السؤال (٢٤١) : فضيلة الشيخ، لكن إذا جاز التوكيل في الرمي، هل هناك شروط للنائب والمنيب ؟
الجواب: نعم، أما المنيب فيشترط ألا يستطيع الرمي بنفسه لا ليلا ولا نهارا، وأما النائب، فقال الفقهاء ﵏: أنه لابد أن يكون ممن حج تلك السنة، وأن يكون قد رمى عن نفسه.
عجز عن إكمال النسك، فماذا يصنع؟
стр. 247
السؤال (٢٤٢) : فضيلة الشيخ، إذا عجز الحاج عن إكمال النسك فماذا يصنع ؟
الجواب: إذا عجز الحاج عن إتمام النسك، فلا يخلو من حالين:
إما أن يكون عجزه بصد عدو صده عن البيت؛ كما جرى للنبي ﷺ حين صده المشركون عام الحديبية، ففي هذه الحال: يحلق بعد أن ينحر هديه ويحل من إحرامه؛ لقول الله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة: ١٩٦) ، وأمر النبي ﷺ أصحابه عام الحديبية أن يحلقوا، ولما تأخروا رجاء أن ينسخ الحكم، أو لسبب آخر غلب ﵊ في ذلك، حتى أشارت عليه إحدى أمهات المؤمنين أن يخرج إليهم فيحلق رأسه، ففعل، وحينئذ تتابع الناس على حلق رؤوسهم، والإحلال من إحرامهم، وفي هذه الحال، لا يلزمه أن يقضي ما أحصر عنه، إلا إذا كان لم يؤد الفريضة، فإنه يلزمه أداء الفريضة بالأمر الأول، لا قضاء عما أحصر فيه، هذا إذا كان الحصر بعدو.
أما إذا كان الحصر بغير عدو، كما لو أحصر بذهاب نفقة أو بمرض أشتد به، فإنه في هذه الحال يحل من إحرامه، بعد أن ينحر هديا ويحلق، إما قياسا على حصر العدو، وإما إدخالا له في العموم، وهو قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (البقرة: من ١٩٦) ، فإن هذا الإحصار شامل، وكون الإحصار بالعدو هو الذي وقع في عهد النبي ﵊، لا يمنع أن تتناول الآية غيره.
على كل حال: إذا حصر بغير عدو، من مرض، أو ذهاب نفقة، أو ما أشبه ذلك، فالقول الراجح: أنه يحل بهذا الإحصار، بعد أن ينحر هديه ويحلق رأسه، ويلزمه القضاء، أي: قضاء ما أحصر فيه إلا إذا كان واجبا بأصل الشرع، مثل أن يكون لم يؤد الفريضة من قبل، فيلزمه فعل الفريضة بالخطاب الأول، أي: بالأمر الأول، لا من حيث إنه قضاء.
هذا إذا لم يكن اشترط في ابتداء إحرامه، أنه ((إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني)) ، فإن كان قد اشترط في بداية إحرامه أنه ((إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني)) ، فإنه يحل من إحرامه مجاناً ولا شيء عليه؛ لقول النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير، وقد أرادت الحج وهي شاكية: ((حجي واشترطي، وقولي: اللهم، محلي حيث حبستني)) (١) .
حكم من توفي أثناء إحرامه بالنسك
стр. 248
السؤال (٢٤٣) : فضيلة الشيخ، هذا ما يتعلق بالحاج إذا عجز عن النسك، لكن لو توفي الحاج أثناء تلبسه بالنسك ما الحكم ؟
الجواب: إذا توفي الحاج أثناء تلبسه بالنسك، فإن من أهل العلم من يقول: إذا كان حجه فريضة، فإنه يقضى عنه ما بقي، ومنهم من يقول: إنه لا يقضى عنه ما بقي، وهذا القول هو القول الراجح؛ ودليله حديث ابن عباس ﵄ في قصة الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة، فقال النبي ﷺ : ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)) (١) ولم يأمر النبي ﷺ أن يقضي أحد عنه ما بقي من نسكه، ولأننا لو قضينا ما بقي من نسكه، لكان هذا النائب الذي قام مقامه يحل من إحرامه، وحينئذ لا يبعث الرجل يوم القيامة ملبياً؛ لأن نائبه قد حل من الإحرام الذي تلبس به بدلاً عنه، وعلى كل حال: فالقول الراجح بلا شك: أن الإنسان إذا مات أثناء تلبسه بالنسك، فإنه لا يقضى عنه، سواء كان ذلك فريضة أم نافلة.
стр. 249
السؤال (٢٤٤) : فضيلة الشيخ، لكن هل يقتصر هذا الحكم على الوقت الذي يلبى فيه، يعني: قبل رمي جمرة العقبة أم يشمل جميع الحج ؟
الجواب: يشمل جميع الحج، يعني: سواء كان ذلك قبل التحلل الأول، أم بعد التحلل الأول؛ فإنه لا يقضى عنه ما بقي.
صفة الاشتراط
стр. 250
السؤال (٢٤٥) : فضيلة الشيخ، ذكرتم الاشتراط إذا عجز الحاج عن إكمال النسك، نود أيضاً أن نعرف حكم الاشتراط، وما هي صفته ؟
الجواب: نذكر أولاً صفة الاشتراط قبل حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
صفة الاشتراط: أن الإنسان إذا أراد الإحرام يقول: إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني، يعني: فإنني أحل، إذا حبسني حابس، أي: منعني مانع عن إكمال النسك، وهذا يشمل أي مانع كان؛ لأن كلمة حابس، نكرة في سياق الشرط، فتعم أي حابس كان، وفائدة هذا الاشتراط: أنه لو حصل له حابس يمنعه من إكمال النسك، فإنه يحل من نسكه ولا شيء عليه، وقد اختلف أهل العلم في الاشتراط.
فنهم من قال: إنه سنة مطلقاً، أي: أن المحرم ينبغي له أن يشترط، سواء كان في حال خوف أو في حال أمن؛ لما يترتب عليه من الفائدة، والإنسان لا يدري ما يعرض له.
