← Тафсир

Тафсир · id 21821

التفسير الوسيط للواحدي

الواحدي

Полный текст (2 298 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

العباس عن اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢] . فقال: هي لام كي، معناها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع، حسن معنى كي، وغلط من قال: ليس الفتح سبب المغفرة، ولكن المعنى: ليجمع لك مع المغفرة تمام النعمة. وقوله: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] قال ابن عباس: ما تقدم ما كان عليك من إثم الجاهلية، وما تأخر مما يكون. وهذا على طريقة من جوز الصغائر على الأنبياء ﵈، وقال سفيان الثوري: ما تقدم مما عملت في الجاهلية، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ما لم تعمله. ويذكر هذا على طريقة التأكيد كما يقال: أعطى من رآه ومن لم يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه. ٨٥٠ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ الْبَزَّارُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ ، أَنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا وقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] قال ابن عباس: في الجنة. وروي عنه أي: بالنبوة والمغفرة، والمعنى: ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة، والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام. وينصرك الله على عدوك، نصرًا عزيزًا إذا عز لا يقع معه ذل.

стр. 1857

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٤﴾ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٥﴾ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿٦﴾ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٧﴾ ﴾ [الفتح: ٤-٧] . ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] الطمأنينة والوقار، لئلا تنزعج نفوسهم بما يرد عليهم، وذلك لأنهم يجدون برد اليقين في قلوبهم، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وهو أنهم كلما أمروا بشيء من الشرائع والفرائض، كالصلاة، والصيام، والصدقة صدقوا به، فازدادوا تصديقًا، وذلك السكينة التي أنزلها الله في قلوبهم، وقال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها، ازدادوا تصديقًا، وذلك بالسكينة إلى تصديقهم. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح: ٤] قال ابن عباس: يعني: الملائكة، والجن، والإنس، والشياطين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٤] بما في قلوب عباده، حكيمًا في حكمه وتدبيره. ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥] . ٨٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١-٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَنِيئًا لَكَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، فَمَا لَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥] وقوله: وكان ذلك أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة، وتكفير سيئاتهم، عند الله في حكمه، فوزًا عظيمًا لهم، أي: حكم لهم بالفوز، فلذلك

стр. 1858

وعدهم إدخال الجنة. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الفتح: ٦] من أهل المدينة، والمشركين والمشركات من أهل مكة، أي: بأيدي المؤمنين، لأن نصرة الرسول والفتح عليه يقتضي ذلك، ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] هو أنهم ظنوا أن محمدا ﷺ لا ينصر، ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] أي: العذاب والهلاك يقع بهم، وقد تقدم الكلام في هذا. قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٨﴾ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ﴿٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٠﴾ ﴾ [الفتح: ٨-١٠] . ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الفتح: ٨] على أمتك بتبليغ الرسالة، ومبشرًا بالجنة للمطيعين، ونذيرًا لأهل المعصية. ليؤمنوا بالله يعني: من آمن به وصدقه، ومن قرأ بالتاء فمعناه: قل لهم: لتؤمنوا به، وتعزروه وتعينوه، وتنصروه بالسيف واللسان، وتوقروه تعظموه وتبجلوه، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الفتح: ٩] تصلوا لله بالغداة والعشي، وكثير من القراء اختاروا الوقف على: وتوقروه لاختلاف الكناية فيه، وفيما بعده. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ [الفتح: ١٠] يعني: بيعة الرضوان بالحديبية، بايعوا النبي ﷺ على ألا يفروا ويقاتلوا، ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، والعقد كان مع النبي ﷺ ، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] نعمة الله في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، أي: إحسان الله إليهم بأن هداهم للإيمان، أبلغ وأتم من إحسانهم إليك بالنصرة والبيعة. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم. أي: ثق بنصرة الله لك، لا بنصرتهم وإن بايعوك، فمن نكث نقض ما عقد من البيعة، ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] يرجع ضرر ذلك النقض عليه، قال ابن عباس: وليس له الجنة، ولا كرامة. ومن أوفى ثبت على الوفاء، ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] من البيعة، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] يعني: الجنة فما فوقها. قوله:

стр. 1859

﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١١﴾ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴿١٢﴾ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ﴿١٣﴾ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١٤﴾ ﴾ [الفتح: ١١-١٤] . ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ [الفتح: ١١] وهم: الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية: شغلتنا عن الخروج معك، أموالنا وأهلونا يعني: النساء والذراري، أي: لم يكن لنا من يخلفنا فيهم، فاستغفر لنا تخلفنا عنك، ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] أي: من أمر الاستغفار، لا يبالون استغفر لهم النبي أم لا، ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] قال ابن عباس: فمن يمنعكم من عذاب الله. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ [الفتح: ١١] يعني: سوءا، وقرئ بضم الضاد وهو سوء الحال، ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح: ١١] يعني: الغنيمة، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي ﷺ يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم الله أنه إن أراد بهم شيئًا، لم يقدر أحد على دفعه عنهم، ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١] كان عالمًا بما كنتم تعملون في تخلفكم. ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢] ظننتم أنهم لا يرجعون إلى من خلفوا بالمدينة من الأهل والأولاد، لأن العدو يستأصلهم، ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الفتح: ١٢] زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، قال قتادة: ظنوا بنبي الله، وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم. وهو قوله ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] هلكى، لا تصلحون لخير، قال الزجاج: هالكين عند الله. وقد تقدم تفسيره. وما بعد هذا ظاهر، إلى قوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا

стр. 1860

قَلِيلا ﴿١٥﴾ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٦﴾ ﴾ [الفتح: ١٥-١٦] سيقول المخلفون يعني: هؤلاء، إذا انطلقتم سرتم، وذهبتم أيها المؤمنون، ﴿إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ [الفتح: ١٥] يعني: غنائم خيبر، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية بالصلح، وعدهم الله فتح خيبر، وخص بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها، قال هؤلاء المخلفون: ذرونا نتبعكم قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] وقرئ كلم الله وهو جمع قلة، قال ابن عباس: يريدون مواعيد الله لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة. وقال مقاتل: يعني: أمر الله لنبيه ﷺ ألا يسير معه منهم أحد. ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] أي: قال الله بالحديبية قبل خيبر مرجعنا إليكم، إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح: ١٥] يمنعكم الحسد أن نصيب معكم الغنائم، فقال الله: ﴿بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ [الفتح: ١٥] لا يعلمون عن الله ما لهم، وما عليهم من الدين، إلا قليلًا يسيرًا منهم، وهو من صدق الله والرسول، ولم ينافق. ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] أكثر المفسرين: على أن هؤلاء بنو حنيفة أتباع مسيلمة، وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية، ولا نعلم من هم، فلما دعا أبو بكر الصديق، ﵁، إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم. وقال ابن جريج: سيدعوكم عمر، ﵁، إلى قتال فارس. ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] أو يكون منهم الإسلام، فإن تطيعوا أبا بكر، وعمر ﵄، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] يعني: الجنة، وإن تتولوا تعرضوا عن طاعتهما، ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٦] أعرضتم عن طاعة محمد ﷺ في المسير إلى الحديبية، يعذبكم في الآخرة، عذابًا أليمًا والآية تدل على خلافة الشيخين ﵄ لأن الله تعالى وعد على طاعتهما الجنة، وعلى مخالفتهما العذاب الأليم.

