← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21803

شرح جوامع الأخبار - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (301 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإن كانت مسائل مهمة وتحتاج إلى وقوفٍ طويل وإيضاح وبيان لكن الوقت مثلما ترون. الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دعا إلى هُدَىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) [رواه مسلم].

стр. 72

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه)) من دعا إلى هدى، من دعا إلى خير، من دعا إلى فضل، من دعا إلى عملٍ صالح، من دعا إلى تقوى، من دعا إلى تعلم علمٍ شرعي، المقصود أن أبواب الخير كثيرة جداً، فمن دعا إلى بابٍ واحد من أبوابها واستجيب له، استجيب لدعوته، واستقام من دعاه إلى هذا الهدى وعمل به كان لهذا الداعي من الأجر مثل أجور من اتبعه، هذا أمر عظيم جداً، ينبغي أن ينتبه له طالب العلم من البداية، إذا تعلم شيئاً يعلمه الناس، فإذا عملوا به كان له من الأجر مثل أجورهم، وفي هذا حث على التعليم والدعوة ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) فإذا دعوت الناس إلى الخير والفضل والاستقامة، دعوت شخص إلى الإكثار من النوافل، ولو كان مستقيم، لاحظت عليه تقصير في نوافل العبادات، تقصير مع كتاب الله -جل وعلا-، حثثته على ذلك وبينت له ما له من الأجر فالتزم ذلك وصار يقرأ القرآن باستمرار، لك مثل أجره، هذه من الأمور ومن الأجور التي لا تخطر على بال المسلمين، يعني تصور أنك دعوت هذا الشخص فاستجاب وعمل بهذا العمل خمسين سنة، لك من الأجر طول عمره، بقدر ما عمل، ثم هذا الشخص دعا آخر إلى هدى فاستجاب له لك أجره وأجر من هداه؛ لأن من هداه له أجره ولك أجر الجميع، يعني شيء أمور لا تخطر على بال المسلم، من الدعوة إلى الهدى إضافةً إلى الدعوة التي هي الأصل في الباب التأليف، قد يستفيد وينتفع شخص من كلمةٍ تقولها من قلبٍ ناصح، ومن إخلاص، ينتفع بها شخص ويعمل بها أنت دعوته إلى هذا الهدى، فهذه أبواب خير مضاعفة أضعاف لا تخطر على بال، وكم من شخص قرون يستمر عمله، قرون لا ينقطع عمله، فالعلم الذي ينتفع به، سواء كان أدى عن طريق الدعوة، عن طريق التعليم، أو عن طريق التأليف، هذا شأنه عظيم، فمن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، افترض أن هذا الشخص قلت له، لاحظت على زميلك أنه مفرط في حق القرآن مثلاً، وبينت له أن هذا القرآن كل حرف عشر حسنات، وأنت جالس، وأنت نائم، وأنت مضطجع، وأنت كذا

стр. 73

تقرأ القرآن ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ [(١٩١) سورة آل عمران] ولا يكلفك شيء، فأخذ يقرأ القرآن في أول الأمر شيئاً فشيئاً إلى أن يكون ديدنه القرآن، له من الأجور الشيء الكثير، ولمن دله وهداه إلى هذا الهدى مثل الأجر، ولمن اقتدى بالثاني أجره، وكذلك ينقلب الأجر أيضاً إلى الداعي الأول، وفضل الله لا يحد، قد يقول قائل: من يحيط بهذه الحسنات؟ يعني أنت تحاسب من؟ قد يقول قائل: مثلاً شخص اهتدى على يديه مائة ألف، كيف؟ مائة ألف وله مثل أجورهم؟! نعم له مثل أجورهم، فضل الله لا يحد ولا يحاط به، إذا كان أدنى أهل الجنة منزلة آخر من يخرج من النار يقال له: يتمنى فيتمنى ملك أعظم ملك في الدنيا، فيقال له: لك وعشرة أمثاله، فالمسألة لا نتعاظم مثل هذه الأمور، ولا نقصر فيها، ولا نتعاجز عنها؛ لأن كثير من الناس يسمع مثل هذا الكلام وبين مصدق وبين متردد، أمور يعني، جاء في بعض الأخبار وإن كان فيه مقال في المسند: ((إن الله ليضاعف لبعض عباده الحسنة بألفي ألف حسنة)) يعني إذا كانت قراءة القرآن التي لا تكلف شيئاً، يقرؤه بعض الناس بست ساعات، يعني أقل تقريب ثلاثة ملايين حسنة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، أجور لا تخطر على البال، ولا تظن أن البند ما يتحمل، وإلا الميزانية مقصرة، لا لا، بيده كل شيء، بس الإنسان يسعى لخلاص نفسه، ثم بعد ذلك يسعى إلى تعدي الخير لينفع إخوانه، وينصح لإخوانه، ويدلهم على الهدى؛ ليكسب من الأجور ما يلقاه غداً -إن شاء الله تعالى-، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، لا يقال: يا فلان السعاية عليك وإلا على البائع وإلا على المشتري لا لا، أجر هذا كامل وأجر هذا كامل، ما عليك، يعني أنت لو دللت شخص على مساهمة وقلت له: فلان فاتح مساهمة نبي نروح .... أولاً هذا ما هو معطيك مثل أجر ذا، مثل ما أعطاه هذا ولا هو معطيك شيء أصلاً إلا أن كسب .... ثم بعد ذلك يبي يعطيك أجرة المثل اثنين ونصف في المائة، وين هذا من هذا؟ وتجد الناس يلهثون وراء هذا الثاني الدنيا الدنية ليل نهار، ولا عنده استعداد ينصح أخاه يصلي بجنبه يلاحظ عليه أمور ما يسدي له كلمة نصح قد تنقذه من هلكة، يبذل

стр. 74

له نصيحة بخمس دقائق يمكن تغير حياته، وهنا يكون له من الأجر مثل أجر هذا الذي دله وهداه ((ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه)) نسأل الله السلامة والعافية. يعني تتصورون بعض الناس ألف سنة أجره ماشي، وآخر ألف سنة أوزاره ماشية ((من سن في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنةً سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) فليكن الإنسان على حذر، وليحرص أشد الحرص على كسب ما ينفعه يوم القيامة، أحوج ما يكون إليه، ويحرص أشد الحرص على المحافظة على مكتسباته؛ لأن بعض الناس يأتي ويكسب ويفعل ويروح ويمين ويسار وحريص على الخير والبذل والدعوة والتعليم ثم يسعى إلى تفريق هذه الأمور، بنفسه يفرقها، فإذا حرص الإنسان على اكتساب الحسنات يكون حرصه على المحافظة عليها أشد، والله المستعان. الحديث الحادي عشر: عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) [متفق عليه].

стр. 75

نعم هذا حديث معاوية ﵁ في الصحيحين وغيرهما ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) ((من يرد الله به خيراً)) (خيراً) نكرة في سياق الشرط فتعم جميع أنواع الخير، قد يقول قائل: نعم نكرة في سياق الشرط والأصل فيها أنها للعموم؛ لكن نشوف من تفقه في الدين بعضهم فقراء، ومن أسماء المال الخير ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ يعني مالاً، فكيف ((من يرد الله به خيراً)) وفقير ما عنده خير ما عنده مال؟ نقول: يا أخي هذا الخير وإن سماه الله -جل وعلا- خيراً بحسب ما تعارف عليه الناس إلا أنه بالنسبة لخير الآخرة كلا شيء؛ لأن بعض الناس يقول: ((من يرد الله به خيراً)) الخير المال، ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [(١٨٠) سورة البقرة)] ونجد بعض من تفقه في الدين لا مال له؟ هل نقول: أن هذا الخبر خالف الواقع؟ لا، خير الدنيا بالنسبة لخير الآخرة كلا شيء، ولذا جاء في الحديث الصحيح: ((من نفس عن مسلم كربةً من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة)) من قال: من كرب الدنيا والآخرة؛ لأن كرب الدنيا كلها لا شيء بالنسبة لكرب يوم القيامة، ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) والفقه الفهم، والمراد به ما يترتب عليه من العمل به؛ لأن الفقه والفهم والعلم إذا لم يقترن بالعمل لا قيمة له، بل هو وبال على صاحبه، فضلاً عن أن يقرن بشيءٍ من المخالفات من المعاصي، قد يقول قائل: نجد من فقهه الله في الدين وعنده مخالفات، بعض الفساق يحملون شيئاً من الدين، نقول: هذا ما يحمله الفاسق من الدين ومن الفقه ليس بعلمٍ ولا فقه في الحقيقة ((يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله)) فما يحمله الفساق وإن سماه الناس علماً وسموه فقهاً إلا أنه ليس بشيء؛ لأن الفقه في الدين إنما هو في الحقيقة ما نفع، أما الذي لا ينفع فليس بفقه، وليس بعلم ((يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله)) العدول الثقاة هم الذين يحملون العلم، العلم الحقيقي النافع، أما ما يحمله غيرهم وإن سمي علماً بمعنى أنه إدراك وتحصيل لبعض العلوم لكنه في الحقيقة ليس بعلم، ويشير إلى ذلك قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [(١٧) سورة

стр. 76

النساء] إيش معنى بجهالة؟ هل معنى أن الإنسان إذا زنى وهو يعرف أن الزنا حرام ليست له توبة؟ إنما التوبة للشخص الذي يجهل الحكم؟ لا، يقول أهل العلم: كل من وقع في معصية فهو جاهل، إذاً العاصي جاهل، ولا يجتمع الجهل والعلم في وقتٍ واحد، لأنهما متضادان، فما يحمله الفساق ليس بعلم، وإن ادعي ذلك، يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-: قلت: ولابن عبد البر كل من عني ... بحمله العلم ولم يوهنِ فإنه عدل بقول المصطفى ... يحمل هذا العلم لكن خولفا رأي ابن عبد البر أن كل من عرف بحمل العلم فإنه عدل؛ لكن المطلوب العكس، أن كل عدل يحمل فهو عالم، بخلاف غير العدل فليس بعالم، وهو حث للعدول الثقاة بحمل العلم بحيث لا يترك المجال للفساق الذين يستغلون هذا العلم لصرف الناس عن دينهم بالتحريف والتأويل، وتضييع الناس، ولهذا يكثر المسخ في آخر الزمان في هذه الأمة كما ذكر ابن القيم وغيره، ويكون في طائفتين من الناس، للحكام الظلمة الذين يضلون الناس عن دينهم، وللعلماء الذين يبدلون شرع الله بالتأويل تبعاً لأهوائهم ومصالحهم.

