Полный текст (1 593 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ضَرْبٍ (وَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ) عَلَى يَسَارِهِ (وَأَعْلَى وَجْهِهِ) عَلَى أَسْفَلِهِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ (وَيُخَفِّفُ الْغُبَارَ) مِنْ الْكَفَّيْنِ إنْ كَانَ كَثِيرًا بِأَنْ يَنْفُضَهُمَا أَوْ يَنْفُخَهُ مِنْهُمَا لِئَلَّا يَتَشَوَّهَ بِهِ فِي مَسْحِ الْوَجْهِ. (وَمُوَالَاةُ التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ قُلْت: وَكَذَا الْغُسْلُ) أَيْ مُوَالَاتُهُ كَالْوُضُوءِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ أَيْ تُسَنُّ الْمُوَالَاةُ فِيهِمَا، وَفِي الْقَدِيمِ تَجِبُ (وَيُنْدَبُ تَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ أَوَّلًا) أَيْ أَوَّلَ كُلِّ ضَرْبَةٍ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إثَارَةِ الْغُبَارِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةٍ عَلَى الضَّرْبَتَيْنِ (وَيَجِبُ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَحَلِّهِ، وَأَمَّا فِي الْأُولَى فَمَنْدُوبٌ لِيَكُونَ مَسْحُ جَمِيعِ الْوَجْهِ بِالْيَدِ.
(وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ فَوَجَدَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ بَطَلَ) تَيَمُّمُهُ بِالْإِجْمَاعِ (إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ) وُجُودُهُ (بِمَانِعٍ كَعَطَشٍ) بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَرَنَ بِمَانِعٍ فَلَا يَبْطُلُ
ــ
[حاشية قليوبي]
مِنْ يَدَيْهِ وَإِنْ قَلَّ كَأُصْبُعٍ أَوْ عَكْسِهِ كَفَى. قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ إلَخْ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالضَّرْبِ فِي الْحَدِيثِ وَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّابِعِ لَهُ لَيْسَ شَرْطًا. قَوْلُهُ: (كَفَى) وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ غُبَارٌ. نَعَمْ إنْ كَانَ عَدَمُ الْغُبَارِ لِنَحْوِ نَدَاوَةٍ لَمْ يَكْفِ. قَوْلُهُ: (فِي مَسْحِ الْوَجْهِ) وَكَذَا فِي الْيَدَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَمُوَالَاةُ التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ) هِيَ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِإِفَادَةِ وُجُوبِهَا فِي صَاحِبِ الضَّرُورَةِ قَطْعًا، فَهِيَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهَا عَطْفًا عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَيُنْدَبُ هُنَا أَيْضًا السِّوَاكُ وَالْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ وَعَدَمُ تَكْرَارِ الْمَسْحِ كَالْخُفِّ وَمَسْحُ الْغُبَارِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا قَبْلَهَا وَذِكْرُ الْأَعْضَاءِ وَالتَّشَهُّدُ عَقِبَهُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَهُ، وَلَوْ عَنْ طَهَارَةٍ مَنْدُوبَةٍ، وَأَنْ يَمْسَحَ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ بِأَنْ يَلْصَقَ بُطُونَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى سِوَى الْإِبْهَامِ بِظُهُورِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى سِوَى الْإِبْهَامِ، بِحَيْثُ لَا يُخْرِجُ أَنَامِلَ إحْدَاهُمَا عَنْ مِسْبَحَةِ الْأُخْرَى. وَيَمُرَّ بِهَا تَحْتَهَا ضَامًّا أَطْرَافَ أَنَامِلِهِ عَلَى سَاعِدِهِ. فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى الْمِرْفَقِ أَدَارَ بَطْنَ كَفِّهِ إلَى بَطْنِ ذِرَاعِهِ رَافِعًا إبْهَامَهُ حَتَّى يَمُرَّ بِبَطْنِهِ عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِ الْمَمْسُوحَةِ، ثُمَّ يَمْسَحَ إحْدَى رَاحَتَيْهِ بِالْأُخْرَى وَيُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَصَحَّ مَسْحُ إحْدَى يَدَيْهِ رَاحَتَيْهِ مَعَ اخْتِلَافِ الْعُضْوِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ تَجِبُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَجْهٌ وَفِي نُسْخَةٍ وَفِي الْقَدِيمِ تَجِبُ وَهِيَ الصَّوَابُ كَمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ نَزْعُ خَاتَمِهِ) أَيْ إزَالَتُهُ عَنْ مَحَلِّهِ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ التُّرَابُ لِمَا تَحْتَهُ مِنْ الْبَشَرَةِ، وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ مِنْ مَحَلِّهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ لِقُوَّةِ سَرَيَانِهِ. قَوْلُهُ: (فِي الثَّانِيَةِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ مَسْحِ الْيَدَيْنِ، فَوُجُوبُ الْإِزَالَةِ حَالَةَ الْمَسْحِ لَا حَالَةَ الضَّرْبِ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ تُرَابَ الْأُولَى بَيْنَ الْأَصَابِعِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْمَسْحِ بِتُرَابِ الثَّانِيَةِ بَلْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَسْحِ بِهِ كَفَى بِخِلَافِ تُرَابٍ عَلَى الْعُضْوِ قَبْلَ الضَّرْبِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ إنْ مَنَعَ وُصُولَ تُرَابِ الضَّرْبِ، وَلَوْ تَوَقَّفَ وُصُولُ التُّرَابِ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ عَلَى تَفْرِيقِهَا وَجَبَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَيَمَّمَ) أَيْ مَنْ اتَّصَفَ بِطَهَارَةِ تَيَمُّمٍ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ وَلَوْ لِصَلَاةِ جِنَازَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيُّ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ يُمِّمَ الْمَيِّتُ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْوُجُودُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدُفِنَ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ نَبْشُهُ وَتَحْرُمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِالْوُضُوءِ لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (فَوَجَدَهُ) أَيْ طَرَأَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ وَلَوْ حُكْمًا بِمَحَلٍّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ مِنْهُ، فَيَخْرُجُ مَنْ وَجَدَهُ بَعْدَ نِسْيَانِهِ أَوْ أَصْلًا لَهُ بِشَرْطِهِ، فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ عَدَمَ صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ وَيَدْخُلُ مِنْ قَدَرَ عَلَى ثَمَنِهِ أَوْ آلَتِهِ، وَمِثْلُ الْقُدْرَةِ شِفَاءُ الْعِلَّةِ مِنْ الْمَرِيضِ. قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ) بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا كَطَوَافٍ وَقِرَاءَةٍ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ فِيهَا أَنْ يَتَلَبَّسَ بِهَا بِإِتْمَامِ الرَّاءِ أَيْ جَزْمِهَا مِنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. قَوْلُهُ: (بَطَلَ تَيَمُّمُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْمَقْصُودِ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَلَى مَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ وُجُودُهُ بِمَانِعٍ) بِأَنْ طَرَأَ الْمَانِعُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ
ــ
[حاشية عميرة]
وَيُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ أَنْ تَكُونَ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِأَنَّهُ أَبْلَغُ إلَخْ) أَيْ وَلِاغْتِنَائِهِ أَيْضًا عَنْ اشْتِرَاطِ التَّخْلِيلِ لَكِنْ إذَا فَرَّقَ فِي الْأُولَى فَقَطْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّخْلِيلُ لِأَنَّ الْوَاصِلَ قَبْلَ مَسْحِ الْوَجْهِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ فِي الْمَسْحِ وَإِنْ كَانَ كَافِيًا فِي النَّفْلِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ فِيهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِيَكُونَ مَسْحُ جَمِيعِ الْوَجْهِ بِالْيَدِ) .
(تَتِمَّةٌ) لَوْ كَانَتْ الْيَدُ نَجِسَةً فَضَرَبَ بِهَا عَلَى تُرَابٍ وَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَوَجَدَهُ) مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ سَمِعَ شَخْصًا يَقُولُ عِنْدِي مَاءٌ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ بِخِلَافِ أَوْدَعَنِي فُلَانٌ مَاءً، نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَأَقَرَّهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَيْضًا فَوَجَدَهُ) مِثْلُهُ وُجُودُ ثَمَنِهِ وَمِثْلُ الْوُجْدَانِ تَوَهُّمُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِمَانِعٍ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِنْهُ أَنْ يَكُونَ بِهِ مَرَضٌ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ، ثُمَّ مِثْلُ الْوُجْدَانِ التَّوَهُّمُ، لَكِنَّ شَيْخَنَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَلْحَقَهُ بِهِ
стр. 107
(أَوْ فِي صَلَاةٍ لَا تَسْقُطُ بِهِ) أَيْ بِالتَّيَمُّمِ كَصَلَاةِ الْمُقِيمِ (كَمَا سَيَأْتِي) بَطَلَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالثَّانِي لَا بَلْ يُتَمِّمُهَا مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا، وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَجْهَانِ وَعَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ بِالْأَصَحِّ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالْمَشْهُورِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ الثَّانِي وَجْهًا، فَمَا هُنَا مُوَافِقٌ لَهُ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِهِ السَّابِقِ. (وَإِنْ أَسْقَطَهَا) كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ كَمَا سَيَأْتِي (فَلَا) تُبْطِلُ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا (وَقِيلَ يَبْطُلُ النَّفَلُ) لِقُصُورِ حُرْمَتِهِ عَنْ حُرْمَةِ الْفَرْضِ. (وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَطْعَهَا) أَيْ الْفَرِيضَةِ (لِيَتَوَضَّأَ) وَيُصَلِّي بَدَلَهَا (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِهَا حَيْثُ وَسِعَ الْوَقْتُ لِذَلِكَ، وَالثَّانِي إتْمَامُهَا أَفْضَلُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ لَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ) فِي النَّفْلِ
ــ
[حاشية قليوبي]
مَا إذَا اقْتَرَنَ) بِأَنْ سَبَقَهُ أَوْ اسْتَمَرَّ أَوْ وُجِدَا مَعًا كَرُؤْيَةِ مَاءٍ، وَسَبْعٍ مَعًا، وَالْمُرَادُ بِالْمَانِعِ وُجُودُ حَالَةٍ يَسْقُطُ مَعَهَا، وُجُوبُ طَلَبِ الْمَاءِ أَوْ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا مِنْ الْمَانِعِ خَوْفُ خُرُوجِ الْوَقْتِ لِمَنْ عَلِمَ الْمَاءَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ لِمَنْ ازْدَحَمَ عَلَى بِئْرٍ وَعَلِمَ تَأَخُّرَ نَوْبَتِهِ عَنْ الْوَقْتِ كَمَا مَرَّ، وَمِنْهُ مَا لَوْ سَمِعَ مَنْ يَقُولُ عِنْدِي لِغَائِبِ مَاءٌ وَقَيَّدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، بِمَا إذَا عَلِمَ بِغِيبَتِهِ وَعَدَمِ رِضَاهُ، وَمِنْهُ مَا لَوْ سَمِعَ مَنْ يَقُولُ عِنْدِي مِنْ ثَمَنِ حُمْرِ مَاءٌ، وَخَالَفَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي هَذِهِ لِوُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ صَاحِبِ الْمَاءِ، وَمِنْهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ مَا لَوْ مَرَّ عَلَى بِئْرٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا، أَوْ عَلَى مَاءٍ نَائِمًا مُمَكَّنَا مَثَلًا وَلَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى بَعُدَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ، وَمِنْهُ حُدُوثُ نَجَاسَةٍ فِي الصَّلَاةِ، كَرُعَافِ ثُمَّ وُجُودُ مَاءٍ بِقَدْرِ مَا يُزِيلُهَا، وَسَتَأْتِي فِي زِيَادَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ) الْأُولَى بَطَلَ التَّيَمُّمُ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ هُوَ الْمُحْدَثُ عَنْهُ، وَيَلْزَمُهُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ. قَوْلُهُ: (مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا) شَامِلٌ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ، فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ النَّفَلَ يَبْطُلُ قَطْعًا مُخَالِفٌ لَهُ أَوْ هُوَ طَرِيقٌ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهَا الشَّارِحُ، وَلَمْ يَعْتَمِدْهَا، وَتَعْلِيلُ بَعْضِهِمْ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ فِيهِ قُصُورٌ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ قَضَاءُ النَّفْلِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (فَلَا تَبْطُلُ) نَعَمْ. لَوْ نَوَى الْقَاصِرُ الْإِتْمَامَ أَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَوْ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ أَوْ وَصَلَتَ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ، بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ أَوْ مَعَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ نَوَى الْمُتَنَفِّلُ الزِّيَادَةَ، أَوْ خَرَجَ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَبِفَرَاغِ الصَّلَاةِ يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَاءُ قَبْلَهُ وَلَهُ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِهَا لَا سُجُودَ سَهْوٍ لَوْ تَذَكَّرَهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَنْ قُرْبٍ، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ صَلَاةُ أَعْمَى قَلَّدَ بَصِيرًا فِي الْقِبْلَةِ، ثُمَّ أَبْصَرَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْبَدَلِ، وَكَذَا صَلَاةُ مَنْ تَخَرَّقَ خُفُّهُ فِيهَا، لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْبَحْثِ عَنْهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَطَعَهَا) وَإِنْ عَزَمَ عَلَى إعَادَتِهَا بِالْمَاءِ لِوُجُودِهِ مَعَهُ بِلَا مَانِعٍ، فَلَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، أَوْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ تَفُوتُ بِالْقَطْعِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا مُخَالِفًا لِمَا فِي حَاشِيَتِهِ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ. قَوْلُهُ: (أَيْ الْفَرِيضَةِ) قَيْدٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ فَقَطْعُ النَّفْلِ، أَفْضَلُ قَطْعًا لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ تُؤَثِّرُ فِيهِ أَقْوَى مِنْ الْفَرْضِ، لِمَا قِيلَ بِبُطْلَانِهِ كَمَا مَرَّ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ قَلْبُ الْفَرِيضَةِ نَفْلًا وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَهُوَ وَجِيهٌ لِأَنَّهُ كَافْتِتَاحِ صَلَاةٍ أُخْرَى كَمَا مَرَّ. فَيَلْزَمُ مِنْ قَلْبِهِ بُطْلَانُهُ فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (لِيَتَوَضَّأَ) . وَلَوْ وُضُوءًا مُكَمَّلًا بِالتَّيَمُّمِ كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ. قَوْلُهُ: (حَيْثُ وَسِعَ الْوَقْتُ) أَيْ جَمِيعَهَا وَإِلَّا حَرُمَ الْقَطْعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاكْتَفَى ابْنُ قَاسِمٍ بِرَكْعَةٍ وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
(تَنْبِيهٌ) خَرَجَ بِوُجُودِ الْمَاءِ فِيهَا الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ بِهِ، مَا لَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ كَأَنْ رَأَى رَكْبًا طَلَعَ أَوْ سَحَابَةً فَظَنَّهَا مُمْطِرَةً، أَوْ رَأَى طَيْرًا فَظَنَّهُ يَحُومُ عَلَى الْمَاءِ، أَوْ سَمِعَ مَنْ يَقُولُ عِنْدِي مَاءٌ، وَأَتَى عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ لِغَائِبٍ أَوْ نَجَسٍ أَوْ وَدِيعَةٍ لِفُلَانٍ مَثَلًا، فَلَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ، وَلَا صَلَاتُهُ مُطْلَقًا وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا فِيهَا مَا قَبْلَهَا فَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ بِجَمِيعِ هَذِهِ التَّوَهُّمَاتِ إنْ كَانَ فِي حَدِّ الْغَوْثِ، وَإِلَّا فَلَا وَخَرَجَ
ــ
[حاشية عميرة]
قَبْلَ الصَّلَاةِ وَجَعَلَهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ مُطْلَقًا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، قُلْت: وَرَأَيْت فِي كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ مَا يُخَالِفُهُ بِعُمُومِهِ حَيْثُ قَالَ فِي التَّعْلِيلِ قَوْلَ الْمِنْهَاجِ، وَإِنْ أَسْقَطَهَا فَلَا لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَبْطُلْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالتَّوَهُّمِ، فَكَذَلِكَ بِالتَّحَقُّقِ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يُؤَثِّرَانِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَا يُؤَثِّرَانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ اهـ.
وَهُوَ كَمَا تَرَى دَالٌّ عَلَى أَنَّ الَّتِي لَا يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالتَّيَمُّمِ يُؤَثِّرُ فِيهَا تَوَهُّمُ الْمَاءِ كَوُجُودِهِ بِخِلَافِ مَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا مِنْ التَّفْرِقَةِ، وَهِيَ الْحَقُّ الْمُوَافِقُ لِمُقْتَضَى الْإِرْشَادِ وَتَصْرِيحِ شَارِحِهِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالشَّرْحُ فَلَا تَبْطُلُ) اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ بِمَا لَوْ أَبْصَرَ الْأَعْمَى فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ فِي الْقِبْلَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقِيلَ يَبْطُلُ النَّفَلُ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إدْخَالُهُ لِلنَّافِلَةِ فِي الصَّلَاةِ الْمُنْقَسِمَةِ إلَى مَا يُسْقِطُهَا وَمَا لَا يُسْقِطُهَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ الْمُقِيمَ وَنَحْوَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْفَرِيضَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاءُ النَّافِلَةِ الْمُؤَقَّتَةِ عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيه كَلَامُهُمْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَصَحُّ إنْ قَطَعَهَا إلَخْ) أَيْ وَلَا يُسْتَحَبُّ قَلْبُهَا نَفْلًا لِأَنَّهُ إنْشَاءُ نَفْلٍ، وَتَأْثِيرُ الْمَاءِ فِي الْفَرْضِ كَهُوَ فِي النَّفْلِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (مِنْ إتْمَامِهَا) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مِنْ حَرَّمَ الْإِتْمَامَ.
стр. 108
الْمُطْلَقِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ إتْمَامِهِمَا لِيُسَلِّمَ عَنْهُمَا، وَيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ مَا شَاءَ (إلَّا مَنْ نَوَى عَدَدًا فَيُتِمُّهُ) وَإِنْ جَاوَزَ رَكْعَتَيْنِ لِانْعِقَادِ نِيَّتِهِ عَلَيْهِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ بِمَا شَاءَ، وَفِي الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمَنْوِيُّ رَكْعَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا (وَلَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ) لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ (وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ) لِأَنَّ النَّفَلَ لَا يَنْحَصِرُ فَخُفِّفَ فِيهِ
(وَالنَّذْرُ) بِالْمُعْجَمَةِ.
ــ
[حاشية قليوبي]
بِقَوْلِنَا فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُهُ مِنْهُ، مَا لَوْ وَجَدَهُ فِي حَدِّ الْبُعْدِ فَلَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ، وَلَا صَلَاتُهُ مُطْلَقًا وَخَرَجَ بِالصَّلَاةِ الطَّوَافُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. وَلَوْ لِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، وَلَوْ بِنَذْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ مُطْلَقًا بِوُجُودِ الْمَاءِ بِتَوَهُّمِهِ فِي حَدِّ الْقُرْبِ كَمَا مَرَّ. وَمَنْ أَتْقَنَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ مَا فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ مِنْ الْخَلَلِ الَّذِي مَنْشَؤُهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الِاخْتِصَارِ.
(فُرُوعٌ) : يَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ النَّزْعُ إذَا رَأَتْ مَوْطُوءَتُهُ الْمَاءَ، وَعَلِمَ بِرُؤْيَتِهَا لَهُ وَإِلَّا فَلَا لِبَقَاءِ تَيَمُّمِهَا عِنْدَهُ، وَلَوْ تَيَمَّمَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْوُجُودُ وَصَلَّى بِمَحَلٍّ لَا يَغْلِبُ فِيهِ أَوْ عَكْسُهُ، فَالْعِبْرَةُ بِمَحَلِّ الصَّلَاةِ عِنْدَ شَيْخِنَا وَخَالَفَهُ الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيُّ والطندتائي، وَلَوْ اخْتَلَفَ مَحَلُّ أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا، فَالْعِبْرَةُ بِالتَّحَرُّمِ وَلَوْ صَلَّى فِي مَحَلٍّ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ يَلْزَمُ فِيهِ الْقَضَاءُ أَوْ لَا، لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ شَرْطٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَالْقَضَاءُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ لُزُومُ الْقَضَاءِ إذَا شَكَّ فِي الْمَحَلِّ قَبْلَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ قَارَنَ الشَّكُّ تَحَرُّمَهُ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ نَزَعَ الْجَبِيرَةَ لِتَوَهُّمِ الْبُرْءِ فَوَجَدَ الْجُرْحَ لَمْ يَبْرَأْ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، وَكَذَا لَوْ سَقَطَتْ جَبِيرَتُهُ، لَكِنْ لَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ فِيهِمَا مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (قَبْلَ إتْمَامِهِمَا) فَإِنْ رَآهُ أَثْنَاءَ رَكْعَةٍ بَعْدَهُمَا أَتَمَّهَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِانْعِقَادِ نِيَّتِهِ عَلَيْهِ) إمَّا قَصْدًا أَوْ تَنْزِيلًا كَأَنْ أَطْلَقَ فِي الْوِتْرِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى ثَلَاثَةٍ أَقَلِّ الْكَمَالِ، يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ عَلَى مَاذَا يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ الْخَطِيبِ: إنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْوِتْرِ فَرَاجِعْهُ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَفْعِلْ مَا اخْتَارَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَمِثْلُ انْعِقَادِ نِيَّتِهِ مَا لَوْ نَوَى زِيَادَةً بَعْدَ التَّحَرُّمِ، وَقَبْلَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَيُمْكِنُ شُمُولُ كَلَامِهِ لَهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلِّي) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ لِلْمَفْعُولِ، وَغَيْرُ مَفْعُولٍ أَوْ نَائِبُ فَاعِلٍ، وَالطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (غَيْرُ فَرْضٍ) إنْ أَغْنَى عَنْ الْقَضَاءِ فَلَهُ جَمْعُ مُعَادَةٍ، وَلَوْ وُجُوبًا مَعَ أَصْلِهَا، وَلَهُ جَمْعُ جُمُعَةٍ وَظُهْرٍ مُعَادَةٍ وُجُوبًا، وَلَهُ جَمْعُ صَلَاةٍ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْوُجُودُ مَعَهَا، بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ، وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ الصَّبِيَّ نَعَمْ. إنْ بَلَغَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ، لَمْ يُصَلِّهِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ. وَشَمِلَ الْفَرْضُ الْمَذْكُورُ الْمُؤَدَّاةَ وَالْمَقْضِيَّةَ، وَمِنْهَا مَا يَقْضِيهِ نَحْوُ الْمَجْنُونِ بَعْدَ كَمَالِهِ، وَالصَّبِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَالْكَافِرُ بَعْدَ إسْلَامِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِطَلَبِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْمَنْسِيَّةِ وَفِي قَضَاءِ الْحَائِضِ، وَالْوَجْهُ جَوَازُ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّذْرُ) أَيْ الْمَنْذُورُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ كَفَرْضِهِ الْأَصْلِيِّ لَوْ كَانَ، أَوْ الْمُرَادُ الْمَنْذُورُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا كَنَذْرِ الْقِرَاءَةِ، وَالِاعْتِكَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ، فَلَهُ جَمْعُ فُرُوضٍ مِنْهُ بِتَيَمُّمٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يُصَلِّي إلَخْ. وَإِنْ كَانَ فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُؤَدَّى لِعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي غَيْرِ الطَّوَافِ، وَالصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْهُ نَفْلٌ نَذَرَ إتْمَامَهُ لِبَقَائِهِ عَلَى النَّفْلِيَّةِ، وَإِنْ حَرُمَ الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّذْرِ مَا انْعَقَدَتْ صِيغَتُهُ عَلَيْهِ، أَوْ عُدَّ خُصْلَةً وَاحِدَةً فَلَوْ نَذَرَ التَّرَاوِيحَ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهَا، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ الْوِتْرَ أَوْ الضُّحَى وَإِنْ نَذَرَ فِيهَا التَّسْلِيمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِالنَّذْرِ لَا يَزِيدُ عَلَى وُجُوبِهِ، إلَّا صَلَّى كَمَا فِي التَّرَاوِيحِ، وَلَوْ نَذَرَ وِتْرَيْنِ لَزِمَهُ تَيَمُّمَانِ لِكُلِّ وِتْرٍ تَيَمُّمٌ كَمَا مَرَّ. وَهَكَذَا وَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا آخِرًا، وَقَالَ فِي مَرَّةٍ: مَتَى سَلَّمَ لَزِمَهُ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، وَإِلَّا فَلَا. وَفِي مَرَّةٍ إنْ نَذَرَ السَّلَامَ وَجَبَ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي نَذْرِ الْوِتْرَيْنِ مَثَلًا: يَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
(فَرْعٌ) نَذَرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، فَإِنْ صَلَّاهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، اتِّفَاقًا أَوْ بِإِحْرَامَيْنِ، كَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ بِغَيْرِ نَذْرِ السَّلَامِ مِنْهُمَا لَزِمَهُ تَيَمُّمَانِ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ فَرَاجِعْهُ.
ــ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ لِأَنَّهُ الْأَحَبُّ وَالْمَعْهُودُ فِيهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (إذَا وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ إتْمَامِهَا) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الثَّالِثَةِ فَلَهُ إتْمَامُهُمَا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَوْ كَانَ الْمَنْوِيُّ رَكْعَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا) وَارِدَةً عَلَى الْكِتَابِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُسَمَّى عَدَدًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ) لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَعَ الْفَرْضِ الْمُعَادَةَ فِي الْجَمَاعَةِ كَالْمَنْسِيَّةِ فِي خَمْسٍ يَجْمَعُهَا بِتَيَمُّمٍ
стр. 109
(كَفَرْضٍ فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي لَا فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَعَ الْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ (وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ جَنَائِزَ مَعَ فَرْضٍ) لِشَبَهِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِالنَّفْلِ فِي جَوَازِ التَّرْكِ وَتَعَيُّنُهَا عِنْدَ انْفِرَادِ الْمُكَلَّفِ عَارِضٌ، وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْفَرْضُ بِالْفَرْضِ أَشْبَهُ، وَالثَّالِثُ إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ صَحَّتْ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ فَلَا. وَتَصِحُّ أَيْضًا مَعَ نَفْلٍ بِنِيَّتِهِ فِي أَصَحِّ الْأَوْجُهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَعَبَّرَ فِيهِ بِالْجَمْعِ كَمَا هُنَا لِيُفِيدَ الصِّحَّةَ فِي الْمُفْرَدِ الْمُعَبَّرِ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ مَنْ نَسِيَ إحْدَى الْخَمْسِ) وَلَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا (كَفَاهُ تَيَمُّمٌ لَهُنَّ) لِأَنَّ الْفَرْضَ وَاحِدٌ وَمَا عَدَاهُ وَسِيلَةٌ لَهُ. وَالثَّانِي يَجِبُ خَمْسَةُ تَيَمُّمَاتٍ لِوُجُوبِ الْخَمْسِ (وَإِنْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ) لَا يَعْلَمُ عَيْنَهُمَا (صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ) مِنْ الْخَمْسِ (بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ شَاءَ تَيَمَّمَ مَرَّتَيْنِ وَصَلَّى بِالْأَوَّلِ أَرْبَعًا وَلَاءً) أَيْ الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ (وَبِالثَّانِي أَرْبَعًا لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا) أَيْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ
ــ
[حاشية قليوبي]
فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَوَارِدِ الْفَوَائِدِ لُغْزًا نَظْمًا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ هُنَا بِقَوْلِهِ:
أَلَيْسَ عَجِيبًا أَنَّ شَخْصًا مُسَافِرًا ... إلَى غَيْرِ عِصْيَانٍ تُبَاحُ لَهُ الرُّخَصْ
إذَا مَا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ أَعَادَهَا ... وَلَيْسَ مُعِيدًا لِلَّتِي بِالتُّرَابِ خَصْ
ثُمَّ قَالَ: وَصُورَتُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، مَا لَوْ أَجْنَبَ مُسَافِرٌ وَنَسِيَ الْجَنَابَةَ، وَصَارَ يُصَلِّي بِالْوُضُوءِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ إذَا فَقَدَهُ فَيُعِيدُ صَلَاةَ الْوُضُوءِ، لِبَقَاءِ الْجَنَابَةِ عَلَى غَيْرِ أَعْضَائِهِ، لَا صَلَاةَ التَّيَمُّمِ، لِرَفْعِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِقِيَامِهِ مَقَامَ الْغُسْلِ، وَيَتَّجِهُ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْخَاصِّ بِالْفَرْضِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ ذَلِكَ وَلَمْ يُلَاحِظْ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْجَنَابَةِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهَا عَلَيْهِ مَعَ جَعْلِ نِسْيَانِهِ لَهَا كَالْغَلَطِ، وَإِلَّا فَالتَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ. قَوْلُهُ: (فِي الْأَظْهَرِ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْمَشْهُورِ لِضَعْفِ الْمُقَابِلِ جِدًّا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ. قَوْلُهُ: (فِي أَصَحِّ الْأَوْجُهِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ) إنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مُرَاعَاةً لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالصَّحِيحِ، لِضَعْفِ الْمُقَابِلِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ مَنْ نَسِيَ إحْدَى الْخَمْسِ) وَلَوْ احْتِمَالًا فِيهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا. كَمَا لَوْ شَكَّ حَاجٌّ فِي أَنَّ مَتْرُوكَهُ طَوَافٌ، أَوْ صَلَاةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخَمْسُ مَعَ الطَّوَافِ، وَيَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ لِلْجَمِيعِ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَلَهُ الِاجْتِهَادُ فِي أَيِّهِمَا الْمَتْرُوكُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْمَتْرُوكَةِ مِنْ الْخَمْسِ أَيْضًا، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ قُرْبَةً وَشَكَّ فِي أَنَّهَا صَوْمٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ عِتْقٌ أَوْ صَلَاةٌ، فَلَهُ الِاجْتِهَادُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (لَهُنَّ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكَفَاهُ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعَلُّقِ، بِالْفِعْلِ فَيَدْخُلُ مَا لَوْ تَيَمَّمَ لِغَيْرِهِنَّ أَوْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فَرْضٍ آخَرَ، وَأَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا آخَرَ وَنُظِرَ فِيهِ، بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُتَيَمَّمَ لَهَا فِي الْأُولَى هِيَ الَّتِي عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا فِي الثَّانِيَةِ غَيْرُ الَّتِي عَلَيْهِ وَهِيَ وَاقِعَةٌ لَهُ نَافِلَةً. نَعَمْ. إنْ قَصَدَ فِي الثَّانِيَةِ بِتَيَمُّمِهِ الَّتِي عَلَيْهِ مِنْهُنَّ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَلَوْ تَذَكَّرَ الْمَنْسِيَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَفَارَقَ وُضُوءَ الِاحْتِيَاطِ بِإِمْكَانِ الْيَقِينِ فِيهِ بِنَحْوِ الْمَسِّ. وَبِوُجُوبِ الْفِعْلِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْفَرْضَ وَاحِدٌ) فَلَوْ كَانَ الْمَنْسِيُّ اثْنَيْنِ، وَجَبَ تَيَمُّمَانِ. وَهَكَذَا أَوْ قَدْ جَعَلُوا لِذَلِكَ ضَابِطًا كُلِّيًّا بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، إحْدَاهَا أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِعَدَدِ الْمَنْسِيِّ، وَيُصَلِّي بِكُلِّ تَيَمُّمٍ عَدَدَ غَيْرِ الْمَنْسِيِّ مَعَ زِيَادَةِ وَاحِدَةٍ، ثَانِيهَا أَنْ يَضْرِبَ الْمَنْسِيَّ فِي الْمَنْسِيِّ فِيهِ، وَيُزَادُ عَلَى الْحَاصِلِ قَدْرُ عَدَدِ الْمَنْسِيِّ، ثُمَّ يَضْرِبُ الْمَنْسِيَّ فِي نَفْسِهِ وَيُسْقِطُ الْحَاصِلَ مِنْ الْجُمْلَةِ فَالْبَاقِي هُوَ الْمَقْضِيُّ مُوَزَّعًا عَلَى التَّيَمُّمَاتِ الَّتِي بِعَدَدِ الْمَنْسِيِّ كَمَا مَرَّ. ثَالِثُهَا أَنْ يُزَادَ مِثْلُ عَدَدِ غَيْرِ الْمَنْسِيِّ فَأَكْثَرُ عَلَى عَدَدِ الْمَنْسِيِّ فِيهِ، بِحَيْثُ يَنْقَسِمُ صَحِيحًا عَلَى الْمَنْسِيِّ فَالْمُجْتَمِعُ هُوَ الْمَقْضِيُّ مُوَزَّعًا عَلَى التَّيَمُّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا فَفِي نِسْيَانِ صَلَاتَيْنِ يَجِبُ تَيَمُّمَانِ، وَيُصَلِّي بِكُلِّ تَيَمُّمٍ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ بِقَدْرِ عَدَدِ غَيْرِ الْمَنْسِيِّ، مَعَ زِيَادَةِ صَلَاةٍ أَوْ بِضَرْبِ الْمَنْسِيِّ، وَهُوَ اثْنَانِ فِي الْمَنْسِيِّ فِيهِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ يَحْصُلُ عَشَرَةٌ يُزَادُ عَلَيْهَا عَدَدُ الْمَنْسِيِّ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ اثْنَانِ يَجْتَمِعُ اثْنَا عَشَرَ، ثُمَّ يُسْقِطُ مِنْهَا مَضْرُوبَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِمَا، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ تُقْسَمُ عَلَى التَّيَمُّمَيْنِ كَمَا مَرَّ. وَيُزَادُ عَلَى الْمَنْسِيِّ فِيهِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ مِثْلُ عَدَدِ غَيْرِ الْمَنْسِيِّ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ يَحْصُلُ ثَمَانِيَةٌ وَقِسْمَتُهَا صَحِيحَةٌ عَلَى الْمَنْسِيِّ الَّذِي هُوَ اثْنَانِ، فَيَخُصُّ كُلَّ تَيَمُّمٍ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ كَمَا مَرَّ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مُخْتَلِفَتَيْنِ) أَيْ يَقِينًا سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُمَا مِنْ يَوْمٍ أَوْ مِنْ يَوْمَيْنِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ إلَخْ) أَيْ نَدْبًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَوُجُوبًا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (وَإِنْ شَاءَ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: (لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا) فَيَحْرُمُ فِعْلُهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ.
قَالَهُ
ــ
[حاشية عميرة]
لِأَنَّ الْفَرْضَ وَاحِدٌ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (غَيْرَ فَرْضٍ) خَالَفَ فِي هَذِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (فِي جَوَازِ التَّرْكِ) أَيْ وَعَدَمِ
стр. 110
وَالْعِشَاءَ، فَيَخْرُجُ عَمَّا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْمَنْسِيَّتَانِ الصُّبْحَ وَالْعِشَاءَ أَوْ إحْدَاهُمَا مَعَ إحْدَى الثَّلَاثِ، أَوْ يَكُونَا مِنْ الثَّلَاثِ. وَعَلَى كُلٍّ صَلَّى كُلًّا مِنْهُمَا بِتَيَمُّمٍ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُسْتَحْسَنُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَقَوْلُهُ وَلَاءً مِثَالٌ لَا شَرْطٌ (أَوْ) نَسِيَ (مُتَّفِقَتَيْنِ) لَا يَعْلَمُ عَيْنَهُمَا مِنْ صَلَوَاتِ يَوْمَيْنِ (صَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ) وَفِي الْوَجْهِ السَّابِقِ بِعَشْرِ تَيَمُّمَاتٍ (وَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِ فِعْلِهِ) لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيَدْخُلُ فِي وَقْتِ الْفِعْلِ مَا تُجْمَعُ فِيهِ الثَّانِيَةُ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى (وَكَذَا النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ) كَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ وَصَلَاةُ الْعِيدِ لَا يَتَيَمَّمُ لَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَجُوزُ ذَلِكَ تَوْسِعَةً فِي النَّفْلِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ كَالنَّفْلِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِانْقِضَاءِ الْغُسْلِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ كَرَاهَتُهَا قَبْلَ التَّكْفِينِ فَيُكْرَهُ التَّيَمُّمُ لَهَا قَبْلَهُ أَيْضًا، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالصَّلَاةُ الْمَنْذُورَةُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ كَالْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ، وَالنَّفَلُ الْمُطْلَقُ يُتَيَمَّمُ لَهُ كُلَّ وَقْتٍ أَرَادَهُ إلَّا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا) كَالْمَحْبُوسِ فِي مَوْضِعٍ
ــ
[حاشية قليوبي]
شَيْخُنَا. وَقَالَ فِي مَرَّةٍ لَهُ فِعْلُهَا فَيُصَلِّي بِكُلِّ تَيَمُّمٍ خَمْسًا لِأَنَّ مَحَلَّ الْمَنْعِ مِنْ فِعْلِهَا إذَا تَرَكَ وَاحِدَةً غَيْرَهَا. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إلَخْ) وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ عَشْرُ احْتِمَالَاتٍ، وَاحِدٌ بِقَوْلِهِ: الصُّبْحَ وَالْعِشَاءَ، وَسِتَّةٌ بِقَوْلِهِ أَوْ إحْدَاهُمَا مَعَ إحْدَى الثَّلَاثِ، وَثَلَاثَةٌ بِقَوْلِهِ أَوْ يَكُونَا مِنْ الثَّلَاثِ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُسْتَحْسَنُ) لِقِلَّةِ التَّيَمُّمِ فِيهِ، وَفِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَا تَكْفِي فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ تَخَالُفُ الْمَنْسِيِّ الْمُتَعَدِّدِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا فَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (وَلَاءً) مِثَالٌ لَا شَرْطٌ فَهُوَ مِنْ التَّوَالِي لَا مِنْ الْمُوَالَاةِ، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ. قَوْلُهُ: (مُتَّفِقَتَيْنِ) وَلَوْ احْتِمَالًا أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ، كَمَا لَوْ جَهِلَ عَدَدَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ نَسِيَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ مِنْ يَوْمَيْنِ وَشَكَّ هَلْ فِيهَا مُتَّفِقَتَانِ، لَزِمَهُ صَلَاةُ يَوْمَيْنِ، وَكَذَا لَوْ نَسِيَ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيَةً، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صَلَاةُ يَوْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّلَاثُ مَثَلًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. لَزِمَهُ صَلَوَاتُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، كَذَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الثَّلَاثِ مِنْ ثَلَاثَةِ تَيَمُّمَاتٍ، وَفِي الْأَرْبَعِ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَهَكَذَا فَانْظُرْ كَيْفِيَّةَ فِعْلِ صَلَوَاتِ الْيَوْمَيْنِ بِهَا، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ يُصَلِّي الْخَمْسَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَوْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَهَكَذَا.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْوَقْتِ) عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَقْتِ فِعْلِهِ لِيُفِيدَ أَنَّ مُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ أَوْ مَعْنَى وَقْتِ فِعْلِهِ وَقْتٌ يَصِحُّ فِيهِ فِعْلُهُ فِي ذَاتِهِ.
