← Тафсир

Тафсир · id 21821

التفسير الوسيط للواحدي

الواحدي

Полный текст (2 298 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

عكرمة، وكان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة: فلهم ما سعى غيرهم نيابة عنهم، ومن قال: إنه غير منسوخ الحكم، قال: الآية تدل على منع النيابة في الطاعات، إلا ما قام عليه الدليل كالحج. وهو أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ : إن إبي مات، ولم يحج. قال: «فحجي عنه» . ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴿٤٠﴾ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى ﴿٤١﴾ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴿٤٢﴾ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴿٤٣﴾ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴿٤٤﴾ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ﴿٤٥﴾ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴿٤٦﴾ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى ﴿٤٧﴾ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ﴿٤٨﴾ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴿٤٩﴾ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى ﴿٥٠﴾ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ﴿٥١﴾ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴿٥٢﴾ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ﴿٥٣﴾ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ﴿٥٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ﴿٥٥﴾ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى ﴿٥٦﴾ أَزِفَتِ الآزِفَةُ ﴿٥٧﴾ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴿٥٨﴾ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴿٥٩﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ﴿٦٠﴾ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴿٦١﴾ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴿٦٢﴾ ﴾ [النجم: ٤٠-٦٢] . ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: ٤٠] يوم القيامة في منزلته، من أريته الشيء. ثم يجزاه يجزى الإنسان سعيه، يقال: جزيت فلانًا سعيه. يتعدى إلى مفعولين، الجزاء الأوفى الأكمل الأتم. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] منتهى العباد، ومرجعهم إليه. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] هذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضاء الله وقدره، حتى الضحك والبكاء، قال الكلبي: أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ﴾ [النجم: ٤٤] في الدنيا، وأحيا بالبعث. ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ [النجم: ٤٥] الصنفين، الذكر والأنثى من كل حيوان. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٦] تصب في الرحم. ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧] الخلق الثاني للبعث يوم القيامة. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى﴾ [النجم: ٤٨] الناس، بالأموال ومولهم، وأقنى أعطى القنية، وأصول الأموال، وما يدخرونه بعد الكفاية، وقال مقاتل، ومجاهد: أقنى: قنع، ورضي بما أعطى الفقير. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩] وهو كوكب خلف الجوزاء، كانت خزاعة تعبدها، فقال الله تعالى: أنا رب الشعرى

стр. 1927

فاعبدوني. ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] وهم: قوم هود، أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، فكانوا عادا الأخرى. وثمودًا وهم: قوم صالح، أهلكهم الله بالصيحة، فما أبقى منهم أحدًا. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ [النجم: ٥٢] أهلك الله قوم نوح من قبل عاد، وثمود، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم: ٥٢] من غيرهم، لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم على الله بالمعصية، والتكذيب. والمؤتفكة قرى قوم لوط، المخسوف بها، أهوى أسقط، أي: أهواها جبريل، بعد أن رفعها، وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله: فغشاها ألبسها الله، ما غشى يعني: الحجارة. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥] هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله ما فعله مما يدل على وحدانيته، قال: فبأي نعم ربك، التي تدلك على وحدانيته، تتشكك؟ قال ابن عباس: يريد: تكذب يا وليد، يعني: الوليد بن المغيرة. هذا نذير يعني: محمدًا ﷺ ، ﴿مِنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] من الرسل قبله، قال قتادة: يقول أنذر محمد، كما أنذر الرسل من قبله. أزفت الآزفة دنت القيامة، واقتربت الساعة. ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] أي: إذا غشيت الخلق بشدائدها، وأهوالها، لم يكشفها عنهم أحد، ولم يردها، وهذا قول عطاء، والضحاك، وقتادة. وتأنيث كاشفة على تقدير: نفس كاشفة، ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرًا، كالجاثية، والعاقبة، والمعنى: ليس لها من دون الله كشف، أي: لا يكشف عنها غيره، ولا يظهرها، كقوله: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . قوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ [النجم: ٥٩] يعني: القرآن، تعجبون أي: من إنزاله على محمد ﷺ ، فتكذبون به. وتضحكون تستهزئون به، ولا تبكون مما فيه من الوعيد. وأنتم سامدون لاهون، غافلون، معرضون، والسمود: الغفلة والسهو عن الشيء. فاسجدوا لله الخالق، واعبدوا فإنه المستحق للعبادة. ٩٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا فَمَا بَقِيَ مِنَ الْقَوْمِ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدْ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصَا، فَوَضَعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.

стр. 1928

تفسير سورة القمر وهي خمسون وخمس آيات، مكية. ١١٤٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] فِي كُلِّ غِبٍّ بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ كَانَ أَفْضَلَ، وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مُسْفِرٌ عَلَى وُجُوهِ الْخَلائِقِ ". بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴿١﴾ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴿٢﴾ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴿٣﴾ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴿٤﴾ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴿٥﴾ ﴾ [القمر: ١-٥] . ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن كنت صادقًا، فشق لنا القمر فرقتين. فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن فعلت تؤمنون» . قالوا: نعم. وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يعيطه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله ينادي يا فلان يا فلان اشهدوا. ١١٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اشْهَدُوا " رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ

стр. 1929

كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، وَحَدِيثُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ روينا عن جميعهم ذلك في مسند التفسير، وجميع المفسرين على هذا، إلا ما روى عثمان بن عطاء، عن أبيه، أنه قال: معناه: سينشق القمر. والعلماء كلهم على خلافه وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر، لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد ﷺ ، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة، قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد، وما عليه أهل العلم أن تأويله: أن القمر ينشق يوم القيامة. والأمر بين في اللفظ وإجماع أهل العلم، لأن قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] يدل على أن هذا كان في الدنيا، لا في القيامة، قال المفسرون: لما انشق القمر، قال المشركون: سحرنا محمد. فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ [القمر: ٢] ، يعني: انشقاق القمر، يعرضوا عن التصديق، والإيمان بها، ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] قوي شديد، يعلو كل سحر، من قولهم: استمر الشيء إذا قوي واستحكم. ثم ذكر تكذيبهم، فقال: وكذبوا يعني: النبي ﷺ ، وما عاينوا من قدرة الله، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القمر: ٣] وما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم عليه، ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] قال الكلبي: لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: وكل أمر مستقر فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر. وقال الفراء: يقول: يستقر قرار تكذيبهم، وقرار قول المصدقين، حتى يعرفوا حقيقته بالثواب

стр. 1930

والعقاب. ولقد جاءهم يعني: أهل مكة، من الأنباء من أخبار الأمم المكذبة في القرآن، ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] مصدر بمعنى الازدجار، أي: نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا نهيته عن السوء. حكمة بالغة يعني: القرآن حكمة تامة، قد بلغت الغاية، ﴿فما تغني النذر﴾ يجوز أن تكون ما نفيا على معنى: فليست تغني النذر، وهو جمع نذير، ويجوز أن تكون استفهامًا، والمعنى: فأي شيء تغني النذر، إذا لم يؤمنوا؟ كقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] . ثم أمره بالإعراض عنهم، بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ﴿٦﴾ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴿٧﴾ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴿٨﴾ ﴾ [القمر: ٦-٨] . فتول عنهم وههنا وقف التمام، وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] قال مقاتل: هو إسرافيل، ينفخ قائمًا على صخرة بيت المقدس. ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] إلى أمر فظيع لم يروا مثله، فينكرونه استعظامًا له. ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] وقرئ خاشعًا، ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد، والجمع، والتأنيث، تقول: مررت بشباب حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم، وفي قراءة عبد الله خاشعة أبصارهم أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [القمر: ٧] وهي القبور، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] ينبت بعضها في بعض، والمعنى: أنهم يخرجون فزعين، لا جهة لأحد منهم فيقصدها، والجراد لا جهة لها، تكون أبدًا مختلفة بعضها في بعض. ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] مقبلين إلى صوت إسرافيل، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] صعب شديد، قال ابن عباس: عسير على الكافرين، سهل يسير على المؤمنين. كقوله: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾ ﴾ [المدثر: ٩-١٠] .