стр. 77

المقصود أن الأمر خطير، يعني يميلك، نعم خير الفقه في الدين خير، لكن يبقى أنه لا بد من العمل بهذا العلم، والفقه أعم من أن يكون فقه الأحكام الشرعية العملية في العبادات والمعاملات ونحوها، بل أعظم منه وإن كان عظيماً الفقه الأكبر الذي هو الاعتقاد، وهو فقه وأيضاً جميع أبواب الدين كما يقول في الحديث: ((يفقهه في الدين)) يعني بجميع أبوابه، فيحرص الإنسان على دراسة كتاب الإيمان مثلاً، كتاب التوحيد، كتاب الطهارة، الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج، البيوع، المعاملات، الأقضية، المناكحات، المغازي، السير، الشمائل، الفتن، الاعتصام، الدعوات، الأذكار، كل هذه أبواب الدين، بعض أبواب الدين يهملها كثير من طلبة العلم لا يلقون لها بالاً، أبواب الرقاق مثلاً، من منا صار ديدنه النظر في هذه الأبواب التي تدعو الإنسان إلى الوجل والخوف من الله -جل وعلا-؟ ﴿إالَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [(٢) سورة الأنفال] لكن الإنسان الذي حلال حرام وفقه وما أدري إيش؟ حاله خير ويعبد الله على بصيرة؛ لكن يبقى أنه ما الذي يحدوه إلى هذه الأحكام إلى مثل هذه الأبواب المهملة المهجورة، فعلينا أن ننتبه لهذا يا إخوان، ولذا قال: ((في الدين)) يراد به جميع أبواب الدين من العلوم النافعة، مما اشتمل عليه الوحيان، وأيضاً يعنى طالب العلم إضافةً إلى الوحيين من نصوص الكتاب والسنة إلى ما يخدم نصوص الوحيين، وما يعين على فهم نصوص الوحيين من الكتب الوسائل التي تعين على فهمهما من كتب الأصول وعلوم القرآن وأصول الحديث وأصول الفقه وعلوم الآلة، علوم العربية، وكلها تخدم الكتاب والسنة؛ لأنها تعين على فهم الكتاب والسنة، وبهذا إذا سلك الجادة ووفق بمعلمٍ ناصحٍ مشفق يدله على الطريق المناسب والجادة المطروقة عند أهل العلم، فبإذن الله يدرك ما يريد -إن شاء الله تعالى-.

стр. 78

الحديث الثاني عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن القوي خير، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعْجَز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لَوْ تفتح عمل الشيطان)) [رواه مسلم]. نعم، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)) نعم المؤمن الضعيف فيه خير كثير ينفع نفسه؛ لكن المؤمن القوي ينفع نفسه ويتعدى نفعه إلى غيره، والكل فيه خير، ((المؤمن القوي خير)) وهذه أفعل تفضيل، خير وشر من أفعل التفضيل، وأفعل التفضيل هنا مثلها أحب مستعملة على بابها، أفعل التفضيل مستعمل على بابه، بمعنى أن المؤمن القوي والمؤمن الضعيف في كل منهما خير، يشتركان في هذه الصفة، ويزيد أحدهما وهو المؤمن القوي في هذه الصفة على الثاني وهو المؤمن الضعيف، فهي مستعملة على بابها؛ لكن في مثل قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [(٢٤) سورة الفرقان] هل هي على بابها؟ لا، ليست على بابها، لماذا؟ لأنه لا يشترك أصحاب الجنة وأصحاب النار بالخير؛ لأن أصحاب النار لا خير عندهم، ولا خير فيهم، ولا أعد لهم شيء من الخير، بل هم في شر مستمر، فأفعل التفضيل ليست على بابها، وهنا في الحديث أفعل التفضيل على بابها، فالمؤمن القوي فيه خير، والمؤمن الضعيف فيه خير؛ لكن وإن اشتركا في هذه الصفة إلا أن المؤمن القوي أدخل وأعرق في هذه الصفة، وأعظم في هذه الصفة من المؤمن الضعيف لما يترتب على ذلك من قوة وحزم وعزم وإصرار على أفعال الخير اللازمة والمتعدية، المؤمن الضعيف قد يضعف عن بعض ما أوجب الله عليه، وقد تضعف نفسه أمام المغريات فيرتكب بعض ما نهى الله عنه، وقد يضعف أيضاً عن إيصال وتعدية الخير إلى غيره بخلاف المؤمن القوي، وإن كان في الجميع خير؛ لأن الإيمان خير.

стр. 79

((احرص على ما ينفعك)) ما ينفعك في دينك وفي تحقيق الهدف الذي خلقت من أجله وهو العبودية لله -جل وعلا-، ومع ذلك لا تنس نصيبك من الدنيا، احرص على ما ينفعك، كثير من الناس بحاجة إلى هذا الأمر، تجده يضيع وقته من غير فائدة، لا في دينه ولا في دنياه، لا يشغل نفسه بما يرجع إليه بالخير لا في الدنيا ولا في الآخرة، وكثير من الناس بحاجة إلى أن يقال له: لا تنس نصيك من الآخرة، لما يرى من حال كثير من الناس من اللهف وراء الدنيا، أعطوا الدنيا أكبر من حقها، وأخذوها من غير وجوهها، وصرفوها بغير مستحقها. المقصود أن الناس بحاجةٍ ماسة إلى الحرص على ما ينفع، والهدف الأصلي الذي من أجله خلق الإنسان وأنزلت الكتب، وأرسلت الرسل تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، فلنحرص على تحقيق هذا الهدف وما يعين على تحقيق هذا الهدف، ولذا قال -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] فاحرص على ما ينفعك في هذا وهذا، والتوازن لا بد منه، أمر مطلوب؛ لأنه لا يمكن أن يقوم الدين إلا بشيءٍ مما يعين عليه من أمور الدنيا. ((واستعن بالله)) احرص على ما ينفعك، ابذل، لكن لا تعتمد على نفسك، وتقول: أني فعلت وعرفت ودرست وخططت والنتائج مضمونة، لا لا ما في، استعن بالله، فالمرء من غير إعانة وعون من الله -جل وعلا- عمله وبال عليه. ثإذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يقضي عليه اجتهاده لا بد من الاستعانة بالله في كل شيء، وإذا أمرنا بطلب الإعانة من الله -جل وعلا- على تحقيق العبودية في كل ركعة من ركعات الصلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] على تحقيق العبودية الجملة التي سبقتها وعلى غيرها مما يعين على تحقيقها، ((استعن بالله)) ارتبط بربك، ثق بربك ولا تعجز، لا تيأس، لا تمل، لا تكل، احرص على ما ينفعك، تعلم، اعمل، ابذل، أأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، ولا تعجز تقول: والله الناس خلاص انتهوا ما فيهم خير، وتيأس وتكسل وتترك الأمر والنهي، لا يا أخي أنت مأمور ببذل السبب والنتائج بيد الله -جل وعلا-.

стр. 80

((وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا .. فإن لو تفتح عمل الشيطان)) بدأت بمشروعٍ تجاري فخلال السنة أرباحك قليلة، لو أني دخلت في العقار كان المكاسب أعظم، لو أني فعلت كذا، لا لا، لو تفتح عمل الشيطان؛ لأنه لا ينتهي، فلا يجوز أن يقول: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، وما يدريك لأنك لو فعلت كذا كان الأمر عليك أشد وأعظم؟ هذا غيب، واحتمال أن يكون اشتغالك بهذا دون هذا خير لك في دينك ودنياك، وأن يكون الله -جل وعلا- صرف عنك من الشرور والبلاء مما لو دخلت في المشاريع الأخرى شيء لا تقدر على تحمله؛ ((ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)) الله -جل وعلا- هو الذي قدر، وهو الذي أراد أن أعمل هذا العمل، وله المشيئة التامة والقدرة النافذة، لا بد أن ترضى بما قدر الله لك. وكن صابراً للفقر وادرع الرضا ... بما قدر الرحمن واشكره واحمدِ أنت أصبت بمصيبة، خسرت، وقعت من أعلى أو من كذا، أو حصل لك ما حصل من ضرر في بدنك، في مالك، في ولدك، قدر الله وما شاء فعل؛ ولكن قدر الله وما شاء فعل، اصبر على المقدور، كل شيءٍ له أجره إذا رضيت بما قدر الله لك -جل وعلا-، صبرت على القدر ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [(١٠) سورة الزمر].

стр. 81

((فإن لو تفتح عمل الشيطان)) وهذا في أمور الدنيا، لا تقول: لو أني كذا وكذا، النبي ﵊ ثبت عنه أنه قال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولما سقت الهدي)) هذا في أمور الدين، يعني بإمكانك أن تقول: لو أني صليت في المكان الفلاني ما قلت قدام، يعني تأسف وتندم على ما فات، تلوم نفسك لما حصل لك على تفريطك في أمر الدين؛ لأن بعض الناس إذا كان له مشوار يطلع مع الأذان ويترك المسجد الذي جنبه بناءً على أنه بيدرك الصلاة، وهذا في الغالب مجرب، وأنه في الغالب أنه ما يدرك الصلاة، بهذه الطريقة ما يدرك، فيلوم نفسه، لو أني صليت جنب البيت وما طلعت كان ... يلوم نفسه على فوات أمرٍ ديني، أما على أمور الدنيا لا، تفتح عمل الشيطان، وعلى هذا إذا حصل منك نقص في أمر الدين وأسفت عليه كما فعل النبي ﵊ تداركت في المستقبل؛ لكن في أمر الدنيا تقول: لو أني دخلت باب العقار مثلاً بدلاً من الأجهزة وما الأجهزة اللي وش تكسب وش تطلع؟ أو الأغذية وش فيها من المكاسب، العقار ما شاء الله، أسفت على ما فعلت وانتقلت من الأغذية أو الأجهزة أو العقار، ثم حصل لها كارثة، جائحة، إيش تستفيد؟ ولا شك أن هذا اعتراض على القدر؛ لكن في أمور الدين جاء ما يدل على جوازه. الحديث الثالث عشر: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضها بعضاً)) وشبك بين أصابعه" متفق عليه.