ومنهم من قال: إنه لا يسن إلا عند الخوف، أما إذا كان الإنسان آمناً، فإنه لا يشترط.
ومنهم من أنكر الاشتراط مطلقاً.
والصواب: القول الوسط، وهو أنه إذا كان الإنسان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نسكه، سواء كان هذا العائق عاماً أم خاصاً، فإنه يشترط، وإن لم يكن خائفاً فإنه لا يشترط؛ وبهذا تجتمع الأدلة؛ فإن النبي ﷺ أحرم ولم يشترط، وأرشد ضباعة بنت الزبير ﵂ إلى أن تشترط (١) ، حيث كانت شاكية، والشاكي، أي: المريض_ خائف من عدم إتمام نسكه.
وعلى هذا فنقول: إذا كان الإنسان خائفاً من طارئ يطرأ، يمنعه من إتمام النسك، فليشترط؛ أخذاً بإرشاد النبي ﷺ ضباعة بنت الزبير، وإن لم يكن خائفاً، فالأفضل ألا يشترط، اقتداء برسول الله ﷺ حيث أحرم بدون شرط.
صيغة الشرط
стр. 251
السؤال (٢٤٦) : فضيلة الشيخ، لكن بالنسبة للمشترط هل يلزمه أن يأتي بالصيغة التي وردت عن الرسول ﷺ ، أم يشترط بأي كلام يعبر به عما في نفسه ؟
الجواب: لا يلزمه أن يأتي بالصيغة الواردة؛ لأن هذا مما لا يتعبد بلفظه، والشيء الذي لا يتعبد بلفظه يكتفى فيه بالمعنى.
محظورات الإحرام
стр. 252
السؤال (٢٤٧) : فضيلة الشيخ، ما هي محظورات الإحرام ؟
الجواب: محظورات الإحرام هي الممنوعات بسبب الإحرام، يعني: المحرمات التي سببها الإحرام، وذلك أن المحرمات نوعان:
محرمات في حال الإحرام وحال الحل؛ وإليها أشار الله تعالى بقوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ) (البقرة: ١٩٧) . كلمة فسوق عامة تشمل ما كان الفسق فيه بسبب الإحرام وغيره.
ومحرمات خاصة سببها الإحرام، إذا تلبس الإنسان بالإحرام، فإنها تحرم عليه، وتحل له في حال الحل.
فمن محظورات الإحرام: الجماع، وهو أشد المحظورات إثماً، وأعظمها أثراً، ودليله قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) ؛ فإن الرفث هو الجماع ومقدماته، وإذا وقع الجماع قبل التحلل الأول في الحج، فإنه يترتب عليه أمور خمسة:
الأول: الإثم.
الثاني: فساد النسك.
والثالث: وجوب الاستمرار فيه.
والرابع: وجوب فدية؛ بدنة يذبحها ويفرقها على الفقراء.
والخامس: وجوب القضاء من العام القادم.
وهذه آثار عظيمة تكفي المؤمن في الانزجار عنه والبعد عنه.
ومن المحظورات أيضاً: المباشرة بشهوة، والتقبيل، والنظر بشهوة، وكل ما كان من مقدمات الجماع؛ لأن هذه المقدمات تفضي إلى الجماع.
ومن محظورات الإحرام: حلق شعر الرأس؛ لقوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة: ١٩٦) ، وألحق العلماء بحلق الرأس حلق جميع الجسم، وألحقوا به أيضاً تقليم الأظفار وقصها.
ومن محظورات الإحرام: عقد النكاح؛ لقول النبي ﷺ : ((لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب)) (١)
ومن محظوراته أيضاً: الخطبة، فلا يحوز للإنسان أن يخطب امرأة وهو محرم بحج أو عمرة.
ومن محظورات الإحرام قتل الصيد، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) (المائدة: ٩٥) .
ومن محظوراته أيضاً: الطيب بعد عقد الإحرام، سواء في البدن، أو في الثوب، أو في المأكول، أو في المشروب؛ فلا يحل لمحرم استعمال الطيب على أي وجه كان بعد عقد إحرامه، لقول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته في عرفه فمات: ((لا تحنطوه)) (٢) ، والحنوط: أطياب تجعل في الميت عند تكفينه.
فأما أثر الطيب الذي تطيب به عند الإحرام، فإنه لا بأس به، ولا تجب عليه إزالته؛ لقول عائشة ﵂: كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم٢٣٠) ، وقالت: كنت أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم (٣)
ومن محظورات الإحرام أيضاً: لبس الرجل القميص، والبرانس، والسروايل، والعمائم، والخفاف؛ هكذا أجاب النبي ﷺ حين سئل: ما يلبس المحرم، فقال: ((لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف، إلا من لا يجد إزاراً فيلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين)) (٤)
وما كان بمعنى هذه المحظورات فهو مثلها، فالكوت، والفانيلة، والصدرية، والغترة، والطاقية، والمشلح، كل هذه بمعنى المنصوص عليه، فيكون لها حكم المنصوص عليه.
وأما لبس الساعة، والخاتم، والكمر، وسماعة الأذن، ونظارة العين، والكمر الذي تكون فيه الفلوس وما أشبهها فإن ذلك لا يدخل في المنهي عنه، لا بالنص ولا بالمعنى؛ وعلى هذا فيجوز للمحرم أن يلبس هذه الأشياء.
وليعلم أن كثيراً من العامة، فهموا من قول أهل العلم: ((إن المحرم لا يلبس المخيط)) ، أن المراد بالمخيط ما فيه خياطة؛ ولهذا تجدهم يسألون كثيراً عن لبس الكمر المخيط، وعن لبس الأزرار، أو الرداء المرقع، وعن لبس النعال المخوذة وما أشبه ذلك، ظناً منهم أن العلماء يريدون بلبس المخيط: لبس ما كان فيه خياطة، والأمر ليس كذلك، وإنما مراد العلماء بذلك: ما يلبس من الثياب المفصلة على الجسم، على العادة المعروفة، وتأمل قول الرسول ﷺ : ((لا يلبس القميص ولا السراويل..ألخ)) يتبين لك أن الإنسان لو تلفف بالقميص بدون لبس، فإنه لا حرج عليه، فلو جعل القميص إزاراً لفه على ما بين سرته وركبته، فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأن ذلك لا يعد لبساً للقميص.