стр. 1861

﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧] . ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧] قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة، الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية. ثم ذكر الذين أخلصوا نيتهم لله، وشهدوا بيعة الرضوان، فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿١٨﴾ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٩﴾ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٢٠﴾ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴿٢١﴾ ﴾ [الفتح: ١٨-٢١] . ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] يعني: بيعة الحديبية، وهي تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية، قال عطاء، عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية، وقفت ناقته، فزجرها، فلم تنزجر وبركت، فقال أصحابه: خلأت الناقة. فقال رسول الله ﷺ : «ما هذا لها بعادة، ولكن حبسها حابس الفيل» . ودعا عمر بن الخطاب ﵁، ليرسله إلى أهل مكة، ليأذنوا له بأن يدخل مكة، ويحل من عمرته، وينحر هديه، فقال: يا رسول الله، ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشًا على نفسي، ولقد علمت قريش شدة عداوتي

стр. 1862

إياها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان. قال: «صدقت» . فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁، فأرسله، فجاء الشيطان، وصاح في عسكر رسول الله ﷺ بأن أهل مكة قتلوا عثمان بن عفان، فقام رسول الله ﷺ إلى الشجرة فاستند إليها، وبايع الناس على قتال أهل مكة، قال عبد الله بن أبي أوفي: كنا يومئذ ألف وثلاث مائة. وقال جابر: كنا ألف وأربع مائة. وقال البراء: كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ وتمضمض، ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنا أصدرنا، فأنشأنا نشرب نحن وركابنا. وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] أي: من الصدق والوفاء، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] يعني: فتح خيبر. ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ١٩] من أموال يهود خيبر، وكانت ذات عقار وأموال، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١٩] غالبًا، حكيمًا في أمره: حكم لكم بالغنيمة، ولأهل خيبر بالسبي والهزيمة. ثم ذكر سائر المغانم التي يأخذونها فيما يأتي من الزمان، فقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] قال مقاتل: مع النبي ﷺ ، ومن بعده إلى يوم القيامة. ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] يعني: غنيمة خيبر، ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠] وذلك أن النبي ﷺ لما قصد خيبر، وحاصر أهلها، قبائل من أسد، وغطفان، أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله تعالى أيديهم، بإلقاء الرعب في قلوبهم، ولتكون الغنيمة التي عجلها الله لكم، آية للمؤمنين على صدقك، حيث وعدتهم أن يصيبوها، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠] يزيدكم هدى، بالتصديق لمحمد ﷺ ولما جاء به، مما

стр. 1863

ترون من عدة الله في القرآن بالفتح والغنيمة. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد فارس والروم، وما كانت العرب تقدر على القتال فارس والروم، وفتح مدائنهم. بل كانوا خولًا لهم حتى قدروا عليها بالإسلام، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١] جعلها لكم، وحواها لكم، قال الفراء: أحاط الله بها لكم حتى يفتحها عليكم، كأنه قال: حفظها لكم، ومنعها عن غيركم، حتى تفتحوها فتأخذوها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الفتح: ٢١] من فتح القرى، وغير ذلك، قديرًا. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴿٢٢﴾ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴿٢٣﴾ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٢٤﴾ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٢٥﴾ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٢٦﴾ ﴾ [الفتح: ٢٢-٢٦] . ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٢] يعني: أسدًا وغطفان، الذين أرادوا نهب ذراري المسلمين، لولوا الأدبار لانهزموا عنكم، لأن الله تعالى ينصركم عليهم، ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢] قال ابن عباس: من تولى غير الله، خذله الله ولم ينصره. ثم ذكر أن سنة الله النصرة لأوليائه، فقال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣] قال ابن عباس: يريد هذه سنتي في أهل طاعتي، وأهل معصيتي: أنصر أوليائي، وأخذل أعدائي. ثم ذكر منته بالمحاجزة بين الفريقين، بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وذلك أن المشركين جاءوا يصدون رسول الله ﷺ عن البيت عام الحديبية.

стр. 1864

٨٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْدَلانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَيِّعُ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِلالٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِمُ السِّلاحُ فَثَارُوا فِي وُجُوهِنَا، فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَ اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ، فَقُمْنَا إِلَيْهِمْ فَأَخَذْنَاهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ جِئْتُمْ فِي عَهْدٍ، أَوْ هَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا؟ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤] . ٨٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا فَاسْتَحْيَاهُمْ

стр. 1865

وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ مِنَّتَهُ بِحَجْزِهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى لَمْ يَقْتَتِلا، وَحَتَّى اتَّفَقَ بَيْنَهُمُ الصُّلْحُ الَّذِي كَانَ أَعْظَمَ مِنَ الْفَتْحِ ثم ذكر سبب منعه رسول الله ﷺ ذلك العام دخول مكة، فقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥] يعني: كفار مكة، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] أن تطوفوا به، وتحلوا من عمرتكم، والهدي وصدوا الهدي، وهي: البُدْن التي ساقها رسول الله ﷺ معه، وكانت سبعين بدنة، معكوفًا محبوسًا، يقال: عكفته عن كذا عكفًا، أي: حبسته فعكف عكوفًا، كما يقال: رجعته رجعًا، فرجع رجوعًا، ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] منحره، وهو حيث تحل نحره يعني: الحرم، ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] يعني: المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين الكفار، لم تعلموهم لم تعرفوهم، أن تطئوهم بالقتل وتوقعوا بهم، قال الزجاج: المعنى: لولا أن تطئوا رجالًا مؤمنين، ونساء مؤمنات. ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ [الفتح: ٢٥] إثم، وجناية بغير علم، وذلك: أنهم لو كبسوا مكة وفيها قوم مؤمنون، لم يتميزوا من الكفار، لم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة، وتلحقهم سبة بأنهم قتلوا من هو على دينهم، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها، وقوله: بغير علم موضعه التقديم، لأن التقدير: لولا أن تطئوهم بغير علم، ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح: ٢٥] اللام متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الكلام على تقدير: حال بينكم وبينهم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، يعني: من أسلم من الكفار بعد الصلح، لو تزيلوا لو تميزوا، يعني: المؤمنين من الكفار، ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] يعني: بالقتل، والسبي بأيديكم. ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ [الفتح: ٢٦] وهي الأنفة والإنكار، يقال: فلان ذو حمية منكرة، إذا كان ذا غضب وأنفة، قال المقاتلان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا، ويدخلون علينا في منازلنا، فتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا رغم أنفنا! واللات والعزى لا يدخلونها عليها. فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 1866

سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] حتى لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية، فيعصوا الله في قتالهم، وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] وهي: لا إله إلا الله، الكلمة التي ينفى بها الشرك. ٨٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، أنا مُحَمَّد بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، نا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، نا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. ٨٥٥ - أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن حمدان، أنا أحمد بن جعفر القطيعي، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حَدَّثَنِي أبي، نا عبد الوهاب الخفاف، نا شعبة، عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن حمدان بن أبان، عن عثمان بن عفان ﵁، قَالَ: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ ، يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه إلا حرم على النار» فَقَالَ عمر بن الخطاب ﵁: أنا أحدثك مَا هِيَ، هِيَ كلمة الإخلاص التي ألزمها الله تَعَالَى محمدًا وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي ألاص عليه نبي الله ﷺ عمه أبو طالب عند الموت، شهادة أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ [الفتح: ٢٦] من كفار مكة، وكانوا أهلها في علم الله، لأن الله تعالى اختار لنبيه ﷺ ، ولدينه أهل الخير، ومن هم أولى بالهداية من غيرهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦] من أمر الكفار وما يستحقونه، وأمر المؤمنين وما يستحقونه. قوله:

стр. 1867

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿٢٧﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴿٢٨﴾ ﴾ [الفتح: ٢٧-٢٨] . ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] قال المفسرون: إن الله تعالى أرى نبيه ﷺ في المنام، بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية، كأنه وأصحابه حلقوا، وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا، وحسبوا أنهم دخلوا مكة عامهم ذلك، وقالوا: إن رؤيا النبي ﷺ حق. فلما انصرفوا، ولم يدخلوا مكة، قال المنافقون: والله ما حلقنا، ولا قصرنا، ولا دخلنا المسجد الحرام. فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر أنه أرى رسوله الصدق في منامه لا الباطل، وأنهم يدخلونه، فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] يعني: العام المقبل، ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] قال أبو عبيدة: إن بمعنى: إذ، يعني: إذ شاء الله حيث أرى رسوله ذلك. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: استثنى الله فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. يعني: أنه تعالى علم أنهم يدخلونه، ولكنه استثنى على ما أمر به في قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] ، وقوله: آمنين أي: من العدو، محلقين رءوسكم يقال: حلق رأسه، وحلقه بمعنى، ومقصرين أي: من الشعر، يقال: قصر شعره: إذا جزه من طوله، وهذا يدل على أن المحرم بالخيار عند التحلل من الإحرام، إن شاء حلق، وإن شاء قصر، لا تخافون أي: غير خائفين عدوا من المشركين، ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الفتح: ٢٧] علم الله ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح، ولم تعلموا أنتم، وهو خروج المؤمنين من بيتهم، والصلح المبارك موقعة، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ [الفتح: ٢٧] من قبل الدخول، فتحًا قريبًا يعني: فتح خيبر، في قول عطاء، ومقاتل. وفي قول الآخرين يعني: صلح الحديبية. قوله: ﴿هُوَ

стр. 1868

الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [الفتح: ٢٨] مفسر في ﴿ [براءة،] وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [سورة الفتح: ٢٨] أي: على ما أرسل. قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] . ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] قال ابن عباس: شهد له بالرسالة. والذين معه قال: يعني: أهل الحديبية. وقال مقاتل: والذين آمنوا معه من المؤمنين. ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] غلاظ عليهم، كالأسد على فريسته، رحماء بينهم متوادون ببعضهم لبعض، كالولد لوالده، والعبد لسيده، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] ، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] إخبار عن كثرة صلاتهم، ومداومتهم عليها، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] يعني: الجنة، ورضا الله، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] لكثرة صلاتهم بالليل، يتبين في وجوههم أثر السهر، قال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفرًا. وقال عطية: مواضع السجود أشد وجوههم بياضًا يوم القيامة. وهذا قول الزهري، وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع. وهو قول ابن عباس، في رواية الوالبي، قال: الهدى والسمت الحسن. المعنى: أن السجود أورثهم ذلك الخشوع، والسمت الحسن الذي يعرفون به، وقال عكرمة: هو التراب على الجباه. قال أبو العالية: لأنهم يسجدون على الترب، لا على الأثواب. ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩] يعني: ما ذكر من وصفهم هو ما وصفوا به في التوراة أيضًا، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل، فقال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: فراخه، وجمعه أشطاء، يقال: أشطأ الزرع إذا فرخ، والشطأ والشطأ لغتان، كالنهر والنهر، فآزره ستره، وأعانه، وقواه، قال المبرد: يعني: أن هذه الأفرخ لحقت الأمهات حتى صارت مثلها.

стр. 1869

وقرأ ابن عامر: فأزره مقصورًا، قال الفراء: أزرت فلانًا آزره، إذا قويته. فاستغلظ أي: غلظ ذلك الزرع، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] قام على قصبه وأصوله، فأعجب ذلك زراعه، وهو قوله: يعجب الزراع وهذا مثل ضربه الله تعالى لمحمد ﷺ وأصحابه، فالزرع محمد، والشطأ أصحابه، والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة كما كان أول الزرع دقيقًا، ثم غلظ وقوي، وتلاحق، كذلك المؤمنون قوي بعضهم بعضًا، حتى استغلظوا، واستووا على أمرهم، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: إنما كثرهم وقواهم، ليكونوا غيظًا للكافرين. ٨٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخُ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، نا رسته، نا أَبُو غَزْوَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَذَكَرُوا رَجُلًا يَنْتَقِصُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ، وَفِي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ أَصَابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] قال الزجاج: منهم تخليص للجنس، وليس يريد بعضهم، لأنهم كلهم مؤمنون. ﴿مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] يعني: الجنة.