стр. 82

نعم في هذا الحديث يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، وعادة أصحاب المختصرات أن يأتوا بالحديث الأول عن فلان، عن عمر بن الخطاب ﵁ لأنه كلام جديد مستأنف، لم يسبقه كلام آخر، وتقدير ذلك أروي عن عمر بن الخطاب، ثم الحديث الثاني: وعن عائشة ﵂ وعن ابن عمر، وعن ابن عمرو، وعن أبي موسى، كلها تعطف على ما تقدم، هذه هي الجادة، وعلى كل حال الأمر واضح ولا فيه لبس ولا فيه إشكال حتى لو حذفت الواو، عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) وشبك بين أصابعه" يعني افترض أن شخصاً مؤمناً خالياً بنفسه ليس عنده أحد، ترجحت عنده العزلة واعتزل، أو كان من طبعه أنه لا يحب الخلطة فاعتزل مثل هذا يحصل النقص والخلل عنده الكبير في أمور الدنيا وهذا ظاهر، وفي أمور الدين أيضاً؛ لأن الناس يحتاجون إلى أن يشد بعضهم بعضاً، يشجع بعضهم بعضاً، يسند بعضهم بعضاً، حاجة فلان عند فلان فتقضى مقابل حاجة فلان عند فلان، فالمسلمون والمؤمنون كالبنيان، بلا شك يعني الخلل لو انفرد الإنسان بنفسه، مثل الخلل الذي يحصل عند انصداع الجدار، فحيث ينفرج بعضه عن بعض، لا شك أنه مآله إلى السقوط، فإذا اجتمع المؤمنون وتكاملوا، كل عنده مما يحتاجه غيره ما ليس عند غيره، لا شك أن الأمور تتكامل، والمؤمن أو الإنسان عموماً كما يقرر ابن القيم -رحمه الله تعالى- مدني بالطبع، يقرر ابن القيم في مواضع من كتبه، وإن كانت تنسب لابن خلدون؛ لكن ابن القيم قبل ابن خلدون، مدني بطبعه، لا يمكن أن يعيش بمفرده، هو بحاجة إلى أن يأكل، وإلى أن يشرب، وإلى أن يأنس، وإلى أن يتزوج وينجب ويتعامل ولذلك شرعت المعاملات؛ فكل إنسان بحاجة إلى ما في يد أخيه في البيع والشراء، ولذلكم أحل الله البيع، أما إنسان يقول: أنا لست بحاجة إلى الناس، نعم قد يحتاج إلى التقليل من مخالطة الناس ومعاشرتهم، هذا يمكن إذا رأى أن المصلحة في ذلك؛ لكن ينقطع انقطاعاً كلياً، وينفرد عن الناس حصل هذا لبعض الناس فوجدوا موتى،

стр. 83

ولم يعلم أحد بموتهم إلا بعد مدة، فلا بد من الاجتماع، ولا بد من أن يشدّ المؤمن أزر أخيه المؤمن لا بد أن يقضي حاجة أخيه، لا بد أن يكون بيده مما يحتاجه أخوه والعكس، فالأمة بمجموعها متكاملة، هذا قوي ببدنه يعين، وهذا قوي بماله يعين، وهذا ضعيف يحتاج إلى إعانة، وهذا مريض يحتاج إلى طب، وهذا طبيب يطبب، وهذا معلم يعلم، وهذا متعلم يتعلم، والأمة كلها بهذه الطريقة مشتبكة، وهي كالبنيان، نعم تضع القاعدة ثم تضع اللبِن وتجعل ما يربط هذه اللبنة بالأخرى حتى يشتد البنيان، والترابط القوي المتين لا شك أنه يؤهل للعيش المتين القوي المستمر بإذن الله تعالى، لأنكم تجدون في البنايات القديمة من الطين والبن مئات السنين مترابطة؛ لكن لو شيدت لبنة واحدة فوق الأخرى بدون ترابط ما جلست ولا شهر، تجدون بعض الأبنية صروح عالية من الطين، ولا اسمنت ولا حديد وتضربها السيول قرون ومع ذلك ثابتة وباقية؛ لأنها يشد بعضها بعضاً، وهكذا حال المسلم والمؤمن ينبغي أن يكون عوناً لأخيه، غوثاً للمحتاجين، باذل، ولذا جاء مدح البذل والإحسان بينما جاء ذم الشح والبخل على الإنسان أن يبذل من بدنه لإعانة الآخرين ((من كان له فضل ظهر فليجد به على من لا ظهر له)) إذا كان يحسن شيء يحتاجه أخوه يقدم له، كثير من الناس يستصعب بعض الأشياء السهلة تدخل عند جارك، جارك ما يحسن شيء أخرق ما يحسن شيء عنده فيش بس يبي ربط، وأنت معك مفك اربطه وينتهي الإشكال، بينما نجد الآن يسود في دنيا الناس اليوم وهو موجود بين المسلمين مع الأسف الشديد العكس، يأتي صاحب السيارة، يجيب سيارته المسكين سطحة للورشة يشوفها المهندس يرى أن المسألة مسألة ربط سلك بسلك لا تأخذ ولا دقيقة ولا تكلفه شيء، يقول: السيارة تحتاج إلى أسبوع شغل؛ لأنه لو ربط سلك وقال: هات عشر ريالات، قال: والله على شان إيش عشر ريال؟ لكن لما يقول له: بعد أسبوع يجي يركنها ثم يربط هالسلك يقول: هات خمسمائة ريال، ويعطيه خمسمائة ريال والشكوى إلى الله، وفي الأصل أن مثل هذه الأمور يربط السلك وينتهي الإشكال، هذا إذا كان البناء مترابطاً، لكن الإشكال أن الناس سادهم الآن الشح والحسد والأنانية، كل شيء يريده لنفسه، ولا

стр. 84

يريد لغيره ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)) لا شك أن مثل هذه التصرفات خلل في واقع المسلمين، والنبي ﵊ يقول: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) وشبك بين أصابعه" نجيب مثال يخص طلاب العلم، جيت إلى مكتبة وجدت كتاب ناقص جزء، هذا الجزء عندك تقدر تكمل هذه النسخة تقول له: بكم الكتاب يقول لك: بمائة ريال، يعني لو كان كامل يمكن بخمسمائة ريال، هل يمكن أن تقول له: عندي جزء يكمل هذه النسخة ثم أشتريها منك؟ يمكن أن تقول؟ ما تقول، جهاد نفس هنا، ما تقول، فلو قلت له: عندي جزء يكمل هذه النسخة قال: أعطيك قيمة الجزء وأبيع عليك نسخة كاملة، لكن ما دامت النسخة ناقصة بمائة ريال هذه فرصة، وين؟ بايعنا رسول الله ﷺ على كذا وكذا والنصح لكل مسلم، طبق الصحابة هذا الحديث بأروع الأمثلة، جرير بن عبد الله البجلي يشتري الفرس بكم؟ بثلاثمائة، يقول: اشتريت؛ لكن فرسك يستحق أكثر، طيب أربعمائة، قال: اشتريت؛ لكن فرسك يستحق أكثر، بخمسمائة إلى أن أوصله ثمانمائة، هل يسود بين المسلمين مثل هذا النصح؟ بما يوصف مثل جرير لو وجد في عصرنا؟ يوصف بإيش؟ يكفي أن يقال: مغفل؟ ما يكفي عند الناس أن يقال: مغفل؛ لأن الموازين مختلة، منقلبة الموازين، يأتي صاحب السيارة يحتاج إلى ثانية أو ثواني يربط السلك يقول له: توكل على الله هذه ما تكلف شيء، يقول السيارة يا لله تبي أسبوع شغل، ثم بعد ذلك مجرد ما يشد السلك يتوكل على الله، يعني هل هذا يقارب صنيع جرير أو هذا مناقضة تامة لصنيع الصحابة؟ والأصل أن المسلم للمسلم كالبنيان يعني إلى وقتٍ قريب لما كانت الدنيا ليست هدف للمسلمين، إنما المسلمون وجدوا للعبودية، يقف الشخص بحاجة إلى أن يبني بيت، وش أعظم من بناء البيت؟ الآن هم البيت، يجلس سنتين يعمر، يجلس عمره كله مدين بسبب البيت، يقف باب المسجد وقال: أعان الله من يعين، يالله لبنة طين، وينتهي يومين ثلاثة وينتهي البيت، ابن عمر ﵄ راوي حديث: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) يبني بيته بأسبوع، بنفسه، يبنيه بأسبوع، وكان ابن عمر يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا

стр. 85

تنتظر الصباح" الهدف تحقيق العبودية، وأمور الدنيا ماشية، نعم الدين أنه ليس دين كسل ولا خمول ولا كذا، يحثنا على العمل؛ لكن يحثنا على العمل لما يترتب على هذا العمل كسب المال من أجل مساعدة المحتاجين والإنفاق على المعاويز، وعدم التعرض والحاجة إلى الناس، وتكفف الناس، وأن يكفي نفسه ومن يعول لتحقيق ما خلق من أجله، والآن تجد الإنسان سنتين ثلاث يعمر ثم ماذا؟ وكم سمعنا وعلمنا ورأينا من أخذ يعمر البيت خمس ست عشر سنين ثم يفرش ويموت ما سكن، قصص ليست واحدة ولا ثنتين ولا عشر، والأمر أهون من ذلك. ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) يعني ما يضيرك يا أخي أن تجد شيء وأنت من أهل الصنعة ومن أهل المعرفة والخبرة شيء يحتاج إلى ربطٍ يسير ما يكلفك شيء اربطه يا أخي، النبي ﵊ يقول: ((كسب الحجام خبيث)) على شان إيش؟ يسود روح التعاون بين الناس، احجم للناس بلاش يا أخي، يتعاون الناس بمثل هذه الأمور السهلة اليسيرة، والله المستعان، وقل مثل هذا في كثير من الصنائع التي لا تكلف شيء، نعم الإنسان الأجرة ما فيها شيء، يعني تأخذ أجرة على صاحبك لكن أجرة مثل، لا تكلفه فوق ما يطيق، وشبك النبي ﵊ بين أصابعه، وكثيراً ما يقرن الكلام النظري بالتطبيق العملي لكي يثبت، والله المستعان. الحديث الرابع عشر: عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أتاه سائل أو طالب حاجة، قال: ((اشفعوا فلتؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء)) [متفق عليه].

стр. 86

وهذا أيضاً عن أبي موسى عبد الله بن قيس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أتاه سائل أو طالب حاجة قال: ((اشفعوا تؤجروا)) النبي ﵊ من حرصه على أن يكسب المسلمون الأجر والثواب يقول مثل هذا الكلام، وإلا قد يقول قائل: كيف تقول؟ يعني لو دخل واحد على رئيس مصلحة أو مدير دائرة وأنت جالس عنده ثم جاء واحد يقدم طلب يعني تستثقل أن يقول لك يا فلان انفع نفسك، اشفع لصاحبك، قد يقول صاحب الطلب والجالس: اقبل حاجة بدون شفاعة؟ يعني ما يقوله الإنسان بمقالة أو حاله؟ إذا كنت تريد أن نشفع اقضها بدون شفاعة؟ لكن النبي ﵊ من حرصه ونصحه لأمته يقول مثل هذا الكلام؛ لأن الشفاعة ما تكلف شيء، ((اشفعوا تؤجروا)) ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء، النتيجة ليست بيدك، كثير من الناس أوتي جاه فيأتيه المحتاج ليشفع له عند فلان وعلان يقول له عجزنا، هذا كتاب ناله مراراً ما استفاد، يا أخي اكتب، أنت تريد الأجر؟ يقض الله على لسان مخلوقه ما شاء، طلب وإلا ما أجاب، قبل ما قبل، هذا ليس لك، النتائج ليست لك، أنت مأمور بالشفاعة، من يشفع شفاعةً حسنةً يكن له كفل منها، فالشفاعة لا تكلف شيئاً هي مجرد كلمة، والآن بعد ما يحتاج إلى أن تلبس حذاءك وبشتك وتروح تشفع، لا، إما تلفون أو ورقة، اكتب وأنت جالس، يثبت لك هذا الأجر ونعرف من ساد، ساد الأمة لا بقوته ولا بماله ولا بشيء بمثل هذه الشفاعات، لأن بعض الناس يتصور أن كل ما كتب تهبط قيمته، ينزل مستواه، لا، لا، أبداً العكس، الذي يتولى الشفاعة للناس لا شك أن الله -جل وعلا- يرفعه في الدنيا والآخرة، النووي ﵀ كان صاحب شفاعات، من جاءه كلم عنه الولاة، وكتب، ويسمع أحياناً ما يسره وأحياناً ما يسوؤه، يضيره شيء؟ ما يضيره، يحصل له الأجر والباقي على الله، بعث له الوالي مرةً من المرات قال: لا تشفع لأحد، فجاءه شخص وشفع له، والثاني شفع له، لما نظر الوالي قال وين المسألة؟ اعترف بأن أمره لله، وإلا بعض الناس إذا جاءه مثل هذا الكلام الخشن تأخذه العزة بالإثم وييأس وخلاص ينتهي كل شيء بالنسبة له؛ لكن النووي أعاد الشفاعة، ثم قال الوالي: أشهد أنه

