Полный текст (1 593 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
بِالْحَجِّ أَمَّا إذَا كَفَرَ بِالصَّوْمِ وَقُلْنَا وَقْتُ الْوُجُوبِ إذَا أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ لَمْ يُقَدِّمْ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْقَضَاءِ وَيَصُومُ السَّبْعَةَ إذَا رَجَعَ مِنْهُ، وَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ بِالْفَوَاتِ فَفِي جَوَازِ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ فِي حَجَّةِ الْفَوَاتِ وَجْهَانِ، وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ فِي إحْرَامٍ نَاقِصٍ وَالْمَعْهُودُ إيقَاعُهَا فِي نُسُكٍ كَامِلٍ.
(وَالدَّمُ الْوَاجِبُ) فِي الْإِحْرَامِ (بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ) بَلْ يَجُوزُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ الضَّحَايَا (وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ) قَالَ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَلَوْ ذَبَحَ خَارِجَ الْحَرَمِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَالثَّانِي يُعْتَدُّ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يُنْقَلَ وَيُفَرَّقَ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ تَغَيُّرِ اللَّحْمِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ اللَّحْمُ وَقَدْ حَصَلَ بِهِ الْغَرَضُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ (وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إلَى مَسَاكِينِهِ) أَيْ الْحَرَمِ جَزْمًا الْقَاطِنِينَ وَالطَّارِئِينَ وَالصَّرْفُ إلَى الْقَاطِنِينَ أَفْضَلُ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَلَوْ كَانَ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ بَدَلًا عَنْ الذَّبْحِ وَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الصَّرْفُ إلَى ثَلَاثَةٍ وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ فِي الْإِطْعَامِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ كَالْكَفَّارَةِ وَتَجِبُ النِّيَّةُ عِنْدَ التَّفْرِقَةِ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الرُّويَانِيُّ وَقِيسَ الْفُقَرَاءُ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
(وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ) مِنْ الْحَرَمِ (لِذَبْحِ الْمُعْتَمِرِ الْمَرْوَةُ وَلِلْحَاجِّ مِنًى) لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ تَحَلُّلِهِمَا. (وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا مِنْ هَدْيٍ) تَطَوُّعٍ أَوْ مَنْذُورٍ (مَكَانًا) فِي الِاخْتِصَاصِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ (وَوَقْتُهُ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ كَدَمِ الْجُبْرَانِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَخَّرَ ذَبْحَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا ذَبَحَهُ قَضَاءً وَإِلَّا فَقَدْ فَاتَ فَإِنْ ذَبَحَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ كَانَتْ شَاةَ لَحْمٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاجِبَ يَجِبُ
ــ
[حاشية قليوبي]
عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ أَخْرَجَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ كَمَا فِي الْمُتَمَتِّعِ.
قَوْلُهُ: وَالدَّمُ الْوَاجِبُ قُيِّدَ بِهِ لِمُتَعَلِّقِهِ الْمَذْكُورِ وَإِلَّا فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَطْلُوبُ، وَلَوْ نَدْبًا كَدَمِ عَدَمِ الْجَمْعِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْوُقُوفِ. قَوْلُهُ: (بِفِعْلِ حَرَامٍ) أَيْ أَصَالَةً وَإِنْ جَازَ لِعُذْرٍ وَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ إذَا عَصَى بِسَبَبِهِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. قَوْلُهُ: (لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ) أَيْ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ ذَبَحَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) فَيَلْزَمُهُ إبْدَالُهُ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ تَغَيُّرِ لَحْمِهِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ. قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ) وَكَذَا بَقِيَّةُ أَجْزَائِهِ كَمَا مَرَّ. وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ صَرْفِهِ بِنَحْوِ غَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ وَلَوْ مِنْ فُقَرَاءِ الْحَرَمِ لَمْ يُجْزِئْهُ لَكِنَّ لَهُ شِرَاءَ اللَّحْمِ بَدَلَهُ وَيُفَرِّقُهُ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ إلَخْ) أَيْ يَجِبُ فِي تَفْرِقَةٍ أَيْ طَعَامِ مَا يَجِبُ فِي صَرْفِ اللَّحْمِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ النِّيَّةُ عِنْدَ التَّفْرِقَةِ) أَيْ الْإِطْعَامِ، وَتَكْفِي النِّيَّةُ عِنْدَ عَزْلِهِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَالنِّيَّةِ فِي الذَّبْحِ عِنْدَهُ، وَلَوْ نَوَى عِنْدَ الصَّرْفِ فَهُوَ أَكْمَلُ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ) بِتَاءِ التَّأْنِيثِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. وَيَجُوزُ كَوْنُهُ بِهَاءِ الضَّمِيرِ أَيْ الْحَرَمِ وَهِيَ أَوْلَى لِشُمُولِ الْأَوَّلِ لِغَيْرِ
ــ
[حاشية عميرة]
الْأَوَّلِ إذَا أَحْرَمَ إلَخْ) وَقِيلَ هُوَ كَالْقَضَاءِ يَجِبُ فِي سُنَّةِ الْفَوَاتِ، وَإِنْ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ صَرَّحَ بِحِكَايَةِ هَذَا الْوَجْهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
تَنْبِيهٌ: لَك أَنْ تَقُولَ حَيْثُ كَانَ هَذَا الدَّمُ يَجِبُ إذَا أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ، فَهَلَّا جَازَ تَقْدِيمُهُ فِي سُنَّةِ الْفَوَاتِ كَمَا جَازَ فِي دَمِ التَّمَتُّعِ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؟ قُلْت فِي مَسْأَلَةِ التَّمَتُّعِ: إذَا قُدِّمَ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ كَانَ وَاقِعًا فِي سُنَّةِ الْحَجِّ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ. نَعَمْ قِيَاسُ هَذَا أَنْ يَجُوزَ فِعْلُهُ فِي سُنَّةِ الْقَضَاءِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فِيهَا بِالْقَضَاءِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِفِعْلِ حَرَامٍ) أَيْ مَا أَصْلُهُ ذَلِكَ لِيَشْمَلَ دِمَاءَ الْمَعْذُورِينَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إلَخْ) لَوْ ذَبَحَهُ بِالْحَرَمِ فَسُرِقَ مِنْهُ سَقَطَ الذَّبْحُ، وَبَقِيَ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ إمَّا بِذَبْحٍ أَوْ بِلَحْمٍ يَشْتَرِيهِ وَيُفَرِّقُهُ.
فَرْعٌ: قَوْلُهُ وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَذَا سَائِرُ أَجْزَائِهِ الْمَأْكُولَةِ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ. قَوْلُهُ: (الصَّرْفُ إلَى ثَلَاثَةٍ) اسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَدَمَ التَّعْمِيمِ عِنْدَ الِانْحِصَارِ كَالزَّكَاةِ بِجَامِعِ عَدَمِ جَوَازِ النَّقْلِ فِيهِمَا، وَفَرَّقَ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا حُرْمَةُ الْبَلَدِ، وَالْمَقْصُودَ فِي الزَّكَاةِ سَدُّ الْحَاجَاتِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ فِدْيَةَ الْحَلْقِ وَنَحْوِهِ، يَجِبُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: (عِنْدَ التَّفْرِقَةِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِي النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى التَّفْرِقَةِ مَا قِيلَ فِي الزَّكَاةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ) يَجُوزُ قِرَاءَتُهُ جَمْعًا مُضَافًا لِضَمِيرِ الْحَرَمِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِذَبْحِ الْمُعْتَمِرِ) أَيْ غَيْرِ الْقَارِنِ أَوْ الْمُتَمَتِّعِ، أَمَّا الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي عَلَيْهِ دَمٌ فَالْأَفْضَلُ ذَبْحُ دَمِ تَمَتُّعِهِ بِمِنًى قَالَهُ السُّبْكِيُّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقْتُهُ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ) قِيَاسًا عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ
стр. 597
صَرْفُ لَحْمِهِ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَفُقَرَائِهِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي وُقُوعِ التَّطَوُّعِ مَوْقِعَهُ مِنْ صَرْفِهِ إلَيْهِمْ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ أَهْدَى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِائَةَ بَدَنَةٍ» فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يَهْدِيَ إلَيْهَا شَيْئًا مِنْ النَّعَمِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ إلَّا بِالنَّذْرِ.
بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ لِلْحَجِّ (مَنْ أُحْصِرَ) عَنْ إتْمَامِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ عَدُوٌّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الْكُفَّارِ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ.
ــ
[حاشية قليوبي]
الْحَرَمِ. قَوْلُهُ: (وَالْحَاجُّ) وَلَوْ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْمَرْوَةَ وَمِنًى مَحَلُّ تَحَلُّلِهَا. وَيُنْدَبُ أَنْ يُذْبَحَ الْمُعْتَمِرُ قَبْلَ حَلْقِهِ وَبَعْدَ سَعْيِهِ. قَوْلُهُ: (وَوَقْتُهُ) أَيْ الْهَدْيِ الَّذِي يَقَعُ ضَحِيَّةً مِنْ تَطَوُّعٍ أَوْ مَنْذُورٍ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ وَإِنْ تَعَيَّنَ غَيْرُهُ لِأَنَّ تَعْيِينَ الزَّمَانِ لَيْسَ قُرْبَةً فَلَا يَصِحُّ نَذْرُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ صَرْفِهِ فِيهِمَا لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، وَلَهُ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ الْوَاجِبِ، وَيَجِبُ ذَبْحُ الْوَاجِبِ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ قَضَاءً وَيَفُوتُ الْمَنْدُوبُ كَمَا ذَكَرَهُ.
فُرُوعٌ: الْهَدْيُ مِنْ غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَوْ مِنْ الْمُعْتَمِرِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ غَصَبَ الْهَدْيَ الْمُسَاقَ إلَى الْحَرَمِ فِي الطَّرِيقِ أَيْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَمْلِهِ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا مُعَيَّنًا وَجَبَ ذَبْحُهُ فِي مَحَلِّ عَضْبِهِ وَتَفْرِقَةُ جَمِيعِهِ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مُعَيَّنًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ فَلَهُ أَكْلُهُ وَيَجِبُ إبْدَالُهُ أَوْ مَنْدُوبًا فَلَهُ أَكْلُهُ بِلَا إبْدَالٍ.
بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ أَيْ بَيَانُهُمَا وَحُكْمُهُمَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا وَالْإِحْصَارُ لُغَةً الْمَنْعُ مِنْ أَحَصَرَهُ وَحَصَرَهُ. وَالْأَوَّلُ فِي الْمَرَضِ أَشْهَرُ وَالثَّانِي فِي الْعَدُوِّ أَشْهَرُ، وَوَقْعُ الْأَوَّلُ فِي الْقُرْآنِ لِلْعَدُوِّ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْفَصَاحَةِ. وَشَرْعًا الْمَنْعُ مِنْ النُّسُكِ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا كُلًّا أَوْ بَعْضًا وَالْفَوَاتُ لُغَةً عَدَمُ إدْرَاكِ الشَّيْءِ وَشَرْعًا هُنَا عَدَمُ إدْرَاكِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. وَأَسْبَابُ الْحَصْرِ سِتَّةٌ الْعَدُوُّ وَالْمَرَضُ وَالسِّيَادَةُ وَالزَّوْجِيَّةُ.
وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْلِيَّةُ وَالدِّينِيَّةُ فَيُنْدَبُ لِلْفَرْعِ وَإِنْ سَفَلَ اسْتِئْذَانُ جَمِيعِ أُصُولِهِ وَلَوْ كُفَّارًا أَوْ أَرِقَّاءَ فِي أَدَاءِ النُّسُكِ، وَلَوْ فَرْضًا وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ مَنْعُهُ مِنْهُ إحْرَامًا وَسَفَرًا وَتَحْلِيلُهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا إلَّا إنْ كَانَ مُسَافِرًا مَعَهُ، أَوْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ بِأَمْرِهِ بِمَا يَأْتِي. وَيُنْدَبُ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ اسْتِئْذَانُ دَائِنِهِ وَإِنْ قَلَّ الدَّيْنُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِدُونِ عِلْمِ رِضَاهُ أَوْ قَضَائِهِ. وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ وَلَوْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَهُوَ مُوسِرٌ، وَإِنْ فَاتَهُ النُّسُكُ وَلَيْسَ لَهُ نَائِبٌ فِي قَضَائِهِ لِتَعَدِّيهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ كَمَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا. وَإِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّلُ إلَّا بِإِتْيَانِ مَكَّةَ وَإِعْمَالِ الْعُمْرَةِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِتَعَدِّيهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَعَدٍّ كَأَنْ حُبِسَ ظُلْمًا تَحَلَّلَ كَغَيْرِهِ بِمَا يَأْتِي وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَجِّ) مُتَعَلِّقٌ بِالْفَوَاتِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (عَنْ إتْمَامِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) عَبَّرَ بِالْإِتْمَامِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَحَلَّلَ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِحْرَامِ
ــ
[حاشية عميرة]
مِنْهُ؟ قُلْت نَعَمْ هُوَ كَأُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ. قَوْلُهُ: (إلَّا بِالنَّذْرِ) اُنْظُرْ هَلْ يَكْفِي فِيهِ التَّعْيِينُ كَالْأُضْحِيَّةِ؟ . ثُمَّ الْهَدْيُ إنْ غُصِبَ فِي الطَّرِيقِ نَحَرَهُ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ عَيْنًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ جَازَ أَكْلُ الْجَمِيعِ، وَيُبْدِلُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ بُلُوغِ الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيِّنًا ابْتِدَاءً حُرِّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَهْلِ الْقَافِلَةِ وَلَهُ فُقَرَاءُ بَلْ يَتْرُكُهُ لِأَهْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَضَبَ فِيهِ.
[بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ لِلْحَجِّ]
بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ إلَخْ قَوْلُهُ: (الْإِحْصَارُ) يُقَالُ عَلَى الْمَشْهُورِ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ، وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ، وَيُقَالُ: هُمَا فِيهِمَا وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْمَنْعُ عَنْ إتْمَامِ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ. قَوْلُهُ: (لِلْحَجِّ) كَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فَوَاتُ الْعُمْرَةِ تَبَعًا لِلْحَجِّ فِي حَقِّ الْقَارِنِ. قَوْلُهُ: (عَنْ إتْمَامِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) أَيْ إتْمَامِ أَرْكَانِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَفِي كَلَامِهِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ، إذْ لَوْ حُصِرَ عَنْ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ جَبَرَهُمَا بِدَمٍ مَعَ تَمَامِ الْأَرْكَانِ، وَتَمَّ حَجُّهُ، وَيَنْبَغِي بِأَنْ يَتَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ التَّامُّ عَلَى هَذَا الدَّمِ أَيْضًا.
