← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21799

التوهم في وصف أحوال الآخرة

الحارث المحاسبي

Полный текст (82 стр.). Показаны 71–82 · переход к 76.

стр. 71

وجوههم ونورها وإشراقها، سروراً بقرب ربهم ورؤية حبيبهم. فتوهم هيبتهم حين رفعوا أيمان أرجلهم إلى ركب الياقوت والزمرد والدر. فتوهم حسن أقدامهم ونعيمها، إنها (١) أقدام غيرت عن خلقها فأكسيت في الحسن بخلاف ما كانت عليه في دار الدنيا، ثم أكنها الله في جنته من كل آفة فغير خلقتها متخضبة، لها أحقاب الدهور في كثبان المسك ورياض الزعفران. فتوهم حسن نورها وقد رفعها أولياء الله ركب الياقوت والدر، فتوهمها بحسنها في أحسن ركب نجائب الجنان، ثم ثنوا من غير عنف ولا مشقة حتى استووا على رحائل من الدر والياقوت مفضضة بالعبقري والأرجوان، فيا حسن بياض الدر في حمرة الأرجوان. فلما استووا عليها، واستويت على نجيبك معهم، أثاروا نجائبهم فثارت، فثار عجاج المسك لوثوبها علا (٢) ذلك ثيابهم وجمامهم، ثم استوت النجائب صفاً واحداً معتدلاً فصاروا موكباً معتدلاً لا عوج فيه، ولا يتقدم بعضها بعضاً، فأعظم به من موكب، وأعظم به من ركبان. فتوهم امتداد صفهم في اعتداله واصطفاف وجوههم معتدلة في اصطفافها، وعلى جباههم

стр. 72

الأكاليل، من فوق رؤوسهم (١) تيجان من الدر والياقوت. فما ظنك باجتماع وجوه أهل الجنان كلها، عليهم الأكاليل والتيجان مصطفة متحاذية؟ فما ظنك بأكثر من ألف ألف ألف، وما تقدر القلوب على إحصاء عدده من تيحان الدر والياقوت مطنطنة على وجوههم نضرة ضاحكة فرحة مستبشرة. فلو توهمت هذا الموكب بنجائبه واعتدال ركبانه واصطفاف تيجانه على وجوه أولياء الله المشرقة الناعمة من تحته، ثم رهقت نفسك اشتياقاً لكنت لذلك حقيقاً، ولكنت به حرياً إن عقلت ذلك شوقاً من قلبك إيقاناً بإنجاز ما وعد به ربك أولياءه. فلما اعتدل الصف واصطفت التيجان تبادروا بينهم: سيروا إلى ربنا. فتوهم النجائب حين أخذت في السير بأخفاف من الياقوت سيراً واحداً بخط (٢) واحد لا يتقدم بعضها بعضاً، تهتز أجسام أولياء الله عليها من نعيمها، وأكتافهم متحاذية في سيرهم، وأخفاف رواحلهم وركبها متحاذية في خببها، فانطلقوا كذلك تثير رواحلهم المسك بأخفافها، وتهتز رياض الزعفران بأرجلها، فلما دنوا من أشجار

стр. 73

الجنة رمت الأشجار إليهم من ثمارها فصارت الثمار، وهم يسيرون، في أيديهم، فيا حسن تلك الثمار في أكفهم، وتزحزحت وتنحت الأشجار عن طريقهم لما ألهمها مولاها أن لا يتثلم صفهم فيتعرج بعد استوائه، ويختلف بعد اعتداله، ويفرق بين ولي الله ورفيقه، لأنهم رفقاء في الجنان لتحابهم في الدنيا في ربهم، فالرفقاء مشهورون، كل رفيقين قد شهرا بالمرافقة، وجعل زيهما ولباسهما لوناً واحداً، ولون رواحلهما (١) لوناً واحداً. فتوهم نفسك إذ منَّ عليك ربك، وأنت لاصق برفيقك، منكبك بمنكبه، وقد دنوتما من أشجار الجنة فنفضت ثمرها فوقعت الثمار في أيديكما (٢) وأيدي أولياء الرحمن، ثم تنحت بأصولها عن طريقهم، فهم يسيرون فرحين، وقد شخصت قلوبهم بالتعلق إلى نظر حبيبهم، فهم يسيرون بالسرور ويلتفت بعضهم إلى بعض يتحادثون، ويضحك بعضهم إلى بعض، يتداعبون في سيرهم، يحمدون ربهم على ما صدقهم، وعلى ما أباح لهم من جواره. فبينا هم في سيرهم إذ دنوا من عرش ربهم، وعاينوا أحسن حجبه