ومن المحرمات في الإحرام: تغطية الرجل رأسه بملاصق معتاد، كالطاقية، والعمامة، والغترة، فأما تظليل الرأس بالشمسية، أو سقف السيارة، أو بثوب يرفعه بيديه عن رأسه، فهذا لا بأس به، لأن المحرم تغطية الرأس لا تظليله، وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث أم حصين ﵂ قالت: رأيت النبي ﷺ راكباً، وأسامة وبلال أحدهما آخذ بخطام ناقته، والثاني رافع ثوبه، أو قالت: ثوباً يظلله به من الحر، حتى رمى جمرة العقبة (٥) ولا يحرم على المحرم أن يحمل عفشه على رأسه؛ لأن ذلك لا يراد للتغطية، وإنما المراد به الحمل.
ومن محظورات الإحرام: أن تنتقب المرأة، أي: تضع النقاب على وجهها، يعني: النقاب لباس الوجه، وقد نهى رسول الله ﷺ المرأة أن تنتقب وهي محرمة (٦) ؛
فالمشروع للمرأة في حال الإحرام أن تكشف وجهها، إلا إذا كان حولها رجال غير محارم لها، فإنه يجب عليها أن تستر الوجه، وفي هذه الحال: لا بأس أن يلاصق الساتر بشرتها، ولا حرج عليها في ذلك.
ومن محظورات الإحرام: لبس القفازين وهما جوارب اليدين، وهذا يشمل الرجل والمرأة فلا تلبس المرأة القفازين في حال الإحرام، وكذلك الرجل لا يلبس القفازين؛ لأنهما لباس، فهما كالخفين بالنسبة للرجل.
حكم وضع شيء ملاصق لرأس المحرم
стр. 253
السؤال (٢٤٨) : فصيلة الشيخ، قلتم: إنه لا يستر المحرم رأسه أو لا يضع على رأسه ملاصقاً؛ كالغترة والطاقية، هل يشمل ذلك أيضاً وضع قطعة ورق أو كرتون أو بطانية على رأسه ؟
الجواب: نعم يشمل هذا، ولهذا إذا احتاج إلى تظليل رأسه، فليرفع هذا عن رأسه قليلاً لا يباشره.
الفرق بين النقاب والبرقع
стр. 254
السؤال (٢٤٩) : فضيلة الشيخ، ما الفرق بين النقاب والبرقع وهل يجوز للمرأة المحرمة أن تلبس البرقع ؟
الجواب: البرقع أخص من النقاب؛ لأن النقاب خمار معتاد، يتدلى من خمار رأسها، ويفتح لعينيها، أما البرقع فإنه قد فصل للوجه خاصة، وغالباً يكون فيه من التجميل والنقوش ما لا يكون في النقاب، ولذلك فلا يجوز أن تلبس المحرمة البرقع؛ لأنها إذا منعت من النقاب فالبرقع من باب أولى.
كيف ستر وجه المحرمة أمام الرجال
стр. 255
السؤال (٢٥٠) : فضيلة الشيخ: قلتم بوجوب ستر المحرمة وجهها إذا حضر الرجال، فهل تستر وجهها بالنقاب أم بشيء آخر ؟
الجواب: تستره بشيء ليس بنقاب، ولا برقع، تغطيه تغطيه كاملة.
حكم من تلبس ببعض محظورات الإحرام
стр. 256
السؤال (٢٥١) : فضيلة الشيخ، فصلتم في الجماع كمحظور من محظورات الإحرام، وذكرتم أنه يترتب عليه خمسة أمور، لكن بقية المحظورات ما ذكرتم لنا حكم من تلبس بشيء منها ؟
الجواب: نذكر ذلك إن شاء الله:
أما الصيد: فقد بين الله ما يترتب عليه؛ فقال: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً) (المائدة: ٩٥) فإذا كان هذا الصيد مما له مثل من النعم، أي: من الإبل أو الفقر أو الغنم، فإنه يذبح مثله في مكة، ويتصدق به على الفقراء، أو يجعل بدل المثل طعاماً يشترى ويوزع على الفقراء، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً، هذا إذا كان له مثل، أما إذا كان لم يكن له مثل، فإن العلماء يقولون: يخير بين الإطعام والصيام، فيقوم الصيد بدراهم، ويطعم ما يقابل هذه الدراهم الفقراء في مكة، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً. هذا في الصيد.
أما في حلق الرأس: فقد بين الله أن الواجب فدية من صيام أو صدقة أو نسك، وبين رسول الله ﷺ أن الصيام ثلاثة أيام وأن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك شاة يذبحها، وهذه الشاة توزع على الفقراء، وحلق الرأس حرام إلا لمن تأذى بالشعر؛ كما سنتعرض له إن شاء الله تعالى.
محظورات الإحرام (تتمة)
стр. 257
السؤال (٢٥٢) : فضيلة الشيخ، ما الذي يجب على من ارتكب محظوراً من هذه المحظورات ؟
الجواب: ذكرنا فيما سبق ما يجب في فعل محظورات الإحرام، فذكرنا جزاء الصيد، وذكرنا ما يجب في الجماع أيضاً، وذكرنا ما يجب بحلق الرأس، وأنه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، والصيام بينه النبي ﵊ بأنه صيام ثلاثة أيام، والصدقة بأنها إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنسك ذبح شاة، وهذه الشاة توزع على الفقراء، ولا يؤكل منها شيء، لأنها وجبت جبراناً للنسك، حيث انتهك الإنسان ما حرم عليه فيه.