стр. 1931

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴿٩﴾ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴿١٠﴾ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴿١١﴾ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿١٢﴾ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿١٥﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿١٦﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿١٧﴾ ﴾ [القمر: ٩-١٧] . ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: ٩] إلى قوله: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] زجروه عن دعوته بالشتم، والوعيد. فدعا نوح، ﴿رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] فانتقم لي ممن كذبني. ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] منصب انصبابًا شديدًا، لا ينقطع أربعين يومًا. ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء ماء كما يسيل من أفواه القرب، وانفتحت الأرض بعيون الماء، حتى اجتمع الماءان، وهو قوله: فالتقى الماء يعني: ماء السماء وماء الأرض، ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] قضي عليهم، وقال مقاتل: قدر الله تعالى أن يكون الماءان سواء، فكانا على ما قدر. وحملناه يعني: نوحًا، على سفينته، ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾ [القمر: ١٣] وهي خشباتها العريضة التي منها جمعت، ودسر قال الزجاج: يعني: المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دسار، وكل شيء أدخل في شيء بشدة فهو الدسر. تجري تلك السفينة، بأعيننا بمنظر ومرأى منا، وحفظ، كقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] ، ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] قال الفراء: يقول: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم، ثوابًا لمن كان كفر به، وجحد أمره، وهو نوح ﵇. ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ [القمر: ١٥] يعني: الفعلة التي فعلنا، آية علامة يعتبر بها، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] متذكر يعلم أن ذلك حق فيعتبر، ويخاف. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي﴾ [القمر: ١٦] استفهام عن تلك الحالة، ومعناه: التعظيم لذلك العذاب، ونذر وهو اسم من الإنذار يقوم مقام المصدر، وفي هذا تخويف لمشركي مكة. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] للحفظ والقراءة، قال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] من ذاكر يذكره، وقارئ يقرأه، ومعناه: الحث على قراءة القرآن، ودرسه، وتعلمه. وقوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿١٨﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴿١٩﴾ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴿٢٠﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٢١﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿٢٢﴾ ﴾ [القمر: ١٨-٢٢] .

стр. 1932

وما بعده ظاهر إلى قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] شديدة الهبوب، وقال ابن عباس: ريحًا باردة. وقد مر، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] دائم الشؤم، استمر عليهم بنحوسته، قال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم. وقال الزجاج: قيل: في يوم الأربعاء، في آخر الشهر. تنزع الناس تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم، فتصرعهم على الأرض موتى، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾ [القمر: ٢٠] جمع عجز، وهو مؤخر الشيء، منقعر منقلع ساقط، يقال: قعرت النخلة إذا قعلتها من أصلها، حتى تسقط وقد انقعرت هي. شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح، وكبتهم على وجوههم، بالنخيل الساقطة على الأرض التي ليست لها رءوس، وذلك أن الريح قلعت رءوسهم أولًا، ثم كبتهم على وجوههم. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴿٢٣﴾ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ﴿٢٤﴾ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴿٢٥﴾ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ﴿٢٦﴾ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ﴿٢٧﴾ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴿٢٨﴾ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ﴿٢٩﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٣٠﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ﴿٣١﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿٣٢﴾ ﴾ [القمر: ٢٣-٣٢] . قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] بالإنذار الذي جاءهم به صالح. ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] أي: هو آدمي مثلنا، وهو واحد فلا نكون له تبعًا، إنا إذا إن فعلنا ذلك، لفي ضلال خطأ، وذهاب عن

стр. 1933

الحق، وسعر شقاء وعناء، وشدة عذاب مما يلزمنا من طاعته، وقال عطاء، عن ابن عباس: وجنون من قولهم: ناقة مسعورة، إذا كان بها جنون. ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه، فقالوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر: ٢٥] كيف خص من بيننا بالنبوة والوحي، ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾ [القمر: ٢٥] فيما يقول، أشر بطر متكبر، يريد أن يتعظم علينا بالنبوة. قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] حين ينزل بهم العذاب، وقال الكلبي: يعني: يوم القيامة. ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أهم، أم صالح؟ ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧] قال ابن عباس: إنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، تضع لهم، ثم ترد ماءهم فتشربه، ثم تغدون عليهم بمثله لبنًا. فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧] أي: باعثوها بإنشائها، فتنة لهم محنة واختبارًا، فارتقبهم فانتظر، ما هم صانعون واصطبر على ما يصيبك من الأذى. ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] بين ثمود وبين الناقة، يوم لها ويوم لهم، وهو قوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] يحضر القوم يومًا، وتحضر الناقة يومًا، وحضر واحتضر واحد. فنادوا صاحبهم قدار بن سالف عاقر الناقة، فتعاطى تناول الناقة بالعقر، فعقر وقد مضى تفسير العقر. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣١] قال عطاء: يريد: صيحة جبريل ﵇. ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] الهشيم: حطام الشجر والبقل، والمحتظر: الذي يتخذ لغنمه حظيرة، يمنعها من برد الريح، يقال: احتظر على غنمه، إذا جمع الشجر، ووضع بعضها فوق بعض، قال الزجاج: كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة. والمعنى: أنهم بادوا وأهلكوا، فصاروا كيبيس الشجر إذا تحطم.

стр. 1934

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ﴿٣٣﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ﴿٣٤﴾ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ﴿٣٥﴾ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ﴿٣٦﴾ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٣٧﴾ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴿٣٨﴾ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٣٩﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿٤٠﴾ ﴾ [القمر: ٣٣-٤٠] . ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] قال ابن عباس: يريد: ما حصبوا به من السماء من الحجارة. قال أبو عبيدة، والنضر: الحاصب: الحجارة في الريح. وقد يكون الحاصب: الرامي، ويكون المعنى على هذا: إنا أرسلنا عليهم عذابًا يحصبهم يرميهم بحجارة، ﴿إِلا آلَ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٤] يعني: لوطًا وبنتيه، نجيناهم بسحر من ذلك العذاب الذي أصاب قومه. ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القمر: ٣٥] للإنعام عليهم، كذلك كما أنعمنا عليهم، ﴿نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] قال مقاتل: من وحد الله، لم يعذب مع المشركين. ولقد أنذرهم لوط، بطشتنا أخذنا إياهم بالعذاب، فتماروا بالنذر أي: شكوا بالإنذار، ولم يصدقوه. ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه، فطمسنا أعينهم وهو أن جبريل ﵇ صفق أعينهم بجناحه صفقة فأذهبها، والقصة مذكورة في ﴿ [هود وتم الكلام، ثم قال: فذوقوا أي: فقلنا لقوم لوط لما أرسلنا عليهم العذاب: ذوقوا، عذابي ونذر وما أنذركم به لوط من العذاب، سمي العذاب باسم الإنذار. ] وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾ [سورة القمر: ٣٨] أتاهم صباحًا، عذاب مستقر نازل بهم، قال مقاتل: استقر بهم العذاب بكرة. ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴿٤١﴾ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴿٤٢﴾ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴿٤٣﴾ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴿٤٤﴾ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿٤٥﴾ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴿٤٦﴾ ﴾ [القمر: ٤١-٤٦] . ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [القمر: ٤١] يعني: القبط، النذر يجوز أن يكون بمعنى: الإنذار، ويجوز أن يكون: جمع نذير، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى، وذلك قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا

стр. 1935

فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ [القمر: ٤٢] بالعذاب، أخذ عزيز غالب في انتقامه، مقتدر قادر على إهلاكهم. ثم خوف كفار مكة، فقال: أكفاركم يا معشر العرب، خير أشد وأقوى، من أولئكم وهذا استفهام معناه: الإنكار، أي: ليسوا أقوى من قوم نوح، وعاد، وثمود وقد أهلكناهم، ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] يقول: ألكم براءة من العذاب في الكتب، أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية. ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] قال الكلبي: نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا. والمعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا، ننتصر ممن عادانا، فيدلون بقوة واجتماع عليك، ووحد المنتصر للفظ الجميع وهو واحد في اللفظ، وإن كان اسمًا للجماعة، كالرهط والجيش. قال الله تعالى: سيهزم الجمع يعني: جميع كفار مكة، ويولون الدبر ينهزمون، فيولونكم أدبارهم في الهزيمة، أخبر الله تعالى نبيه ﷺ ، أنه يظهره عليهم ويهزمهم، فكانت هذه الهزيمة يوم بدر. ثم قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] يعني: أن موعد الجميع للعذاب يوم القيامة، والساعة أدهى أعظم في الضر، وأفظع من الدهاء، وهو النكر والفظاعة، وأمر أشد مرارة من القتل، والأسر في الدنيا. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ﴿٤٧﴾ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴿٤٨﴾ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿٤٩﴾ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴿٥٠﴾ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿٥١﴾ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ﴿٥٢﴾ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴿٥٣﴾ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴿٥٤﴾ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴿٥٥﴾ ﴾ [القمر: ٤٧-٥٥] . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] . ١١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْكَعْبِيُّ، نا حَمْدَانُ بْنُ صَالِحٍ الأَشَجُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدَانُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْقَدَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ

стр. 1936

فِي النَّارِ﴾ [القمر: ٤٨] إِلَى قَوْلِهِ ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ١١٤٧ - أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَارِثِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّارُ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ جَنْدَلٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خُرَاسَانَ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّقْرِ الْحَافِظَ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ عُفَيْرَ بْنَ مَعْدَانَ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ» ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ﴿٤٧﴾ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴿٤٨﴾ ﴾ [القمر: ٤٧-٤٨] . ١١٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ عَبْدُونُ الْقُرْقُسَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَدَرِيَّةُ وَهُمُ الْمُجْرِمُونَ الَّذِينَ سَمَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ﴿٤٧﴾ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٧-٤٨]

стр. 1937

١١٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الزِّيَادِيُّ، نا أَبُو الْعَاصِ أُمَيَّةُ بْنُ عُتْبَةَ، حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو السَّكْسَكِيُّ، حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْخَلائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي نِدَاءً يَسْمَعُهُ الْأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ أَيْنَ خُصَمَاءُ اللَّهِ، فَيَقُومُ الْقَدَرِيَّةُ فَيَؤُمُّهُمْ إِلَى النَّارِ» يقول الله تعالى ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴿٤٨﴾ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿٤٩﴾ ﴾ [القمر: ٤٨-٤٩] . وإنما سموا خصماء الله، لأنهم يقولون: يكتب الله علينا المعاصي ثم يعذبنا. هذا ما لا يكون أبدًا، يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها، فقوله تعالى: إن المجرمين يريد: القدرية المشركين، وإخوانهم من قدرية هذه الأمة، ﴿فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] ذهاب عن طريق الجنة في الدنيا، وسعر ونار متسعرة في الآخرة. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ [القمر: ٤٨] يجرون في النار، على وجوههم ويقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] أصابتهم إياهم بعذابها، وحرها. ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] أي: كل ما خلقناه فمقدور، مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه. ١١٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يُوسُفَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا قُتَيْبَةُ، نا مَالِكٌ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ:

стр. 1938

سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» رَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ وقال ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك. ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. وقال الكلبي، عنه: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كلمح البصر. ومعنى اللمح: النظر بالعجلة. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ [القمر: ٥١] أشباهكم، ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٥١] متعظ، يعلم أن ذلك حق فيخاف، ويعتبر. ثم أخبر أن جميع ما فعلته الأمم قبلهم كان مكتوبًا عليهم، فقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] قال مقاتل: مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ [القمر: ٥٣] من الخلق، والأعمال، مستطر مكتوب على فاعليه، قبل أن يفعلوه. قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] أراد: أنهارًا، يعني: أنهار الجنة من الماء، والخمر، واللبن، والعسل، فوحد لوفاق الفواصل. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] في مجلس حسن، ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] عند ملك قادر، لا يعجزه شيء، والمعنى: في المكان الذي كرمه لأوليائه.

стр. 1939

تفسير سورة الرحمن وهي سبعون وثماني آيات، مكية. ١١٥١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السِّجِسْتَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، نا الْمَدَايِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ رَحِمَ اللَّهُ ضَعْفَهُ وَأَدَّى شُكْرَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ» بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴿٥﴾ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴿٦﴾ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿٧﴾ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴿٨﴾ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴿٩﴾ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴿١٠﴾ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ ﴿١١﴾ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ﴿١٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٣﴾ ﴾ [الرحمن: ١-١٣] . ﴿الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴿٢﴾ ﴾ [الرحمن: ١-٢] قال الكلبي: علم القرآن محمدا ﷺ ، وعلمه محمد ﷺ أمته. وقال الزجاج: معنى علم القرآن: يسره لأن يذكر. خلق الإنسان يعني: آدم. علمه البيان أسماء كل شيء، ويقال: الإنسان اسم للجنس، ومعناه: الناس جميعًا، علمه البيان النطق، والكتابة، والخط، والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول، وما يقال له، وهذا قول أبي العالية، ومرة، وابن زيد، والحسن، والسدي. ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] يجريان بحساب، ومنازل لا يعدوانهما، وهما يدلان على عدد الشهور والسنين،

стр. 1940

والأوقات. والنجم يعني: نبت الأرض مما ليس له ساق، والشجر ما كان له ساق، يبقى في الشتاء، يسجدان يعني: سجود ظلالهما، كقوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] ، وكقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الحج: ١٨] إلى قوله: والنجوم. والسماء رفعها فوق الأرض، ووضع الميزان يعني: آلة الوزن، ليتوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، وقال الزجاج، وصاحب النظم: المراد بالميزان: العدل. والمعنى: أنه أمر بالعدل، يدل عليه قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: ٨] أي: لا تجاوزوا العدل. ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] قال عطاء: لا تخونوا من وزنتم له، أقيموا لسان الميزان بالعدل. ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] لاتنقصوا، ولا تبخسوا الوزن. ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] بسطها على الماء، لجميع الخلق الذين ثبتهم فيها. فيها فاكهة يعني: ما يتفكه من ألوان الثمار، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ﴾ [الرحمن: ١١] الأوعية والغلف، وثمرها يكون في غلف ما لم ينشق. والحب يريد: جميع الحبوب، مما يحرث في الأرض من الحنطة، والشعير، وغيرهما، ذو العصف يعني: الورق، فإذا يبس وديس صار تبنًا، وقال السدي، والفراء: هو بقل الزرع، وهو أول ما ينبت منه. قال ابن كيسان: يبدو أولًا ورقًا وهو العصف، ثم يبدو له ساق، ثم يحدث الله فيه أكمامًا، ثم يحدث الله في الأكمام حبًا. وقوله: والريحان يعني: الرزق في قول الأكثرين، وقال الحسن، وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم. وقرأ ابن عامر: والحب ذا العصف حمله على قوله: والأرض وضعها المعنى: وخلق الحب، والوجه الرفع نسقًا على قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ [الرحمن: ١١] ، والحب أي: وفيها الحب والريحان، وقرأ حمزة بالخفض حملًا على ذو كأنه قيل: والحب ذو العصف وذو الريحان، وهو رزق الناس والعصف رزق