стр. 598
(تَحَلَّلَ) أَيْ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ وَسَيَأْتِي مَا يَحْصُلُ بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أَيْ وَأَرَدْتُمْ التَّحَلُّلَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهُدَى، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ تَحَلَّلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ وَكَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ» وَسَوَاءٌ أُحْصِرَ الْكُلُّ أَمْ الْبَعْضُ (وَقِيلَ لَا تَتَحَلَّلُ الشِّرْذِمَةُ) بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ جُمْلَةِ الرُّفْقَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْإِحْصَارِ كَمَا لَوْ أَخْطَأَتْ الطَّرِيقَ أَوْ مَرِضَتْ وَدُفِعَ بِأَنَّ مَشَقَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ الَّتِي جَازَ التَّحَلُّلُ لَهَا لَا تَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَتَحَمَّلَ غَيْرُهُ مِثْلَهَا أَوْ لَا ثُمَّ إنْ كَانَ الْوَقْتُ لِلْحَجِّ وَاسِعًا فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ التَّحَلُّلَ فَرُبَّمَا زَالَ الْمَنْعُ فَأَتَمَّ الْحَجَّ وَمِثْلُهُ الْعُمْرَةُ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ التَّحَلُّلِ لِئَلَّا يَفُوتَ الْحَجُّ وَلَوْ مَنَعُوا وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ الْمُضِيِّ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَلَهُمْ أَنْ يَتَحَلَّلُوا وَلَا يَبْذُلُوا الْمَالَ وَإِنْ قَلَّ إذْ لَا يَجِبُ احْتِمَالُ الظُّلْمِ فِي أَدَاءِ الْحَجِّ وَمِثْلُهُ الْعُمْرَةُ وَلَوْ مُنِعُوا مِنْ الرُّجُوعِ أَيْضًا جَازَ لَهُمْ التَّحَلُّلُ فِي الْأَصَحِّ (وَلَا تَحَلُّلَ بِالْمَرَضِ) لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ زَوَالَ الْمَرَضِ بِخِلَافِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَبْرَأَ فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ أَتَمَّهَا أَوْ بِحَجٍّ وَفَاتَهُ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ (فَإِنْ شَرَطَهُ) أَيْ التَّحَلُّلَ بِالْمَرَضِ أَيْ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا مَرِضَ (تَحَلَّلَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ الْمَرَضِ (عَلَى الْمَشْهُورِ) وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَجُوزُ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ الْمَنْعُ عَنْ ابْتِدَائِهِ كَمَا يَأْتِي، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ الْوُقُوفِ هُوَ مِنْ الْفَوَاتِ الْآتِي أَوْ كَانَ مِنْ الطَّوَافِ أَوْ السَّعْيِ فَلَا آخِرَ لِوَقْتِهِمَا كَمَا مَرَّ. فَيَأْتِي بِهِمَا مَتَى شَاءَ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فِعْلُهُمَا تَحَلَّلَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَنْعُ مِنْ التَّقْصِيرِ أَوْ كَانَ مِنْ الرَّمْيِ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ عَنْهُ أَوْ مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ مِنًى لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ وَظَاهِرُ شَرْحِ شَيْخِنَا لُزُومُ الْفِدْيَةِ فِيهِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (أَيْ مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ الْإِتْمَامَ عَدُوٌّ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْحَصْرَ هُنَا بِالْعَدُوِّ لِأَنَّ غَيْرَهُ سَيَأْتِي وَسَوَاءٌ مَنَعَهُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الرُّجُوعِ أَيْضًا أَوْ لَا. قَوْلُهُ: (تَحَلَّلَ) وَإِنْ فَاتَ إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ. قَوْلُهُ: (أَيْ جَازَ) فَلَا يَجِبُ فَوْرًا كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: «تَحَلَّلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ» ) حِينَ هَمَّ بِالدُّخُولِ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتَحَلَّلَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ وَسَيَأْتِي عِدَّتُهُمْ.
فَائِدَةٌ: قَالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ جَاءَ رِيحٌ حَمَلَتْ شُعُورَهُمْ وَأَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ فَاسْتَبْشَرُوا بِقَبُولِ عُمْرَتِهِمْ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (وَكَانَ مُحْرِمًا) هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ مِيقَاتِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جُمْلَةِ الرُّفْقَةِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْحَصْرُ لِبَعْضِ الْحُجَّاجِ وَلَيْسَتْ الشِّرْذِمَةُ قَيْدًا وَلَيْسَتْ هِيَ جَمِيعُ الْحُجَّاجِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ كَانَ إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ وَقْتُ الْوُقُوفِ مُسْتَقْبَلًا بِزَمَانٍ وَاسِعٍ يَرْجُونَ إدْرَاكَهُ فَالْأَفْضَلُ الصَّبْرُ إلَيْهِ، بَلْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ إدْرَاكُهُ بَعْدَ الْحَصْرِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الصَّبْرُ. قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ الْعُمْرَةُ) مِنْ حَيْثُ أَفْضَلِيَّةُ الصَّبْرِ فِيهَا لِأَنَّ وَقْتَهَا وَاسِعٌ بَلْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ إدْرَاكُهَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَبَ الصَّبْرُ. قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَفُوتَ الْحَجُّ) لَوْ قَالَ لِأَنَّ فِي مُصَابَرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي إدْرَاكِهِ النُّسُكَ فِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لَكَانَ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (فَلَهُمْ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَذْلُ الْمَالِ بَلْ يُكْرَهُ لِكُفَّارٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّغَارِ، وَمِثْلُ بَذْلِ الْمَالِ الْقِتَالُ، نَعَمْ إنْ كَانَ فِيهِمْ قُوَّةٌ كَقِتَالِ الْكُفَّارِ نُدِبَ لَهُمْ لِيَنَالُوا ثَوَابَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَلَّ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُمْ بَذْلُ الْمَالِ وَلَوْ قَلِيلًا نَعَمْ لَا عِبْرَةَ بِنَحْوِ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُنِعُوا مِنْ الرُّجُوعِ أَيْضًا جَازَ لَهُمْ التَّحَلُّلُ فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا مُنِعُوا مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ، فَلَوْ مُنِعُوا مِنْ طَرِيقٍ دُونَ غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ سُلُوكُ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَإِنْ كَانَ أَطْوَلَ وَأَشَقَّ. وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّحَلُّلُ، ثُمَّ إنْ كَانَ مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ طُولًا وَسُهُولَةً وَفَاتَهُمْ الْحَجُّ فِيهِ لَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ كَمَا لَوْ صَابَرُوا الْإِحْرَامَ غَيْرَ مُتَوَقِّعِينَ زَوَالَ الْحَصْرِ قَبْلَهُ وَإِلَّا فَلَا قَضَاءَ كَمَا لَوْ صَابَرُوا الْإِحْرَامَ مُتَوَقِّعِينَ زَوَالَهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا تَحَلُّلَ بِالْمَرَضِ) أَيْ لَا يَجُوزُ فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْفَوَاتِ وَلَا فِي الْعُمْرَةِ مُطْلَقًا، وَمِثْلُ الْمَرَضِ نَفَادُ النَّفَقَةِ وَإِضْلَالُ الطَّرِيقِ وَخَطَأُ الْعَدَدِ وَالْحَبْسِ لِدَيْنٍ هُوَ مُوسِرٌ بِهِ وَفِي الْمُعْسِرِ مَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ شَرَطَهُ) أَيْ ذَكَرَ بِلَفْظِهِ حَالَةَ إحْرَامِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ تَحَلَّلَ إذَا مَرِضَ
