فقام الأمير وجلس وقام وجلس وقام وجلس عشر مرات وما تكلم، أفلا يدل هذا على صدقه؟ نعم يدل دلالة أقوى من الكلام، ولو كان كذاباً لقال الأمير: اضربوا رقبته. فعندما يقول نبينا ﵊ للقمر بيده هكذا فينشق فلقتين فهذا لو كان كذاباً لما أيده الله، فإذا كان من علامة صدقه أنه يشير إلى القمر فينشق (اقتربت الساعة وانشق القمر) ولو كان كذاباً لما أيده الله. وانظر إلى مسيلمة الكذاب لما قيل له: إن محمداً ﵊ يبصق في عين الأرمد فيبرأ، فقد بصق في عين علي بن أبي طالب وكان يشتكي عينيه فما اشتكى منهما بعد ذلك، فقال مسيلمة هاتوا أرمداً لأبصق في عينيه فأتي له بأرمد فبصق في عينيه فعمي. فجوزي بنقيض قصده لذا قال أئمتنا: تلك معجزة وهذه إهانة وذلك خارق للعادة وهذا خارق للعادة لكن ليفضحه الله. وقيل له كان النبي صلي الله عليه وسلم يضع يده في الماء فيفور الماء من بين أصابعه ولما كان صلوات الله وسلامه عليه مع أصحابه في صلح الحديبية كانوا (١٥٠٠) شخصاً وكفاهم الماء القليل عندما وضع في تور من ماء – إناء صغير- أصابعه صلوات الله عليه فبدأ الماء يفور من بين أصابعه فقيل لمسيلمة عندنا بئر ماؤها قليل لعلك تدخل فيها وتقرأ عليها وتتمتم ليبارك لنا في مائها ففعل فغارت. فهذا خارق للعادة لكنه إهانة وذلك خارق للعادة لكنه معجزة. إذن فلا يظن أن البحث في معنى سبحان من باب النافلة بل هو مرتبط ببحثنا فـ (سبحان) سيأتي أنه من الأدلة على أن الإسراء كان بالروح والجسد.

стр. 790

فـ (سبحان) تأتي بمعني التعجب، ومنه قوله ﷺ لأبي هريرة كما في صحيح البخاري: [سبحان الله: إن المؤمن لا ينجس] وأول الحديث يقول أبو هريرة: [لقيت النبي ﵊ في بعض طرق المدينة أو مكة وكنت جنباً فانخنست منه] أي تسللت في خفية وتواريت عنه لئلا يراني – وقد كان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم إذا التقى بأصحابه يصافحهم ويداعبهم ويضاحكهم وليس حاله كحال الجبابرة الطغاة، لذلك لما حج النبي صلي الله عليه وسلم وفداه أبي وأمي فرد فردا ولا إليك إليك أي ما أحد يقال له تنح من أمام النبي ﵊، فالناس يمشون بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وهو مع الناس، نَفَرٌ منهم، فإذن له لما رأى أبو هريرة النبي ﵊ وكان أبو هريرة جنباً يقول: انخنست منه أي تسللت في خفية لئلا يصافحني فكيف يصافحني وأنا جنب، وقد كان يظن أن الإنسان إذا أجنب تنجس [فذهب فاغتسل ثم جاء، قال أين كنت يا أبا هريرة؟ قال كنت جنباً فكرهت أن أجالسك قال: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس] فما معنى (سبحان الله) هنا؟ معناها: أتعجب منك يا أبا هريرة، أنت حافظ العلم وراوية الإسلام كيف يخفى عليك هذا الحكم في شريعة الرحمن. (أسرى) قال علماء اللغة سرى وأسرى بمعنىً واحد مثل سقى وأسقى، قال حسان بن ثابت ﵁: حي النضيرة ربت الخدر ... أسرت إليّ ولم تكن تسري النضيرة في البيت إما زوجته أو ابنته أو أخته المقصود جاءته في الليل ويحييها أسرت إليه ولم تكن تسري، قال علماؤنا: جمع حسان اللغتين في هذا البيت أسرت فهذا أن أسرى وتسري من سرت لأنها لو كانت من أسرت لقال تُسري.

стр. 791

قيل إنه سير الليل خاصة، وعليه فذكر (ليلاً) في الآية للإشارة إلى تقليل الزمن في تلك الليلة فما سراه لم يكن في مدة الليلة بكاملها إنما كان الإسراء والمعراج به كان في جزء من الليل ولم يكن في جميع الليلة، ويدل على هذا قراءة بن مسعود وحذيفة وهى قراءة شاذة (سبحان الذي أسري بعبده بالليل) بدلاً من (ليلاً) أي أن السرى حصل لنبينا صلوات الله عليه وسلامه والإسراء به حصل في جزء من الليل فذكر ليلاً، فالتنكير هذا للتقليل حصل له في جزء من الليل وكما ذكرنا فراشه دافئ وقال الزجاج: هو مطلق السير في ليل أو نهار وعليه فذكر الليل لبيان وقت الإسراء. (بعبده) هو نبينا محمد ﷺ أفضل خلق الرحمن ونعته بهذا الوصف وهو العبودية لأمرين معتبرين: الأمر الأول: أنه أكمل النعوت وأشرف الخصال في حق البشر؛ لأن العبودية تتضمن أمرين اثنين: حب كامل وذل تام، ولا يكون العبد عبداً إلا بهذين الأمرين، فيحب الله محبة تامة كاملة، ويتذلل تذللاً تاماً كاملاً، فمن بلغ هذين الأمرين يقال له: هو عبد، وهذه أشرف صفة ولذلك نعت الله نبينا محمداً ﷺ بهذا الوصف الذي يشير إلى هذين الأمرين في أعلى المقامات وأجلها منها قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده) ، (الحمد لله الذي أنزل على عبده) ، (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) ، (وأنه لما قام عبد الله يدعوه) فينعته ربنا بلفظ العبودية؛ لأنه أشرف وصف في المخلوق وهو أن يكون عبداً للخالق، أي يحبه حباً تاماً ويتذلل إليه تذللاً تاماً.