وهذه الفدية تسمى عند أهل العلم فدية الأذى؛ لأن الله تعالى ذكرها في ذلك؛ حيث قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (البقرة: ١٩٦) ، قال أهل العلم: وهي واجبة - أعني فدية الأذى - واجبة في كل محظور من محظورات الإحرام، ما عدا الجماع قبل التحلل الأول في الحج، وجزاء الصيد؛ لأن في الأول بدنه، وفي الثاني المثل، أو ما يقوم مقامه، فكل المحظورات عندهم ما عدا ما ذكرنا، كل المحظورات التي فيها فدية، فديتها فدية الأذى، فدخل في ذلك: لبس القميص، والسراويل، والبرانس، وما أشبهها، وتغطية الرأس للرجل، وتغطية الوجه للمرأة، والطيب، والمباشرة، وما أشبه ذلك، هكذا قال أهل العلم في هذه المحظورات.
حكم من ارتكب محظوراً من المحظورات جاهلاً
стр. 258
السؤال (٢٥٣) : فضيلة الشيخ، ما حكم من ارتكب محظوراً من هذه المحظورات ناسيا أو جاهلاً ؟
الجواب: نقول: محظورات الإحرام تنقسم إلى أقسام: منها: مالا فدية فيه أصلاً، ومثل له العلماء بعقد النكاح والخطبة، خطبة النكاح، قالوا: إن هذا ليس فيه فدية.
ومنها: ما فديته فدية الأذى.
ومنها: ما فديته بدنة.
ومنها ما فديته الجزاء.
وكل شيء فيه فدية، فإن فاعله لا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً، وفي هذه الحال يترتب عليه الإثم، وما يجب فيه من الفدية.
وإما أن يفعله متعمداً عالماً مختاراً، لكن لعذر، فهذا ليس عليه إثم، ولكن عليه الفدية، مثل أن يحلق رأسه لأذى أو شبهه متعمداً عالماً ذاكراً، فإنه يجب عليه الفدية، ولا إثم عليه؛ لأنه معذور.
وأما أن يفعل هذه المحظورات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، فهذا ليس عليه بشيء، لا إثم ولا فدية أيا كان المحظور؛ لعموم قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) ، وقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: من الآية٥) وقوله تعالى في جزاء الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم) (المائدة: ٩٥) ، فإذا اشترطت العمدية في جزاء الصيد، مع أن قتل الصيد إتلاف، فما عداه من باب أولى.
وعلى هذا فنقول: إذا فعل أحد شيئا من هذه المحظورات، ناسياً أو جاهلاً أو مكروها، فليس عليه شيء، لا إثم، ولا فدية، ولا يفسد نسكه، ولا يتعلق به شيء أصلاً، ولو كان المحظور جماعاً.
حكم استبدال المحرم لباس الإحرام
стр. 259
السؤال (٢٥٤) : فضيلة الشيخ، ما حكم استبدال المحرم لباس الإحرام ؟
الجواب: تبديل المحرم لباس الإحرام بثوب يجوز لبسه في الإحرام - لا باس بهن سواء فعله لحاجة، أو لضرورة، أو لغير حاجة ولا ضرورة:
فأما فعله للضرورة:
فمثل أن يتنجس ثوب الإحرام وليس عنده ماء يغسله به، فهنا يضطر إلى تبديله بثوب طاهر؛ لأنه لا يمكن أن تصح منه صلاته إلا بثياب طاهرة.
ومثال الحاجة: أن يتسخ ثوب الإحرام، فيحتاج إلى غسل، فله أن يخلعه، ويلبس ثوباً آخر مما يجوز لبسه في الإحرام.
ومثال ما لا حاجة لخلعه ولا ضرورة: أن يبدو للإنسان أن يغير لباس الإحرام بدون أي سبب، فله ذلك ولا حرج عليه، إذا غيره بما يجوز لبسه.
حكم الاغتسال للمحرم
стр. 260
السؤال (٢٥٥) : فضيلة الشيخ، الترفه ممنوع منه المحرم؟ كتقليم الظافر وغيره، لكن هل يجوز للمحرم أن يغتسل من أجل النظافة ؟
الجواب: المحرم يجوز له أن يغتسل من أجل النظافة؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه اغتسل وهو محرم * (ويجوز للمحرم أن يغير ثياب الإحرام إلى ثياب أنظف منها أو أجد، ويجوز له أيضاً أن يترفه باستعمال المكيفات، أو بغيرها من أسباب الراحة.
وأما قول بعض أهل العلم: إنه لا يجوز له أن يقلم أظفاره، وقاسوه على حلق شعر الرأس بجامع الترفه، فهذا أمر ينظر فيه، وليس محل إجماع من أهل العلم.
حكم إتلاف نبات وشجر مكة
стр. 261
السؤال (٢٥٦) : فضيلة الشيخ، بالنسبة للمحرم والنبات الذي ينبت في مكة المكرمة، في الحرم، ما حكم قلع هذا النبات والتعرض له بشيء من الإتلاف ؟
الجواب: النبات والشجر، لا علاقة للإحرام بهما؛ لأن تحريمها لا يتعلق بالإحرام، وإنما يتعلق بالمكان، أي: بالحرم، فما كان داخل أميال الحرم، فإنه لا يجوز قطعة ولا حشة؛ لأن النبي ﷺ قال في مكة: ((إنه لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها)) (١) فقطع شجرها وحشيشها، حرام على المحرم وغيره، وأما ما كان خارج الحرم فإنه حلال للمحرم وغير المحرم، وعلى هذا فيجوز للحجاج أن يقطعوا الشجر في عرفة، ولا حرج عليهم في ذلك، ولا يجوز لهم أن يقطعوا الشجر أو الحشيش في مزدلفة وفي منى؛ لأن مزدلفة ومنى داخل الحرم.
