← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21796

أصول في التفسير

ابن عثيمين

Полный текст (59 стр.). Показаны 36–59 · переход к 41.

стр. 36

المشتهرون بالتفسير من التابعين اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون فمنهم: أ- أهل مكة وهم أتباع ابن عباس كمجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح. ب- أهل المدينة وهم اتباع أبي بن كعب، كزيد بن أسلم وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي. ج- أهل الكوفة وهم أتباع ابن مسعود، كقتادة وعلقمة، والشعبي. فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء: مجاهد وقتادة. ١- مجاهد: هو مجاهد بن جبر المكي مولى السائب بن أبى السائب المخزومي ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس ﵄، روى ابن إسحاق عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها، وكان سفيان الثوري يقول: إذا جاءت التفسير عن مجاهد فحسبك به، واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري وكان كثيرا ما ينقل عنه في " صحيحه" وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، توفي في مكة وهو ساجد سنة أربع ومائة، عن ثلاث وثمانين سنة.

стр. 37

٢- قتادة: هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ولد أكمة أي أعمي سنة إحدى وستين، وجد في طلب العلم، وكان له حافظة قوية حتى قال في نفسه: ما قلت لمحدث قط أعد لي، وما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي، وذكره الإمام أحمد فأطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قلما تجد من يتقدمه أما المثل فلعل، وقال: هو أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئا إلا حفظه، وتوفي في واسط سنة سبع عشرة ومائة، عن ستة وخمسين سنة.

стр. 38

القرآن محكم ومتشابه يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: الإحكام العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: الآية ١) وقوله (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (يونس: ١) وقوله (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف: ٤) . ومعنى هذا الإحكام الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب، ولا تناقض، ولا لغو لا خير فيه، وأحكامه كلها عدل، وحكمه ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه. النوع الثاني: التشابه العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر: ٢٣) ومعنى هذا التشابه، أن القرآن كله يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة والغايات الحميدة (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية ٨٢) النوع الثالث: الإحكام الخاص ببعضه، والتشابه الخاص ببعضه، مثل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران: ٧) . ومعنى هذا الإحكام أن يكون معنى الآية واضحا جليا، لا خفاء فيه، مثل قوله

стр. 39

تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: ١٣) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ٢١) وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: الآية ٢٧٥) وقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (المائدة: الآية ٣) وأمثال ذلك كثيرة. ومعنى هذا التشابه: أن يكون معنى الآية مشتبها خفيا بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى، أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك. مثاله: فيما يتعلق بالله تعالى، أن يتوهم واهم من قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: الآية ٦٤) أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين. ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله تعالى، أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضا حين يقول: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء: الآية ٧٩) ويقول في موضع آخر: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (النساء: الآية ٧٨) ومثاله فيما يتعلق برسول الله، أن يتوهم واهم من قوله تعالى (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (يونس: ٩٤) ظاهره أن النبي ﷺ كان شاكا فيما أنزل إليه.

стр. 40

موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه إن موقف الراسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران: الآية ٧) وقال في الراسخين في العلم: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (آل عمران: الآية ٧) فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المشتبهات وسيلة للطعن في كتاب الله، وفتنة الناس عنه، وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به، فيَضِلُون، ويُضِلُون وأما الراسخون في العلم يؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حق وليس فيه اختلاف ولا تناقض لأنه من عند الله (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية٨٢) وما جاء مشتبهاً ردوه إلى المحكم ليكون الجميع محكماً. ويقولون في المثال الأول: إن لله تعالى يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذات لا تماثل ذوات المخلوقين، لأن الله تعالى يقول: (ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) . ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله ، لكن الحسنة سببها التفضل من الله تعالى على عباده، أما السيئة فسببها فعل العبد كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: ٣٠) فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مُقَدِّرِهِ، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله تعالى فمن باب إضافة الشيء إلى مُقَدِّرِهِ، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين لإنفكاك الجهة.