لَا بِالنَّظَرِ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ، وَبَنَى عَلَيْهِ مَا يَأْتِي عَنْهُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ، وَلَوْ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ لَيْسَ مُعْتَبَرًا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ السُّتْرَةِ أَوْ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، أَوْ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَوْ لِلْخُطْبَةِ قَبْلَ اجْتِمَاعِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ، وَلَمَا صَحَّ إيرَادُ الْمُتَنَجِّسِ، كَمَا يَأْتِي فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِلرَّاتِبَةِ الَّتِي بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ فِعْلِهِ، وَيَفْعَلُ بِهِ الْقَبْلِيَّةَ أَوْ غَيْرَهَا. وَقَوْلٌ لِشَيْخِ شَيْخِنَا عَمِيرَةَ. بِعَدَمِ صِحَّتِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ بَلْ أَخَذَهُ مِنْ لَفْظِ " فِعْلِهِ " مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَهُ فَاعْتِمَادُ غَيْرِهِ لَهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا يَرِدُ عَدَمُ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ، قَبْلَ فِعْلِ الظُّهْرِ، لِمَنْ يَجْمَعَ تَقْدِيمًا لِأَنَّ وَقْتَ الْجَمْعِ لَمْ يَدْخُلْ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى نِيَّتِهِ فِي الْأُولَى، وَلَا بُطْلَانُ تَيَمُّمِهِ لَهَا بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ، إذَا بَطَلَ الْجَمْعُ بَعْدَهُ بِدُخُولِ وَقْتِهَا مَثَلًا لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَبِحْ مَا نَوَاهُ بِصِفَتِهِ، لَمْ يَسْتَبِحْ غَيْرَهُ بِالْأَوْلَى وَإِنَّمَا تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ التَّيَمُّمِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ مَعَهَا مَا يَنْوِيه وَلَا غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (الْغُسْلِ) أَيْ الْوَاجِبِ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِجِنَازَةٍ فَحَضَرَتْ أُخْرَى، جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ عَلَى الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْأُولَى أَوْ مَعَهَا، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْمُتَيَمِّمِ، وَإِنْ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ مَعَ الْمُتَوَضِّئِ، وَكَذَا مُنْفَرِدًا إذَا سَقَطَتْ بِهِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمُتَوَضِّئِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُصَلِّ الْمُتَوَضِّئُ، وَالْمَحَلُّ لَا تَسْقُطُ فِيهِ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ بِاجْتِمَاعِ غَالِبِ النَّاسِ لِمَنْ يُرِيدُ فِعْلَهَا جَمَاعَةً، وَبِإِرَادَتِهِ إنْ أَرَادَهَا فُرَادَى وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ بِالتَّغَيُّرِ، وَسَوَاءٌ أَرَادَهَا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَوَقْتُ الْفَائِتَةِ بِتَذَكُّرِهَا، وَالْمَنْذُورَةِ الْمُطْلَقَةِ بِإِرَادَةِ فِعْلِهَا، وَكَذَا مَا تَأَخَّرَ سَبَبُهُ. قَوْلُهُ: (إلَّا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ) أَيْ إلَّا إنْ أَرَادَ فِعْلَهُ فِي وَقْتِهَا، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهُ، وَلَوْ قَبْلَهَا فَإِنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهُ فِيهِ صَحَّ التَّيَمُّمُ لَهُ، وَلَوْ فِيهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ صِحَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً) فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ طَلَبُهُ مِنْهُ عَلَى مَا مَرَّ.
ــ
[حاشية عميرة]
انْحِصَارِ الْعَدَدِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَهُنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِكَفَاهُ لَا بِتَيَمُّمٍ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا) الظَّاهِرُ أَنَّ فِعْلَهُ لِلْأُولَى بِالتَّيَمُّمِ الثَّانِي حَرَامٌ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَبْلَ وَقْتِ فِعْلِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الرَّاتِبَةَ الْبَعْدِيَّةَ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا إلَّا بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ يَقْوَى عِنْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ) هَذَا الْكَلَامُ رُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَ
стр. 111
لَيْسَ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (لَزِمَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ) لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ (وَيُعِيدَ) إذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا: يُنْدَبُ لَهُ الْفِعْلُ. وَالثَّانِي: يَحْرُمُ وَيُعِيدُ عَلَيْهِمَا. وَالثَّالِثُ: يَجِبُ وَلَا يُعِيدُ. حَكَاهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَاخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: كُلُّ صَلَاةٍ وَجَبَ فِعْلُهَا فِي الْوَقْتِ مَعَ خَلَلٍ لَمْ يَجِبْ قِصَاؤُهَا فِي قَوْلٍ قَالَ بِهِ الْمُزَنِيّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ. وَذَكَرَ فِيهِ وَفِي الْفَتَاوَى عَلَى الْجَدِيدِ أَنَّهُ إنَّمَا يُعِيدُ بِالتَّيَمُّمِ فِي مَوْضِعٍ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِهِ لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهَا، وَاحْتُرِزَ بِالْفَرْضِ عَنْ النَّفْلِ، فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ قَطْعًا. (وَيَقْضِي الْمُقِيمُ الْمُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ) لِنُدُورِ فَقْدِهِ فِي الْإِقَامَةِ وَعَلَى الْمُخْتَارِ السَّابِقِ لَا يَقْضِي (لَا الْمُسَافِرُ) الْمُتَيَمِّمُ لِفَقْدِهِ لِعُمُومِ فَقْدِهِ فِي السَّفَرِ (إلَّا الْعَاصِي بِسَفَرِهِ) كَالْآبِقِ فَيَقْضِي (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا يَقْضِي لِوُجُوبِ تَيَمُّمِهِ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَلَا تُرَابًا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِبُ طَلَبُهُ كَالْمَاءِ. قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ اللُّزُومَ فِي كَلَامِهِ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوُجُوبِ، وَالصِّحَّةِ مَعًا بِدَلِيلِ حِكَايَةِ الْقَدِيمِ لِقَوْلِ النَّدْبِ، وَالْحُرْمَةِ وَلَيْسَ فِي النَّقْلِ لُزُومٌ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فَتَقْيِيدُهُ بِالْفَرْضِ لِإِخْرَاجِ النَّفْلِ، إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِ الشَّارِحِ، وَاحْتُرِزَ إلَخْ. فَسَقَطَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ هُنَا فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (أَنْ يُصَلِّيَ) أَيْ عِنْدَ يَأْسِهِ مِنْهُمَا، وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهِيَ صَلَاةٌ حَقِيقَةٌ يَحْنَثُ بِهَا، مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَيُبْطِلُهَا مَا يُبْطِلُ غَيْرَهَا. وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا بِلَا عُذْرٍ: نَعَمْ. تَبْطُلُ بِتَوَهُّمِ الْمَاءِ أَوْ التُّرَابِ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُهُمَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَسْقُطُ بِهِ فِيهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (الْفَرْضَ) أَيْ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ الْمُؤَقَّتَةَ وَلَوْ بِالنَّذْرِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَلَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ مِنْهَا إلَّا نَحْوَ السُّورَةِ لِلْجُنُبِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا تَجُوزُ الْمَنْدُوبَاتُ فِيهَا، كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَلَوْ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ، وَسُجُودِ السَّهْوِ إلَّا تَبَعًا لِإِمَامِهِ فِيهِمَا، وَدَخَلَ فِي الْفَرْضِ الْجُمُعَةُ فَتَلْزَمُهُ، وَإِنْ وَجَبَ إعَادَتُهَا ظُهْرًا وَلَا تَجِبُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، كَذَا قَالُوهُ، وَظَاهِرُ هَذَا عَدَمُ صِحَّتِهَا مِنْهُمْ لَوْ كَانَ فِيهِمْ مِنْهُمْ، أَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ كَذَلِكَ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ فَرَاجِعْهُ، وَدَخَلَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ إذَا نَذَرَهَا، وَيُصَلِّيهَا بِالْهَيْئَةِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَذْرِهِ، أَوْ بِمَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَا تُقْضَى إذَا خَرَجَ وَقْتُهَا. قَوْلُهُ: (لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يَجُوزُ قَضَاءُ فَائِتَةٍ تَذَكَّرَهَا، وَإِنْ فَاتَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ. قَوْلُهُ: (وَيُعِيدُ) صَوَابُهُ التَّعْبِيرُ بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْأَقْوَالِ، وَأَمَّا الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا، وَلَوْ بِالتُّرَابِ فِي مَحَلٍّ لَا تَسْقُطُ بِهِ، فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ الْمُرَادُ بِهَا مَا يَعُمُّ الْقَضَاءَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ. قَوْلُهُ: (لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ) أَيْ وَلَا تَجُوزُ فَتَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (وَاحْتُرِزَ بِالْفَرْضِ عَنْ النَّفْلِ) سَوَاءٌ الْمُؤَقَّتُ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، فَلَا تَجُوزُ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، فَيُدْفَنُ الْمَيِّتُ بِلَا صَلَاةٍ، وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ بِقَصْدِهِ، وَمُكْثُهُ بِالْمَسْجِدِ وَتَمْكِينُ الْحَلِيلِ، فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهَا.
(تَنْبِيهٌ) يُلْحَقُ بِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النَّفْلِ، وَنَحْوِهِ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، يُخَافُ مِنْ غَسْلِهَا، وَمَنْ حُبِسَ عَلَى نَجَاسَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا. كَفَاقِدِ سُتْرَةٍ وَمُتَيَمِّمٍ بِمَحِلٍّ. يَغْلِبُ فِيهِ الْوُجُودُ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ إلْحَاقُ نَحْوِ مَرْبُوطٍ عَلَى خَشَبَةٍ، بِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (الْمُقِيمُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ مَنْ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْوُجُودُ وَبِالْمُسَافِرِ عَكْسُهُ. قَوْلُهُ: (إلَّا الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ) الْمُرَادُ بِالسَّفَرِ هُنَا حَقِيقَتُهُ فَيَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ، وَيُصَلِّي وَيَقْضِي وَهَذَا فِي الْفَقْدِ الْحِسِّيِّ وَأَمَّا الشَّرْعِيُّ كَعَطَشٍ، فَلَا يَصِحّ مِنْهُ التَّيَمُّمُ حَتَّى يَتُوبَ، وَمِثْلُهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَخَرَجَ بِهِ الْعَاصِي بِالْإِقَامَةِ، فَلَا يَقْضِي لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ
ــ
[حاشية عميرة]
فِعْلِ الْخُطْبَةِ، لَكِنْ صَرَّحَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِخِلَافِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ) أَيْ وَلِمَا رَوَتْ «عَائِشَةُ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ قِلَادَةً مِنْ أَسْمَاءَ فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُنَاسًا فِي طَلَبِهَا، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلُّوا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ مَنْ مَنَعَ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَاكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ وَعَدَمُ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ لَيْسَ بِنَادِرٍ، فَصَلَاتُهُمْ إذْ ذَاكَ بِغَيْرِ طَهُورٍ نَاشِئَةٌ عَنْ عُذْرٍ عَامٍّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ أَنَّ الْفَائِتَةَ وَلَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يَفْعَلُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، أَيْ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُعِيدُ) اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ الْإِعَادَةُ، فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْمُعَادَةُ، وَقِيلَ كِلْتَاهُمَا، وَهُوَ الْأَفْقَهُ، وَقِيلَ الْأُولَى، وَقِيلَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الثَّانِيَةَ بِتَيَمُّمِ الْأُولَى. قَوْلُ الشَّارِحِ: (لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهَا) قَضِيَّةُ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَحْرِيمُهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَقْضِي الْمُقِيمُ الْمُتَيَمِّمُ) هَذَا بِعُمُومِهِ
стр. 112
كَغَيْرِهِ، وَعُورِضَ بِأَنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ رُخْصَةٌ فَلَا تُنَاطُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ فَلْيَتُبْ لِيَصِحَّ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْإِقَامَةِ وَعَدَمِهِ فِي السَّفَرِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، فَلَوْ أَقَامَ فِي مَفَازَةٍ وَطَالَتْ إقَامَتُهُ وَصَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ فَلَا قَضَاءَ، وَلَوْ دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي طَرِيقِهِ قَرْيَةً وَعَدِمَ الْمَاءَ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ.
(وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ) لِنُدُورِ فَقْدِ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ، وَالثَّانِي لَا يَقْضِي مُطْلَقًا، وَيُوَافِقُهُ الْمُخْتَارُ السَّابِقُ. وَالثَّالِثُ يَقْضِي الْحَاضِرُ دُونَ الْمُسَافِرِ (أَوْ) تَيَمَّمَ (لِمَرَضٍ يَمْنَعُ الْمَاءَ مُطْلَقًا) أَيْ فِي جَمِيعِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ (أَوْ فِي عُضْوٍ وَلَا سَاتِرَ) بِذَلِكَ مِنْ جَبِيرَةٍ فَأَكْثَرَ مَثَلًا (فَلَا) يَقْضِي لِعُمُومِ الْمَرَضِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثِيرٌ) فَيَقْضِي لِعَدَمِ الْعَفْوِ عَنْ الْكَثِيرِ فِيمَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ كَمَا سَيَأْتِي فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَةَ كَثِيرٍ.
وَقَالَ فِي الدَّقَائِقِ: لَا بُدَّ مِنْهَا، أَيْ فِي مُرَادِ الرَّافِعِيِّ لِلْعَفْوِ عَنْ الْقَلِيلِ فِي مَحَلِّهِ، وَمَا سَيَأْتِي لَهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِدَمِ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ مَحْمُولٌ بِقَرِينَةِ التَّشْبِيهِ عَلَى الْمُنْتَقِلِ عَنْ مَحَلِّهِ، وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ الْعَفْوَ عَنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. (وَإِنْ كَانَ) بِالْأَعْضَاءِ أَوْ بَعْضِهَا (سَاتِرٌ) كَجَبِيرَةٍ فَأَكْثَرَ (لَمْ يَقْضِ فِي الْأَظْهَرِ إنْ وَضَعَ) السَّاتِرَ (عَلَى طُهْرٍ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ وَقَدْ مَسَحَهُ بِالْمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ وُجُوبُهُ شَبِيهٌ بِالْخُفِّ، وَمَاسِحُهُ لَا يَقْضِي.
وَالثَّانِي يَقُولُ: مَسَحَهُ لِلْعُذْرِ وَهُوَ نَادِرٌ غَيْرُ دَائِمٍ. (فَإِنْ وَضَعَ) السَّاتِرَ (عَلَى حَدَثٍ وَجَبَ نَزْعُهُ) إنْ أَمْكَنَ بِأَنْ لَا يَخَافَ مِنْهُ ضَرَرًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِيَتَطَهَّرَ فَيَضَعَهُ عَلَى طُهْرٍ فَلَا يَقْضِي كَمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ) نَزْعُهُ لِخَوْفِ مَحْذُورٍ مِمَّا
ــ
[حاشية قليوبي]
شَأْنِهَا الْفَقْدُ، فَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْفَقْدِ الْحِسِّيِّ وَالشَّرْعِيِّ وَالْعَاصِي بِهَا وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ رُخْصَةٌ) . قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، وَيَدُلُّ لَهُ تَعْلِيلُ الْمُقَابِلِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَلَعَلَّ سُكُوتَ الشَّارِحِ عَنْهُ لِذَلِكَ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْمَرَضِ) وَلَوْ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْوُجُودُ، وَكَالْمَرَضِ حَيْلُولَةُ نَحْوِ سَبُعٍ أَوْ خَوْفُ رَاكِبِ سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْعَفْوِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مَعَ النَّجَاسَةِ كَمَا مَرَّ. فَالْقَضَاءُ لِبُطْلَانِهِ لَا لِلدَّمِ، وَحَمَلَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ عَلَى دَمٍ طَرَأَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ أَوْ عَلَى أَنَّ فِي مَفْهُومِ الْكَثِيرِ تَفْصِيلًا وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُفِيدُ صِحَّةَ التَّيَمُّمِ، بَلْ عَدَمُ الْعَفْوِ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِهِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ) أَيْ فَيَأْتِي مِثْلُهُ هُنَا وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بِالْأَعْضَاءِ) أَيْ غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ. كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَأَخْذُ السَّاتِرِ بِقَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: (عَلَى طُهْرٍ) أَيْ مِنْ الْحَدَثَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَا يَكْفِي طُهْرُ عُضْوِ السَّاتِرِ. مَثَلًا خِلَافًا لِلسَّنْبَاطِيِّ تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (عَلَى حَدَثٍ) أَيْ أَوْ عَلَى طُهْرٍ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ النَّزْعِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَيْ فِي الْوَضْعِ عَلَى الْحَدَثِ. قَوْلُهُ: (لِنَقْصِ الْبَدَلِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَاتِرٌ، وَلَكِنْ
ــ
[حاشية عميرة]
يَشْمَلُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَيَتَكَلَّفُ الشَّخْصُ التَّوَجُّهَ إلَى الْقَبْرِ لِيُعِيدَ الصَّلَاةَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عَلَيْهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافُهُ لِلْمَشَقَّةِ. نَعَمْ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ ابْنُ خَيْرَانِ أَنَّ الْمُقِيمَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى الْجِنَازَةِ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ وَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ وَجَبَ غُسْلُهُ لِأَنَّهُ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ، وَلَكِنْ نَازَعَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ، وَحَمَلَهُ عَلَى الْحَضَرِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (الْمُتَيَمِّمُ لِفَقْدِهِ) وَلَوْ لِظَمَأٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِوُجُوبِ تَيَمُّمِهِ) أَيْ وَإِذَا وَجَبَ صَارَ عَزِيمَةً لَا رُخْصَةً ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَعَلَّلَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ فِعْلُهُ خَرَجَ عَنْ مُضَاهَاةِ الرُّخَصِ الْمَحْضَةِ، ثُمَّ مَحَلُّ هَذَا إذَا كَانَ الْفَقْدُ حِسِّيًّا، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا وَأَرَادَ التَّيَمُّمَ لِمَرَضٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَنُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْإِقَامَةِ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ الْعِبْرَةُ بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ أَوْ الصَّلَاةِ الَّذِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْأَوَّلُ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ وَإِنْ كَانَ حُكْمُ السَّفَرِ نَافِيًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّالِثُ يَقْضِي الْحَاضِرُ دُونَ الْمُسَافِرِ) يَدُلُّ لَهُ قَضِيَّةُ عَمْرٍو إذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْقَضَاءِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ جَائِزٌ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِعُمُومِ الْمَرَضِ) أَيْ فَكَانَ مُسْقِطًا لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْحَيْضَ لِعُمُومِهِ أَسْقَطَ الْقَضَاءَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَمَا سَيَأْتِي لَهُ) أَيْ لِلرَّافِعِيِّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى طُهْرٍ) هَلْ الْمُرَادُ طُهْرٌ كَامِلٌ أَوْ طُهْرُ ذَلِكَ الْعُضْوِ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَالْخُفِّ نَعَمْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْمُحْدِثَ حَدَثًا أَصْغَرَ لَوْ
стр. 113
ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (قَضَى) مَعَ مَسْحِهِ بِالْمَاءِ (عَلَى الْمَشْهُورِ) لِانْتِفَاءِ شَبَهِهِ حِينَئِذٍ بِالْخُفِّ. وَالثَّانِي لَا يَقْضِي لِلْعُذْرِ.
وَالْخِلَافُ فِي الْقِسْمَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ السَّاتِرُ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَحَلِّهِ قَضَى قَطْعًا لِنَقْصِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ جَزَمَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالرَّافِعِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَالَ: إطْلَاقُ الْجُمْهُورِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ، انْتَهَى. وَابْنُ الْوَكِيلِ قَالَ: الْخِلَافُ فِي الْقَضَاءِ إذَا لَمْ نَقُلْ يَتَيَمَّمُ، فَإِنْ قُلْنَا يَتَيَمَّمُ وَتَيَمَّمَ فَلَا قَضَاءَ قَطْعًا، وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ بِتَعْبِيرِهِ بِالْمَشْهُورِ الْمُشْعِرُ بِضَعْفِ الْخِلَافِ عَنْ تَعْبِيرِ الْمُحَرَّرِ كَالشَّرْحِ بِأَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ حَاكِيَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ حِكَايَةُ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، الْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ فَلَا إعَادَةَ وَإِلَّا وَجَبَتْ، انْتَهَى. وَعَلَى الْمُخْتَارِ السَّابِقِ لَهُ لَا تَجِبُ.
(بَابُ الْحَيْضِ) وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ (أَقَلُّ سِنِّهِ تِسْعُ سِنِينَ) قَمَرِيَّةٍ تَقْرِيبًا، فَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ تَمَامِ التِّسْعِ بِمَا لَا يَسَعُ
ــ
[حاشية قليوبي]
لَمْ يُمْكِنْهُ إمْسَاسُ مَحَلِّ الْعِلَّةِ بِالتُّرَابِ، أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَاسْتَغْنَى إلَخْ) أَيْ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمَشْهُورِ يُشْعِرُ بِأَنَّ مُقَابِلَهُ مِنْ الْخِلَافِ غَيْرُ قَوِيٍّ، سَوَاءٌ كَانَ طُرُقًا أَوْ أَقْوَالًا فَآثَرَ التَّعْبِيرَ بِهِ عَنْ التَّعْبِيرِ بِالْمَذْهَبِ، أَوْ الْأَظْهَرِ، كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
بَابُ الْحَيْضِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ، فَهُوَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَلَيْسَ مَعِيبًا. وَالْحَيْضُ لُغَةً السَّيَلَانُ، يُقَالُ: حَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ. وَشَرْعًا دَمُ جِبِلَّةٍ أَيْ طَبِيعَةٍ يَخْرُجُ مِنْ أَقْصَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَتَعَدُّدُ الْفَرْجِ يُعْتَبَرُ بِمَا فِي الْحَدَثِ وَحِكْمَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ، أَنَّهُ لَمَّا سَالَ مَاءُ الشَّجَرَةِ حِينَ كَسَرَتْهَا حَوَّاءُ فِي الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا: لَأُدْمِيَنَّكِ كَمَا أَدْمَيْتهَا، فَأَوَّلُ وُجُودِهِ كَانَ فِيهَا، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوَّلُ وُجُودِهِ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ يُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِ ظُهُورِهِ وَانْتِشَارِهِ. وَالِاسْتِحَاضَةُ. وَيُقَالُ لَهَا: دَمُ فَسَادٍ لُغَةً كَالْحَيْضِ وَشَرْعًا دَمُ عِلَّةٍ يَخْرُجُ مِنْ أَدْنَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ مِنْ عِرْقٍ يُقَال لَهُ: الْعَاذِلُ بِمُعْجَمَةٍ أَوْ مُهْمَلَةٍ، وَبِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ مَعَ الْإِعْجَامِ.
وَالنِّفَاسُ لُغَةً الْوِلَادَةُ وَاصْطِلَاحًا الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِبَ فَرَاغِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ، وَقَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ حَيْضٌ فِي وَقْتِهِ، وَدَمُ فَسَادٍ فِي غَيْرِهِ، وَكَذَا مَا يَخْرُجُ مَعَ الْوَلَدِ وَسُمِّيَ نِفَاسًا لِأَنَّهُ عَقِبُ نَفْسٍ غَالِبًا يُقَالُ: نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَيُقَالُ لِلْحَائِضِ: نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَلِلْحَيْضِ عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
حَيْضُ نِفَاسٌ دِرَاسٌ طَمْسُ إعْصَارٍ ... ضَحِكٌ عِرَاكٌ طَمْثُ إكْبَارِ
وَاَلَّذِي يَحِيضُ مِنْ الْحَيَوَانِ ثَمَانِيَةٌ، كَمَا ذَكَرَهُ الْجَاحِظُ بِجِيمٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَظَاءٍ مُشَالَةٍ، أَرْبَعَةٌ بِاتِّفَاقٍ وَهِيَ الْمَرْأَةُ وَالْأَرْنَبُ وَالضَّبُعُ وَالْخُفَّاشُ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَهِيَ النَّاقَةُ وَالْحُجْرَةُ أَيْ الْأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ. وَالْكَلْبَةُ وَالْوَزَغَةُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّ مَعْنَى حَيْضِ غَيْرِ الْمَرْأَةِ رُؤْيَةُ دَمِهَا، وَلَيْسَ حَيْضًا حَقِيقَةً فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ أَقَلُّ وَلَا أَكْثَرُ وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَحْكَامِ وَقَدْ جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
ثَمَانِيَةٌ فِي جِنْسِهَا الْحَيْضُ يَثْبُتُ ... وَلَكِنْ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ لَا يُوَقَّتُ
نِسَاءٌ وَخُفَّاشٌ وَضَبُعٌ وَأَرْنَبٌ ... كَذَا نَاقَةٌ وَزَغٌ وَحُجْرَةُ كَلْبَةِ
ــ
[حاشية عميرة]
وَضَعَ اللُّصُوقَ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ثُمَّ أَجْنَبَ فَهُوَ وَضَعَ عَلَى طُهْرٍ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ) الَّذِي فِي الشَّرْحَيْنِ، وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَشْعَرَتْ بِهِ عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ حِكَايَةَ طَرِيقَيْنِ أَظْهَرُهُمَا الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ. وَالثَّانِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَضْعِ عَلَى الطُّهْرِ لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَكَانَ يَنْبَغِي التَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَابْنُ الْوَكِيلِ إلَخْ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّ كَلَامَهُ هَذَا فِي الْمَوْضُوعَةِ عَلَى حَدَثٍ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
نَقَلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْحَيْضَ أَوَّلُ وُقُوعِهِ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ انْتَهَى، وَقِيلَ: بَلْ وَقَعَ لِأُمِّنَا حَوَّاءَ عِنْدَ قَطْعِ
стр. 114
حَيْضًا وَطُهْرًا فَهُوَ حَيْضٌ، أَوْ بِمَا يَسَعُهُمَا فَلَا. (وَأَقَلُّهُ) زَمَنًا (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) أَيْ قَدْرُ ذَلِكَ مُتَّصِلًا كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةٍ تَأْتِي آخِرَ الْبَابِ. (وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ) يَوْمًا (بِلَيَالِيِهَا) وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ أَخْذًا مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ، وَغَالِبُهُ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ كُلُّ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ (وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ) زَمَنًا (خَمْسَةَ عَشَرَ) يَوْمًا لِأَنَّ الشَّهْرَ لَا يَخْلُو عَادَةً عَنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الطُّهْرِ كَذَلِكَ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ عَنْ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا تَقَدَّمَ الْحَيْضُ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ أَوْ تَأَخَّرَ بِأَنْ
ــ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (أَقَلُّ سِنِّهِ تِسْعُ سِنِينَ) . وَغَالِبُهُ عِشْرُونَ سَنَةً وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَقِيلَ سِتُّونَ سَنَةً وَلَفْظُ " تِسْعُ " فِي كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ مَرْفُوعٌ.
مِنْ الْخَبَرِ الْمُفْرَدِ عَنْ أَقَلَّ لَا مَنْصُوبٌ ظَرْفًا مِنْ الْخَبَرِ الْجُمْلَةِ عَنْهُ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ عَدَمَ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْأَقَلِّ، لِكَوْنِهِ مَظْرُوفًا فِي التِّسْعِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمَنْهَجِ فَقَوْلُهُ فِيهِ وَالتِّسْعُ مُبْتَدَأٌ وَلَيْسَتْ ظَرْفًا خَبَرُهُ، وَمَا قِيلَ مُبْتَدَأٌ أَيْضًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ خَبَرُهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (قَمَرِيَّةٍ) مَنْسُوبَةٍ إلَى الْقَمَرِ لِاعْتِبَارِهَا بِهِ مِنْ حَيْثُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الشَّمْسِ، لَا مِنْ حَيْثُ رُؤْيَتُهُ هِلَالًا وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَخُمُسُ يَوْمٍ وَسُدُسُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَخَرَجَ بِهَا الشَّمْسِيَّةُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى الشَّمْسِ، لِاعْتِبَارِهَا بِهَا مِنْ حَيْثُ حُلُولُهَا فِي نُقْطَةِ رَأْسِ الْحَمْلِ إلَى عَوْدِهَا إلَيْهَا، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَرُبْعُ يَوْمٍ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا جُزْءًا مِنْ ثَلَثِمِائَةِ جُزْءٍ مِنْ الْيَوْمِ. قَوْلُهُ: (أَوْ بِمَا يَسَعُهُمَا فَلَا) أَيْ فَلَيْسَ حَيْضًا وَإِنْ اتَّصَلَ بِدَمٍ قَبْلَهُ، فَلَوْ رَأَتْ دَمًا عِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ آخِرِ التَّاسِعَةِ، فَأَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَجُزْءُ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ الْعِشْرِينَ فَسَادٌ.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ هُنَا فِي شَرْحِهِ أَنَّ سِنَّ الْمَنِيِّ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى تَقْرِيبِيٌّ كَالْحَيْضِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُهُمَا مَنِيًّا فِي زَمَنٍ لَا يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا حُكِمَ بِبُلُوغِهِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ الشَّرْحِ فِي بَابِ الْحَجْرِ أَنَّهُ تَحْدِيدِيٌّ فِيهِمَا، وَهُوَ الْوَجْهُ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا لِأَنَّ الشَّيْءَ يُرَجَّحُ بِذِكْرِهِ فِي بَابِهِ، وَالْمَنِيُّ لَا يُقَدَّرُ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ. قَوْلُهُ: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) أَيْ مُتَوَالِيَيْنِ سَوَاءٌ اعْتَدَلَا أَوْ لَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ قَدْرَهُمَا إلَى دُخُولِ مَا لَوْ طَرَأَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، وَبِقَوْلِهِ مُتَّصِلًا إلَى أَنَّ الْأَقَلَّ حَقِيقَةً لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مَعَ الِاتِّصَالِ. قَوْلُهُ: (كَمَا يُؤْخَذُ إلَخْ) . هُوَ رَاجِعٌ لِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْقَدْرِ، حَيْثُ اعْتَبَرُوا فِيمَا لَوْ تَخَلَّلَ نَقَاءٌ أَنْ لَا تَنْقُصَ أَوْقَاتُ الدِّمَاءِ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً، قَدْرَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، بِحَيْثُ لَوْ أُدْخِلَتْ قُطْنَةٌ فِي الْمَحَلِّ تَلَوَّثَتْ بِالدَّمِ، وَقَوْلُهُ: كَمَا يُؤْخَذُ إلَخْ. لَوْ قَالَ كَمَا يَأْتِي إلَخْ لَكَانَ حَسَنًا إذْ لَا يُؤْخَذُ الشَّيْءُ مِنْ نَفْسِهِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (بِالِاسْتِقْرَاءِ) أَيْ التَّامِّ فَلَوْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ امْرَأَةٍ بِأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، لَمْ تُعْتَبَرْ وَاعْتِبَارُ الِاسْتِقْرَاءِ لِعَدَمِ ضَابِطٍ هُنَا، لِذَلِكَ شَرْعًا أَوْ لُغَةً فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ بِتَقْدِيمِ الشَّرْعِ، ثُمَّ الْعُرْفِ ثُمَّ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَخْلُو عَادَةً) وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ غَالِبًا أَيْ جَرَتْ عَادَةُ النِّسَاءِ وَغَلَبَ فِيهِنَّ لِاشْتِمَالِ كُلِّ شَهْرٍ عَلَى حَيْضٍ، وَطُهْرٍ وَأَمَّا كَوْنُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَادَةٍ وَلَا غَلَبَةٍ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ، بِالْفَرْدِ النَّادِرِ فَاللُّزُومُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْحُكْمَ فِي اعْتِبَارِ السِّنِينَ بِالْقَمَرِيَّةِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) وَكَذَا بَيْنَ النِّفَاسَيْنِ كَأَنْ وَطِئَ عَقِبَ الْوِلَادَةِ، وَأَلْقَتْ عَلَقَةً بَعْدَ السِّتِّينَ أَكْثَرَ النِّفَاسِ لِدُونِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. قَوْلُهُ: (تَقَدَّمَ الْحَيْضُ) الْأَنْسَبُ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ
ــ
[حاشية عميرة]
الشَّجَرَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (تِسْعُ سِنِينَ) أَيْ إتْمَامُ التَّاسِعَةِ، وَقِيلَ: نِصْفُهَا، وَقِيلَ: الطَّعْنُ فِيهَا، وَهِيَ جَارِيَةٌ فِي إمْكَانِ بُلُوغِهَا بِالْإِنْزَالِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، فَتَمَامُ التَّاسِعَةِ، وَقِيلَ نِصْفُ الْعَاشِرَةِ، وَقِيلَ تَمَامُهَا، وَالْفَرْقُ حَرَارَةُ طَبْعِ النِّسَاءِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (قَمَرِيَّةٌ) أَيْ هِلَالِيَّةٌ وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَسُدُسُ يَوْمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
قَوْلُ الشَّارِحِ: (تَقْرِيبًا) وَقِيلَ تَحْدِيدًا، وَعَلَيْهِ فَقِيلَ يَضُرُّ بَقِيَّةُ الْيَوْمِ، وَقِيلَ إنْ رَأَتْ قَبْلَ التِّسْعِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَبَعْدَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ، وَإِنْ انْعَكَسَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، وَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْضُهُ قَبْلُ وَبَعْضُهُ بَعْدُ فَفِيهِ وَجْهَانِ وَالثَّانِي قَوْلُ الْمُتَوَلِّي وَرَجَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ. قَوْلُهُ: (كَمَا يُؤْخَذُ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مُتَّصِلًا. قَوْلُهُ أَيْضًا: (كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةٍ تَأْتِي) هِيَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالنَّقَاءُ بَيْنَ الْحَيْضِ إذْ قَضِيَّةُ جَعْلِ أَقَلِّ النَّقَاءِ الْمُتَخَلَّلِ بَيْنَ دِمَاءِ أَقَلِّ الْحَيْضِ حَيْضًا أَنْ لَا تَكُونَ دِمَاءُ الْأَقَلِّ الَّتِي تَخَلَّلَهَا ذَلِكَ النَّقَاءُ أَقَلَّ الْحَيْضِ فِي حَالَةِ تَخَلُّلِهِ بَلْ الْحَيْضُ هِيَ مَعَ ذَلِكَ النَّقَاءِ فَيُعْلَمُ بِلَا رَيْبٍ أَنَّ شَرْطَ تَحَقُّقِ أَقَلِّ الْحَيْضِ حَيْضًا فَقَطْ أَنْ يَكُونَ دِمَاءً مُتَّصِلَةً قَدْرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ تَحَقُّقَ وُجُودِ الْأَقَلِّ فَقَطْ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الِاتِّصَالِ إذْ لَوْ فُرِضَ نَقَاءٌ فِي خِلَالِ دَمِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ زَادَ الْحَيْضُ عَنْ الْأَقَلِّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (خَمْسَةَ عَشَرَ) ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عَشَرَةٌ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَخْذًا
стр. 115
رَأَتْ النُّفَسَاءُ أَكْثَرَ النِّفَاسِ وَانْقَطَعَ الدَّمُ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ الطُّهْرِ، وَغَالِبُهُ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ بَعْدَ غَالِبِ الْحَيْضِ
(وَيَحْرُمُ بِهِ) أَيْ بِالْحَيْضِ (مَا حَرُمَ بِالْجَنَابَةِ) مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (وَعَبُورُ الْمَسْجِدِ إنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ) بِالْمُثَلَّثَةِ بِالدَّمِ لِغَلَبَتِهِ أَوْ عَدَمِ إحْكَامِهَا الشَّدَّ، فَإِنْ أَمِنَتْ جَازَ لَهَا الْعُبُورُ كَالْجُنُبِ، (وَالصَّوْمُ وَيَجِبَ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ) فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا لِلْمَشَقَّةِ فِيهِ بِكَثْرَتِهَا (وَمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا) أَيْ مُبَاشَرَتُهُ بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ
ــ
[حاشية قليوبي]
شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الصَّلَاةِ إلَخْ) وَتُثَابُ الْحَائِضُ عَلَى تَرْكِ مَا حَرُمَ عَلَيْهَا إذَا قَصَدَتْ امْتِثَالَ الشَّارِعِ فِي تَرْكِهِ لَا عَلَى الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ لَوْلَا الْحَيْضُ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ حَالَةَ عَزْمِهِ. قَوْلُهُ: (وَعُبُورُ الْمَسْجِدِ إنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ) . الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ مَا يَشْمَلُ التَّوَهُّمَ، وَأَمَّا عُبُورُ غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَالرِّبَاطِ، وَمِلْكِ الْغَيْرِ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ مَعَ الظَّنِّ، وَيُكْرَهُ لَهَا عُبُورُ الْمَسْجِدِ مَعَ الْأَمْنِ لِغِلَظِ حَدَثِهَا، وَلِذَلِكَ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى فِي الْجُنُبِ. نَعَمْ لَا كَرَاهَةَ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ، كَقُرْبِ طَرِيقٍ.