стр. 1870

تفسير سورة الحجرات وهي ثماني عشرة آية، مدنية. ٨٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْلِدِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ بْنِ خَالِدٍ، نا هِلالُ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَهِ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحْبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَأَعْطَانِي الْمِئِينَ. . . . . . . . . .

стр. 1871

مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَأْعَطَانِي مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَثَانِيَ، وَفَضَّلَنِي رَبِّي بِالْمُفَصَّلِ» ٨٥٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَدْلُ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَكَأَنَّمَا كَانَ مَعَ مَنْ شَهِدَ مَعَ مُحَمَّدٍ فَتْحَ مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَاهُ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿٢﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٣﴾ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥﴾ ﴾ [الحجرات: ١-٥] . ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قدم ههنا بمعنى: تقدم، وهو لازم، يدل عليه قراءة الضحاك لا تَقْدَموا بفتح التاء والدال، قال أبو عبيدة: العرب

стр. 1872

تقول: لا تقدم بين يدي الإمام، وبين يدي الأب. أي: لا تعجل بالأمر والنهي دونه. ومعنى بين اليدين ههنا: الأمام والقدام، وذلك راجع إلى قدام الأمر والنهي، لأن المعنى: لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين اليدين عبارة عن الأمام، لأن ما بين يدي الإنسان أمامه، ومعنى الآية: لا تقطعوا أمرًا دون الله ورسوله، أي: ولا تعجلوا به، قال جابر: نزلت في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة. وقالت عائشة ﵂: نزلت في النهي عن صوم يوم الشك. ٨٥٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ، نا أَبِي، نا النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ التَّمِيمِيُّ، عَنْ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حبال بْنِ رُفَيْدَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَالَتْ: لا تَصُومُوا قَبْلَ أَنْ يَصُومَ نَبِيُّكُمْ ﷺ واتقوا لله في تضييع حقه، ومخالفة أمره، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [الحجرات: ١] لأقوالكم، عليم بأفعالكم. قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قال أنس: لما نزلت هذه الآية، قال ثابت بن قيس الأنصاري: أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله ﷺ ، وأجهر له بالقول، حبط عملي، وأنا من أهل النار. وكان ثابت رفيع الصوت، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال:

стр. 1873

«هو من أهل الجنة» . ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] قال الزجاج: أمرهم الله تعالى بتبجيل نبيه ﷺ ، وأن يغضوا أصواتهم، وأن يخاطبوه بالسكينة والوقار. ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] أي: لئلا تحبط، أو مخافة أن تحبط أعمالكم، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] لا تعلمون به، وهذا يدل على أنه يجب أن يعظم النبي ﷺ غاية التعظيم، فقد يأتي الإنسان الشيء اليسير في بابه، فيكون ذلك محبطًا لعمله، مهلكًا إياه وهو لا يعلم ذلك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٣] قال عطاء، عن ابن عباس: لما نزل قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] تألى أبو بكر ﵁، أن لا يكلم رسول الله ﷺ ، إلا كأخي السرار، فأنزل الله تعالى في أبي بكر هذه الآية. ٨٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقُرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، نا حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ، نا مُخَارِقٌ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣] الآية آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لا أُكَلِّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلا كَأَخِي السِّرَارِ وقال ابن الزبير: ما حدث عمر النبي ﷺ بعد قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] فيسمع النبي ﷺ كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣] والغض: النقص من كل شيء. ذكرنا عند قوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] قال الفراء: أخلص قلوبهم للتقوى، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبثه. وعلى هذا تقدير الكلام: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣] فأخلصها للتقوى، فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه، ولهذا قال مقاتل، ومجاهد، وقتادة: أخلص الله قلوبهم. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] هم الجفاة من

стр. 1874

بني تميم، قدموا على النبي ﷺ لفداء ذراري لهم سبيت، فنادوا: يا محمد اخرج إلينا. وقد كان النبي ﷺ قد نام للقابلة، فتأذى بأصواتهم، ولم يعلموا في أي حجرة هو، فكانوا يطوفون على الحجرات، وينادونه، ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وصفهم الله بالجهل، وقلة الصبر، وقلة العقل، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] . قال مقاتل: يعني بالخير: أنهم لو صبروا، لخلى سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه، أعتق نصف ذراريهم، وفادى نصفهم. يقول الله تعالى: ولو صبروا، لكنت تعتق كلهم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] لمن تاب منهم. قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿٦﴾ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴿٧﴾ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٨﴾ ﴾ [الحجرات: ٦-٨] . ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] نزلت في الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله ﷺ مصدقًا إلى بني المصطلق، فلما سمعوا به، اجتمعوا ليتلقوه، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية، ففرق الوليد، ورجع إلى النبي ﷺ ، وقال: إنهم قد منعوا الصدقة، وارتدوا. فنزلت فيه هذه الآية، قوله: فتبينوا ذكرنا القراءة فيه في ﴿ [النساء،] أَنْ تُصِيبُوا﴾ [سورة الحجرات: ٦] أي: لئلا تصيبوا، ﴿قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] بحالهم، وما هم عليه من الإسلام، والطاعة، ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾ [الحجرات: ٦] من إصابتهم بالخطأ، نادمين وذلك أن رسول الله ﷺ هم بالإيقاع بهم حتى نزلت هذه

стр. 1875

الآية. ثم وعظهم، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٧] معناه: اتقوا أن تكذبوا، أو تقولوا باطلًا، فإن الله تعالى يخبره، فتفتضحوا، ثم قال: لو يطيعكم أي: الرسول، ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الحجرات: ٧] مما تخبرونه فيه بالباطل، لعنتم أي: لوقعتم في عنت، وهو الإثم والهلاك، ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ [الحجرات: ٧] جعله أحب الأديان إليكم، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] حتى اخترتموه، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ [الحجرات: ٧] جعل الكفر تكرهونه، والفسوق قال ابن عباس: يريد الكذب. والعصيان جميع معاصي الله. ثم عاد إلى الخبر عنهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] هم المهتدون إلى محاسن الأمور. ثم بين أن جميع ذلك تفضل من الله تعالى، فقال: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٨] قال ابن عباس: يريد تفضلًا مني عليهم، ورحمة مني لهم. والله عليم بما في قلوبهم، حكيم فيهم بعلمه. قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٠﴾ ﴾ [الحجرات: ٩-١٠] . ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] . ٨٦١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ قال الحسن، وقتادة، والسدي: فأصلحوا بينهما