ويجوز للحجاج أن يضعوا البساط عل الأرض، ولو كان فيها أعشاب، إذا لم يقصدوا بذلك إتلاف الحشيش الذي تحته؛ لأن تلفه حينئذ حصل بغير قصد، فهو كما لو مشى الإنسان في طريقه وأصاب حمامة أو شيئاً من الصيد بغير قصد منه، فإنه ليس عليه فيه شيء.
زمان ومكان الإحرام بالحج
стр. 262
السؤال (٢٥٧) : فضيلة الشيخ، إذا جاء الحاج إلى البيت، وطاف وتحلل من العمرة، ومكث في مكة، فمتى يحرم بالحج، ومن أين يحرم ؟
الجواب: يحرم الإنسان بالحج يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، من مكانه الذي هو نازل فيه، ويحرم ضحى، ويذهب إلى منى، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كما أسلفنا ذلك في بيان صفة الحج.
لا يلزم الطواف أو الإحرام من البيت يوم التروية
стр. 263
السؤال (٢٥٨) : فضيلة الشيخ، لكن هل يلزم المحرم في يوم التروية أن يطوف بالبيت، أو يحرم من البيت ؟
الجواب: لا يلزمه أن يطوف باليت، ولا أن يحرم من البيت، ولا يسن له ذلك أيضاً؛ لأن الصحابة الذين حلوا من عمرتهم مع النبي ﷺ احرموا من مكانهم، ولم يأمرهم النبي ﵊ أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا منه، أو أن يطوفوا قبل إحرامهم.
حكم من أدرك الوقوف بعرفة متأخراً
стр. 264
السؤال (٢٥٩) : فضيلة الشيخ، عرفنا في صفة الحج أن الحاج يخرج من منى في اليوم التاسع من ذي الحجة ضحى، لكن لو لم يدرك الوقوف بعرفة إلا متأخراً فما الحكم ؟
الجواب: عرفنا أن الإنسان في اليوم الثامن يخرج إلى منى، ويبقي بها إلى صباح اليوم التاسع، ثم يذهب إلى عرفة، فلو أن الحاج لم ينزل في منى اليوم الثامن، وذهب إلى عرفة رأساً، فهل يصح حجة؟ والجواب على ذلك: نعم يصح حجه، بدليل حديث عروة بن المضرس ﵁ أنه سأل النبي ﷺ حين صلى معه صلاة الفجر في مزدلفة، سأله فقال: يا رسول الله، إني أتعبت نفسي، وأكريت راحلتي، فلم أدع جبلاً إلا وقفت عنده، فقال النبي ﵊،: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه)) (١) ، وهذا دليل على أنه لا يجب أن يبقي الحاج في مني في اليوم الثامن وليلة التاسع، وأنه لو ذهب إلى عرفة رأساً، لكان حجه صحيحاً، لكن الأفضل أن يبقى في منى، من ضحى اليوم الثامن إلى أن تطلع الشمس من يوم التاسع.
وأما سؤالكم الذي سألتم عنه وهو حكم من ذهب إلى عرفة متأخراً، فنقول: إذا ذهب إلى عرفة متأخراً، ولكنه أدرك الوقوف بها قبل أن يطلع الفجر يوم العيد، فحجّه صحيح ولا شيء عليه، فوقت الوقوف بعرفة ينتهي بطلوع فجر يوم العيد.
بداية الوقوف بالمزدلفة ونهايته
стр. 265
السؤال (٢٦٠) : فضيلة الشيخ، متى يبدأ الوقوف بمزدلفة، ومتى ينتهي، وما حكمه أيضاً ؟
الجواب: الوقوف بمزدلفة الذي يعبر عنه أهل العلم بالمبيت بالمزدلفة، يبتدئ من انتهاء الوقوف بعرفة، ولا يصح قبله، فلو أن حاجاً وصل إلى مزدلفة في أثناء الليل قبل أن يقف بعرفة، فوقف في مزدلفة ثم ذهب إلى عرفة، ووقف بها، ثم نزل من عرفة إلى منى، فإن وقوفه بمزدلفة غير معتبر؛ لقول الله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (البقرة: ١٩٨) ، فجعل محل الذكر عند المشعر الحرام، أو وقت الذكر عند المشعر الحرام، بعد الإفاضة من عرفة، فيبتدئ المكث في مزدلفة من انتهاء الوقوف بعرفة، ويستمر إلى أن يصلي الإنسان الفجر، ويقف قليلاً إلى أن يسفر جداً، ثم ينصرف إلى منى.
ولكن يجوز لمن كان ضعيفاً لا يستطيع مزاحمة الناس في الرمي، أن يدفع من مزدلفة في آخر الليل، لأن النبي ﷺ أذن للضعفة من أهله أن يدفعوا في آخر الليل وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵂، ترقب غروب القمر، فإذا غرب دفعت (١) .
وهذا أحسن من التحديد بنصف الليل؛ لأنه هو الوارد عن النبي ﷺ ، وهو الموافق للقواعد، وذلك أنه لا يجعل حكم الكل للنصف، وإنما يجعل حكم الكل للأكثر والأغلب، وبهذا نعرف أن قول من قال من أهل العلم: إنه يكفي أن يبقى في مزدلفة بمقدار صلاة المغرب والعشاء، ولو قبل منتصف الليل، قول مرجوح، وأن الصواب الاقتداء برسول الله ﷺ فيما فعله، وفيما أذن فيه.
стр. 266
السؤال (٢٦١) : فضيلة الشيخ، متى ينتهي الوقوف بمزدلفة بحيث إن الحاج لو أتى لا يعتبر واقفاً بها ؟
الجواب: ظاهر حديث عروة بن المضرس ﵁ الذي قال فيه الرسول ﵊: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع)) (١) أن الإنسان لو جاء مزدلفة بعد طلوع الفجر، وأدرك صلاة الفجر بغلس في الوقت الذي صلاها فيه رسول الله ﷺ ، فإنه يجزئه، ومعروف عند الفقهاء ﵏ أنه لابد أن يدرك جزءاً من الليل، بحيث يأتي إلى مزدلفة قبل طلوع الفجر.