стр. 74

ونوره، واستحثوا السير شوقاً وحباً وفرحاً به. فتوهم نجائبهم تطير في سيرها باعتدال موكبهم وإشراق وجوههم، والملائكة قد أحدقت بالنجائب تزفهم زفاً إلى ربهم، حتى انتهوا إلى صفحة عرش مولاهم، فتوهم سعة تلك الصفحة وحسن نورها ببهجتها وزهرتها، وقد وضعت الزرابي والنمارق على كثبان المسك، وعرف كل فتى (١) منهم ما أُعد له، والكراسي لأهل صفوته من عباده، وأحبائه من خلقه، لما دنوا إلى ما أعد لهم من المنابر والكراسي والزرابي والنمارق، فثنى رجله الحسنة من الركاب إلى منبر أو كرسي أو [زربية] (٢) . فتوهم تثنيهم أرجلهم إلى كراسيهم، حتى استووا عليها، فتوهم نعيم تلك الأفخاذ والأوراك المرتفعة على الكراسي بالدر والياقوت، فأعظم به من مقعد وأعظم بولي الله متربعاً. فلما أخذ القوم مجالسهم، واطمأنوا في مقعدهم، والحجب تسطع نورها، فيا لذه أعينهم وقد أصغوا بمسامعهم منتظرين لاستماع الكلام من حبيبهم. فتوهم في مقعدهم الصدق الذي وعدهم مولاهم ومليكهم في القرب منه على قدر (٣) منازلهم، فهم في القرب منه على قدر (٤) مراتبهم، فالمحبون له أقربهم إليه قرباً

стр. 75

إذ كانوا له في الدنيا أشد حباً، وأقرب إلى عرشه منهم القائمون بحجته عند خلقه، ثم الأنبياء ﵈، ثم الصديقون على قدر ذلك في القرب من العزيز الرحيم، فأعظم به من مزور، وجلَّ وتكبَّر من مزور. فتوهم مجلسهم بحسن كرامتهم وجمال وجوههم (١) وإشراقها، لما رهقها نور عرشه وإشراق حجبه (٢) فلو صح لك عقلك ثم توهمت مجلسهم وإشراق كراسيهم ومنابرهم وما ينتظرون من رؤية ربهم، ثم طار روحك شوقاً إليه، لكنت بذلك حقيقاً. فما أعظم ذلك عند عاقل عن الله، مشتاق إلى ربه ورؤيته. فتوهم ذلك بعقل فارغ لعل نفسك أن تسخى (٣) بقطع كل قاطع يقطعك عنه، وترك كل سبب يشغلك عن التقرب فيه إلى ربك. فلما استوى بهم المجلس واطمأن بهم المقعد، وضعت لهم الموائد ليكرم الله زواره بالإطعام والتفكيه لهم، ووضعت الموائد لزوار الله وأحبائه من خلقه، قامت الملائكة [على] (٤) رؤوسهم (٥) معظمين لزوار الرحمن، فوضعت الصحاف من الذهب فيها الأطعمة وطرائف

стр. 76

الفاكهة مما لم يحسنوا أن يتمنوا، فقدموا أيديهم مسرورين بإكرام ربهم لهم، لأن حقاً على كل مزور أن يكرم زائره، فكيف بالمزور الكريم الواحد الجواد الماجد العظيم؟ . فتوهم وهم يأكلون فرحين مستبشرين بإكرام مولاهم لهم، حتى إذا فرغوا من أكلهم قال الجليل لملائكته: اسقوهم. فأتتهم الملائكة، لا الخدام والولدان، بأكواب الدر وكؤوس (١) الياقوت، فيها الخمر والعسل والماء والألبان. فتوهم تلك الكأسات وتلك الأكواب بأيدي ملائكة الرحمن، فناولوها أولياء الله فشربوها، فبان أثر حسن الشراب في وجوه الزوار. فلما سقتهم الملائكة ما أمرهم الله به من الأشربة، قال الجليل: اكسوا أوليائي. فتوهم الملائكة، وقد جاءت بالحلل التي لم يلبسوا في الجنة مثلها، ثم قاموا على رؤوسهم (٢) فألبسوها أهل كرامة الله ورضوانه. فتوهم وقد صيروها (٣) من فوق رؤوسهم حتى صارت على أقدامهم، فأشرقت بحسنها وجوههم. ثم أمر الجليل ﵎ أن طيبوهم، فارتفعت السحاب بحسنها وشدة ضيائها ونورها لحمل ألوان الطيب من المسك وجميع طيب الجنان، ما لم يجدوا مثل رائحته. فتوهمها