стр. 792

ونبينا ﵊ نال من هذين الوصفين أعلى نصيب ممكن في حق البشر لذلك فهو أشرف المخلوقات على الإطلاق، ثبت في المستدرك ومسند البزار بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ موقوفاً عليه وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊ أنه قال: [خيار ولد آدم] وفي رواية: [سيد ولد آدم خمسة محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وسيد خلقه محمد عليه صلوات الله وسلامه] . فقد اتفق أئمتنا – وهذا قد مر معكم في مبحث النبوة في المستوى الأول في شرح العقيدة الطحاوية – على أن أفضل البشر الأنبياء وأفضل الأنبياء الرسل وأفضل الرسل أولو العزم وهم الخمسة الذين ذكرهم الله في آيتين من كتابه (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم) آية ٧ من سورة الأحزاب، وفى سورة الشورى آية رقم ١٣ (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) فأفضل الرسل أولو العزم، وأفضل أولو العزم الخليلان إبراهيم ومحمد على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه وأفضل الخليلين أكملها خلة وأعظمها محبة لربه وهو محمد ﷺ . فخلة إبراهيم لربه دون خلة نبينا ﵊ لربه، والخلة هي أكمل مراتب المحبة وهي في المحبة كالمقت في الغضب فكما أن المقت أعظم أنواع الغضب، فالخلة أعلى مراتب المحبة. قد تخليت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا

стр. 793

ولذلك ثبت في الصحيحين عن نبينا ﵊ أنه قال: [لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله] فليس في قلبي متسع لغير ربي، فمحبتي كلها له فهذا أعلى الحب وأكمله ولذلك يقول إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه كما في حديث الشفاعة الطويل الثابت في مسلم وغيره عندما [يذهبون إليه فيقولون له اشفع لنا فأنت اتخذك الله خليلاً فيقول: إنما كنت خليلاً من وراء وراء، اذهبوا إلى محمد ﵊ فإنه عبد صالح قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيذهبون له فيشفع لهم] وهي الشفاعة العظمي والمقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون، النبيون والمرسلون عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه. نعم يلي نبينا في الفضيلة إبراهيم فهو خليل الرحمن وما بلغ مرتبة الخلة إلا نبينا ﵊ وأبونا إبراهيم، فإبراهيم جعل قلبه للرحمن بشهادة ذي الجلال والإكرام حيث قال: (إذ جاء ربه بقلب سليم) ، وجعل بدنه للنيران وماله للضيفان وولده للقربان أما يستحق هذا أن يتخذه ربنا الرحمن خليلاً وحقيقة الخلة كاملة، والمحبة تامة والعبد هو من جمع حباً وذلاً، يحب ربه من كل قلبه بكل قلبه، ويتذلل له بجميع جوارحه. فمن حقق هذين الأمرين فهو عبد، فالنعت إذن بوصف العبودية هذا مدح ليس بعده مدح أن يقول لك ربك عبدي، هذا شرف لك ليس بعده شرف. ومما زادني عجباً وتيهاً ... وكدت بأخمصي أطأ الثُّريا دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيرت أحمد لي نبيا ولكل ما سبق نُعت النبيُّ صلي الله عليه وسلم بـ (عبده) . الأمر الثاني:

стр. 794

الذي من أجله وصفه الله بهذا الوصف خشية أن تغلو الأمة فيه، فنعته بوصف العبودية لتعرف الأمة وظيفة النبي ﷺ ومكانته لا نقول: بما أنه أفضل المخلوقات وأسرى الله به وعرج به إلى السماء وأنزل عليه القرآن وفضله على العالمين إذن نذهب نصلي لقبره ركعتين وعندما نذبح نقول بسم محمد وعندما نقع في كربة نقول يا رسول الله فرج عنا، فلئلا تقع الأمة في هذا الضلال أخبرنا الله أنه عبد فإذا كان عبداً فلا يحق أن تصرف له شيئاً من العبادة، فهذا خاص لله جل وعلا. فَنُعِتَ بهذا الأمر لأجل المدح والتحذير من الغلو ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله] عليك صلوات الله وسلامه يا أفضل خلق الله ويا أكرم رسل الله، والإطراء وهو المجاوزة في المدح والمبالغة فيه. إخوتي الكرام..... إذا ذكر الإنسان النبي ﵊ فينبغي أن يذكره بالتبجيل والتوقير والاحترام وأن يتبع هذا ﵊. وأما ما شاع بين الناس في هذه الأيام لما خربت قلوبهم وأظلمت من جفاء نحو ذكر نبينا ﵊ تراه على المنبر وأحيانا داعي يقول: كما قال رسولكم محمد بن عبد الله، فهذا ينبغي أن يضرب على فمه حتى تسيل الدماء منه، فهذا جفاء وقلة حياء بل كان الواجب أن يقول قال محمد رسول الله، هل نعته الله بأنه ابن عبد الله في كتابه؟ وهل في نسبته لأبيه مدح؟ لا إنما في نسبته إلى الله مدح فالواجب أن يقال: رسول الله خاتم النبيين وغيرها فبهذا نعته الله: (محمد رسول الله) ، (محمد عبد الله ورسوله) ، (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله إليكم وخاتم النبيين) ، (يا أيها النبي اتق الله) ، (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل لك) ، ولم ترد إضافته إلى أبيه في القرآن.