стр. 1876

بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه، لهما وعليهما. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح، ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ترجع إلى طاعة الله، والصلح الذي أمر الله به. ٨٦٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ شَاذَانَ، نا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا كَوْثَرُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ " هَلْ تَدْرِي كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ، فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلا يُقْسَمُ فَيْئُهَا " وأقسطوا أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما، وفي كل حكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] قال رسول الله ﷺ : «هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما ولوا» . ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] قال الزجاج: أعلم الله أن الدين يجمعهم، وأنهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] يعني: بين كل مسلمين تخاصما، وتقاتلا، ومعنى الآيتين يأتي على الجميع، لأن تأويله بين كل أخوين. ٨٦٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، نا أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا قُتَيْبَةُ، نا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَشْتُمُهُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ كِلاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ

стр. 1877

وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿١١﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴿١٢﴾ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٤﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿١٥﴾ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٦﴾ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٧﴾ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٨﴾ ﴾ [الحجرات: ١١-١٨] . ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] قال مقاتل: يقول: لا يستهزئ الرجل من أخيه، فيقول: إنك رديء المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك مما ينتقصه به، ولعله خير منه عند الله. وهو قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] ، وقوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أي: لا تعيبوا إخوانكم الذين هم كأنفسكم، كقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] التنابز: التفاعل من النبز، وهو مصدر والنبز الاسم، والألقاب: جمع اللقب، وهو اسم غير الاسم الذي سمي به الإنسان، قال المفسرون: هو أن يقول لأخيه المسلم: يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودي، يا نصراني. يدعوه بما كان عليه في الشرك، وقال عطاء: هو كل شيء أخرجت به أخاك عن الإسلام، كقوله: يا كلب، يا حمار، يا خنزير. ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] أي: بئس الاسم أن تقول له: يا يهودي، يا نصراني، وقد آمن، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ [الحجرات: ١١] من التنابز، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] . قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] قال الزجاج: هو أن تظن بأهل الخير سوءًا، فأما أهل السوء، والفسق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم. وقال المقاتلان: هو أن يظن بأخيه المسلم سوءًا، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظن،

стр. 1878

وأبداه أثم. وهو قوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] يعني: ما أعلنه مما ظن بأخيه المسلم، ولا تجسسوا التجسس: البحث عن عيوب المسلمين وعوراتهم، يقول: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه، حتى يطلع عليه إذا ستره الله. ٨٦٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، أنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، نا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أنا سُلَيْمُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَقَاطَعُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» وقوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، يقول: لا يتناول بعضكم بعضًا بظهر الغيب، بما يسوءه مما هو فيه، فإن تناوله بما ليس فيه، فهو بهت وبهتان. ٨٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو مَنْصُورِ بْنُ طَاهِرٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، قَالُوا جَمِيعًا: أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، نا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: " ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي أَخِيكَ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَلاءِ ٨٦٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ بِوَاسِطَ، نا أَبُو بَكْرٍ خَلِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، أنا جَدِّي تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو رَجَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغِيبَةَ، فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا» ،

стр. 1879

قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي ثُمَّ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهَا» . ٨٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّرَّكِيُّ، أنا أَبُو بَحْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَوْثَرٍ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ يَزْدَادَ الرَّاسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا اغْتَابَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ» ٨٦٨ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِمْلاءً، أنا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، نا جعديةُ بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِفَاسِقٍ غِيبَةٌ» ثم ضرب للغيبة مثلًا، فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] قال الزجاج: تأويله: إن ذكرك بسوء من لم يحضرك، بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك. قال مجاهد: لما قيل لهم: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] قالوا: لا. قيل: فكرهتموه أي: فكما كرهتم هذا، فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبًا. ويقال للمغتاب: فلان يأكل لحوم الناس. ٨٦٩ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، أنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: مَرَّ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى بَغْلٍ مَيِّتٍ، فَقَالَ: لَأَنْ يَأْكُلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذَا حَتَّى يَمْتَلِئَ جَوْفُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ. أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الخشاب، أنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، عن مروان بن سالم القرشي، نا

стр. 1880

مسعدة بن اليسع، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي: أن رجلًا اغتاب عنده رجلًا، قال: فأخبرني أنه رأى في المنام، كأن زنجيًا أتاه بطبق عليه جنب لحم خنزير لم أر لحمًا أنتن منه، فقال: كل. فقلت: آكل لحم خنزير! قال: فتهددني، وقال لي: كل. فأكلت، قال يزيد: فحلف لي أنه لم يزل شهرًا يجد نتن ذلك في فيه. واتقوا الله في الغيبة، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [الحجرات: ١٢] على من تاب، رحيم به. قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] يعني: آدم وحواء، أي: إنكم متساوون في النسب، لأن كلكم يرجع بالنسب إلى آدم وحواء، نزلت الآية في الزجر عن التفاخر بالأنساب. ٨٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّمَا أَنْتُمْ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ كَطَفِّ الصَّاعِ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلا بِالتَّقْوَى» ثم ذكر أنه إنما فرق بين أنساب الناس، ليتعارفوا، لا ليتفاخروا، فقال: وجعلناكم شعوبًا وهي جمع شعب، وهو الحي العظيم مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها، وهم كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا قول جماعة المفسرين، وروى عطاء، عن ابن عباس، قال: يريد بالشعوب الموالي، وبالقبائل العرب. وإلى هذا ذهب قوم، فقالوا: الشعوب من العجم، وهم من لا يعرف لهم أصل، ولا نسب كالهند، والجيل، والترك، والقبائل من العرب. وقوله: لتعارفوا أي:

стр. 1881

يعرف بعضكم بعضًا في قرب النسب وبعده، ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . ٨٧١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ جَدِّهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَمَرْتُكُمْ فَضَيَّعْتُمْ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكُمْ فِيهِ، وَرَفَعْتُمْ أَنْسَابَكُمْ فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي وَأُضَيِّعُ أَنْسَابَكُمْ، أَيْنَ الْمُتَّقُونَ أَيْنَ الْمُتَّقُونَ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] أخبرنا أبو الحسن محمد أحمد بن محمد بن الفضل، أنا أبو يعلي النسفي، أنا محمد بن يونس الكريمي، نا أبو عاصم، نا موسى بن عبيد، عن سعيد المقبري، قال: سأل رجل عيسى ابن مريم ﵇: أي الناس أفضل؟ فأخذ قبضتين من تراب، فقال: أي هاتين أفضل؟ الناس خلقوا من تراب، فأكرمهم عند الله أتقاهم. وقال قتادة: أكرم الكرم التقوى، وألأم واللؤم الفجور. وقال ﷺ : «من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله بقوله» . ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] نزلت في بني أسد، أتوا رسول الله ﷺ في سنة جدبة، وأظهروا الإسلام،