стр. 41

ويقولون في المثال الثالث: أن النبي ﷺ لم يقع منه شك فيما أنزل إليه، بل هو أعلم الناس به، وأقواهم يقينا كما قال الله تعالى في نفس السورة: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (يونس: الآية ١٠٤) المعنى إن كنت في شك منه فأنا على يقين منه، ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم وأعبد الله. ولا يلزم من قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) (يونس: الآية ٩٤) أن يكون الشك جائزا على الرسول ﷺ ، أو واقعا منه. ألا ترى قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف: ٨١) هل يلزم منه أن يكون الولد جائزا على الله تعالى أو حاصلا؟ كلا، فهذا لم يكن حاصلا، ولا جائزا على الله تعالى، قال الله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) (مريم: ٩٢) (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) (مريم: ٩٣) ولا يلزم من قوله تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (البقرة: الآية ١٤٧) أن يكون الامتراء واقعا من الرسول ﷺ ، لأن النهي عن الشيء قد يوجه إلى من لم يقع منه، ألا ترى قوله تعالى: (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (القصص: ٨٧) ومن المعلوم أنهم لم يصدون النبي ﷺ عن آيات الله، وأن النبي ﷺ لم يقع منه شرك. والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه: التنديد بمن وقع منهم والتحذير من منهاجهم، وبهذا يزول الاشتباه، وظن ما لا يليق بالرسول ﷺ . أنواع التشابه في القرآن التشابه الواقع في القرآن نوعان:

стр. 42

أحدهما: حقيقي وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر كحقائق صفات الله ، فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها، وكيفيتها لقوله تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: الآية ١١٠) وقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: ١٠٣) ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) كيف استوى قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا النوع لا يسأل عن استكشافه لتعذر الوصول إليه. النوع الثاني: نسبي وهو ما يكون مشتبها على بعض الناس دون بعض، فيكون معلوما للراسخين في العلم دون غيرهم، وهذا النوع يسأل عن استكشافه وبيانه؛ لإمكان الوصول إليه، إذ لا يوجد في القرآن شئ لا يتبين معناه لأحد من الناس، قال الله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٨) وقال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: الآية ٨٩) وقال: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة: ١٨) وقال: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: ١٩) وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (النساء: ١٧٤) . وأمثلة هذا النوع كثيرة منها قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) حيث اشتبه على أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، وأدعوا أن ثبوتها يستلزم المماثلة، واعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات له، وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم المماثلة. ومنها قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) حيث اشبته على الوعيدية، ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمدا مخلد في النار، وطردوا ذلك في جميع أصحاب الكبائر،

стр. 43

واعرضوا عن الآيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله تعالى. ومنها قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠) حيث اشتبه على الجبرية، ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، وادعوا أنه ليس له إرادة ولا قدرة عليه، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وأن فعل العبد نوعان: اختياري، وغير اختياري. والراسخون في العلم أصحاب العقول، يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى، فيبقى القرآن كله محكما لا اشتباه فيه. الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه لو كان القرآن كله محكما لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقا وعملا لظهور معناه، وعدم المجال لتحريفه، والتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولو كان كله متشابها لفات كونه بيانا، وهدى للناس، ولما أمكن العمل به، وبناء العقيدة السليمة عليه، ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات، يرجع إليهن عند التشابه، وآخر متشابهات امتحانا للعباد، ليتبين صادق الإيمان ممن في قلبه زيغ، فإن صادق الإيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله تعالى، وما كان من عند الله فهو حق، ولا يمكن أن يكون فيه باطل، أو تناقض لقوله تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤٢) وقوله تعالى (لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية ٨٢) . وأما من في قلبه زيغ، فيتخذ من المتشابه سبيلا إلى تحريف المحكم واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار والاستكبار عن الأحكام، ولهذا تجد كثيرا من المنحرفين في العقائد والأعمال، يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة.