(تَنْبِيهٌ) كُلُّ مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ تُلَوِّثُ كَجِرَاحَةٍ نَضَّاحَةٍ لَهُ حُكْمُ الْحَائِضِ، فِيمَا ذُكِرَ سَوَاءٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، أَوْ فِعْلِهِ وَيَحْرُمُ إدْخَالُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِبْقَاؤُهَا فِيهِ، وَمِنْهُ نَحْوُ قَمْلٍ مَيِّتٍ فِي مَلْبُوسٍ. نَعَمْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ فِي نَحْوِ نَعْلِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَيَحْرُمُ إلْقَاءُ نَحْوِ الْقَمْلِ حَيًّا مُطْلَقًا عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَتَأَذَّى أَوْ يُؤْذِي وَإِلَّا فَيُكْرَهُ كَإِلْقَائِهِ فِي مَحَلٍّ فِيهِ تُرَابُ مَسْجِدٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَيَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ إنْ أَسْرَعَ بِإِخْرَاجِهِ وَيَجُوزُ الْفَصْدُ فِيهِ إنْ لَمْ يُلَوِّثْ، وَأَسْرَعَ بِإِخْرَاجِهِ وَفَارَقَ حُرْمَةَ الْبَوْلِ فِيهِ، مُطْلَقًا وَلَوْ فِي إنَاءٍ لِلْعَفْوِ عَنْ جِنْسِ الدَّمِ، وَيَحْرُمُ تَقْذِيرُهُ بِالطَّاهِرَاتِ كَقُشُورِ الْبِطِّيخِ، وَإِلْقَاءِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ، وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهِ، وَإِنْ وَقَعَ مَاؤُهُ فِي أَرْضِهِ لِعَدَمِ الِامْتِهَانِ فِي ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ غَسْلُ نَجَاسَةٍ فِيهِ، وَبُصَاقٌ وَلَوْ بِقَطْعِ هَوَائِهِ لَا أَخَذَ مِنْ فَمِهِ بِثَوْبِهِ مَثَلًا، وَدَفْنُ الْبُصَاقِ فِيهِ مُكَفِّرٌ لِإِثْمِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا: ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَلَوْ فِي تُرَابِ مَنْ وَقَفَهُ أَوْ فِي حَصِيرِهِ أَوْ فِي خَزَائِنِهِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ حَرُمَ مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُهُ لِمِلْكِ غَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) سَيَأْتِي أَنَّهُ يَحِلُّ لَهَا الطُّهْرُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ لَا قَبْلَهُ، فَيَحْرُمُ إلَّا لِاغْتِسَالٍ نِحْو حَجِّ وَعِيدٍ وَحُضُورِ جَمَاعَةٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَهَا الْوُضُوءُ لِتِلْكَ الْأَغْسَالِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْجُنُبَ كَالْحَائِضِ لَا يَصِحُّ طُهْرُهُ حَالَةَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَنْعَ فِي الْحَيْضِ لِذَاتِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى خُرُوجِهِ كَزَمَنِ الْتِقَاءٍ بَيْنَ دِمَائِهِ وَالْمَنْعُ فِي الْجُنُبِ لِوُجُودِ الْمُنَافِي، وَلِذَلِكَ صَحَّ مَعَ وُجُودِهِ فِي سَلَسِهِ وَيَجُوزُ لَهَا كُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ غَيْرُ مَا اُسْتُثْنِيَ. قَوْلُهُ: (وَالصَّوْمُ) فَرْضًا وَنَفْلًا أَدَاءً وَقَضَاءً وَتَحْرِيمُهُ تَعَبُّدِيٌّ، وَقِيلَ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهَا مُضْعِفَانِ. قَوْلُهُ: (وَيَجِب قَضَاؤُهُ) أَيْ الصَّوْمِ أَيْ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، لِانْعِقَادِ سَبَبِهِ فِي حَقِّهَا، كَمَا فِي نَحْوَ النَّوْمِ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الصَّلَاةِ) لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَفَارَقَتْ الصَّوْمَ بِالْمَشَقَّةِ بِكَثْرَتِهَا وَبِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ عَلَى أَنْ تُؤَخَّرَ ثُمَّ تُقْضَى بَلْ إمَّا أَنْ لَا تَجِبَ أَوْ تَجِبَ وَلَا تُؤَخَّرُ، وَنَفْيُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ يُوهِمُ جَوَازَ قَضَائِهَا، لَكِنْ مَعَ كَرَاهَتِهَا تَنْزِيهًا خِلَافًا لِقَوْلِ الْبَيْضَاوِيِّ بِحُرْمَتِهَا، وَعَلَى كُلٍّ لَا تَنْعَقِدُ لَوْ فَعَلَتْهَا لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا لَمْ تُطْلَبْ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا: كَالْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ، وَخَالَفَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. فَقَالَ بِصِحَّتِهَا وَانْعِقَادِهَا عَلَى قَوْلِ الْكَرَاهَةِ الْمُعْتَمَدِ، وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فَلَهَا جَمْعُ صَلَوَاتٍ بِتَيَمُّمٍ، لِأَنَّهَا دُونَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مُبَاشَرَتُهُ) أَيْ مَسُّهُ بِلَا حَائِلٍ، وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ فَخَرَجَ النَّظَرُ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، وَخَرَجَ نَفْسُ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَلَفْظُ " مُبَاشَرَةُ " يَقْتَضِي حِلَّ وَطْئِهَا بِحَائِلٍ، وَمَسَّ شَعْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهِمَا بِخِلَافِ مَسِّهَا بِشَعْرِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مُبَاشَرَتُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهَا مِنْهَا، وَعَكْسُهُ وَلَوْ أَخْبَرَتْهُ بِالْحَيْضِ حَرُمَ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهَا إنْ صَدَّقَهَا، وَإِلَّا فَلَا وَإِذَا صَدَّقَهَا وَادَّعَتْ دَوَامَهُ صُدِّقَتْ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا حُضُورُ الْمُحْتَضَرِ، وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَا مَسَّتْهُ بِطَبْخٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا فِعْلُهَا لَهُ وَلَا غَسْلُ الثِّيَابِ.
ــ
[حاشية عميرة]
مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالصَّوْمُ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ تَعَبُّدٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَوْنُهُ يُضْعِفُهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا) أَيْ لِأَنَّهُ حَرِيمٌ لِلْوَطْءِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فَظَاهِرٌ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا جَوَازُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمَا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ مُبَاشَرَتُهُ) هُوَ مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِعِبَارَةِ التَّحْقِيقِ، وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَيَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالنَّظَرِ خِلَافًا لَمَّا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ الْمَنْعِ حَيْثُ عَبَّرُوا بِالِاسْتِمْتَاعِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْقِيَاسُ تَحْرِيمُ
стр. 116
غَيْرُ الْوَطْءِ) وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ حُرْمَتُهُ فِي حَيْضِ مَمْسُوسَةٍ لِتَضَرُّرِهَا بِطُولِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ زَمَانَ الْحَيْضِ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْعِدَّةِ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا لَمْ يَحْرُمْ طَلَاقُهَا لِأَنَّ عِدَّتَهَا إنَّمَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
(فَإِذَا انْقَطَعَ) أَيْ الْحَيْضُ (لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ) مِمَّا حَرُمَ (غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ) فَيَحِلَّانِ لِانْتِفَاءِ مَانِعِ الْأَوَّلِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي حَرُمَ لَهُ الثَّانِي، وَلَفْظَةُ الطَّلَاقِ زَادَهَا عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ: إنَّهَا زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ.
(وَالِاسْتِحَاضَةُ) وَهِيَ أَنْ يُجَاوِزَ الدَّمُ أَثَرَ الْحَيْضِ وَيَسْتَمِرَّ (حَدَثٌ دَائِمٌ كَالسَّلَسِ) أَيْ سَلَسِ الْبَوْلِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ (فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ) لِلضَّرُورَةِ، (فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ) وُجُوبًا بِأَنْ تَشُدَّهُ بَعْدَ حَشْوِهِ مَثَلًا بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ تُخْرِجُ أَحَدَهُمَا إلَى بَطْنِهَا، وَالْآخَرَ إلَى صُلْبِهَا، وَتَرْبِطُهُمَا بِخِرْقَةٍ تَشُدُّهَا عَلَى وَسَطِهَا كَالتِّكَّةِ، وَإِنْ تَأَذَّتْ بِالشَّدِّ تَرَكَتْهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّمُ قَلِيلًا يَنْدَفِعُ بِالْحَشْوِ فَلَا حَاجَةَ لِلشَّدِّ، وَإِنْ كَانَتْ صَائِمَةً تَرَكَتْ الْحَشْوَ نَهَارًا وَاقْتَصَرَتْ عَلَى الشَّدِّ فِيهِ. (وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ الصَّلَاةِ) كَالْمُتَيَمِّمِ (وَتُبَادِرُ
ــ
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ) الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ كَبِيرَةٌ وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ إلَّا فِي زَمَنٍ. يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ بِجَوَازِهِ، نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِهِ لِمَنْ خَافَ الْعَنَتَ فَرَاجِعْهُ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ وَطِئَ فِيهِ وَلَوْ بِزِنًا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ إنْ وَطِئَ فِي إقْبَالِهِ، وَبِنِصْفِ دِينَارٍ فِي إدْبَارِهِ كَذَلِكَ، وَيَتَكَرَّرُ التَّصَدُّقُ بِتَكْرَارِ الْوَطْءِ، وَالْمُرَادُ بِإِدْبَارِهِ زَمَنُ ضَعْفِهِ وَتَنَاقُضِهِ، وَبَعْدَهُ إلَى الْغُسْلِ كَذَلِكَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ بِلَا عُذْرٍ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ، وَعَمَّمَهُ بَعْضُهُمْ فِي إتْيَانِ كُلِّ مَعْصِيَةٍ. قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي إلَخْ) هُوَ تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (أَيْ الْحَيْضُ) وَمِثْلُهُ النِّفَاسُ وَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْغُسْلِ) الْأَوْلَى الطُّهْرُ لِيَشْمَلَ التَّيَمُّمَ. قَوْلُهُ: (غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ) أَيْ وَالطُّهْرُ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ وَعَلَّلَ الشَّارِحُ الْأَوَّلَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الثَّالِثَ، وَعَلَّلَ الثَّلَاثَةَ فِي الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ، وَهِيَ الْمَانِعُ فِي الصَّوْمِ وَطُولُ الْمُدَّةِ فِي الطَّلَاقِ وَالتَّلَاعُبُ فِي الطُّهْرِ، وَقِيلَ عِلَّةُ الْأَوَّلِ اجْتِمَاعُ الْمُضْعِفَيْنِ كَمَا مَرَّ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ. تَهَافُتٌ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الطُّهْرَ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الطُّهْرِ إلَّا الطُّهْرُ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ عُمُومِ مَا حَرُمَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَنْ تُجَاوِزَ إلَخْ) فِيهِ قُصُورٌ لِأَنَّ كُلَّ دَمٍ لَيْسَ فِي زَمَنِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِمَا، وَلَعَلَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى تَقْدِيمِهَا عَلَى النِّفَاسِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (حَدَثٌ دَائِمٌ) هُوَ بَيَانٌ لِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا لَا تَفْسِيرٌ لَهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنَّ سَلَسَ الْمَذْيِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ نَحْوِهِ يُسَمَّى اسْتِحَاضَةً وَلَا قَائِلَ بِهِ، كَذَا قَالُوا وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ هَذَا كَقَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ ذُو رِجْلَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ ذِي رِجْلَيْنِ إنْسَانًا تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ) وَلَوْ نَفْلًا وَلَا غَيْرَهُمَا. فَلَهُ الْوَطْءُ وَلَوْ مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ إلَّا فِي مُتَحَيِّرَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَتَغْسِلُ) بِالْمَاءِ أَوْ تُمْسَحُ بِالْأَحْجَارِ. قَوْلُهُ: (وُجُوبًا) بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الطَّلَبِ. قَوْلُهُ: (مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ) أَيْ أَوْ الطَّرَفِ الْمُقَدَّمِ فَقَطْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَا بُدَّ فِي الْحَشْوِ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْقُطْنَةِ مَثَلًا بَارِزًا إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، لِئَلَّا تَصِيرَ حَامِلَةً لِمُتَّصِلٍ بِنَجَسٍ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَأَذَّتْ) أَيْ وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الْحَرْقَانِ تَرَكَتْهُ، وَكَلَامُهُ فِي الشَّدِّ وَمِثْلُهُ الْحَشْوُ وَلَا يَضُرُّ خُرُوجُ الدَّمِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَوَّثَ مَلْبُوسَهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَلَا يَجُوزُ لِنَحْوِ السَّلِسِ تَعْلِيقُ نَحْوِ قَارُورَةٍ لِيَقْطُرَ فِيهَا بَوْلُهُ مَثَلًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (صَائِمَةً) أَيْ وَلَوْ نَفْلًا تَرَكْت الْحَشْوَ نَهَارًا وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَيْهِ وَتَحْشُو لَيْلًا، فَلَوْ أَصْبَحَتْ صَائِمَةً وَالْحَشْوُ بَاقٍ، فَهَلْ لَهَا نَزْعُهُ بِإِدْخَالِ أَصَابِعِهَا لِأَجْلِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَرِّرْهُ، كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ. وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ مَا مَرَّ فِي شَرْطِ الْحَشْوِ.
ــ
[حاشية عميرة]
مُبَاشَرَتِهَا لَهُ فِيمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِوَطْءٍ) وَهُوَ كَبِيرَةٌ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَطْءِ) أَيْ وَلَكِنْ يُكْرَهُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ لِقَوْلِهِ ﷺ «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إلَخْ) تَوْطِئَةٌ لِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الطَّلَاقِ أَيْ إذَا كَانَتْ حُرْمَتُهُ مَعْلُومَةٌ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَهِيَ أَنْ يُجَاوِزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَيَسْتَمِرَّ) فَسَّرَهَا بِهَذَا لِيُعْلِمَك أَنَّ قَوْلَهُ حَدَثٌ دَائِمٌ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلِاسْتِحَاضَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (حَدَثٌ دَائِمٌ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلِاسْتِحَاضَةِ بَلْ هُوَ حُكْمٌ إجْمَالِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ السَّلَسَ وَنَحْوَهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَالسَّلَسُ بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ: وَقَوْلُهُ كَسَلَسٍ لِلتَّشْبِيهِ لَا لِلتَّمْثِيلِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَهُوَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ) يُفِيدُك أَنَّ السَّلَسَ فِي الْمَتْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِأَنْ تَشُدَّهُ إلَخْ) يُسَمَّى ذَلِكَ تَلَجُّمًا وَاسْتِثْفَارًا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِنْ اللِّجَامِ وَثُفْرِ الدَّابَّةِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُهُمَا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَإِنْ كَانَتْ صَائِمَةً تَرَكَتْ الْحَشْوَ نَهَارًا) أَيْ وَإِنَّمَا لَمْ
стр. 117
بِهَا) تَقْلِيلًا لِلْحَدَثِ (فَلَوْ أَخَّرْتَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ كَسِتْرٍ، وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ لَمْ يَضُرَّ وَإِلَّا فَيَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي لَا يَضُرُّ كَالْمُتَيَمِّمِ (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ) كَالْمُتَيَمِّمِ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ. (وَكَذَا تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ فِي الْأَصَحِّ) وَإِنْ لَمْ تَزُلْ عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ جَوَانِبَهَا قِيَاسًا عَلَى تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ. وَالثَّانِي لَا يَجِبُ تَجْدِيدُهَا إلَّا إذَا زَالَتْ عَنْ مَوْضِعِهَا زَوَالًا لَهُ وَقْعٌ، أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ بِجَوَانِبِهَا، وَحَيْثُ قِيلَ بِتَجْدِيدِهَا فَتُجَدِّدُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ غَسْلِ الْفَرْجِ وَإِبْدَالِ الْقُطْنَةِ الَّتِي بِفَمِهِ. (وَلَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَمْ تَعْتَدْ انْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ أَوْ اعْتَادَتْ) ذَلِكَ (وَوَسِعَ زَمَنُ الِانْقِطَاعِ) بِحَسَبِ الْعَادَةِ (وُضُوءًا وَالصَّلَاةَ) بِأَقَلَّ مَا يُمْكِنُ (وَجَبَ الْوُضُوءُ) أَمَّا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى فَلِاحْتِمَالِ الشِّفَاءِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ عَوْدِ الدَّمِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِإِمْكَانِ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرِ مُقَارَنَةِ حَدَثٍ، فَلَوْ عَادَ الدَّمُ قَبْلَ إمْكَانِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ فِي الْحَالَتَيْنِ فَوَضْؤُهَا بَاقٍ بِحَالِهِ تُصَلِّي بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَسَعْ زَمَنُ
ــ
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ صَلَاةَ الصَّائِمَةِ مَعَ تَرْكِ الْحَشْوِ صَحِيحَةٌ؛ كَصَوْمِهَا، فَمُرَاعَاةُ الصَّوْمِ إنَّمَا حَصَلَتْ بِتَرْكِ الْحَشْوِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ سُقُوطُ اسْتِشْكَالِ مَا هُنَا بِمَسْأَلَةِ الْخَيْطِ الْآتِيَةِ فِي الصَّوْمِ الَّتِي فِيهَا لُزُومُ بُطْلَانِ أَحَدِهِمَا، وَهِيَ مَا لَوْ ابْتَلَعَ خَيْطًا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَصْبَحَ صَائِمًا وَطَرَفُهُ خَارِجٌ حَيْثُ رَاعَوْا فِيهَا الصَّلَاةَ، بِنَزْعِهِ لِصِحَّتِهَا لَا الصَّوْمَ بِبَقَائِهِ وَبُطْلَانِهَا، فَلَا حَاجَةَ لِلْجَوَابِ عَنْهَا لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ، رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ مَعَهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ فَتَأَمَّلْ.
(فَرْعٌ) قَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي وُضُوءِ دَائِمِ الْحَدَثِ تَقَدُّمُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ قَوِيَّةٌ فَتَكُونُ طَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ كَذَلِكَ، بَلْ إنَّهَا مِنْ أَفْرَادِهِ. قَوْلُهُ: (وَتَتَوَضَّأُ) أَوْ تَتَيَمَّمُ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْفَاءِ فِي الْحَشْوِ وَالْعَصْبِ وَالْوُضُوءِ لَكَانَ أَوْلَى، كَمَا فَعَلَ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ لِإِفَادَةِ الْفَوْرِيَّةِ الْوَاجِبَةِ. قَوْلُهُ: (وَقْتَ الصَّلَاةِ) تَنَازَعَهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْغُسْلِ وَمَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (كَالْمُتَيَمِّمِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ النِّيَّةُ وَمَا يُسْتَبَاحُ بِهِ، وَالْوَقْتُ وَتَثْلِيثُ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَنَحْوِهَا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْ التَّشْبِيهِ أَنَّهَا لَا تَغْتَسِلُ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا سَيَأْتِي فِي الْمُتَحَيِّرَةِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ تَحَقُّقُ عَدَمِ الْحَيْضِ فَرَاجِعْهُ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا صَلَاةُ الْفَرْضِ الَّذِي تَطَهَّرَتْ لَهُ فَلَوْ تَطَهَّرَتْ لِحَاضِرَةٍ فَتَذَكَّرَتْ فَائِتَةً أَوْ عَكْسُهُ، فَلَهَا فِعْلُ أَيِّهِمَا شَاءَتْ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ. قَوْلُهُ: (وَتُبَادِرُ) أَيْ وُجُوبًا وَيُغْتَفَرُ قَدْرُ مَا بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ، وَلَهَا فِعْلُ الرَّوَاتِبِ الْقَبَلِيَّةِ قَبْلَ الْفَرْضِ. قَوْلُهُ: (تَقْلِيلًا لِلْحَدَثِ) أَيْ لِلدَّمِ النَّازِلِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ) أَيْ كَوْنِ صَلَاتِهَا جَمَاعَةً وَلَوْ بِوَاحِدٍ مَعَهَا وَذَهَابٍ لِمَسْجِدٍ وَنَحْوِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَإِجَابَتِهِمَا وَالْمُرَادُ بِالْأَذَانِ فِي حَقِّهَا إجَابَتُهُ أَوْ زَمَنُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْهَا. قَوْلُهُ: (لَمْ يَضُرَّ) أَيْ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ. وَإِنْ خَرَجَ بِهِ الْوَقْتُ. وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهَا. نَعَمْ إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا الِانْقِطَاعَ بِقَدْرِ الطُّهْرِ وَالصَّلَاةِ امْتَنَعَ التَّأْخِيرُ.
(فَرْعٌ) لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ النَّوَافِلَ الْمُؤَقَّتَةَ فِي الْوَقْتِ، وَبَعْدَهُ وَالْمُطْلَقَةُ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ، قَالَ وَالِدُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ) نَعَمْ يُعْفَى عَنْ قَلِيلٍ سَالَ مِنْهُ فَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْعَصَبِ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْعِصَابَةِ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَالْأَوْلَى الْعَصَبُ، وَلَوْ زَالَتْ الْعِصَابَةُ لِضَعْفِ الشَّدِّ أَوْ خَرَجَ الدَّمُ فِي الْحَشْوِ أَوْ شُفِيَتْ بَطَلَ الْوُضُوءُ، سَوَاءٌ وُجِدَ ذَلِكَ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا) وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (أَوْ اعْتَادَتْ) أَيْ أَوْ أَخْبَرَهَا ثِقَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَوَسِعَ) رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ قَبْلَهُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ بَعْدُ. قَوْلُهُ: (بِأَقَلَّ إلَخْ) أَيْ بِأَخَفَّ مُمْكِنٌ عَلَى الْعَادَةِ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ يُعْتَبَرُ فِي الْمُسَافِرَةِ رَكْعَتَانِ رُبَّمَا يُوهِمُ وُجُوبَ الْقَصْرِ عَلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَوْله: (وَجَبَ الْوُضُوءُ) وَكَذَا إعَادَةُ مَا صَلَّتْهُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَلَوْ عَادَ الدَّمُ إلَخْ) فَلَوْ كَانَتْ تَوَضَّأَتْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا الْوُضُوءِ الثَّانِي لِبَقَاءِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ كَانَ لِزَوَالِ الْحَدَثِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ
ــ
[حاشية عميرة]
تُرَاعِ مَصْلَحَةَ الصَّلَاةِ لِدَوَامِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَأَنَّ الْحَشْوَ لَا يُزِيلُ الدَّمَ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَيْطِ الْمُبْتَلَعِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَطَرَفُهُ خَارِجٌ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ مُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي لَا يَجِبُ تَجْدِيدُهَا) أَيْ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِهَا بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالطَّهَارَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْحَدَثِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهَا بِلَمْسٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ نَحْوِهِ كَمَا لَوْ أَرَادَتْ صَلَاةَ فَرْضٍ ثَانٍ، فَإِنَّ بَالَتْ وَجَبَ التَّجْدِيدُ قَطْعًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَعْدَ الْوُضُوءِ) أَيْ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ. قَوْل الشَّارِحِ: (فَوُضُوءُهَا بَاقٍ بِحَالِهِ) .
قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: إلَّا إذَا جَدَدْت الْوُضُوءَ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِهَذَا الْعَوْدِ لِأَنَّهُ وُضُوءٌ أَزَالَ الْحَدَثَ فَتَأَثَّرَ بِهِ.
стр. 118
الِانْقِطَاعِ إعَادَةَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ صَلَّتْ بِوُضُوئِهَا، فَلَوْ امْتَدَّ الزَّمَنُ بِحَيْثُ يَسَعُ مَا ذُكِرَ وَقَدْ صَلَّتْ بِوُضُوئِهَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ.
(فَصْلٌ) إذَا (رَأَتْ) دَمًا (لِسِنِّ الْحَيْضِ أَقَلُّهُ) فَأَكْثَرُ (وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرُهُ) أَيْ لَمْ يُجَاوِزْهُ (فَكُلُّهُ حَيْضٌ) أَسْوَدَ كَانَ أَوْ أَحْمَرَ أَوْ أَشْقَرَ مُبْتَدَأَةً كَانَتْ أَوْ مُعْتَادَةً تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا أَوْ لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا بَقِيَّةُ طُهْرٍ كَأَنْ رَأَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا ثُمَّ اثْنَيْ عَشَرَ نَقَاءً ثُمَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا ثُمَّ انْقَطَعَ، فَالثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ دَمُ فَسَادٍ لَا حَيْضٌ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مُفَرَّقًا (وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (حَيْضٌ فِي الْأَصَحِّ) مُطْلَقًا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ، وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ الْمُعْتَادِ إلَّا فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ فَهُوَ فِيهَا حَيْضٌ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا فِي غَيْرِهَا تَقَدُّمُ دَمٍ قَوِيٍّ مِنْ سَوَادٍ أَوْ حُمْرَةٍ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: وَتَأَخُّرُهُ عَنْهُ وَعَلَى هَذَيْنِ يَكْفِي أَيُّ قَدْرٍ مِنْ الْقَوِيِّ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. هَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَا فَرْقَ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ. وَحِكَايَةُ وَجْهٍ فِي الْوَاقِعِ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ بِاشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ
ــ
[حاشية قليوبي]
بَقَاؤُهُ. قَوْلُهُ: (تَبَيَّنَ إلَخْ) نَعَمْ إنْ كَانَتْ شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ فِي هَذِهِ، وَمَا قَبْلَهَا لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا.
(تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ بُطْلَانِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، فِيمَا ذُكِرَ إنْ خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ فِي الْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهَا وَتُصَلِّي بِهَا، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا وَلَا تَجِبُ إعَادَتُهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ تَأَمَّلْ.
(تَنْبِيهٌ) مَنْ بِهِ جِرَاحَةٌ نَضَّاحَةٌ كَالْمُسْتَحَاضَةِ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ. (فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَأَقْسَامِهَا)
وَهِيَ سَبْعَةٌ كَمَا ذَكَرُوهَا بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّهَا إمَّا مُبْتَدَأَةٌ أَوْ مُعْتَادَةٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا مُمَيِّزَةٌ أَوْ لَا، وَهَذِهِ إمَّا حَافِظَةٌ لِلْقَدْرِ وَالْوَقْتِ، أَوْ نَاسِيَةٌ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَسَتَأْتِي زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (رَأَتْ) أَيْ الْأُنْثَى وَلَوْ بِوُجُودِهِ كَالْخُنْثَى إذَا حَاضَ لِأَنَّهُ يَتَّضِحُ بِهِ. قَوْلُهُ: (أَقَلَّهُ) أَيْ قَدْرَ أَقَلِّهِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَعْبُرْ) أَيْ الدَّمُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ أَقَلَّهُ. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِسِنِّ الْحَيْضِ زَمَنُهُ الَّذِي يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِيهِ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ. بِقَوْلِهِ وَأَقَلُّ الطُّهْرِ إلَخْ، فَلَيْسَ وَارِدًا عَلَى كَلَامِهِ خِلَافًا لِمَنْ ادَّعَاهُ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ رَأَتْ إلَخْ) فَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا ثُمَّ ثَلَاثَةً نَقَاءً ثُمَّ اثْنَيْ عَشَرَ دَمًا أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دَمًا ثُمَّ ثَلَاثَةً نَقَاءً، ثُمَّ ثَلَاثَةً دَمًا فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ فِيهِمَا أَنَّ حَيْضَهَا السَّابِقُ فَقَطْ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ فِي الْأُولَى، وَالِاثْنَا عَشَرَ فِي الثَّانِيَةِ، فَرَاجِعْهُ ثُمَّ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأُولَى بِأَنَّهَا حَيْضٌ فَقَطْ رُبَّمَا يُنَافِيهِ، مَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ مِنْ انْتِفَاءِ الْحَيْضِ، فَمَا لَوْ زَادَتْ أَوْقَاتُ الدِّمَاءِ مَعَ النَّقَاءِ بَيْنَهَا عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مَا سَيَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَوْقَاتِ الدِّمَاءِ، مِقْدَارُ حَيْضٍ كَامِلٍ كَمَا صَوَّرُوهُ أَوْ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَزِدْ أَوْقَاتُ الدَّمِ، وَالنَّقَاءِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَرَاجِعْهُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ انْقَطَعَ مَا لَوْ اسْتَمَرَّ فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ كُلِّهِ حَيْضًا بِأَنْ لَمْ يَعْبُرْ مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فَلَا يَبْعُدُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كُلَّهُ حَيْضٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَكَانَتْ مُبْتَدَأَةً لَا مُمَيِّزَةً فَحَيْضُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَقَطْ، أَوْ كَانَتْ مُعْتَادَةً لَا مُمَيَّزَةً رُدَّتْ لِعَادَتِهَا، فَرَاجِعْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ) فَهُمَا مِنْ الدِّمَاءِ سَوَاءٌ اجْتَمَعَا مَعَ غَيْرِهِمَا، أَوْ انْفَرَدَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُجَاوِزْ الْمَجْمُوعُ خَمْسَةَ عَشَرَ. قَوْلُهُ: (وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَخْ) أَيْ فَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي الرَّوْضَةِ عَلَيْهِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهَا، مَا فِي الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (بِاشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ إلَخْ) وَقِيَاسُ مَا مَرَّ أَنْ يُقَالَ وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَيْنِ يَكْفِي إنْ قُدِّرَ مِنْ الْقَوِيِّ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ
ــ
[حاشية عميرة]
(فَصْلٌ) قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَأَكْثَرَ) انْدَفَعَ بِهَذَا مَا قِيلَ: أَقَلُّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْبُرَ أَكْثَرُهُ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَوْ مُعْتَادَةً) رَأَتْ الدَّمَ بِصِفَةٍ أَوْ بِصِفَتَيْنِ وَلَوْ تَأَخَّرَ الْقَوِيُّ لِأَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ عُبُورِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ أَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ هَذَا بِعُمُومِهِ يُفِيدُك أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِي الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ الْوَاقِعَتَيْنِ لِلْمُعْتَادَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ عَادَتِهَا وَلِلْمُبْتِدَأَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَغَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ اقْتِضَاءُ اسْتِوَاءِ الْخِلَافِ فِي الْكُلِّ وَاَلَّذِي فِي الْقِطْعَةِ الْحَالُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ مُبْتَدَأَةً فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً فَلِلْوَاقِعِ فِي مَرَدِّهَا حُكْمُ الْوَاقِعِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْعَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ حُكْمُ الْوَاقِعِ فِي الْعَادَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَظَاهِرُ هَذَا التَّصْوِيرِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، فَلَوْ رَأَتْ الْمُبْتَدِأَةُ ذَلِكَ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَوْ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ كَالْوَاقِعِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْعَادَةِ مَحَلُّ نَظَرٍ، انْتَهَى.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (مِنْ سَوَادٍ أَوْ حُمْرَةٍ) اقْتِصَارُهُ عَلَيْهِمَا يَقْتَضِي أَنَّ تَقَدُّمَ الشُّقْرَةِ لَا يَكْفِي. قَوْلُ الشَّارِحِ: (بَيْنَ
стр. 119
دَمٍ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ عَلَيْهِ مُعْتَرِضًا بِذَلِكَ عَلَى الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ فِي نَفْيِهِمْ الْخِلَافَ فِيهِ (فَإِنْ عَبَرَهُ) أَيْ عَبَرَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ أَيْ جَاوَزَهُ (فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ مَنْ عَبَرَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ (مُبْتَدَأَةً) أَيْ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَهَا الدَّمُ (مُمَيِّزَةً بِأَنْ تَرَى قَوِيًّا وَضَعِيفًا) بِشُرُوطِهِمَا الْآتِيَةِ كَالْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَسْوَدِ قَوِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْقَرِ وَالْأَشْقَرُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْفَرِ، وَمِنْ الْأَكْدَرِ إذَا جُعِلَا حَيْضًا، وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَقْوَى مِمَّا لَا رَائِحَةَ لَهُ وَالثَّخِينُ أَقْوَى مِنْ الرَّقِيقِ، فَالْمُنْتِنُ أَوْ الثَّخِينُ مِنْ الْأَسْوَدَيْنِ مَثَلًا أَقْوَاهُمَا، وَالْمُنْتِنُ الثَّخِينُ مِنْهُمَا أَقْوَى مِنْ الْمُنْتِنِ أَوْ الثَّخِينِ (فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ إنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلَا عَبَرَ أَكْثَرُهُ وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ) بِأَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُتَّصِلَةً فَأَكْثَرَ تَقَدَّمَ الْقَوِيُّ
ــ
[حاشية قليوبي]
عَلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي تَقَدُّمُ الْأَصْغَرِ وَإِلَّا كُدِّرَ، وَلَعَلَّهُ لِمَحَلِّ الِاتِّفَاقِ وَالدَّمُ الْخَارِجُ مَعَ طَلْقِهَا، لَيْسَ بِحَيْضٍ إنْ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَلِدْ لَاسْتَمَرَّ حُكْمُ الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا انْقَطَعَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّفَاسِ، لِأَنَّهُ عَارِضٌ قَوِيٌّ وَلَا يُوصَفُ الدَّمُ الْوَاحِدُ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَنِفَاسًا مَعًا، كَذَا قَالُوهُ فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (أَيْ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَهَا الدَّمُ) أَيْ فَهِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي كَلَامِهِمْ ابْتَدَأَهُ الشَّيْءُ، وَإِنَّمَا هِيَ بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ مُبْتَدِئَةً فِي الدَّمِ. قَوْلُهُ: (بِشُرُوطِهِمَا) هُوَ قَيْدٌ لِلْحُكْمِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَالضَّعِيفُ إلَخْ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَالشَّارِحِ أَنَّهُ قَيْدٌ لِتَسْمِيَتِهَا مُمَيِّزَةً كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (أَقْوَاهُمَا) وَالْأَصْفَرُ أَقْوَى مِنْ الْأَكْدَرِ، فَإِنْ تَسَاوَى الدَّمَانِ عُمِلَ بِالْأَسْبَقِ. قَوْلُهُ: (وَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ) أَيْ وَإِنْ طَالَ وَتَمَادَى سِنِينَ، كَمَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَسْوَدَ ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ. نَعَمْ لَوْ رَأَتْ قَوِيًّا وَضَعِيفًا وَأَضْعَفَ فَالْقَوِيُّ مَعَ مَا يُنَاسِبُهُ فِي الْقُوَّةِ مِنْ الضَّعِيفِ، حَيْضٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ، تَقَدُّمُ الْقَوِيِّ وَاتِّصَالُ الْمُنَاسِبِ لَهُ بِهِ، وَصَلَاحِيَّتُهُمَا مَعًا لِلْحَيْضِ كَخَمْسَةٍ أَسْوَدَ ثُمَّ خَمْسَةٍ أَحْمَرَ ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ، وَإِلَّا كَعَشْرَةٍ أَسْوَدَ ثُمَّ سِتَّةٍ أَحْمَرَ، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ أَوْ خَمْسَةٍ أَحْمَرَ ثُمَّ خَمْسَةٍ أَسْوَدَ، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ أَوْ خَمْسَةٍ أَسْوَدَ ثُمَّ خَمْسَةٍ أَصْفَرَ، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَالْحَيْضُ فِي الْكُلِّ هُوَ الْأَسْوَدُ فَقَطْ، وَالْحُكْمُ عَلَى الْقَوِيِّ بِالْحَيْضِ وَالضَّعِيفِ بِالِاسْتِحَاضَةِ فِي أَيِّ زَمَنٍ وُجِدَا، بِهَذِهِ الشُّرُوطِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَنْ دَامَ دَمُهَا، كَمَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ عَبَرَهُ إلَخْ. أَمَّا لَوْ انْقَطَعَ فَلَا تَأْتِي فِيهِ الشُّرُوطُ، وَلَا تَرِدُ عَلَيْهِ كَأَنْ رَأَتْ عَشْرَةً أَسْوَدَ وَعَشْرَةً أَحْمَرَ، وَانْقَطَعَ فَالْحَيْضُ الْعَشَرَةُ الْأَسْوَدُ وَثَبَتَ لَهَا بِهِ عَادَةٌ. قَوْلُهُ: (وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ) أَيْ وَإِنْ تَخَلَّلَهُ نَقَاءٌ أَوْ ضَعِيفٌ، أَوْ عَقَبَهُ ضَعِيفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَنْقُصْ إلَخْ) هَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْمُعْتَادَةِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ إلَخْ) أَيْ لِإِمْكَانِ جَعْلِهِ طُهْرًا
ــ
[حاشية عميرة]
الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ وَاقِعَتَيْنِ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ وَحِكَايَةَ وَجْهٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْوَاقِعَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْعَادَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي فِي الْإِسْنَوِيِّ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ، أَحَدُهُمَا هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الشَّارِحُ ﵀ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالثَّانِي اشْتِرَاطُ دَمٍ قَوِيٍّ سَابِقٍ عَلَى الصُّفْرَةِ أَوْ لَاحِقٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْخِلَافِ فِي الْوَاقِعِ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَهَا الدَّمُ) أَيْ فَهِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ فِي عِبَارَةِ الْمَتْنِ، وَتَوَقَّفَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي قَوْلِك: ابْتَدَأَهُ الشَّيْءُ، وَقَالَ: لَمْ أَجِدْهُ فِي اللُّغَةِ، وَعَلَيْهِ فَيَقْرَأُ فِي الْمَتْنِ بِكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ ابْتَدَأَتْ فِي الدَّمِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِأَنْ تَرَى قَوِيًّا وَضَعِيفًا) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مُمَيَّزَةً.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ) أَيْ وَإِنْ تَمَادَى سِنِينَ لِأَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ لَا حَدَّ لَهُ، صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حَبَشٍ «إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (فَرْعٌ) لَوْ رَأَتْ خَمْسَةً أَسْوَدَ ثُمَّ أُطْلِقَتْ الْحُمْرَةُ فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ، وَكَذَا كُلُّ دَوْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ إذَا مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْمُعْتَادَةِ الْمُمَيَّزَةِ كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ) أَيْ مَعَ لَاحِقٍ لَهُ نِسْبِيٍّ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ إلَخْ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ شُرُوطٌ فِي تَحَقُّقِ التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ تَمْيِيزُ مُبْتَدَأَةٍ أَوْ مُعْتَادَةٍ فَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ذِكْرِهَا هُنَا عَدَمُ جَرَيَانِهَا فِي تَمْيِيزِ الْمُعْتَادَةِ الْآتِي. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ إلَخْ) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀ لِأَنَّا نُرِيدُ أَنْ نَجْعَلَ الضَّعِيفَ طُهْرًا وَالْقَوِيَّ بَعْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إذَا بَلَغَ الضَّعِيفُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَمَثَّلَ الْإِسْنَوِيُّ لِذَلِكَ بِمَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَسْوَدَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَحْمَرَ، ثُمَّ عَادَ السَّوَادُ، فَلَوْ أَخَذْنَا بِالتَّمْيِيزِ هُنَا وَاعْتَبَرْنَاهُ فَجَعَلْنَا الْقَوِيَّ حَيْضًا وَالضَّعِيفَ طُهْرًا وَالْقَوِيَّ بَعْدَهُ حَيْضًا آخَرَ يَلْزَمُ نُقْصَانُ الطُّهْرِ عَنْ أَقَلِّهِ، انْتَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَيْضًا وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ
стр. 120
عَلَيْهِ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ تَوَسَّطَ كَأَنْ رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَسْوَدَ ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَحْمَرَ، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ أَسْوَدَ، أَوْ خَمْسَةً أَحْمَرَ ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ بَاقِيَ الشَّهْرِ أَحْمَرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ وَيَوْمَيْنِ أَحْمَرَ.