стр. 1941

الدواب، فذكر قوت الناس والأنعام. ثم خاطب الجن والإنس، بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؟ لأنها كلها منعم عليكم بها، وكررت هذه الآية في هذه السورة، تقريرًا للنعمة، وتأكيدًا في التذكير بها، على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع. ١١٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَيْضِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمٍ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَمَّارٍ حَدَّثَهُمْ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَذْكُورِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ سُكُوتًا لَلْجِنُّ كَانُوا أَحْسَنَ مِنْكُمْ رَدًّا، مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِنْ مَرَّةٍ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] إِلا قَالُوا: وَلا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامٍ. ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴿١٤﴾ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ﴿١٥﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٦﴾ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴿١٧﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٨﴾ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ﴿١٩﴾ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ﴿٢٠﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢١﴾ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴿٢٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢٣﴾ وَلَهُ

стр. 1942

الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ﴿٢٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢٥﴾ ﴾ [الرحمن: ١٤-٢٥] . قوله: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الرحمن: ١٤] تقدم تفسيره في ﴿ [الحجر،] كَالْفَخَّارِ﴾ [سورة الرحمن: ١٤] وهو: الخزف الذي طبخ بالنار، معناه: من طين يبسه كالخزف. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ [الرحمن: ١٥] يعني: أبا الجن، ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] وهو الصافي من لهب النار. رب المشرقين يعني: مشرق الصيف، ومشرق الشتاء، وكذلك: المغربين. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] تفسير هذه الآية، والتي بعدها قد تقدم في ﴿ [الفرقان، والمعنى: أن الله تعالى ذكر عظيم قدرته، حيث خلق البحرين العذب والمالح، يلتقيان ثم لا يختلط أحدهما بالآخر، وهو قوله: بينهما برزخ أي: حاجز من قدرة الله تعالى، لا يبغيان فلا يبغي المالح على العذب فيفسده، ولا العذب على المالح فيختلط به. قوله: يخرج منهما أكثر القراء على يخرج بضم الياء، من الإخراج، لأنه يخرج ولا يخرج بنفسه، ومن قرأ يخرج فهو اتساع، وذلك أنه إذا أخرج خرج، وقال: منهما وإنما يخرج من المالح دون العذب، ولكن الله تعالى ذكرهما جميعًا، وجمعهما وهما بحر واحد، فإذا خرج من أحدهما، فقد خرج منهما، هذا قول الزجاج. وقال أبو علي الفارسي: أراد: من أحدهما، فحذف المضاف. وقوله: اللؤلؤ والمرجان قال الفراء: اللؤلؤ: العظام، والمرجان: ما صغر. وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء: اللؤلؤ: الكبير، والمرجان: الصغير. وذكر مقاتل على الضد من هذا، وهو قول مجاهد، والسدي. وله الجوار يعني: السفن الجارية في الماء، المنشآت المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض فركب، حتى ارتفعت وطالت، والوجه فتح الشين، ومن كسر أراد: المنشئات السير، أي: اللاتي ابتدأن وأنشأن السير، وقوله: كالأعلام أي: كالجبال، والعلم: الجبل الطويل، قال مقاتل: شبه السفن في البحر، كالجبال في البر.

стр. 1943

[كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴿٢٧﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢٨﴾ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴿٢٩﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٠﴾ ﴾ [سورة الرحمن: ٢٦-٣٠] . ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [الرحمن: ٢٦] على الأرض، ﴿فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] هالك، يعني: أن كل من دب ودرج على الأرض من حيوان، فهو فان هالك، يفنى ولا يبقى. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ربك الظاهر بأدلته، ظهور الإنسان بوجهه، ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] العظمة والكبرياء، واستحقاق الصفات بإحسانه، وإنعامه، ﴿وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] إكرامه أنبياءه وأولياءه، فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته. ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] قال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماء، ولا أهل الأرض. وقال أبو صالح: يسأله من في السموات الرحمة، ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق. وقال مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأل الملائكة لهم أيضًا الرزق والمغفرة. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ويعز ويذل، ويشفي مريضًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا، ويكشف كربًا، إلى ما لا يحصى من أفعاله، وأحداثه في خلقه ما يشاء. ١١٥٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّسَوِيُّ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْوَزِيرُ بْنُ صُبَيْحٍ، نا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قَالَ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا وَيُفَرِّجَ كَرْبًا وَيَرْفَعَ قَوْمًا وَيَضَعَ آخَرِينَ.

стр. 1944

١١٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدُوسٍ النَّحْوِيُّ إِمْلاءً، أنا أَبُو حَامِدٍ الْبِلالِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ لَوْحًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ وَقَنَاةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ وَكِتَابُهُ نُورٌ يَنْظُرُ اللَّهُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ﴿٣١﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٢﴾ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ﴿٣٣﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٤﴾ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ ﴿٣٥﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٦﴾ ﴾ [الرحمن: ٣١-٣٦] . ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١] هذا وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، ولا يشغله شأن عن شأن، وإنما حسن لفظ الفراغ لسبق ذكر الشأن، والمعنى: سنترك ذلك الشأن إلى هذا، قال الزجاج: سنقصد لحسابكم. وهذا قول ابن الأعرابي، واختيار أبي علي الفارسي، قال: ليس الفراغ ههنا فراغًا من شغل، ولكن تأويله القصد. والمفسرون على أن هذا تهديد منه لبعاده، وقرئ بالياء سيفرغ لتقدم قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، وقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] يعني: الجن والإنس، يدل عليه قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] أي: تخرجوا، يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا أخلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية، ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] جوانبها ونواحيها، واحدها: قطر، والمعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت، بالخروج من أقطار السموات والأرض، فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى: أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال الله

стр. 1945

تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ، ولن تستطيعوا أن تهربوا منه، ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] يقول: إلا بملكي، أي: حيث توجهتم فتم ملكي، وأنا آخذكم بالموت، ومعنى السلطان: القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك، والقدرة، والحجة كلها سلطان. قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ٣٥] جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار، ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس، ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية، وذلك قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ٣٥] والشواظ: اللهب الذي لا دخان معه، وقرأ ابن كثير بكسر الشين، وهو لغة أهل مكة، ومثله صوار من بقي وصوار، وقوله: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وهو الدخان، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير، والوالبي، وأكثر القراء فيه على الرفع، بالعطف على قوله: ﴿شُوَاظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] والمعنى: يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس، أي: يرسل هذا مرة وهذا مرة، ويجوز أن يرسلًا معًا من غير أن يختلط أحدهما بالآخر، وقرئ بالكسر وهو ضعيف، لأنه لا يمكن أن يعطف به على نار، في قوله: من نار لأنه لا يكون شواظ من نحاس، قال أبو علي: وهو يجوز من وجه، على أن تقديره: يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس، على أنه قد حكي أن الشواظ لا يكون إلا من النار والدخان جميعًا. ونحو هذا حكي عن أبي عمرو، وقوله: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] أي: لا تمتنعان من الله، ولا يكون لكم ناصر منه. ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴿٣٧﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٨﴾ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ﴿٣٩﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٠﴾ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ﴿٤١﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٢﴾ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٤٣﴾ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴿٤٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٥﴾ ﴾ [الرحمن: ٣٧-٤٥] . ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الرحمن: ٣٧] لنزول الملائكة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ [الرحمن: ٣٧] كلون الفرس الورد، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة والصفرة، قال قتادة: هي اليوم خضراء كما ترون، ولها يوم القيامة لون