стр. 1882

ولم يكونوا مؤمنين في السر، إنما كانوا يطلبون الصدقة، والمعنى: أنهم يقولون: صدقنا ما جئت به. ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] لم تصدقوا، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] انقدنا واستسلمنا، مخافة القتل والسبي، ثم بين أن الإيمان محله القلب لا اللسان، بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . قال الزجاج: الإسلام إظهار الخضوع، وقبول ما أتى به النبي ﷺ ، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد، وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن. وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذًا من القتل. ٨٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، نا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْإِسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ» ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات: ١٤] قال ابن عباس: تخلصوا الإيمان. ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] وقرأ أبو عمرو لا يألتكم بالألف، من ألت يألت ألتا إذا نقص، ويقال أيضًا: لات يليت ليتا بهذا المعنى، قال ابن عباس، ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا. ثم نعت الصادقين في إيمانهم، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥] وذلك أن الجهاد مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 1883

وَسَلَّمَ كان فرضًا في ذلك الوقت، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] في إيمانهم، فلما نزلت الآيتان أتوا رسول الله ﷺ ، يحلفون أنهم مؤمنون صادقون. وعرف الله غير ذلك منهم، فأنزل: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٦] علم ههنا بمعنى: أعلم، لذلك أدخلت الباء في بدينكم، يقول: أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه؟ أي: أنه عالم بذلك، لا يحتاج إلى إخباركم به، وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحجرات: ١٦] الآية. وكان هؤلاء الأعراب يقولون لرسول الله ﷺ : جئناك بالعيال، والمال، والأنفال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان. يمنون عليه بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧] الآية، وهي ظاهرة إلى آخر السورة.

стр. 1884

تفسير سورة ق وهي أربعون وخمس آيات، مكية. ٨٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ق هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَارَاتِ الْمَوْتِ وَسَكَرَاتِهِ» بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴿١﴾ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٢﴾ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴿٣﴾ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴿٤﴾ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴿٥﴾ ﴾ [ق: ١-٥] . ق قال المفسرون: هو اسم جبل محيط بالدنيا، من زبرجد أو زمردة، والسماء مقببة عليه، وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة. وحكى الفراء، والزجاج: أن قومًا قالوا: معنى ق قضي الأمر ما هو كائن، كما قيل في حم: حم الأمر. والقرءان

стр. 1885

المجيد الكريم على الله، الكثير الخير. ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٢] مفسر في ﴿ [ص،] فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [سورة ق: ٢] معجب، عجبوا من كون محمد ﷺ رسولًا إليهم، فأنكروا رسالته، وأنكروا البعث بعد الموت، وهو قوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [ق: ٣] أي: أنبعث إذا متنا؟ ذلك رجع رد إلى الحياة، بعيد غير كائن، أي: يبعد عندنا أن نبعث بعد الموت. قال الله : ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤] أي: ما تأكل من لحومهم، ودمائهم، وأشعارهم، يعني: أن ذلك لم يعزب عن علمه، وأخبر أن عنده بذلك كتبًا، فقال: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] حافظ لعدتهم وأسمائهم، وهو اللوح المحفوظ، وقد أثبت فيه ما يكون. ثم أخبر بتكذيبهم، فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٥] بالقرآن، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] مختلط ملتبس، قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وذكر الزجاج معنى اختلاط أمرهم، فقال: هو أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ مرة: شاعر، ومرة: ساحر، ومرة: معلم. وللقرآن: إنه سحر، ومرة يقولون: إنه رجز , ومرة يقولون: مفترى. فكان أمرهم ملتبسًا، مختلطًا عليهم. ثم دلهم على قدرته على البعث بعظيم خلقه، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴿٦﴾ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٧﴾ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿٨﴾ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴿٩﴾ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴿١٠﴾ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴿١١﴾ ﴾ [ق: ٦-١١] . ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦] بغير عمد، وزيناها بالكواكب، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] فتوق، وشقوق، وصدوع. والأرض مددناها بسطناها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: ٧] جبالًا ثوابت، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] من كل لون حسن. تبصرة وذكرى قال الزجاج: أي: فعلنا ذلك لنبصر، ونذكر به. فهي تذكير لكل عبد منيب يرجع إلى الله، ويفكر في قدرته. ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] كثير الخير، وفيه حياة كل شيء، وهو المطر، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] يعني: ما يقتات به، ويحصد من الحبوب، وأراد نبت الحب الحصيد.

стр. 1886

والنخل باسقات طوالًا، يقال: بسقت النخلة بسوقًا إذا طالت، لها طلع وهو: أول ما يظهر من ثمر النخل قبل أن ينشق، نضيد منضود بعضه على بعض، وذلك قبل أن ينفتح وهو نضيد في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. رزقًا للعباد أي: أنبتنا هذه الأشياء للرزق، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] يعني: بالمطر أنبتنا الكلأ، كذلك الخروج من القبور، أي: كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم. ثم ذكر الأمم المكذبة، تخويفًا لكفار مكة، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿١٢﴾ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴿١٣﴾ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴿١٤﴾ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿١٥﴾ ﴾ [ق: ١٢-١٥] . ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ق: ١٢] إلى قوله: وقوم تبع وهو: تبع الحميري، الذي ذكر في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] ، كل من هؤلاء المذكورين: ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] أي: وجب عليهم عذابي، وحقت عليهم كلمة العذاب. ثم أنزل جوابًا لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣] : ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥] يعني: أعجزنا حين خلقناهم أولًا ولم يكونوا شيئًا؟ فكيف نعجز عن بعثهم؟ وهذا تقرير لهم، لأنهم اعترفوا بأن الله هو الخالق، وأنكروا البعث، ويقال لكل من عجز عن شيء: عيي به. ثم ذكر أنهم في شك من البعث بعد الموت، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] أي: في ضلال وشك عن إعادة الخلق جديدًا. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿١٦﴾ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿١٩﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴿٢٠﴾ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿٢١﴾ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿٢٢﴾ ﴾ [ق: ١٦-٢٢] . قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ [ق: ١٦] ابن آدم، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] يحدث به قلبه، أي: نعلم ما يخفي، ويكن في نفسه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦] بالعلم، ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وهو عرق يتفرق في البدن،