وَهَكَذَا إلَى آخِرِ الشَّهْرِ لِعَدَمِ اتِّصَالِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الضَّعِيفِ فَهِيَ فَاقِدَةٌ شَرْطَ تَمْيِيزٍ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا، وَفِي وَجْهٍ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّ خَمْسَةَ الْأَحْمَرِ مَعَ خَمْسَةِ الْأَسْوَدِ حَيْضٌ (أَوْ مُبْتَدَأَةً لَا مُمَيِّزَةً بِأَنْ رَأَتْهُ بِصِفَةٍ أَوْ) بِصِفَتَيْنِ مَثَلًا لَكِنْ (فَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ) مِنْ شُرُوطِهِ السَّابِقَةِ (فَالْأَظْهَرُ أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَطُهْرَهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) بَقِيَّةُ الشَّهْرِ. وَالثَّانِي تُحَيَّضُ غَالِبَ الْحَيْضِ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، وَقِيلَ: تَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَالْأَصَحُّ النَّظَرُ إلَى عَادَةِ النِّسَاءِ إنْ كَانَتْ سِتَّةً فَسِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةً فَسَبْعَةٌ، وَبَقِيَّةُ الشَّهْرِ طُهْرُهَا.
وَالْعِبْرَةُ بِنِسَاءِ عَشِيرَتِهَا مِنْ الْأَبَوَيْنِ، وَقِيلَ: بِنِسَاءِ عَصَبَاتِهَا خَاصَّةً، وَقِيلَ: بِنِسَاءِ بَلَدِهَا وَنَاحِيَتِهَا، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَمَعْنَى مِنْ الْأَبَوَيْنِ، بِقَرِينَةِ الثَّانِي الْمُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ مَا فِي الْكِفَايَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ (أَوْ مُعْتَادَةٌ بِأَنْ
ــ
[حاشية قليوبي]
بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (أَوْ تَأَخَّرَ) لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ الْأَضْعَفُ بِالْأَقْوَى إلَّا إنْ تَقَدَّمَ الْأَقْوَى كَمَا مَرَّ. كَأَنْ رَأَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَحْمَرَ، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ أَسْوَدَ، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ شَهْرًا وَلَيْسَ لَنَا مَنْ تَتْرُكُهَا شَهْرًا إلَّا هَذِهِ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ، بِأَنَّهَا قَدْ تَتْرُكُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا، كَأَنْ تَرَى خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْأَكْدَرِ ثُمَّ الْأَصْفَرِ ثُمَّ الْأَشْقَرِ، ثُمَّ الْأَحْمَرِ ثُمَّ الْأَسْوَدِ السَّاذَجِ، ثُمَّ الْأَسْوَدِ الْمُنْتِنِ فَقَطْ، ثُمَّ الْأَسْوَدِ الْمُنْتِنِ الثَّخِينِ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الدَّوْرَ شَهْرٌ، وَقَدْ تَمَّ فَلَمْ يُنْظَرْ إلَى الْقُوَّةِ بَعْدَ تَمَامِهِ، فَهِيَ فَاقِدَةٌ شَرْطَ تَمْيِيزٍ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَحَيْضُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَطُهْرُهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ انْتَهَى، وَفِيهِ بَحْثٌ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ شُرُوطِهِ) شَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ رَأَتْ عَشَرَةً أَسْوَدَ ثُمَّ عَشَرَةً أَحْمَرَ، ثُمَّ عَشَرَةً أَسْوَدَ، وَهَكَذَا فَيَقْتَضِي أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا قَالُوهُ، فِيمَا لَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ عَشْرَةً نَقَاءً ثُمَّ عَشْرَةً دَمًا، حَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةُ لِوُقُوعِهِمَا فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَهَلْ فَرْقٌ بَيْنَ النَّقَاءِ وَالدَّمِ الضَّعِيفِ، رَاجِعْهُ وَهَذَا فِيمَنْ عَرَفَتْ وَقْتَ ابْتِدَاءِ الدَّمِ، وَإِلَّا فَمُتَحَيِّرَةٌ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (أَوْ بِصِفَتَيْنِ) يُفِيدُ أَنَّ فَقَدَتْ عَطْفٌ عَلَى صِفَةٍ فَهِيَ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ، وَقِيلَ عَطْفٌ عَلَى لَا مُمَيِّزَةً فَهِيَ مُمَيِّزَةٌ مُقَيَّدَةٌ، بِفَقْدِ شَرْطٍ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمِنْهَاجِ وَالْأَوَّلُ هُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا وَالْخِلَافُ فِي الِاسْمِ مُبْتَدَأٌ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ وَالثَّانِي أَقْعَدُ. قَوْلُهُ: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) أَيْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا بَعْدَهُ. قَوْله: (وَطُهْرُهَا) مَرْفُوعٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ بَعْدَهُ، وَقِيلَ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى حَيْضِهَا فَهُوَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْكِتَابِ، وَأَصْلِهِ، وَتَرَكَ التَّاءَ مِنْ الْعَدَدِ، لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مَحْذُوفٌ أَوْ تَغْلِيبًا لِلَّيَالِيِ.
قَوْلُهُ: (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ) لَمْ يَقُلْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا الشَّهْرُ الْهِلَالِيُّ كَمَا مَرَّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: الْمُرَادُ شَهْرُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِأَنَّ دَوْرَهَا ثَلَاثُونَ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ هِلَالٍ، وَلَوْ طَرَأَ لَهَا تَمْيِيزٌ رُدَّتْ إلَيْهِ نَسْخًا لِلْمَاضِي بِالْمُنَجَّزِ. قَوْلُهُ: (تُحَيَّضُ) هُوَ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ: (فَسَبْعَةٌ) فَإِنْ نَقَصَ كُلُّهُنَّ عَنْ السِّتَّةِ أَوْ زِدْنَ عَنْ السَّبْعَةِ حُيِّضَتْ مِثْلَهُنَّ، أَوْ اخْتَلَفْنَ فَسَبْعَةٌ أَيْضًا وَفِي كَلَامِ شَيْخِ شَيْخِنَا عَمِيرَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا حُيِّضَتْ سِتًّا احْتِيَاطًا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ) أَيْ بِأَنْ تَرَاهُ بِصِفَةٍ فَقَطْ. قَوْلُهُ: (قَدْرًا وَوَقْتًا) وَإِنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْيَأْسِ أَوْ زَادَتْ عَادَتُهَا عَلَى تِسْعِينَ يَوْمًا
ــ
[حاشية عميرة]
وَلَا نَقَصَ إلَخْ لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ طُهْرًا بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ أَسْوَدَ) أَيْ فَهِيَ الْحَيْضُ فَلَوْ جَاوَزَ الْأَسْوَدُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَوْ مَعَ نَتِنٍ تُجَدِّدُ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْأَخِيرَةَ فَهِيَ فَاقِدَةٌ شَرْطَ تَمْيِيزٍ خِلَافًا لِمَا فِي الْمُهِمَّاتِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْأَخِيرَةُ أَغْلَظَ مِمَّا قَبْلَهَا، نَبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ إلَخْ) أَيْ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّمْيِيزِ الْمُعْتَبَرِ وَإِنْ كَانَتْ جُمْلَةُ الضَّعِيفِ لَا تَنْقُصُ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَفِي وَجْهٍ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ إلَخْ) عَلَتْهُ الْحُمْرَةُ قَوِيَتْ بِالسَّبَقِ وَالسَّوَادُ بِاللَّوْنِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالْأَظْهَرُ أَنَّ حَيْضَهَا إلَخْ) عِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ سُقُوطَ الصَّلَاةِ عَنْهَا فِي هَذَا الْقَدْرِ مُحَقَّقٌ، وَفِيمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَيْسَ ثَمَّ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ تَمْيِيزٍ أَوْ عَادَةٍ ثُمَّ مَحَلٍّ، هَذَا إذَا عَلِمْت وَقْتَ ابْتِدَاءِ الدَّمِ وَإِلَّا فَمُتَحَيِّرَةٌ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَطُهْرُهَا) يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِالنَّصْبِ لِأَنَّا وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْأَظْهَرِ لَنَا قَوْلٌ بِأَنَّ طُهْرَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ احْتِيَاطًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بَقِيَّةَ الشَّهْرِ) أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلْيُتَأَمَّلْ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي تُحَيَّضُ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ كَمَا ضَبَطَهُ الشَّارِحُ ﵀. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالْعِبْرَةُ بِنِسَاءِ عَشِيرَتِهَا إلَخْ) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ فَهَلَّا اُعْتُبِرَ عَادَتُهُنَّ فِي الطُّهْرِ دُونَ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ، وَلَوْ حَاضَتْ بَعْضُ الْعَشِيرَاتِ سِتًّا وَبَعْضُهُنَّ سَبْعًا اُعْتُبِرَ الْأَغْلَبُ فَإِنْ اسْتَوَى الْبَعْضَانِ أَوْ حَاضَ الْبَعْضُ دُونَ السِّتِّ وَالْبَعْضُ فَوْقَ السَّبْعِ
стр. 121
سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ) وَهِيَ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ (فَتُرَدُّ إلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا) بِأَنْ كَانَتْ حَافِظَةً لِذَلِكَ. (وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ) الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ (بِمَرَّةٍ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِابْتِدَاءِ، وَالثَّانِي بِمَرَّتَيْنِ لِأَنَّهَا مِنْ الْعَوْدِ، فَمَنْ حَاضَتْ خَمْسَةً فِي شَهْرٍ ثُمَّ سِتَّةً فِي آخَرَ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ رُدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ عَلَى الثَّانِي لِتَكَرُّرِهَا وَإِلَى السِّتَّةِ عَلَى الْأَوَّلِ. وَمَنْ حَاضَتْ خَمْسَةً ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ رُدَّتْ إلَيْهَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَهِيَ كَمُبْتَدَأَةٍ عَلَى الثَّانِي، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْمُهَذَّبِ
(وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ الْمُمَيِّزَةِ بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ) الْمُخَالِفَةِ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهَا بِظُهُورِهِ، وَالثَّانِي يُحْكَمُ بِالْعَادَةِ، فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَبَقِيَّتُهُ طُهْرٌ فَرَأَتْ عَشَرَةً أَسْوَدَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَبَقِيَّتَهُ أَحْمَرَ حُكِمَ بِأَنَّ حَيْضَهَا الْعَشَرَةُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْهَا عَلَى الثَّانِي، وَالْبَاقِي عَلَيْهِمَا طُهْرٌ (أَوْ) كَانَتْ (مُتَحَيِّرَةً بِأَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتًا) وَلَا تَمْيِيزَ (فَفِي قَوْلٍ كَمُبْتَدَأَةٍ) غَيْرِ مُمَيِّزَةٍ
ــ
[حاشية قليوبي]
كَأَنْ لَمْ تَحِضْ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَبَقِيَّةُ السَّنَةِ طُهْرٌ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْعَوْدِ إلَخْ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَادَةِ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ انْتَهَى. وَمَحَلُّ اعْتِبَارِ الْعَادَةِ إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ، وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ اخْتِلَافِهَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ: أَمَّا لَوْ اخْتَلَفَتْ فَإِنْ تَكَرَّرَ الدَّوْرُ وَانْتَظَمَتْ عَادَتُهَا وَنَسِيَتْ انْتِظَامَهَا، أَوْ لَمْ تَنْتَظِمْ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ الدَّوْرُ وَنَسِيَتْ النَّوْبَةَ الْأَخِيرَةَ فِيهِمَا حُيِّضَتْ أَقَلَّ النُّوَبِ وَاحْتَاطَتْ فِي الزَّائِدِ، انْتَهَى.
وَمَعْنَى التَّكَرُّرِ عَوْدُ الدَّوْرِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ نَظْمِ الْأَوَّلِ، وَمَعْنَى الِانْتِظَامِ كَوْنُ كُلِّ شَهْرٍ أَكْثَرَ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا قَبْلَهُ، فَلَوْ رَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً ثُمَّ فِي شَهْرٍ سِتَّةً ثُمَّ فِي شَهْرٍ سَبْعَةً أَوْ عَكْسَهُ فَهَذَا انْتِظَامٌ فَإِنْ عَادَ الدَّوْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ تَكْرَارٌ أَيْضًا، وَلَوْ رَأَتْ فِي شَهْرٍ سِتَّةً ثُمَّ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً، ثُمَّ فِي شَهْرٍ سَبْعَةً فَهَذَا عَدَمُ انْتِظَامٍ، فَإِنْ عَادَ الدَّوْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ تَكْرَارٌ أَيْضًا، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَيْنِ مِنْ الِانْتِظَامِ أَيْضًا لِتَوَافُقِ الدَّوْرَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ الدَّوْرُ بِأَنْ أَطْبَقَ الدَّمُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَكَرُّرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَا انْتِظَامَ فِي الْأَخِيرِ، وَفِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ كُلِّهَا تُرَدُّ فِي كُلِّ شَهْرِ لِمَا يُقَابِلُهُ إنْ حَفِظَتْ ذَلِكَ وَإِلَّا حُيِّضَتْ أَقَلَّ النُّوَبِ وَهُوَ الْخَمْسَةُ فِيمَا ذُكِرَ، وَاحْتَاطَتْ بِالْغُسْلِ بَعْدَ السِّتَّةِ وَالسَّبْعَةِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ الدَّوْرُ مِنْ غَيْرِ تَوَافُقٍ كَأَنْ رَأَتْ فِي شَهْرٍ سَبْعَةً ثُمَّ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً ثُمَّ فِي شَهْرٍ سِتَّةً ثُمَّ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ سِتَّةً ثُمَّ فِي الْخَامِسِ سَبْعَةً ثُمَّ فِي السَّادِسِ خَمْسَةً وَهَكَذَا رُدَّتْ إلَى النَّوْبَةِ الْأَخِيرَةِ إنْ حَفِظَتْهَا لِأَنَّهَا نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا وَإِلَّا احْتَاطَتْ كَمَا مَرَّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَنْهَجِ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا تَرُدُّ إلَى النَّوْبَةِ الْأَخِيرَةِ فِي قِسْمَيْ عَدَمِ الِانْتِظَامِ السَّابِقَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِيهِمَا إلَى قِسْمَيْ عَدَمِ الِانْتِظَامِ وَعَدَمِ التَّكَرُّرِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ فِيهَا بِضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ، وَالْوَجْهُ الْأُولَى وَشُمُولُ كَلَامِهِ لِبَعْضِ صُوَرٍ لَيْسَتْ فِي كَلَامِهِمْ صَرِيحًا غَيْرُ مُضِرٍّ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ) أَيْ إنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا نَقَاءٌ أَوْ ضَعِيفٌ قَدْرَ أَقَلِّ الطُّهْرِ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِمَا، فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ رَأَتْ فِي شَهْرٍ عِشْرِينَ ضَعِيفًا ثُمَّ خَمْسَةٍ قَوِيًّا فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ حَيْضٌ لِقُوَّتِهَا وَالْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ الْعِشْرِينَ حَيْضٌ أَيْضًا لِوُقُوعِهَا فِي مَحَلِّ الْعَادَةِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ: أَمَّا إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ طُهْرٍ كَأَنْ رَأَتْ بَعْدَ خَمْسَتِهَا أَيْ السَّابِقَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِهَا الْعَادَةُ عِشْرِينَ ضَعِيفًا ثُمَّ خَمْسَةً قَوِيًّا ثُمَّ ضَعِيفًا فَقَدْرُ الْعَادَةِ أَيْ مِنْ أَوَّلِ الْعِشْرِينَ وَهُوَ خَمْسَةٌ حَيْضٌ أَيْ لِوُقُوعِهِ فِي مَحَلِّ الْعَادَةِ وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ آخَرُ أَيْ لِقُوَّتِهِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (حُكِمَ بِأَنَّ حَيْضَهَا الْعَشَرَةُ) ثُمَّ إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ شَهْرِ تِلْكَ الْعَشَرَةِ ثَبَتَ لَهَا بِهَا عَادَةٌ نَاسِخَةٌ لِلْأُولَى، فَلَوْ رَأَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ حُكِمَ بِأَنَّ حَيْضَهَا عَشَرَةٌ مِنْهُ فِي مَحَلِّ تِلْكَ الْعَشَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ رَجَعَتْ إلَى خَمْسَتِهَا الْأُولَى فَقَطْ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْعَادَةِ بِهَا مُحَقَّقٌ بِوُجُودِ الطُّهْرِ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ فَقَوْلُهُمْ وَيَثْبُتُ لِلْمُعْتَادَةِ بِالتَّمْيِيزِ عَادَةٌ نَاسِخَةٍ لِلْأُولَى مَحْمُولٌ مَا إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَهَا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ سُقُوطُ مَا أَطَالَ بِهِ شَيْخُ شَيْخِنَا عَمِيرَةُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُتَحَيِّرَةً) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَيُّرِهَا فِي أَمْرِهَا فَهِيَ بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ وَقِيلَ
ــ
[حاشية عميرة]
رُدَّتْ إلَى السِّتِّ احْتِيَاطًا، فَإِنْ نَقَصَتْ عَادَتُهُنَّ كُلُّهُنَّ عَنْ السِّتِّ أَوْ زَادَتْ عَلَى السَّبْعِ فَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ السِّتِّ فِي صُورَةِ النَّقْصِ وَالسَّبْعِ فِي الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى عَادَتِهِنَّ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (ثُمَّ سِتَّةٌ فِي آخَرَ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ) أَيْ فِي آخَرَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (حُكِمَ بِأَنَّ حَيْضَهَا الْعَشَرَةُ عَلَى الْأَوَّلِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ الْمُمَيِّزَةَ ذَكَرُوا فِي شَأْنِهَا أَنَّ مَا بَعْدَ الْقَوِيِّ اسْتِحَاضَةٌ وَإِنْ تَمَادَى سِنِينَ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ هُنَا أَنَّ التَّمْيِيزَ يَنْسَخُ الْعَادَةَ السَّابِقَةَ وَيَثْبُتُ بِهِ عَادَةٌ جَدِيدَةٌ أَنَّ الْأَشْهُرَ الَّتِي تَلِي شَهْرَ التَّمْيِيزِ تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فِيهَا عَلَى قَدْرِ مَا ثَبَتَ لَهَا بِالتَّمْيِيزِ، وَإِنْ أَطْبَقَتْ الدِّمَاءُ فِيهَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ يَشْكُلُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: فَلْيُحْمَلْ قَوْلُهُمْ تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ عَلَى مَنْ ثَبَتَ لَهَا بِهِ مَعَ الْحَيْضِ طُهْرٌ مُمَيَّزٌ عَنْ الدَّمِ الْمُطْبِقِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ مُتَحَيِّرَةٍ إلَخْ) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ:
стр. 122
فَتُحَيَّضُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَطُهْرُهَا بَقِيَّةُ الشَّهْرِ عَلَى الْأَظْهَرِ السَّابِقِ (وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الِاحْتِيَاطِ) وَلَيْسَتْ كَالْمُبْتَدَأَةِ لِاحْتِمَالِ كُلِّ زَمَنٍ يَمُرُّ عَلَيْهَا لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ. (فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) لِاحْتِمَالِ الْحَيْضِ (وَتُصَلِّي الْفَرَائِضَ أَبَدًا) لِاحْتِمَالِ الطُّهْرِ. (وَكَذَا النَّفَلُ فِي الْأَصَحِّ) اهْتِمَامًا بِهِ وَالثَّانِي يَقُولُ: لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ (وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ) بَعْدَ
ــ
[حاشية قليوبي]
بِفَتْحِهَا مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ وَالْأَصْلُ مُتَحَيَّرٌ فِي أَمْرِهَا، وَيُقَالُ لَهَا مُحَيِّرَةٌ بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ لِأَنَّهَا حَيَّرَتْ الْفَقِيهَ فِي أَمْرِهَا وَبِفَتْحِهَا لِأَنَّ الشَّارِعَ حَيَّرَهَا فِيهِ وَهِيَ مِنْ الْمُعْتَادَةِ لَكِنَّهَا نَاسِيَةٌ لِعَادَتِهَا قَدْرًا وَوَقْتًا أَوْ أَحَدُهُمَا، وَيَلْحَق بِهَا مَنْ شَكَّتْ فِي الْوَقْتِ أَوْ فِي أَنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ أَوْ مُعْتَادَةٌ، فَلَوْ قَالَ كَأَنْ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ هَذِهِ الْأَقْسَامَ لَكِنَّهُ نَاظِرٌ إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ إطْلَاقَ الْمُتَحَيِّرَةِ عَلَى غَيْرِ النَّاسِيَةِ لَهُمَا مَجَازٌ أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاسْمُ لَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (فَتُحَيَّضُ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (يَوْمًا وَلَيْلَةً) أَيْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ وَقْتِ ابْتِدَائِهِ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ شَهْرَ الْمُسْتَحَاضَةِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وُجُوبُ الِاحْتِيَاطِ) .
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: قَبْلَ سِنِّ الْيَأْسِ فَلَا يَجِبُ بَعْدَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا مَرَّ مِنْ رَدِّهَا لِعَادَتِهَا وَإِنَّ بَلَغَتْ سِنَّ الْيَأْسِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ لَهَا هُنَاكَ وَقْتَ حَيْضٍ مَعْلُومٍ فَاسْتُصْحِبَ بِخِلَافِهِ هُنَا فَتَأَمَّلْ. نَعَمْ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
قَوْلُهُ: (فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا لِمَنْ خَافَ الْعَنَتَ بِالْأَوْلَى مِنْ جَوَازِهِ حِينَئِذٍ مَعَ الْحَيْضِ الْمُحَقَّقِ كَمَا مَرَّ وَغَيْرُ الْوَطْءِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ حَرَامٌ أَيْضًا وَإِنَّمَا خُصَّ الْوَطْءُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاتِّفَاقِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي الْفَسْخِ لِتَوَقُّعِ الْوَطْءِ بِالشِّفَاءِ. قَوْلُهُ: (وَالْقِرَاءَةُ) أَيْ بِقَصْدِ الْقُرْآنِ فَلَا حُرْمَةَ فِي الْإِطْلَاقِ أَوْ قَصْدِ الذِّكْرِ كَمَا فِي الْجُنُبِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِمْ وَتَدْفَعُ النِّسْيَانَ بِالنَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ أَوْ بِإِجْرَائِهِ عَلَى الْقَلْبِ أَوْ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ لِجَوَازِهَا فِيهَا وَلَوْ لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ لِطَلَبِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ الْجُنُبَ، لَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِقِرَاءَتِهَا الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّا نَقُولُ إنْ كَانَتْ حَائِضًا فَصَلَاتُهَا غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهَا، فَلَا فَائِدَةَ فِي قَصْدِهَا وَإِلَّا فَقِرَاءَتُهَا مُعْتَدٌّ بِهَا بِلَا قَصْدٍ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ طَلَبَهُمْ قَصْدَ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ اللَّازِمَ عَلَى قَوْلِهِمْ يَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فِيهَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ الْوَجْهُ تَرْكُهُ، وَلَيْسَ طَلَبُ السُّورَةِ مِنْهَا أَوْ إرَادَةُ الثَّوَابِ لَهَا مُحْوِجًا لِذَلِكَ مَعَ احْتِمَالِ الْحُرْمَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَتُصَلِّي) أَيْ وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ كَمَا فِي الْجَنَابَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا كَمَا مَرَّ وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ شَيْخِنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ إلَّا لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَالتَّحِيَّةِ وَالطَّوَافِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (الْفَرَائِضَ) وَلَوْ نَذْرًا وَكِفَايَةً فَتَكْفِي صَلَاةُ الْجِنَازَةِ مِنْهَا وَيَسْقُطُ بِهَا الْحَرَجُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُتَطَهِّرٍ كَامِلٍ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَأَتْبَاعُهُ، وَيَتَّجِهُ خِلَافُهُ مُوَافَقَةً لِلْخَطِيبِ وَمَنْ تَبِعَهُ تُؤَخِّرُ لِمَا بَعْدُ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا النَّفَلُ) مِنْ رَاتِبٍ وَغَيْرِهِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ إلَّا النَّفَلَ الْمُطْلَقَ بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ وَالِدِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَغَيْرُ الصَّلَاةِ مِثْلُهَا كَاعْتِكَافٍ وَطَوَافٍ مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ. قَوْلُهُ: (وَتَغْتَسِلُ) أَيْ تَتَطَهَّرُ لِكُلِّ
ــ
[حاشية عميرة]
إنَّمَا تَخْرُجُ الْحَافِظَةُ لِلْقَدْرِ عَنْ التَّحَيُّرِ الْمُطْلَقِ بِحِفْظِ قَدْرِ الدَّوْرِ وَابْتِدَائِهِ وَقَدْرِ الْحَيْضِ، انْتَهَى. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِأَنْ نَسِيَتْ) يَعْنِي لَمْ تَعْلَمْ لِيَشْمَلَ مَنْ اعْتَرَاهَا الْجُنُونُ فِي الصِّغَرِ وَثَبَتَ لَهَا عَادَةً ثُمَّ أَفَاقَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَا تَمْيِيزَ) أَمَّا مَعَ التَّمْيِيزِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَفِي قَوْلٍ كَمُبْتَدَأَةٍ) أَيْ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا عِبْرَةَ بِالتَّحَيُّرِ بَلْ يُقْضَى بِأَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَطُهْرَهَا فِي بَاقِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهَا احْتِيَاطٌ. نَعَمْ تُخَالِفُ الْمُبْتَدَأَةُ السَّابِقَةَ فِي أَنَّ حَيْضَ تِلْكَ مِنْ أَوَّلِ رُؤْيَةِ الدَّمِ، وَحَيْضَ هَذِهِ مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ لِعَدَمِ عِلْمِ هَذِهِ بِأَوَّلِ ابْتِدَائِهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَتُحَيَّضُ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَيْ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمَنْسِيَّةَ لَا يُمْكِنُ اسْتِفَادَةُ الْحُكْمِ مِنْهَا فَتَكُونُ كَالْمَعْدُومَةِ، كَمَا أَنَّ التَّمْيِيزَ إذَا فَقَدَ بَعْضَ الشُّرُوطِ كَانَ كَالْعَدَمِ وَلِمَا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَقَوْلُهُ: يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَيْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهِيَ دَعْوَى مُخَالَفَةٍ لِلْحِسِّ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْعُمْدَةُ فِي تَزْيِيفِ هَذَا الْقَوْلِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَطُهْرُهَا بَقِيَّةُ الشَّهْرِ) أَيْ الْهِلَالِيِّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الِاحْتِيَاطِ) لَكِنْ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ) أَيْ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَلَا خِيَارَ لِأَنَّ وَطْأَهَا يُتَوَقَّعُ.
(تَنْبِيهٌ) حُكْمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ كَالْحَائِضِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَلَوْ لِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَذَا النَّفَلُ فِي الْأَصَحِّ) خِلَافُ نَفْلِ الصَّلَاةِ جَارٍ فِي نَفْلِ الصَّوْمِ وَالطَّوَافِ أَيْضًا لَكِنْ مَحَلُّ جَوَازِ النَّفْلِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ وَشَرْحِ مُسْلِمٍ خِلَافًا لِمَا فِي الزَّوَائِدِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِكُلِّ فَرْضٍ)
стр. 123
دُخُولِ وَقْتِهِ لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِ الدَّمِ حِينَئِذٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ: فَإِنْ عَلِمَتْ وَقْتَ انْقِطَاعِهِ كَعِنْدَ الْغُرُوبِ لَزِمَهَا الْغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ عَقِبَ الْغُرُوبِ وَتُصَلِّي بِهِ الْمَغْرِبَ، وَتَتَوَضَّأُ لِبَاقِي الصَّلَوَاتِ، لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ عِنْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَا سِوَاهُ. (وَتَصُومُ رَمَضَانَ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً جَمِيعَهُ (ثُمَّ شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ) بِأَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ، وَتَأْتِي بَعْدَهُ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً (فَيَحْصُلُ) لَهَا (مِنْ كُلٍّ) مِنْهُمَا (أَرْبَعَةَ عَشَرَ) يَوْمًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَحِيضَ فِيهِمَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَيَطْرَأَ الدَّمُ فِي يَوْمٍ، وَيَنْقَطِعَ فِي آخَرَ فَتَفْسُدَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ رَمَضَانُ نَاقِصًا حَصَلَ لَهَا مِنْهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (ثُمَّ تَصُومُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) يَوْمًا (ثَلَاثَةً أَوَّلَهَا وَثَلَاثَةً آخِرَهَا فَيَحْصُلُ الْيَوْمَانِ الْبَاقِيَانِ) لِأَنَّ الْحَيْضَ إنْ طَرَأَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ صَوْمِهَا
ــ
[حاشية قليوبي]
فَرْضٍ وَلَوْ كِفَايَةً وَلَا يَلْزَمُهَا الْمُبَادَرَةُ بِهِ وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهُ وَحَرُمَ عَلَيْهَا. نَعَمْ إنْ أَخَّرَتْ إلَّا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَزِمَهَا الْوُضُوءُ.
(تَنْبِيهٌ) اكْتِفَاؤُهُمْ بِالْغُسْلِ صَرِيحٌ فِي انْدِرَاجِ وُضُوئِهَا فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ غُسْلُهَا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ فِي الْوَاقِعِ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِيهِ قَطْعًا وَإِلَّا فَهُوَ وُضُوءٌ بِصُورَةِ الْغُسْلِ، فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: بِعَدَمِ انْدِرَاجِهِ فِي غُسْلِهَا لِأَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ إنَّهَا لَوْ نَوَتْ فِيهِ الْأَكْبَرَ كَفَاهَا لِأَنَّ جَهْلَ حَدَثِهَا جَعَلَهَا كَالْغَالِطَةِ، وَلَهَا فِعْلُ النَّفْلِ بِغُسْلِ الْفَرْضِ كَمَا عُلِمَ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ الطَّبَلَاوِيُّ: لَوْ لَمْ تُحْدِثْ بَيْنَ الْغُسْلَيْنِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إرَادَةَ غَيْرِ حَدَثِهَا الدَّائِمِ لَا يَسْتَقِيمُ، وَحَيْثُ وَجَبَ الْغُسْلُ بِحَدَثِهَا الدَّائِمِ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ لَيْسَ حَيْضًا فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ الْوُضُوءُ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهِ خَارِجًا وَلَوْ غَيْرَ حَيْضٍ وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ وُجُودُهُ فِي الْمُعْتَادَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَحَيْثُ بَطَلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْغُسْلِ فَأَوْلَى أَنْ يَبْطُلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْوُضُوءِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ) وَإِنَّمَا أَلْغَوْا هَذَا الِاحْتِمَالَ حَالَةَ الطَّهَارَةِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ وَفِيهَا لِأَنَّهُ لَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ كَمَا أَلْغَوْا احْتِمَالَ طُرُوُّ الْحَيْضِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُوجِبُوا تَرْكَهَا وَلَا الْمُبَادَرَةَ بِهَا، وَقَبْلَ الطَّلَاقِ فَلَمْ يُحَرِّمُوهُ كُلَّ وَقْتٍ نَعَمْ قَدْ مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ، وَمُقْتَضَاهُ الْحُرْمَةُ فِيهِ قَطْعًا، وَالْجَوَازُ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ قَطْعًا، وَسَيَأْتِي فِي الْعَدَدِ أَنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ أَكْثَرُ مِمَّا يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِشَهْرَيْنِ بَعْدَ تِلْكَ الْبَقِيَّةِ، وَمُقْتَضَاهُ الْحُرْمَةُ فِيهَا وَفِيمَا يُقَابِلُهَا مِنْ الشَّهْرَيْنِ قَطْعًا، وَأَلَحَّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ قَطْعًا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ.
(تَتِمَّةٌ) قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأَصْحَابُ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَى الْمُتَحَيِّرَةِ وَإِنْ صَلَّتْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَشَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ كَوَالِدِهِ وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الشَّيْخَانِ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ طُرُقٌ تُطْلَبُ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ. قَوْلُهُ: (وَتَصُومُ رَمَضَانَ) أَيْ وُجُوبًا وَكَذَا كُلُّ صَوْمِ فَرْضٍ وَلَوْ نَذْرًا مُوَسَّعًا وَلَهَا صَوْمُ النَّفْلِ بِالْأَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (كَامِلَيْنِ) حَالٌ مُؤَسِّسَةٌ وَصَحَّ مَجِيئُهَا مِنْ النَّكِرَةِ لِجَمْعِهَا مَعَ الْمَعْرِفَةِ، وَاعْتِبَارُ الْكَمَالِ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ فَيَحْصُلُ مِنْ كُلٍّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَعَمْ إنْ سُبِقَتْ عَادَتُهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ لَيْلًا حَصَلَ مِنْ كُلٍّ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَا يَبْقَى عَلَيْهَا شَيْءٌ. قَوْلُهُ: (وَيَطْرَأُ الدَّمُ فِي يَوْمٍ إلَخْ) وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، قَالُوا: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ كُلٍّ خَمْسَةَ عَشَرَ لِأَنَّ تَقْدِيرَ طَرَيَان الْحَيْضِ نَهَارًا تَقْدِيرٌ لِلْمُفْسَدِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَلِمَتْ الِانْقِطَاعَ لَيْلًا كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ لَا يُنَاسِبُ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّهُ مِنْ تَقْدِيرِ طَرَيَان الْمُفْسَدِ إنَّمَا يُنَاسِبُ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ إنَّهُ مِنْ سَبْقِ الْمَانِعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ فَسَادُ غَيْرِ الْأَوَّلِ مُرَتَّبًا عَلَى الطُّرُوِّ فِيهِ جُعِلَ طُرُوًّا فِي الْجَمِيعِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ
ــ
[حاشية عميرة]
نَعَمْ يَكْفِي غُسْلٌ وَاحِدٌ لِلطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ إذَا أَوْجَبْنَاهُمَا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ) أَيْ وَلَا يَلْزَمُهَا الْبِدَارُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَكَرُّرُ الِانْقِطَاعِ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ، وَأَمَّا احْتِمَالُ وُقُوعِ الْفِعْلِ فِي الْحَيْضِ وَالِانْقِطَاعِ بَعْدَهُ فَلَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ، وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ وُجُوبَ الْبِدَارِ لِأَنَّ فِيهِ تَعْلِيلَ الِاحْتِمَالِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَامِلَيْنِ) وَلَوْ قَالَ كَامِلًا كَانَ أَوْلَى نَعَمْ حُصُولُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ كُلٍّ تَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ تَصُومُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى طَرِيقَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ، وَيُمْكِنُ قَضَاءُ يَوْمٍ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى طَرِيقَةٍ أُخْرَى، كَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَهْجَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ:
أَوْ فَلْتَصُمْ مِثْلَ الَّذِي فَاتَ وَلَا ... ثَمَّ مِنْ السَّابِعَ عَشْرَ تَبَعَا
وَبَيْنَ ذَيْنِ اثْنَيْنِ كَيْفَ وَقَعَا ... هَذَا الضَّعْفُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ
стр. 124
فَغَايَتُهُ أَنْ يَنْقَطِعَ فِي السَّادِسَ عَشَرَ، فَيَصِحَّ لَهَا الْيَوْمَانِ الْأَخِيرَانِ. وَإِنْ طَرَأَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي صَحَّ لَهَا الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ، أَوْ فِي الثَّالِثِ صَحَّ لَهَا الْأَوَّلَانِ، أَوْ فِي السَّادِسَ عَشَرَ صَحَّ لَهَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ، أَوْ فِي السَّابِعَ عَشَرَ صَحَّ السَّادِسَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ، أَوْ فِي الثَّامِنَ عَشَرَ صَحَّ السَّادِسَ عَشَرَ وَالسَّابِعَ عَشَرَ. (وَيُمْكِنُ قَضَاءُ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ ثُمَّ الثَّالِثِ وَالسَّابِعَ عَشَرَ) مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْحَيْضَ إنْ طَرَأَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ سَلِمَ السَّابِعَ عَشَرَ أَوْ فِي الثَّالِثِ سَلِمَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ آخِرُ الْحَيْضِ الْأَوَّلَ سَلِمَ الثَّالِثُ، أَوْ الثَّالِثَ سَلِمَ السَّابِعَ عَشَرَ.