стр. 44

موهم التعارض في القرآن التعارض في القرآن أن تتقابل آيتان، بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى، مثل أن تكون إحداهما مثبته لشئ والأخرى نافية فيه. ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري، لأنه يلزم كون إحداهما كذبا، وهو مستحيل في أخبار الله تعالى، قال الله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (النساء: الآية ٨٧) (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) (النساء: الآية ١٢٢)) ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي؛ لأن الأخيرة منهما ناسخة للأولى قال الله تعالى (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (البقرة: الآية ١٠٦) وإذا ثبت النسخ كان حكم الأولى غير قائم ولا معارض للأخيرة. وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك، فحاول الجمع بينهما، فإن لم يتبين لك وجب عليك التوقف، وتكل الأمر إلى عالمه. وقد ذكر العلماء ﵏ أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، بينوا الجمع في ذلك. ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع كتاب " دفع إيهام الاضطراب عن أي الكتاب " للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى. فمن أمثلة ذلك قوله تعالى في القرآن: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: الآية ٢) وقوله فيه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاس) (البقرة: الآية ١٨٥) فجعل هداية القرآن في الآية الأولى خاصة بالمتقين، وفي الثانية عامة للناس، والجمع بينهما أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، والهداية في الثانية هداية التبيان والإرشاد. ونظير هاتين الآيتين، قوله تعالى في الرسول ﷺ : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص: ٥٦) وقوله فيه (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ

стр. 45

مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: الآية ٥٢) فالأولى هداية التوفيق والثانية هداية التبيين. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) (آل عمران: الآية ١٨) وقوله (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّه) (آل عمران: الآية ٦٢) وقوله: (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) (الشعراء: ٢١٣) وقوله: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (هود: الآية ١٠١) ففي الآيتين الأوليين نفي الألوهية عما سوى الله تعالى وفي الأخريين إثبات الألوهية لغيره. والجمع بين ذلك أن الألوهية الخاصة بالله هي الألوهية الحق، وأن المثبتة لغيره هي الألوهية الباطلة؛ لقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (الحج: ٦٢) . ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) (لأعراف: الآية ٢٨) وقوله (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء: ١٦) ففي الآية الأولى نفي أن يأمر الله تعالى بالفحشاء، وظاهر الثانية أن الله تعالى يأمر بما هو فسق. والجمع بينهما أن الأمر في الآية الأولى هو الأمر الشرعي، والله تعالى لا يأمر شرعا بالفحشاء لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠) والأمر في الآية الثانية هو الأمر الكوني، والله تعالى يأمر كونا بما شاء حسب ما تقتضيه حكمته لقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢) . ومن رام زيادة أمثلة فليرجع إلى كتاب الشيخ الشنقيطي المشار إليه آنفا.

стр. 46

القسم القسم: بفتح القاف والسين، اليمين، وهو: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم بالواو، أو إحدى أخواتها، وأدواته ثلاث: الواو - مثل قوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقّ) (الذريات: الآية ٢٣) ويحذف معها العامل وجوبا، ولا يليها إلا اسم ظاهر. والباء - مثل قوله تعالى (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (القيامة: ١) ويجوز معها ذكر العامل كما في هذا المثال، ويجوز حذفه كقوله تعالى عن إبليس: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (صّ: ٨٢) ويجوز أن يليها اسم ظاهر كما مثلنا، وأن يليها ضمير كما في قولك: الله ربي وبه أحلف لينصرن المؤمنين. والتاء - مثل قوله تعالى: (تاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) (النحل: الآية ٥٦) ويحذف معها العامل وجوبا، ولا يليها إلا اسم الله، أو رب مثل: ترب الكعبة لأحجن إن شاء الله. والأصل ذكر المقسم به، وهو كثير كما في المثل السابقة. وقد يحذف وحده مثل قولك: أحلف عليك لتجتهدن. وقد يحذف مع العامل وهو كثير مثل قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: ٨) والأصل ذكر المقسم عليه، وهو كثير مثل قوله تعالى: (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُن) (التغابن: الآية ٧) وقد يحذف جوازا مثل قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (ق: ١) وتقديره ليهلكن.