ــ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ: لَوْ حُبِسَ ظُلْمًا أَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَلَا بَيِّنَةَ سَاغَ التَّحَلُّلُ كَالْحَصْرِ الْعَامِّ. قَوْلُهُ: (لَمَّا صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ إلَخْ) هَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَالِكٍ ﵀ حَيْثُ قَالَ: بِعَدَمِ التَّحَلُّلِ فِي الْعُمْرَةِ لَسَعَةِ وَقْتِهَا. قَوْلُهُ: (مِنْ جُمْلَةِ الرُّفْقَةِ إلَخْ) هَذَا وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي وَادْفَعْ بِهَدْيِك إلَى أَنَّ مَحَلَّ هَذَا الْوَجْهِ إذَا كَانَ الْحَصْرُ لِبَعْضٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَفِيهَا. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ زَوَالَ الْمَرَضِ) مِنْهُ تَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَصْرِ الشِّرْذِمَةِ الْيَسِيرَةِ. نَعَمْ قَدْ يَرُدُّ عَلَى التَّعْلِيلِ مَا لَوْ أُحْصِرَ حَتَّى عَنْ الرُّجُوعِ، يَرُدُّ بِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا إلَّا مِنْ الْعَدُوِّ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ شَرَطَهُ) أَيْ فِي أَوَّلِ إحْرَامِهِ. قَوْلُهُ: (أَيْ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا مَرِضَ) لَوْ شَرَطَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً كَانَ
стр. 599
الْخُرُوجُ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَجُوزُ بِالشَّرْطِ كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُ بِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا أَرَدْت الْحَجَّ قَالَتْ وَاَللَّهِ مَا أَجِدُنِي إلَّا وَجِعَةً فَقَالَ حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» وَمَا قِيلَ مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِضُبَاعَةَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَتُقَاسُ الْعُمْرَةُ بِالْحَجِّ وَلَوْ قَالَ إذَا مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ صَارَ حَلَالًا بِنَفْسِ الْمَرَضِ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ التَّحَلُّلِ
(وَمَنْ تَحَلَّلَ) أَيْ أَرَادَ التَّحَلُّلَ أَيْ الْخُرُوجَ مِنْ النُّسُكِ بِالْإِحْصَارِ (ذَبَحَ) لُزُومًا لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (شَاةً حَيْثُ أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ وَفَرَّقَ لَحْمَهَا عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيُقَاسُ بِهِمْ فُقَرَاؤُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إلَى الْحَرَمِ فَإِنَّهُ ﷺ ذَبَحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ وَيَقُومُ مَقَامَ الشَّاةِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ سُبْعُ إحْدَاهُمَا وَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ إذَا شَرَطَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أُحْصِرَ وَقِيلَ مُسْقَطٌ فِي ذَلِكَ وَقُوَّةُ الْكَلَامِ تُعْطِي حُصُولَ التَّحَلُّلِ بِالذَّبْحِ. (قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (إنَّمَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالذَّبْحِ وَنِيَّةِ التَّحَلُّلِ) عِنْدَهُ لِاحْتِمَالِهِ لِغَيْرِ التَّحَلُّلِ (وَكَذَا الْحَلْقُ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَنْوِي عِنْدَهُ التَّحَلُّلَ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فِي تَحَلُّلِ الْعَبْدِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ غَيْرِ تَنْبِيهٍ عَلَى زِيَادَتِهِ وَإِنْ قُلْنَا الْحَلْقُ لَيْسَ بِنُسُكٍ وَأَسْقَطْنَا الدَّمَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (فَإِنْ فُقِدَ الدَّمُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ بَدَلًا) كَمَا فِي دَمِ التَّمَتُّعِ وَغَيْرِهِ
ــ
[حاشية قليوبي]
يَتَحَلَّلُ. صَوَّرَهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَحَلَّلَ. فَلَوْ قَالَ: إنَّهُ يَصِيرُ حَلَالًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَحَلُّلٍ وَلَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يَقْلِبُ حَجَّهُ عُمْرَةً فَلَهُ قَلْبُهُ أَوْ أَنَّهُ يَنْقَلِبُ حَجُّهُ عُمْرَةً انْقَلَبَ مِنْ غَيْرِ قَلْبٍ، وَتَكْفِيهِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ شَرَطَ مَعَ ذَلِكَ هَدْيًا لَزِمَهُ وَإِلَّا كَفَاهُ الْحَلْقُ وَالنِّيَّةُ كَمَا يَأْتِي. وَمَثَّلَ بِالْمَرَضِ فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مَا أَلْحَقَ بِهِ مِمَّا مَرَّ وَيَكْفِي فِي الْمَرَضِ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (ضُبَاعَةَ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ هَاءٌ بِنْتُ الزُّبَيْرِ ابْنِ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ أَخُوهَا مِنْ أَبِيهَا وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ ﵂ وَلَهَا أَخٌ شَقِيقٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا قُتِلَ فِي أُحُدٍ. قَوْلُهُ: «مَا أَجِدُنِي إلَّا وَجِعَةً» ) أَيْ مُتَوَقِّعَةً لِحُصُولِ وَجَعٍ مُسْتَقْبَلٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي» ) أَيْ انْوِي الْحَجَّ وَاشْتَرِطِي التَّحَلُّلَ بِالْمَرَضِ إذَا حَصَلَ. قَوْلُهُ: (وَقُولِي إلَخْ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلشَّرْطِ وَمَحِلِّي بِكَسْرِ الْحَاءِ بِمَعْنَى التَّحَلُّلِ لَا بِمَعْنَى أَصِيرُ حَلَالًا وَإِنْ احْتَمَلَتْهُ الْعِبَارَةُ لِمَا يَأْتِي. وَضَمِيرُ حَبَسَتْنِي بِتَاءِ التَّأْنِيثِ السَّاكِنَةِ عَائِدٌ لِلْعِلَّةِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ إذَا مَرِضْت فَإِنَّمَا حَلَالٌ صَارَ حَلَالًا بِنَفْسِ الْمَرَضِ) وَأَوْرَدَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَلَمْ يَجْعَلْ الْحَدِيثَ شَامِلًا لَهُ. قَوْلُهُ: (بِالْإِحْصَارِ) لَا بِالْمَرَضِ لِأَنَّهُ لَا ذَبْحَ فِيهِ إلَّا بِشَرْطِهِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَفَرَّقَ لَحْمَهَا) وَكَذَا بَقِيَّةَ أَجْزَائِهَا كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (ذَلِكَ الْمَوْضِعِ) أَيْ مَوْضِعِ الْحَصْرِ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ فِي الْحِلِّ. وَيَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى الْحَرَمِ، وَلَا يَجِبُ كَمَا ذَكَرَهُ وَيَجُوزُ لِمَنْ أُحْصِرَ فِي الْحَرَمِ نَقْلُهُ لِأَيِّ مَكَان مِنْهُ. قَوْلُهُ: (وَيَقُومُ مَقَامَ الشَّاةِ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً) لَكِنْ تَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا أَنَّ مَا زَادَ عَلَى سُبْعِهَا يَقَعُ تَطَوُّعًا. قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْقُطُ إلَخْ) أَيْ سُكُوتُهُ عَنْ شَرْطِ الذَّبْحِ حَالَ نِيَّةِ الْإِحْرَامِ لَا يُسْقِطُهُ بَلْ يَسْقُطُ بِنَفْيِهِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْمَرَضِ فِيهِمَا كَمَا عُلِمَ. قَوْلُهُ: (وَقُوَّةُ الْكَلَامِ إلَخْ) أَيْ كَلَامِ الْمُحَرَّرِ تُفِيدُ أَنَّ التَّحَلُّلَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الذَّبْحِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ مَعَهُ وَمِنْ الْحَلْقِ وَالنِّيَّةِ مَعَهُ أَيْضًا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الذَّبْحِ عَلَى الْحَلْقِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ إلَخْ) أَيْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَعْدِيلٍ، وَيَتَوَقَّفُ التَّحَلُّلُ فِيهِ عَلَى
ــ
[حاشية عميرة]
أَوْلَى بِالصِّحَّةِ إذَا مَرِضَ، وَيُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ. قَوْلُهُ: (إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِضُبَاعَةَ) أَجَابَ الْإِمَامُ بِحَمْلِ الْحَبْسِ عَلَى الْمَوْتِ. قَوْلُهُ: (أَيْ أَرَادَ) أَوَّلَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الذَّبْحَ يَكُونُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ. قَوْلُهُ: (وَيُقَاسُ بِهِمْ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ الْمَسَاكِينِ أَصْلًا مَعَ عَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ فِيهِمْ هُنَا، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى ذِكْرِهِمْ فِي آيَةِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَحَدِيثُ كَفَّارَةِ الْحَلْقِ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إلَخْ) كَذَا لَا يَلْزَمُهُ الذَّبْحُ بِالْحَرَمِ، وَإِنْ أَمْكَنَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَ فِي غَيْرِ مَكَانِ الْإِحْصَارِ مِنْ الْحِلِّ، وَنَظِيرُهُ مَنْعُ الْمُتَنَقِّلِ مِنْ التَّوَجُّهِ فِي النَّفْلِ لِغَيْرِ مَقْصِدِهِ، قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَالْأَوْلَى بَعْثُهُ إلَى الْحَرَمِ. قَوْلُهُ (إنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أُحْصِرَ) زَادَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَإِنْ شُرِطَ نَفْيُهُ.