стр. 77

تمطر عليهم، والطيب يتساقط عليهم مطراً حتى علا جباههم وثيابهم. فلما أكلوا وشربوا، وخلعت الملائكة الخلع [وطيب] (١) مطر السحاب، شخصت أبصارهم وتعلقت قلوبهم، ثم رفع الحجب. فبينا هم في ذلك إذ رفعت الحجب، فبدا لهم ربهم بكماله، فلما نظروا إليه وإلى ما لم يحسنوا أن يتوهموه ولا يحسنون ذلك أبداً لأنه القديم الذي لا يشبهه شيء من خلقه، فلما نظروا إليه ناداهم حبيبهم بالترحيب منهم وقال لهم: مرحباً بعبادي، فلما سمعوا كلام الله بجلاله وحسنه غلب على قلوبهم من الفرح والسرور ما لم يجدوا مثله في الدنيا ولا في الجنة، لأنهم يسمعون (٢) كلام من لا يشبه شيئاً من الأشياء. فتوهمهم وقد أطرقوا وأصغوا بمسامعهم لاستماع كلامه، وقد علا وجوههم نور السرور لكلام حبيبهم وقرير أعينهم. فلو توهمت نفسك وقد سمعت قول الله لأوليائه مرحباً بهم، ثم طار روحك فرحاً به وحباً له لكان ذلك منه حقيراً وصغيراً عندما توهمته من نفسك عند استماع كلامه. فحياهم بالسلام فردوا عليه: أنت السلام ومنك السلام ولك حق الجلال والإكرام. فمرحباً بعبادي وزواري وخيرتي من خلقي، الذين

стр. 78

رعوا عهدي، وحفظوا وصيتي، وخافوني في الغيب، وقاموا مني على كل حال مشفقين، وقد رأيت الجهد منهم في أبدانهم (١) أثرة لرضاي عنهم قد رأيت ما صنع بكم أهل زمانكم، فلم يمنعكم جفاء الناس عن حقي، تمنوا عليَّ ما شئتم. فلو رأيتهم وقد سمعوا ذلك من حبيبهم يذكرهم ما كانوا عليه في دنياهم من رعاية عهده وحفظه ودوام خوفهم منه، وقد استطاروا فرحاً لما شكر لهم رعايتهم حقه، وحفظ منهم خوفهم، ورحب بهم محبة لهم، إذ كانوا بذلك إياه في الدنيا يعبدونه، استطارت قلوبهم فرحاً وسروراً إذ لم يفرطوا في طاعته، ولم يقصروا في مخافته، فاغتبطوا لما كانوا به لله في الدنيا يدينون من شدة خوفهم ورعاية حقه وحفظه، فردوا إليه (٢) الجواب مع سرور قلوبهم بالقسم لعظمته وجلاله، أنهم قد قصروا عما كان يحق له عليهم إعظماماً له واستكثاراً، إذ أثابهم جنته وأكرمهم بزيارته وقربه واستماع كلامه، فقالوا عند ذلك: وعزتك وجلالك (٣) وعظمتك وارتفاع مكانك ما قدرناك حق قدرك، ولا أدَّينا إليك كل حقك، فائذن لنا بالسجود، فقال لهم ربهم: إني قد وضعت عنكم مؤونة العبادة وأرحت لكم أبدانكم،

стр. 79

فطالما أتعبتم الأبدان وأخضعتم لي الوجوه، فالآن أفضتم إلى كرامتي ورحمتي، فتمنوا عليَّ ما شئتم. وفي بعض الحديث أنهم إذا نظروا إليه خروا (١) ، فيناديهم بكلامه تبارك (٢) وتعالى: ارفعوا رؤوسكم (٣) ، ليس هذا حين عمل، هذا حين سرور ونظر. فتوهم بعقلك نور وجوههم وما يداخلهم من السرور والفرح، حين عاينوا مليكهم، وسمعوا كلام حبيبهم، وأنيس قلوبهم، وقرة أعينهم، ورضا أفئدتهم، وسكن أنفسهم، فرفعوا رؤوسهم (٤) من سجودهم، فنظروا إلى من لا يشبهه شيء بأبصارهم، فبلغوا بذلك غاية الكرامة ومنتهى (٥) الرضا والرفعة. فما ظنك بنظرهم إلى العزيز الجليل، الذي لا يقع عليه الأوهام، ولا يحيط به الأذهان، ولا تكفيه الفكر، ولا تحده الفطن، الذي لا تأويه الأرحام، ولم تنقله الأصلاب، ولا يبدو (٦) فيكون مطبوعاً منتقلاً، الأزلي القديم، الذي حارت العقول عن إدراكه، فكلت الألسنة عن تمثيله بصفاته، فهو المنفرد بذاته عن شبه الذوات، المتعالي بجلاله على مساواة المخلوقين، فسبحانه لا شيء يعادله، ولا شريك يشاركه، ولا شيء يريده فيستصعب عليه أو يعجزه إنشاؤه، استسلم