стр. 47

وقد يحذف وجوبا إذا تقدمه، أو اكتنفه ما يغني عنه، قاله ابن هشام في المغني ومثل له بنحو: زيد قائم والله، وزيد والله قائم. وللقسم فائدتان: إحداهما: بيان عظمة المقسم به. والثانية: بيان أهمية المقسم عليه، وإرادة توكيده، ولذا لا يحسن القسم إلا في الأحوال التالية: الأولى: أن يكون المقسم عليه ذا أهمية. الثانية: أن يكون المخاطب مترددا في شأنه. الثالثة: أن يكون المخاطب منكرا له.

стр. 48

القصص القصص والقص لغة: تتبع الأثر. وفي الاصطلاح: الإخبار عن قضية ذات مراحل، يتبع بعضها بعضا. وقصص القرآن أصدق القصص؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (النساء: الآية٨٧) وذلك لتمام مطابقتها على الواقع وأحسن القصص لقوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآن) (يوسف: الآية ٣) وذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى. وأنفع القصص، لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب) (يوسف: الآية ١١١) . وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق. وهي ثلاثة أقسام: *- قسم عن الأنبياء والرسل، وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين. * - وقسم عن أفراد وطوائف، جرى لهم ما فيه عبرة، فنقلة الله تعالى عنهم، كقصة مريم، ولقمان، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وذي القرنين، وقارون، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، وأصحاب الأخدود وغير ذلك. *- وقسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي ﷺ ، كقصة غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وبني قريظة، وبني النضير، وزيد بن حارثة، وأبي لهب، وغير ذلك. وللقصص في القرآن حكم كثيرة عظيمة منها: ١- بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص؛ قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) (القمر: ٤) (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) (القمر: ٥)

стр. 49

٢- بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين؛ لقوله تعالى عن المكذبين: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّك) (هود: الآية ١٠١) ٣- بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين؛ لقوله تعالى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ٍ) (القمر: ٣٤-٣٥) ٤- تسلية النبي ﷺ عما أصابه من المكذبين له؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) (فاطر: ٢٥) (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (فاطر: ٢٦) . ٥- ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه، إذ علموا نجاة المؤمنين السابقين، وانتصار من أمروا بالجهاد، لقوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء: ٨٨) وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: ٤٧) ٦- تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم، لقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد: ١٠) . ٧- إثبات رسالة النبي ﷺ فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله ، لقوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (هود: ٤٩) وقوله: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) (إبراهيم: الآية ٩) .

стр. 50

تكرار القصص من القصص القرآنية ما لا يأتي إلا مرة واحدة، مثل قصة لقمان، وأصحاب الكهف، ومنها ما يأتي متكررا حسب ما تدعو إليه الحاجة، وتقتضيه المصلحة، ولا يكون هذا المتكرر على وجه واحد، بل يختلف في الطول والقصر واللين والشدة وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون آخر. ومن الحكمة في هذا التكرار؟ ١- بيان أهمية تلك القصة لأن تكرارها يدل على العناية بها. ٢- توكيد تلك القصة لتثبت في قلوب الناس. ٣- مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها، ولهذا تجد الإيجاز والشدة غالبا فيما أتى من القصص في السور المكية والعكس فيما أتى في السور المدنية. ٤- بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه وذاك الوجه على ما تقضيه الحال ٥- ظهور صدق القرآن، وأنه من عند الله تعالى، حيث تأتي هذه القصص متنوعة بدو تناقص.