стр. 87

يشفع لله، فأجاب الطلب صار ما يرد له طلب، وأدركنا من الشيوخ من يشفع للصغير والكبير عند الكبير والصغير، ورفع الله -جل وعلا- منزلته في الدنيا والآخرة، والآخرة الله أعلم بها لكن هذا الذي يغلب على الظن، امتثالاً لهذا الحديث: ((اشفعوا تؤجروا)) يعني ما الذي يضيرك أن تكلم فلان وإلا علان من أجل فلان، وإذا كانت هذه الشفاعة أيضاً فيما يقرب إلى الله وجل وعلا- كنت ممن دل على خير، لك نصيب من هذا الأجر، أشركت شركت صاحب هذا الأجر. ((اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء)) النتائج ليست بيد الشافع، ولا المشفوع له، ولا المشفوع عنده، الله -جل وعلا- هو المعطي وهو المانع، ((إنما أنا قاسم والله معطي)) اشفع لفلان يعط من بيت المال كذا أو يعط من مال فلان التاجر كذا، الله المعطي -جل وعلا-، المسألة ليست ملزمة؛ لكن أنت تحصل على الأجر المرتب على الشفاعة من هذا الحديث الصحيح، وعاد كونه يجاب أو لا يجاب، تمنى أن يجاب طلبك، تمنى، وترجو ذلك إذا لم يجب حصل لك الأجر وتحقيقه، والمسبب هو الله -جل وعلا-، هو الذي يرتب المسببات على أسبابها، والله المستعان. الحديث الخامس عشر: عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: ((أنزلوا الناس منازلهم)) [رواه أبو داود].

стр. 88

حديث عائشة ﵂ عند أبي داود بصريح الأمر ((أنزلوا الناس منازلهم)) وهو في صحيح مسلم، في صحيح مسلم في المقدمة تقول عائشة ﵂: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم"، وعند أبي داود بلفظ الأمر: ((أنزلوا الناس منازلهم)) وفي صحيح مسلم: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم" وقول الصحابي: "أمرنا أو نهينا" لا شك أنه ينصرف إلى الآمر والناهي في الحقيقة هو النبي ﵊، لا آمر ولا ناهي بالأحكام الشرعية إلى الله -جل وعلا- كما في قوله ﵊: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)) أو رسوله المبلغ عنه كما في قول الصحابي: "أمرنا" فالآمر هو الرسول ﵊، ولذا عبرت عائشة، جاءت باللفظ النبوي وعبرت وقالت: "أمرنا"، وقالت باللفظ النبوي بقوله: ((أنزلوا الناس منازلهم)) وعلى هذا الآمر هو الرسول ﵊ كما في صريح رواية أبي داود، وأيضاً كلمة: "أمرنا ونهينا" تساوي: "افعلوا أو لا تفعلوا" فجاءت عند أبي داود بصريح الأمر وجاءت في مسلم بالتعبير عنه خلافاً لمن يقول: أن الصحابي لا بد أن يصرح بالآمر، لا بد أن يقول: "أمرنا رسول الله ﷺ " وإلا فلا يقبل، لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير الرسول ﵊؛ لكن هذا الكلام ليس بصحيح، الصحابي لا يطلق الأمر والنهي لا سيما في المسائل الشرعية إلا لمن له الأمر والنهي. قول الصحابي من السنة أو ... نحو أمرنا حكمه الرفع ولو بعد النبي قاله بأعصرِ ... على الصحيح وهو قول الأكثرِ

стр. 89

أما كونها تدل على الأمر الملزم كصيغة (افعلوا) بهذا قال جماهير أهل العلم، وإن قال داود الظاهري وبعض المتكلمين أنه لا يحتج بها، وليست ملزمة حتى ينقل اللفظ النبوي، لماذا؟ يقول: لأن الصحابي قد يسمع أمراً، يسمع كلام أي كلام فيظنه أمراً أو نهياً، وهو في الحقيقة ليس بأمر ولا نهي، يسمع كلام خبر وإلا شيء يقول: أمرنا؟ نقول: لا يا أخي، هذا الكلام باطل؛ لأن الصحابة إذا لم يعرفوا مدلولات الألفاظ الشرعية من تترك له المعرفة، من يعرفها بعدهم، لا أحد يعرف إذا لم يعرف الصحابة، يعني نظن بالصحابة أنهم يسمعون كلام أخبار يقولون: أمرنا ونهينا ما هو صحيح، فقول عائشة: أمرنا هو مساوٍ لقوله ﵊: ((أنزلوا الناس منازلهم)) وهذا الحديث لا شك أنه عظيم، على ضوئه يتعامل المسلمون مع بعض، فالكبير له معاملة، والصغير له معاملة، العالم له معاملة، الجاهل له معاملة تليق به، الرجل له معاملة، المرأة لها معاملة، من الظلم للإنسان أن يعامل الكبير معاملة صبي صغير، من الظلم أيضاً أن يعامل الصغير بمنزلة شيخ كبير، أو جاهل تنزله منزلة عالم، وتشرح عليه وتحمله مسؤولية مثل العالم، أو عالم تعامله معاملة جاهل فلا تحترمه ولا تقدره قدره، أيضاً من الظلم العظيم أن تعامل المرأة معاملة الرجل، تقحمهما فيما لا يصلح لها وتركيبها لا يناسبه، من الظلم أيضاً أن تجعل الرجل مثل المرأة، ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن جنس الرجل أفضل من جنس المرأة، لما ركبت عليه المرأة من أمور لا تناسب الرجال، وما ركب عليه الرجل من أمور لا يناسب النساء، لا شك أننا أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، سواء كان في مستواهم العلمي أو عدمه، كبار صغار رجال نساء، نعم الناس تتفاوت عقولهم، تتفاوت مداركهم، كل إنسان له معاملة تليق به، وتفضيل الجنس على الجنس لا يعني أن فلان من الناس أفضل من جميع النساء؟ لا، أو أن فلانة من النساء دون جميع الرجال؟ لا، إنما هو تفضيل جنس على جنس، كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا فلانة وفلانة، ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. تصور رجل يتخصص في تربية الأطفال هذا بيعيش هذا؟ يبي يحسن هذا؟ ما يمكن، إلا بعد أن انقلبت

стр. 90

الموازين وفسدت التصورات وصار تخصص كثير من الرجال قوابل يولدون النساء، ويعلن في الصحف بشرى سارة قدم البروفسور فلان لتوليد مواليد مدري إيش؟ فساد تصور، والله المستعان. لكن هذا الحديث حديث عظيم، ميزان يجعل المسلم يتعامل مع الناس على ضوئه، من الظلم أن يأتي شيخ كبير عالم جليل ثم يعامل معاملة آحاد الناس، ولا يلقى له بال، هذا ظلم له، من الظلم أن يأتي طالب علم ولو كان عنده ما عنده من علمٍ يناسب سنه ومستواه ثم يشاد به، يقال الإمام العلامة العارف العابد الزاهد إيش الكلام هذا؟ هذا ظلم له وإيقاع له في مفاسد عظيمة لا يحتملها هو وتغرير له، وتغرير به، ونجد أيضاً على الساحة مسألة الإعجاب، إعجاب بعض الناس، ترفع بعض الناس إلى السها وتنزل بعض الناس إلى .. هذا ظلم أيضاً، مخالفة للنص الصحيح هذا الذي معنا، بل أمرنا أن ننزل الناس منازلهم. ونسمع ونقرأ قال العلامة فلان، وما يزال في طور الطلب، فضلاً عن أن يكون عالماً، وهذه الكلمة نرى لها امتهان اليوم بين أظهر الناس، ويحتقر بعض الكبار بعد، بالمقابل يحتقر بعض الكبار؛ لأنه وقع في خطأ من وجهة نظرك، أنت ترى أنه خطأ أو عنده تقصير فيما تحسب؛ لكن أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، كل إنسان وما يليق به، والله المستعان. الحديث السادس عشر: عن أبي صِرْمَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ضارَّ ضار الله به. ومن شاقَّ شَقَّ الله عليه)) [رواه الترمذي وابن ماجه].

стр. 91

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث السادس عشر: وعن أبي حرمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ضار ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه)) الجزاء من جنس العمل، ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليه فاشقق عليه، من رفق بهم فارفق بهم)) هذه قاعدة مضطردة في الشرع: الجزاء من جنس العمل، الذي يعفو عن الناس ويسامحهم يعامل بالعفو والمسامحة، الذي يأخذ حقه بالقطمير يعامل بهذه المعاملة، وحديث الرجل من بني إسرائيل الذي كان يداين الناس معروف في الصحيح، والله -جل وعلا- أحق بالعفو، فمن آذى الناس وضار بالناس ضار الله به، وشق على الناس يشق الله عليه، من يسر على الناس يسر الله أمره في الدنيا، من يسر على معسر من أنظر معسراً، من أقال نادماً، نصوص كثيرة تدل على هذا الأصل العظيم، وأن الله -جل وعلا- أحق بالعفو من الخلق؛ لكن قد يفهم بعض الناس أن هذا عام فيمن يستحق الضرر ومن لا يستحق الضرر، لا شك أن هذا فيمن لا يستحق الضرر، أما من يستحق الضرر من الجناة لا بد أن يضار، يعني بالمقابل فإذا بلغت الحدود السلطان فإن عفا فلا عفا الله عنه؛ لأن هذه الأمور أمور شرعية حدود شرعت لتحقق أهداف، وليس معنى هذا أننا نعطل الحدود من أجل أن لا نقع في مثل هذا، جزاء ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] والمماثلة في العقوبات شرعية، والنبي ﵊ ماثل في القوم من عكل أو عرينة الذين اجتووا المدينة فأمر لهم النبي ﵊ بما أمر، قتلوا الراعي، وسملوا عينيه، فعل بهم النبي ﵊ مثل ما فعلوا، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [(١٢٦) سورة النحل] لا نقول: أن هذا ضار، لا، هذا بفعله هذا وإن كان ضرراً على هذا الذي تسبب على نفسه بالضرر إلا أنه يردع غيره، ولذا جاء في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [(١٧٩) سورة البقرة] يعني شخص يقتل آخر فتقول: يا أخي إراقة دم مسلم اتركه، بدل ما نخسر اثنين خلينا نخسر واحد، نقول: لا يا أخي أنت لو ما خسرت هذا الواحد خسرت آلاف، من الذي يردع الثاني والثالث