حكم المبيت بمني يوم النحر
стр. 267
السؤال (٢٦٢) : فضيلة الشيخ، ذكرتم أن من الأعمال التي يقوم بها الحاج يوم النحر المبيت بمني، لكن ما حكم هذا المبيت ؟
الجواب: المبيت بمنى ذكرنا فيما سبق أنه من واجبات الحج، وأن المعروف عند أهل العلم، أن من ترك واجباً من واجبات الحج، فعليه فدية ذبح شاة، تذبح في مكة وتوزع على فقرائها.
حد المبيت في منى
стр. 268
السؤال (٢٦٣) : فضيلة الشيخ، نرى بعضاً من الناس يتهاونون في المبيت بمنى؛ فيقلون من البقاء فيها، ويذهبون خارجها معظم الوقت، ولا يأتون إليها إلا ساعات محدودة، فما هو المقدار الكافي للبقاء في منى أو المبيت في منى ؟
الجواب: المشروع للحاج أن يبقى في منى طول الوقت، هكذا سنة الرسول ﷺ ، والإنسان لم يتغرب عن وطنه، ولم يتجشم المشاق إلا لأداء هذه العبادة العظيمة على وفق ما جاء عن رسول الله ﷺ ، لم يأت من بلده إلى هذا المكان ليترفه، ويسلك ما هو الأيسر، مع مخالفته لهدي النبي ﷺ ، فالمشروع في حق الحاج أن يبقى في منى ليلاً ونهاراً، ولكن مقتضى قواعد الفقهاء، ومقتضى كلام الفقهاء: أن الواجب أن يبقى في منى معظم الليل في الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة وأما بقية الليل، والنهار جميعه: فليس بواجب عندهم أن يمكث في منى، ولكن ينبغي للإنسان أن يتقيد بما جاءت به السنة، وأن يبقى في منى ليلاً ونهاراً، والمسألة ما هي إلا يومان فقط، بالإضافة إلى يوم العيد، بل يوم ونصف، وزيادة يسيره مع يوم العيد.
الآداب التي ينبغي مراعاتها في منى
стр. 269
السؤال (٢٦٤) : فضيلة الشيخ، ما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الحاج أثناء بقائه في منى يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر لمن أراد أن يتأخر ؟
الجواب: ينبغي للحاج أن ينتهز هذه الفرصة في التعرف على أحوال المسلمين، والالتقاء بهم، وإسداء النصح إليهم، وإرشادهم، وبيان الحق المبني على كتاب الله وسنه رسوله ﷺ حتى ينصرف المسلمون من حجهم، وهم قد أدوا هذه العبادة، ونهلوا من العلم الشرعي المبني على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وإذا كان لا يحسن لغة من يخاطب، فإنه يجعل بينه وبينهم ترجماناً، يكون أميناً عارفاً باللغتين، المترجم منها وإليها، عارفاً بموضوع الكلام الذي يتكلم فيه، حتى يترجم عن بصيرة، وفي ثقة وأمانة.
وينبغي كذلك في هذه الأيام، أن يكون حريصاً على التحلي بمحاسن الأخلاق والأعمال؛ من إعانة المستعين، وإغاثة الملهوف، ودلالة الضائع، وغير ذلك مما هو إحسان إلى الخلق؛ فإن الله يقول: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥) ويقول جل وعلا: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) (النحل: ٩٠) ، ولاسيما في هذه الأماكن المفضلة؛ فإن أهل العلم: يقولون: إن الحسنات تتضاعف في الزمان والمكان الفاضل.
يستمعون إلى الملاهي ويغتابون الناس في منى
стр. 270
السؤال (٢٦٥) : فضيلة الشيخ، بعض الناس يقضي هذه الأيام في مني: إما بالاستماع إلى الملاهي، أو بالتفكه بالحديث في أعراض الناس، فما حكم هذا العمل ؟
الجواب: هذا العمل محرم في حال الحج وغير الحج؛ فإن الأغاني المصحوبة بآلات العزف، من الموسيقي، والعود والرباب وشبهها محرمة في كل زمان وفي كل مكان؛ لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (٠ ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر، والمعازف)) (١) ، قال العلماء: والمعازف: آلات اللهو، ولا يستثنى منها إلا الدفوف في المناسبات التي أذن الشارع باستعمالها فيها.
وكذلك التفكه بأعراض الناس، والسخرية بهم ونحو ذلك مما يحدث في موسم الحج وغيره، وهو حرام سواء كان في موسم الحج أو في غير موسم الحج، وسواء كان في مكة أو في غير مكة؛ لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: ١١)
الحكمة من رمي الجمارالسؤال (٢٦٦) : فضيلة الشيخ، في أيام التشريق ترمى الجمار الثلاث في يومين أو ثلاثة أيام، فما الحكمة من رمي هذه الجمار؟
الجواب: الحكمة من رمي هذه الجمار، بينها رسول الله ﷺ في قوله: ((إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله) (٢)
وفي رمي الجمار أيضاً: تحقيق لعبادة الله ؛ فإن الإنسان يرمي هذه الجمار، وهو لا يعرف حكمة بينة في رميها، وإنما يفعل ذلك تعبداً لله وذكراً له، وكذلك يرمي هذه الجمرات؛ اتباعاً لرسول الله ﷺ ، فإنه رماها، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)) (٣) .
صفة رمي الجمار
стр. 271
السؤال (٢٦٧) : فضيلة الشيخ، أيضاً بالنسبة للجمار، نود أن تذكروا لنا صفة رمي الجمار ؟
الجواب: الذي ينبغي للحاج إذا ذهب إلى رمي جمرة العقبة أن يكون ملبياً، فإذا شرع في الرمي، قطع التلبية، هذا في رمي جمرة العقبة، يوم العيد، أما في رمي الجمرات الثلاث، فينبغي أن يذهب بسكينة وخضوع وخشوع لله ، وإن كبر في مسيره فحسن؛ لأن أيام التشريق، أيام أكل وشرب وذكر لله ، ومن ذكر الله تعالى التكبير، فإذا ذهب مكبراً، فهو حسن؛ لأن التكبير هنا مطلق، ولكنه لا يعتقد أنه مشروع من أجل الذهاب إلى الرمي، إنما يعتقد أنه مشروع مطلقاً، أما ذهابه بخشوع وتعظيم لله، فهذا أمر مطلوب، ولهذا يكبر الإنسان الله عند رمي كل حصاة.