стр. 51

الإسرائيليات الإسرائيليات: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر، أو من النصارى. وتنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع: الأولى: ما أقره الإسلام، وشهد بصده فهو حق. مثاله: ما رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر: ٦٧) (١) الثاني: ما أنكره الإسلام وشهد بكذبه فهو باطل مثاله ما رواه البخاري عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها، جاء الولد أحول؛ فنزلت: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة: الآية ٢٢٣) (٢) الثالث: ما لم يقره الإسلام، ولم ينكره، فيجب التوقف فيه، لما رواه البخاري (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم،

стр. 52

وقولوا: (آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) (العنكبوت: الآية ٤٦) الآية، ولكن التحدث بهذا النوع جائز، إذا لم يخش محذور؛ لقول النبي ﷺ : " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده م النار " رواه البخاري (١) . وغالب ما يروى عنهم من ذلك ليس بذي فائدة في الدين كتعيين لون كلب أصحاب الكهف ونحوه. وأما سؤال أهل الكتاب عن شئ من أمور الدين، فإنه حرام لما رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ؛ فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، وإنه لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني " (٢) . وروى البخاري (٣) عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم ﷺ أحدث الأخبار بالله محضا، لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتاب الله، وغيروا، فكتبوا بأيدهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمنا قليلا أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا والله رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم. موقف العلماء من الإسرائيليات اختلفت موافق العلماء، ولا سيما المفسرون من هذه الإسرائيليات على ثلاثة

стр. 53

أنحاء: أ- فمنهم من أكثر منها مقرونة بأسانيدها، ورأي أنه بذكر أسانيدها خرج من عهدتها، مثل ابن جرير الطبري. ب- ومنهم من أكثر منها، وجردها من الأسانيد غالبا، فكان حاطب ليل مثل البغوي الذي قال شيخ الإسلام ابن تيميه (١) عن تفسيره: إنه مختصر من الثعلبي، لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعية والآراء المبتدعة، وقال عن الثعلبي: إنه حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. ج- ومنهم من ذكر كثيرا منها، وتعقب البعض مما ذكره بالتضعيف أو الإنكار مثل ابن كثير. د- ومنهم من بالغ في ردها ولم يذكر منها شيئا يجعله تفسيرا للقرآن كمحمد رشيد رضا.

стр. 54

الضمير الضمير لغة: من الضمور وهو الهزال لقلة حروفه أو من الإضمار وهو الإخفاء لكثرة استتاره. وفي الاصطلاح: ما كني به عن الظاهر اختصارا وقيل: ما دل على حضور، أو غيبة لا من مادتهما. فالدال على الحضور نوعان: أحدهما: ما وضع للمتكلم مثل: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّه) (غافر: الآية ٤٤) . الثاني: ما وضع للمخاطب مثل: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة: الآية ٧) . وهذان لا يحتاجان إلى مرجع اكتفاء بدلاله الحضور عنه. والدال على الغائب، ما وضع للغائب. ولابد له من مرجع يعود عليه. والأصل في المرجع أن يكون سابقا على الضمير لفظا ورتبه مطابقا له لفظا ومعنى مثل: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ) (هود: الآية ٤٥) . وقد يكون مفهوما من مادة الفعل السابق مثل: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: الآية ٨) . وقد يسبق لفظا لا رتبة مثل: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ ربُه) (البقرة: الآية ١٢٤) ... وقد يسبق رتبة لا لفظا مثل: (حمل كتابه الطالب) . وقد يكون مفهوما من السياق مثل: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَد) (النساء: الآية ١١) فالضمير يعود على الميت المفهوم من قوله: (مما ترك) . وقد لا يطابق الضمير معنى مثل: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (١٢) ثم

стр. 55

جعلناه نطفة) (المؤمنون ١٢، ١٣) فالضمير يعود على الإنسان باعتبار اللفظ، لأن المجعول نطفة ليس الإنسان الأول. وإذا كان المرجع صالحا للمفرد والجمع جاز عود الضمير عليه بأحدهما مثل: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) (الطلاق: الآية ١١) والأصل اتحاد مرجع الضمائر إذا تعددت مثل: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وهو بالأفق الأعلي (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) (النجم: ٥-١٠) فضمائر الرفع في هذه الآيات تعود إلى شديد القوى وهو جبريل. والأصل عود الضمير على أقرب مذكور إلا في المتضايفين فيعود على المضاف؛ لأنه المتحدث عنه مثال أول: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيل) (الإسراء: الآية ٢) . ومثال الثاني (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (إبراهيم: الآية ٣٤) . وقد يأتي على خلاف الأصل فيما سبق بدليل يدل عليه. الإظهار في موقع الإضمار الأصل أن يؤتى في مكان الضمير بالضمير لأنه أبين للمعنى وأخصر للفظ، ولهذا ناب الضمير بقوله تعالى (أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) (الأحزاب ١٣٥) عن عشرين كلمة المذكورة قبله، وربما يؤتى مكان الضمير بالاسم الظاهر وهو ما يسمى (الإظهار في موضع الإضمار) . وله فوائد كثيرة، تظهر بحسب السياق منها: ١- الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر.

