وعلى هذا فإن أولئك المبتدعين لأذكار أو صلوات على النبي ﷺ ، لم يأت بها شرع الله على لسان رسوله محمد ﷺ تنافي دعوى أن هذا الذي ابتدع يعتقد أن محمدا ﷺ ، سيد، لأن مقتضى هذه العقيدة أن لا يتجاوز ما شرع وأن لا ينقص منه، فليتأمل الإنسان وليتدبر ما يعنيه بقوله حتى يتضح له الأمر ويعرف أنه تابع لا مشرع.
وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال: " أنا سيد ولد آدم " والجمع بينه وبين قوله: " السيد الله " أن السيادة المطلقة لا تكون إلا لله وحده فإنه تعالى هو الذي له الأمر كله فهو الآمر وغيره مأمور، وهو الحاكم وغيره محكوم، وأما غيره فسيادته نسبية إضافية تكون في شئ محدود، ومكان محدود، وعلى قوم دون قوم، أو نوع من الخلائق دون نوع.
٦٠. ... وسئل فضيلته عن هذه العبارة (السيدة عائشة ﵂ -) ؟ .
стр. 72
فأجاب قائلا: لا شك أن عائشة ﵂ من سيدات نساء الأمة، ولكن إطلاق (السيدة) على المرأة و (السيدات) على النساء هذه الكلمة متلقاة فيما أظن من الغرب حيث يسمون كل امرأة سيدة وإن كانت من أوضع النساء، لأنهم يسودون النساء أي يجعلونهم سيدات مطلقا، والحقيقة أن المرأة مرأة، وأن الرجل رجل، وتسميه المرأة بالسيدة على الإطلاق ليس بصحيح، نعم من كانت منهن سيدة لشرفها في دينها أو جاهها أو غير ذلك من الأمور المقصودة فلنا أن نسميها سيدة، ولكن ليس مقتضى ذلك إننا نسمي كل امرأة سيدة.
كما أن التعبير بالسيدة عائشة، والسيدة خديجة، والسيدة فاطمة وما أشبه ذلك لم يكن معروفا عند السلف بل كانوا يقولون أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين خديجة، فاطمة بنت الرسول ﷺ ، ونحو ذلك.
٦١. ... سئل فضيلة الشيخ: عن الجمع بين قول
стр. 73
النبي ﷺ : " السيد الله ﵎ " وقوله، ﷺ : " أنا سيد ولد آدم " وقوله: " قوموا إلى سيدكم " وقوله في الرقيق: " وليقل سيدي "؟ .
فأجاب بقوله: أختلف على ذلك في أقوال:
القول الأول: أن النهي على سبيل الأدب، والإباحة على سبيل الجواز، فالنهي ليس للتحريم حتى يعارض الجواز.
القول الثاني: أن النهي حيث يخشى منه المفسدة وهي التدرج إلى الغلو، والإباحة إذا لم يكن هناك محذور.
القول الثالث: أن النهي بالخطاب أي أن تخاطب الغير بقولك (سيدي أو سيدنا) لأنه ربما يكون في نفسه عجب وغلو إذا دعي بذلك، ولأن فيه شيئا آخر وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له، بخلاف إذا جاء على غير هذا الوجه مثل (قوموا إلى سيدكم) و (أنا سيد ولد آدم)
стр. 74
لكن هذا يرد على إباحته ﷺ للرقيق أن يقول لمالكه (سيدي) ؟
لكن يجاب عن هذا بأن قول الرقيق لمالكه (سيدي) أمر معلوم لا غضاضة فيه، ولهذا يحرم عليه أن يمتنع مما يجب عليه نحو سيده والذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا جائز لكن بشرط أن يكون الموجه إليه السيادة أهلا لذلك، وأن لا يخشى محذور من إعجاب المخاطب وخنوع المتكلم، أما إذ لم يكن أهلا، كما لو كان فاسقا أو زنديقا فلا يقال له ذلك حتى ولو فرض عنه أعلى منه مرتبة أو جاهلا وقد جاء في الحديث: " لا تقولوا للمنافق سيد فإنكم إذ قلتم ذلك أغضبتم الله ".
وكذلك لا يقال إذا خشى محذور من إعجاب المخاطب أو خنوع المتكلم.
٦٢. ... وسئل فضيلة الشيخ: عن قول: (شاءت الظروف أن يحصل كذا وكذا) ، و (شاءت الأقدار كذا وكذا) ؟ ... .
стр. 75
فأجاب قائلا: قول: (شاءت الأقدار) ، و (شاءت الظروف) ألفاظ منكرة؛ لأن الظروف جمع ظرف وهو الأزمان، والزمن لا مشيئة له، وإنما الذي يشاء هو الله، ، نعم لو قال الإنسان: (اقتضى قدر الله كذا وكذا) . فلا بأس به. أما المشيئة فلا يجوز أن تضاف للأقدار لأن المشيئة هي الإرادة، ولا إرادة للوصف، إنما الإرادة للموصوف.