стр. 1946

آخر إلى الحمرة. ﴿كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] جمع دهن، قال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها، بالدهن واختلاف ألوانه. وهذا قول الضحاك، ومجاهد، وقتادة، والربيع. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ [الرحمن: ٣٩] يعني: لا يسأل لتعرف ذلك بالمسألة من جهته، لأن الله تعالى قد أحصى الأعمال، وحفظها على العباد، فلا يسألون سؤال استفهام، ولكن يسألون سؤال تقريع وتوبيخ. ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] قالوا: بسواد الوجوه، وزرقة الأعين، يدل على هذا قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ، وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] ، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف، ويلقون في النار، روى الحسن، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «والذي نفسي بيده، لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام، فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم، حتى يقبضوا على من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام، فيستجير بالله منهم ومن جهنم» . أخبرنا أبو نصر الجوزقي، أنا بشر بن أحمد، نا محمد بن موسى الحلواني، نا الفضل بن زياد، نا مروديه الصايغ، قال: صلى بنا الإمام صلاة الصبح، فقرأ ﴿ [الرحمن ومعنا علي بن الفضيل بن عياض، فلما قرأ الإمام:] يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [سورة الرحمن: ٤١] الآية، خر عليّ مغشيًا عليه، ففرغنا من الصلاة، فلما كان بعد ذلك قلنا له: يا علي، أما سمعت الإمام يقول: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] . قال: شغلني عنها: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] . قوله: هذه جهنم أي: يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها، أي: أنها لا تكون. ثم أخبر عن حالهم فيها، فقال: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قال الفراء: هو الذي قد انتهى حره. قال الزجاج: أنى

стр. 1947

يأني فهو آن إذا انتهى في النضج والحرارة. وقال الحسن: قد بلغ منتهى حره. والمعنى: أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وعذاب الحميم، فإذا استغاثوا من النار، جعل غياثهم الحميم الآني، الذي قد صار كالمهل، وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] الآية. وكل ما ذكر الله تعالى من قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [الرحمن: ٢٦] إلى ههنا مواعظ ومزاجر، وتهديد وتخويف، وهي كلها نعمة من الله تعالى الانزجارية عن المعاصي، ولذلك ختم كل آية بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] . ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه، فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٧﴾ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴿٤٨﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٩﴾ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴿٥٠﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥١﴾ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴿٥٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٣﴾ ﴾ [الرحمن: ٤٦-٥٣] . ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أي: مقامه بين يدي ربه للحساب، فترك المعصية والشهوة، قال مجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله، فيدعها. جنتان قال مقاتل: يعني: جنة عدن وجنة النعيم. وقال الضحاك: هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعمله، فما عرض له من محرم تركه من خشية الله، وما عمل من خير أفضى به إلى الله، لا يحب أن يطلع عليه أحد فله جنتان. وقال قتادة: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام، فعملوا لله، ودأبوا له بالليل والنهار. ١١٥٥ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَثْمَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ،

стр. 1948

قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ ثم وصف الجنتين، فقال: ذواتا أفنان الأفنان: الأغصان، واحدها فنن وهو الغصن المستقيم طولًا، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وعطية , والكلبي، وقال الزجاج: الأفنان: الألوان، واحدها فن وهو الضرب من كل شيء. قال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة. وهو قول سعيد بن جبير، وجمع عطاء بين القولين، فقال: يريد: في كل غصن فنون من الفاكهة. ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] قال الحسن: إحداهما السلسبيل، والأخرى التسنيم. ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] أي: ضربان، وصنفان، ونوعان، يعني: أن فيهما من كل ما يتفكه ضربين رطبًا ويابسًا، لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب، ولا رطبه عن يابسه في العدم، كما يكون في الدنيا. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴿٥٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٥﴾ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ﴿٥٦﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٧﴾ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴿٥٨﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٩﴾ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ﴿٦٠﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦١﴾ ﴾ [الرحمن: ٥٤-٦١] . ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ [الرحمن: ٥٤] فيها، حال الذين ذكروا في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، ﴿عَلَى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] جمع فراش، ﴿بَطَائِنُهَا﴾ [الرحمن: ٥٤] جمع بطانة، وهي: التي تحت الظهارة، قال الزجاج: وهي ما يلي الأرض. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو كل ما غلظ من الديباج، قال ابن مسعود: أخبرتم بالبطائن، فكيف بالظهاير؟ وقال أبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر؟ وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق، فما الظواهر؟ فقال: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] . وقال ابن عباس: وصف البطائن، وترك الظواهر، لأنه ليس في

стр. 1949

الأرض أحد يعرف ما الظواهر. وقوله: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] الجنى: ما يجتنى من الثمار، قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائمًا، وإن شاء قاعدًا. وقال قتادة: لا ترد أيديهم عنها بعد ولا شوك. فيهن يعني: في الفرش التي ذكرها، ويجوز أن يكون في الجنان، لأنها معلومة وإن لم يذكر، قاصرات الطرف قال قتادة: قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهن. وقال ابن زيد: إنها تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، فالحمد الله الذي جعلني زوجك، وجعلك زوجي. لم يطمثهن قال الفراء: الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، يقال: طمث ويطمث وطمثت الجارية إذا افترعتها. قال المفسرون: لم يطأهن، ولم يغشاهن، ولم يجامعهن. قال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة، فعلى قوله: هؤلاء من حور الجنة. وقال الشعبي: هن من نساء الدنيا، لم يمسسن منذ أنشئن خلقًا. وهو قول الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان. قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الجني يغشى الإنس. ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أراد لهن صفاء الياقوت في بياض المرجان. ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة، قال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله، وعمل بما جاء به محمد ﷺ ، إلا الجنة. ١١٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بِهْرَامٍ، نا حَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، نا قُتَيْبَةُ، نا بِشْرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا يَقُولُ رَبُّكُمْ، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ رَبَّكُمْ، يَقُولُ: هَلْ جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلا الْجَنَّةُ. ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴿٦٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٣﴾ مُدْهَامَّتَانِ ﴿٦٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٥﴾ فِيهِمَا

стр. 1950

عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴿٦٦﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٧﴾ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴿٦٨﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٩﴾ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴿٧٠﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧١﴾ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴿٧٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧٣﴾ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ﴿٧٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧٥﴾ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴿٧٦﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧٧﴾ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴿٧٨﴾ ﴾ [الرحمن: ٦٢-٧٨] . ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أي: من دون الأوليين في الفضل، روى أبو موسى، عن النبي ﷺ ، قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما» . ثم نعتهما، فقال: مدهامتان قال أبو عبيدة، والزجاج: من خضرتهما قد اسودتا من الري وكل نبت أخضر، فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد، يقال: ادهام الزرع إذا علاه السواد ريًا ادهيمامًا فهو مدهام. ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] فوارتان، والنضخ: فوران الماء من العين، قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك، والعنبر، والكافور. قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] يعني: ألوان الفاكهة، ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] حكى الزجاج، عن يونس النحوي، قال: وهو مثل الخليل في القدم والحذق: أن الرمان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما فُصِلا بالواو لفضلهما، واستشهد بقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] قال: فصلا بالواو لفضلهما. قال الأزهري: ما علمت أحدًا من العرب، قال في النخيل، والكروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال ذلك، لقلة علمه بكلام العرب، وعلم اللغة، وتأويل القرآن العربي المبين، والعرب تذكر أشياء جملة، ثم تخص شيئًا منها بالتسمية، تنبيها على فضل فيه، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨] إلى قوله: وميكال فمن قال: إنهما ليسا من الملائكة لإفراد الله إياهما بالتسمية، فهو كافر، ومن قال ثمر النخل والرمان ليسا من الفاكهة لإفراد الله إياهما بالتسمية بعد ذكر الفاكهة، فهو جاهل. هذا كلام الأزهري. قوله: فيهن يعني: في الجنان الأربع، خيرات جمع خيرة، قال المفسرون: خيرات الأخلاق حسان الوجوه.