стр. 1887

مخالط للإنسان في جميع أعضاءه، وذلك أن أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله عنه شيء. ثم ذكر أنه مع علمه، وكل به ملكين، يكتبان ويحفظان عليه عمله، إلزامًا للحجة، فقال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: ١٧] قال مقاتل: يعني: الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه، أي: يأخذان ذلك ويثبتانه. والتلقي: الأخذ، ذكر ذلك عند قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] أراد: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، والمراد بالقعيد ههنا: الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم. قال مجاهد: عن اليمين كاتب الحسنات، وعن الشمال كاتب السيئات. ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق: ١٨] ما يتكلم عن كلام، فيلفظه، أي: يرميه من فمه، ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ [ق: ١٨] حافظ، يعني: الملك الموكل به: إما صاحب اليمين، وإما صاحب الشمال، عتيد حاضر معه أينما كان. ٨٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلاءِ، نا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لَيَرْفَعُ الْقَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ، عَنِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئِ أَوِ الْمُسِيءِ، فَإِنْ نَدِمَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا أَلْقَاهَا، وَإِلا كَتَبَ وَاحِدَةً» ٨٧٥ - أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ

стр. 1888

إِسْمَاعِيلَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْقَطَّانُ، نا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ مَوْلَى عِيسَى الْعَطَّارِ، نا الْمُسَيِّبُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَاحِبُ الْيَمِينِ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَهَا لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً فَأَرَادَ صَاحِبُ الشِّمَالِ أَنْ يَكْتُبَهَا، قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ: أَمْسِكْ , فَيُمْسِكُ عَنْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ". ٨٧٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ، نا هُشَيْمٌ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمَّازٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِعَبْدِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ قَالا: يَا رَبِّ قَدْ قَبَضْتَ عَبْدَكَ فُلانًا، فَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: سَمَائِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَلائِكَتِي يَعْبُدُونَنِي وَأَرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يُطِيعُونَنِي، اذْهَبَا إِلَى قَبْرِ عَبْدِي فَسَبِّحَانِي، وَكَبِّرَانِي، وَهَلِّلانِي، وَاكْتُبَا ذَلِكَ فِي حَسَنَاتِ عَبْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق: ١٩] أي: غمرته، وشدته التي تغشى

стр. 1889

الإنسان، وتغلب على عقله، بالحق قال مقاتل: يعني: أنه حق كائن. ويقال لمن جاءته سكرة الموت: ذلك أي: ذلك الموت، ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] تهرب وتميل، يقال: حاد عنه يحيد حيدًا إذا مال عنه. قال أبو عباس: تكره. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [ق: ٢٠] يعني: نفخة البعث، ذلك اليوم، يوم الوعيد قال مقاتل: يعني بالوعيد: العذاب في الآخرة. والمعنى: ذلك يوم وقوع الوعيد. وجاءت في ذلك اليوم، ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ﴾ [ق: ٢١] يسوقها إلى المحشر، وشهيد يشهد عليها بما عملت، قال الكلبي: السائق هو الذي كان يكتب عليه السيئات، والشهيد الذي كان يكتب الحسنات. والمراد بالنفس ههنا: نفس الكافر، يدل عليه قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢] أي: يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] الذي كان في الدنيا يغشي قلبك، وسمعك، وبصرك، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] فأنت اليوم عالم، نافذ البصر، تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴿٢٣﴾ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴿٢٤﴾ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴿٢٥﴾ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴿٢٦﴾ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴿٢٧﴾ قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ﴿٢٨﴾ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿٢٩﴾ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴿٣٠﴾ ﴾ [ق: ٢٣-٣٠] . وقال قرينه يعني: الملك الذي كان يكتب عمله السيئ في الدنيا، يقول لربه: كنت وكلتني به، وقد أحضرته. وهو قوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] يعني: الشخص الذي أتى به، وما بمعنى من، وهذا قول مجاهد، وقال ابن قتيبة: يعني: ديوان أعماله، وما كتبه عليه، يقول: ما كتبته من عمله، حاضر عندي. يقول الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] هذا خطاب للواحد بلفظ الثنية على عادة العرب، يقولون للواحد: ارحلاها وازجراها. والخطاب لخازن النار، وقال الزجاج: هذا أمر للملكين الموكلين به، وهما السائق والشهيد. كل كفار للنعم، عنيد مجانب للإيمان. مناع للخير لا يبذل خيره، ولا يعطي في حق الله، معتد آثم ظالم، لا يقر بتوحيد الله، مريب شاك في الحق، وهو توحيد الله، من قولهم: أراب الرجل إذا صار ذا ريب. قال قرينه يعني: شيطانه، ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧] ما أضللته، وما أغويته، أي: لم أتول ذلك من نفسي، ولكنه كان في الدنيا في ضلال بعيد عن الحق، بخذلانك إياه، وذلك أن شيطانه يعتذر إلى ربه، فيقول: لم تكن لي قوة أن أضله بغير سلطانك. ومعنى: ضلال بعيد طويل، لا يرجع عنه إلى الحق. فيقول الله تعالى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] وذكر الله اختصامهم في ﴿ [الصافات عند قوله:] وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ

стр. 1890

يَتَسَاءَلُونَ ﴿٢٧﴾ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ﴿٢٨﴾ ﴾ [سورة الصافات: ٢٧-٢٨] الآيات، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] قد أخبرتكم على لسان الرسل، بعذابي في الآخرة لمن كفر. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] لا خلف لوعدي، وقد قضيت ما أنا قاض عليكم من العذاب، فلا تبديل له، وقال قوم: معنى قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] : ما يكذب عندي، ولا يغير القول عن جهته، لأني أعلم الغيب، أعلم كيف ضلوا، وكيف أضللتموهم. وهذا قول الكلبي، واختيار الفراء، وابن قتيبة وهو أظهر، لأنه قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] ولم يقل: ما يبدل قولي، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] فأعاقب من غير جرم. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ [ق: ٣٠] وقرأ نافع: يقول بالياء، على معنى: يقول الله لجهنم، هل امتلأت قال المفسرون: أراها الله تصديق قوله: لأملأن جهنم، فلما امتلأت، قال لها: هل امتلأت. ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] أي: قد امتلأت، ولم يبق في موضع لم يمتلئ، وهذا استفهام إنكار، هذا الذي ذكرنا قول عطاء، ومجاهد، ومقاتل بن سليمان، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: إنها تستزيد إلى ما فيها. ووجه هذا القول، أن هذا السؤال في قوله: هل امتلأت كان قبل دخول جميع أهلها فيها، ويجوز أن يكون المعنى: أنها طلبت أن يزداد فيها في سعتها، لتضايقها بأهلها. قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿٣١﴾ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿٣٢﴾ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴿٣٣﴾ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴿٣٤﴾ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴿٣٥﴾ ﴾ [ق: ٣١-٣٥] . وأزلفت الجنة قربت الجنة، وأدنيت للمتقين الشرك، غير بعيد ينظرون إليها قبل دخولها. ويقال لهم: هذا الذي ترونه: ﴿مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ [ق: ٣٢] راجع عن معاصي الله، قال مجاهد: هو الذي يذكر ذنبه، فيستغفر منه. وقال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. حفيظ يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها، ويستغفر لها، ذكره يحيى بن وثاب، عن ابن عباس. ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ [ق: ٣٣] أي: هو من خشي، يعني: الأواب