٦٣. ... سئل فضيلته: عن حكم قول (وشاءت قدرة الله) و (شاء القدر) ؟ .
فأجاب بقوله: لا يصح أن نقول (شاءت قدرة الله) لأن المشيئة إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة لمن يشاء، ولكننا نقول اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشئ إذا وقع هذه قدرة الله أي مقدوره كما تقول: هذا خلق الله أي مخلوقه. وأما أن نضيف أمرا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز
стр. 76
ومثال ذلك قولهم (شاء القدر كذا وكذا) هذا لا يجوز لأن القدر والقدرة أمران معنويات ولا مشيئة لهما، إنما المشيئة لمن هو قادر ولمن مقدر. والله أعلم.
٦٤. ... سئل فضيلته: هل يجوز إطلاق (شهيد) على شخص بعينه فيقال الشهيد فلان ؟ .
فأجاب بقوله: لا يجوز لنا أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد حتى، لو قتل مظلوماً أو قتل وهو يدافع عن الحق، فإنه لا يجوز أن نقول فلان شهيد وهذا خلاف لما عليه الناس اليوم حيث رخصوا هذه الشهادة وجعلوا كل من قتل حتى ولو كان مقتولا في عصبية جاهلية يسمونها شهيدا، وهذا حرام لأن قولك عن شخص قتل وهو شهيد يعتبر شهادة سوف تسأل عنها يوم القيامة، سوف يقال لك هل عندك علم أنه قتل شهيدا؟ ولهذا لما قال النبي ﷺ : " ما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دما، اللون لون الدم،
стр. 77
والريح ريح المسك " فتأمل قول النبي ﷺ : " والله أعلم بمن يكلم في سبيله " - يكلم: يعني يجرح - فإن بعض الناس قد يكون ظاهره أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولكن الله يعلم ما في قلبه وأنه خلاف ما يظهر من فعله، وهذا باب البخاري ﵀ على هذه المسألة في صحيحه فقال (باب لا يقال فلان شهيد) لأن مدار الشهادة على القلب، ولا يعلم ما في القلب إلا الله فأمر النية أمر عظيم، وكم من رجلين يقومان بأمر واحد يكون بينهما كما بين السماء والأرض وذلك من أجل النية فقد قال النبي ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " والله أعلم.
٦٥. ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول فلان
стр. 78
شهيد؟ .
فأجاب بقوله: الجواب على ذلك أن الشهادة لأحد بأنه شهيد تكون على وجهين:
أحدهما: أن تقيد بوصف مثل أن يقال كل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد ونحو ذلك، فهذا جائز كما جاءت به النصوص، لأنك تشهد بما أخبر به رسول الله ﷺ ، ونعنى بقولنا - جائز - أنه غير ممنوع وإن كانت الشهادة بذلك واجبة تصديقا لخبر رسول الله ﷺ .
الثاني: أن تقيد الشهادة بشخص معين مثل أن تقول بعينه إنه شهيد، فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي ﷺ أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا بقوله: (باب لا يقال فلان شهيد) قال في الفتح ٩٠/٦ " أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي " وكأنه أشار إلى حديث عمر
стр. 79
أنه خطب فقال تقولون في مغازيكم فلان شهيد، ومات فلان شهيدا ولعله قد يكون قد أوقر رحالته، إلا لا تقولوا ذلكم ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ ، من مات في سبيل الله، أو قتل فهو شهيد وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد ابن منصور وغيرهما من طريق محمد ابن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر) أ. هـ. كلامه.
ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم له، وشرط كون الإنسان شهيدا أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي ﷺ ، مشيرا إلى ذلك: " مثل المجاهد في سيبل الله، والله أعلم بمن يجاهد في سبيله ". وقال: " والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دما اللون لون الدم، والريح ريح المسك ". رواهما البخاري من حديث أبى هريرة.
стр. 80
ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك، ولا نشهد له به ولا ننسي به الظن. والرجاء مرتبة بين المرتبتين، ولكننا نعامله في الدنيا بأحكام الشهداء فإذا كان مقتولا في الجهاد في سبيل الله دفن بدمه في ثيابه من غير صلاة عليه، وإن كان من الشهداء الآخرين فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.
ولأننا لو شهدنا لأحد بعينه أنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة فإنهم لا يشهدون بالجنة إلا لمن شهد له النبي ﷺ ، بالوصف أو بالشخص، وذهب آخرون منهم إلى جواز الشهادة بذلك لمن اتفق الأمة على الثناء عليه وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله تعالى -. وبهذا تبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص أنه شهيد إلا بنص أو اتفاق، لكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك كما سبق، وهذا كاف في منقبته، وعلمه
стр. 81
عند خالقه .
٦٦. ... سئل فضيلة الشيخ: عن لقب (شيخ الإسلام) هل يجوز ؟ .