قَوْلُهُ: (لِاحْتِمَالِهِ لِغَيْرِ التَّحَلُّلِ) اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ اُعْتُبِرَتْ هُنَا وَلَمْ تُعْتَبَرْ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا التَّحَلُّلُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، الثَّانِي شُمُولُ نِيَّةِ الْحَجِّ أَوَّلًا لِأَفْعَالِهِ بِخِلَافِ الذَّبْحِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ
стр. 600
وَالثَّانِي لَا يَدُلُّ لَهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ بِخِلَافِ دَمِ التَّمَتُّعِ (وَ) الْأَظْهَرُ عَلَى الْأَوَّلِ (أَنَّهُ) أَيْ بَدَلَهُ (طَعَامٌ بِقِيمَةِ الشَّاةِ فَإِنْ عَجَزَ) عَنْهُ (صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَلَهُ) إذَا انْتَقَلَ إلَى الصَّوْمِ (التَّحَلُّلُ فِي الْحَالِ فِي الْأَظْهَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِالْحَلْقِ وَالنِّيَّةِ عِنْدَهُ وَمُقَابِلُهُ يَتَوَقَّفُ التَّحَلُّلُ عَلَى الصَّوْمِ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّعَامِ وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَطُولُ زَمَانُهُ فَتَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْإِحْرَامِ إلَى فَرَاغِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي بَدَلُ الدَّمِ الطَّعَامُ فَقَطْ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ أَوْ ثَلَاثَةُ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ كَالْحَلْقِ وَجْهَانِ وَالثَّالِثُ بَدَلُهُ الصَّوْمُ فَقَطْ وَهُوَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ كَصَوْمِ التَّمَتُّعِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كَصَوْمِ الْحَلْقِ أَوْ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّعْدِيلُ بِالْإِمْدَادِ كَمَا تَقَدَّمَ أَقْوَالٌ وَوَجْهُ تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْوَالِ الْبَدَلِ اشْتِمَالُهُ عَلَى الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ.
(وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِلَا إذْنٍ فَلِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ) لِأَنَّ تَقْرِيرَهُ عَلَى الْإِحْرَامِ يُعَطِّلُ مَنَافِعَهُ عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي إتْمَامِ النُّسُكِ فَإِحْرَامُهُ مُنْعَقِدٌ وَالْمُرَادُ بِتَحْلِيلِ السَّيِّدِ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالتَّحَلُّلِ فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ فَيَحْلِقُ وَيَنْوِي التَّحَلُّلَ وَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ شَاةً وَقُلْنَا بِالْمَرْجُوحِ أَنَّهُ يَمْلِكُ؛ ذَبَحَ وَنَوَى التَّحَلُّلَ وَحَلَقَ وَنَوَى التَّحَلُّلَ وَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ فَأَحْرَمَ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ فِي الْأَصَحِّ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ كَالْقِنِّ (وَلِلزَّوْجِ تَحْلِيلُهَا) أَيْ زَوْجَتِهِ (مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ
ــ
[حاشية قليوبي]
الذَّبْحِ أَوْ الْإِطْعَامِ لَا عَلَى الصَّوْمِ. قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: (أَقْوَالٌ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ أَرْجَحُهَا الثَّالِثُ. قَوْلُهُ: (وَوَجْهُ تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْأَظْهَرِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْأُمَّةِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ كَمَا يَأْتِي وَالْمُرَادُ مَنْ فِيهِ رِقٌّ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَلِسَيِّدِهِ) وَلَوْ أُنْثَى أَوْ لِوَلِيِّهِ فِي الْمَحْجُورِ، سَوَاءٌ مِمَّنْ أَحْرَمَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ مَنْ طَرَأَ مِلْكُهُ لَهُ كَأَنْ اشْتَرَاهُ عَالِمًا بِالْإِحْرَامِ أَوْ أَجَازَ الْعَقْدَ. نَعَمْ لَوْ نَذَرَ نُسُكًا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَأَحْرَمَ بِهِ ثُمَّ بَاعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ. قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِتْمَامِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُحَلِّلُهُ. قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ إلَخْ) أَيْ مَعْنَى تَحْلِيلِ السَّيِّدِ لَهُ أَمْرُهُ بِهِ لَا قَطْعُ نِيَّتِهِ، وَلَا مَنْعُهُ عَنْ السَّفَرِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ) أَيْ يَجِبُ بِأَمْرِهِ وَيَجُوزُ قَبْلَهُ وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّحَلُّلِ فَلِسَيِّدِهِ اسْتِخْدَامُهُ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ وَلَوْ جِمَاعًا وَالْإِثْمُ وَالْفِدَاءُ وَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ لَا عَلَى السَّيِّدِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِذْنُ لَهُ فِي الْقَضَاءِ، وَفِدَاؤُهُ بِالصَّوْمِ وَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ، وَلِسَيِّدِهِ الْفِدَاءُ عَنْهُ بِالذَّبْحِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا فِي حَيَاتِهِ. قَوْلُهُ: (فَيَحْلِقُ وَيَنْوِي) فَلَا يَتَوَقَّفُ تَحَلُّلُهُ عَلَى الصَّوْمِ كَالْحُرِّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ) سَوَاءٌ أَطْلَقَ لَهُ فِي الْإِذْنِ أَوْ لَا وَلَهُ فِيهِ أَنْ يُحْرِمَ بِمَا شَاءَ فَإِنْ ادَّعَى السَّيِّدُ إرَادَةَ غَيْرِ مَا أَحْرَمَ بِهِ صَدَقَ السَّيِّدُ إنْ كَانَ الَّذِي أَرَادَهُ دُونَ مَا أَرَادَ الْعَبْدُ، وَإِلَّا صَدَقَ الْعَبْدُ أَوْ قَيَّدَ لَهُ بِزَمَانٍ وَأَحْرَمَ فِيهِ فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ لَا فِيهِ أَوْ قَيَّدَ لَهُ بِنَوْعٍ. وَوَافَقَهُ فِيهِ كَإِفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ فَإِنْ خَالَفَهُ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ إنْ كَانَ مَا أَذِنَ فِيهِ دُونَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، كَأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَإِلَّا فَلَا كَأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي حَجٍّ فَقَرَنَ، أَوْ فِي تَمَتُّعٍ فَأَفْرَدَ، أَوْ فِي قِرَانٍ فَتَمَتَّعَ، قَالَهُ شَيْخُنَا فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ وَإِنْ طَرَأَ مِلْكُهُ وَلَهُ الْخِيَارُ.