стр. 795

ولا يجوز أن تضيفه إلى أبيه إلا في مقام النسب فقط، فتأتي بنسبه فتقول: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب – إلخ النسب ما عدا هذا ذكره مضافاً إلى أبيه من البذاء والجفاء وقلة الحياء وعدم تعظيم خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه، فانتبهوا لهذا. تضيفه لله فلا حرج قال محمد بن عبد الله ورسوله لكن ليس: قال محمد بن عبد الله. (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) . وقد أفتى ابن حجر الهيتمي بأن من قال عن نبينا ﵊ بمقام الدعوة والتبليغ قال محمد بن عبد الله بأنه يعزر. وحقيقة الأمر كذلك لأن هذا كما قلنا من عدم توقير النبي ﵊. (المسجد الحرام) الأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج وردت في الظاهر متعارضة، لكن نجمع بينها فيزول التعارض: ورد أنه أسري به من بيت بنت عمه فاخِتة أم هانئ بنت أبي طالب. وورد أنه أسري به من شعب أبي طالب. وورد أنه أسري به من بيته ففرج سقف بيته ونزل الملكان وأخذاه. وورد أنه أسري به من الحجر من الحطيم وهو حجر إسماعيل. قال الحافظ ابن حجر: لا تعارض بينها، فكان نبينا ﵊ نائما في بيت بنت عمه أبي طالب فاخِتة أم هانئ، وبيتها كان في شعب أبي طالب، وأضيف إليه سقف بيته فرج لأجل سكناه فيه؛ لأنه يسكن فيه وإن كان لا يتملكه كما تقول فتح علي باب حجرتي وأنت في الفندق فأضيفت إليه الحجرة تملكاً في السكن لسكنه فيها وكذا أضيف البيت للنبي ﷺ لسكناه فيه ثم بعد أن أخرج من بيت أم هانئ في شعب أبي طالب وقيل له بيته لأنه يسكنه أُخذ عليه صلوات الله وسلامه إلى الحجر ولازال فيه أثر النعاس وأُرْجِعَ فيه، ثم بعد ذلك هيأ من ذلك المكان وأخرج من باب المسجد الحرام إلى رحلة الإسراء والمعراج فحصلت جميع هذه الأمور من بيت أم هانئ في شعب أبي طالب وهذا بيته وأُخذ إلى الحِجْر وأُسري به من حِجْر إسماعيل وهو الحطيم. المحاضرة الثانية

стр. 796

الثلاثاء ١٦/٣/١٤١٢هـ وقد أضيف بيت بنت عمه أبي طالب أم هانئ فاختة للنبي ﷺ لسكناه فيه كما قال الله جل وعلا: (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم) فالإضافة هنا للسكن أو للملك؟ هي للسكن، ولو كنت تملك البيت، لكنك أجرته فلا يجوز أن تدخله وإن كان ملكاً لك وهنا أضيف البيت إليه لسكناه فيه، هذا البيت هو لبنت عمه في شعب أبي طالب وأضيف إليه هو ضمن الحرم. والمراد من (المسجد الحرام) حرم مكة المكرمة، وليس المراد منه خصوص المسجد لأن لفظ المسجد الحرام شامل لحرم مكة، ولذلك من صلى في أي بقعة من بقاع الحرم تضاعف صلاته مائة ألف صلاة ولا يشترط هذا أن يكون في خصوص المسجد الحرام الذي يحيط بالكعبة بخلاف مسجد النبي ﷺ فالأجر هناك بألف لمن صلى في خصوص المسجد أما مكة فكلها حرم في أي جهة تصلى في مسجد الكعبة الذي يحيط بالكعبة أو في أي مسجد آخر فالصلاة تضاعف بمائة ألف صلاة والله تعالى أشار إلى هذا في كتابه فقال: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام) أي عن مكة، وهذا وقع في صلح الحديبية، والله جل وعلا يقول: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءً العاكف فيه والباد) فما المراد بالمسجد الحرام هنا؟ هل المراد خصوص المسجد وبقعته التي تحيط بالكعبة؟ لا، بل المراد مكة يستوي فيها البادي والحاضر فهذه خصوصية لمكة، جميع بقعة الحرم يقال لها مسجد حرام.