(وَإِنْ حَفِظَتْ شَيْئًا) مِنْ عَادَتِهَا دُونَ شَيْءٍ كَأَنْ حَفِظَتْ الْوَقْتَ دُونَ الْقَدْرِ أَوْ عَكْسَ ذَلِكَ (فَلِلْيَقِينِ) مِنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ (حُكْمُهُ وَهِيَ فِي الْمُحْتَمَلِ) لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ (كَحَائِضٍ فِي الْوَطْءِ وَطَاهِرٍ فِي الْعِبَادَةِ وَإِنْ احْتَمَلَ انْقِطَاعًا وَجَبَ الْغُسْلُ لِكُلِّ فَرْضٍ) احْتِيَاطًا، وَيُسَمَّى مُحْتَمَلُ الِانْقِطَاعِ طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ وَاَلَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ. وَالْحَافِظَةُ لِلْوَقْتِ كَأَنْ تَقُولَ كَانَ حَيْضِي يَبْتَدِئُ أَوَّلَ الشَّهْرِ فَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْهُ حَيْضٌ بِيَقِينٍ، وَنِصْفُهُ الثَّانِي طُهْرٌ بِيَقِينٍ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْحَيْضَ وَالطُّهْرَ وَالِانْقِطَاعَ. وَالْحَافِظَةُ لِلْقَدْرِ كَأَنْ تَقُولَ حَيْضِي خَمْسَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ
ــ
[حاشية قليوبي]
تُرْسَمُ بِالْأَلِفِ مَعَ إثْبَاتِ هَاءِ التَّأْنِيثِ، وَمَعَ حَذْفِهَا وَإِثْبَاتِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وَسَاكِنَةً وَمَعَ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا، وَيُرْسَمُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ مَعَ إثْبَاتِ الْمُثَنَّاةِ هَكَذَا ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ تَصُومُ إلَخْ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ قَدْرُ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا فِي طُهْرٍ يَقِينًا سَابِقٍ عَلَى الْحَيْضِ أَوْ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ وَلَهُ قَوَاعِدُ مِنْهَا مَا يُمْكِنُ فِيهَا قَضَاءُ أَرْبَعَةَ عَشَرَةَ يَوْمًا فَأَقَلَّ، وَهِيَ أَنْ يُقَالَ: تَصُومُ قَدْرَ مَا عَلَيْهَا مُتَوَالِيًا ثُمَّ تَصُومُ قَدْرَهُ كَذَلِكَ مِنْ سَابِعَ عَشَرَ أَوَّلَ صَوْمِهَا وَتَصُومُ يَوْمَيْنِ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ سَوَاءٌ وَصَلَتْهُمَا بِالصَّوْمِ الْأَوَّلِ أَوْ بِالثَّانِي أَوْ لَمْ تَصِلْهُمَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ وَصَلَتْ أَحَدُهُمَا بِالْأَوَّلِ وَالْآخَرُ بِالثَّانِي وَمِنْ هَذَا الْأَخِيرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي قَضَاءِ الْيَوْمَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) أَوْصَلَ بَعْضُهُمْ صُوَرَ قَضَاءِ الْيَوْمَيْنِ إلَى أَلْفِ صُورَةٍ وَصُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَلْيُرَاجَعْ. قَوْلُهُ: (وَيُمْكِنُ قَضَاءُ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى طَرِيقَةٍ ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ اسْتِدْرَاكًا عَلَى الْأَصْحَابِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْأُولَى مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ عَلَيْهَا أَقَلُّ مِنْهُ عَلَى الْأُولَى، لَكِنَّهَا إنَّمَا تَأْتِي فِي قَضَاءِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ وَهِيَ أَنْ يُقَالَ تَصُومُ قَدْرَ مَا عَلَيْهَا مَعَ زِيَادَةِ يَوْمٍ مُفَرَّقًا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَصُومُ قَدْرَهُ أَيْضًا مُفَرَّقًا بَعْدَ سَادِسَ عَشَرَ أَوَّلَ صَوْمِهَا بِشَرْطِ أَنْ تَتْرُكَ بَيْنَ هَذَيْنِ الصَّوْمَيْنِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ فَأَقَلَّ، وَيُمْكِنُ قَضَاءُ الْيَوْمَيْنِ عَلَيْهَا بِصَوْمِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ بِأَنْ تَصُومَ يَوْمًا وَثَالِثَهُ وَخَامِسَهُ وَسَابِعَ عَشَرَهُ وَتَاسِعَ عَشَرَهُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا فِي الْمَنْهَجِ فَرَاجِعْهُ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ فِي صَوْمٍ غَيْرِ مُتَتَابِعٍ، أَمَّا الْمُتَتَابِعُ بِنَحْوِ نَذْرٍ فَإِنْ كَانَ سَبْعَةً فَأَقَلَّ صَامَتْ قَدْرَهُ مُتَوَالِيًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِشَرْطِ كَوْنِ الثَّالِثِ مِنْ سَابِعَ عَشَرَ الْأَوَّلِ، وَأَنْ تَفْصِلَ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ بِيَوْمٍ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَأَقَلَّ صَامَتْ قَدْرَهُ كَذَلِكَ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ مَعَ زِيَادَةِ صَوْمِ يَوْمَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ بِالصَّوْمِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ شَهْرَيْنِ صَامَتْ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ حَفِظَتْ) أَيْ الْمُتَحَيِّرَةُ لَا بِقَيْدِهَا السَّابِقِ. قَوْلُهُ: (شَيْئًا) أَيْ الْوَقْتَ فَقَطْ أَوْ الْقَدْرَ فَقَطْ بِقَيْدِهِ الْآتِي وَأَخَّرَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ عَنْ حُكْمِ الصَّوْمِ فِي الْقِسْمِ السَّابِقِ لِمُخَالَفَتِهِمَا لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِمَا حَيْضًا مُحَقَّقًا وَطُهْرًا مُحَقَّقًا. قَوْلُهُ: (حَيْضٌ بِيَقِينٍ) أَيْ بِاعْتِبَارِ إخْبَارِهَا، وَكَذَا الطُّهْرُ. قَوْلُهُ: (فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ) قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنْ قَالَتْ خَمْسَةٌ وَلَا أَعْلَمُ ابْتِدَاءَهَا فَهِيَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَنَبَّهَ بِالْوَطْءِ عَلَى مَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا مَرَّ وَبِالْعِبَادَةِ عَلَى مَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَمَحَلُّ غُسْلِهَا لِكُلِّ فَرْضٍ فِيمَا فِيهِ احْتِمَالُ الِانْقِطَاعِ
ــ
[حاشية عميرة]
وَأَنْزَلَ إلَخْ وَالثَّانِيَةُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: وَمَرَّةً تَأْتِي بِفَوْتِ الصَّوْمِ مَعَ وَاحِدٍ تَزِيدُهُ فِي عَشْرَةٍ مَعَ خَمْسَةٍ مُفَرَّقًا وَمَرَّةً:
سَابِعَ عَشَرَ كُلُّ صَوْمٍ وَإِلَى ... خَامِسَ عَشَرَ الثَّانِي عَنْهُ فُعِلَا
إلَخْ ثُمَّ اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى قَضَاءِ الصَّوْمِ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ، لَكِنَّهُ رَجَّحَ كَالرَّافِعِيِّ الْوُجُوبَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (صَحَّ لَهَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ) أَيْ لِأَنَّ الْحَيْضَ السَّابِقَ يَنْقَطِعُ فِي الْأَوَّلِ فَيَفْسُدُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالسَّابِعَ عَشَرَ) إشَارَةٌ إلَى طَرِيقِ الدَّارِمِيِّ، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى إنَّمَا تَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْيَوْمِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَأَنْ تَقُولَ إلَخْ) هَذَا الْمِثَالُ يُرْشِدُك
стр. 125
الشَّهْرِ لَا أَعْلَمُ ابْتِدَاءَهَا وَأَعْلَمُ أَنِّي فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ طَاهِرٌ، فَالسَّادِسُ حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَالْأَوَّلُ طُهْرٌ بِيَقِينٍ كَالْعِشْرِينِ الْأَخِيرِينَ، وَالثَّانِي إلَى آخِرِ الْخَامِسِ مُحْتَمَلٌ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالسَّابِعُ إلَى آخِرِ الْعَاشِرِ مُحْتَمَلٌ لِلِانْقِطَاعِ أَيْضًا.
(وَالْأَظْهَرُ أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ وَالنَّقَاءَ بَيْنَ) دِمَاءِ (أَقَلِّ الْحَيْضِ) فَأَكْثَرَ (حَيْضٌ) أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّهُ بِصِفَةِ دَمِ الْحَيْضِ، وَمُقَابِلُهُ فِيهَا يَقُولُ: هُوَ دَمُ فَسَادٍ إذْ الْحَمْلُ يَسُدُّ مَخْرَجَ دَمِ الْحَيْضِ. وَسَوَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ تَخَلَّلَ بَيْنَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَالْوِلَادَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَمْ أَقَلُّ، وَقِيلَ، فِي تَخَلُّلِ الْأَقَلِّ لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنْ تَرَى وَقْتًا دَمًا وَوَقْتًا نَقَاءً وَهَكَذَا، وَلَمْ يُجَاوِزْ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَمْ تَنْقُصْ الدِّمَاءُ عَنْ قَلِّ الْحَيْضِ فَهِيَ حَيْضٌ. وَالنَّقَاءُ بَيْنَهُمَا حَيْضٌ فِي الْأَظْهَرِ تَبَعًا لَهَا. وَالثَّانِي يَقُولُ: هُوَ طُهْرٌ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِهَا دُونَ الْعِدَّةِ وَالطَّلَاقِ. وَالنَّقَاءُ بَعْدَ آخِرِ الدِّمَاءِ طُهْرٌ قَطْعًا، وَإِنْ نَقَصَتْ الدِّمَاءُ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ فِيهِ دَمُ فَسَادٍ، وَإِنْ زَادَتْ مَعَ النَّقَاءِ بَيْنَهَا عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهِيَ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ.
(وَأَقَلُّ النِّفَاسِ) أَيْ الدَّمِ الَّذِي أَوَّلُهُ يَعْقُبُ الْوِلَادَةَ (لَحْظَةٌ وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ) يَوْمًا (وَغَالِبُهُ أَرْبَعُونَ) يَوْمًا فِيمَا اسْتَقْرَأَهُ الْإِمَامُ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَإِلَّا فَيَكْفِيهَا الْوُضُوءُ كَمَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (مُحْتَمِلٌ لِلِانْقِطَاعِ أَيْضًا) اقْتَضَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي بَعْدَ السَّادِسِ لَيْسَ نَاشِئًا عَنْ الِانْقِطَاعِ أَيْضًا قَطْعًا، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ الِانْقِطَاعَ مُمْكِنُ الْوُجُودِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وَصْفِ الطُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّقَاءَ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. قَوْلُهُ: (بَيْنَ دِمَاءِ أَقَلِّ الْحَيْضِ) أَيْ قَدْرَ أَقَلِّهِ فَأَكْثَرَ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْعِدَّةِ وَنَحْوِهَا
. قَوْلُهُ: (النِّفَاسِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ نَفْسًا غَالِبًا كَمَا مَرَّ، وَهُوَ لُغَةً الْوِلَادَةُ أَيْ وَنَحْوُهَا وَشَرْعًا مَا ذَكَرَهُ كَمَا عُلِمَ. قَوْلُهُ: (يَعْقُبُ الْوِلَادَةَ) لَوْ قَالَ: يَعْقُبُ فَرَاغَ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ كَمَا مَرَّ لَكَانَ أَوْلَى، لِيَشْمَلَ نَحْوَ الْمُضْغَةِ وَلِيَخْرُجَ مَا بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ فَإِنَّهُ دَمُ فَسَادٍ أَوْ دَمُ حَيْضٍ إنْ كَانَ فِي زَمَنِهِ كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ يَعْقُبُ الْوِلَادَةَ أَنْ يُوجَدَ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ تَمَامِهَا وَأَنْ لَا يُوجَدَ فِي أَثْنَائِهِ نَقَاءٌ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُتَّصِلَةً وَإِلَّا فَهُوَ حَيْضٌ وَالْوِلَادَةُ فِي الْأَوَّلِ خَالِيَةٌ عَنْ النِّفَاسِ، وَحَيْثُ لَمْ تَرَ نِفَاسًا عَقِبَ الْوِلَادَةِ فَلِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا، وَعَلَيْهَا أَنْ تُصَلِّيَ وَغَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِهِ فَإِنْ وُجِدَ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ نِفَاسٌ، وَكَذَا مَا قَبْلَهُ، كَمَا فِي نَقَاءِ الْحَيْضِ فَمَا صَلَّتْهُ مَثَلًا يَقَعُ لَهَا نَفْلًا مُطْلَقًا، لَكِنْ لَا تَنْعَطِفُ الْحُرْمَةُ عَلَى وَطْءِ الزَّوْجِ، وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: إنَّمَا يُحْسَبُ مِنْ النِّفَاسِ مِنْ حَيْثُ عَدُّهُ مِنْ السِّتِّينَ يَوْمًا أَوْ الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا مَثَلًا لَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ صَلَّتْ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ صَلَوَاتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَنُوزِعَ فِيهِ بِمَا هُوَ وَاضِحٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: أَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا.
ــ
[حاشية عميرة]
إلَى مَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ ﵀ مِنْ أَنَّ الْحَافِظَةَ لِقَدْرِ الْحَيْضِ إنَّمَا تَخْرُجُ عَنْ التَّحَيُّرِ الْمُطْلَقِ إذَا حَفِظَتْ أَيْضًا قَدْرَ الدَّوْرِ وَعَلِمَتْ وَقْتَ ابْتِدَائِهِ، هَذَا لَفْظُهُ وَمِنْهُ نَقَلْت.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ إلَخْ) أَيْ وَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ بِالْإِقْرَاءِ، أَيْ إنْ كَانَ الْحَمْلُ لِصَاحِبِهَا أَوْ مِنْ شُبْهَةٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ زِنًى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَمُقَابِلُهُ فِيهَا يَقُولُ هُوَ دَمٌ فَسَادٌ) وَيَسْتَنِدُ أَيْضًا «لِقَوْلِهِ ﷺ فِي سَبَايَا أَوْطَاسَ أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْحَيْضَ دَلِيلًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَرُدَّ بِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا حَكَمَ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِهِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ، فَإِنَّ وُقُوعَ حَيْضِ الْحَامِلِ نَادِرٌ، فَإِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ حَصَلَ الظَّنُّ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، إذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ حَمْلِهَا فَإِنْ بَانَ خِلَافُهُ عَلَى النُّدُورِ بِأَنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا حَامِلٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمَا بَانَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَسَوَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ تَخَلُّلٌ إلَخْ) بَلْ لَوْ اتَّصَلَ بِهَا كَانَ كَذَلِكَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَمْ يُجَاوِزْ إلَخْ) أَيْ فَإِنْ جَاوَزَهُ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ نَقَصَ مَجْمُوعُ الدِّمَاءِ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالنَّقَاءُ بَيْنَهُمَا حَيْضٌ فِي الْأَظْهَرِ) أَيْ وَلَوْ كَثُرَ جِدًّا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي يَقُولُ: هُوَ طُهْرٌ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِهَا) أَيْ كَالْجِمَاعِ.
[وَأَقَلُّ النِّفَاسِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (النِّفَاسُ) هُوَ لُغَةً الْوِلَادَةُ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ الدَّمُ الَّذِي أَوَّلُهُ يَعْقُبُ الْوِلَادَةِ) مِثْلُهُ لَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّهَا نُفَسَاءُ مِنْ حِينِ الْوِلَادَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَوْلُهُ: الْوِلَادَةُ، أَيْ وَلَوْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً، وَلَوْ خَرَجَ بَيْنَ تَوْأَمَيْنِ فَهُوَ حَيْضٌ لَا نِفَاسٌ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا أَصْلًا إلَّا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قَالَ: فَلَا نِفَاسَ لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، انْتَهَى. قُلْت: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ جَوَازُ وَطْءِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: أَبْدَى
стр. 126
الشَّافِعِيُّ ﵁، وَعَبَّرَ بَدَلَ اللَّحْظَةِ فِي التَّحْقِيقِ كَالتَّنْبِيهِ بِالْمَجَّةِ أَيْ الدَّفْعَةِ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَالشَّرْحِ بِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، أَيْ لَا يَتَقَدَّرُ بَلْ مَا وُجِدَ مِنْهُ، وَإِنْ قَلَّ يَكُونُ نِفَاسًا، وَلَا يُوجَدُ أَقَلُّ مِنْ مَجَّةٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْ زَمَانِهَا بِاللَّحْظَةِ، فَالْمُرَادُ مِنْ الْعِبَارَاتِ وَاحِدٌ. (وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْحَيْضِ) قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ حُرْمَةُ الطَّلَاقِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِهِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا.
(وَعُبُورُهُ سِتِّينَ) يَوْمًا (كَعُبُورِهِ) أَيْ الْحَيْضِ (أَكْثَرَهُ) فَيُنْظَرُ أَمُبْتَدَأَةٌ فِي النِّفَاسِ أَمْ مُعْتَادَةٌ، مُمَيِّزَةٌ أَمْ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ وَيُقَاسُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ، فَتُرَدُّ الْمُبْتَدَأَةُ الْمُمَيِّزَةُ إلَى التَّمْيِيزِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ الْقَوِيُّ عَلَى سِتِّينَ يَوْمًا، وَلَا ضَبْطَ فِي الضَّعِيفِ. وَغَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ إلَى لَحْظَةٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَالْمُعْتَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ إلَى التَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ الْحَافِظَةِ إلَى الْعَادَةِ، وَتَثْبُتُ بِمَرَّةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَالنَّاسِيَةُ إلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ فِي قَوْلٍ، وَتَحْتَاطُ فِي الْآخَرِ الْأَظْهَرِ فِي التَّحْقِيقِ.
ــ
[حاشية قليوبي]
فَائِدَةٌ) قَدْ أَبْدَى أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ حِكْمَةً لِكَوْنِ أَكْثَرِ النِّفَاسِ سِتِّينَ يَوْمًا فَقَالَ: لِأَنَّ دِمَاءَ الْحَيْضِ غِذَاءٌ لِلْحَمْلِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ يَخْرُجُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ نِصْفُهَا حَيْضٌ وَهُوَ سِتُّونَ يَوْمًا يَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فِي مِثْلِهَا، أَيْ وَلَا نَظَرَ إلَى كَوْنِهَا قَدْ جُمِعَ الدَّمُ فِيهَا فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَخَرَجَ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَوَالِيَةٍ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (قِيَاسًا عَلَيْهِ) أَيْ قِيَاسًا لِلنِّفَاسِ عَلَى الْحَيْضِ فَهُوَ مِثْلُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إلَّا فِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا عَدَمُ تَعَلُّقِ الْبُلُوغِ بِهِ لِوُجُودِهِ قَبْلَهُ، وَثَانِيهمَا عَدَمُ تَعَلُّقِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ بِهِ أَيْضًا لِحُصُولِهِمَا قَبْلَهُ بِمُجَرَّدِ الْوِلَادَةِ. نَعَمْ لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِحَمْلِ الزِّنَا كَمَا يَأْتِي، وَيَنْبَغِي أَنَّهَا تَنْقَضِي بِالنِّفَاسِ بَعْدَهُ فَرَاجِعْهُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ ثَالِثًا وَهُوَ عَدَمُ سُقُوطِ صَلَاةٍ بِأَقَلِّهِ. قَوْلُهُ: (وَالْمُصَنِّفُ هُنَا) أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الرَّوْضَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَا ضَبْطَ فِي الضَّعِيفِ) أَيْ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ التَّشْبِيهِ كَمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ نَقْصَ الْقَوِيِّ عَنْ الْأَقَلِّ أَيْضًا. (فَرْعٌ) يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَعَلُّمُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَمَا مَعَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ لِتَعَلُّمِهِ إلَّا إنْ عَلَّمَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِسُؤَالِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ أَوْ أَهْلِهَا أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ لِحُضُورِ مَجْلِسِ ذِكْرٍ أَوْ جَمَاعَةٍ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَهُ وَطْؤُهَا عَقِبَ طُهْرِهَا بِلَا كَرَاهَةٍ، وَإِنْ خَافَتْ عَوْدَ الدَّمِ لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ التَّوَقُّفُ احْتِيَاطًا. (فَائِدَةٌ) الْوَطْءُ قَبْلَ الْغُسْلِ فِي الْحَيْضِ أَوْ بَعْدَهُ يُورِثُ الْجُذَامَ فِي الْوَلَدِ كَمَا قِيلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية عميرة]
الْأُسْتَاذُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ لِذَلِكَ مَعْنَى لَطِيفًا دَقِيقًا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَرَائِدِ رِحْلَتِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَنِيَّ يَمْكُثُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَتَغَيَّرُ، ثُمَّ يَمْكُثُ مِثْلَهَا عَلَقَةً، ثُمَّ يَمْكُثُ مِثْلَهَا مُضْغَةً، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، وَالْوَلَدُ يَتَغَذَّى بِدَمِ الْحَيْضِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجْتَمِعُ الدَّمُ مِنْ حِينِ النَّفْخِ لِأَنَّهُ غِذَاءٌ لِلْوَلَدِ، وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمَجْمُوعُ الْمُدَّةِ السَّابِقَةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ أَكْثَرُهُ سِتِّينَ يَوْمًا، انْتَهَى. قُلْت: قَضِيَّةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ أَيْ غَالِبُ النِّفَاسِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَوْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ الدُّفْعَةُ) وَهِيَ بِضَمِّ الدَّالِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَا ضَبْطَ فِي الضَّعِيفِ) أَيْ لِأَنَّ الطُّهْرَ بَيْنَ أَكْمَلِ النِّفَاسِ وَالْحَيْضِ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ.
стр. 127
كِتَابُ الصَّلَاةِ (الْمَكْتُوبَاتُ) أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ مِنْهَا كُلُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (خَمْسٌ) كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ «فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ خَمْسِينَ صَلَاةً فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ وَأَسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ»
ــ
[حاشية قليوبي]
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَهِيَ تُطْلَقُ لُغَةً بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ وَبِمَعْنَى التَّعَبُّدِ وَبِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ رَحْمَةً إلَخْ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ مَعْنًى شَرْعِيٌّ أَيْضًا، فَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ الشَّرْعُ وَاللُّغَةُ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ صَلَيْت الْعَوْدَ بِالنَّارِ لِيَنْتَهِ لِأَنَّهَا تُلِينُ الْقَلْبَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ اشْتِقَاقًا إذْ يَجُوزُ اشْتِقَاقُ الْوَاوِيِّ مِنْ الْيَائِيِّ وَعَكْسُهُ، كَالْبَيْعِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَاعِ، وَالْعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَوْدِ، أَوْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ عِنْدَ خَاطِرَةِ الْمُصَلِّي مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَنْحَنِيَانِ بِانْحِنَائِهِ عِنْدَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَشَرْعًا أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ غَالِبًا أَوْ وَضْعًا فَلَا تُرَدُّ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَالْمَرِيضِ لِعُرُوضِ الْمَانِعِ وَدَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لِأَنَّ قِيَامَاتِهَا أَفْعَالٌ وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي نَظَرًا لِلْعُرْفِ، وَخَرَجَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَنَحْوُهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةُ فَقَطْ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهَا بَلْ هُوَ تَابِعٌ عَارِضٌ فِيهَا، وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَنِصْفٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهِيَ أَفْضَلُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِيمَانِ ثُمَّ الصَّوْمُ ثُمَّ الْحَجُّ ثُمَّ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: (أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ) هُوَ تَفْسِيرٌ بِالْمُرَادِفِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الشَّارِحِ فِي الْأَذَانِ كَمَا يَأْتِي، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَكْتُوبَ أَعَمُّ فَيَشْمَلُ الْمَنْدُوبَ. قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) أَيْ وَلَوْ تَقْدِيرًا فِيهِمَا كَأَيَّامِ الدَّجَّالِ وَلَيْلَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا قَدْرُ ثَلَاثِ لَيَالٍ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (خَمْسٌ) أَمَّا خُصُوصُ كَوْنِهَا خَمْسًا فَتَعَبُّدِيٌّ وَكَذَا خُصُوصُ عَدَدِ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَذَا مَجْمُوعُ عَدَدِ الْخَمْسِ مِنْ كَوْنِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ لِهَذَا حِكْمَةً بِأَنَّ سَاعَاتِ الْيَقِظَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَاعَةً مِنْهَا النَّهَارُ اثْنَا عَشَرَ وَنَحْوُ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ أَوَّلُ اللَّيْلِ وَسَاعَتَيْنِ آخِرُهُ، فَكُلُّ رَكْعَةٍ تُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَاعَةٍ فَتَأَمَّلْهُ. وَدَخَلَ فِي الْخَمْسِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهَا خَامِسَةُ يَوْمِهَا وَإِيرَادُ بَعْضِهِمْ لَهَا مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ كُلُّ يَوْمٍ مَعَ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ وَقَعَ قَبْلَ فَرْضِ الْجُمُعَةِ، وَحِينَ فُرِضَتْ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَ الظُّهْرِ فَتَأَمَّلْ، وَجَمْعُ الْخَمْسِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصُّبْحَ كَانَتْ لِآدَمَ وَالظُّهْرَ لِدَاوُدَ وَالْعَصْرَ لِسُلَيْمَانَ وَالْمَغْرِبَ لِيَعْقُوبَ وَالْعِشَاءَ لِيُونُسَ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَأَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ الْجُمُعَةُ ثُمَّ عَصْرُهَا ثُمَّ عَصْرُ غَيْرِهَا ثُمَّ صُبْحُهَا ثُمَّ صُبْحُ غَيْرِهَا ثُمَّ الْعِشَاءُ ثُمَّ الظُّهْرُ ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَفَضْلُ الْجَمَاعَاتِ تَابِعٌ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ، لَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ جَمَاعَةَ عَصْرِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ، وَأَنَّهَا مُؤَخَّرَةٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْعِشَاءِ وَسَتَأْتِي.
قَوْلُهُ: (كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ) أَيْ كَوْنُهَا خَمْسًا مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَيْ عِلْمُ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ يَشْتَرِكُ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ بَعْدَ ثُبُوتِ أَصْلِهِ بِمَا سَيَذْكُرُهُ. قَوْلُهُ: (خَمْسِينَ صَلَاةً) لَكِنْ غَيْرَ هَذِهِ الْخَمْسِ لَمْ تُعْلَمْ كَيْفِيَّتُهُ وَلَا كَمِّيَّتُهُ، وَفِي كَلَامِ الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ مَا يُرْشِدُ إلَى أَنَّهَا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فَكَانَتْ الظُّهْرُ مَثَلًا عَشْرَةً وَالْعَصْرُ كَذَلِكَ وَهَكَذَا، وَقَالَ أَيْضًا إنَّ النَّسْخَ لَمْ يَقَعْ فِي حَقِّهِ ﷺ فَبَقَاؤُهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَنَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ فَعَلَهَا كَذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَلَا فِي وَقْتٍ مَعَ تَوَفُّرِ
ــ
[حاشية عميرة]
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ) أَيْ عَلَى الْعَيْنِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (خَمْسٌ) الصُّبْحُ لِآدَمَ وَالظُّهْرُ لِدَاوُدَ وَالْعَصْرُ لِسُلَيْمَانَ وَالْمَغْرِبُ لِيَعْقُوبَ وَالْعِشَاءُ لِيُونُسَ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحٍ وَأَوْرَدَ فِيهِ خَبَرًا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ) هِيَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَقِيلَ بِسِتَّةَ
стр. 128
«وَقَوْلُهُ لِلْأَعْرَابِيِّ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» «وَلِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» .
(الظُّهْرُ وَأَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ) أَيْ وَقْتِ زَوَالِهَا، وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ، (وَآخِرُهُ مَصِيرُ) أَيْ وَقْتُ مَصِيرِ (ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ) أَيْ الظِّلِّ الْمَوْجُودِ عِنْدَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ وَقَعَ لِكُلِّ شَاخِصٍ ظِلٌّ طَوِيلٌ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يَنْقُصُ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ، وَيَبْقَى حِينَئِذٍ ظِلٌّ فِي غَالِبِ الْبِلَادِ، ثُمَّ تَمِيلُ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ فَيَتَحَوَّلُ الظِّلُّ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَذَلِكَ الْمَيْلُ هُوَ الزَّوَالُ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَوَاقِيتِ حَدِيثُ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ أَيْ الشَّيْءِ
ــ
[حاشية قليوبي]
الدَّوَاعِي عَلَى الْحِرْصِ عَلَيْهِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ: مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (جَعَلَهَا خَمْسًا) أَيْ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِدَلِيلِ خَبَرِ الْأَعْرَابِيِّ مَفْرُوضَةٌ بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ وَوُجُوبُهَا عَيْنًا لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ، وَهُوَ مُوَسَّعٌ فِي جَمِيعِ وَقْتِهَا لَكِنْ يَجِبُ فِي أَوَّلِهِ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ الشُّرُوعُ فِيهِ، وَلَا يُغْنِي عَنْ هَذَا الْعَزْمِ ظُهُورُ حَالِ الشَّخْصِ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا وَلَا الْعَزْمَ الْعَامَّ عِنْدَ أَوَّلِ التَّكْلِيفِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِكُلِّ وَاجِبٍ فِي وَقْتِهِ وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ يَأْثَمْ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ الْمَوْتُ لِأَنَّ تَأْثِيمَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مُحَقَّقٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَوْتُ قَبْلَ الْحَجِّ مِمَّنْ اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ عِنْدَ شَيْخِنَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ أَوَّلِهَا.
قَوْلُهُ: (الظُّهْرُ) بَدَأَ بِهَا لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ فِي الْوُجُودِ، بَلْ وَأَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ إمَّا بِإِخْبَارِ اللَّهِ لَهُ ﷺ أَوْ بِتَوَقُّفِ الْوُجُوبِ عَلَى التَّعْلِيمِ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا مَرَّ، وَلِفِعْلِهَا فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ، وَلِأَنَّ وَقْتَهَا أَظْهَرُ الْأَوْقَاتِ وَصَرِيحُ هَذَا وَمَا يَأْتِي أَنَّهُ صَلَّاهَا بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ، فَمَا قِيلَ إنَّهُ صَلَّاهَا بِغَيْرِ رُكُوعٍ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ) أَيْ فَوَقْتُ الزَّوَالِ لَيْسَ مِنْ الْوَقْتِ وَإِنْ أَوْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ مَعَ أَنَّ فِيهَا إيهَامَ الْإِخْبَارِ بِالْمَعْنَى عَنْ الزَّمَانِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ وَالزَّوَالُ الْمُرَادُ هُوَ مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَيُعْرَفُ بِحُدُوثِ الظِّلِّ بَعْدَ عَدَمِهِ أَوْ بِزِيَادَتِهِ فَهُوَ تَنَاهِي قِصَرِهِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ جِبْرِيلُ إنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ بِقَدْرِ النُّطْقِ بِالْحَرْفِ الْمُحَرَّكِ قَدْرَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا.
قَوْلُهُ: (ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الظِّلَّ يُوجَدُ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ، وَيُقَالُ لَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ الْفَيْءُ أَيْضًا، وَهُوَ لُغَةً السَّتْرُ، وَاصْطِلَاحًا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ خَلَقَهُ اللَّهُ لِنَفْعِ الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ لَا عَدَمِ الشَّمْسِ، بَلْ هِيَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَالْمِثْلُ الْقَدْرُ، وَيُقَالُ لَهُ الْقَامَةُ، وَهُوَ طُولُ كُلِّ شَاخِصٍ عَلَى بَسْطِ الْأَرْضِ، وَطُولُ كُلِّ إنْسَانٍ بِقَدَمِهِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفُ قَدَمٍ تَقْرِيبًا، وَهَذَا جُمْلَةُ الْوَقْتِ وَيَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَوْقَاتٍ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ بِقَدْرِ الِاشْتِغَالِ بِهَا وَبِأَسْبَابِهَا وَسُنَنِهَا وَشُرُوطِهَا وَأَكْلِ لُقَمٍ يُكْسَرُ بِهَا حِدَةُ الْجُوعِ وَتَحْفَظُ مِنْ حَدَثٍ دَائِمٍ، وَنَحْوِ تَعَمُّمٍ وَتَقَمُّصٍ وَكُلُّ ذَلِكَ بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ، وَقَوْلُ الْقَاضِي إنَّهُ إلَى رُبْعِ الْوَقْتِ ضَعِيفٌ، ثُمَّ وَقْتُ اخْتِيَارٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ إلَى نِصْفِ الْوَقْتِ، ثُمَّ وَقْتُ جَوَازٍ إلَى أَنْ يَبْقَى مَا يَسَعُ وَاجِبَاتِهَا، وَإِذَا أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ فَلَهُ الْإِتْيَانُ بِسُنَنِهَا لِأَنَّ تَأَخُّرَ بَعْضِهَا الْآنَ مِنْ الْمَدِّ الْجَائِزِ، ثُمَّ وَقْتُ حُرْمَةٍ أَيْ يَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ لِأَنَّ إيقَاعَهَا فِيهِ وَاجِبٌ، وَيَحْرُمُ الْإِتْيَانُ بِمَنْدُوبَاتِهَا إذَا أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ ثُمَّ وَقْتُ ضَرُورَةٍ بِإِدْرَاكِ قَدْرِ تَكْبِيرَةِ آخِرِهِ، ثُمَّ وَقْتُ عُذْرٍ وَهُوَ وَقْتُ الْعَصْرِ لِمَنْ يَجْمَعُ. قَوْلُهُ: (أَمَّنِي جِبْرِيلُ) أَيْ صَلَّى إمَامًا بِي.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْبَيْتِ) فِيمَا بَيْنَ الْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَالْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ بِالْمُعْجَمَةِ، كَذَا قَالُوا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَقْبِلِينَ الْكَعْبَةَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَمْرِ اللَّهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ، لَا يُقَالُ إنَّهُمْ صَلَّوْا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مُسْتَقْبِلِينَ الشَّامَ لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي
ــ
[حاشية عميرة]
عَشَرَ شَهْرًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الظُّهْرُ) بَدَأَ بِهَا لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ .
فَإِنْ قِيلَ إيجَابُ الْخَمْسِ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَلِمَ بَدَأَ جِبْرِيلُ ﵊ بِالظُّهْرِ دُونَ الصُّبْحِ؟ فَالْجَوَابُ مَحْمُولٌ عَلَى حُصُولِ إعْلَامِهِ
بِأَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الْخَمْسِ مِنْ الظُّهْرِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ إلَّا عِنْدَ الظُّهْرِ.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الظُّهْرُ بِالضَّمِّ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَمِنْهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ انْتَهَى. وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ أَوْ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ) الظِّلُّ فِي اللُّغَةِ السِّتْرُ، ثُمَّ الظِّلُّ يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ، وَالْفَيْءُ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (إلَى وَسَطِ السَّمَاءِ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَذَلِكَ الْمَيْلُ هُوَ الزَّوَالُ) هَذَا الْمَيْلُ
стр. 129
مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَالْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ أَيْ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَالْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَالْفَجْرَ فَأَسْفَرَ وَقَالَ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: «صَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ» أَيْ فَرَغَ مِنْهَا حِينَئِذٍ كَمَا شَرَعَ فِي الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَئِذٍ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ نَافِيًا بِهِ اشْتِرَاكَهُمَا فِي وَقْتٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ» . وَقَوْلُهُ: " حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ " أَيْ حِينَ دَخَلَ وَقْتُ إفْطَارِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» .
(وَهُوَ) أَيْ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ (أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ) وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ: وَبِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ (وَيَبْقَى) وَقْتُهُ (حَتَّى تَغْرُبَ) الشَّمْسُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ» وَإِسْنَادُهُ فِي مُسْلِمٍ. (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا نُؤَخِّرَ) بِالْفَوْقَانِيَّةِ (عَنْ) وَقْتِ (مَصِيرِ الظِّلِّ
ــ
[حاشية قليوبي]
ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَرَاجِعْهُ مِنْ أَمَاكِنِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ «لَمَّا أَتَى جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأَجْلِ تَعْلِيمِهِ نَادَى ﷺ الصَّحَابَةَ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ يُعَلِّمُكُمْ الصَّلَاةَ فَأَحْرَمَ جِبْرِيلُ وَأَحْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ، وَأَحْرَمَتْ الصَّحَابَةُ كَذَلِكَ مُقْتَدِينَ بِجِبْرِيلَ، لَكِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ، فَصَارُوا يُتَابِعُونَ النَّبِيَّ ﷺ كَالرَّابِطَةِ» .
قَالَ بَعْضُهُمْ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ، وَاحْتِيَاجُهُ ﷺ إلَى التَّعْلِيمِ هُنَا تَفْصِيلًا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ أَعُطِيَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إجْمَالًا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُعْجِزَةٍ سِوَى الْقُرْآنِ وَفِيهِ سِتُّونَ أَلْفَ مُعْجِزَةٍ.
قَوْلُهُ: (حِينَ حُرِّمَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ صَوْمٌ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَنْدُوبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ حِينَ امْتَنَعَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَوْ نَفْلًا. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ) هُوَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ نَظَرًا إلَى حَقِيقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، فَالصُّبْحُ مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) أَيْ مَا بَيْنَ مُلَاصِقِ أَوَّلِ الْأُولَى مِمَّا قَبْلَهَا وَمُلَاصِقِ آخِرِ الثَّانِي مِمَّا بَعْدَهُ، وَهَذَا مِنْ التَّقْدِيرِ الَّذِي تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ خُصُوصًا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَيَجِبُ تَقْدِيرُهُ، وَالتَّأْوِيلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ مَعَ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْمُرَادِ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁) فِيهِ خِرَازَةٌ بِاتِّحَادِ وَقْتِ الْفَرَاغِ وَالشُّرُوعِ فَالْمُرَادُ عَقِبَهُ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ صَلَّى بِي مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَعَمِّ مِنْ الشُّرُوعِ وَالْفَرَاغِ. قَوْلُهُ: (نَافِيًا بِهِ اشْتِرَاكَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) رَدًّا لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي قَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَوَافَقَهُ الْمُزَنِيّ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَلِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَّا بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ فِي ثَانِي قَوْلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) ضَمِيرُهُ عَائِدٌ إلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ فَقُدِّمَ عَلَى عَكْسِهِ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِلْأَصْلِ مِنْ حَمْلِ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ مَثَلًا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (دَخَلَ وَقْتُ إفْطَارِهِ) أَيْ وَقَدْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ رَمَضَانَ كَانَ لَمْ يُفْرَضْ بَعْدُ إذًا الْمُرَادُ وَقْتُ الْإِفْطَارِ مِنْ مُطْلَقِ الصَّوْمِ فَافْهَمْ. قَوْلُهُ: (إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ (وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَالتَّسَمُّحُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَنْهَجُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ شُمُولِ وَقْتِ الْجَوَازِ فِي كَلَامِهِمْ لِوَقْتِ الضَّرُورَةِ وَالْحُرْمَةِ.
قَوْلُهُ: (الْعَصْرِ) وَهُوَ لُغَةً الْعَشِيُّ وَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى فِي أَرْجَحِ الْأَقْوَالِ. قَوْلُهُ: (وَبِهِ يَدْخُلُ) أَيْ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بَلْ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَغْرُبَ) أَيْ يَتِمَّ غُرُوبُهَا فَحَتَّى بِمَعْنَى إلَى فَمَا بَعْدَهَا خَارِجٌ وَشَمَلَ الْغُرُوبَ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا مَرَّ، وَلَوْ عَادَتْ بَعْدَ غُرُوبِهَا عَادَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَصَلَاتُهُ الْآنَ أَدَاءٌ كَمَا فِي قِصَّةِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ ﵁، وَتَجِبُ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ عَلَى مَنْ صَلَّاهَا وَقَضَاءُ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ وَلَوْ حُبِسَتْ اسْتَمَرَّ الْوَقْتُ. قَوْلُهُ: (وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ إلَخْ) دَفَعَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ
ــ
[حاشية عميرة]
طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ حُدُوثَ الظِّلِّ بَعْدَ فَقْدِهِ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَى الْمَوْجُودِ فِيهَا، وَعِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ ثُمَّ إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ إلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ حَدَثَ ظِلٌّ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَقِيَ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ظِلٌّ وَيَزْدَادُ إنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ وَالتَّحَوُّلُ إلَى الْمَشْرِقِ بِحُدُوثِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ هُوَ الزَّوَالُ الَّذِي بِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ الظُّهْرِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالْعِشَاءُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) أَيْ مُنْتَهَاهُ إلَى الثُّلُثِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَأَسْفَرَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ فَدَخَلَ عَقِبَ الْفَرَاغِ فِي الْإِسْفَارِ وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ كَمَا تَرَى أَنَّهُ أَوْقَعَهَا فِي الْإِسْفَارِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ زِيَادَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ لِأَنَّ خُرُوجَ وَقْتِ الظُّهْرِ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ بِدُونِهَا، وَقِيلَ: إنَّهَا مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: فَاصِلَةٌ بَيْنَهُمَا.
(فَائِدَةٌ) الْعَصْرُ لُغَةً الْعَشِيُّ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمِنْهُ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ اهـ.