فأجاب بقوله: لقب شيخ الإسلام عند الإطلاق لا يجوز أن يوصف به شخص، لأنه لا يعصم أحد من الخطأ فيما يقول في الإسلام إلا الرسل.
أما إذا قصد بشيخ الإسلام أنه شيخ كبير له قدم صدق في الإسلام فإنه لا بأس بوصف الشيخ به وتلقيبه به.
٦٧. ... وسئل ما رأي فضيلتكم في استعمال كلمة (صدفة) ؟ .
فأجاب بقوله: رأينا في هذا القول أنه لا بأس به وهذا أمر متعارف وأظن أن فيه أحاديث بهذا التعبير صادفنا رسول الله صادفنا رسول الله لكن لا يحضرني الآن حديث معين بهذا الخصوص.
والمصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع،
стр. 82
لأن الإنسان لا يعلم الغيب فقد يصادفه الشيء من غير شعور به ومن غير مقدمات له ولا توقع له، ولكن بالنسبة لفعل الله لا يقع هذا، فإن كل شئ عند الله معلوم وكل شئ عنده بمقدار وهو لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبدا، ولكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له صدفة، ولا حرج فيه، أما بالنسبة لأمر الله فهذا فعل ممتنع لا يجوز.
٦٨. ... سئل فضيلة الشيخ عن تسمية بعض الزهور بـ (عباد الشمس لأنه يستقبل الشمس عند الشروق وعند الغروب ؟ .
فأجاب بقوله: هذا لا يجوز لأن الأشجار لا تعبد الشمس، إنما تعبد الله كما قال الله - تعالى -:) َلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ
стр. 83
وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ((١) . وإنما يقال عبارة أخرى ليس فيها ذكر العبودية كمراقبة الشمس، ونحو ذلك من العبارات.
٦٩. ... وسئل فضيلة الشيخ لماذا كان التسمي بعبد الحارث من الشرك مع أن الله هو الحارث ؟ .
فأجاب قائلا: التسمي بعبد الحارث فيه نسبة العبودية لغير الله فإن الحارث هو الإنسان كما قال النبي ﷺ : " كلكم حارث وكلكم همام " فإذا أضاف الإنسان العبودية إلى المخلوق كان هذا نوعا من الشرك، لكنه لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر، ولهذا لو سمي رجلا بهذا الاسم لوجب أن يغيره فيضاف إلى اسم الله أو يسمى باسم آخر غير مضاف وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال: " أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن " وما أشتهر عند العامة من قولهم خير الأسماء ما حمد وعبد
стр. 84
ونسبتهم ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فليس ذلك بصحيح أي ليس نسبته إلى النبي ﷺ ، صحيحة فإنه لم يرد عن النبي ﷺ ، بهذا اللفظ وإنما ورد " أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ".
أما قول السائل في سؤاله (مع أن الله هو الحارث) فلا أعلم اسما لله تعالى بهذا اللفظ، وإنما يوصف بأنه الزارع لا يسمى به كما في قوله - تعالى -:) أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أمن نحن الزارعون ((١)
٧٠. ... سئل فضيلة الشيخ عن هذه العبارة: (العصمة لله وحده) ، مع أن العصمة لابد فيها من عاصم ؟ .
فأجاب قائلا: هذه العبارة قد يقولها من يقولها يريد بذلك أن كلام الله وحكمه كله صواب، وليس فيه خطأ وهي بهذا المعنى صحيحة،
стр. 85
لكن لفظها مستنكر ومستكره، لأنه كما قال السائل قد يوحي بأن هناك عاصما عصم الله والله هو الخالق، وما سواء مخلوق، فالأولى أن لا يعبر الإنسان بمثل هذا التعبير، بل يقول الصواب في كلام الله، وكلام رسوله ﷺ .
٧١. ... وسئل فضيلة الشيخ: عن عبارة: (فال الله ولا فالك) ؟ .
فأجاب قائلا: هذا التعبير صحيح، لأن المراد الفأل الذي هو من الله، وهو أني أتفاءل بما قلت، هذا هو معنى العبارة، وهو معنى صحيح أن الإنسان يتمنى الفأل الكلمة الطيبة من الله دون أن يتفاءل بما يسمعه من هذا الشخص الذي تشاءم من كلامه.
٧٢. ... سئل فضيلة الشيخ: عن مصطلح (فكر إسلامي) و (مفكر إسلامي) ؟ .
فأجاب قائلا: كلمة (فكر إسلامي) من الألفاظ
стр. 86
التي يحذر عنها، إذ مقتضاها أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر.
أما (مفكر إسلامي) فلا أعلم فيه بأسا لأنه وصف للرجل المسلم والرجل المسلم يكون مفكراً.