стр. 797

وعليه فإن المراد بقوله: (من المسجد الحرام) أي من مكة المكرمة سواء كان في بيت أم هانئ أو سواء كان في الحجر، لكنني قد جمعت بين هذه الألفاظ وقلنا: إنه كان نائما في بيت أم هانئ وهو شعب أبي طالب، وأضيف البيت إليه لسكناه وقيل إنه أسري به من الحجر والحطيم الذي حطم وفصل من الكعبة عندما ضاقت بقريش النفقة وهو حجر إسماعيل وهو جزء نصف دائري يبعد عن الكعبة قليلاً ومازال موجوداً إلى الآن وهو من الكعبة ومن مر بينه وبين الكعبة فكأنما مر في جوف الكعبة تماماً، ولو كنت تطوف فيما بينه وبين الكعبة لم يصح الطواف بل لابد من الطواف خارج حجر إسماعيل، وهذا الحجر الأصل أنه من الكعبة لكن لما ضاقت النفقة بقريش سابقاً فصلوا هذه البقعة عن الكعبة وحوطوا عليها للإشارة إلى أنها من الكعبة وبقي البناء على هذا والنبي ﵊ قال لأمنا عائشة والحديث في صحيح البخاري: [لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فنقض وأدخلت حجر إسماعيل وجعلت له باباً شرقياً وغربياً يدخل الناس ويخرجون] أي إلى جوف الكعبة، لكن ما فعل النبي ﵊ هذا لئلا يقول الناس وهم حديثو عهد بجاهلية بدأ يتلاعب في هذا البيت المعظم الذي هو بيت الله الحرام، فتركه على ما كان ولا حرج في ذلك ولا مضرة ثم بقي على هذه الشاكلة. لما جاء عبد الله بن الزبير نقض البيت الحرام وأدخل الحجر وجعل له بابين: باباً من الشرق وباباً من الغرب ولما قتل ﵁ وأرضاه في الحروب التي جرت بينه وبين بني أمية في عهد عبد الملك بن مروان أمر عبد الملك بأن يعاد البيت كما كان فأعادوه إلى هذه الكيفية الموجودة الآن.

стр. 798

ولما جاء أبو جعفر المنصور – الخليفة العباسي - استشار الأئمة وعلى رأسهم الإمام مالك عليهم رحمة الله في أن يعيد البيت كما فعله عبد الله بن الزبير فقال الإمام مالك: الله الله يا أمير المؤمنين في هذا البيت ألا يصبح ألعوبة بأيدي الحكام كل واحد يأتي ينقضه من أجل أهواء سياسية، عبد الله بن الزبير أصاب السنة فمن أجل أن يخالفه بنو أمية نقضوا البيت، فأنت الآن ستخالفهم وتعيد البيت نكاية ببني أمية، فيأتي حاكم بعد ذلك نكاية بك ينقضه، فيصبح البيت ملعبة، فاتركه على شاكلته. الشاهد: أنه ﷺ نائماً في الحجر في الحطيم فجاءه ملكان وأخرجاه إلى باب المسجد وبدأت رحلة الإسراء والمعراج، هذه الأمور الأربعة المسجد الحرام والحجر وشعب أبي طالب وبيته كلها يشملها المسجد الحرام. (إلى المسجد الأقصى) هو بيت المقدس المعروف والموجود في بلاد الشام في فلسطين وسمي بالأقصى وهو الأبعد لأنه لم يكن على وجه الأرض في ذلك الوقت إلا مسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، والمسجد الأقصى بالنسبة للمسجد الحرام بعيد المسافة، كما قال المشركون خمسة عشر يوماً ذهاباًً وخمسة عشر يوماً إياباً فيحتاج من يسافر إليه شهراً كاملاً ذهاباً وإياباً، فقيل الأقصى أي الأبعد مسافة لأنه هو أبعد مسجد عن مكة وما كان على وجه الأرض في ذلك الوقت إلا هذين المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، أما مسجد النبي ﷺ فلم يكن له وجود لأنه حصل بعد الهجرة وسيأتينا أن حادثة الإسراء والمعراج كانت قبل هجرة النبي ﷺ إن شاء الله. إذن المسجد الأقصى قيل له: أقصى لبعد المسافة بيه وبين مكة.