تَنْبِيهٌ: إذْنُهُ لَهُ فِي الْإِتْمَامِ كَالِابْتِدَاءِ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِيهِ لِظَنِّهِ مُعْتَمِرًا فَبَانَ حَاجًّا فَيَظْهَرُ تَصْدِيقُ السَّيِّدِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَجَعَ) أَيْ رَجَعَ السَّيِّدُ عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَ إحْرَامِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي أَنَّ إحْرَامَهُ قَبْلَ الرُّجُوعِ أَوْ بَعْدَهُ فَكَمَا فِي الرَّجْعَةِ وَلَوْ أَنْكَرَ السَّيِّدُ أَصْلَ الْإِذْنِ صَدَقَ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ كَالْقِنِّ) نَعَمْ إنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً وَوَقَعَ جَمِيعُ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِي نَوْبَةِ الْعَبْدِ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ.
ــ
[حاشية عميرة]
عَلَى الْحَلْقِ أَيْضًا لِأَنَّهُ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ عِنْدَهُ فَلَا يَأْتِي إلَّا عَلَى التَّوْجِيهِ الْأَوَّلِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ صَنِيعِ الشَّارِحِ ﵀، ثُمَّ رَأَيْت مَعْنًى ثَالِثًا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُحْصَرَ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ الْأَفْعَالِ قَبْلَ كَمَالِهَا، فَاحْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ كَالصَّائِمِ إذَا مَرِضَ وَأَرَادَ الْفِطْرَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ فَقَدَ الدَّمَ) أَيْ حِسًّا أَوْ شَرْعًا وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ. قَوْلُهُ: (الطَّعَامُ فَقَطْ) أَيْ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَيَوَانِ مِنْ الصِّيَامِ لِاشْتِرَاكِهَا فِي الْمَالِيَّةِ، فَكَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ أَوْلَى وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ أَيْ لِأَنَّا اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّعَامَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْهَدْيِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ اعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ آصُعٍ، وَقَوْلُهُ: أَوْ ثَلَاثَةُ آصُعٍ أَيْ فِي فِدْيَةِ الْحَلْقِ، وَقَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ بَدَلُهُ الصَّوْمُ فَقَطْ أَيْ قِيَاسًا عَلَى التَّمَتُّعِ لِأَنَّهُ التَّحَلُّلُ وَالتَّمَتُّعُ شَرْعًا تَخْفِيفًا وَتَرَفُّهًا وَاشْتَرَكَا فِي تَرْكِ بَعْضِ النُّسُكِ، وَقَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ بَدَلُهُ الصَّوْمُ فَقَطْ وَهُوَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّحَلُّلَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الصَّوْمِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَلِسَيِّدِهِ) أَيْ وَلَوْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَإِحْرَامُهُ مُنْعَقِدٌ) لَكِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ وَكَذَا الزَّوْجَةُ.
стр. 601
وَكَذَا مِنْ) الْحَجِّ (الْفَرْضِ) أَيْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ بِلَا إذْنٍ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ تَقْرِيرَهَا عَلَيْهِ يُعَطِّلُ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَالثَّانِي يَقِيسُهُ عَلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَيْنِ وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ مُدَّتَهُمَا لَا تَطُولُ فَلَا يَلْحَقُ الزَّوْجَ كَبِيرُ ضَرَرٍ، وَحُكِيَ الثَّانِي فِي التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَرْضًا بِالشُّرُوعِ وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الِابْتِدَاءِ بِالتَّطَوُّعِ جَزْمًا وَبِالْفَرْضِ فِي الْأَظْهَرِ وَخِلَافُ التَّحْلِيلِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فِي الْمَنْعِ وَالتَّحْلِيلِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا لَهُ الْمَنْعُ دُونَ التَّحْلِيلِ وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهَا وَيُقَاسُ بِالْحَجِّ الْعُمْرَةُ وَالْمُرَادُ بِتَحْلِيلِهِ، إيَّاهَا أَنْ يَأْمُرَهَا بِالتَّحَلُّلِ وَتَحَلُّلُهَا كَتَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ وَلَوْ لَمْ تَتَحَلَّلْ فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا، وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ. ثُمَّ تَوَقَّفَ فِيهِ لِأَنَّ الْمُحْرِمَةَ مُحْرِمَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمُرْتَدَّةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُمْنَعَ الزَّوْجُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ إلَى أَنْ تَتَحَلَّلَ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ وَضَمُّ الْأَمَةِ إلَى الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ.
(وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ الْمُتَطَوِّعِ) إذَا تَحَلَّلَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (فَإِنْ كَانَ) نُسُكُهُ (فَرْضًا مُسْتَقِرًّا) عَلَيْهِ كَحِجَّةِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ سِنِي
ــ
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ كَالْقِنِّ فِيمَا ذَكَرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ كِتَابَتُهُ صَحِيحَةً. نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي الصَّحِيحَةِ إنَّهُ إذَا لَمْ يَحْتَجْ فِي حَجِّهِ إلَى سَفَرٍ وَلَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النُّجُومِ مُدَّتَهُ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ الشَّمْسُ الْخَطِيبُ، وَيَجُوزُ فِي تَحْلِيلِهِ أَنْ يَذْبَحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَأَنْ يَذْبَحَ عَنْهُ سَيِّدُهُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ حَرْبِيٌّ وَأَحْرَمَ فَغَنِمْنَاهُ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُ. قَوْلُهُ: (وَلِلزَّوْجِ) الْمُمْكِنِ وَطْؤُهُ وَلَوْ بِوَلِيِّهِ فِي نَحْوِ مَجْنُونٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ سَفِيهٍ تَحْلِيلُ زَوْجَتِهِ وَلَوْ أَمَةً وَأَذِنَ لَهَا سَيِّدُهَا فِيهِ وَمَحَلُّهُ إنْ أَمْكَنَ وَطْؤُهَا وَحَلَّ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ وَكَانَ لَهُ سَلْطَنَةٌ عَلَيْهَا فَلَا يُحْلِلُ صَغِيرَةً أَحْرَمَ عَنْهَا وَلِيُّهَا مَثَلًا وَلَا مُحْرِمَةً حَالَ إحْرَامِهِ أَيْضًا وَلَا مَنْ وَقَعَ حَجُّهَا فِي زَمَنِ خُرُوجِهَا لِلنَّفَقَةِ فِي مُعْسِرٍ، وَلَا مَنْ أَخْبَرَ طَبِيبَانِ أَنَّهَا إذَا لَمْ تُكْمِلْ حَجَّهَا عَضَبَتْ وَلَا مُطَلَّقَةً وَلَوْ رَجْعِيَّةً، وَإِنْ رَاجَعَهَا وَكَانَ قَدْ أَذِنَ لَهَا، نَعَمْ إنْ أَحْرَمَتْ حَالَ الطَّلَاقِ بِلَا إذْنٍ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَلَهُ تَحْلِيلُهَا وَلَهُ حَبْسُ مُعْتَدَّةٍ وَلَوْ بَائِنًا فِي الْعِدَّةِ. وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ أَوْ خَافَتْ الْفَوَاتَ وَيَلْزَمُهَا بِهِ الْقَضَاءُ وَالْفِدْيَةُ وَإِنْ تَحَلَّلَتْ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ. قَوْلُهُ: (أَيْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ) حَمْلُ الْفَرْضِ عَلَى ذَلِكَ لِانْصِرَافِهِ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَيْسَ قَيْدًا فَالنَّظَرُ وَلَوْ مُعَيَّنًا وَالْقَضَاءُ كَذَلِكَ إلَّا فِيمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الِابْتِدَاءِ بِالتَّطَوُّعِ جَزْمًا) وَمِنْ الْفَرْضِ عَلَى الْأَظْهَرِ قِيَاسًا عَلَى التَّحْلِيلِ بِالْأَوْلَى فَذِكْرُهُ تَتْمِيمٌ لِلْأَقْسَامِ فَعُلِمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَذِنَ لَهَا) أَيْ فِي التَّطَوُّعِ أَوْ الْفَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهَا إنْ لَمْ يُرَاجِعْ قَبْلَ إحْرَامِهَا، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فَكَالرَّجْعِيَّةِ. قَوْلُهُ: (وَيُقَاسُ بِالْحَجِّ الْعُمْرَةُ) فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ نُسُكٍ إلَخْ لَكَانَ أَعَمَّ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَأْمُرَهَا بِالتَّحَلُّلِ) وَيَجِبُ عَلَيْهَا بِأَمْرِهِ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهَا قَبْلَهُ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ كَمَا مَرَّ لِكَمَالِ الْحُرِّ فِي الْجُمْلَةِ. قَوْلُهُ: (وَتَحَلُّلُهَا كَتَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ) فَهُوَ بِذَبْحٍ ثُمَّ حَلْقٍ وَنِيَّةٍ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيَفْسُدُ نُسُكُهَا بِالْجِمَاعِ وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ فَوْرًا قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا عَمِيرَةُ. وَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ أَيْضًا، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَضَمُّ الْأَمَةِ إلَخْ) أَيْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْأَمَةَ كَالزَّوْجَةِ فَإِذَا أَمَرَهَا سَيِّدُهَا بِالتَّحَلُّلِ وَلَمْ تَتَحَلَّلْ فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَصْرَ خَاصًّا أَوْ عَامًّا لَا يُوجِبُ قَضَاءَ التَّطَوُّعِ وَلَا الْفَرْضِ وَلَا يُسْقِطُ مَا اسْتَقَرَّ قَبْلَهُ مِنْ فَرْضٍ أَصْلِيٍّ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ عَلَى مَا مَرَّ لِعَدَمِ وُرُودِهِ أَيْ لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ لِمَنْ أُحْصِرَ لِأَنَّهُ قَدْ «أَحْرَمَ مَعَهُ ﷺ
ــ
[حاشية عميرة]
فَائِدَةٌ: نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّا حَيْثُ أَبَحْنَا لِلزَّوْجِ تَحْلِيلَ زَوْجَتِهِ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَحَلَّلَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَنَظَرَ فِيهِ السُّبْكِيُّ بِسَبَبِ الْعِصْيَانِ قَالَ: وَيَبْعُدُ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ أَوَّلًا وَزَوَالُهَا دَوَامًا. قَوْلُهُ: (فَلَهُ تَحْلِيلُهُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ يَنْبَغِي اشْتِرَاطُ ثُبُوتِ الرُّجُوعِ بِالْبَيِّنَةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ فَرْضُ الْإِسْلَامِ) خَرَجَ النَّذْرُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْمُتَّجِهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إنْ تَعَلَّقَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، وَكَانَ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَذِنَ فِيهِ الزَّوْجُ فَلَا مَنْعَ وَإِلَّا فَلَهُ الْمَنْعُ اهـ.
وَخَرَجَ الْقَضَاءُ أَيْضًا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمُتَّجِهُ فِيهِ عَدَمُ الْمَنْعِ إذَا كَانَ سَبَبُهُ وَطْءَ الزَّوْجِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، وَلَكِنْ قَبْلَ النِّكَاحِ، فَإِنْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بَعْدَهُ فِي نُسُكٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ فَلَهُ الْمَنْعُ، وَإِنْ أَذِنَ فَفِي الْمَنْعِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ تَقْرِيرَهَا عَلَيْهِ يُعَطِّلُ حَقَّهُ إلَخْ) قِيلَ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ امْتِنَاعُ تَحْلِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا وَكَذَا الْكَبِيرَةُ إذَا سَافَرَتْ مَعَ الزَّوْجِ وَأَحْرَمَتْ وَقْتَ إحْرَامِهِ. قَوْلُهُ: (مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِلْأَظْهَرِ مِنْ قَوْلِهِ وَبِالْفَرْضِ فِي الْأَظْهَرِ. قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ فِي الْمَنْعِ إلَخْ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْضِ ثُمَّ وَجْهُ أَخْذِ الْمُفَصِّلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ الْقَائِلُ بِعَدَمِ التَّحْلِيلِ، بِأَنَّ لَهُ الْمَنْعَ ابْتِدَاءً، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي التَّحْلِيلِ مُفَرَّعًا عَلَى الْمَنْعِ فِي الِابْتِدَاءِ، كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ فِي الِابْتِدَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمَنْعِ فِي الدَّوَامِ. قَوْلُهُ: (وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا) أَيْ وَكَذَا الْكَفَّارَةُ فِي الْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ وُرُودِهِ) اسْتَدَلَّ أَيْضًا «بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُحْصِرَ مَعَهُ فِي
стр. 602
الْإِمْكَانِ وَكَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ (بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ) كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ وَلَمْ يُتِمَّهَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ (أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ) كَحِجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ (اُعْتُبِرَتْ الِاسْتِطَاعَةُ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ زَوَالِ الْإِحْصَارِ إنْ وُجِدَتْ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا (وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ) وَبِفَوَاتِهِ يَفُوتُ الْحَجُّ كَمَا تَقَدَّمَ (تَحَلَّلَ) أَيْ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ مُحْرِمًا حَرَجًا شَدِيدًا يَعْسُرُ احْتِمَالُهُ. (بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ وَفِيهِمَا) أَيْ السَّعْيِ وَالْحَلْقِ. (قَوْلٌ) إنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ فِي التَّحَلُّلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَنَظَرًا إلَى أَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ لِإِجْزَائِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ سَعْيٌ، فَمَنْ سَعَى عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَا يَحْتَاجُ فِي تَحَلُّلِهِ إلَى سَعْيٍ. (وَعَلَيْهِ دَمٌ وَالْقَضَاءُ) لِلْحَجِّ الَّذِي فَاتَهُ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ تَطَوُّعًا كَانَ أَوْ فَرْضًا. وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرِ بِأَنَّ الْفَرْضَ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعَدَّ، وَكُنَّا نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اذْهَبْ إلَى مَكَّةَ فَطُفْ بِالْبَيْتِ أَنْتَ وَمَنْ مَعَك وَاسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ، وَانْحَرُوا هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ
ــ
[حاشية قليوبي]
مِنْ أَصْحَابِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَأَكْثَرُ مَنْ أَحْرَمَ مَعَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ فِي الْعَامِ بَعْدَهُ سَبْعُمِائَةٍ» ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا غَيْرَهُمْ بِالْقَضَاءِ. قَوْلُهُ: (إذَا تَحَلَّلَ) سَوَاءٌ مَعَ بَقَاءِ الْحَصْرِ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ نَعَمْ إنْ زَالَ الْحَصْرُ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ وَتَحَلَّلَ قَبْلَ فِعْلِهِ فَهُوَ مِنْ الْفَوَاتِ الْآتِي.