стр. 1951

١١٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] قَالَ: خَيِّرَاتُ الْأَخْلاقِ حِسَانُ الْوُجُوهِ ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] محبوسات، ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] يعني: أنهن خدرن فيها، وهذا قول مقاتل، وأبي عبيدة، وقال المفسرون: قصرن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم. والخيام جمع خيم، وخيم جمع خيمة، وهي: أعواد تنصب وتظلل بالنبات، فتكون أبرد من الأخبية، وأما خيام الجنة، فروى قتادة، عن ابن عباس، قال: الخيمة درة مجوفة، فرسخ في فرسخ، فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب. ١١٥٨ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا مَكِيُّ بْنُ عَبْدَانَ، نا أَبُو الْأَزْهَرِ رَوْحٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلُ الْمُؤْمِنِ لا يَرَاهُمُ الآخَرُونَ» ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ

стр. 1952

خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] قال أبو عبيدة: الرفارف البسط. وهو قول الضحاك، ومقاتل، والحسن، قالوا: المحابس والبسط. وقال الزجاج: قالوا: الرفرف ههنا رياض الجنة، وقالوا: الرفرف: الوسائد، وقالوا: الرفرف المحابس. وقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] يعني: عتاق الزرابي، والطنافس المخملة الموشية، قال أبو عبيدة: كل شيء من البسيط عبقري. وعبقري ههنا جمع، واحدتها عبقرية، لذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] . ثم ختم ال ﴿ [بما ينبغي أن يمجد به ويعظم، فقال:] تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: ٧٨] وقرأ ابن عباس: ذو الجلال إجراء على الاسم، وذلك يدل على أن الاسم هو المسمى.

стр. 1953

تفسير سورة الواقعة وهي تسعون وست آيات. ١١٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، نا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُتِبَ لَيْسَ مِنَ الْغَافِلِينَ» . أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مسروق، قال: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا والآخرة، فليقرأ ﴿ [الواقعة. بسم الله الرحمن الرحيم] إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١﴾ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴿٢﴾ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴿٣﴾ إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا ﴿٤﴾ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴿٥﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿٦﴾ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً ﴿٧﴾ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴿٨﴾ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴿٩﴾ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴿١٠﴾ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴿١١﴾ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿١٢﴾ ﴾ [سورة الواقعة: ١-١٢] . ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] قال ابن عباس: إذا قامت القيامة. والواقعة اسم للقيامة، كالآزفة وغيرها. ليس لوقعتها لمجيئها وظهورها، كاذبة كذب، أي: أنها تقع صدقًا وحقًا، وليس فيها، ولا في

стр. 1954

الإخبار عن وقوعها كذب. خافضة رافعة قال ابن عباس: تخفض ناسا، وترفع آخرين. وقال عطاء عنه: تخفض أقوامًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقوامًا كانوا في الدنيا متضعين. وقال قتادة: خفضت أقوامًا في عذاب الله، ورفعت أقوامًا في كرامة الله. والمعنى: أنها تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين في النار، وترفع أقوامًا آخرين إلى أعلى عليين في الجنة. ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] حركت حركة شديدة، قال قتادة، ومقاتل: زلزلت زلزالًا. وقال جماعة من المفسرين: ترج كما يرج الصبي في المهد، حتى ينهدم كل بناء عليها، وينكسر كل ما عليها من الجبال. وهو قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] قال عطاء: فتتت فتًا. وهذا قول مقاتل، ومجاهد، وقال السدي: كسرت كسرًا. وقال الحسن: قلعت من أصلها. يقال: بس الشيء إذا فتّته حتى يصير فتاتًا. ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] غبارًا متفرقًا، كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة وهو الهباء. ثم ذكر أحوال الناس، فقال: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أي: أصنافًا ثلاثة. ثم فسرها، فقال: فأصحاب الميمنة يعني: اليمين، وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، ويجوز أن يراد بهم: الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] تعجيب من شأنهم، كقولك: زيد ما زيد، ومثله: ﴿الْحَاقَّةُ ﴿١﴾ مَا الْحَاقَّةُ ﴿٢﴾ ﴾ [الحاقة: ١-٢] . ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] يعني: أصحاب الشمال، وتفسير هذه الآية على الضد من تفسير التي قبلها. ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] يعني: الذين سبقوا إلى توحيد الله، والإيمان برسوله، وقال مقاتل: إلى الأنبياء بالإيمان. ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] إلى جزيل ثواب الله، وعظيم كرامته، مثل النبيين والمرسلين. ثم أخبر أين محلهم، فقال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] . ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿١٣﴾ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴿١٤﴾ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ﴿١٥﴾ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ﴿١٦﴾ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ﴿١٧﴾ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴿١٨﴾ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ ﴿١٩﴾ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٢١﴾ وَحُورٌ عِينٌ ﴿٢٢﴾ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴿٢٣﴾ جَزَاءً بِمَا كَانُوا

стр. 1955

يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا ﴿٢٥﴾ إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴿٢٦﴾ ﴾ [الواقعة: ١٣-٢٦] . ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] يعني: من لدن آدم إلى زمان نبينا محمد ﷺ ، والثلة: جماعة غير محصورة العدد، قال مقاتل: يعني: سابق الأمم. ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] من هذه الأمة، قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين، وصدقوا بهم، أكثر ممن عاين النبي ﷺ . ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] منسوجة، كما توضن حلق الدرع، فيدخل بعضها في بعض، قال المفسرون: منسوجة بقضبان الذهب. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] غلمان لا يهرمون، ولا يتغيرون، قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد. قال: ويقال: مخلدون مقرطون، يقال: خلد جاريته، إذ أخلدها بالخلد، وهي القرطة. قال ابن عباس: غلمان لا يموتون. بأكواب هي الأقداح المستديرة الأفواه، لا آذان لها ولا عرى، والأباريق ذات الخراطيم، واحدها: إبريق، وهو الذي برق لونه من صفائه. وما بعد هذا مفسر في ﴿ [والصافات، إلى قوله: مما يتخيرون أي: يختارون، يقال: تخيرت الشيء أخذت خيره. ] وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٢١] قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير، فيصير ممثلًا بين يديه على ما اشتهى. وحور عين أكثر القراءة بالرفع على معنى: ولهم أو عندهم حور عين، ومن قرأ بالخفض، فقال الفراء: هو وجه الكلام على أن يتبع آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في الآخرة ما حسن في الأول، يعني: أنه عطف على الأول في الظاهر، وإن لم يعطف في المعنى، كما قال الشاعر: وزججن الحواجب والعيونا.

стр. 1956

فعطف العيون على الحواجب وهي لا تتزجج، على معنى: كحلن العيون. لذلك ههنا معناه: ويكرمون بفاكهة، ولحم طير، وحور عين. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أي: يفعل ذلك بهم جزاء أعمالهم. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أي: لا لغو فيها فيسمع، ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أي: لا يقولون بعضهم لبعض: أثمت، لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم، وهذا معنى قول ابن عباس: لا يتكلمون بالإثم كما يتكلم أهل الدنيا. إلا قليلًا أي: لكن يقولون قيلًا، أو يسمعون قيلًا، سلامًا يسلمون فيه من اللغو والإثم، وقال عطاء: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام. ثم ذكر أصحاب اليمين، وعجب من شأنهم، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴿٢٧﴾ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴿٢٨﴾ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ﴿٢٩﴾ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴿٣٠﴾ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ﴿٣١﴾ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿٣٢﴾ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ﴿٣٣﴾ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴿٣٤﴾ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ﴿٣٥﴾ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ﴿٣٦﴾ عُرُبًا أَتْرَابًا ﴿٣٧﴾ لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٣٨﴾ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿٣٩﴾ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴿٤٠﴾ ﴾ [الواقعة: ٢٧-٤٠] . ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴿٢٧﴾ فِي سِدْرٍ﴾ [الواقعة: ٢٧-٢٨] وهو نوع من الشجر، مخضود منزوع الشوك، خضد شوكه أي: قطع شوكه، فلا شوك فيه. وطلح وهو من أعظم أشجار العرب، منضود نضد بالحمل من أوله إلى آخره، فليست له سوق بارزة. وظل ممدود دائم باق لا يزول، ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل، لا ينقطع: ممدود. وماء مسكوب مصبوب، يجري الليل والنهار لا ينقطع عنهم، فهو مسكوب بسكب الله إياه في مجاريه. وفاكهة كثيرة يعني: ألوان فواكه الجنة. لا مقطوعة قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت. ولا ممنوعة لا تمنع من أحد أراد أخذها، وقال ابن قتيبة: يعني: أنها غير محظورة عليها، كما يحظر على بساتين الدنيا. فينظر الناظر إلى ثمارها، ولا يصل إليها فهي محظورة مقطوعة، ممنوعة عن الناس ممنوعة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها غير مقطوعة بالأزمان، كما تنقطع أكثر فواكه الدنيا في الشتاء، ولا ممنوعة بالأثمان، لا يتوصل إليها إلا بالثمن، يدل على هذا ما روي أن ابن شوذب، قال: مررت بالحجاج بن فرافصة، وهو واقف على أصحاب الفاكهة،