стр. 799

والمسجد الحرام هو أول بيت وضع للناس كما قال الله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين) . بكة ومكة اسمان مترادفان، سميت بكة ومكة لأنها تبك وتمك رؤوس الجبابرة وتقسم ظهورهم وما أحد أرادها بسوء إلا عاجله الله بالعقوبة. بك هو قطع العنق ودقه، وهكذا المك، بك ومك، وسميت ببكة وبمكة مأخوذ من المك يقال: إذا خرجت أمعاؤه ونفسه وروحه من كثرة الزحام، ولما يحصل فيها أيضاً زحام حول الطواف عند اجتماع الناس من كل فج عميق. فإذن قيل لها مكة وبكة لحصول الزحام فيها ولعقوبة الله لكل من أرادها بسوء. والمسجد الحرام بمكة هو أول بيت وضع للناس يليه المسجد الأقصى، وبينهما أربعون عاماً كما ثبت في صحيح مسلم عن نبينا ﵊ من حديث أبي ذر، ولا يشكلن عليك هذا الدليل وإياك أن تقول إن أول من بنى بيت الله الحرام إبراهيم وأول من بنى بيت المقدس داود فليس الأمر كذلك. أول من بنى المسجد الحرام الملائكة ثم بنت بيت المقدس بعده بأربعين عاماً. وهناك قول ثانٍ ولا يصح غير هذين القولين، أول من بنى المسجد الحرام آدم وآدم حج إلى بيت الله الحرام قطعاً وجزماً وهكذا جميع أنبياء الله ورسله كلهم حجوا بيت الله الحرام. والبيت المعمور في السموات بعد ذلك هذا على حيال وعلى اتجاه الكعبة التي في الأرض تماماً، وهذا البيت – المسجد الحرام – كان موجود من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة، كان يحجه ويزوره وآدم زار البيت وحج واعتمر وهكذا جميع أنبياء الله ورسله ثم بعض بنى آدم بنى المسجد الأقصى وكان بينهما أربعون عاماً هذا كلام النبي ﷺ وهو في صحيح مسلم ونص الحديث: [أول مسجد بنى المسجد الحرام قلت: ثم أي يا رسول الله؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون عاماً] . فقيل له أقصى لأن مسافته بعيدة عن المسجد الحرام. (الذي باركنا حوله)

стр. 800

البركة هي: ثبوت الخير للشيء والله جعل بركات عظيمة حول المسجد الأقصى هذه البركات شاملة لبركات الدين والدنيا. أما الدين فهي مكان بعثة الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، في بلاد الشام. وأما الدنيا فما فيها من الخيرات والزروع والثمار لا يوجد في الأرض له مثيل ونظير، فالخيرات فيها عظيمة فيما يتعلق بخيرات الدين وفيما يتعلق بخيرات الدنيا. (باركنا حوله) ديناً ودنيا ولذلك اعتبر نبينا ﵊ أصول الفساد في بلاد الشام علامة على فساد سائر البلدان لأن المكان المبارك إذا فسد فغيره أفسد؛ ثبت في صحيح ابن حبان ومسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن قرة بن إياس – والحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان – أن النبي ﷺ قال: [إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم] وأهل الشام الآن أخبث من الشيطان إلا من رحم ربه وقليل ما هم، ولذلك فالبشرية فيها هذا البلاء والغثاء والضلال لأن الخيار فسدوا فكيف سيكون حال الأشرار؟! المكان الذي بارك الله فيه ضل وزاغ فكيف سيكون حال الأمكنة الأخرى؟! وحديث الصحيحين عندما ذكر النبي ﷺ هذه الأمة [وأنه لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله قال: وهم بالشام ظاهرون] فإذن بركة الدين والدنيا، ونزول عيسي على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه في آخر الزمان سيكون في بلاد الشام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق كما قال النبي ﷺ ويطلب المسيح الدجال عليه وعلى جميع الدجاجلة لعنة الله وغضبه فيقتله بباب لد في فلسطين، فإذا رآه الدجال إنماع كما ينماع الملح في الماء فيقول: اخسأ عدو الله فإن لك ضربة لن تخطأك فيضربه عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فيقتله.

стр. 801

وليقرر إليه هذه البركة على أتم وجه أتى بأسلوب مقرر في البلاغة وهو أسلوب الالتفات وهو نقل المخاطب من هيئة إِلى هيئة ومن صيغة إلى صيغة، فمثلاً: يكون يتحدث في حال الحضور فينتقل إلى الغيبة ويكون في حال الإفراد فينتقل إلى الجمع، ويكون في حال غيبة فينتقل إلى حضور وهكذا، فيغير في أسلوب الكلام من أجل أن يلفت الأذهان ويشحذها وأن هذا أمر عظيم ينبغي أن تقفوا عنده، فأين الالتفات في الآية؟

стр. 802

المُخاطِبُ هو الله – سبحانه - غير في الكلام، فكان الكلام على صيغة (سبحان الذي أسرى) وأسرى غيبة، (أسرى بعبده) فلم يقل أسريت بعبدي، ولم يقل: سبحاني أسريت بعبدي، أو سبحاننا أسرينا بعبدنا على وجه التعظيم – من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، إذ أصل الكلام أن يقول: سبحاننا أسرينا بعبدنا ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله فتكون باركنا مثل سبحاننا وأسرينا وعبدنا، لكن قال تعالى: (سبحان الذي أسري بعبده) على جهة الغيبة ثم قال (ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) فلو أراد أن يكون الكلام متفقاً مع الغيبة لقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير إذن فالمتكلم نقل كلامه من غيبة إلى حضور ومن جهة إلى جهة. وغرضه الأصلي أن يشحذ الذهن وأن يشد الانتباه لمضمون الكلام لئلا يحصل ملل وسآمة من مجيء الكلام على صورة واحدة، ثم للتنبيه وهنا فائدة خاصة أيضاً، أما غرض الالتفات العام شحذ الأذهان وجلب الانتباه ثم في كل مكان له غرض خاص، فما هو الغرض الخاص هنا؟ للإشارة إلى عظيم تلك البركات الموجودة حول المسجد الأقصى فلأجل أن يقرر تلك البركات وكثرتها ونفعها نقل الكلام من هيئة إلى هيئة، شحذ الذهن ثم قرر تلك البركات، يدل على هذا: أنه أتى بنون التعظيم التي يعظم بها ربنا نفسه كأنه يقول: العظيم لا يفعل إلا أمراً عظيماً، وهناك بركات جسيمة جعلتها حول المسجد الأقصى. وهذا المسجد الأقصى الذي فرطنا فيه وفرطنا في بلاد الإسلام كلها بل فرطنا في الإسلام وما أقمنا وزناً للرحمن ولا لنبينا ﵊. (لنريه من آياتنا)