الدعاء عند رمي الجمار
стр. 272
السؤال (٢٦٨) : فضيلة الشيخ، لكن هل هناك أدعية عند رمي الجمرات ؟
الجواب: نعم ذكرنا أنه إذا رمى الجمرة الأولى، استقبل القبلة، ورفع يديه، وقام يدعو دعاء طويلاً، وكذلك بعد رمي الجمرة الوسطي، وأما بعد رمي جمرة العقبة فلا يقف.
стр. 273
السؤال (٢٦٩) : فضيلة الشيخ، وهل هناك دعاء مخصوص ؟
الجواب: ليس هناك دعاء مخصوص فيما أعلم.
لا تلزم الطهارة عند رمي الجمار
стр. 274
السؤال (٢٧٠) : فضيلة الشيخ، هل تلزم الطهارة لرمي الجمار ؟
الجواب: الطهارة لا تلزم في أي منسك من مناسك الحج، إلا الطواف بالبيت، فإنه لا يجوز للحائض أن تطوف بالبيت؛ لقول النبي ﷺ لعائشة: ((افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) (١) .
حكم غسل حصى الجمار
стр. 275
السؤال (٢٧١) : فضيلة الشيخ، ما حكم غسل الجمار ؟
الجواب: لا يغسل، بل إذا غسله الإنسان على سبيل التعبد لله، كان هذا بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله.
حكم من نسي شيئاً من أشواط الطواف أو السعي
стр. 276
السؤال (٢٧٢) : فضيلة الشيخ، ما حكم من نسي شيئا من أشواط الطواف أو السعي ؟
الجواب: إذا نسي الإنسان شيئاً من أشواط الطواف أو السعي، فإن ذكر قريباً أتم ما بقي عليه، فلو طاف ستة أشواط بالبيت، ثم انصرف إلى مقام إبراهيم ليصلي، وفي أثناء انصرافه، ذكر أنه لم يطف إلا ستة أشواط، فإنه يرجع من الحجر الأسود، ليأتي بالشوط السابع، ولا حرج عليه.
أما إذا يذكر إلا بعد مدة طويلة: فإن كان الطواف طواف نسك، وجب عليه إعادة الطواف من جديد؛ لأن طوافه الأول لم يصح؛ لكونه ناقصاً، ولا يمكن بناء ما تركه على ما سبق؛ لطول الفصل بينهما، فيستأنف الطواف من جديد.
وهكذا نقول في السعي: إنه إذا نسي شوطاً من السعي، فإذا ذكر قريباً، أتى بالشوط الذي نسيه، وإن طال الفصل، استأنفه من جديد.
هذا إذا قلنا: إن الموالاة في السعي شرط، أما إذا قلنا: إنها ليست بشرط- كما هو قول بعض أهل العلم- فإنه يأتي بما نسي ولو طال الفصل. ولكن الأحوط: أن يبدأ بالسعي من جديد إذا أطال الفصل؛ لأن ظهور كون الموالاة شرطاً أبلغ من عدم كونها شرطاً.
ماذا يفعل إذا أقيمت الصلاة، وهو في الطواف أو السعي
стр. 277
السؤال (٢٧٣) : فضيلة الشيخ، إذا أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو السعي، فماذا يفعل ؟
الجواب: إذا أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو في السعي، فإنه يدخل مع الجماعة، وإذا انتهت الصلاة، أتم الشوط من حيث وقف، ولا يلزمه أن يأتي به من أول الشوط، فإذا قدر أنه أقيمت الصلاة وهو في منتصف الشوط الثالث من السعي، فليقف مكانه ويصلي، ثم إذا سلم الإمام أتم السعي من مكانه، وإن لم يكن حوله أحد يصلي معه في المسعى، فإنه يتقدم، ويصلي حيث يجد من يصافه، فإذا سلم من الصلاة، خرج إلى المسعى، وأتم من المكان الذي قطعه منه، ولا يلزمه أن يعيد الشوط من ابتدائه.
وهكذا نقول في الطواف: لو أقيمت الصلاة وأنت بحذاء الحجر من الناحية الشمالية مثلاً، فإنك تصلي في مكانك فإذا انتهت الصلاة فأتم الشوط من المكان الذي وقفت فيه، ولا حاجة إلى أن تعيد الشوط من الحجر الأسود.
стр. 278
السؤال (٢٧٤) : فصيلة الشيخ، لكن هل يلزمه قطع الطواف أو السعي للصلاة أو يجوز له ؟
الجواب: إن كانت الصلاة فريضة، يجب عليه أن يقطع الطواف أو السعي ليصلي؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وقد رخص للإنسان أن يقطع سعيه من أجلها، فيكون خروجه من السعي أو الطواف خروجاً مباحاً، ودخوله مع الجماعة، دخول واجباً، فيجب عليه أن يدخل مع الجماعة.
أما إذا كانت الصلاة نافلة، كما لو كان ذلك في قيام الليل في التراويح في رمضان، فمعروف أنه لا يقطع السعي أو الطواف من أجل ذلك، لكن الأفضل أن يتحرى، فيجعل الطواف بعد القيام أو قبله، وكذلك السعي؛ لئلا يفوته فضيلة قيام الليل مع الجماعة.