وَالْعَصْرَانِ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَرَوَى
стр. 130
مِثْلَيْنِ) بَعْدَ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ، وَقَوْلِهِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا: «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَبَعْدَهُ وَقْتُ جَوَازٍ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، ثُمَّ وَقْتُ كَرَاهَةٍ أَيْ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَيْهِ.
(وَالْمَغْرِبُ) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِالْغُرُوبِ وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ) كَمَا سَيَأْتِي. وَاحْتَرَزَ بِالْأَحْمَرِ عَمَّا بَعْدَهُ مِنْ الْأَصْفَرِ ثُمَّ الْأَبْيَضِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُحَرَّرِ لِانْصِرَافِ الِاسْمِ إلَيْهِ لُغَةً. (وَفِي الْجَدِيدِ يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ) زَمَنِ (وُضُوءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ) لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَلِلْحَاجَةِ إلَى فِعْلِ مَا ذَكَرَ مَعَهَا اعْتَبَرَ مُضِيَّ قَدْرِ زَمَنِهِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ، وَسَيَأْتِي سَنُّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فِي وَجْهٍ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فَقِيَاسُهُ كَمَا قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ اعْتِبَارُ سَبْعِ رَكَعَاتٍ: (وَلَوْ شَرَعَ) فِيهَا (فِي الْوَقْتِ) عَلَى الْجَدِيدِ (وَمَدَّ) بِالتَّطْوِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا (حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ) مِنْ الْخِلَافِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِهَا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أَدَاءٌ كَمَا سَيَأْتِي وَالثَّانِي الْمَنْعُ كَمَا فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ، وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» ، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ
ــ
[حاشية قليوبي]
مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَيْسَ مِنْ الْوَقْتِ وَلِأَنَّهُ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ. قَوْلُهُ: (وَالِاخْتِيَارُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﷺ اخْتَارَ الصَّلَاةَ فِيهِ، أَوْ لِاخْتِيَارِ وُقُوعِهَا فِيهِ، أَوْ لِاخْتِيَارِ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: (بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا) ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ وَفِي الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ اخْتِلَافِ صَلَاةِ جِبْرِيلَ فِيهَا فِي الْيَوْمَيْنِ مَعَ قَوْلِ جِبْرِيلَ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، بِخِلَافِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ. قَوْلُهُ: (وَبَعْدَهُ وَقْتُ جَوَازٍ) أَيْ زِيَادَةً عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَمَعْنَى الْجَوَازِ فِيهِ جَوَازُ أَنْ تُؤَخَّرَ إلَيْهِ فَرَائِضُهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَدُّ قَطْعًا، بَلْ يَحْرُمُ الْإِتْيَانُ بِالْمَنْدُوبِ فِيهَا كَمَا مَرَّ، أَوْ فِي وَقْتٍ يَسَعُ فَرَائِضَهَا، فَفِي جَوَازِ مَدِّهِ وَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا جَوَازُهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ، وَقُلْنَا إنَّهَا قَضَاءٌ، وَالثَّانِي عَدَمُ جَوَازِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَقْتُ كَرَاهَةٍ) أَيْ حَتَّى يَبْقَى مَا يَسَعُهَا فَوَقْتُ حُرْمَةٍ ثُمَّ وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَلَهَا وَقْتُ عُذْرٍ كَمَا مَرَّ فَلَهَا سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ
قَوْلُهُ: (وَالْمَغْرِبُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفِعْلِهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ إذْ الْغُرُوبُ لُغَةً الْبُعْدُ أَوْ وَقْتُهُ أَوْ مَكَانُهُ. قَوْلُهُ: (وُضُوءٍ) الْأَوْلَى طُهْرٌ لِيَشْمَلَ التَّيَمُّمَ وَالْغُسْلَ وَإِزَالَةَ النَّجَسِ عَنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ وَمَكَانٍ وَيُقَدَّرُ مُغَلَّظًا. قَوْلُهُ: (عَوْرَةٍ) لَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (إلَى فِعْلِ إلَخْ) خَرَجَ بِهِ الْقَوْلُ وَسَيَذْكُرُهُ. قَوْلُهُ: (بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ) أَيْ لِغَالِبِ النَّاسِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، أَوْ لِفِعْلِ نَفْسِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ طُولُهُ تَارَةً وَقِصَرُهُ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَرَعَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ قُلْنَا إنَّهَا أَدَاءٌ، وَإِذَا شَرَعَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ فَعَلَى الْجَوَازِ فِي غَيْرِهَا يَجُوزُ فِيهَا قَطْعًا،
ــ
[حاشية عميرة]
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) إنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا مَعَ حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ السَّابِقِ لِصَرَاحَةِ هَذَا دُونَ ذَاكَ فَلْيُتَأَمَّلْ. إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَقَدَّرَ أَدْرَكَهَا لِمَعْنَى (وَجَبَتْ) . قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالِاخْتِيَارُ إلَخْ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِنْ هَذَا التَّعْبِيرِ يُعْلَمُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالْمُخْتَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الرُّجْحَانِ أَيْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَاقِي الْوَقْتِ.
وَقَالَ فِي الْإِقْلِيدِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاخْتِيَارِ جِبْرِيلَ إيَّاهُ، ثُمَّ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَصَنِيعُهُ يُفِيدُك أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ اخْتِيَارٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الْجَدِيدِ إلَخْ) قَالُوا وَذَلِكَ يَسَعُ الْعِشَاءَ لَوْ جَمَعْت مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يَسَعْ بِسَبَبِ الِاشْتِغَالِ بِالْأَسْبَابِ فَلَا جَمْعَ.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ: الْمَجْمُوعَتَانِ فِي مَعْنَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَالْمَغْرِبُ يَجُوزُ مَدُّهَا، وَسَلَفَ لَك مَا فِي مَعْنَاهَا وَنَقْضُهُ بِأَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ مَدُّهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَسَتْرِ عَوْرَةٍ) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَفَادَ الْإِسْنَوِيُّ ﵀ أَنَّ الْحُرَّةَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَطْ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: السُّورَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْفَرْضِ تَكُونُ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ) عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ: وَمَدَّ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ يَقْتَضِي الِاتِّسَاعَ فِيمَا بَعْدَ الشَّفَقِ بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْكِتَابِ، قُلْت: عِبَارَةُ الْكِتَابِ أَحْسَنُ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيبٍ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (عَلَى الْأَصَحِّ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ) هَذَا الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ صُورَتُهُ مَا لَوْ أَخَّرَ غَيْرَ الْمَغْرِبِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا هُوَ الْآتِي وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لِمَا سَتَعْرِفُهُ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَأَيْضًا فَكَلَامُ الرَّوْضَةِ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ، قُلْت: فَمَا حُكْمُ تَأْخِيرِ غَيْرِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ إذَا شَرَعَ فِي وَقْتٍ يَسَعُهَا؟ قُلْت: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ لَمْ يَأْثَمْ قَطْعًا، وَلَا يُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ مِنْ زَوَائِدِهِ عَنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَجْهًا قَائِلًا بِالْإِثْمِ،
стр. 131
الشَّيْخَيْنِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ
، وَقِرَاءَتُهُ لَهَا تَقْرُبُ مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ لِتَدَبُّرِهِ وَمَدِّهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى ذَلِكَ يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِهَا إلَيْهِ، وَعَلَى عَدَمِ امْتِدَادِهِ إلَيْهِ. وَبَنَاهُ قَائِلُ الثَّانِي عَلَى الِامْتِدَادِ فَقَطْ (قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَرَجَّحَهُ طَائِفَةٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: بَلْ هُوَ جَدِيدٌ أَيْضًا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْإِمْلَاءِ، وَهُوَ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِيهَا أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ.
(وَالْعِشَاءُ) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِمَغِيبِ الشَّفَقِ) أَيْ الْأَحْمَرِ الْمُنْصَرِفِ إلَيْهِ الِاسْمُ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ. (وَيَبْقَى إلَى الْفَجْرِ) أَيْ الصَّادِقِ وَسَيَأْتِي لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي امْتِدَادَ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْأُخْرَى مِنْ الْخَمْسِ، أَيْ غَيْرِ الصُّبْحِ لِمَا سَيَأْتِي فِي وَقْتِهَا (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مَحْمُولٌ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَعَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فِيهِ يَجْرِي فِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ كَغَيْرِهَا، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَمَا يَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ، فَقَوْلُهُ وَمَدَّ أَيْ طَوَّلَ حَتَّى اسْتَغْرَقَ وَقْتَ الشَّفَقِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَدَّ الْمَخْصُوصَ لِأَنَّهُ جَائِزٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ قَرُبَ مَغِيبُهُ، فَالْغَايَةُ خَارِجَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ بَعْدُ نَظَرًا لِلْمُرَادِ هُنَا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَبَنَاهُ قَائِلُ الثَّانِي إلَخْ أَنَّهُ خَصَّ التَّطْوِيلَ بِالْمَدِّ الْمَخْصُوصِ، أَيْ وَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ هَذَا صَرِيحُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَلَا يَتَّجِهُ فَهْمُ خِلَافِهِ وَمَا فِي غَالِبِ الشُّرُوحِ وَالْحَوَاشِي مِنْ مُخَالَفَتِهِ يَنْبَغِي، عَدَمُ الْمَيْلِ إلَيْهِ وَعَدَمُ التَّعْوِيلِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (قُلْت الْقَدِيمُ أَظْهَرُ) وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْخَطَّابِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْعِجْلِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَالطَّبَرِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَمَّا اعْتَرَضَ بِهِ الْجَدِيدُ مِنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ بِأَنَّ جِبْرِيلَ إنَّمَا يُبَيِّنُ الْأَوْقَاتَ الْمُخْتَارَةَ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ فِي الْمَغْرِبِ مُسَاوٍ لِوَقْتِ الْفَضِيلَةِ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ الظُّهْرُ لِمَا مَرَّ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ عِنْدَ قَوْمٍ، كَأَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ مَعَ غُرُوبِهِ اُعْتُبِرَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ زَمَنٌ يَغِيبُ فِيهِ شَفَقُ أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِمْ، أَيْ قَدْرُ ذَلِكَ، وَبِمُضِيِّ ذَلِكَ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ، وَيَخْرُجُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَعَ بَقَاءِ شَفَقِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِقَدْرِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ الْجُزْئِيَّةِ إلَى لَيْلِ الْبَلَدِ الْأَقْرَبِ، مِثَالُهُ لَوْ كَانَ الْبَلَدُ الْأَقْرَبُ مَا بَيْنَ غُرُوبِ شَمْسِهِ وَطُلُوعِهَا مِائَةَ دَرَجَةٍ وَشَفَقُهُمْ عِشْرُونَ مِنْهَا فَهُوَ خُمُسُ لَيْلِهِمْ فَخُمُسُ لَيْلِ الْآخَرِينَ هُوَ حِصَّةُ شَفَقِهِمْ، وَهَكَذَا طُلُوعُ فَجْرِهِمْ وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الِاسْتِدْرَاكِ عَلَى عِبَارَتِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَتِهِ وَتَحْرِيرِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَدِيمُ فَلَهَا خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ حَقِيقَةً وَسَبْعَةُ أَوْقَاتٍ اعْتِبَارًا، وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَجَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَهُوَ أَوَّلُهُ بِقَدْرِ وَقْتِ الْجَدِيدِ، وَوَقْتُ جَوَازِ بِكَرَاهَةٍ إلَى أَنْ يَبْقَى مَا يَسَعُهَا عَلَى مَا مَرَّ، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ بَعْدَهُ، وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ، وَلَهَا وَقْتُ عُذْرٍ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَقْتًا آخَرَ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى وَقْتِ الْفَضِيلَةِ مِنْ وَقْتِ الْجَدِيدِ، وَسَمَّاهُ وَقْتَ جَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرُهُ) أَيْ فَلَيْسَ صَرِيحًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ صَرِيحٌ لِأَنَّ نَفْيَ التَّفْرِيطِ يَلْزَمُهُ كَوْنُهَا فِي وَقْتِهَا وَهُوَ مَا قَبْلَ الْأُخْرَى إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ فِي الْحَدِيثِ صَلَاةٌ مَعْهُودَةٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِ لِعُمُومِ الْمُرَادِ مِنْ الدَّلِيلِ قَوْلُهُ (وَالْعِشَاءُ) وَهِيَ لُغَةً أَوَّلُ اللَّيْلِ، وَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ خِلَافًا لِمَنْ قَالَهُ. قَوْلُهُ: (الْمُنْصَرِفِ إلَيْهِ الِاسْمُ) فَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ إمَّا الذِّهْنِيُّ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ، أَوْ الذِّكْرِيُّ هُنَا لِتَقَدُّمِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ) وَالْمَشَقَّةُ تُنَافِي الْوُجُوبَ لَا النَّدْبَ. قَوْلُهُ: (عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) أَيْ الْأَوَّلِ، وَلِلْعِشَاءِ سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةِ أَوَّلِهِ وَاخْتِيَارٍ إلَى آخِرِ
ــ
[حاشية عميرة]
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ ﵀: وَقِيَاسُ هَذَا الْجَزْمِ بِالْجَوَازِ فِي الْمَغْرِبِ؛ انْتَهَى.
قُلْت: لَعَلَّهَا فَارَقَتْ غَيْرَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي عَدَمِ جَوَازِ إخْرَاجِ بَعْضِهَا عَنْ الْوَقْتِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ مُقِرُّ الْأَصَحِّ وَمِنْ ثَمَّ اتَّضَحَ لَك كَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ هُوَ تَأْخِيرُهُ غَيْرَ الْمَغْرِبِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ أَيْ إذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ قُلْنَا فِي الْمَغْرِبِ إذَا خَرَجَ بَعْضُهَا بِالْمَدِّ خِلَافًا لِاخْتِصَاصِهَا عَنْ غَيْرِهَا بِكَوْنِهَا فُعِلَتْ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَلَا يُرَدُّ مَا عَسَاهُ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمَدَّ فِي الْمَغْرِبِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ غَيْرِهَا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَمَدُّهُ) هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (وَالْعِشَاءُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ اسْمٌ لِأَوَّلِ الظَّلَامِ سُمِّيَتْ الصَّلَاةُ بِهِ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِيهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (الْمُنْصَرِفِ إلَيْهِ الِاسْمُ) يُغْنِي هَذَا أَنْ يَقُولَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُلُثِ اللَّيْلِ) يَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ اللَّامِ وَإِسْكَانُهَا وَالنِّصْفُ مُثَلَّثُ النُّونِ
стр. 132
عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ. (وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ) لِحَدِيثِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا الْقَوْلَ، وَكَلَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ.
(وَالصُّبْحُ) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ الْمُنْتَشِرُ ضَوْءُهُ مُعْتَرِضًا بِالْأُفُقِ) أَيْ نَوَاحِي السَّمَاءِ بِخِلَافِ الْكَاذِبِ، وَهُوَ يَطْلُعُ قَبْلَ الصَّادِقِ مُسْتَطِيلًا، ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ (وَيَبْقَى) الْوَقْتُ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» . (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا تُؤَخِّرَ عَنْ الْإِسْفَارِ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ وَقَوْلِهِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ.
(قُلْت: يُكْرَهُ) تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً وَالْعِشَاءِ عَتَمَةً لِلنَّهْيِ عَنْ الْأَوَّلِ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ» وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ هِيَ الْعِشَاءُ، وَعَنْ الثَّانِي فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا إنَّهَا الْعِشَاءُ» وَهُمْ يَعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ بِحِلَابِ الْإِبِلِ.
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ لِكَوْنِهِمْ يَعْتِمُونَ بِحِلَابِ الْإِبِلِ أَيْ يُؤَخِّرُونَهُ إلَى شِدَّةِ الظَّلَامِ. (وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ
ــ
[حاشية قليوبي]
ثُلُثِهِ، وَجَوَازٍ بِلَا كَرَاهِيَةٍ لِلْفَجْرِ الْأَوَّلِ وَبِكَرَاهَةٍ إلَى الْفَجْرِ الثَّانِي، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ وَضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالصُّبْحُ) بِالضَّمِّ وَيَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ، وَهُوَ لُغَةً أَوَّلُ النَّهَارِ، وَيُقَالُ لَهُ الْفَجْرُ، وَتَسْمِيَتُهُ غَدَاةً خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (مُعْتَرِضًا) أَيْ فِي عُرْضِ الْأُفُقِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ فِيمَا بَيْنَ شِمَالِهِ وَجَنُوبِهِ، وَالْمُسْتَطِيلُ الصَّاعِدُ إلَى الْأَعْلَى إلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُهُ بِذَنَبِ السِّرْحَانِ بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ الذِّئْبِ، وَكَوْنُهُ تَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ غَالِبٌ. قَوْلُهُ: (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وَطُلُوعُهَا بِطُلُوعِ جُزْءٍ مِنْهَا بِخِلَافِ غُرُوبِهَا إلْحَاقًا لِلْخَفِيِّ بِالظَّاهِرِ بِخِلَافِهِ فِي الْكُسُوفِ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَدَمُ صَلَاتِهِ غَالِبًا. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ الْإِسْفَارِ) أَيْ إلَيْهِ، فَعَنْ بِمَعْنَى إلَى، فَوَقْتُ الْإِسْفَارِ لَيْسَ مِنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ " فَأَسْفَرَ " أَيْ فَدَخَلَ بَعْدَ الْفَرَاغِ فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ الَّذِي هُوَ وَقْتُ الْجَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ إلَى الِاحْمِرَارِ، ثُمَّ بِكَرَاهَةٍ حَتَّى يَبْقَى مَا يَسَعُهَا، ثُمَّ حُرْمَةٍ، ثُمَّ ضَرُورَةٍ، فَلَهَا سِتَّةُ أَوْقَاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَمَا وَرَدَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ أَوْ خِطَابٌ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا بِهِ. قَوْلُهُ: (تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً) وَلَوْ مَعَ التَّغْلِيبِ أَوْ مَعَ وَصْفِهَا بِالْأَوْلَى كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِي التَّغْلِيبِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْخَطِيبُ. قَوْلُهُ: (وَالْعِشَاءِ عَتَمَةً) أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ خِلَافُ الْأَوْلَى، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَأَصْلُ الْعَتَمَةِ الظُّلْمَةُ قَوْلُهُ: (وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ فِعْلِهَا وَبَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا إلَّا لِغَلَبَةِ نَوْمٍ فَلَا يُكْرَهُ وَإِلَّا لَظَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْوَقْتِ بِالنَّوْمِ، فَيَحْرُمُ وَيَجِبُ إيقَاظُهُ عَلَى مَنْ عَلِمَ
ــ
[حاشية عميرة]
وَيُقَالُ فِيهِ نَصِيفٌ عَلَى وَزْنِ رَغِيفٍ، وَقَالُوا أَيْضًا فِي الْخُمْسِ خَمِيسٌ، وَكَذَا فِي الثُّمْنِ وَالتُّسْعِ وَالْعُشْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرُّبْعِ وَالسُّدْسِ وَالسُّبْعِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ فِي الثُّلْثِ شَيْئًا، انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدَّمَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْقَوْلِ بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ حَدِيثَهُ ثَابِتٌ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: لِأَنَّهُ تَضَافَرَ عَلَيْهِ خَبَرُ جِبْرِيلَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَخَبَرِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَهَا وَقْتُ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالصُّبْحُ بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ) أَيْ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا هَذَا الْعَارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتَّى يَسْتَطِيرَ» وَالصُّبْحُ بِالضَّمِّ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَفِيهِ لُغَةٌ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ أَوَّلُ النَّهَارِ سُمِّيَتْ بِهِ هَذِهِ الصَّلَاةُ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (مُسْتَطِيلًا) هَذَا تُشَبِّهُهُ الْعَرَبُ بِذَنَبِ الذِّئْبِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِطَالَةُ، وَكَوْنُ النُّورِ فِي أَعْلَاهُ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ) قَدَّمَ هَذَا عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ مِنْهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَنْ الْإِسْفَارِ) أَيْ الْإِضَاءَةِ، يُقَالُ: سَفَرَ الصُّبْحُ وَأَسْفَرَ، وَيَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ عَنْ بِمَعْنَى إلَى لِتَوَافُقِ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ يُرَادُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْإِسْفَارِ فَإِنَّهَا إذَا وَقَعَتْ فِيهِ صَدَقَ أَنَّهَا أُخِّرَتْ عَنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ لَكِنَّ هَذَا الْخَبَرَ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَارَنَةَ آخِرِهَا لِلْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الِاخْتِيَارِ، فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بَلْ مُتَعَيِّنٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت يُكْرَهُ إلَخْ) أَيْ وَمَا وَرَدَ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَهُوَ خِطَابٌ مَعَ مَنْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْحَالُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَتَمَةٌ) هِيَ فِي اللُّغَةِ شِدَّةُ الظُّلْمَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: سِيَاقُ كَلَامِهِمْ يُشْعِرُ بِتَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا يَعْرِضُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَبْلَ الْفِعْلِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ أَيْضًا قَبْلَهُ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ يَعْنِي
стр. 133
الْعِشَاءِ (وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْرَهُهُمَا، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ. (إلَّا فِي خَيْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَمُذَاكَرَةِ الْفِقْهِ وَإِينَاسِ الضَّيْفِ، وَلَا يُكْرَهُ الْحَدِيثُ لِحَاجَةٍ.
(وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَفْظُ الصَّحِيحَيْنِ لِوَقْتِهَا، فَيَشْتَغِلُ أَوَّلَ الْوَقْتِ بِأَسْبَابِهَا كَالطَّهَارَةِ وَالسَّتْرِ وَنَحْوِهِمَا إلَى أَنْ يَفْعَلَهَا، وَسَوَاءٌ الْعِشَاءُ وَغَيْرُهَا (وَفِي قَوْلٍ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ) أَيْ مَا لَمْ يُجَاوِزْ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ، وَجَوَابُهُ مَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ تَقْدِيمَهَا هُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ .
(وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) إلَى أَنْ يَصِيرَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ
ــ
[حاشية قليوبي]
بِهِ فِي هَذِهِ وَيُنْدَبُ فِي غَيْرِهَا، أَمَّا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَخِلَافُ الْأُولَى وَإِنْ عُلِمَ اسْتِغْرَاقُ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِهِ بِالنَّوْمِ وَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُكْرَهُ وَيَجْرِي مَا ذَكَرَ فِي غَيْرِ الْعِشَاءِ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ جُمُعَةً، فَلَا يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِنْ لَزِمَ فَوَاتُهَا بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ فِعْلِهَا فِي وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الصُّبْحِ بِالنَّوْمِ بَعْدَ الْحَدِيثِ، وَلَا يُكْرَهُ بَعْدَ فِعْلِهَا مَجْمُوعَةً مَعَ الْمَغْرِبِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مَا يَسَعُهَا مِنْ وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ بِخِلَافِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بَعْدَ فِعْلِ الْعَصْرِ مَجْمُوعَةً مَعَ الظُّهْرِ لِتَعَلُّقِ الْكَرَاهَةِ فِيهِ بِالْفِعْلِ وَالْكَلَامِ فِي حَدِيثٍ مُبَاحٍ، فَغَيْرُهُ أَشَدُّ كَرَاهَةً أَوْ حُرْمَةً هُنَا. قَوْلُهُ: (وَإِينَاسِ الضَّيْفِ) غَيْرِ نَحْوِ الْفَاسِقِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ كَرَاهَةِ النَّوْمِ وَالْحَدِيثِ يَجْرِي فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ الْعِشَاءُ بِذِكْرِهِمَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ النَّوْمِ أَصَالَةً، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ الْحَدِيثُ قَبْلَ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْوَقْتَ بَاعِثٌ عَلَى تَرْكِهِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ فِيهِ.
(فُرُوعٌ) يُنْدَبُ إيقَاظُ مَنْ نَامَ أَمَامَ الْمُصَلِّينَ أَوْ فِي الْمِحْرَابِ أَوْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ أَوْ عَلَى سَطْحٍ لَا حَاجِزَ لَهُ أَوْ فِي عَرَفَةَ وَقْتَ الْوُقُوفِ أَوْ وَفِي يَدِهِ رِيحٌ غَمِرَ بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ زَفَرٌ كَنَحْوِ لَحْمٍ، أَوْ نَامَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَإِنْ صَلَّاهَا لِأَنَّ الْأَرْضَ تَعِجُّ أَيْ تَصِيحُ مُشْتَكِيَةً إلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ نَامَ مُسْتَلْقِيًا وَهُوَ أُنْثَى أَوْ مُنْكَبًّا وَهُوَ ذَكَرٌ، لِأَنَّهَا نَوْمَةٌ يَبْغُضُهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلِصَلَاةِ لَيْلٍ، وَنَحْوِ تَسَحُّرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ) بِإِيقَاعِ جَمِيعِهَا فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ، وَلَا يَكْفِي الْإِحْرَامُ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ يُطْلَبُ التَّأْخِيرُ كَمَا يَأْتِي.
(فَرْعٌ) يُنْدَبُ التَّعْجِيلُ فِي النَّفْلِ ذِي الْوَقْتِ أَوْ السَّبَبِ أَيْضًا، وَرُبَّمَا شَمَلَهُمَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِمَا) كَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَكَلَامٍ قَصِيرٍ وَشُغْلٍ كَذَلِكَ وَطَلَبِ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ وَتَفْرِيغِ حَدَثٍ وَفِعْلٍ رَاتِبٍ وَأَكْلِ لُقَمٍ لِسَدِّ رَمَقٍ وَتَحَقُّقِ وَقْتٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ لِغَالِبِ النَّاسِ، وَهَذَا مِقْدَارُ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ سَوَاءٌ احْتَاجَ فِيهِ لِمَا ذُكِرَ أَوْ لَا، لَكِنَّ الْمُبَادَرَةَ فِيهِ أَفْضَلُ. قَوْلُهُ: (كَانَ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مِنْ إخْبَارِهِ
إنَّمَا هُوَ مِنْ إخْبَارِ الرَّاوِي بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ مِنْ تَأْخِيرِهِ ﷺ لِفِعْلِهَا أَحْيَانًا بَيَانًا لِلْجَوَازِ الَّذِي رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عِظَمِهَا مَنْعُهُ، وَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّعْجِيلِ، وَبِهِ يَرُدُّ أَيْضًا دَعْوَى قُوَّةِ دَلِيلِ التَّأْخِيرِ الْمُسْتَنِدِ إلَى أَنْ كَانَ مَعَ الْمُضَارِعِ تُفِيدُ الدَّوَامَ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَنْزِلُ مَا فِي الْمَنْهَجِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ) أَيْ تَأْخِيرُهُ لِوَقْتِ الْبَرْدِ طَلَبًا لِلْخُشُوعِ أَوْ كَمَالِهِ الْفَائِتَ بِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا طُلِبَ فِيهِ التَّأْخِيرُ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، وَضَابِطُهَا اشْتِمَالُ التَّأْخِيرِ عَلَى كَمَالٍ خَلَا عَنْهُ التَّقْدِيمُ، كَقُدْرَةٍ عَلَى قِيَامٍ
ــ
[حاشية عميرة]
خَوْفَ اسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ بِالنَّوْمِ، وَقَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إطْلَاقُهُ يَشْمَلُ مَا لَوْ جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ، قَالَ: فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فَهَلْ تَكُونُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ أَمْ بِمُضِيِّ قَدْرِ زَمَنِ الْفِعْلِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، قَالَ: وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ سَوَاءٌ أَصَلَّى السُّنَّةَ أَمْ لَا.
[وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ) قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَطَوَّلَ حَتَّى بَلَغَ آخِرَ الْوَقْتِ ثُمَّ سَلَّمَ فِي الْوَقْتِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحْسَنًا، وَخَالَفَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ، فَقَالَ: إنَّ الْمَدَّ إلَى خُرُوجِ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ خِلَافَ الْأَفْضَلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ إلَخْ) الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْحَرَكَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْمَشَقَّةِ السَّالِبَةِ لِلْخُشُوعِ.
стр. 134
«أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» أَيْ هَيَجَانِهَا.
وَفِي اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالْجُمُعَةِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُبْرِدُ بِالْجُمُعَةِ، وَأَصَحُّهُمَا لَا لِشِدَّةِ الْخَطَرِ فِي فَوَاتِهَا الْمُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِهَا بِالتَّكَاسُلِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ . (وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍّ وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ) وَلَا ظِلَّ فِي طَرِيقِهِمْ إلَيْهِ، فَلَا يُسَنُّ فِي بَلَدٍ مُعْتَدِلٍ، وَلَا لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا، وَلَا لِجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ لَا يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ، وَلَا لِمَنْ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ قَرِيبَةً مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا لِمَنْ يَمْشُونَ إلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ فِي ظِلٍّ. وَالثَّانِي لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ فَيُسَنُّ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ. وَذِكْرُ الْمَسْجِدِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَمِثْلُهُ الرِّبَاطُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَمْكِنَةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ) وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ) فِي الْوَقْتِ (رَكْعَةٌ) فَأَكْثَرَ (فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ إلَّا) بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ رَكْعَةٍ (فَقَضَاءٌ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» أَيْ مُؤَدَّاةً، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً لَا يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مُؤَدَّاةً. وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّكْعَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى مُعْظَمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إذْ مُعْظَمُ الْبَاقِي كَالتَّكْرِيرِ لَهَا، فَجَعَلَ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ تَابِعًا لَهَا بِخِلَافِ مَا دُونَهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْجَمِيعَ أَدَاءٌ مُطْلَقًا تَبَعًا لِمَا فِي الْوَقْتِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَضَاءٌ مُطْلَقًا تَبَعًا لِمَا بَعْدَ الْوَقْتِ. وَالرَّابِعُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ وَهُوَ التَّحْقِيقُ وَعَلَى الْقَضَاءِ
ــ
[حاشية قليوبي]
أَوْ سُتْرَةٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ بُلُوغِ صَبِيٍّ، أَوْ انْقِطَاعِ حَدَثٍ، أَوْ نُزُولِ مُسَافِرٍ، أَوْ إيقَاعِهَا فِي مَسْجِدٍ وَلَوْ فُرَادَى، أَوْ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ، أَوْ رَمْيِ جِمَارٍ، أَوْ إنْقَاذِ غَرِيقٍ، وَخَرَجَ بِالظُّهْرِ أَذَانُهَا فَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِهِ إلَّا لِقَوْمٍ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ سَمَاعِهِ، وَخَرَجَ بِهَا أَيْضًا الْجُمُعَةُ كَمَا مَرَّ، وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ. قَوْلُهُ: (فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) خَرَجَ بِهِ الِاعْتِدَالُ وَشِدَّةُ الْبَرْدِ لِمَا سَيَأْتِي، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ يَصِيرَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ إلَخْ) وَغَايَتُهُ إلَى نِصْفِ الْوَقْتِ، وَبِمَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ الْإِبْرَادُ فِي أَيَّامِ الدَّجَّالِ قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا لَا) أَيْ لَا يُطْلَبُ الْإِبْرَادُ فِي الْجُمُعَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (بِبَلَدٍ حَارٍّ) مُعْتَدِلٍ كَمِصْرِ وَلَا بَارِدٍ كَالشَّامِ، وَمَحَلُّ اعْتِبَارِ الْبُلْدَانِ خَالَفَتْ وَضْعَ الْقُطْرِ وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِالْقُطْرِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ فِي الْمَاءِ الْمُشْمِسِ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا حَرَارَةُ الزَّمَنِ. قَوْلُهُ: (وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ) سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا. قَوْلُهُ: (يَقْصِدُونَهُ) أَيْ يَأْتُونَ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ بُعْدٍ) أَيْ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُمْ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً لِغَالِبِ النَّاسِ وَقِيلَ لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ، وَالْمَشَقَّةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا مَا تُذْهِبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا) وَكَذَا جَمَاعَةٌ. قَوْلُهُ: (وَلَا لِجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ لَا يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ) فَإِنْ كَانَ يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُسَنُّ لَهُ الْإِبْرَادُ سُنَّ لِهَؤُلَاءِ الْإِبْرَادُ لِأَجْلِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ يَسَعُ جَمِيعَ فَرَائِضِهَا لَيْسَ حَرَامًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَهُ الْمَدُّ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَنْدُوبَاتِهَا كَتَطْوِيلِ قِرَاءَتِهَا وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهَا أَوْ كُلُّهَا عَنْ الْوَقْتِ، وَفَارَقَ تَرْكَ تَثْلِيثِ الْوُضُوءِ مَثَلًا لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ، وَتَأْخِيرَ النَّفْلِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ، ثُمَّ إنْ وَقَعَ مِنْهَا رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ فِي الْوَقْتِ فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ وَإِلَّا فَقَضَاءٌ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُ مَا ذُكِرَ لَيْسَ حَرَامًا أَيْضًا إنْ كَانَ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرٍ وَيَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَحَرَامٌ قَطْعًا، وَلَيْسَ لَهُ الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ مِنْ مَنْدُوبَاتِهَا، ثُمَّ إنْ وَقَعَ مِنْهَا رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ فِي الْوَقْتِ فَأَدَاءٌ أَيْضًا، وَإِلَّا فَقَضَاءٌ مَعَ الْإِثْمِ فِيهِمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ تَخْصِيصُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِهَذِهِ مَعَ شُمُولِهَا لِغَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ، وَلَعَلَّهُ لِتَرَتُّبِ الْحُرْمَةِ عَلَى الْخِلَافِ وَشَمَلَتْ الصَّلَاةُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَدَخَلَ فِيهَا الْجُمُعَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ تَسْمِيَتُهَا أَدَاءً وَقَضَاءً وَإِنْ فَاتَ كَوْنُهَا جُمُعَةً، وَإِنْ حَرُمَ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ) أَيْ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَوْ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ.
ــ
[حاشية عميرة]
تَنْبِيهٌ) لَا تَجُوزُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ مَعَ ظَنِّ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ، وَلَا نِيَّةُ الْأَدَاءِ مَعَ ظَنِّ عَدَمِ ذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ فِي صَلَاتِهِ تَبَيُّنُ خِلَافِ مَا نَوَاهُ.
قَوْلُهُ: (إنَّ الرَّكْعَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى مُعْظَمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ) أَيْ وَأَقْوَالِهَا، أَوْ أَرَادَ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُهَا تَغْلِيبًا، أَوْ لِأَنَّهَا فِعْلُ اللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: (كَالتَّكْرِيرِ لَهَا) أَشَارَ بِالْكَافِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ تَكْرَارًا حَقِيقَةً لِاعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ وَلِزِيَادَتِهِ بِالتَّشَهُّدِ وَمَا مَعَهُ. قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْقَضَاءِ)
стр. 135
يَأْثَمُ الْمُصَلِّي بِالتَّأْخِيرِ إلَى ذَلِكَ وَكَذَا عَلَى الْأَدَاءِ نَظَرًا لِلتَّحْقِيقِ، وَقِيلَ لَا نَظَرًا إلَى الظَّاهِرِ لِمُسْتَنِدٍ إلَى الْحَدِيثِ.
(وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ) لِغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَخِيَاطَةٍ وَقِيلَ إنْ قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ إلَى الْيَقِينِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، فَقَوْلُهُ: اجْتَهَدَ، أَيْ جَوَازًا إنْ قَدَرَ وَوُجُوبًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ، وَسَوَاءٌ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى (فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلَاتَهُ) بِالِاجْتِهَادِ (قَبْلَ الْوَقْتِ) وَعَلِمَ بَعْدَهُ (قَضَى فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي لَا اعْتِبَارًا بِظَنِّهِ، فَإِنْ عَلِمَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ أَيْ
ــ
[حاشية قليوبي]
إلَخْ قِيلَ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ. قَوْلُهُ: (نَظَرًا إلَى الظَّاهِرِ الْمُسْتَنِدِ إلَى الْحَدِيثِ) لِأَنَّ لَفْظَ الْإِدْرَاكِ فِيهِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ كَمَنْ أَدْرَكَ جَمِيعَهَا فِي الْوَقْتِ وَهُوَ لَا إثْمَ فِيهِ، وَهَذَا مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ) أَيْ جَهِلَ دُخُولَهُ لِعَدَمِ ظَنِّهِ، فَخَرَجَ مِنْ أَخْبَرَهُ بِهِ عَدْلُ رِوَايَةٍ عَنْ عِلْمٍ، أَوْ سَمِعَ أَذَانَهُ فِي الصَّحْرَاءِ، أَوْ أَذَّنَ مَأْذُونُهُ وَلَوْ صَبِيًّا مَأْمُونًا فِي ذَلِكَ، أَوْ رَأَى مِزْوَلَةً وَضَعَهَا عَارِفٌ ثِقَةٌ أَوْ أَقَرَّهَا لِأَنَّهَا كَالْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ وَمِثْلُهَا مِنْكَابٌ مُجَرَّبٌ، وَأَقْوَى مِنْهُمَا بَيْتُ الْإِبْرَةِ الْمَعْرُوفُ لِعَارِفٍ بِهِ. قَوْلُهُ: (بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ) لَفْظُ نَحْوِهِ قِيلَ مُسْتَدْرَكٌ لِأَنَّ مَا دَخَلَ تَحْتَهُ مِنْ الْوَرْدِ وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُشِيرُ إلَى رَدِّهِ لِأَنَّ الْوِرْدَ مَا كَانَ بِنَحْوِ ذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ وَنَحْوُهُ مَا كَانَ بِنَحْوِ صِنَاعَةٍ، وَمِنْهُ سَمَاعُ صَوْتِ دِيكٍ مُجَرَّبٍ، وَسَمَاعُ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ عَدَالَتُهُ أَوْ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَذَانَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ عِلْمٍ وَسَمَاعِ أَذَانِ ثِقَةٍ عَارِفٍ فِي الْغَيْمِ لَكِنَّ لَهُ فِي هَذِهِ تَقْلِيدَهُ، وَخَرَجَ بِالثِّقَةِ الْمَذْكُورِ الْفَاسِقُ وَمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ وَلَوْ مَسْتُورَهَا، وَالصَّبِيُّ وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا عَارِفًا وَفِي صَحْوٍ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَالْهَرَوِيِّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الصَّبِيِّ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ كَرُؤْيَةِ النَّجَاسَةِ وَدَلَالَةِ الْأَعْمَى عَلَى الْقِبْلَةِ وَخُلُوِّ الْمَوْضِعِ عَنْ الْمَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ وَغُرُوبِهِمَا لَا فِيمَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ كَالْإِفْتَاءِ لَمْ يَعْتَمِدْهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (جَوَازًا إلَخْ) هُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْمِيَاهِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الِاجْتِهَادِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ مَعَ الْعَجْزِ، وَمَتَى وَقَعَ كَانَ وَاجِبًا، وَالْقُدْرَةُ تَعُمُّ مَا كَانَ بِالصَّبْرِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَمَا كَانَ بِغَيْرِهِ كَوُجُودِ مُخْبِرٍ عَنْ عِلْمٍ عِنْدَهُ، أَوْ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ، وَتَمَكَّنَ مِنْ سُؤَالِهِ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، وَفَارَقَ مَنْعَ الِاجْتِهَادِ وَوُجُوبَ السُّؤَالِ فِي مِثْلِهِ فِي الْقِبْلَةِ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ، وَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ لَهُ وَلَوْ لِأَعْمَى أَقْوَى إدْرَاكًا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاجْتِهَادِ كَالْبَصِيرِ الْعَاجِزِ لِعَجْزِ الْبَصِيرِ حَقِيقَةً، وَالْأَعْمَى فِي الْجُمْلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَعْمَى الْعَاجِزِ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ الْبَصِيرِ الْقَادِرِ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ، وَمُقْتَضَى مَا بَعْدُ عَنْ النَّوَوِيِّ جَوَازُهُ لَهُ كَمَا مَرَّ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا عَاجِزَيْنِ وَجَبَ التَّقْلِيدُ أَوْ قَادِرَيْنِ تَخَيَّرَا بَيْنَ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ وَالِاجْتِهَادِ، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ مَنْعِ تَقْلِيدِ الْقَادِرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ لِمُجْتَهِدٍ لِلْمَشَقَّةِ هُنَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَنْعَ تَقْلِيدِ الْأَعْمَى لِغَيْرِهِ فِي الْأَوَانِي مَا لَمْ يَتَحَيَّرْ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ شَيْخُنَا: مَعْنَى الِاجْتِهَادِ بِالْوِرْدِ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْوَرْدِ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الْوِرْدَ سَبَبٌ لِلِاجْتِهَادِ تَأَمَّلْ، وَلِلْمُنَجِّمِ الْعَمَلُ بِحِسَابِهِ وُجُوبًا كَمَا فِي الصَّوْمِ وَقِيَاسُهُ أَنَّ مَنْ صَدَّقَهُ مِثْلُهُ، وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ إنَّهُ كَالْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ أَيْ بَعْدَ إخْبَارِهِ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاجْتِهَادُ حِينَئِذٍ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَيَقَّنَ) أَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّ صَلَاتَهُ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ سَوَاءٌ عَلِمَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: وَعَلِمَ بَعْدَهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ وَلِتَسْمِيَتِهَا قَضَاءً.