٧٣. ... سئل فضيلة الشيخ: جاء في الفتوى رقم (٧٢) أن كلمة الفكر الإسلامي كلمة لا تجوز لأنها تعني أن الإسلام قد يكون عبارة عن أفكار قد تصح أو لا تصح وهكذا، بينما قلتم أن إطلاق كلمة (المفكر الإسلامي) تجوز لأن فكر الشخص يتغير وقد يكون صحيحا أو العكس، ولكن الأشخاص الذين يستخدمون مصطلح (الفكر الإسلامي) يقولون أننا نقصد فكر الأشخاص ولا نتكلم عن الإسلام ككل أو عن الشريعة الإسلامية بالتحديد فهل هذا المصطلح (الفكر الإسلامي) جائز بهذا التفسير أم لا وما هو الدليل؟ .
стр. 87
فأجاب قائلا: ثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال: (إنما أقضي نحو ما أسمع) ونحن لا نحكم على الأفراد إلا بما يظهر منهم فإذا قيل (الفكر الإسلامي) فهذا يعني أن الإسلام فكر، وإذا كان القائل بهذا التعبير يريد فكر الرجل الإسلامي فليقل (فكر الرجل الإسلامي) أو (المفكر الإسلامي) وبدلا من أن نقول (الفكر الإسلامي) نقول (الحكم الإسلامي) لأن الإسلام حكم والقرآن الكريم إما خبر وإما حكم كما قال - تعالى -:) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ((١) .
٧٤. ... سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس إذا شاهد من أسرف على نفسه بالذنوب: (فلان بعيد عن الهداية، أو عن الجنة، أو عن مغفرة الله) فما حكم ذلك ؟ .
فأجاب بقوله: هذا لا يجوز لانه من باب التألي
стр. 88
على الله وقد ثبت في الصحيح أن رجلا كان مسرفا على نفسه، وكان يمر به رجل آخر فيقول: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله " من ذا الذي يتألى أن لا أغفر لفلان قد غفرت له، وأحبطت عملك ". ولا يجوز للإنسان أن يستبعد ﵀ ، كم من إنسان قد بلغ من الكفر مبلغا عظيما، ثم هداه الله فصار من الأئمة الذين يهدون بأمر الله ، والواجب على من قال ذلك أن يتوب إلى الله، حيث يندم على ما فعل ويعزم على أن لا يعود في المستقبل.
٧٥. ... وسئل فضيلته: عن قول الإنسان إذا سئل عن شخص قد توفاه الله قريبا: " فلان ربنا افتكره "؟ .
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مراده بذلك أن الله تذكر ثم أماته فهذه كلمة كفر، لأنه يقتضي أن الله ينسى، والله لا ينسى، كما قال موسى، ﵊، لما سأله فرعون:)
стр. 89
فما بال القرون الأولى. قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ((١) . فإذا كان هذا هو قصد المجيب وكان يعلم ويدري معنى ما يقول فهذا كفر.
أما إذا كان جاهلا ولا يدري ويريد بقوله: (أن الله افتكره) يعني أخذه فقط فهذا لا يكفر، لكن يجب أن يطهر لسانه عن هذا الكلام، لأنه كلام موهم لنقص رب العالمين ويجيب بقوله: (توفاه الله أو نحو ذلك) .
٧٦. ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التسمي بقاضي القضاة ؟ .
فأجاب قائلا: قاضي القضاة بهذا المعنى الشامل العام لا يصلح إلا لله فمن تسمي بذلك فقد جعل نفسه شريكا لله فيما لا يستحقه إلا الله ، وهو القاضي فوق كل قاضٍٍ
стр. 90
والحكم وإليه يرجع الحكم كله، وإن قيد بزمان أو مكان فهذا جائز، لكن الأفضل أن لا يفعل، لأنه قد يؤدي إلى الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله، وإنما جاز هذا لأن قضاء الله لا يتقيد، فلا يكون فيه مشاركة لله وذلك مثل قاضي قضاة العراق، أو قاضي قضاة الشام، أو قاضي قضاة عصره.
وأما إن قيد بفن من الفنون فبمقتضى التقيد يكون جائزا، لكن إن قيد بالفقه بأن قيل: عالم العلماء في الفقه سواء قلنا بأن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قوله ﷺ : " من يرد الله به خيرا يفقه في الدين " أو قلنا بأن الفقه معرفة الأحكام الشرعية العملية كما هو المعروف عند الأصوليين صار فيه عموم واسع مقتضاه أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه فأنا أشك في جوازه والأولى التنزه عنه. وكذلك إن قيد بقبيلة فهو جائز ولكن يجب مع الجواز مراعاة جانب
стр. 91
الموصوف حتى لا يغتر ويعجب بنفسه ولهذا قال النبي ﷺ للمادح: " قطعت عنق صاحبك".
٧٧. ... وسئل فضيلة الشيخ: عن تقسيم الدين إلى قشور ولب، (مثل اللحية) ؟ .