стр. 92

إلا معرفة أن هذا أقيم عليه الحد؟ يعني زيد قتل عمرو، فإذا أريد أقامة الحد القصاص على زيد يقول لك: الأمة ما هي بحاجة إلى كثرة دماء، وكذا خلي اللي راح راح، يغفر الله لنا وله، ولا نخسر اثنين، خلينا نخسر واحد وواحد يبقى، عضو فاعل في المجتمع ومنجز وعنده أعمال، لا يا أخي، هذا الشخص لو ترك لا شك أن القتل سوف يسود ويكثر وشواهد الأحوال معروفة في الشرق والغرب، جرائم القتل والاغتيالات والاغتصابات وأمور تشيب لها الذوائب، وعندنا -ولله الحمد- مع إقامة الحدود مثلما ترون، الأمور نسبية، ليس معنى هذا أنه لا يحصل شيء البتة؟ حصل هذا في عصره ﵊؛ لكن المسألة نسبية، مسائل نسبية، فنحن -ولله الحمد- نعيش في أمن، حاول من حاول في إثارة الفتن والقلائل؛ لكن ما زلنا -ولله الحمد- في خير، نسأل الله -جل وعلا- أن يديم علينا هذا الخير، وأن يوفقنا للاستمرار في فعل الأسباب المثبتة، والتي تعين على بقاء هذا الخير، والله المستعان.

стр. 93

((من ضار ضار الله به)) تسعى للضرر بأخيك الجزاء من جنس العمل، لا بد وأن يحصل لك الضرر، والمثل يقول: "من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها" ((ومن شاق شق الله عليه)) تجد رئيس المصلحة ومدير الدائرة سمح وحبيب في حدود النظام بحيث لا يتسيب الناس، يعامل الناس معاملة حسنة، تجد هذا محل احترام وتقدير وتسامح وتجاوز ممن فوقه وممن دونه، ويعيش في راحة وطمأنينة بال لا يدركها أحد، وشخص يدعي الكيس والحزم ويريد أن يضبط الناس ويأطرهم؛ لكن وبعدين؟ لا شك أن اللين والرفق والليونة مع الناس التي تؤدي إلى تضييع أمور المسلمين هذا ضياع؛ لكن يبقى أنه يمكن أن تؤدى الحقوق مع الرفق واللين، مع طيب الاستقبال، مع طيب الكلام، مع حسن الخلق؛ لكن هذا الذي يريد أن يأطر الناس لا، لا، أبداً هون على نفسك، العوام يقولون: "ما يعطى الملك إلا من يحمله" يعني من يستطيع حمله، فمثل هذا من تحته من الموظفين كل يوم طالع واحد، يبحثون عن النقل يمين ويسار، ولا يصفي له أحد، تجد من فوقه يسلط عليه، ((من شاق شق الله به)) ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)) لكن ليس معنى هذا التضييع، بل لا بد للأعمال العامة من القوي الأمين، قوي أمين، لا بد من توافر الشرطين، وإلا إذا كان قوي وليست معه أمانة ضاعت الأمور، وإذا وجدت الأمانة مع الضعف أيضاً تضيع الأمور، فلا بد من توافر هذين الشرطين لتولية الأكفاء، وإلا إن لم نسع لتحقيق هذين الشرطين وقعنا في ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) لا بد أن نسعى لاختيار الأصلح، الذي يستطيع أن يتعامل مع من دونه ومع من فوقه يحقق الهدف، ولا يترتب على ذلك تسيب ولا ضياع ولا تضييع لأمر الله -جل وعلا-، ولا تضييع لحقوق الناس. الحديث السابع عشر: عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) [رواه الإمام أحمد والترمذي].

стр. 94

عن أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتق الله حيثما كنت)) الأمر بالتقوى التي هي وصية الله للأولين والآخرين، بالتقوى، والتقوى أصلها من الوقاية، بأن تجعل الله بينك وبين عذاب الله ما يقيك منه، وذلك بفعل المأمور وترك المحظور، تفعل ما أمرك الله به، وتجتنب ما نهاك الله عنه، هذه هي التقوى، فعل المأمورات وترك المحظورات، حيثما كنت، في أي مكانٍ كنت، سواء كنت بين الناس أو كنت خالياً منفرداً، وسواء كنت في بلدٍ أو في آخر؛ لأنه مع الأسف يوجد بعض الناس من يظهر عليه آثار الاستقامة والالتزام في بلد ثم إذا سافر إلى بلدٍ آخر تنصل من هذه الأمور، والله -جل وعلا- هو الرب، هو المعبود في كل مكان، ((فاتق الله حينما كنت)) ونحن مأمورون بأن يكون السر كالعلانية، وأن تكون الحضرة كالغيبة، وإلا فالمسألة رياء، إذا كان الإنسان يتزين أمام الناس ويتنسك ثم إذا خرج وخلا بنفسه ارتكب ما ارتكب من محارم الله ما امتثل، ما اتق الله حينما كان، ((اتق الله حينما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [(١١٤) سورة هود] فإذا عمل غفل الإنسان وأخل بالتقوى وارتكب بعض المحرمات عليه أن يبادر بالتوبة بشروطها، والتوبة تهدم ما كان قبلها، وعليه أيضاً أن يتبعها حسنة تمحها، تمحوا أثرها؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، والرجل الذي حصل منه ما حصل من تقبيل المرأة الأجنبية، جاء إلى النبي ﵊ ثم صلى معه، قال: ((هل صليت معنا؟ )) قال: نعم، قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [(١١٤) سورة هود] وليس معنى هذا أنه فتح باب للناس أو للإنسان أن يرتكب السيئات ثم بعد ذلك يتبعه الحسنات وأتوب منها؟ ما الذي يضمن أن تعيش إلى أن تفعل حسنة تمحها؟ أولاً: مثل هذا خاص بالصغائر، أما الكبائر لا بد لها من توبة، لا بد لها من توبة الكبائر، أما إتباعها بالحسنة فلا، كما سيأتي في حديث: ((الصلوات الخمس إلى الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما لم تغش كبيرة)) ((ما اجتنبت الكبائر)) لا بد من هذا القيد،

стр. 95

((فأتبع السيئة –يعني من الصغائر- الحسنة تمحها)) فإذا قال: أنا سهل يرسل النظر، ويصلي ويذهب أثرها، النظر محرم، وقد يتيسر له شيء من اللمم من تقبيل وشبهه، يقول: أصلي وتروح، يا أخي من يضمن أن تعيش إلى أن تصلي؟ إشكال الإقدام على المعصية مع الإصرار مع العلم مع الاستحضار هذا يجعلها كبيرة لأنه استخفاف لأمر الله -جل وعلا-، ومن الذي يضمن لك أن توفق لأن تعمل حسنة تمحها، إذا أقدمت على المعصية مصراً عليها؟. ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن)) لا شك أنك لن تسع الناس لا بجسدك ولا بمالك ولا بجاهك، إنما تسعهم بإيش؟ بخلقك، خالقهم بخلقٍ حسن، ومع الأسف الشديد تجد بعض الناس إذا استقبل أخاه لا يختلف معه في شيء البتة، يستقبله استقبال كأنه وحش، هل هذا من الخلق الحسن؟ ((لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلق أخاك بوجهٍ طلق)) أقل الأحوال البشاشة يا أخي، هذا مسلم، زد على ذلك إذا كان من طلبة العلم، أضف على ذلك إذا كان من أهل العلم، ولو أخطأ ليس بمعصوم، ولو أنت اللي تقرر الخطأ والصواب، المسألة أمور اجتهادية تنتابها وجهات نظر ومع ذلك يوالى ويعادى عليها، هل هذا من الإنصاف؟ هل هذا من تطبيق مثل هذه السنن؟ ((خالق الناس بخلقٍ حسن)) خالق الناس عامة الناس، فضلاً عن طلاب العلم فضلاً عن أهل العلم، تجد أهل العلم الكبار الآن في المجالس المناشير رايحة جاية، تلوكها الناس بألسنتهم من عامة الناس فضلاً عن طلاب العلم، وما جرأ العوام على العلماء إلا بعض طلاب العلم، فلان أخطأ، وفلان فعل، وفلان ترك، وإلا العوام غافلين ما عندهم شيء من هذا، لكن لما تكلم علم الناس وتطاولوا عليهم زالت مهابتهم من القلب، وزوال هيبة أهل العلم من القلوب مؤذن بخطر عظيم؛ لأنه يزيل الثقة بهم، فإذا زالت الثقة بأهل العلم بمن يتقدي عامة الناس؟ فهذا أمر لا بد من الانتباه له، وعليك أن تعامل كل إنسان بما يناسبه، وأمرنا أن ننزل الناس منازلهم.

стр. 96

شخص له قدم في الإسلام، وله يد في هداية الناس ودعوتهم إلى الله أخطأ أو زل يا أخي اترك له مسافة، الله -جل وعلا- يعني تقبل الخطأ من عامة الناس، وهذا خطأ غير مقصود أو متأول أو رأى فيه المصلحة، نعم الخطأ لا بد من رده، لا بد من التنبيه على الخطأ، لا بد من الرد المناسب على من يخطئ، لا بد من بيان الحق؛ لكن بالأسلوب المجدي النافع، مو معنى أنه خطأ خلاص انتهى، دين الإسلام وسط بين الغالي والجافي، مذهب أهل السنة وسط بين الخوارج وبين المرجئة، المرجئة يتركون المساحة الواسعة: افعل ما شئت، وما زلت في دائرة الإيمان، بينما الخوارج أبداً تخطئ خطأ واحد خرجت من الملة، ولا هذا ولا هذا، ولا يتبين مذهب أهل السنة ووسطية أهل السنة إلا إذا عرفنا الأطراف، ولذلكم شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى- برع في كتابه الواسطية، حين بين مذهب أهل السنة من خلال ذكر الطرفين في أبواب الدين، فعلينا أن ننظر إلى إخواننا بعين الإنصاف، نعم من كان عنده بدعة ويخشى من تعديها إلى غيره، وهو يدعو إلى بدعته، وتجد الناس يستجيبون لدعوته الآن حذر منه، حذر منه حذر من بدعته، ولا عليك من شخصه؛ لأن بعض الناس يقع في الذوات، بل بعض الناس يصل إلى حد القذف، نسأل الله العافية، على شان إيش؟ احرص على نفسك قبل غيرك، أنت تعرض نفسك الآن لعقوبات ما تدري قدرها، تجني على نفسك بمعاصي وذنوب يمكن ما تحسب لها حساب، فالإنسان عليه أن يحفظ ويحرص على حفظ مكتسباته ومقتنياته لما يرضي الله -جل وعلا-، لا يوزع أعماله، ويبقى أن العاصي مذموم والمبتدع مذموم، وكذا، وكل له معاملته في الشرع، ويبقى أن الأصل خالق الناس بخلق حسن، لا بد من إحسان الخلق مع الناس كلهم، وكل على ما يليق به؛ لأننا أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، كما في الحديث الصحيح السابق. هذه فتاة تقول: أن لها صديقة وأخو هذه الفتاة يرغب أن يتزوج صديقتها، ولكن به بعض الصفات التي لا تريدها صديقتها في زوجها، وهذا الشاب وعد بالالتزام والتغيير للأفضل، فهل إذا سألت الفتاة صديقتها عن أخيها وصفاته فهل تجيبها بصراحة أم تقول: أنه على خلق كما وعد هذا الشاب؟