стр. 803

الآيات العظيمة التي رآها نبينا ﵊ تأتي الإشارة إليها إن شاء الله ضمن مبحث خاص فيما حصل له قبل إسرائه، وعند إسرائه ﵊ ولا زال في الأرض وعندما عرج به في السموات وعندما رقي إلى ما فوق السموات، فهذه الآيات الأربع سنتكلم عنها إن شاء الله. إذن آيات قبل رحلة الإسراء وسيأتينا منها شق الصدر الشريف لنبينا عليه صلوات الله وسلامه، وما حصل له أثناء رحلته قبل أن يصل إلى السماء، وما حصل له في السموات، وما حصل له بعد السموات من آيات عظيمة: تكليم الله حصل له، ولكن هل حصلت الرؤية أم لا؟ سنتكلم عن هذا كله إن شاء الله عند مبحث خاص في الآيات التي رآها نبينا ﵊. (إنه هو السميع البصير) الضمير في (إنه) يعود على الله جل وعلا على المعتمد، (إنه) أي إن الله (هو السميع البصير) ، وفي ذلك دلالة على صدق النبي ﷺ فيما بلغ ويقول ويدعي، فلو كان مفترياً هذا الأمر وأنه أسري به وعرج ولم يكن ذلك قد حصل فإن الله سميع لأقواله بصير فلبطش وأخذه أخذ عزيز مقتدر، كما قال لنبيه موسى وهارون (إنني معكما أسمع وأرى) فإذا أراد ذاك اللعين – وهو فرعون – أن يتحرك فأنا لست بغائب، أنا أسمع وأنا أرى، أخسف به الأرض أرسل عليه حاصباً من السماء فتخطفه الملائكة من جميع الجهات، فأنا معكما أسمع وأرى. ولذلك قال نبينا ﵊ لأبي بكر في حادثة الهجرة: [ما ظنك باثنين الله ثالثهم] (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) فإذا كان الله معك فلا تخف ولو كادك أهل الأرض ومعهم أهل السماء لو حصل ذلك، فالله سيتولاك ويجعل لك فرجاً ومخرجاً من حيث لا تحتسب، كما قال الله جل وعلا: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) .

стр. 804

ثبت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم عن أبي ذر ﵁ [أن النبي ﷺ قرأ عليه هذه الآية (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بهذه الآية لوسعتهم فمازال يكررها عليّ حتى نعست] . إذن (إنه هو السميع البصير) يعود على الله جل وعلا، هو سميع بصير ففي ذلك إشارة إلى صدق نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه فيما ادعى وأخبر فلو كان الأمر بخلاف ذلك لما أقره الله ولما تركه ولعاجل له العقوبة: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) .

стр. 805

وقيل: إن الضمير يعود إلى النبي ﷺ ، فيما حكاه أبو البقاء العُكْبَري (إنه) أي أن النبي ﷺ سميع بصير، سميع لأوامر الله، بصير بي وفي ذلك إشارة إلى حصول رؤية نبينا ﵊ لربه، والمعتمد أنه حصلت له الرؤية، لكن هل بقلبه أم بعين رأسه؟ نشير إلى هذا عند الآيات التي رآها فوق السموات، فالرؤية حصلت له (ما زاغ البصر وما طغى) وكما قال نبينا ﵊: [رأيت نوراً] وكما قال ابن عباس: [رأى محمد ﵊ ربه مرتين] لكن هل هذه رؤية قلبية أم بصرية بعين رأسه، سنفصل الكلام على هذا في حينه إن شاء الله تعالى إذن سميع لأوامر الله، بصير بي، ليس حاله كحال غيره فانظر للفارق العظيم بينه وبين الكليم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، أما موسى الكليم فهو الذي طلب من الله جل وعلا أن يمكنه من رؤيته وأن يأذن له بالنظر إليه فقال: (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً) إذن تشوق للأمر فقال الله تعالى: لا يحصل لك ولا تتمكن من ذلك ثم لما تجلى الله للجبل صعق موسي وخر مغشياً عليه، بينما نبينا ﵊ دعي للأمر دون أن يتشوق وأن يتطلع وأن يطلب، ثم ثبته الله فما زاغ البصر وما طغى. شتان شتان بين من يقول الله عنه: (ما زاغ البصر وما طغى) وبين من يقول عنه: (وخر موسى صعقاً) ، ولذلك قال أئمتنا: نبينا مراد، وموسى مريد، وشتان بين المراد والمريد. ذاك هو يطلب ثم لا يثبت ولا يتمكن، بينما هذا يطلبه الله، عليهم صلوات الله وسلامه. وقال أئمتنا: نبينا يطير وموسى يسير، وشتان بين من يطير ومن يسير.