فأجاب فضيلته بقوله: تقسيم الدين إلى قشور ولب، تقسيم خاطئ، وباطل، الدين كله لب، وكله نافع للعبد، وكله يقربه لله وكله يثاب عليه المرء، وكله ينتفع به المرء، بزيادة إيمانه وإخباته لربه حتى المسائل المتعلقة باللباس والهيئات، وما أشبهها، كلها إذا فعلها الإنسان تقربا إلى الله- واتباعا لرسوله ﷺ ، فإنه يثاب على ذلك، والقشور كما نعلم لا ينتفع بها، بل ترمي، وليس في الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية ما هذا شأنه، بل كل الشريعة الإسلامية لب ينتفع به المرء إذا اخلص النية لله، وأحسن في اتباعه رسول الله ﷺ ، وعلى الذين يروجون هذه المقالة، أن يفكروا في
стр. 92
الأمر تفكيرا جديا، حتى يعرفوا الحق والصواب، ثم عليهم أن يتبعوه، وأن يدعوا مثل هذه التعبيرات، صحيح أن الدين الإسلامي فيه أمور مهمة كبيرة عظيمة، كأركان الإسلام الخمسة، التي بينها الرسول ﷺ ، بقوله: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام ". وفيه أشياء دون ذلك، لكنه ليس فيه قشور لا ينتفع بها الإنسان، بل يرميها ويطرحها.
وأما بالنسبة لمسألة اللحية: فلا ريب أن إعفاءها عبادة، لأن النبي ﷺ أمر به، وكل ما أمر به النبي ﷺ فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، بامتثاله أمر نبيه ﷺ ، بل إنها من هدى النبي ﷺ وسائر إخوانه المرسلين، كما قال الله - تعالى - عن هارون: إنه قال لموسى:) يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ((١)
стр. 93
وثبت عن النبي ﷺ أن إعفاء اللحية من الفطرة التي فطر الناس عليها، فإعفاؤها من العبادة، وليس من العادة، وليس من القشور كما يزعمه من يزعمه.
٧٨. ... سئل فضيلة الشيخ: عن عبارة (كل عام وانتم بخير) ؟ .
فأجاب بقوله: قول (كل عام وأنتم بخير) جائز إذا قصد به الدعاء بالخير.
٧٩. ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم لعن الشيطان ؟ .
فأجاب بقوله: الإنسان لم يؤمر بلعن الشيطان، وإنما أمر بالاستعاذة منه كما قال الله - تعالى -:) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه سميع عليم ((١) .
وقال تعالى في سورة فصلت:) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع
стр. 94
العليم ((١) .
٨٠. ... وسئل فضيلة الشيخ: عن قول الإنسان متسخطا: (لو إني فعلت كذا لكان كذا) ، أو يقول (لعنه الله على المرض الذي أعاقني) ؟ .
فأجاب بقوله: إذا قال: (لو فعلت كذا لكان كذا) ندما وسخطا على القدر، فإن هذا محرم ولا يجوز للإنسان أن يقوله، لقول النبي ﷺ : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) . وهذا هو الواجب على الإنسان أن يفعل المأمور وأن يستسلم للمقدور، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وأما من يلعن المرض وما أصابه من فعل الله فهذا من أعظم القبائح - والعياذ بالله - لأن
стр. 95
لعنه للمرض الذي هو من تقدير الله - تعالى - بمنزلة سب الله فعلى من قال مثل هذه الكلمة أن يتوب إلى الله، وان يرجع إلى دينه، وأن يعلم أن المرض بتقدير الله، وأن ما أصابه من مصيبة فهو بما كسبت يده، وما ظلمه الله، ولكن كان هو الظالم لنفسه.
٨١. ... وسئل: عن قول (لك الله) ؟ .
فأجاب بقوله: لفظ (لك الله) الظاهر أنه من جنس (لله درك) وإذا كان من جنس هذا فإن هذا اللفظ جائز، ومستعمل عند أهل العلم وغيرهم، والأصل في هذا وشبهه الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه، والواجب التحرز عن التحريم فيما الأصل فيه الحل.
٨٢. ... سئل فضيلة الشيخ: عن عبارة لم تسمح لي الظروف؟ أو لم يسمح لي الوقت ؟ .
فأجاب قائلا: إن كان القصد انه لم يحصل وقت يتمكن فيه من المقصود فلا بأس به، وإن كان
стр. 96
القصد أن للوقت تأثيرا فلا يجوز.
٨٣. ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم استعمال لو ؟ .
فأجاب بقوله: استعمال (لو) فيه تفصيل على الوجوه التالية:
الوجه الأول: أن يكون المراد بها مجرد الخبر فهذه لا بأس بها مثل أن يقول الإنسان لشخص لو زرتني لأكرمتك، أو لو علمت بك لجئت إليك.