(فَرْعٌ) يَجِبُ قَضَاءٌ عَلَى مَنْ جَهِلَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُذْرًا فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا.
ــ
[حاشية عميرة]
تَنْبِيهٌ) مُحَصِّلُ مَا فِي الْإِسْنَوِيِّ أَنَّ أَذَانَ الظُّهْرِ كَصَلَاتِهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالرَّابِعُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا يَنْوِي الْأَدَاءَ فَقَطْ نَظَرًا إلَى الِافْتِتَاحِ، قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَعَلَى الْقَضَاءِ يَأْثَمُ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَعَلَى هَذَا الْقَضَاءُ وَمَرْجِعُ الْإِشَارَةِ التَّحْقِيقُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ) لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ عَنْ عِيَانٍ كَرُؤْيَةِ الْفَجْرِ طَالِعًا امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ، وَمِنْهُ أَذَانُ الْمُؤَذِّنِ فِي الصَّحْوِ إذَا كَانَ ثِقَةً عَارِفًا، وَأَمَّا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَقَدْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ اعْتِمَادَهُ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لِأَنَّهُ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الدِّيكِ، انْتَهَى. قُلْت ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ.
(فَرْعٌ) لَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ أَعَادَ، وَلَوْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ وَتَبَيَّنَ وُقُوعَهَا فِيهِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَضَى فِي الْأَظْهَرِ) اعْلَمْ أَنَّ لَنَا خِلَافًا فِيمَا لَوْ تَبَيَّنَ وُقُوعَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ أَهِيَ تَقَعُ قَضَاءً أَمْ أَدَاءً؟ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَالْأَظْهَرُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَضَاءِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ
стр. 136
بِلَا خِلَافٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْوَقْتِ بِأَنْ تَيَقَّنَهَا فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ (فَلَا) يَقْضِي (وَيُبَادِرُ بِالْفَائِتِ) وُجُوبًا إنْ فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَنَدْبًا إنْ فَاتَ بِعُذْرٍ كَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ مُسَارَعَةً إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
(وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ) كَأَنْ يَقْضِيَ الصُّبْحَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالظُّهْرَ قَبْلَ الْعَصْرِ. (وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا) مُحَاكَاةً لِلْأَدَاءِ فَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا بَدَأَ بِهَا وُجُوبًا لِئَلَّا تَصِيرَ فَائِتَةً.
ــ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ) بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ أَيْ ظَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ. نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَجَبَ قَضَاؤُهَا كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ صَلَّى، أَوْ لَا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَهُ هَلْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ لَا، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ التَّنَاقُضِ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ شَكَّ فِي الْفِعْلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَالثَّانِي شَكَّ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا، وَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي أَيِّ الصُّورَتَيْنِ هُمَا فَتَأَمَّلْ، وَلَوْ قَضَى صَلَاةً شَكَّ فِيهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ مَا قَبْلَهُ وَيَجِبُ قَضَاؤُهَا وَفِيهِ بَحْثٌ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ الْحَالُ لَمْ يُعَاقَبْ فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا شَكَّ فِي مِقْدَارِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ قَضَى مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ فِعْلَهُ قَالَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَأَتْبَاعِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَقْضِي مَا تَيَقَّنَ تَرْكَهُ فَقَطْ عَلَى الْأَصَحِّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي تَارَةً وَيَتْرُكُ أُخْرَى وَلَا يُعِيدُ فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ نَادِرًا فَهُوَ كَمُقَابِلِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَقْضِي) وَإِنْ وَصَلَ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاتِهِ إلَى بَلَدٍ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا فِي كَمُخَالَفَةِ مَطْلَعِهِ كَمَنْ أَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ مَجْمُوعَةٍ مَقْصُورَةٍ، قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا قَالُوهُ فِي الصَّوْمِ إنَّ لَهُ حُكْمَ الْبَلَدِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا يَشْمَلُ الْإِعَادَةَ لِيَدْخُلَ مَا لَوْ تَيَقَّنَ فِي الْوَقْتِ أَنَّهَا وَقَعَتْ قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (كَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ) هُمَا مِثَالَانِ لِلْعُذْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا لِغَيْرِهِ بِأَنْ حَصَلَا عَنْ نَحْوِ لَهْوٍ كَلَعِبِ شِطْرَنْجٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ) أَيْ وَالْبُدَاءَةُ بِأَوَّلِ مَا فَاتَهُ، وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ سَبَقَ مَا فَاتَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ أَوْلَى، بَلْ.
قَالَ شَيْخُنَا إنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ إذَا شَرَعَ فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ أَفْسَدَ صَلَاةً عَمْدًا لَمْ يَجِبْ فِعْلُهَا فَوْرًا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: يَجِبُ فِعْلُهَا فَوْرًا، وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ بِالْفَوْرِيَّةِ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ التَّنَاقُضُ الْمَذْكُورُ، وَاللَّامُ فِي حَدِيثِ فَلْيُصَلِّهَا لِلْأَمْرِ، وَصَرَفَهُ عَنْ وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ حَدِيثُ الْوَادِي، وَقَدْ يُنَازَعُ فِيهِ بِأَنَّ التَّأْخِيرَ فِي حَدِيثِ الْوَادِي لِكَوْنِهِ كَانَ بِهِ شَيْطَانٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، فَتَأْخِيرُهُ لِيُفَارِقَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْفَوْرِيَّةِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (لِئَلَّا تَصِيرَ فَائِتَةً) يُفِيدُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْفَائِتَ حَيْثُ كَانَ يُدْرِكُ مِنْ الْحَاضِرَةِ رَكْعَةً فِي وَقْتِهَا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكِفَايَةِ،
ــ
[حاشية عميرة]
الْقَضَاءَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ، وَمُقَابِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَدَاءِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ وَلَا تَضُرُّ نِيَّةُ الْأَدَاءِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (إنْ فَاتَ بِعُذْرٍ) حَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنْ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ لَا يَقْضِي عَمَلًا بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا» إلَخْ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَحِكْمَتُهُ التَّغْلِيظُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ، وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ فِي الْإِقْلِيدِ، وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ تَارِكَ الْأَبْعَاضِ عَمْدًا لَا يَسْجُدُ عَلَى وَجْهٍ مَعَ أَنَّهُ أَحْوَجُ إلَى الْجَبْرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْمُتَوَلِّيَ وَالرُّويَانِيَّ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ صَارَتْ قَضَاءً وَإِنْ أَوْقَعَهَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَا يَجُوزُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَحِينَئِذٍ فَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أَوْجَبْنَا الْفَوْرَ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ فَفِي جَوَازِ إخْرَاجِهَا عَنْ الْوَقْتِ الْأَصْلِيِّ نَظَرٌ، وَيُتَّجَهُ الْمَنْعُ، انْتَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ) أَيْ وَلَا يَجِبُ وَإِنْ كَانَ الْوَارِدُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ هُوَ التَّرْتِيبُ فِي قَضَائِهِ ﷺ قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلِأَنَّ الْعَمَلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عِنْدَنَا عَلَى سِوَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَوْ فَاتَهُ الظُّهْرُ بِعُذْرٍ وَالْعَصْرُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَالظَّاهِرُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا وَيَحْتَمِلُ خِلَافُهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا) صَادِقٌ بِمَا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْهَا فِي الْوَقْتِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَبَّرَ فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ بِالِاتِّسَاعِ وَالضِّيقِ لَا بِالْفَوَاتِ وَعَدَمِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُرَاعَى التَّرْتِيبُ، وَلَوْ فَاتَتْ الْجَمَاعَةُ قَالَ فَيُصَلِّي أَوَّلًا الْفَائِتَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ فِي الْحَاضِرَةِ صَلَّاهَا وَإِلَّا صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا، وَمِثْلُهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَنَقَلَ عَنْ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْحَاضِرَةِ.
(فَرْعٌ) لَوْ شَرَعَ فِي الْفَائِتَةِ ثُمَّ خَافَ ضِيقَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا، وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَمْ
стр. 137
(وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لِلنَّهْيِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ.
(وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ وَ) بَعْدَ (الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِلنَّهْيِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الرُّمْحِ وَهُوَ تَقْرِيبٌ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ: وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ، وَعِنْدَ الِاصْفِرَارِ حَتَّى تَغْرُبَ، أَيْ لِلنَّهْيِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرُّمْحِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ مَعَ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ ذِكْرَهُ أَجْوَدُ رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ، فَإِنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ أَيْ لِمَنْ صَلَّى مِنْ حِينِ صَلَاتِهِ، وَلِمَنْ لَمْ يُصَلِّ مِنْ الطُّلُوعِ وَالِاصْفِرَارِ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رُبَّمَا انْقَسَمَ الْوَقْتُ الْوَاحِدُ إلَى مُتَعَلِّقٍ بِالْفِعْلِ وَإِلَى مُتَعَلِّقٍ بِالزَّمَانِ (إلَّا) صَلَاةً (لِسَبَبٍ كَفَائِتَةٍ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ صَلَاةِ جِنَازَةٍ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (وَ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ وَتَحِيَّةٍ) لِلْمَسْجِدِ (وَسَجْدَةِ شُكْرٍ) أَوْ تِلَاوَةٍ، فَلَا تُكْرَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّهُ ﷺ فَاتَهُ رَكْعَتَا سُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي بَعْدَهُ فَقَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَقِيسَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ وَالْوَقْتِ، وَحُمِلَ النَّهْيُ عَلَى صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا، وَهِيَ النَّافِلَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَكَرَاهَتُهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي النَّهْيِ، وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا لَمْ تَنْعَقِدْ كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَقِيلَ تَنْعَقِدُ كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ وَأُدْرِجَتْ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ لِشَبَهِهَا بِهَا فِي الشُّرُوطِ وَالْأَحْكَامِ،
ــ
[حاشية قليوبي]
وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَمُقْتَضَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ جَمِيعِهَا فِيهِ، وَاعْتَمَدَهُ الطَّبَلَاوِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ، وَخَرَجَ بِفَوْتِهَا فَوْتُ جَمَاعَتِهَا وَلَوْ جُمُعَةً لَمْ يُدْرِكْ غَيْرَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِذَا رَأَى إمَامًا فِي حَاضِرَةٍ وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ فَالْأَفْضَلُ فِعْلُ الْفَائِتَةِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْحَاضِرَةِ شَيْئًا فَعَلَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا خَلْفَ الْحَاضِرَةِ أَوْ يُحْرِمَ بِالْحَاضِرَةِ مَعَ الْإِمَامِ، لَكِنْ فِي الْأَوَّلِ اقْتَدَى فِي مَقْضِيَّةٍ خَلْفَ مُؤَدَّاةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَدَمُ التَّرْتِيبِ، وَفِيهِمَا خِلَافٌ، وَلَوْ شَرَعَ فِي حَاضِرَةٍ فَتَذَكَّرَ فِيهِمَا فَائِتَةً أَتَمَّهَا وُجُوبًا، وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَكَانَتْ الْفَائِتَةُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَوْ شَرَعَ فِي حَاضِرَةٍ مُنْفَرِدًا فَرَأَى جَمَاعَةً فَلَهُ قَلْبُهَا نَفْلًا، وَيَقْتَصِرُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ جَاوَزَهُمَا وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ شَرَعَ فِي فَائِتَةٍ مُعْتَقِدًا سَعَةَ الْوَقْتِ فَبَانَ ضِيقُهُ عَنْ جَمِيعِ الْحَاضِرَةِ وَجَبَ قَطْعُهَا، وَلَا يَجُوزُ قَلْبُهَا نَفْلًا وَإِنْ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ فِي التَّشَهُّدِ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ وَلَوْ بِالسَّلَامِ يُفَوِّتُ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ وَهُوَ حَرَامٌ.
قَالَهُ شَيْخُنَا، وَاعْتَمَدَهُ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ جَوَازُ قَلْبِهَا نَفْلًا، وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ) وَلَوْ تَقْدِيرًا كَمَا فِي أَيَّامِ الدَّجَّالِ، أَيْ لَوْ صَادَفَهُ التَّحَرُّمَ لَمْ تَنْعَقِدْ لِأَنَّهُ وَقْتٌ ضَيِّقٌ. قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الصُّبْحِ) أَيْ الْمُؤَدَّاةِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ الْقَضَاءِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْعَصْرِ. قَوْلُهُ: (كَرُمْحٍ) وَهُوَ قَدْرُ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ تَقْرِيبًا وَإِلَّا فَالْمَسَافَةُ طَوِيلَةٌ لِأَنَّ الْفَلَكَ الْأَعْظَمَ يَتَحَرَّكُ فِي قَدْرِ النُّطْقِ بِحَرْفٍ مُحَرَّكٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا كَمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الْعَصْرِ) وَلَوْ مَجْمُوعَةً تَقْدِيمًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهِ) أَيْ كَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ، وَهَذَا مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَإِنْ خَالَفَهُ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: (إنَّ ذِكْرَهُ أَجْوَدُ) لِأَنَّ مِنْ الطُّلُوعِ إلَى الِارْتِفَاعِ وَمِنْ الِاصْفِرَارِ إلَى الْغُرُوبِ مُتَعَلِّقٌ بِالزَّمَنِ سَوَاءٌ صَلَّى الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: (فَقَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ) أَيْ وَدَاوَمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا قَالُوا لِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ شَيْئًا دَاوَمَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعُوا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ حَضَرَتْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ قَبْلَهُمَا وَلَمْ يَتَحَرَّ فَاعِلُهَا تَأْخِيرَهَا لِأَجْلِ صَلَاتِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا الْوَاقِعُ الْآنَ مِنْ قَصْدِ تَأْخِيرِهَا لِأَجْلِ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يَضُرُّ. قَوْلُهُ: (وَقِيسَ غَيْرُ ذَلِكَ إلَخْ) أَيْ وَقِيسَ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمَقْضِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِفِعْلِهِ ﷺ وَعَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ الثَّابِتَةِ بِالْإِجْمَاعِ غَيْرُهُمَا مِنْ نَحْوِ التَّحِيَّةِ وَمَا مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (لَا سَبَبَ لَهَا) أَيْ أَصْلًا كَالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَحَرِّيهَا، وَإِنْ نَسِيَ الْوَقْتَ وَأَلْحَقَ بِهَا مَا لَهَا سَبَبٌ مُتَأَخِّرٌ، وَسَيَذْكُرُهُ كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِخَارَةِ. قَوْلُهُ: (كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا) أَيْ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ أَخْذًا مِمَّا
ــ
[حاشية عميرة]
يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا، فَلَوْ قَضَاهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ، أَقُولُ: فَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ حَتَّى مَاتَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ كَالْوُضُوءِ احْتِيَاطًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالِاسْتِثْنَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد) فِيهِ أَيْضًا أَنَّ جَهَنَّمَ لَا تُسْجَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَإِنَّهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (لَمْ تَنْعَقِدْ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَتَنَاوَلُ جُزْئِيَّاتِهِ الْمَكْرُوهَةَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَعَلُّقَ الصَّلَاةِ بِالْوَقْتِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْمَكَانِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ دُونَ أَمْكِنَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَأَيْضًا فَالنَّهْيُ فِي الْوَقْتِ رَاجِعٌ
стр. 138
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا: لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ فَوَجْهَانِ أَقْيَسُهُمَا الْكَرَاهَةُ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْفَائِتَةَ لِيَقْضِيَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ. وَلَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي يَنْظُرُ إلَى أَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ، وَتُكْرَهُ رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ. وَالثَّانِي يَقُولُ: السَّبَبُ إرَادَتُهُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهُوَ قَوِيٌّ، وَسَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ ذَوَاتِ السَّبَبِ، أَيْ وَهُوَ فِي حَقِّهَا دُخُولُ وَقْتِهَا، وَمِثْلُهَا صَلَاةُ الضُّحَى عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَنَّ وَقْتَهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا تُكْرَهَانِ قَبْلَ ارْتِفَاعِهَا، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهُمَا إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي. (وَإِلَّا) صَلَاةً (فِي حَرَمِ مَكَّةَ) الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ لَا سَبَبَ لَهَا فَلَا تُكْرَهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِحَدِيثِ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالثَّانِي تُكْرَهُ فِيهِ كَغَيْرِهِ. قَالَ: وَالصَّلَاةُ فِي الْحَدِيثِ رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَلَهَا سَبَبٌ.
ــ
[حاشية قليوبي]
بَعْدَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَالْحُرْمَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ ذَاتِيَّةٌ، وَعَلَى الْآخَرِ لِلتَّلَبُّسِ بِالْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ تَنْعَقِدُ) أَيْ عَلَى التَّنْزِيهِ أَخْذًا مِنْ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ: كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الصَّلَاةِ بِالْوَقْتِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْمَكَانِ لِعَدَمِ ذَلِكَ، وَبِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْوَقْتِ رَاجِعٌ لِلذَّاتِ، وَبِالْمَكَانِ لِمَعْنًى خَارِجٍ. قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مَا لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ مُتَأَخِّرٍ إذَا تَحَرَّاهُ لَا يَنْعَقِدُ أَيْ مَا دَامَ قَاصِدًا لِلتَّحَرِّي وَإِنْ خَافَ الْمَوْتَ فَإِنْ نَسِيَ التَّحَرِّيَ أَوْ تَذَكَّرَهُ لَكِنْ قَصَدَ إيقَاعَهَا لَا لِأَجْلِهِ، أَوْ أَعْرَضَ عَنْهُ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا اعْتَمَدَهُ الطَّبَلَاوِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ شَيْخُنَا، وَلَوْ قَصَدَ التَّأْخِيرَ جَاهِلًا بِأَنَّهُ تَحَرٍّ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ التَّحَرِّي أَوْ لَا لِجَهْلِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ فِي النِّسْيَانِ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ) فَإِنْ قَصَدَهَا فَقَطْ فَلَا تَنْعَقِدُ.
قَالَ شَيْخُنَا: أَوْ مَعَ غَيْرِهَا لَا تَنْعَقِدُ أَيْضًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: (وَسَجْدَةِ شُكْرٍ) خَرَجَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَإِنْ قَرَأَ بِقَصْدِ السُّجُودِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ حَرُمَتْ الْقِرَاءَةُ وَالسُّجُودُ، وَلَا تَنْعَقِدُ أَوَّلًا بِقَصْدِهِ فَلَا يَسُنُّ وَتَنْعَقِدُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ) وَكَذَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ، وَإِنْ تَحَرَّى فِعْلَهَا لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ الْوَقْتِ كَسُنَّةِ الْعَصْرِ، لَوْ تَحَرَّى تَأْخِيرَهَا عَنْهَا وَسَبَبَهَا، وَهُوَ أَوَّلُ التَّغَيُّرِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى صَلَاتِهَا أَوْ مُقَارِنٌ لَهَا، إنْ عَلِمَ بِهِ وَأَوْقَعَ إحْرَامَهُ مَعَ أَوَّلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا لِوَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَالتَّحِيَّةُ كَذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّبَبَ إنْ اُعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَهُوَ إمَّا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا أَوْ مُتَأَخِّرٌ عَنْهَا، أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَقْتِ فَقَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا أَيْضًا. قَوْلُهُ: (بِأَنَّ السَّبَبَ إرَادَتُهُ إلَخْ) وَرَدَّ بِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِحْرَامُ، وَالْإِرَادَةُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ لَا سَبَبُهُ إذْ لَوْ كَانَتْ الْإِرَادَةُ سَبَبًا لَمَا امْتَنَعَ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ مُطْلَقًا لِسَبَبِ إرَادَتِهِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِهِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (فَلَا يُكْرَهَانِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْعِيدِ وَالْمَرْجُوحُ فِي الضُّحَى، لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مِنْ الِارْتِفَاعِ، وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ هُنَا فِي الْعِيدِ، مِنْ حَيْثُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ لَا يُنَافِي كَرَاهَتَهَا مِنْ حَيْثُ طَلَبُ تَأْخِيرِهَا كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ.
(تَنْبِيهٌ) خَرَجَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْخَمْسَةِ غَيْرُهَا، كَوَقْتِ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَوَقْتِ صُعُودِ الْخَطِيبِ إلَى الْمِنْبَرِ، فَالصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَمُنْعَقِدَةٌ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ حَالَ الْخُطْبَةِ فَحَرَامٌ، وَلَا تَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَلَوْ فَرْضًا إلَّا رَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ، وَلَوْ مَعَ غَيْرِهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْجُمُعَةُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، امْتَنَعَتْ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ طَلَبِ التَّحِيَّةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي سَبْعِ أَمَاكِنَ: عَلَى الْكَعْبَةِ وَعَلَى صَخْرَةِ الْمَقْدِسِ وَعَلَى طُورِ سَيْنَاءَ وَطُورِ زَيْتَا وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَعَلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَعَلَى جَبَلِ عَرَفَاتٍ فَلْيُرَاجَعْ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي تُكْرَهُ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا أَنَّهَا خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهَةٌ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِهِمَا.
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَتَعْمِيمُ الشَّارِحِ فِي الْحَرَمِ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ، دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ إرَادَةِ الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ. نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنَّ الصَّلَاةَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لَا تَنْعَقِدُ فِي الْحَرَمِ كَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية عميرة]
لِلذَّاتِ، وَفِي الْمَكَانِ لِمَعْنًى خَارِجٍ كَمَا بَيَّنَ فِي الْأُصُولِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي يَنْظُرُ إلَى أَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ) وَنَظَرَ أَيْضًا إلَى أَنَّ سَبَبَهَا مُتَأَخِّرٌ وَهُوَ الدُّعَاءُ، فَكَانَتْ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِصَاحِبِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنْ يَمْنَعَ الْكَرَاهَةَ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَلَا تُكْرَهُ) .
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي تُكْرَهُ فِيهِ كَغَيْرِهِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ لَا يُقَدَّمُ خُصُوصُ أَحَدِهِمَا عَلَى عُمُومِ الْآخَرِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ انْتَهَى، وَلَك أَنْ تَقُولَ: الْمُرَجِّحُ أَنْ أَحَادِيثَ النَّهْيِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِخِلَافِ هَذَا.
стр. 139
(فَصْلٌ) إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (طَاهِرٍ) بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ بِهَا فِي الدُّنْيَا لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ، لَكِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبَ عِقَابٍ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهَا بِالْإِسْلَامِ، وَبِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا وَبِخِلَافِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُمَا. (وَلَا قَضَاءَ عَلَى كَافِرٍ) إذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ فَإِنَّهُ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ حَتَّى زَمَنِ الْجُنُونِ فِيهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِيهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ إسْقَاطَ الصَّلَاةِ فِيهَا عَنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ عَزِيمَةٌ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ رُخْصَةٌ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. (وَلَا) قَضَاءَ عَلَى (الصَّبِيِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إذَا
ــ
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ) وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا. قَوْلُهُ: (إنَّمَا تَجِبُ) أَيْ يُطْلَبُ فِعْلُهَا وُجُوبًا. قَوْلُهُ: (كُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ اشْتَبَهَ صَبِيَّانِ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، وَبَلَغَا مَعَ بَقَاءِ الِاشْتِبَاهِ لَمْ يُطَالَبْ أَحَدُهُمَا بِهَا، وَيُقَالُ عَلَى هَذَا لَنَا شَخْصٌ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ، لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ، أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ إسْلَامٌ كَصِغَارِ الْمَمَالِيكِ الَّذِينَ يَصِفُونَ الْإِسْلَامَ بِدَارِنَا، لَا يُؤْمَرُ بِهَا لِاحْتِمَالِ كُفْرِهِ وَلَا بِتَرْكِهَا لِاحْتِمَالِ إسْلَامِهِ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ الْوَجْهُ أَمْرُهُ بِهَا، قَبْلَ بُلُوغِهِ وَوُجُوبُهَا عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: (بَالِغٍ عَاقِلٍ) أَيْ سَالِمِ الْحَوَاسِّ وَبَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَلَا يُطَالَبُ بِهَا مَنْ خُلِقَ أَعْمَى وَأَصَمَّ وَأَبْكَمَ، وَلَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ الْقَضَاءُ إذَا صَحَّتْ حَوَاسُّهُ بِخِلَافِ الثَّانِي، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَوْرًا كَمَا مَرَّ إذَا بَلَغَتْهُ لِنِسْبَتِهِ إلَى تَقْصِيرٍ فِيمَا حَقُّهُ أَنْ يَعْلَمَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ لِيَخْرُجَ النَّائِمُ وَالسَّاهِي وَالْجَاهِلُ بِوُجُوبِهَا، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ وُجُوبِ انْعِقَادِ سَبَبٍ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ) أَيْ مَعَ تَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبُ عِقَابٍ إلَخْ) لِأَنَّ الْكَافِرَ وَلَوْ حَرْبِيًّا مُطَالَبٌ مِنْ الشَّارِعِ بِجَمِيعِ الشَّرْعِيَّاتِ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ، وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ، وَقِيلَ: إنَّ خِطَابَ الْحَرْبِيِّ إذًا لِعَدَمِ ذِمَّتِهِ. قَوْلُهُ: (فَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ) وَإِنْ تَسَبَّبَتْ فِي الْحَيْضِ بِدَوَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَتُثَابُ عَلَى التَّرْكِ امْتِثَالًا. قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى كَافِرٍ) .
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَيْ مَطْلُوبٌ فَلَوْ قَضَى لَمْ يَنْعَقِدْ وَقَالَ الْخَطِيبُ يُنْدَبُ لَهُ الْقَضَاءُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي قَضَائِهِ، مَا يَأْتِي فِي قَضَاءِ الصَّبِيِّ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) إذْ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ تَنْفِيرٌ لَهُ عَنْهُ وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ فِي الْكُفْرِ مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ كَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ. قَوْلُهُ: (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ أَيْ فَهُوَ أَوْلَى وَخَرَجَ بِالْمُرْتَدِّ الْمُنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إلَى آخَرَ قَبْلَ إسْلَامِهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَالزِّيَادِيِّ وَفِي قَضَائِهِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى زَمَنِ الْجُنُونِ فِيهَا) أَيْ فِي الرِّدَّةِ إنْ اسْتَمَرَّتْ فَلَوْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، فَلَا قَضَاءَ لِمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِيهَا) وَلَوْ مَعَ الْجُنُونِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَحَمَلَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ مَا فِيهِ عَلَى جُنُونٍ، سَبَقَ الْحَيْضَ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَيُرَادُ فِيهِ بِذِي الْحَيْضِ مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ السَّهْوِ إلَى التَّكْرَارِ وَهُوَ أَسْهَلُ. قَوْلُهُ: (رُخْصَةٌ) أَيْ لُغَةً وَهِيَ السُّهُولَةُ وَالْخِفَّةُ لَا اصْطِلَاحًا لِأَنَّهَا الْمُعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ. قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى الصَّبِيِّ) أَيْ وَاجِبٌ فَيُنْدَبُ لَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ التَّمْيِيزِ، وَلَوْ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، وَحُكْمُ قَضَائِهِ كَأَدَائِهِ مِنْ تَعَيُّنِ الْقِيَامِ فِيهِ، وَعَدَمِ جَمْعِهِ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ
ــ
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ عَلَى مَنْ تَجِبُ الصَّلَاةُ]
فَصْلٌ قَوْلُهُ: (إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ يَرُدُّ عَلَى مَفْهُومِهَا سُؤَالٌ تَقْدِيرُهُ أَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ إنْ أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُطَالَبَةِ وَالْعِقَابِ مَعًا وَرَدِّ الْكَافِرِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ لَمْ يُعْلَمْ حُكْمُ الْآخَرِ مَعَ وُرُودِ الْكَافِرِ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ الثَّانِي ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (إذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) وَيُثَابُ عَلَى الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَّا الْمُرْتَدَّ) (فَرْعٌ) لَوْ انْتَقَلَ النَّصْرَانِيُّ إلَى التَّهَوُّدِ مَثَلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي مُدَّةِ التَّهَوُّدِ أَيْضًا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (تَغْلِيظًا عَلَيْهِ) أَيْ وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ الصَّلَاةَ بِالْإِسْلَامِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَسْلَمَ أَبُوهُ فِي حَالِ جُنُونِ الْوَلَدِ زَمَنَ الرِّدَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي مِنْ الْآنَ لِأَنَّهُ جُنُونٌ فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ الْمَحْكُومِ بِهِ تَبَعًا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) ظَاهِرُهُ إطْلَاقُ الصَّبِيِّ عَلَى الْأُنْثَى، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ نَقْلًا عَنْ اللُّغَةِ. قَوْلُ الشَّارِحِ:
стр. 140
بَلَغَ (وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَالَ: وَالْأَمْرُ وَالضَّرْبُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ أَبًا كَانَ أَوْ جِدًّا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلَادِهِمْ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، وَضَرْبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ. (وَلَا) قَضَاءَ عَلَى شَخْصٍ (ذِي حَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ إذَا طَهُرَ (أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) إذَا أَفَاقَ (بِخِلَافِ) ذِي (السُّكْرِ) إذَا أَفَاقَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ زَمَنَهُ لِتَعَدِّيهِ بِشُرْبِ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَعَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلَا يَقْضِي مَا قَبْلَ زَمَنِ التَّمْيِيزِ وَلَا يَنْعَقِدُ لَوْ فَعَلَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَفِي كَلَامِهِ إطْلَاقُ الصَّبِيِّ عَلَى الْأُنْثَى، وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ اللُّغَةِ. قَوْلُهُ: (وَيُؤْمَرُ بِهَا) مَعَ التَّهْدِيدِ لِسَبْعٍ أَيْ بَعْدَ تَمَامِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ مَيَّزَ لَا قَبْلَ السَّبْعِ، وَإِنْ مَيَّزَ أَيْضًا وَالتَّمْيِيزُ هُنَا أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ، وَيَسْتَنْجِيَ وَحْدَهُ وَكَالصَّلَاةِ فِي الْأَمْرِ وَالضَّرْبِ سَائِرُ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ، وَلَوْ مَنْدُوبَةً كَالسِّوَاكِ أَيْ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ الْوَلِيُّ وَيَدْخُلُ فِيهَا مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَيَدْخُلُ فِيهَا أَيْضًا، مَا طُلِبَ مِنْهُ قَضَاؤُهُ مِمَّا بَعْدَ السَّبْعِ كَالْأَدَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ) أَيْ مِنْ ابْتِدَائِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ تَبَعًا لِلصَّيْمَرِيِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْأَفْصَحِ، خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْبُلُوغِ. قَوْلُهُ: (وَالضَّرْبُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ) أَيْ لِأَجْلِ التَّأْدِيبِ لَا لِكَوْنِهِ عُقُوبَةً فَيَتَقَيَّدُ بِالْمُكَلَّفِ، أَيْ فَهُوَ بِوِلَايَةٍ الْمَقْصُودِ مِنْهَا التَّأْدِيبُ فَلَا يُشْكِلُ بِمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلِيِّ فِيمَا قَبْلَهُ الْجِنْسُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا وِلَايَةٌ خَاصَّةٌ لِشُمُولِهَا لِلْأُمَّهَاتِ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْآبَاءِ وَإِنْ أَوْفَى الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَيُفِيدُ طَلَبَهُ مِنْ الْأُمَّهَاتِ، وَإِنْ عَلَوْنَ مَعَ وُجُودِ الْآبَاءِ، وَإِنْ قَرُبُوا وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، وَبَعْدَهُمْ الزَّوْجُ لَكِنْ فِي الْأَمْرِ، لَا فِي الضَّرْبِ، لِأَنَّ لَهُ الضَّرْبَ لِحَقِّ نَفْسِهِ، لَا لِحَقِّ اللَّهِ، ثُمَّ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَيِّمُ ثُمَّ الْمُلْتَقِطُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْوَدِيعُ، ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ وَلِغَيْرِ الزَّوْجِ الضَّرْبُ وَالْفَقِيهُ فِي الْمُتَعَلِّمِ، كَالزَّوْجِ فَلَهُ الْأَمْرُ، لَا الضَّرْبُ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُ التَّأْدِيبَ، فَإِنْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ قَامَ مَقَامَهُ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَجَبَ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَوْ صَغَائِرَ وَمِنْهَا تَرْكُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ مَقْضِيَّةً أَوْ مُعَادَةً كَمَا مَرَّ.
(فَرْعٌ) إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا سَقَطَ الطَّلَبُ عَنْ الْأَوْلِيَاءِ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ، وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِهِ وَلَوْ لِمَنْدُوبٍ فِي مَالِهِ، ثُمَّ عَلَى الْأَبِ ثُمَّ عَلَى الْأُمِّ، وَيَجِبُ تَعْلِيمُهُمْ مَا يُضْطَرُّونَ إلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ أَبْيَضُ مُشَرَّبٌ بِحُمْرَةٍ وُلِدَ بِمَكَّةَ، وَبُعِثَ فِيهَا وَهَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَاتَ بِهَا وَدُفِنَ فِيهَا. قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى شَخْصٍ ذِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) أَيْ لَا قَضَاءَ مَطْلُوبٌ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا، فَيُكْرَهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْقَضَاءُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَيَنْعَقِدُ لَوْ فَعَلَتْهُ وَيَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا فَلَهَا جَمْعُ صَلَوَاتٍ مِنْهُ بِتَيَمُّمٍ كَمَا مَرَّ. وَهَلْ تَجِبُ فِيهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ رَاجِعْهُ، وَأَجَابَ عَنْ اسْتِشْكَالِهِ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ بِفَسَادِ الْوَقْتِ هُنَاكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ قَوِيٌّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ كَالْخَطِيبِ بِالْكَرَاهَةِ، وَعَدَمِ الِانْعِقَادِ كَمَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْحَيْضِ وَقَدَّرَ الشَّارِحُ لَفْظَ شَخْصٍ لِيَصِحَّ عَطْفُ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) أَيْ لَا قَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، فَيُنْدَبُ لَهُمَا الْقَضَاءُ، وَيَجِبُ فِيهِ مَا فِي الْأَدَاءِ مِنْ قِيَامٍ وَغَيْرِهِ كَمَا مَرَّ، فِي الصَّبِيِّ وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاءُ صَوْمِ يَوْمٍ اسْتَغْرَقَهُ الْإِغْمَاءُ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ، فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَاسْتَشْكَلَ طَلَبُ الْقَضَاءِ هُنَا مَعَ عَدَمِ طَلَبِهِ مِنْ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِيمَنْ وَصَلَ إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ كَسَبْعِ سِنِينَ، فَأَكْثَرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ الْكَلَامُ هُنَا فِيمَنْ سَبَقَ لَهُ تَمْيِيزٌ، وَقِيلَ فِيمَنْ سَبَقَ لَهُ تَكْلِيفٌ، وَقِيلَ فِيمَنْ وَصَلَ إلَى سِنِّ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْوَجِيهُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْقَضَاءِ فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ فِي غَيْرِ الْمُتَعَدِّي بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلَمْ تَقَعْ فِيمَا
ــ
[حاشية عميرة]
وَيُؤْمَرُ بِهَا إلَخْ) يُؤْمَرُ أَيْضًا بِقَضَاءِ مَا فَاتَ بَعْدَ السَّبْعِ إلَى الْبُلُوغِ، فَإِنْ بَلَغَ يُؤْمَرُ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، ثُمَّ إنَّهُ لَا بُدَّ فِي بُلُوغِ السِّنِّ الْمَذْكُورِ مِنْ التَّمْيِيزِ فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالتَّعْلِيمُ وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ يُشْرَعَانِ بِمُجَرَّدِ التَّمْيِيزِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ الْآنَ مِنْ الْمُعَلِّمِينَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا ذِي حَيْضٍ) أَيْ وَلَوْ تَسَبَّبَتْ بِخِلَافِ الْجُنُونِ إذَا تَسَبَّبَتْ فِي حُصُولِهِ وَمِثْلُهُ الْإِغْمَاءُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ جُنُونٍ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ فِي الْجُنُونِ، أَعْنِي حَدِيثَ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ " وَقِيسَ عَلَى الْمَجْنُونِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْعِبَادَةُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا، خَرَجَ النَّائِمُ وَالنَّاسِي لِحَدِيثِ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ فِي طَبَقَاتِهِمَا عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ فِي شَرْحِ التَّبْصِرَةِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا يَجُوزُ لَهَا الْقَضَاءُ، وَفِي شَرْحِ الْوَسِيطِ لِلْعِجْلِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَكَذَا فِي الْبَحْرِ، قَالَ: يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِخِلَافِ
стр. 141
الْمُسْكِرِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ مُسْكِرًا فَلَا قَضَاءَ. (وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ) أَيْ الْكُفْرُ وَالصِّبَا وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ (وَبَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ تَكْبِيرَةٌ) أَيْ قَدْرُهَا (وَجَبَتْ الصَّلَاةُ) لِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ الْإِتْمَامُ بِاقْتِدَائِهِ بِمُقِيمٍ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ (وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ رَكْعَةٌ) أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ (وَالْأَظْهَرُ) عَلَى الْأَوَّلِ (وُجُوبُ الظُّهْرِ بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ آخِرِ) وَقْتِ (الْعَصْرِ وَ) وُجُوبُ (الْمَغْرِبِ) بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ (آخِرِ) وَقْتِ (الْعِشَاءِ) لِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى فِي جَوَازِ الْجَمْعِ فَكَذَا فِي الْوُجُوبِ.