стр. 279
السؤال (٢٧٥) : فضيلة الشيخ، إذا أذن للصلاة، وهو يسعى بين الصفا والمروة، وهو على غير طهارة، وهذا جائز، فهل يخرج خارج الحرم ليتوضأ، ويرجع ويصلي مع الناس، ويكمل سعيه، أم يبتدئه من جديد ؟
الجواب: نعم لابد أن يخرج إلى الميضأة ويتوضأ ويصلي مع الجماعة، وفي هذه الحال؛ إن كان الفصل طويلاً استأنف السعي، وإن كان قصيراً لم يستأنف، فإذا قدر أن الميضأة قريبة من المسعى، ولم يستوعب وقتاً، وأنه من حين جاء أقيمت الصلاة، فهذا زمن قليل، فليتم السعي، وأما إذا كان الزمن طويلاً، كأن تكون الميضأة بعيدة بحيث يكون الفاصل بين أجزاء السعي فاصلاً طويلاً، فإنه يبدأ السعي من أوله.
حكم التمسح بجدران الكعبة وكسوتها
стр. 280
السؤال (٢٧٦) : فضيلة الشيخ، في أثناء الطواف يشاهد بعض الناس يتمسحون بجدار الكعبة، وبكسوتها، وبالمقام، والحجر، فما حكم ذلك العمل ؟
الجواب: هذا العمل يفعله الناس، يريدون به التقرب إلى الله والتعبد له، وكل عمل تريد به التقرب إلى الله والتعبد له، وليس له أصل في الشرع فإنه بدعة، حذر منه النبي ﷺ فقال: ((إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة)) (١) ، ولم يرد عن النبي ﵊ أنه مسح سوى الركن اليماني، والحجر الأسود؛ وعليه: فإذا مسح الإنسان أي ركن من أركان الكعبة أو جهة من جهاتها، غير الركن اليماني والحجر الأسود، فإنه يعتبر مبتدعاً، ولما رأى عبد الله بن عباس ﵄ معاوية بن أبي سفيان ﵁ يمسح الركنين الشماليين، نهاه، فقال له معاوية ﵁: ليس شيء من البيت مهجوراً، فقال ابن عباس ﵄: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: ٢١) وقد رأيت النبي ﷺ يمسح الركنين، يعني: الركن اليماني والحجر الأسود فرجع معاوية ﵁ إلى قول ابن عباس لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: ٢١) .
ومن باب أولى في البدعة: ما يفعله بعض الناس من التمسح بمقام إبراهيم، فإن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ . أنه تمسح في أي جهة من جهات المقام. وكذلك ما يفعله بعض الناس من التمسح بزمزم، والتمسح بأعمدة الرواق، وغير ذلك مما لم يرد عن النبي ﵊، فكله بدعة، وكل بدعة ضلالة.
стр. 281
السؤال (٢٧٧) : لكن أيضاً ما حكم الذين يتمسكون بأستار الكعبة، ويدعون طويلاً ؟
الجواب: هؤلاء أيضاً عملهم لا أصل له في السنة، وهو بدعة، ينبغي بل يجب على طالب العلم أن يبين لهم هذا، وأنه ليس من هدي النبي ﷺ .
وأما الالتزام بين الحجر الأسود وبين الكعبة: فهذا قد ورد عن الصحابة ﵃ فعله، ولا بأس به، لكن مع المزاحمة والضيق- كما يشاهد اليوم- لا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يتأذى به أو يؤذي غيره، في أمر ليس من الواجبات.
صفة الالتزام
стр. 282
السؤال (٢٧٨) : فضيلة الشيخ، لكن ما صفة هذا الالتزام هل هو تعلق بهذا الجزء من الكعبة الذي بين الحجر الأسود والبيت، أم أنه وقوف ودعاء ؟
الجواب: الالتزام: وقوف في هذا المكان وإلصاق، يلصق الإنسان يديه وذراعيه ووجهه وخده على هذا الجدار.
خصائص ماء زمزم
стр. 283
السؤال (٢٧٩) : فضيلة الشيخ، ذكرتم أيضاً أنه لا يجوز التمسح بزمزم، أو بشيء منها، لكن ما هي خصائص ماء زمزم ؟
الجواب: من خصائص ماء زمزم: أن النبي ﷺ قال: ((ماء زمزم لمن شرب له)) (١) وأن الإنسان إذا شربه لعطش روي، وإذا شربه لجوع، شبع؛ فهذا من خصائصه.
حكم التبرك بآثار مكة والكعبة
стр. 284
السؤال (٢٨٠) : فضيلة الشيخ، هل من خصائص مكة أو الكعبة التبرك بأحجارها أو آثارها ؟
الجواب: لا، ليس من خصائص مكة أن يتبرك الإنسان بأشجارها، أو أحجارها، بل من خصائص مكة: ألا تعضد أشجارها، ولا يحش حشيشها؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك، إلا الإذخر؛ فإن النبي ﷺ استثناه (١) ، لأنه يكون للبيوت، وقيون الحدادين، وكذلك اللحد في القبر؛ فإنه تسد به شقوق اللبنات، وعلى هذا فنقول: إن حجارة الحرم أو مكة ليس فيها شيء يتبرك به، بالتمسح به، أو بنقله إلى البلاد، أو ما أشبه ذلك.
حكم إطلاق اسم جبل الرحمة على الجبل الذي في عرفة
стр. 285
السؤال (٢٨١) : فضيلة الشيخ، أيضاً يطلق على جبل عرفة: جبل الرحمة، فما حكم هذه التسمية، وهل لها أصل ؟
الجواب: هذه التسمية لا أعلم لها أصلاً من السنة، أي: أن الجبل الذي في عرفة، الذي وقف عنده النبي ﷺ يسمى جبل الرحمة، وإذا لم يكن له أصل من السنة، فإنه لا ينبغي أن يطلق عليه ذلك، والذين أطلقوا عليه هذا الاسم لعلهم لاحظوا أن هذا الموقف موقف عظيم، تتبين فيه مغفرة الله تعالى ورحمته للواقفين في عرفة، فسموه بهذا الاسم، والأولى ألا يسمى بهذا الاسم، وليقال: جبل عرفه، أو الجبل الذي وقف عنده النبي ﷺ ، وما أشبه ذلك.
حكم زيارة هذا الجبل والصلاة عليه