стр. 1891

الحفيظ، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣] خافه، وأطاعه، ولم يره، ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣] مخلص، راجع عن معاصي الله إلى طاعة الله. ادخلوها أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة، بسلام أي: بسلامة من الهموم، والعذاب، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: ٣٤] في الجنة، لأنه لا موت فيها. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسألتهم، فيعطون ما شاءوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه، وهو قوله: ولدنيا مزيد. ٨٧٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، أنا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قَالَ: يَتَجَلَّى لَهُمْ ثم خوف كفار مكة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴿٣٦﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴿٣٧﴾ ﴾ [ق: ٣٦-٣٧] . ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ [ق: ٣٦] ساروا، وتقلبوا، وطافوا، وأصله من النقب وهو: الطريق، كأنهم سلكوا كل طريق، فلم يجدوا محيصًا عن أمر الله. قال الزجاج: لم يروا محيصًا من الموت. وفي هذا إنذار لأهل مكة، وأنهم على مثل سبيلهم، لا يجدون مفرًا

стр. 1892

من الموت، يموتون فيصيرون إلى عذاب الله. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [ق: ٣٧] الذي ذكر من الإهلاك للقرى، لذكرى تذكرة، وموعظة، ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] قال ابن عباس: عقل. قال الفراء: وهذا جائز في العربية، أن تقول ما لك قلب، وما قلبك معك، أي: ما عقلك معك. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧] أي: استمع ما يقال له، يقال: ألق سمعك إلىّ، أي: استمع مني، وهو شهيد شاهد القلب والفهم، وليس بغافل، ولا ساه. ٨٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْقِلٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، نا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] قَالَ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَجْلِسُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَيَقُولُونَ: مَاذَا قَالَ آنِفًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ قُلُوبُهُمْ قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴿٣٨﴾ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴿٣٩﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴿٤٠﴾ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿٤١﴾ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴿٤٢﴾ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴿٤٣﴾ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴿٤٤﴾ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴿٤٥﴾ ﴾ [ق: ٣٨-٤٥] . ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [ق: ٣٨] الآية، قال جماعة المفسرين: إن اليهود قالت: خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فلذلك لا يعمل فيه شيئًا. فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] يقال: لغب يلغب لغوبًا، إذا أعيا من التعب. ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩] في بهتهم وكذبهم، وهذا من قبل أن أمر بالقتال، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [ق: ٣٩] صل حمدًا لله تعالى، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ

стр. 1893

الشَّمْسِ﴾ [ق: ٣٩] يعني: الفجر، وقبل الغروب يعني: الظهر، والعصر. ٨٧٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعَفْرٍ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْبَلَوِيُّ، نا أَبُو شِهَابٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَنْ صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ فَافْعَلُوا، وَقَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَاصِمِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠] يعني: المغرب والعشاء، وإدبار السجود بكسر الهمزة، مصدر أدبر الشيء إدبارًا إذا ولى، ومن فتح الهمزة جعله جمع دبر، بمعنى: خلف، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الوتر، الذي جعله الله تعالى سنة بعد الصلاة. وأكثر المفسرين على أن المراد به: ركعتان بعد صلاة المغرب، وروي ذلك مرفوعًا. ٨٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 1894

إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، نا أَبُو كُرَيْبٍ، نا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ رُشْدِ بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ «رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاةِ الْغَدَاةِ إِدْبَارُ النُّجُومِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِدْبَارُ السُّجُودِ» واسمتع أي: صيحة القيامة، والبعث، والنشور، ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١] قال مقاتل: هو إسرافيل ينادي بالحشر، فيقول: يأيها الناس، هلموا إلى الحساب. ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] قال قتادة: كنا نحدث أنه ينادي من صخرة بيت المقدس. قال الكلبي: وهي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ميلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٤٢] يعني: قول المنادي: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، إن الله يأمركن، أن تجتمعن لفصل القضاء. وقوله: بالحق قال الكلبي: بالبعث. وقال مقاتل: يعني: أنها كائنة حقًا. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] من القبور. قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [ق: ٤٣] أراد نميت في الدنيا، ونحيي بالبعث، وإلينا المصير بعد البعث. وهو قوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤] أي: خارجين سراعًا يسرعون إلى الداعي، ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] جمع علينا هين. ثم عزى نبيه ﷺ ، فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٤٥] في تكذيبك، يعني: كفار مكة، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] بمسلط، قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام، إنما بعثت مذكرًا. وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فذكر بالقرءان فعظ به، ﴿مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] ما أوعدت من عصاني من العذاب.

стр. 1895

تفسير سورة الذاريات وهي ستون آية، مكية. ٨٨١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الذَّارِيَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدِدِ كُلِّ رِيحٍ هَبَّتْ وَجَرَتْ فِي الدُّنْيَا» بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ﴿١﴾ فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا ﴿٢﴾ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ﴿٣﴾ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ﴿٤﴾ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ﴿٥﴾ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴿٦﴾ ﴾ [الذاريات: ١-٦] . والذاريات ذروا يعني: الرياح تذرو التراب، وهشيم النبات، أي: تفرقه وهي مخفوضة على القسم. فالحاملات وقرًا يعني: السحاب يحمل ثقلًا من الماء. فالجاريات يسرًا يعني: السفن تجري ميسرة في الماء، جريًا سهلًا. فالمقسمات أمرًا يعني: الملائكة يقسمون الأمر بين الخلق على ما أمروا به، أقسم الله تعالى بهذه الأشياء، لما فيها من الدلالة على صنيعه وقدرته. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: إنما توعدون أي: من الثواب والعقاب، ﴿لَصَادِقٌ ﴿٥﴾ وَإِنَّ الدِّينَ﴾ [الذاريات: ٥-٦] الجزاء، لواقع لكائن. ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ﴿٧﴾ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴿٨﴾ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴿٩﴾ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴿١١﴾ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴿١٢﴾ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ﴿١٣﴾ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٤﴾ ﴾ [الذاريات: ٧-١٤] .
следующие страницы →