стр. 97

الإنسان قيمته في وقته الحاضر، لا ينظر إلى الماضي الذي تاب منه، ولا المستقبل الذي وعد به، الإنسان يقوم حسب وضعه الآن، فعليها أن تبين ما عنده الآن وتذكر لها أنه ينوي تغيير حاله إلى أحسن. هذا يقول: هل للعادة السرية كفارة؟ وما هي؟ ليس لها كفارة، إنما هي معصية محرمة عند أهل العلم، على فاعلها التوبة والإقلاع والندم والاستغفار، وليس لها كفارة. يقول: هل يجوز رقية الجنين في بطن أمه؟ يعني عرفت أنه مريض بواسطة الأجهزة؟ لا يمنع، لا مانع ما دام موجود الجنين عند أهل العلم في حكم الموجود المعلوم، لا مانع أن يرقى، ولو نفث في ماء مثلاً وشربته الأم، يعني لعل ينتفع به، والدعاء هو الأصل في مثل هذا الباب. هل صحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تتلقب الاسم العائلي إلا بلقب أبيها ولو بعد زواجها؟ لا يجوز الانتساب لغير الأب ولا لغير الموالي، والأمر في ذلك عظيم، ويوجد في بعض البلدان أنها إذا تزوجت من آل فلان نسبت إليهم، هذا لا يجوز بحال. يقول: هل يجوز أخذ الأجرة على الشفاعة؟ هل تجوز الشفاعة إذا كانت تضر بالآخرين؟ إذا كان فيها ضرر، الشفاعة إذا كان فيها ضرر، أو فيها حرمان من حق لا تجوز بحال، هذه شفاعة سيئة وليست بشفاعة حسنة، كما أن الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان أيضاً لا تجوز. يقول: هل يجوز أخذ الأجرة على الشفاعة؟ أخذ الأجرة على الجاه عند جمع من أهل العلم لا يجوز، بل هو من أكل أموال الناس بالباطل، ومنهم من يجيز ذلك؛ لكن الورع تركه. يقول: من يكون ظاهره الخير والصلاح ولكنه إذا خلا بنفسه ارتكب كبائر الذنوب، هل يعتبر منافق؟ وما هي الوسيلة المعينة على ترك هذه الذنوب؟ لا شك أن فيه شبه من المنافقين، إن كان باطنه يختلف عن ظاهره؛ لكن لا ينطبق عليه حد المنافق، وإنما الإنسان قد يكون تركه لبعض الأمور خشية الناس إذا كان مع الناس مختلطاً بهم أو في نظر الناس لا يرتكب معاصي، والله -جل وعلا- أحق أن تخشوه، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ [(١٠٨) سورة النساء] الإنسان عليه أن يحاسب نفسه، ويحرص على ترك الذنوب في الخلوة وفي الجلوة.

стр. 98

يقول: كثير من قصص الأطفال لا أصل لها مثل كلام الحيوانات ونحو ذلك فهل هذا من الكذب؟ عرفنا أنه من الكذب، لكن يبقى هل هو محرم أو أن المصلحة راجحة كما قرره بعض أهل العلم في بعض الأبواب التي ذكرناها من المناظرات ومن المقامات وغيرها، بعضهم يتساهل في مثل هذا. حكم النكت التي يتداولها الناس؟ إضحاك الناس جاء فيه الوعيد، وحكم حكايتها للناس أيضاً من باب الإضحاك لا شك أن مثل هذا سفه، لا يليق بالمسلم فضلاً عن طالب العلم الجاد. أخ يقول: أنه اقترف معاصي كثيرة جداً، ويريد التوبة فكيف تتم حتى يسامحه الله من جميع ما صدر منه؟ عليه أن يقلع فوراً، وعليه أن يندم على ما فات، وأن يعزم على أن لا يعود مخلصاً في ذلك لله تعالى. يقول: هل المراد بالمؤمن القوي هو القوي في إيمانه أو القوي في جسده، وكذلك الضعيف أهو إيمان أو ضعف جسد؟ على كل حال القوة بكل ما يحتمله اللفظ، قوة الإيمان وهذا أعظم، قوة الجسد، قوة الهمة، قوة العزيمة الصادقة على فعل الخير، نية الخير، كل هذه قوة. يقول: في الغالب إذا أردنا أن نقول: سبحان الله وبحمده في دقيقتين أو دقيقة فيكون فيها نوع من عدم الخشوع، فهل يكون الأجر مرتب على الذكر مع القلب الغافل؟ أفيدونا. الأجر رتب على الذكر ((من قال في يومٍ مائة مرة: سبحان الله وبحمده حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) الذكر، التذكر والاعتبار والانتفاع بما يقول هذا أجره زائد على مجرد النطق، قراءة القرآن التي تحصل أجر الحروف، كل حرف بعشر حسنات هي النطق بهذا الكلام، التدبر لهذا الكلام، الترتيل لهذا الكلام، العمل بهذا الكلام كلها أجور زائدة، والله يضاعف لمن يشاء. يقول: ماذا تنصح الطلاب عندما يذهبون إلى بلدانهم ما هو العمل الذي يقومون به كي ينقذون الناس؛ لأن الناس في جهلٍ عظيم، وللأسف الطلاب مشتغلون بعضهم في بعض بالردود؟

стр. 99

على كل حال على الإنسان أن يسعى أن يحقق ما سمع، وأن يطبق ما علم، وعرفتم فضل الدعوة إلى الله -جل وعلا- وفضل من دعا إلى هدى، وأن له من الأجور مثل أجور من عمل به، فعليه أن يسعى في تكميل نفسه بمتابعة التعليم ودعوة غيره، بأن يكون متعلماً عاملاً عالماً معلماً بهذا يكمل، وبهذا مخلصاً بذلك لله -جل وعلا-، أما أن يضيع نفسه بأن يحصل على الشهادة ثم يذهب إلى بلده فيعمل بعملٍ وظيفي أو عملٍ ينسيه ما حصله من علم، يقول ربيعة -رحمه الله تعالى-: "لا ينبغي لمن كان عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه" فالذي لا يتابع التحصيل ولا يتابع التعلم والعمل والتعليم مثل هذا سرعان ما يضيع ما كسبه، وما جناه من علم، ويذهب تعبه ولا يحصل على شيءٍ من الأجر إلا الشيء اليسير بقدر ما يعمله؛ لكن إذا تصورنا الحديث الصحيح: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من عمله به)) فضل عظيم، عظيم جداً، تسمعون أنتم من أسلم على يده مئات، ومن أسلم على يده ألوف، يعني هل الإنسان يحرم نفسه إلى هذا الحد لا يؤدي كلمة يقولها ينتفع بها أحد؟ يثبت له أجرها ولو لم ينتفع بها أحد؟ يقول: من اجتمعت فيه هذه الصفات الأربع هل يكون منافق نفاق مخرج عن الملة؟ أهل العلم يقولون: أنه توافر في النفاق العملي، المخرج عن الملة النفاق الاعتقادي؛ لكن لو اجتمعت هذه لا يأمن الإنسان أن يجر إلى النفاق الاعتقادي؛ لكنها بمجموعها إذا سلم من النفاق الاعتقادي، وسلم من استحلال هذه الأمور فإنه لا يخرج من الملة. يقول: ما قولكم في لزوم التحلل لمن اغتيب؟ هل كل حال هو حق له، لا بد من أن تبرأ منه بالأسلوب المناسب، يعني إذا كان التحلل منه مباشرةً تقول له: يا فلان أنا والله تكلمت فيك في المجلس الفلاني وأنا تائب وأرجو المعذرة، إن تيسر هذا من غير مفسدة أكبر فهو الأصل؛ لأنه هو صاحب الحق إن لم يتيسر فأنت عليك أن تدعو له، وأن تثني عليه وتمدحه وتنقض ما قلت، لا سيما في المجالس الذي اغتبته فيها. يقول: ما رأيك في طلاب العلم الذين يحبون شيخ، ويحضرون دروسه، وينكرون على من لم يحضر ويتكلمون عليهم ويغتابونهم؟

стр. 100

هذا ليس معهم حق، إذا كان هذا الشيخ بالفعل يعني مفيد ونافع، وهو أكثر نفعاً من غيره على حسب تقدير هذا الشخص ينصح إخوانه ويدلهم عليه؛ لأن الدين النصيحة، يدلهم على هذا الشيخ، ويبين لهم ما عنده من علم وفضل، وأنه يمتاز بكذا وكذا، أما أن يلزم الناس بما يختاره وما يترجح عنده، ويزداد الأمر إلى أن يتكلم فيهم، هذا أمر لا يجوز بحال. يقول: نظراً للتقارب بين أحاديث المحرر والبلوغ فهل أعتبر شروح للبلوغ شروح للمحرر، ويكون هذا دافعاً لحفظ المحرر نظراً لدقته؟ أي نعم، لا بأس؛ لأن الشرح شرح، يعني لا مانع أن تجد الحديث في صحيح البخاري وهو في المحرر، وهو مخرج في البخاري تشرح هذا الحديث من فتح الباري إيش المانع؟ موجود في البلوغ ترجع إلى سبل السلام وتقرأ شرحه، هذا لا شك أنه فضل؛ لكن يبقى أن هناك أحكام لابن عبد الهادي تحتاج إلى بيان، فإذا اكتملت شروحه سواء كانت مكتوبة أو مسموعة وتمت العناية به، ينبغي أن يتجه إليه الطلاب، أما الآن فخدمته أقل من خدمة البلوغ، والطالب بحاجة إلى كتابٍ مخدوم، بحيث لا يشكل عليه شيء، وعلى كل حال المحرر في نظري أمتن من البلوغ؛ لكن يبقى أن المحرر يحتاج إلى خدمة، قد يشكل على طالب العلم شيء من المحرر لا يجد من يحله له. يقول: إذا حفظت البلوغ فهل يلزم مراجعة الأحاديث من مصادرها الأصول علماً أن الحافظ ابن حجر قد يورد الحديث من حفظه؟ نعم، ضبط أوهام على الحافظ ابن حجر؛ لكن لا يعني هذا أن الحافظ أكثر من هذه الأوهام، هي يسيرة بالنسبة للكتاب، فإذا رجع الطالب في كل حديثٍ إلى مرجعه الأصلي، ومصدره الأصلي الذي يروي الأحاديث بالأسانيد لا شك أنه يسعى في تثبيت هذا الحديث في قلبه، هو يثبت الحديث في قلبه برجوعه إلى مصدره، وإذا رجع إلى مصدر الشرح ونظرنا فيها يستفيد فائدة كبيرة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 101