стр. 806

وقال أئمتنا: إن موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مظهر للجلال والفخر الإلهي، كما أن عيسى مظهر للجمال والنور الإلهي، ومحمد عليه صلوات الله وسلامه مظهر للكمال الإلهي فجمع الجلال وجمع الجمال فهو الضحوك القتال، يخفض جناحه للمؤمنين وهو بهم رؤوف رحيم، ويفلق هام الكافرين ويغلظ عليهم، وهو عليهم شديد عظيم، وهذا هو حال الكمال، أن تضع كل شيء في موضعه، أما أن تغلظ على المؤمنين وتشد عليهم فهذا في الحقيقة في غير محله، فهارون نبي من أنبياء الله المصطفين الأخيار، لما رجع نبي الله موسى على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه إلى قومه بعد مناجاة ربه وقد عبدوا العجل، ماذا فعل؟ أخذ بلحية أخيه هارون وبرأسه يجره إليه ويضربه، وحمل ألواح التوراة وألقاها حتى تكسرت، وقال هارون: ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، لم تضربني إذا عبد بنو إسرائيل فماذا أفعل أنا؟ (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) ، أي أما خشيت أن نخاصمهم ونقاتلهم ثم تأتي وتقول: لقد عملت مشكلة في بني إسرائيل وفرقت بينهم، فانتظرت قدومك لأجل أن نبحث في أمرهم ونعيدهم إلى حظيرة الإسلام، وهذا جرى من موسى أي موسى وهو أكبر من هارون وله عليه دالة، ثم هو أعلى منه مكانه في النبوة، لكن هذا غضب وانفعال ودالة أخ على أخيه فهل هذا كمال؟ لا ليس بكمال، بل هو قهر وجلال. وانظر إلى نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فهو على العكس لم يرفع صوته قط على أحد، وحياته كلها حياة وسلم وصفح وُحلم ورحمة، فهذا جمال لكن انظر إلى الكمال كيف يضع الأمر في موضعه؟ (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) ، (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليكم) ، يضع كل شيء في موضعه فهذا من الكمال. من الذي حاز الكمال من الصحابة؟

стр. 807

أبو بكر الصديق ﵁ فقط، ومن عداه إما جمال أو جلال، فعمر جلال ومظهر للانتقام والشدة والبطش في الحق، لكن ليس عند مظهر الجمال فعمر ﵁ أرسل إلى امرأة بلغه حولها ريبة ففي الطريق بدأت تولول وتقول مالي ولأمير المؤمنين عمر، مالي ولعمر، فأسقطت خوفاً منه قبل أن تصل إليه. وكان يحلق رأسه في الحج بعد أن انتهي من النسك فتنحنح عمر: احم احم والحلاق يحلق رأسه، فأحدث – أي الحلاق – في سراويله، هيبة من عمر، هذا عمر، ومن الذي كان يجرؤ أن يعاركه، وهو الذي يقول النبي ﵊ فيه – والحديث في الصحيحين [ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك] . وعثمان مظهر جمال ورقة وحلم وصفح فلا يخطر ببال أحد أنه يمكن أن ينتقم من شخص أو يبطش به، هذا هو الذي جرأ السفهاء عليه لما وسع عثمان المسجد كما في صحيح البخاري، وفي منبر النبي ﷺ وقال أيها الناس إنكم أكثرتم أي كل واحد يتكلم ويطلق لسانه ولا يستحي من الله مع أنه كان خليفة راشداً ذا النورين ما علم هذا لأحد من خلق الله، أنه تزوج بنتي نبي، قال: وإني سمعت الرسول ﵊ يقول: [من بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَصِ قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة] . ولنسأل: من الذي وسع المسجد قبله؟ هو عمر، لكن هل تكلم أحد عندما وسع عمر المسجد والله لو أن واحداً همس لأتى به عمر ووطأ على رقبته، لكن انظر إلى عثمان هو الذي يعتذر لهم يقول: أكثرتم، أكثرتم عليّ من الكلام في المدينة، فما عملته حتى تتكلموا عليّ؟ مسجد النبي ﵊ وسعته فماذا في هذا؟! فسبحان الله خليفة يعتذر.

стр. 808

ثم لما اجتمع الثوار الأشرار لحصاره وبقي خمساً وعشرين يوماً يحاصروه جاءه عليٌّ والحسن والحسين ﵃ أجمعين والصحابة يطلبون منه أن يأذن لهم في نصرته فقال لهم: من كان سامعاً مطيعاً ولي عليه في رقبته بيعة، ولي عليه حق السمع والطاعة فليلق سلاحه ولينصرف حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين، ولا أريد أن يراق من أجلي قطرة دم، إن يقتلوني فالله يحاسبهم، وإذا انكفوا عن طغيانهم فحصل الذي أريد، أما أن يحصل قتال فهذا لا أريده، هذا ممكن أن يحصل في عهد عمر ﵁. فهناك جلال وهناك جمال وأما أبو بكر فهو الكمال. إخوتي الكرام.. من لطف الله بهذه الأمة أن الخليفة بعد الرسول ﵊ هو أبو بكر، ووالله لو جاء غيره لطاشت عقول الصحابة لأن أبا بكر هو صورة طبق الأصل للنبي ﵊، وما يختلفان إلا أن ذاك محمد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه – وهذا عتيق الله أبو بكر الصديق، فذاك رسول وهذا صديق لا يختلفان في الطبيعة ولا بمثقال ذرة، وإن أردت أن تتحقق من هذا، انظر لصلح الحديبية لما أمرهم النبي ﵊ الصلح مع المشركين على أن يرجع هو والمؤمنون هذا العام ليأتوا في العام الآتي، وكتبوا شروطاً فيها قسوة في الظاهر على المسلمين، فمن الذي لج وضج؟ إنه عمر، بدأ ينفعل ويغضب غاية الغضب فذهب إلى النبي ﵊ وقال: ألسنا على الحق؟ قال: بلي، فقال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: علام نعطى الدنية في ديننا؟! سيوفنا معنا والله معنا نبيدهم ونستأصل خضراءهم فماذا كان جواب النبي ﷺ ؟ يا عمر إني رسول الله ولن يضيعني الله.

стр. 809

ثم ذهب إلى أبي بكر وقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: علام نعطى الدنية في ديننا؟! فماذا كان جوابه لعمر دون أن يسمع جواب النبي ﵊؟ قال: يا عمر اعرف قدرك إنه رسول الله ولن يضيعه الله فهذا كلام من مشكاة واحدة، اعرف قدرك من أنت لتفور لتثور؟، إن هذا رسول الله لا ينطق عن الهوى، يسدده في جميع أحواله، فأنا وأنت لا نعلم إلا الحاضر، لكن هذا رسول الله يوجهه من يعلم الغيب من يعلم السر وأخفى، فاعرف قدرك وقف عند حدك. لو جاء بعد النبي ﵊ خليفة غير أبي بكر، والله لطاشت عقول الصحابة وجنوا على قيد الحياة، ولم هذا؟ لأنهم أصيبوا بنبيهم ﵊، وهذه أعظم المصائب في الدين، المصيبة الثانية أنه قد جاءهم من ليس على طبيعته وبالتالي تغيرت عليهم الأمور من جميع الأحوال، فالنبي ﵊ ذهب ثم جاء من لا يمثله تماماً، لا أقول عنده انحراف، حاشا وكلا أن يكون في أحد الصحابة انحراف، لكن شتان بين طبيعة أبي بكر وطبيعة غيره، فجاءهم أبو بكر، ولذلك يعتبر أبو بكر برزخاً، أي مثل الحياة البرزخية بين الدنيا والآخرة، فهو برزخ بين حياة النبي ﵊ وبين الحياة التي جاءت بعد ذلك لتكون انتقالاً، وليخف عليهم أثر فراق النبي ﵊، فما فقدوا في عهد أبي بكر إلا شخص النبي ﵊، وأما الرعاية والتوجيه والحلم والشدة في موضعها كل هذا موجودٌ كما كان النبي ﵊ فيهم. المرحلة الثانية: مباحث الإسراء والمعراج المبحث الأول: اتفق أهل الحق على أن الإسراء والمعراج كانا بروح النبي ﵊ وبدنه يقظة لا مناماً دل على هذا ثمانية أمور، كلها حق مقبول: الأمر الأول:

стр. 810

افتتاح آية الإسراء بلفظ التسبيح (سبحان) ، وقد تقدم معنا أن من معاني التسبيح تنزيه الله عن السوء والتعجب، والأمران يدخلان هنا، فالله جل وعلا ينزه نفسه عن السوء في مطلع هذه السورة للإشارة إلى أن طعن المشركين في خبر نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه طعنهم في خبره بأنه أسرى به وأن هذا لا يمكن أن يحصل له وأن هذا مستحيل وأن هذا بعيد، فهذا نقص يتنزه الله عنه فهو على كل شيء قدير. وفي ذلك أيضاً تعجيب للمسلمين وللخلق أجمعين لما حصل لنبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، والتعجب يحصل عند أمر غريب أو أمر غير مألوف؟ بل يحصل عند أمر غريب، ولذلك افتتحه بقوله (سبحان) ، فالتنزيه يدل على حصول الإسراء والمعراج والطعن في هذا طعن في قدرة الله التي لا تحد بحد، والتسبيح إذا كان معناه التعجب تعجبوا مما حصل للنبي ﵊ من إسراء بروحه وجسده ومعراج بروحه وجسده في جزء من الليل. الأمر الثاني: أو اللفظة الثانية: (عبده) العبد هو اسم لمجموع الروح والجسد، هذا كقول الله جل وعلا: (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) للروح أم للجسد؟ لهما. وكقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) فأتى عليه لم يكن شيئاً للروح أم للجسد؟ لروحه ولجسده ولا كانت روحه والله خلقه ونفخ فيه الروح وهو على كل شيء قدير فالعبد والإنسان هذان اسمان للروح وللجسد فليس اسماً للجسد فقط، ولا للروح فقط، والله سبحانه يقول (سبحان الذي أسري بعبده) فدخل في لفظ العبد جسد النبي ﵊ وروحه. الأمر الثالث: أو اللفظ الثالث:
следующие страницы →