стр. 56

٢- بيان علة الحكم. ٣- عموم الحكم لكل متصف بما يقتضيه الاسم الظاهر. مثال ذلك قوله تعالى: (من كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: الآية ٩٨) ولم يقل فإن الله عدو له، فأفاد هذا الإظهار: ١- الحكم بالكفر على من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل. ٢- إن الله عدو لهم بكفرهم. ٣- أن كل كافر فالله عدو له. مثال آخر: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (الأعراف: ١٧٠) ولم يقل أنا لا نضيع أجرهم، فأفاد ثلاثة أمور: ١- الحكم بالإصلاح للذين يمسكون الكتاب. ويقيمون الصلاة. ٢- أن الله آجرهم لإصلاحهم. ٣- أن كل مصلح وله أجر غير مضاع عند الله تعالى. وقد يتعين الإظهار، كما لو تقدم الضمير مرجعان، يصلح عوده إلى كل منهما والمراد أحدهما مثل: اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانة ولاة أمورهم، إذ لو قيل: وبطانتهم، لأوهم أن يكون المراد بطانة المسلمين. ضمير الفصل ضمير الفصل: حرف بصيغة ضمير الرفع المنفصل يقع بين المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين ويكون بضمير المتكلم كقوله تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) (طه: الآية ١٤) وقوله

стр. 57

(وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (الصافات: ١٦٥) وبضمير المخاطب كقوله تعالى: (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم) (المائدة: الآية ١١٧) وبضمير الغائب كقوله تعالى: (وأولئك هم المفلحون) وله ثلاثة فوائد: الأولى: التوكيد، فإن قولك: زيد هو أخوك أوكد من قولك: زيد أخوك. الثانية: الحصر، وهو اختصاص ما قبله بما بعده، فإن قولك المجتهد هو الناجح يفيد اختصاص المجتهد بالنجاح. ثالثا: الفصل: أي التمييز بين كونه ما بعده خبرا، أو تابعا، فإن قولك: زيد الفاضل يحتمل أن تكون الفاضل صفة لزيد، والخبر منتظر، ويحتمل أن تكون الفاضل خبرا، وإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعين أن تكون الفاضل خبرا، لوجود ضمير الفصل.

стр. 58

الالتفات الالتفات: تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر، وله صور منها: ١- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب كقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة) فحول الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله: إياك. ٢- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) (يونس: الآية ٢٢) فحول الكلام من الخطاب إلى الغيبة بقوله وجرينا بهم. ٣- الالتفات من الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) (المائدة: الآية ١٢) فحول الكلام من الغيبة إلى التكلم في قوله وبعثنا. ٤- الالتفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ) فحول الكلام من التكلم إلى الغيبة بقوله: لربك. وللالتفات فوائد منها: ١- حمل المخاطب على الانتباه لتغير وجه الأسلوب عليه. ٢- حمله على التفكير في المعنى، لأن تغيير وجه الأسلوب، يؤدي إلى التفكير في السبب. ٣- دفع السآمة والملل عنه، لأن بقاء الأسلوب على وجه واحد، يؤدي إلى

стр. 59

الممل غالبا. وهذه الفوائد عامة للالتفات في جميع صوره أما الفوائد الخاصة فتتعين في كل صورة، حسب ما يقتضيه المقام. والله أعلم. وصلي الله وسلم على بينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. تم لله الحمد رب العالمين.