الوجه الثاني: أن يقصد بها التمني فهذه على حسب ما تمناه إن تمنى بها خيرا فهو مأجور بنيته، وإن تمنى بها سوى ذلك فهو بحسبه، ولهذا قال النبي ﷺ ، في الرجل الذي له مال ينفقه في سبيل الله وفي وجوه الخير ورجل آخر ليس عنده مال، قال لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمل فلان فقال رسول الله ﷺ : " هما في الآجر سواء " والثاني رجل ذو مال لكنه ينفقه في غير وجوه الخير فقال رجل آخر: لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمل فلان فقال
стр. 97
رسول الله ﷺ : " هما في الوزر سواء " فهي إذا جاءت للتمني تكون بحسب ما تمناه العبد إن تمنى خيرا فهي خير، وإن تمنى سوى ذلك فله ما تمنى.
الوجه الثالث: أن يراد بها التحسر على ما مضى فهذه منهي عنها، لأنها لا تفيد شيئا وإنما تفتح الأحزان والندم وفي هذه يقول الرسول ﷺ : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان ". وحقيقة أنه لا فائدة منها في هذا المقام لأن الإنسان عمل ما هو مأمور به من السعي لما ينفعه ولكن القضاء والقدر كان بخلاف ما يريد فكلمة (لو) في هذا المقام إنما تفتح باب الندم والحزن، ولهذا نهى عنها رسول الله ﷺ ، لأن الإسلام لا يريد من الإنسان أن يكون محزوناً ومهموما بل يريد منه أن يكون منشرح الصدر وأن يكون مسرورا طليق
стр. 98
الوجه، ونبه الله المؤمنين النقطة بقوله:) إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله ((١) . وكذلك في الأحلام المكروهة التي يراها النائم في منامه فإن الرسول ﷺ أرشد المرء إلى أن يتفل عن يساره ثلاث مرات، وأن يستعيذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وأن ينقلب إلى الجنب الآخر، وألا يحدث بها أحداً لأجل أن ينساها ولا تطرأ على باله قال: " فإن ذلك لا يضره ". والمهم أن الشرع يحب من المرء أن يكون دائما في سرور، ودائما في فرح ليكون متقبلا لما يأتيه من أوامر الشرع، لأن الرجل إذا كان في ندم ووهم وفي غم وحزن لا شك انه يضيق ذرعا بما يلقي عليه من أمور الشرع وغيرها، ولهذا يقول الله - تعالى - لرسوله دائما:) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا
стр. 99
يَمْكُرُونَ ((١))
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ((٢) وهذه النقطة بالذات تجد بعض الغيورين على دينهم إذا رأوا من الناس ما يكرهون تجدهم يؤثر ذلك عليهم، حتى على عبادتهم الخاصة ولكن الذي ينبغي أن يتلقوا ذلك بحزم وقوة ونشاط فيقوموا بما أوجب الله عليهم من الدعوة إلى الله على بصيرة، ثم أنه لا يضرهم من خالفهم.
٨٤. ... سئل فضيلة الشيخ: عن العبارة (لولا الله وفلان) ؟ .
فأجاب قائلا: قرن غير الله بالله في الأمور القدرية بما يفيد الاشتراك وعدم الفرق أمر لا يجوز، ففي المشيئة مثلا لا يجوز أن تقول (ما شاء الله وشئت) لأن هذا قرن لمشيئة المخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو نوع من الشرك، لكن لابد
стр. 100
أن تأتي بـ (ثم) فتقول (ما شاء الله ثم شئت) كذلك أيضا إضافة الشيء إلى سببه مقرونا بالله بحرف يقتضي التسوية ممنوع فلا تقول (لولا الله وفلان أنقذني لغرقت) فهذا حرام ولا يجوز لأنك جعلت السبب المخلوق مساويا لخالق السبب، وهذا نوع من الشرك، ولكن يجوز أن تضيف الشيء إلى سببه بدون قرن مع الله فتقول (لولا فلان لغرقت) إذا كان السبب صحيحا وواقعا ولهذا قال الرسول ﵊ في أبي طالب حين أخبر أن عليه نعلين يغلي منهما دماغه قال: (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) فلم يقل لولا الله ثم أنا مع أنه ما كان في هذه الحال من العذاب إلا بمشيئة الله، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعا أو حسا جائز وإن لم يذكر معه الله - جل وعلا -، وإضافته إلى الله وإلى سببه المعلوم شرعا أو حسا بحرف يقتضي التسوية ك (ثم) وإضافته إلى الله وإلى سببه المعلوم شرعا أو حسا جائز بشرط أن يكون بحرف لا يقتضي التسوية ك
стр. 101
(الواو) حرام ونوع من الشرك، وإضافة الشيء إلى سبب موهوم غير معلوم حرام ولا يجوز وهو نوع من الشرك مثل العقد والتمائم وما أشبهها فإضافة الشيء إليها خطأ محض، ونوع من الشرك لأن إثبات سبب من الأسباب لم يجعله الله سببا نوعا من الإشراك به، فكأنك أنت جعلت هذا الشيء سببا والله - تعالى - لم يجعله فلذلك صار نوعا من الشرك بهذا الاعتبار.