стр. 1957

فقلت له: ما يقيمك ههنا. قال: أنظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة. وفرش مرفوعة على الأسرة، وهو قول علي ﵁، قال: فوق السرير. وجماعة المفسرين، قالوا: بعضها فوق بعض، فهي مرفوعة عالية. قوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] خلقناهن خلقًا جديدًا، قال ابن عباس: يعني: النساء الآدميات العجز الشمط، يقول: خلقناهن بعد الكبر والهرم في الدنيا خلقًا آخر، وقال الضحاك: أنشأهن الله بعد إذ كن عجزًا. فجعلناهن أبكارًا عذارى، وقال مقاتل: يعني: الحور العين أنشأهن الله تعالى، لم تقع عليهن ولادة. ثم نعتهن، فقال: عربًا جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها، قال المبرد: هي العاشقة لزوجها. أترابًا أمثالًا، مستويات في السن على سن واحد. لأصحاب اليمين يريد: أنشأناهن لأصحاب اليمين. ثم نعتهم، فقال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] من المؤمنين الذين كانوا قبل هذه الأمة. ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] من مؤمني هذه الأمة، وهذا قول عطاء، ومقاتل، وذهب جماعة: أن الثلثين جميعًا من هذه الأمة، وهو قول مجاهد، والضحاك، واختيار الزجاج، قال: جماعة ممن تبع النبي ﷺ وعاينه، وجماعة ممن آمن به وكان بعده. وروي مرفوعًا: ١١٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿٣٩﴾ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴿٤٠﴾ ﴾ [الواقعة: ٣٩-٤٠] ، قَالَ: جَمِيعُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ أُمَّتِي ثم ذكر أصحاب الشمال، وذكر منازلهم، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴿٤١﴾ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴿٤٢﴾ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ﴿٤٣﴾ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ﴿٤٤﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا

стр. 1958

قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴿٤٥﴾ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴿٤٦﴾ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿٤٧﴾ أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ﴿٤٨﴾ قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ﴿٤٩﴾ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴿٥٠﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿٥١﴾ لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ﴿٥٢﴾ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿٥٣﴾ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ﴿٥٤﴾ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴿٥٥﴾ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴿٥٦﴾ ﴾ [الواقعة: ٤١-٥٦] . ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴿٤١﴾ فِي سَمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤١-٤٢] أي: في حر النار، ﴿وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ماء حار يغلي. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] من دخان جهنم، واليحموم: يفعول من الأحم وهو الأسود، والعرب تقول: أسود يحموم، إذا كان شديد السواد. ثم نعت ذلك الظل، فقال: ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] قال ابن عباس: يريد: لا بارد المدخل، ولا كريم المنظر. قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعًا لكل شيء نعت عنه وصفًا ينوي به الذم، تقول: ما هو بسمين ولا كريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة. ثم ذكر أعمالهم التي أوجبت لهم هذا، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] كانوا في الدنيا منعمين، متكبرين في ترك أمر الله. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] الحنث: الذنب الكبير. قال أهل التفسير: عنى به الشرك، أي: كانوا لا يتوبون عن الشرك. وقال الشعبي: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] : اليمين الغموس. ومعنى هذا: أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون، وكذبوا في ذلك، فهذا إصرارهم على الحنث العظيم، ويدل على هذا قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا﴾ [الواقعة: ٤٧] الآية وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] وقرئ بضم الشين، قال المبرد: الفتح على أصل المصدر، والضم اسم للمصدر، والمعنى فيهما واحد، تقول: شغله شغلًا والاسم الشغل، وضعف ضعفًا والاسم الضعف. والهيم الإبل العطاش، وقال ابن عباس: هي التي بها الهيام لا تروى. وقال مقاتل: يلقى على أهل النار العطش، فيشربون كشرب الهيم. هذا نزلهم يعني: ما ذكر من الزقوم، والشراب غذاؤهم، يوم الدين يوم يجازون بأعمالهم. ثم احتج عليهم في البعث، بقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ﴿٥٧﴾ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ﴿٥٨﴾ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴿٥٩﴾ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ

стр. 1959

الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴿٦٠﴾ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٦١﴾ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذْكَّرُونَ ﴿٦٢﴾ ﴾ [الواقعة: ٥٧-٦٢] . نحن خلقناكم قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئًا مذكورًا، وأنتم تعلمون ذلك. فلولا فهلا، تصدقون بالبعث. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ما تقذفون، وتصبون في أرحام النساء من النطف. أأنتم تخلقون ما تمنون بشرًا، ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴿٥٩﴾ نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾ [الواقعة: ٥٩-٦٠] وقرأ ابن كثير مخففًا، وهما لغتان: قدرت الشيء وقدرته، ﴿بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] قال مقاتل: فمنكم من يموت كبيرًا، ومنكم من يموت صغيرًا، وشابًا، وشيخًا. وقال الضحاك: تقديره: أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء. وعلى هذا يكون معنى قدرنا: قضينا. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] بمغلوبين. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أي: نأتي بخلق مثلكم بدلًا منكم، قال الزجاج: إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم، لم يسبقنا سابق، ولا يفوتنا. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] من الصور، أي: إن أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم نسبق، ولا فاتنا ذلك. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢] ابتداء الخلق، حين خلقتم من نطفة، وعلقة، ومضغة، ﴿فَلَوْلا تَذْكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فلا تنكروا قدرة الله على النشأة الأخيرة. قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ﴿٦٣﴾ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴿٦٤﴾ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿٦٥﴾ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ﴿٦٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٦٧﴾ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨﴾ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴿٦٩﴾ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ﴿٧٠﴾ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴿٧١﴾ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ﴿٧٢﴾ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ﴿٧٣﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٧٤﴾ ﴾ [الواقعة: ٦٣-٧٤] . ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] تعملون في الأرض، وتلقون فيها من البذر. ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٤] تنبتونه، أم نحن المنبتون، قال المبرد: يقال: زرعه الله أي: أنماه. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ﴾ [الواقعة: ٦٥] جعلنا ما تحرثون، ﴿حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] قال عطاء: تبنا لا قمح فيه. قال الزجاج: أي: أبطلناه حتى يكون متحطمًا، لا حنطة فيه ولا شيء. والمعنى: أنه يقول: لو نشاء لجعلنا ما تحرثون كلأ، يصير بعد يبسه حطامًا متكسرًا، لا حنطة فيه، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] قال الفراء: تفكهون: تتعجبون مما نزل