وَالثَّانِي لَا تَجِبُ الظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ بِمَا ذُكِرَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلظُّهْرِ فِي الْمُقِيمِ وَرَكْعَتَيْنِ فِي الْمُسَافِرِ، وَثَلَاثٍ لِلْمَغْرِبِ، لِأَنَّ جَمْعَ الصَّلَاتَيْنِ الْمُلْحَقَ، بِهِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا تَمَّتْ الْأُولَى وَشَرَعَ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ، وَلَا تَجِبُ وَاحِدَةٌ مِنْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِمَّا بَعْدَهَا لِانْتِفَاءِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوُجُوبِ إدْرَاكُ زَمَنِ الطَّهَارَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ امْتِدَادُ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَوَانِعِ
ــ
[حاشية قليوبي]
تَعَدَّى بِهِ وَإِلَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِيهَا، وَمِنْهَا الْوَاقِعُ فِي نَحْوِ جُنُونٍ بِلَا تَعَدٍّ فِي رِدَّةٍ أَوْ فِي سُكْرٍ بِتَعَدٍّ، فَيَقْضِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ زَمَنُ الرِّدَّةِ أَوْ السُّكْرِ لَا مَا بَعْدَهُ فَقَوْلُهُمْ لَوْ سَكِرَ مَثَلًا بِتَعَدٍّ ثُمَّ جُنَّ بِلَا تَعَدٍّ قَضَى زَمَنَ السُّكْرِ لَا زَمَنَ جُنُونِهِ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ زَمَنِ جُنُونِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ مَنْ جُنَّ فِي رِدَّتِهِ مُرْتَدٌّ فِي جُنُونِهِ حُكْمًا، وَمَنْ جُنَّ فِي سُكْرِهِ لَيْسَ بِسَكْرَانَ فِي دَوَامِ جُنُونِهِ قَطْعًا انْتَهَى. كَلَامٌ سَاقِطٌ مُتَهَافِتٌ وَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ فَاسِدٌ، لِأَنَّ زَمَنَ الْجُنُونِ الَّذِي لَا يَقْضِي هُوَ مَا اتَّصَلَ بِالسُّكْرِ لَا مَا وَقَعَ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْمَجْنُونَ فِي الرِّدَّةِ إنَّمَا يَقْضِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ زَمَنَ الرِّدَّةِ فَقَطْ، لَا مَا بَعْدَهُ. كَمَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أُصُولِهِ فِي زَمَنِ جُنُونِهِ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا كَمَا مَرَّ. فَهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مُسْلِمٌ قَبْلَ جُنُونِهِ، لَمْ يَقْضِ مِنْ زَمَنِ الْجُنُونِ شَيْئًا فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
(تَنْبِيهٌ) مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مِنْ دُخُولِ كُلٍّ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْهَا يُرَاجَعُ فِيهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، وَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ مِنْهَا صُوَرٌ كَثِيرَةٌ تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ صُورَةً، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَةِ إمَّا بِتَعَدٍّ أَوْ لَا، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا فِي رِدَّةٍ أَوْ لَا، فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ صُورَةً وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا مَعَ مِثْلِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، فَهِيَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً بِحَسَبِ الضَّرْبِ، وَالْمُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَسِتُّونَ صُورَةً بِحَسَبِ الْعَقْلِ، وَالْوَاقِعُ مِنْهَا مَا يَقُولُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِهِ وَحَاصِلُ الْحُكْمِ فِيهَا أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي رِدَّةٍ، وَانْفَرَدَ بِالتَّعَدِّي أَوْ اجْتَمَعَ مَعَ مُتَعَدٍّ بِهِ أَيْضًا مِنْ مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، مِنْهَا وَجَبَ فِيهِ الْقَضَاءُ وَإِنَّ مَا كَانَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ سَوَاءٌ انْفَرَدَ بِعَدَمِ التَّعَدِّي أَوْ اجْتَمَعَ مَعَ غَيْرِ مُتَعَدٍّ بِهِ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقَضَاءُ وَإِنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ مَا تَعَدَّى بِهِ وَغَيْرُهُ، وَجَبَ قَضَاءُ زَمَنِ الْمُتَعَدِّي بِهِ، سَوَاءٌ أَسَبَقَ أَوْ تَأَخَّرَ وَاَللَّهُ الْمُعِينُ وَالْمُلْهِمُ. قَوْلُهُ: (الْأَسْبَابُ) كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْمَوَانِعِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَوَانِعُ الْوُجُوبِ كَالصِّبَا لَا مَوَانِعُ الصِّحَّةِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ أَسْبَابُ الْمَنْعِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ: (قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ) أَيْ فَأَكْثَرَ إلَى قَدْرِ زَمَنٍ لَا يَسَعُهَا فَهُوَ مُسَاوٍ لِوَقْتِ الْحُرْمَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ بِالْخُلُوِّ مِنْ وَقْتِ الَّتِي بَعْدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا إنْ كَانَ قَدْرًا يَسَعُ الصَّلَاةَ، وَطُهْرَهَا فَإِنْ وَسِعَ الَّتِي قَبْلَهَا أَيْضًا، وَجَبَتْ إنْ كَانَتْ تُجْمَعُ مَعَهَا. قَوْلُهُ: (كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ إلَخْ) مُقْتَضَى هَذَا التَّشْبِيهِ الْوُجُوبُ بِدُونِ قَدْرِ تَكْبِيرَةٍ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَقَلُّ مِنْ التَّكْبِيرَةِ غَيْرُ مَحْسُوسٍ، يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ أُنِيطَ الْحُكْمُ بِقَدْرٍ مَحْسُوسٍ بِخِلَافِ الرَّبْطِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا وَفِيهِ بَحْثٌ فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْوَسَطُ الْمُعْتَدِلُ، وَلَا فِعْلُ الشَّخْصِ نَفْسِهِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: (كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ إلَخْ) وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَا هُنَا فَوَاتُ أَصْلٍ وَمَا فِي الْجُمُعَةِ فَوَاتُ وَقْتٍ، أَوْ بِأَنَّ مَا هُنَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ، وَمَا فِي الْجُمُعَةِ إدْرَاكُ إثْبَاتٍ، فَاحْتِيطَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ يُقَالُ مَا هُنَا فَوَاتٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَاكْتَفَى الْوُجُوبُ فِيهِ بِالْقَدْرِ الْيَسِيرِ، بِخِلَافِهِ فِي الْجُمُعَةِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (بَلْ لَا بُدَّ إلَخْ) مُقْتَضَى تَعْلِيلِ هَذَا الْقَوْلِ اشْتِرَاطُ إدْرَاكِ قَدْرِ زَمَنِ طَهَارَةِ الْأُولَى فِي وَقْتِهَا أَيْضًا وَظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوُجُوبِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، إدْرَاكُ ذَلِكَ يُخَالِفُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ) قَالَ شَيْخُنَا: إنْ لَمْ يَرِدْ الْإِتْمَامُ وَإِلَّا اُعْتُبِرَ قَدْرُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الْوَجْهُ اعْتِبَارُ رَكْعَتَيْنِ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا أَخَفَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ كَمَا مَرَّ. وَأَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا فِي الْفَرْضِ قَدْرَ وَاجِبَاتِهِ فَقَطْ لَا مَعَ سُنَنِهِ كَالسُّورَةِ وَالْقُنُوتِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوُجُوبِ وَالِاسْتِقْرَارِ أَيْضًا امْتِدَادُ زَمَنِ السَّلَامَةِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ أَيْ
ــ
[حاشية عميرة]
السُّكْرِ) أَيْ وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْكَرُ لِقِلَّتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَهِلَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ) ظَاهِرَةٌ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِعْلُ الشَّخْصِ نَفْسِهِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ إلَخْ) أَيْ وَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ " وَرَدَّهُ
стр. 142
زَمَنَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ.
(وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا) بِالسِّنِّ (أَتَمَّهَا) وُجُوبًا (وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي لَا يَجِبُ إتْمَامُهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَلَا تُجْزِئُهُ لِابْتِدَائِهَا فِي حَالِ النُّقْصَانِ (أَوْ) بَلَغَ (بَعْدَهَا) فِي الْوَقْتِ بِالسِّنِّ أَوْ الِاحْتِلَامِ أَوْ الْحَيْضِ (فَلَا إعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي تَجِبُ لِوُقُوعِهَا حَالَ النُّقْصَانِ (وَلَوْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ (أَوْ جُنَّ) أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (أَوَّلَ الْوَقْتِ) وَاسْتَغْرَقَهُ مَا
ــ
[حاشية قليوبي]
امْتِدَادًا مُتَّصِلًا، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ لَفْظُ الِامْتِدَادِ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ خَلَا قَدْرُ الطُّهْرِ وَعَادَ الْمَانِعُ ثُمَّ خَلَا قَدْرُ الصَّلَاةِ، وَعَادَ الْمَانِعُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ وَإِلَيْهِ مَالَ شَيْخُنَا، وَاعْتَمَدَهُ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (زَمَنَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ) أَيْ قَدْرَ زَمَنِ الْوَاجِبِ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ وَمِنْ طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَإِنْ كَثُرَ وَمِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا الْوَاجِبَةِ، وَلَا نَظَرَ لِإِمْكَانِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ مِنْ نَحْوِ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا، وَهَذَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ كُلِّ شَخْصٍ بِحَالِهِ فَتَأَمَّلْهُ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إنَّ اعْتِبَارَهُمْ هُنَا زَمَنَ الطَّهَارَةِ الْمُمْكِنِ تَقْدِيمُهَا مِنْ نَحْوِ الصَّبِيِّ، وَعَدَمَ اعْتِبَارِهِ مِنْهُ فِيمَا يَأْتِي مُشْكِلٌ انْتَهَى. مَرْدُودٌ بِأَنَّ زَمَنَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ لَمْ يُعْتَبَرْ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ الَّتِي وَجَبَتْ فِي الْمَحَلَّيْنِ، وَإِنَّمَا زَمَنُ الطَّهَارَةِ الْمُعْتَبَرُ هُنَا مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، لِأَجْلِهَا لَا لِأَجْلِ الْأُولَى الْمُدْرِكِ مِنْهَا قَدْرَ التَّكْبِيرَةِ تَأَمَّلْ.
فَإِنَّ الْمَحَلَّيْنِ سَوَاءٌ وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْخُلُوِّ مِنْ الْمَوَانِعِ قَدْرَ الْمُؤَدَّاةِ وَطُهْرِهَا فَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَعَ زَمَنِ الطَّهَارَةِ، قَدْرَ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ لَمْ تَجِبْ وَاحِدَةٌ مِنْ الثَّلَاثِ، أَوْ قَدْرَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَجَبَتْ الْمَغْرِبُ فَقَطْ، أَوْ قَدْرَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَجَبَتْ الْعَصْرُ أَيْضًا عَلَى الْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ، أَوْ قَدْرَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَجَبَتْ الظُّهْرُ أَيْضًا عَلَى الْمُسَافِرِ، أَوْ قَدْرَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَأَكْثَرَ وَجَبَتْ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا عَلَى الْمُقِيمِ أَيْضًا وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ قَدْرَ رَكْعَةٍ وَمِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، قَدْرَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَجَبَتْ الْمَغْرِبُ فَقَطْ فَلَوْ كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي الْعَصْرِ، وَقَعَتْ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا وَبَقِيَتْ الْمَغْرِبُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَمِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، كَذَلِكَ لَمْ تَجِبْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي الْعَصْرِ، وَقَعَتْ نَفْلًا أَيْضًا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. وَأَتْبَاعُهُ فَرَاجِعْهُ وَيُقَاسُ بِهَذَا إدْرَاكُ الزَّمَنِ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ، بَعْدَ إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ اعْتَبَرُوا وَقْتَ الطَّهَارَةِ وَسَكَتُوا عَنْ وَقْتِ السَّتْرِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَعَلَّهُ لِشِدَّةِ احْتِيَاجِ الصَّلَاةِ إلَى الطَّهَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِيهَا مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (بِالسِّنِّ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ يَتَصَوَّرُ بِالْمَنِيِّ فِيمَا إذَا أَحَسَّ بِهِ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى الظَّاهِرِ فَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ، بِإِمْسَاكِهِ بِحَائِلٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَيَجْرِي فِيهَا مَا فِي الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلٌ حَتَّى لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ، وَفِيهِ الْمَنِيُّ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ أَيْضًا، مَا لَمْ يَبْرُزْ مِنْ الْمُتَّصِلِ بِالْبَدَنِ شَيْءٌ وَلَوْ يَسِيرًا كَمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَأَجْزَأَتْهُ) وَلَوْ مَجْمُوعَةً مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ كَانَتْ بِالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فِيهَا الْفَرْضِيَّةَ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَلَوْ أَدْرَكَهَا. نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُ فِعْلُ الْجُمُعَةِ حِينَئِذٍ وَيَنْبَغِي انْعِقَادُهَا بِهِ لَوْ كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ. قَوْلُهُ: (وَلَا تُجْزِئُهُ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَالْحَجِّ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْحَجَّ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْكَمَالُ وَكَالصَّبِيِّ الْعَبْدُ إذْ أُعْتِقَ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ، وَلَوْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ فِعْلِهَا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُهَا.
نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُ فِعْلُهَا حِينَئِذٍ كَمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي تَجِبُ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (لِوُقُوعِهَا حَالَ النُّقْصَانِ) أَيْ وَطُرُوُّ الْكَمَالِ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ مِثْلُهُ فِي أَوَّلِهِ، وَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِهِ الْحَيْضَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِعَادَةِ فِي هَذِهِ، وَاَلَّتِي قَبْلَهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْمَرْجُوحِ، وَعَلَى النَّدْبِ الْمُعْتَمَدِ مَا يَعُمُّ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْمُعَادَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، فَشَرْطُهَا الْوَقْتُ أَوْ مِمَّا طُلِبَ قَضَاؤُهَا مِنْهُ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ مَقْضِيَّةً لِأَنَّهُ فَعَلَهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَرَاجِعْهُ وَخَرَجَ بِالصَّبِيِّ الْخُنَثِي إذَا اتَّضَحَ بِالذُّكُورَةِ، وَلَوْ بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إنْ أَدْرَكَهَا لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الظُّهْرِ إنْ لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ. قَوْلُهُ: (أَوَّلَ الْوَقْتِ) هُوَ قَيْدٌ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ بِكَوْنِ الطُّهْرِ يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ وَلِخُرُوجِ الْخُلُوِّ فِي أَثْنَائِهِ زَمَنًا لَا يَسَعُ الْفَرْضَ، وَطُهْرُهُ مُتَّصِلًا كَمَا مَرَّ فَهُوَ أَوْلَى
ــ
[حاشية عميرة]
الْقُونَوِيُّ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَا يُفِيدُ عَدَمَ اللُّزُومِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مُؤَدَّاةً. قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَثَلَاثٍ لِلْمَغْرِبِ) أَيْ ثَلَاثَةٍ لِلْمَغْرِبِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ زِيَادَةً عَلَى التَّكْبِيرِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (زَمَنَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ) لَوْ زَالَ الصِّبَا آخِرَ الْوَقْتِ ثُمَّ اعْتَرَاهُ جُنُونٌ مَثَلًا بَعْدَ زَمَنٍ يَسَعُ الْفَرْضَ فَقَطْ فَيَنْبَغِي لُزُومُهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ يُمْكِنُ تَقْدِيمُهَا عَلَى زَوَالِ الْمَانِعِ، بَلْ يَنْبَغِي جَرَيَانُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي زَوَالِ الْكُفْرِ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُمْكِنَةٌ بِأَنْ يُسَلِّمَ هَذَا، وَلَكِنَّ قَضِيَّةَ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ خِلَافُ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا مَضْرُوبٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ شَرَعَ فِيهَا بِشَرَائِطِهَا فَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ حَالِهِ إلَى الْكَمَالِ كَالْعَبْدِ إذَا شَرَعَ فِي الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ عَتَقَ قَبْلَ إتْمَامِهَا وَقَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَا إعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ) لَا يُقَالُ هَذَا نَفْلٌ فَكَيْفَ يَسْقُطُ الْفَرْضُ لِأَنَّا نَقُولُ:
стр. 143
ذَكَرَ (وَجَبَتْ تِلْكَ) الصَّلَاةُ (إنْ أَدْرَكَ) مَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ مَا عَرَضَ (قَدْرَ الْفَرْضِ) أَخَفُّ مَا يُمْكِنُهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهِ بِأَنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا، فَإِنْ لَمْ تُجْزِئْ طَهَارَتُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَالْمُتَيَمِّمِ اُشْتُرِطَ إدْرَاكُ زَمَنِ الطَّهَارَةِ أَيْضًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ قَدْرَ الْفَرْضِ (فَلَا) تَجِبُ تِلْكَ الصَّلَاةُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا.
(فَصْلُ الْأَذَانِ) بِالْمُعْجَمَةِ (وَالْإِقَامَةِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمُوَاظَبَةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَيْهِمَا (وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ فَإِنْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قُوتِلُوا عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. (وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِلْمَكْتُوبَةِ) دُونَ النَّافِلَةِ (وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ كَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ (الصَّلَاةَ جَامِعَةً)
ــ
[حاشية قليوبي]
مِنْ عُدُولِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَنْهُ إلَى الْأَثْنَاءِ لِشُمُولِهِ لِمَا لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَأَنْ أَفَاقَ قَدْرَ الطَّهَارَةِ ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ أَيْضًا ثُمَّ جُنَّ وَلَا يَنْبَغِي الْوُجُوبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِمَا مَرَّ. مِنْ شَرْطِ اتِّصَالِ الْخُلُوِّ وَلِمَا لَوْ خَلَا فِي نَحْوِ وَسَطِ الْوَقْتِ قَدْرَ الْفَرْضِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إنْ كَانَ الظُّهْرُ مِمَّا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ اسْتِدْرَاكُ مَا زَادَهُ بِقَوْلِهِ، وَطُهْرٌ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَخَفُّ مَا يُمْكِنُهُ) كَذَا عَبَّرَ هُنَا وَهُوَ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَقَالَ فِيمَا مَرَّ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُهُ أَحَدٌ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِقَوْلِهِمْ هُنَا إنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَأَمْكَنَهُ إتْمَامُهَا قَبْلَ طُرُوُّ الْمَانِعِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ فِعْلِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ ذَاكَ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَنْبَغِي اعْتِبَارُ الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ مِنْ فِعْلِ غَالِبِ النَّاسِ فِي ظَنِّهِ حَتَّى لَوْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تُجْزِئْ طَهَارَتُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ إلَخْ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَكَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ.
(فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) وَحُكْمُهُمَا وَمَا يُطْلَبُ فِيهِمَا، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْبَابِ، وَهُوَ أَنْسَبُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ وَالْآذَانُ مِنْ آذَنَ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ، أَوْ أَذَّنَ بِتَشْدِيدِ الذَّالِ بِمَعْنَى أَعْلَمَ، وَيُقَالُ لَهُ التَّأْذِينُ وَالْأَذِينُ لُغَةً الْإِعْلَامُ وَاصْطِلَاحًا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ، يُعْلَمُ بِهَا دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَالْإِقَامَةُ لُغَةً كَالْأَذَانِ وَشَرْعًا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ، تُقَالُ لِاسْتِنْهَاضِ الْحَاضِرِينَ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ، وَهُمَا حَقٌّ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْقَدِيمِ الْمُعْتَمَدِ غَالِبًا، وَقِيلَ لِلْوَقْتِ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ الْمُؤَخِّرَ، هَلْ يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى فِي وَقْتِهَا
قَوْلُهُ: (أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا) هُوَ تَأْوِيلٌ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ. قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) أَيْ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُنْفَرِدِ، وَكَذَا فِي حَقِّهِ وَتَعَيُّنُهُمَا عَلَيْهِ عَارِضٌ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَقِيلَ سُنَّةُ عَيْنٍ فِي حَقِّهِ وَبِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَلَا بُدَّ فِي الْبَلَدِ مِنْ ظُهُورِ الشِّعَارِ وَلَوْ مَعَ تَعَدُّدٍ اُحْتِيجَ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (لِمُوَاظَبَةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَيْهِمَا) هُوَ دَلِيلٌ لِلتَّأْكِيدِ اللَّازِمِ لَهُ السُّنِّيَّةُ، وَقِيلَ دَلِيلٌ لِلسُّنِّيَّةِ فَقَطْ، وَالتَّأْكِيدُ مِنْ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) أَيْ لِلْجَمَاعَةِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ) أَيْ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَأَوَّلُ ظُهُورِ مَشْرُوعِيَّتِهِمَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، فَلَا يُنَافِي مَا قِيلَ إنَّ جِبْرِيلَ أَذَّنَ وَأَقَامَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِصَلَاتِهِ ﷺ
بِمَنْ فِيهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَلَا مَا قِيلَ إنَّهُ ﷺ رَآهُمَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فِي السَّمَاءِ عَلَى أَنَّ رُؤْيَتَهُ لَهُمَا لَا تَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّتَهُمَا قِيلَ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (لِلْمَكْتُوبَةِ) أَيْ مِنْ الْخَمْسِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا
ــ
[حاشية عميرة]
أُجِيبُ بِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ تَعَلُّقِ الْفَرْضِ لَا مُسْقِطٌ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا) أَيْ وَكَمَا لَوْ هَلَكَ النِّصَابُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهِ. (فَصْلُ الْأَذَانِ إلَخْ)
[فَصْلُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَة]
الْأَذَانُ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ، يُقَالُ: أَذِنَ بِشَيْءٍ إذْنًا وَتَأْذِينًا وَأَذِينًا أَعْلَمَ بِهِ، وَمِنْهُ ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة: ٣] أَيْ إعْلَامٌ وَالْأَذَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالذَّالِ الِاسْتِمَاعُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْإِقَامَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُقِيمُ إلَى الصَّلَاةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (سُنَّةٌ) أَيْ وَلَيْسَا بِفَرْضٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهِمَا فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ مَعَ ذِكْرِهِ الْوُضُوءَ وَالِاسْتِقْبَالَ، وَالْقَائِلُ بِالْفَرْضِيَّةِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ " فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ " قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِلْمَكْتُوبَةِ) أَيْ مِنْ الْخَمْسِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (مِمَّا تَشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ) أَيْ إلَّا الْجِنَازَةَ لِأَنَّ الْمُشَيِّعِينَ حَاضِرُونَ وَلَا تَرُدُّ عَلَى الْمِنْهَاجِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نَحْوَ الْعِيدِ ثُمَّ
стр. 144
لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْكُسُوفِ وَيُقَاسُ بِهِ نَحْوُهُ، وَنَصْبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَجَامِعَةً عَلَى الْحَالِ كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ.
(وَالْجَدِيدُ نَدْبُهُ) أَيْ الْأَذَانِ (لِلْمُنْفَرِدِ) بِالصَّلَاةِ فِي صَحْرَاءَ أَوْ بَلَدٍ إنْ لَمْ يَبْلُغْهُ أَذَانُ الْمُؤَذِّنِينَ، وَكَذَا إنْ بَلَغَهُ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّحْقِيقِ وَالتَّنْقِيحِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَالْقَدِيمُ لَا يُنْدَبُ لَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُنْفَرِدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ كَالْوَجِيزِ وَالْجُمْهُورُ اقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْخِلَافِ، وَأَفْصَحَ فِي الرَّوْضَةِ بِتَرْجِيحِ طَرِيقِهِمْ وَاكْتَفَى عَنْهَا هُنَا بِذِكْرِ الْجَدِيدِ كَالْمُحَرَّرِ. وَيَكْفِي فِي أَذَانِهِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ بِخِلَافِ أَذَانِ الْإِعْلَامِ.
(وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ) نَدْبًا، رَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَهُ: إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ، أَيْ سَمِعْت مَا قُلْته لَك بِخِطَابٍ لِي كَمَا فَهِمَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَأَوْرَدَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ لِيَظْهَرَ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَذَانِ الْمُنْفَرِدِ وَرَفْعِ صَوْتِهِ بِهِ، وَقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ سَمِعْته لِقَوْلِهِ: " لَا يَسْمَعُ " إلَى آخِرِهِ فَقَطْ. (لَا بِمَسْجِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ) .
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا:
ــ
[حاشية قليوبي]
يَأْتِي لِأَنَّ اسْمَ الْمَكْتُوبَةِ خَاصٌّ بِهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ لِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ فِي الْإِطْلَاقِ فَهُمَا حَقٌّ لَهَا أَصَالَةٌ كَمَا مَرَّ. فَلَا يُرَدُّ طَلَبُ الْأَذَانِ فِي أُذُنِ مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ، وَلَوْ بَهِيمَةً أَوْ الْمَغْمُومَ أَوْ الْمَصْرُوعَ أَوْ الْغَضْبَانَ أَوْ عِنْدَ مُزْدَحَمِ الْجَيْشِ، أَوْ عَلَى الْحَرِيقِ أَوْ وَقْتَ تَغَوُّلِ الْغِيلَانُ، وَطَلَبُهُمَا مَعًا خَلْفَ الْمُسَافِرِ وَفِي أُذُنَيْ الْمَوْلُودِ. قَوْلُهُ: (دُونَ النَّافِلَةِ) وَمِنْهَا الْمُعَادَةُ وَكَذَا الْمَنْذُورَةُ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَيُكْرَهَانِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ) أَيْ بَدَلًا عَنْ الْإِقَامَةِ أَصَالَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَهُوَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَمَاعَةِ الْفِعْلَ، فَلَا يُرَدُّ عَدَمُ طَلَبِ ذَلِكَ لِلْمُنْفَرِدِ. قَوْلُهُ: (فِي الْعِيدِ) أَيْ إذَا فَعَلَ جَمَاعَةٌ. قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) أَيْ الْعِيدِ مِنْ كُلِّ نَفْلٍ تُطْلَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، إذَا أُرِيدَ فِعْلَهُ جَمَاعَةٌ فَخَرَجَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَيُنْدَبُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ، لِأَنَّهُمَا كَصَلَاةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَكَذَا مِنْ الْوَتْرِ وَنَحْوِهِ إذَا فُعِلَ كَذَلِكَ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ جَامِعَةً) وَمِثْلُهُ هَلُمُّوا إلَى الصَّلَاةِ أَوْ إلَى الْفَلَاحِ، أَوْ الصَّلَاةُ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلَهُ: (وَنَصْبُ إلَخْ) أَيْ فِي غَيْرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِتَعَيُّنِ الرَّفْعِ فِيهَا نِيَابَةً عَنْ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَرَفْعُ الْأَوَّلِ وَنَصْبُ الثَّانِي وَعَكْسُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْأَذَانِ) دَفَعَ بِذَلِكَ عَوْدَ الضَّمِيرِ لِكُلِّ الْمُوهِمِ، لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْإِقَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ: قَوْلُهُ: (لِلْمُنْفَرِدِ) أَيْ الذَّكَرِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَكَذَا إنْ بَلَغَهُ) أَيْ يُطْلَبُ لَهُ الْأَذَانُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ بَلَغَهُ أَذَانٌ غَيْرُهُ، إلَّا إنْ سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْ مَحَلٍّ وَقَصَدَ الصَّلَاةَ فِيهِ، وَصَلَّى فِيهِ فَلَا يُطْلَبُ لَهُ الْأَذَانُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَاكْتَفَى عَنْهَا) أَيْ طَرِيقُ الْجُمْهُورِ بِذِكْرِ الْجَدِيدِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْجَدِيدِ قَدْ يَكُونُ نَافِيًا لِلْقَدِيمِ، فَهُوَ قَاطِعٌ وَقَدْ لَا يَنْفِيهِ فَهُوَ حَاكٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ) أَيْ الْمُؤَذِّنُ الْمُنْفَرِدُ زِيَادَةً عَلَى مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ، الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ تَوْطِئَةً لَهُ وَقِيلَ الْمُؤَذِّنُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُ) أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁. قَوْلُهُ: (سَمِعْت مَا قُلْته لَك وَهُوَ أَنِّي أَرَاك تُحِبُّ إلَخْ) بِخِطَابٍ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَأَوْرَدُوهُ) أَيْ الذِّكْرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَسَبِ فَهْمِهِمْ، وَلَفْظُ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ ﷺ
«قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ إنَّك رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَأَذِّنْ وَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَوْلُهُ: (وَقِيلَ إنَّ ضَمِيرَ إلَخْ) وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁، وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى نَدْبِهِ لِلْمُنْفَرِدِ، فَإِنَّ طَلَبَ رَفْعِ صَوْتِهِ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِطَلَبِهِ. قَوْلُهُ: (لَا بِمَسْجِدٍ إلَخْ) أَيْ لَا يَرْفَعُ الْمُنْفَرِدُ صَوْتَهُ بِالْأَذَانِ لِنَفْسِهِ فِي مَسْجِدٍ،
ــ
[حاشية عميرة]
الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فِي هَذَيْنِ مَكْرُوهَانِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ الْأَذَانُ) احْتَرَزَ عَنْ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ لَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ ﵀ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَأَفْصَحَ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُفْصِحْ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلْمُنْفَرِدِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْجَدِيدُ نَدَبَهُ لِلْمُنْفَرِدِ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِيَظْهَرَ الِاسْتِدْلَال) الْأَحْسَنُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا عِلَّةً لَأَوْرَدُوهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عِلَّةً لِقَوْلِهِ أَيْ سَمِعْت. قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا بِمَسْجِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالْمَسْجِدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي غَيْرِهِ، وَكَأَنَّ سَبَبَهُ شِدَّةُ الِاعْتِنَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ بِأَمْرِ الْأَذَانِ فَيَكُونُ الْإِيهَامُ فِيهَا أَكْثَرَ، وَفِي مَعْنَاهَا الرَّبْطُ. وَأَمَّا وُقُوعُ الْجَمَاعَةِ فَلِأَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَهَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ بِالْأَوَّلِ، انْتَهَى. وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْمُنْفَرِدِ يُؤَذِّنُ وَإِنْ بَلَغَهُ أَذَانُ غَيْرِهِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مُنْفَرِدٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ يُصَلِّي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ
стр. 145
وَانْصَرَفُوا أَيْ فَلَا يَرْفَعُ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُونَ دُخُولَ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى سِيَّمَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ، وَذِكْرُ الْمَسْجِدِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَمِثْلُهُ الرِّبَاطُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَمْكِنَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ أُقِيمَتْ جَمَاعَةٌ ثَانِيَةٌ فِي الْمَسْجِدِ سُنَّ لَهُمْ الْأَذَانُ فِي الْأَظْهَرِ.
وَلَا يَرْفَعُ فِيهِ الصَّوْتَ خَوْفَ اللَّبْسِ عَلَى السَّامِعِينَ وَتُسَنُّ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا.
(وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ) مَنْ يُرِيدُ فِعْلَهَا (وَلَا يُؤَذِّنُ) لَهَا (فِي الْجَدِيدِ) وَالْقَدِيمُ يُؤَذِّنُ لَهَا، أَيْ حَيْثُ تَفْعَلُ جَمَاعَةٌ لِيُجَامِعَ الْقَدِيمَ السَّابِقَ فِي الْمُؤَدَّاةِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَذِّنْ الْمُنْفَرِدُ لَهَا فَالْفَائِتَةُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْ اقْتِصَارِ الْجُمْهُورِ فِي الْمُؤَدَّاةِ عَلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ، يَجْرِي الْقَدِيمُ هُنَا عَلَى إطْلَاقِهِ، وَيَدُلُّ لِلْجَدِيدِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ ﷺ فَاتَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ، فَدَعَا بِلَالًا فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ فَصَلَّاهَا ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا» ؛ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَاسْتَدَلَّ فِي الْمُهَذَّبِ لِلْقَدِيمِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَفِيهِ: «فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ إلَى آخِرِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَفِيهِ زِيَادَةُ عِلْمٌ بِالْأَذَانِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ ابْنُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ لِصِغَرِ
ــ
[حاشية قليوبي]
صَلَّتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَانْصَرَفُوا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ، وَالْمَسْجِدَ وَالْجَمَاعَةَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَكَذَا الِانْصِرَافُ وَوُقُوعُ الصَّلَاةِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُونَ، وَلَوْ غَيْرَ الْمُصَلِّينَ أَوْ غَيْرَ الْمُنْصَرِفِينَ. قَوْلُهُ: (دُخُولَ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى) إنْ كَانَ هَذَا الْأَذَانُ قَرِيبًا مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ، أَوْ عَدَمَ دُخُولِ وَقْتِ تِلْكَ الصَّلَاةِ قَبْلَهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ أَوَّلِهِ. قَوْلُهُ: (سُنَّ لَهُمْ) أَيْ لِلْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ لَمْ تَنْصَرِفْ الْجَمَاعَةُ الْأُولَى أَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ مَكْرُوهَةً.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَرْفَعُ فِيهِ) أَيْ الْأَذَانِ لِلْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ الصَّوْتَ فَوْقَ مَا يَسْمَعُونَ. قَوْلُهُ: (خَوْفَ اللَّبْسِ عَلَى السَّامِعِينَ) مِنْ تَوَهُّمِ مَا مَرَّ وَالْمُرَادُ أَنَّ شَأْنَ ذَلِكَ اللَّبْسُ، فَلَا يُرَدُّ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا عَارِفٌ. قَوْلُهُ: (وَتُسَنُّ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) وَهُمَا مَسْأَلَةُ الْمُنْفَرِدِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَمَسْأَلَةُ الْجَمَاعَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ يُرِيدُ فِعْلَهَا) أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ فِعْلِهَا سَوَاءٌ الذَّكَرُ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤَذِّنُ) أَيْ الذَّكَرُ لَهَا لِأَنَّ الْأُنْثَى لَا يُطْلَبُ مِنْهَا الْأَذَانُ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (لِيُجَامِعَ الْقَدِيمَ السَّابِقَ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْقَدِيمَ هُنَا غَيْرُ الْقَدِيمِ الْأَوَّلِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لِيُجَامِعَ إلَخْ. لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْقَدِيمَ هُنَا يَقُولُ بِنَدْبِهِ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الْمُؤَدَّاةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِنَدْبِهِ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الْمُؤَدَّاةِ فَالْفَائِتَةِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ. قَوْلُهُ: (وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الرَّافِعِيِّ الْمُوَافِقِ لِمَا فِي الْوَجِيزِ. قَوْلُهُ: (مِنْ اقْتِصَارِ الْجُمْهُورِ) وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْقَاطِعَةُ النَّافِيَةُ لِلْقَدِيمِ هُنَاكَ الْمُوَافِقَةُ لِلْجَدِيدِ مِنْ الْحَاكِيَةِ
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَخْ) وَلَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْخَوْفِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ إلَخْ) لَا يُقَالُ هَذَا الْأَذَانُ لِلْحَاضِرَةِ لِأَنَّهُ لَا يُنْدَبُ لَهَا أَذَانٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ الْآتِي. قَوْلُهُ: (ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ) أَيْ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى
ــ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَوْ أُقِيمَتْ إلَخْ) لَا يُقَالُ يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُ الْمِنْهَاجِ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ لَا بِمَسْجِدٍ إلَخْ، لِأَنَّا نَقُولُ ذَاكَ فِي الْمُنْفَرِدِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ فِيهِ صَوْتَهُ، يُسْتَثْنَى الرَّفْعُ بِقَدْرِ مَا يَسْمَعُ الْحَاضِرُونَ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْأَذَانِ لِلْجَمَاعَةِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ.
. قَوْلُ الشَّارِحِ: (فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) أَيْ هَذِهِ وَمَسْأَلَةُ الْجَدِيدِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي الْأَظْهَرِ تَوْجِيهٌ مُقَابِلُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ مَدْعُوٌّ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ حَضَرُوا فَكَمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْأُولَى إذَا حَضَرُوا لَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ إعَادَتُهُ كَذَلِكَ الثَّانِيَةُ لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الدُّعَاءِ بِالْأَوَّلِ، وَوَجْهُ الْأَظْهَرِ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ اسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ آحَادَ الْجَمَاعَةِ بِالْأُولَى قَبْلَ إقَامَتِهَا لَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ أَذَانٌ لِأَنَّهُمْ مَدْعُوُّونَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالُوا: إنَّ الْمُنْفَرِدَ يُؤَذِّنُ وَإِنْ بَلَغَهُ أَذَانُ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ مَا لَوْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا، وَقَدْ سَلَفَ أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ قَالَ فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ: وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ إنَّ قَيْدَ الْوُقُوعِ مُخْرِجٌ مَا قَبْلَهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَذَانُ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ. انْتَهَى. وَقَدْ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى مُرِيدِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ الْمِنْهَاجِ فِي الْمُنْفَرِدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ) أَيْ اتِّفَاقًا. قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ حَيْثُ تَفْعَلُ جَمَاعَةٌ) يَقْتَضِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ لَا فِي الْجَدِيدِ وَلَا فِي الْقَدِيمِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ خَاصًّا بِالْجَمَاعَةِ. نَعَمْ عَلَى طَرِيقِ الْجُمْهُورِ لَا إشْكَالَ. قَوْلُ الشَّارِحِ: (عَلَى إطْلَاقِهِ) أَيْ فَلَا يُقَيِّدُ بِالْفِعْلِ جَمَاعَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ التَّقْيِيدَ مِنْ قَوْلِهِ لِيُجَامِعَ الْقَدِيمَ إلَى آخِرِهِ لَا يَأْتِي عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. قَوْلُ
следующие страницы →