٨٥. ... وسئل فضيلة الشيخ: عن قولهم (المادة لا تفنى ولا تزول ولم تخلق من عدم) ؟ .
فأجاب قائلا: القول بأن المادة لا تفنى وأنها لم تخلق من عدم كفر لا يمكن أن يقوله مؤمن، فكل شئ في السموات والأرض سوى الله فهو مخلوق من عدم كما قال - تعالى -:) الله خالق كل شئ ((١) . وليس هناك شئ أزلي أبدي سوى الله.
وأما كونها لا تفنى فإن عنى بذلك أن كل شئ لا
стр. 102
يفنى لذاته فهذا أيضا خطأ وليس بصواب؛ لأن كل شئ موجود فهو قابل للفناء، وإن أراد به أن من مخلوقات الله ما لا يفنى بإرادة الله فهذا حق، فالجنة لا تفنى وما فيها من نعيم لا يفنى، وأهل الجنة لا يفنون، وأهل النار لا يفنون. لكن هذه الكلمة المطلقة (المادة ليس لها أصل في الوجود وليس لها أصل في البقاء) هذه على إطلاقها الكلمة إلحادية فتقول المادة مخلوقة من عدم، وكل شئ سوى الله فالأصل فيه العدم.
أما مسألة الفناء تقدم التفصيل فيها. والله الموفق.
٨٦. ... سئل فضيلة الشيخ: ما حكم قول (شاءت قدرة الله) ، وإذا كان الجواب بعدمه فلماذا؟ مع أن الصفة تتبع موصوفها، والصفة لا تنفعك عن ذات الله ؟ .
فأجاب قائلا: لا يصح أن نقول (شاءت قدرة الله) ؛ لأن المشيئة إرادة والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة
стр. 103
له وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة للشائي ولكننا نقول: اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع هذه قدرة الله كما نقول هذا خلق الله، وأما إضافة أمر يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز.
وأما قول السائل (إن الصفة تتبع الموصوف) فنقول: نعم، وكونها تابعة للموصوف تدل على أنه لا يمكن أن نسند إليها شئ يستقل به الموصوف، وهي دارجة على لسان كثير من الناس، يقول شاءت قدرة الله كذا وكذا، شاء القدر كذا وكذا، وهذا لا يجوز؛ لأن القدر والقدرة أمران معنويان ولا مشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدر.
٨٧. ... سئل فضيلة الشيخ: عن هذه العبارة: (ما صدقت على الله أن يكون كذا وكذا) ؟ .
فأجاب قائلا: يقول النص: (ما صدقت على الله أن يكون كذا وكذا) ، ويعنون ما توقعت وما ظننت أن
стр. 104
يكون هكذا، وليس المعنى ما صدقت أن الله يفعل لعجزه عنه مثلا، فالمعنى أنه ما كان يقع في ذهنه هذا الأمر، هذا هو المراد بهذا التعبير، فالمعنى أذن صحيح لكن اللفظ فيها إيهام، وعلى هذا يكون تنجب هذا اللفظ أحسن لأنه موهم، ولكن التحريم صعب أن نقول حرام مع وضوح المعنى أنه لا يقصد به إلا ذلك.
٨٨. ... سئل فضيلة الشيخ: عن قول الإنسان إذا شاهد جنازة: (من المتوفي) بالياء ؟ .
فأجاب بقوله: الأحسن أن يقال من المتوفى وإذا قال من المتوفي؟ فلها معنى في اللغة العربية، لأن هذا الرجل توفى حياته وأنهاها.
٨٩. ... سئل فضيلة الشيخ: عن قول (إن فلان له المثل الأعلى) ؟ .
فأجاب بقوله: هذا لا يجوز على سبيل الإطلاق، إلا لله ، فهو الذي له المثل الأعلى، وإما إذا قال: (فلان كان المثل الأعلى في
стр. 105
كذا وكذا) وقيده فهذا لا بأس به.
٩٠. ... سئل فضيلة الشيخ: ما حكم قولهم (دفن في مثواه الأخير) ؟ .
فأجاب قائلا: قول القائل (دفن في مثواه الأخير) حرام ولا يجوز لأنك إذا قلت في مثواه الأخير فمقتضاه أن القبر آخر شئ له، وهذا يتضمن إنكار البعث ومن المعلوم لعامة المسلمين أن القبر ليس آخر شئ، إلا عند الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، فالقبر آخر شئ عندهم، أما المسلم فليس آخر شئ عنده القبر وقد سمع إعرابي رجلا يقرأ قوله - تعالى::) أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) ((١) . وقال: " والله ما الزائر بمقيم " لأن الذي يزور يمشي فلابد من بعث وهذا صحيح:
لهذا يجب تجنب هذه العبارة ولا يقال عن القبر أنه المثوى الأخير، لأن المثوى الأخير إما الجنة وإما
стр. 106
النار يوم القيامة.