стр. 1960

بكم في زرعكم. وهو قول عطاء، والكلبي، ومقاتل، قال: ويقال: معناه: تندمون. وهو قول عكرمة، وقتادة، والحسن، وقال أبو عمرو، والكسائي: هو التلهف على ما فات. ويقولون: إنا لمغرمون المغرم: الذي ذهب ماله بغير عوض، تقولون: إنا قد غرمنا الحب الذي بذرناه، فذهب من غير عوض. وهو قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] تستخرجونها وتقدحونها، يقال: أوريت النار إذا قدحتها. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ [الواقعة: ٧٢] التي تقدح منها، ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] قال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن. وقال عكرمة، ومجاهد، ومقاتل: جعلنا النار تذكرة للنار الكبرى. أي: إذا رآها الرائي، ذكر جهنم وما يخافه من العذاب، فذكر الله، واستجار به منها، ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] المقوي: الذي ينزل بالقوى، وهي الأرض الخالية، والمعنى: ينتفع بها أهل البوادي والأسفار، النازلين في الأرض القي، ومنفعتهم بما بها أكثر من منفعة المقيم، وذلك أنهم يوقدونها ليلًا لتهرب منهم السباع، ويهتدي بها الضال من الطريق، وقال عكرمة، ومجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين، يستضيئون بها في الظلمة، ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز. وعلى هذا القول المقوي من الأضداد، يقال للفقير: مقو، لخلوه من المال، وللغني: مقو، لقوته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل إذا صار إلى حالة القوة، والمعنى: ومتاعًا للأغنياء والفقراء، وذلك لأنه لا غنى لأحد عنها. ولما ذكر الله تعالى ما يدل على توحيده، وما أنعم به عليهم، قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أي: فبرئ الله مما يقولون في وصفه. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴿٧٥﴾ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿٧٦﴾ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ﴿٧٨﴾ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ﴿٧٩﴾ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴿٨١﴾ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴿٨٢﴾ ﴾ [الواقعة: ٧٥-٨٢] .

стр. 1961

فلا أقسم لا زائدة، والمعنى: فأقسم، ويجوز أن تكون ردًا لما يقوله الكفار في القرآن، من أنه سحر، وشعر، وكهانة، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، وقوله: بمواقع النجوم قال ابن عباس: أقسم بنزول القرآن، نزل متفرقًا قطعًا نجومًا. وقال جماعة من المفسرين: يريد: مغارب النجوم ومساقطها. وقرئ بموقع النجوم على واحد، وقال المبرد: موقع ههنا مصدر، فهو يصلح للواحد والجمع. ثم أخبر عن عظم هذا القسم، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] قال الفراء، والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن. والضمير في: إنه يعود على القسم، ودل عليه أقسم، والمعنى: وإن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون. ثم ذكر المقسم عليه، بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] قال مقاتل: كرمه الله وأعزه، لأنه كلامه. وقال أهل المعاني: القرآن الكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين. وقال الأزهري: الكريم: اسم جامع لما يحمد، والقرآن الكريم يحمد لما فيه من الهدى، والبيان، والعلم، والحكمة. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] مستور من خلقه عند الله، في اللوح المحفوظ. ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله: لا يمسه تعود إلى الكتاب المكنون، والمطهرون هم الملائكة، قال المبرد: لا يمس ذلك اللوح المحفوظ إلا الملائكة، الذين وصفوا بالطهارة. ومذهب قوم: أن الضمير يعود إلى القرآن، والمراد به: المصحف، كما روي في الحديث: «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» ، يعني به: المصحف، والمراد بقوله: المطهرون أي: من الأحداث والجنايات، وقالوا: لا يجوز للمحدث، والحائض، والجنب مس المصحف. وهذا قول محمد بن علي، وعطاء، وطاوس، وسالم، والقاسم، ومذهب مالك، والشافعي.

стр. 1962

١١٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: لا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلا عَلَى طُهْرٍ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] يعني: القرآن، منزل من عند رب العالمين على رسوله ﷺ . قوله: أفبهذا الحديث يعني: القرآن، أنتم يا أهل مكة، مدهنون تكفرون وتكذبون، قال الزجاج: أي: أفبالقرآن تكذبون، قال: والمدهن المداهن: الكذاب المنافق. ومعنى المدهن: من الإدهان، وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر، هذا أصله، ثم قيل للمكذب: مدهن. وإن صرح بالتكذيب والكفر. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] قال المفسرون: تجعلون شكركم، أنكم تكذبون بنعم الله عليكم، فتقولون: سقينا بنوء كذا. وذلك أنهم كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا. ولا ينسبون السقيا إلى الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم، أي: شكركم بما رزقتم التكذيب، والمعنى: شكر رزقكم فحذف المضاف، قال الأزهري: معنى الآية: وتجعلون بدل شكر رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب، فإنه من عند الله الرزاق. قال: ومن جعل الرزق من عند الله، وجعل النجم وقتًا وقته الله للغيث، ولم يجعله المغيث الرازق، رجوت أن لا يكون مكذبًا. والله أعلم. ١١٦٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، نا عَمْرُو بْنُ

стр. 1963

مَرْزُوقٍ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «يُصْبِحُ النَّاسُ مُجْدِبِينَ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِرِزْقٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا» . ١١٦٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا حَرْمَلَةُ وَعْمَرُو بْنُ سَوَادٍ السَّرْحِيُّ، قَالا: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَمْ تَرَ إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ وَعَمْرِو بْنِ سَوَادَةَ. ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿٨٣﴾ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴿٨٤﴾ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴿٨٥﴾ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴿٨٦﴾ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٨٧﴾ ﴾ [الواقعة: ٨٣-٨٧] . ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] يقول: فهلا إذا بلغت الروح، أو النفس الحلقوم عند الموت. ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] قال الزجاج: وأنتم يا أهل الميت في تلك الحال، ترون الميت قد صار إلى أن يخرج نفسه. وقال صاحب النظم: معنى تنظرون ههنا: لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئًا. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] أي: بالعلم، والقدرة، والرؤية، ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] لا تعلمون ذلك، والخطاب للكفار، وقال المفسرون: ونحن أقرب يعني: ملك الموت وأعوانه. والمعنى: ورسلنا القابضون روحه، ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] أولئك الذي حضروه. فلولا فهلا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] غير مملوكين، وقال أكثرهم: غير محاسبين. ترجعونها تردونها إلى موضعها، إن كنتم محاسبين، ولا مجزيين كما تزعمون، يقول: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث، ولا حساب، ولا جزاء، ولا إله يحاسب ويجازي، فهلا تردون

стр. 1964

نفس من يعز عليكم، إذا بلغت الحلقوم! وإذ لم يمكنكم ذلك بوجه، فاعلموا أن الأمر إلى غيركم، وهو الله . ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت، بقوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨٨﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴿٨٩﴾ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٩٢﴾ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴿٩٣﴾ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴿٩٤﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴿٩٥﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٩٦﴾ ﴾ [الواقعة: ٨٨-٩٦] . ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] الذي بلغت روحه الحلقوم، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] عند الله. ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أي: فله روح، وهو الراحة والاستراحة، وقال مجاهد: الروح: الفرح. ﴿وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] يعني: الرزق في الجنة، وقال الحسن، وأبو العالية: يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ [الواقعة: ٩٠] المتوفى، ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾ ﴾ [الواقعة: ٩٠-٩١] أي: أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وقال مقاتل: هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيئاتهم، ويقبل حسناتهم. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بالبعث، الضالين عن الهدى. ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] فالذي يعد له حميم جهنم. وتصلية جحيم وإدخال لنار عظيمة، كما يقال: ويصلى سعيرًا في قراءة من شدد. ١١٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ

стр. 1965

جُنَادَة، قَالَ: نا فُلانٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، فَأَنْشَأَ الْقَوْمُ يَبْكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يُبْكِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨٨﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴿٨٩﴾ ﴾ [الواقعة: ٨٨-٨٩] قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُحِبُّ لِقَاءَ اللَّهِ وَاللَّهُ لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٩٢﴾ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴿٩٣﴾ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴿٩٤﴾ ﴾ [الواقعة: ٩٢-٩٤] فَيَكْرَهُ لِقَاءَ اللَّهِ وَاللَّهُ لِلِقَائِهِ أَكْرَهُ ". قوله: إن هذا يعني: ما ذكر من قصة المحتضرين، ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] حق الأمر اليقين. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] نزه الله عنه السوء، والباء زائدة، والاسم يكون بمعنى: الذات والنفس، كأنه قيل: فسم اسم ربك العظيم.
следующие страницы →