стр. 80

لعظمته الجبارون، وذل لقضائه الأولون والآخرون، نفذ في الأشياء علمه بما كان وبما لا يكون، (وبما لو كان كيف كان يكون (١) ، فأحاط بالأشياء علماً، وسمع أصواتها سمعاً، وأدرك أشخاصها [.......] (٢) ونفذ فيها إرادته، وأمضى (٣) فيها مشيئته، فهي مدبرة [.....] (٤) . وقربها اختراعاً فكانت عن إرادته، لم يتقدم منها شيء قبل وقته الذي أراد فيه كونه، [ولَمْ] (٥) يتأخر فيه عن نهيه، وكيف يستصعب عليه من لم يكن شيئاً مذكوراً حتى كونه سبحانه الواحد القهار. فلما سَرَّ أولياء الله برؤيته وأكرمهم بقربه، ونعَّم قلوبهم بمناجاته واستماع كلامه، أذن لهم بالانصراف إلى ما أعد لهم من كرامته ونعيمهم ولذاتهم، فانصرفوا على خيل الدر والياقوت، على الأسرة فوقها الحجال، ترف وتطير في رياض الجنان. فما ظنك بوجوه نظرت إلى الله وسمعت كلامه كيف ضاعف حسنها وجمالها؟ وزاد ذلك في أشراقها ونورها، فلم تزل في مسيرها حتى أشرفت على قصورها. فلما بدت لخدامها وقهارمتها وولدانها بادر كل واحد منهم خدامه وقهارمته وولدانه

стр. 81

مستقبلة من أبواب قصوره حتى أحدقوا به يزفونه إلى قصوره وخيامه، فلما دنا من باب قصره (١) وخيامه قامت الحجاب رافعي ستور أبواب قصره معظمين مجلين له، وبادرت إليه أزواجه، فلما نظرت زوجته إلى جمال وجهه قد ضوعف في حسنه وإشراقه ونوره، ازدادت له حباً وعشقاً، وأشرقت قصوره وقبابه وخيامه وأزواجه من نور وجهه وجماله، وازدادت أزواجه حسناً وجمالاً ووجاهة وحشمة، ثم نزلوا عن خيولهم إلى صحون قصورهم، ثم اطمأنوا على فرشهم وعادوا إلى نعيمهم. واشتاقوا إلى منادمة إخوانهم، فركبوا النجائب والخيل عليها يتزاورون، حتى التقوا على أنهار الجنة (٢) ففرشت لهم نمارق الجنان (٣) وزاربيها على كثبان المسك والكافور، وتقابل الإخوان على السرور والشراب، فقامت الولدان بالكأسات والأباريق والأكواب يغترفون من أنهار الجنة، أنهارهم الخمر والسلسبيل والتسنيم. فلما أخذت الولدان الكأسات واغترفوا ليسقوا أولياء الرحمن، لم يشعروا إلا بنداء الله : يا أوليائي طالما رأيتكم في الدنيا وقد ذبلت شفاهكم، ويبست حلوقكم من العطش، فتعاطوا اليوم الكأس فيما

стр. 82

بينكم، وعودوا في نعيمكم، فكلوا واشربوا هنيئاً مريئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية. فلا يقدر الخلائق أن (١) يصفوا سرور قلوبهم حين سمعوا كلام مولاهم يذكر أعمالهم شكراً منه لهم، وغبطة منه لهم، لما ناداهم إلى (٢) معاطاة الكأس للمنادمة بينهم بعد معرفتهم في الدنيا [.....] (٣) منادمة أهل الدنيا على خمورهم. فلو رأيت وجوههم (٤) وقد أشرقت بسرور كلام مولاهم واغتباطه لما ذكرهم أعمالهم الصالحة من صيامهم، وتركهم منادمة أهل الدنيا لمرضاته، وما عوضهم من المنادمة في جواره، وما أيقنوا به من سرورهم بمنادمتهم على الخمر والعسل والألبان، فأعظم به من مجلس، وأعظم به من جمع، وأعظم به من منادمين في جوار الرحمن الرحيم. فكن إلى ربك مشتاقاً وإليه متحبباً، ولما حال بينك وبينه قاطعاً وعنه معرضاً، وابتهل في الطلب إلى الله بفضله وإحسانه أن لا يقطع بك عنهم. وبالله التوفيق وإليه المصير، والجنة مثوى المؤمنين، وثواب المتقين، وسرور المحزونين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تم كتاب (التوهم) بحمد الله . وصلى الله على محمد النبي وعلى آله أجمعين اللهم وفق لمن كتبه و........ (٥)