٩١. ... وسئل عن قول: (مسيجيد، مصيحيف) ؟ .
فأجاب قائلا: الأولى أن يقال المسجد والمصحف بلفظ التكبير لا التصغير، لأنه قد يوهم الاستهانة به.
٩٢. ... سئل فضيلة الشيخ: عن إطلاق المسيحية على النصرانية؟ والمسيحي على النصراني ؟ .
فأجاب بقوله: لا شك أن انتساب النصارى إلى المسيح بعد بعثة النبي ﷺ انتسبا غير صحيح لأنه لو كان صحيحا لآمنوا بمحمد ﷺ ، فإن إيمانهم بمحمد ﷺ إيمان بالمسيح عيسى ابن مريم ﵊، لأن الله - تعالى - قال:) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ((١) ،
стр. 107
ولم يبشرهم المسيح عيسى ابن مريم بمحمد ﷺ ، إلا من أجل أن يقبلوا ما جاء به لأن البشارة بما لا ينفع لغو من القول لا يمكن أن تأتي من أدنى الناس عقلا، فضلا عن أن تكون صدرت من عند أحد الرسل الكرام أولو العزم عيسى ابن مريم، ﵊، وهذا الذي بشر به عيسى ابن مريم بني إسرائيل هو محمد ﷺ ، وقوله:) فلما جاءهم بالبيانات قالوا هذا سحر مبين (. وهذا يدل على أن الرسول الذي بشر به قد جاء ولكنهم كفرو به وقالوا هذا سحر مبين، فإذا كفرو بمحمد ﷺ فإن هذا كفر بعيسى ابن مريم الذي بشرهم بمحمد ﷺ ، وحينئذ لا يصح أن ينتسبوا إليه ... فيقولوا إنهم مسيحيون، إذ لو كانوا حقيقة لآمنوا بما بشر به المسيح ابن مريم لأن عيسى ابن مريم وغيره من الرسل قد أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، كما قال الله - تعالى) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم
стр. 108
رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ((١)
قال) أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ((٢) والذي جاء مصدقا لما معهم هو محمد ﷺ ، لقوله - تعالى:) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم ((٣) .
وخلاصة القول أن نسبة النصارى إلى المسيح عيسى ابن مريم نسبة يكذبها الواقع، لأنهم كفروا ببشارة المسيح عيسى ابن مريم ﵊ وهو محمد ﷺ ، وكفرهم به كفر بعيسى ابن مريم، ﵊.
٩٣. ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول (فلان
стр. 109
المغفور له) و (فلان المرحوم) ؟ .
فأجاب بقوله: بعض الناس ينكر قول القائل (فلان المغفور له، وفلان المرحوم) ويقولون: إننا لا نعلم هل هذا الميت من المرحومين المغفور لهم أو ليس منهم؟ وهذا الإنكار في محله إذا كان الإنسان يخبر خبرا أن هذا الميت قد رحم أو غفر له، لأنه لا يجوز أن نخبر أن هذا الميت قد رحم، أو غفر له بدون علم قال الله - تعالى-:) ولا تقف ما ليس لك به علم ((١) لكن الناس لا يريدون بذلك الأخبار قطعا، فالإنسان الذي يقول المرحوم الوالد، المرحومة الوالدة ونحو ذلك لا يريدون بهذا الجزم أو الأخبار بأنهم مرحومون، وإنما يريدون بذلك الدعاء أن الله - تعالى - قد رحمهم والرجاء، وفرق بين الدعاء والخبر، ولهذا نحن نقول فلان ﵀، فلان غفر الله له، فلان عفا الله عنه، ولا فرق من حيث اللغة العربية بين قولنا (فلان
стр. 110
المرحوم) و (فلان ﵀ لأن جملة ﵀ جملة خبرية، والمرحوم بمعنى الذي رحم فهي أيضا خبرية، فلا فرق بينهما أي بين مدلوليهما في اللغة العربية فمن منع (فلان المرحوم) يجب أن يمنع (فلان ﵀ .
على كل حال نقول لا إنكار في هذه الجملة أي في قولنا (فلان المرحوم، وفلان المغفور له) وما أشبه ذلك لأننا لسنا نخبر بذلك خبرا ونقول إن الله قد رحمه، وإن الله قد غفر له، ولكننا نسأل الله ونرجوه فهو من باب الرجاء والدعاء وليس من باب الإخبار، وفرق بين هذا وهذا.
٩٤. ... سئل فضيلة الشيخ: عن هذه العبارة (المكتوب على الجبين لابد تراه العين) ؟ .
فأجاب بقوله: هذا وردت فيه آثار أنه يكتب على الجبين ما يكون على الإنسان، لكن الآثار هذه ليست إلى ذلك في الصحة، بحيث يعتقد الإنسان مدلولها