شرح جوامع الأخبار (٤) الشيخ/ عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اقرأ: الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. قال المؤلف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -عليه رحمة الله تعالى-: الحديث الثامن عشر: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) [متفق عليه]. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

стр. 102

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثامن عشر: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) [حديث متفق عليه] والظلم مرتعه وخيم وشأنه عظيم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، وتتفاوت شدته وقوته وضعفه بسبب الأثر المترتب عليه، وهو أنواع ودركات، أعظمه -نسأل الله السلامة والعافية- الشرك، وبه فسر النبي ﷺ الظلم، في قوله -جل وعلا-: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام] قال: الشرك، وأحال على قول لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [(١٣) سورة لقمان] لا شك أن الشرك لا سيما الأكبر هو أعظم أنواع الظلم؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، فموضع التوجه، توجه الإنسان لمن خلقه ورزقه وأوجده من العدم إلى الوجود، فمثل هذا يجب أن يكون التوجه إليه، فلو أن شخصاً استأجر أجيراً ودفع له ما دفع من الأجرة، ثم أخذ هذا الأجير يعمل ويؤدي ما يترتب على عمله لغير مستأجره ظلمه، فكيف بمن خلق ورزق وأوجد من العدم؟ كيف يؤدى الحق الذي هو أعظم الحقوق حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وأدى إلى غيره؟ لا شك أن هذا هو أعظم أنواع الظلم، وقصره النبي ﵊ في تفسير آية الأنعام على الشرك، وهذا التفسير منه ﵊ تفسير للعام ببعض أفراده، وتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي الحصر، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، نكرة في سياق النفي تعم جميع أنواع الظلم؛ لكن النبي ﵊ فسره ببعض أفراده، وهذا له نظائر كثيرة ذكرنا في درسٍ مضى تفسير القوة بالرمي، ولا يعني أننا لا نستعد للعدو بغير الرمي، ولا يعني أننا لا نتقي من أنواع الظلم إلا الشرك، نعم التنصيص على بعض الأفراد من قبل الشارع إنما هو للعناية به، والاهتمام بشأنه، لا شك أن الشرك -نسأل الله السلامة والعافية- لا سيما الأكبر المخرج عن الملة الموجب للخلود في النار هذا أعظم ما يجب أن يتقيه المسلم، ثم بعد ذلك يليه ما يليه من أنواع الظلم، من ظلم العبد لنفسه، وظلم

стр. 103

العبد لغيره، هذه أنواع من الظلم، وقد حرم الله -جل وعلا- الظلم على نفسه، ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)) يعني لا يظلم بعضكم بعضاً، فعلى الإنسان أن يتقي ويجتنب الظلم، لا ظلم الإنسان لنفسه بأن يدنسها بأوظار الشرك والبدع والمعاصي، ولا ظلم الإنسان لغيره، لا ظلم المسلم وشأنه عظيم، وظلم من لا يستحق الظلم من غير المسلمين غير الحربيين، وكذلك ظلم البهائم أيضاً، ظلم أن تحمل الدابة من لا تطيق، أن يقصر في نفقتها، كل هذا ظلم لها، وكل هذا لا يجوز داخل في الآية، الذين آمنوا ولم يلبسوا، يعني لم يخلطوا إيمانهم بظلم في جميع أنواعه وصوره وأشكاله، أولئك لهم الأمن، الأمن التام المطلق؛ لكن إذا وجد الشرك فلا أمن البتة، إذا وجد الشرك ذهب الأمن، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور] هذا أقوى ما يثبت الأم ويقوي دعائمه، الالتزام بالتوحيد، وتحقيق التوحيد، وتخليصه من شوائب الشرك، أولئك لهم الأمن، يعني التام المطلق، ولم يلبسوه بأي ظلم؛ لكن إذا اتقوا الشرك ووقعوا في أنواع من الظلم سواء كان من ظلم الإنسان لنفسه أو لغيره لهم من الأمن بقدر ما حققوه من الاتباع، وكلما قرب من الكمال زاد الأمن، وكلما نقص نقص، والحصة بالحصة، كما يقول ابن القيم، يقول: بعض الناس أن النبي ﵊ فسره بالشرك، فلا يدخل فيه شيء من. . . . . . . . . نقول: لا يا أخي فسره بالشرك، ويبقى أن الظلم نكرة في سياق النفي يعم جميع أنواع الظلم، نص على الشرك لعظم شأنه، فلا يجوز للإنسان أن يظلم نفسه، ولا يجوز له أن يظلم غيره، حتى غير المسلمين، يعني غير الحربيين، والبهائم يدخل في هذا.

стр. 104

((الظلم ظلمات يوم القيامة)) الظلم يبعث على الخوف، ويسلب الأمن، وأيضاً هو في يوم القيامة ظلمات، إذا كان العدل بما في ذلك تحقيق التوحيد، وهو العدل التام نور يوم القيامة، والمقسطون على منابر من نور يوم القيامة، فإذا كان الظلم ظلمات فالعدل نور يوم القيامة، كما جاء في الحديث الصحيح: ((المقسطون على منابر من نور يوم القيامة)) الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا، فلا يقول الإنسان: أنا ما لي علاقة بأحد كيف يتصور مني الظلم؟ يتصور منك الظلم أمرت بالعدل والإنصاف، والأمة أمة عدل وإنصاف، وأمة وسط، خيار عدول يشهدون على الناس؛ لكن لا بد من العدل والإنصاف، وهذا على مستوى الأفراد والجماعات، ليس من العدل أن تسأل عن شخص هفوته يسيرة فتجعل هذه الهفوة من العظائم أو العكس لا بد من العدل والإنصاف، ولا يجوز لك وأنت بصدد راوٍ من الرواة ضعفه يسير تجعله شديد أو العكس، وقل مثل هذا في جميع التصرفات، فالعدل لا بد منه، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [(٥٨) سورة النساء] ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [(٩٠) سورة النحل] فإذا كان الظلم ظلمات والإنسان بحاجة إلى النور في تلك المضائق، ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ [(١٢) سورة الحديد] بسبب العدل؛ لأن المقسطين على منابر من نور بسبب الالتزام بالعدل الأكبر وهو التوحيد، تحقيق التوحيد ونفي الشرك وما يوصل إلى الشرك من وسائل، والظلم هو التعدي على النفس، يعني لو تعدى الإنسان على نفسه بقطع أنملة من أنامله، أو إصبع من أصابعه ظلم نفسه، وكذا إذا تعدى على غيره في دمه وماله وعرضه هذا ظلم، فليحذر الإنسان من أن يتخبط في الظلمات يوم القيامة، وهو لا يشعر، بسبب الظلم ونحن مأمورون بالعدل حتى بين من بيننا وبينهم عداوة، ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [(٨) سورة المائدة] يعني لا يحملكم بغض قوم على أن لا تعدلوا بينهم، لا بد من العدل، والله المستعان.

стр. 105

أيضاً من الظلم وهو ظاهر في أوساط المسلمين مع الأسف الشديد ظلم بعض الناس لأولادهم، وعدم معاملتهم بالعدل، ظلم بعض الناس لزوجاتهم، وهذا أيضاً مع الأسف الشديد موجود بين المسلمين؛ لكن على المسلم أن يتقي الظلم؛ لأن شأنه عظيم وعاقبته وخيمة. الحديث التاسع عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)) [متفق عليه]. يقول النبي ﵊ في هذا الحديث العظيم والميزان الدقيق: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم)) يعني في أمور الدنيا، ((ولا تنظروا إلى من فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)) النظر في أمور الدنيا ينبغي أن تنظر إلى من هو دونك؛ لأن الدنيا ليست بهدف، فإذا نظرت إلى من هو دونك دعاك هذا إلى شكر ما أنت فيه من نعمة، بخلاف ما لو نظرت إلى من هو فوقك، يعني لو سألت موظف راتبه ألف ريال، موظف صغير وعنده أسرة وقلت له: أحمد ربك أنت في نعمة، يقول: يا أخي الناس يتقاضون على عشرة آلاف وعشرين ألف، وأنا. . . . . . . . .، نظر إلى فوقه هذا يبي يشكر ذا؟ هذا يزدري نعمة الله عليه، لكن لو نظر إلى أناس يتمنون شرب قطرة من الماء، الحمد لله في نعمة، وفي رغد ما فيه أحد، إذا نظر إلى من هو دونه دعاه ذلك إلى شكر الله ، وعدم ازدراء النعمة، لكن لو نظر إلى من هو فوقه الأمور لا تنتهي، يعني هب أنك نظرت إلى من هو فوقك قليلاً، ثم نظرت إلى من فوقه ومن فوقه ما تنتهي الدنيا هذه، بينما لو نظرت إلى من هم دونك حتماً سوف تشكر نعمة الله عليك ولا تزدري ما أعطاك، والمسلم يتقلب بنعم، بنعم لا يقدر قدرها، لو لم يكن في ذلك إلا الإسلام.

стр. 106

ذكر ابن القيم في بعض كتبه أن مسلماً أسره الكفار فكتب هذا الأسير إلى صاحبٍ له يتشكى ويتظلم، قال: أنا أسير عند الكفار، وأنا أريد منك كذا .... قال: أشكر ربك، هذا الأسير قيّد وصفّد بالقيود، كتب إلى صاحبه قيدت وأوذيت، فقال: أشكر ربك، طيب، عمل بهذه النصيحة وشكر، سُلسل معه وقيد معه شخص آخر في قيده شخص مبطون، يحتاج إلى قضاء الحاجة باستمرار، ولا يستطيع أن ينتقل إلى مكان قضاء الحاجة، فأرسل إلى صاحبه: قيد معي واحد آذاني برائحته، وبما يخرج منه، قال له: أشكر ربك، أرسل له هذا المقيد قال: علام أشكر؟ وش أشد من وضعٍ أنا فيه؟ قال: أشكر ربك على أنك لست مثلهم، يعني لو مت الآن ومآلك إلى النار مثلهم أبد الآبدين، هذه ما هي نعمة ذي؟ فاعترف بالنعمة، وشكر ربه من قلبه، فانفك القيد تلقائياً، وخرج من الأسر، ما يشعر الإنسان أنه يتقلب في نعم، حتى الناس الذين ابتلاهم الله -جل وعلا-، إما بفقر أو بأمراض لو بحثوا على وجه الأرض وجدوا من أقاربهم وممن حولهم من هم أشد منهم، يعني لو نظرت إلى مثلاً لا تملك شيء ومدين بأموال عندك نعم أخرى، عندك نعمة الدين التي لا يعدلها نعمة، عندك نعمة الصحة، نعم تتقلب فيها لا تكاد .... ، نعمة البصر، نعمة السمع، لو الإنسان يفني عمره بشكر هذه النعم ما وفاها حقها، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [(١٨) سورة النحل] المريض الذي يتقلب إذا تذكر أن هذا المرض قد يكون خيراً له في دنيه ودنياه، قد يكون الله -جل وعلا- صرف عنه ما هو أعظم من هذا المرض، لو تصورنا هذا الأمور وشكرنا الله -جل وعلا-، وإذا نظرنا إلى من هو دوننا دعانا ذلك إلى شكر الله -جل وعلا- بحيث لا نزدري نعمة الله علينا، الشخص الذي يسكن في بيت صغير وليس بجميل، ينقصه بعض الأمور، يا أخي انظر إلى أناس يسكنون في صنادق، وش وضعهم بالصيف هؤلاء والشتاء؟ وصاحب الصندقة ينظر إلى ناسٍ ما عندهم صندقة يسكنون على الأرصفة، عوائل في البلدان الأخرى تسكن على الأرصفة؛ لكن هذا الميزان في أمور الدنيا، أما في أمور الآخرة فالذي ينبغي العكس تنظر إلى من هو فوقك، تقول: أنا -ولله الحمد- منّ الله علي أقرأ القرآن في كل شهر، يا أخي انظر إلى

стр. 107

من يقرأ القرآن في كل أسبوع، بحيث تزداد من العمل الصالح، إذا نظرت إلى من هو فوقك، القدوات، وإمامهم وسيدهم محمد ﵊، قام من الليل حتى تفطرت قدماه، تنظر في أمور الدين والعبادات إلى من هو فوقك في البذل والإحسان إلى من هو فوقك، ما تقول: والله أنا الحمد لله أنا لو نظرت إلى نفسي ونظرت زملائي أنا أبرك منهم، وخير منهم ما ينفع هذا، يعني بعض العامة الذين سافروا إلى الأقطار، وذهبوا إلى بلاد الكفار مئات الملايين، بل ألوف الملايين كفار، يقول: إحنا بخير، نحن ما ننكر أننا بخير؛ لكن نحتاج إلى مزيد من هذا الخير، إذا نظرنا إلى الكفار ما عملنا، كما قال بعضهم الذين سافروا قالوا: والله أبداً ما لكم مكان في النار، النار تبي تمتلي من الصين والهند ويمين ويسار مليارات، لا يا أخي لا تنظر إلى هؤلاء، لا تنظر إلى من هلك كيف هلك؟ انظر إلى من نجا كيف نجا؟ عليك بخلاص نفسك، وليكن قدوتك وأسوتك من أمرت بالاقتداء به الائتساء به، فلتنظر إلى من هو همته فوق همتك في أمور الآخرة لتزداد من الأعمال الصالحة ولتحتقر عملك، ولا تعجب نفسك وعملك، ولتتواضع لربك، فهذه موازين شرعية، ينبغي أن تكون بين عيني المسلم، لا سيما طالب العلم، طالب العلم تسمو همته إلى أن يكون مثل شيخه فلان، طيب اطلع فوق شوف شيوخه؟ شوف علماء الإسلام؛ لأنه إذا نظر إلى شيخه ومستواه قال: الحمد لله نحن على الجادة، وعلى الطريقة والمسألة أيام ونصل -إن شاء الله-، لا يا أخي ضاعف من الجهد في العلم والعمل لكي تصل إلى ما تريد -إن شاء الله تعالى-. الحديث العشرون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) [متفق عليه].

стр. 108

الشيخ -رحمه الله تعالى- ينتقل في كتابه وينتقي من الأحاديث الجوامع في جميع أبواب الدين، فمن أبواب العقائد إلى أبواب الآداب إلى أبواب العبادات، يقول -رحمه الله تعالى-: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) [متفق عليه] الطهارة من الحدث شرط لصحة الصلاة، فلا يقبل دليل على الاشتراط، والمراد بنفي القبول هنا نفي الصحة، ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) ((لا يقبل الله صلاةً بغير طهور، ولا صدقةً من غلول)) المراد بنفي القبول هنا نفي الصحة، ويرد نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على الصحة، ففي مثل هذا: ((لا يقبل الله .. )) إذا صلى من غير طهارة صلاته مردودة وليست بصحيحة، ((لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلا بخمار)) نفي القبول ونفي الصحة، على هذا لو صلى من غير طهارة صلاته باطلة تلزمه الإعادة لماذا؟ لأنه أخل بشرطٍ من شروطها، ولو قدر أنه صلى ناسياً من غير طهارة تلزمه الإعادة؛ لأن الله لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ، بينما يأتي نفي القبول في بعض النصوص ويراد به نفي الثواب المرتب على العبادة، ((لا يقبل الله صلاة من في جوفه ... )) ((لا يقبل الله صلاة عبدٍ آبق)) الشروط كانت كلها متوافرة فهو في عرف الفقهاء صلاة صحيحة مجزئة مسقطة للطلب؛ لكن ليس فيها ثواب، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] فحصر القبول على المتقين، ومفهومه أن الفساق لا يتقبل الله منهم، لا يتقبل الله من الفساق، هل معنى هذا نفي للصحة؟ هل من صلى وهو فاسق نقول له: أعد صلاتك؟ من صام وهو فاسق يقال له: أعد صيامك؟ لا، المراد بنفي القبول هنا نفي الثواب المرتب على الصحة، طيب، هذا شخص صلى ثم تذكر أنه ليس على طهارة نسي، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا تلزمه الإعادة وإلا ما تلزم؟ تلزمه الإعادة؛ لأن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، تلزمه الإعادة وهو ناسي؟ نعم تلزمه الإعادة وهو ناسي، والقاعدة عن أهل العلم: أن النسيان ينزل الموجود منزلة المعدوم؛ لكنه لا ينزل المعدوم منزلة الموجود، فشخص صلى الظهر ناسياً خمس ركعات،

стр. 109

نقول: صلاته صحيحة؛ لأن النسيان ينزل هذه الركعة الزائدة لأنها موجودة بمنزلة المعدود، ولا شيء عليه، صلاتك صحيحة إن ذكرت وأنت في الصلاة أو قريب منها تسجد للسهو وإلا ما عليك شيء إذا طالت المدة، وهنا نقول: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا؛ لكن النسيان لا ينزل المعدوم منزلة الموجود، فمن صلى الظهر ثلاث ركعات، يقول: أنا والله نسيت، والله يقول: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا، نقول: لا، لا بد أن تأتي بركعةٍ رابعة، وإن طال الفصل لا بد من إعادة الفصل، لكنك وإن نسيت إلا أن المعدوم لا يمكن أن ينزل منزلة الموجود بسبب النسيان، وهذه قاعدة مضطردة عند أهل العلم، ومن صلى ناسياً الحدث عليه أن يعيد؛ لكن صلى وعلى بدنه نجاسة ناسياً متطهر الحدث مرتفع؛ لكن على بدنه نجاسة ناسياً صلاته صحيحة؛ لأن هذا موجود نزله منزلة المعدوم، والنبي ﵊ لما أخبر أن في نعله قذر ما أعاد الصلاة، خلع النعل وانتهى، ولو لم يعلم إلا بعد فراغه من الصلاة ما يلزمه الإعادة، فالطهارة من الحدث هو يشمل الأكبر والأصغر الموجب للغسل والموجب للوضوء أمر لا بد منه شرط من شروط الصلاة، ((لا يقبل الله صلاةً بغير طهور ولا صدقةً من غلول)) والحديث في صحيح مسلم من حديث ابن عمر لما زار ابن عامر فقال له: انصحني أو عضني أو ادع لي، قال: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقةً من غلول)) وكنت على البصرة، كيف كنت على البصرة؟ يعني كان أمير على البصرة، والولايات مظنة لأن يدخل على الإنسان بعض الشيء بقصدٍ أو بغير قصد، فمثل هذا ينبغي أن يحتاط له، والله المستعان. الحديث الحادي والعشرون: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء، يعني الاستنجاء)) قال الراوي: "ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة " [رواه مسلم].

стр. 110

في هذا الحديث يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((عشر من الفطرة)) الفطرة التي فطر الله الناس عليها، هي الخلقة، أصل الخلقة التي خلق الله عباده عليها، وجبلهم عليها، ومنهم من يقول: الدين؛ لأن الله -جل وعلا- فطرهم على الدين، ما من مولود إلا يولد على الفطرة، يعني على الملة وعلى الدين، لكن المؤثرات بعد الولادة تجتاله عن هذا الدين وعن هذه الفطرة، عشر من الفطرة، يعني عشر خصال من الفطرة، قص الشارب، وإعفاء اللحية التي هي من سمة الرجال، وقد أمرنا بإعفاء الشوارب، وإعفاء اللحى، فلا يليق بالمسلم أن يرسل شاربه؛ لأنه يجتمع فيه أوساخ وأقذار، ويقع فيما يشرب، وفيما يؤكل، وينزل من الأنف أشياء، فهو واسطة بين الأنف وبين الفم، فينبغي أن ينظف، وكذلك إعفاء اللحية، وقد جاءت الأوامر الشرعية بإعفائها وإكرامها، وجاء في وصف النبي ﵊ أنه كان كث اللحية، وتعرف قراءته من خلفه باضطراب لحيته، وهذا هو الثابت المرفوع عنه ﵊، وجاء عن بعض الصحابة كابن عمر أنهم يأخذون من اللحية ما زاد على القبضة، لا سيما في النسك، ابن عمر ﵁ ثبت عنه أنه كان يأخذ منه ما زاد على القبضة، ويتأول قوله -جل وعلا-: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [(٢٧) سورة الفتح] يعني في آنٍ واحد، فالواو عنده هذه للجمع وليست للتقسيم، يعني ما هو محلقين بعضكم محلق وبعضكم مقصر، ليست للتقسيم ولا للتنويع، إنما هي للجمع، هذا فهمه ﵁، فإذا كان الرأس بيحلق إيش يبقى؟ إيش يقصر لو حلق الرأس؟ لا بد يقصر اللحية، هذا فهمه -رضي الله تعالى عنه-، والذي عندنا في الباب من النصوص المرفوعة هو إعفاء اللحية، وتوفير اللحية، وإكرام اللحية، ولا تقابل مثل هذه النصوص بما نقل عن أي شخص كائناً من كان؛ لأن الموقوف لا يقابل المرفوع أبداً، وما استمرئ الناس حلق اللحى حتى تساهلوا في القص، والقص ما له نهاية، وليتهم اقتصروا على القبضة، إنما المسألة خطوات، إذا دخل المقص دخل الموس، تجدون علماء كبار فحول في الأقطار تساهلوا في هذا الأمر، وقصوا ما زاد على
следующие страницы →