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَتَحَلَّلَ ثُمَّ زَالَ الْحَصْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ وَلَا الْإِحْرَامُ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ زَوَالِ الْإِحْصَارِ) أَيْ فِي الزَّمَنِ الَّذِي تُعْتَبَرُ الِاسْتِطَاعَةُ فِيهِ فِيمَا مَرَّ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ فِي زَمَنِ الْإِحْصَارِ وَلَوْ خَاصًّا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ) سَوَاءٌ تَمَكَّنَ مِنْهُ أَوْ لَا بِحَصْرٍ أَوْ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (تَحَلَّلَ أَيْ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ) أَيْ وَجَبَ فَوْرًا لِأَنَّهُ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ فَيَحْرُمُ بَقَاؤُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَلَا يُجْزِئُهُ لَوْ أَخَّرَهُ إلَى عَامٍّ قَابِلٍ. قَوْلُهُ: (بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ) وَهِيَ أَعْمَالُ الْعُمْرَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهَا غَيْرُهُ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْحَلْقِ أَوْ الطَّوَافِ الْمَتْبُوعِ بِالسَّعْيِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَيَحِلُّ بِالْآخَرِ التَّحَلُّلُ الثَّانِي الْعَامُّ لِأَنَّهُ لَا رَمْيَ هُنَا وَلَا مَبِيتَ لِفَوَاتِهِمَا تَبَعًا لِلْوُقُوفِ، فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُمَا وَلَا يَحْتَاجُ فِي أَعْمَالِ هَذِهِ الْعُمْرَةِ إلَى نِيَّةٍ. اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عُمْرَةً حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا تَكْفِي عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْعَامُّ بِالطَّوَافِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ سَعْيِهِ. قَوْلُهُ: (لَا يَحْتَاجُ فِي تَحَلُّلِهِ إلَى سَعْيٍ) فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ دَمُ الْقَضَاءِ) إنْ لَمْ يَكُنْ فَاتَ بِحَصْرِهِ كَمَا مَرَّ، وَسُمِّيَ قَضَاءً لِتَضَيُّقِهِ بِالْفَوَاتِ وَإِلَّا فَلَيْسَ قَضَاءً كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِعِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرِ. قَوْلُهُ: (تَطَوُّعًا كَانَ أَوْ فَرْضًا) فَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَالْمُحَرَّرِ بِالْفَرْضِ لِإِيهَامِهَا عَدَمَ وُجُوبِ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْأَصَحِّ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ فَاتَ بِعُذْرٍ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ غَالِبًا. قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ الْمُتَعَلِّقِ بِالْفَوَاتِ. قَوْلُهُ: (هَبَّارَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ. قَوْلُهُ: (أَخْطَأْنَا الْعَدَّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ
ــ
[حاشية عميرة]
الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ» أَكْثَرُ مَا قِيلَ: إنَّهُمْ سَبْعُمِائَةٍ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ تَخَلَّفَ بِالْقَضَاءِ ثُمَّ عَدَمُ الْقَضَاءِ ثَابِتٌ، وَلَوْ كَانَ أَتَى بِبَعْضِ الْمَنَاسِكِ قَبْلَ الْحَصْرِ، وَكَذَا هُوَ ثَابِتٌ أَيْضًا فِي حَقِّ الشِّرْذِمَةِ الْيَسِيرَةِ وَالْحَصْرِ الْخَاصِّ كَمَا فِي الْمَرِيضِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ، وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عِنْدَ غَلَطِ الشِّرْذِمَةِ الْيَسِيرَةِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنْ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُمْ لَوْ أَخَّرُوا التَّحَلُّلَ طَامِعِينَ فِي زَوَالِ الْحَصْرِ حَتَّى فَاتَ الْحَجُّ لَا قَضَاءَ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ لَوْ سَلَكُوا طَرِيقًا أَطْوَلَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ أَوْعَرَ فَفَاتَهُمْ بَلْ سُلُوكُهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ عَلِمُوا الْفَوَاتَ وَمَأْخَذُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَوَاتَ نَاشِئٌ عَنْ الْحَصْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ صَابَرُوا عَلَى غَيْرِ طَمَعِ الزَّوَالِ، أَوْ سَلَكُوا طَرِيقًا مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ أَوْ أَقْرَبَ مِنْهُ، فَفَاتَهُمْ الْوُقُوفُ فَإِنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ إلَخْ) قَدْ جَزَمَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالْوُجُوبِ، لَكِنَّ السُّبْكِيَّ حَمَلَ كَلَامَهُمْ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْحَجِّ بِهَذَا الْإِحْرَامِ مِنْ قَابِلٍ لَا وُجُوبِ التَّحَلُّلِ فَوْرًا، وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، فَلَعَلَّ الشَّارِحَ ﵀ تَابِعٌ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (لِإِجْزَائِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ) أَيْ وَأَسْبَابُ التَّحَلُّلِ يَجِبُ تَأَخُّرُهَا عَنْهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَعَلَيْهِ دَمٌ) أَيْ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ عُمَرَ ﵁، وَلِأَنَّ الْفَوَاتَ سَبَبٌ يَجِبُ بِهِ
стр. 603
احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا، ثُمَّ ارْجِعُوا فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَاهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية قليوبي]
الدَّالِ أَيْ الْعَدَدِ فِي أَيَّامِ الشَّهْرِ، وَضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ إمَّا لِهَبَّارٍ بِتَعْظِيمِهِ نَفْسِهِ أَوْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ وَهَذَا أَظْهَرُ. قَوْلُهُ: (وَاسْعَوْا) لَعَلَّ الْإِمَامَ عُمَرَ ﵁ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا سَعَوْا بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ أَنَّهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُمْ طَوَافُ الْقُدُومِ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَثَلًا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَانْحَرُوا هَدْيًا) أَيْ وَلْيَنْحَرْ كُلٌّ مِنْكُمْ هَدْيَهُ وَالتَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِ مَعَهُمْ لَا مَفْهُومَ لَهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا) أَيْ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ الْحَلْقَ فَلْيَحْلِقْ، وَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ التَّقْصِيرَ فَلْيُقَصِّرْ. قَوْلُهُ: (فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا) فِيهِ إفَادَةُ الْفَوْرِيَّةِ فِي الْقَضَاءِ بِالْفَاءِ فِي فَحُجُّوا وَبِتَقْيِيدِ الْعَامِّ بِالْقَابِلِ فَتَأَمَّلْ.
خَاتِمَةٌ: يُنْدَبُ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ وَأَنْ يَحْمِلَ هَدِيَّةً مَعَهُ، وَأَنْ يَأْتِيَ إذَا عَادَ مِنْ سَفَرٍ وَلَوْ قَصِيرًا بِهَدِيَّةٍ لِأَهْلِهِ، وَأَنْ يُرْسِلَ لَهُمْ مَنْ يُخْبِرُهُمْ بِقُدُومِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ، وَأَنْ لَا يَطْرُقَهُمْ لَيْلًا، وَأَنْ يَقْصِدَ أَقْرَبَ مَسْجِدٍ فَيُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الْقُدُومِ، وَأَنْ يَصْنَعَ أَهْلُهُ لَهُ وَلِيمَةً تُسَمَّى النَّقِيعَةَ، وَأَنْ يَتَلَقَّوْهُ كَغَيْرِهِمْ، وَأَنْ يُقَالَ لَهُ إنْ كَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا: تَقَبَّلَ اللَّهُ حَجَّك أَوْ عُمْرَتَك، وَغَفَرَ ذَنْبَك، وَأَخْلَفَ عَلَيْك نَفَقَتَك. أَوْ غَازِيًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَك وَأَكْرَمَك وَأَعَزَّك. وَيُنْدَبُ لِلْحَاجِّ الدُّعَاءُ لِغَيْرِهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَلِغَيْرِ سُؤَالٍ الدُّعَاءُ مِنْهُ بِهَا، وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ يَمْتَدُّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ قُدُومِهِ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
ــ
[حاشية عميرة]
الْقَضَاءُ فَيَجِبُ بِهِ الْهَدْيُ كَالْإِفْسَادِ ثُمَّ هُوَ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ كَمَا سَلَفَ، وَوَجْهُ الْقَضَاءِ مَا سَيَأْتِي وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ بِخِلَافِ الْحَصْرِ فَكَانَ كَالْفَسَادِ.
стр. 604
كِتَابُ الْبَيْعِ
هُوَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا، فَيَقُولُ اشْتَرَيْته بِهِ فَيَتَحَقَّقُ بِالْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَهُمَا شُرُوطٌ تَأْتِي وَالصِّيغَةُ الَّتِي بِهَا يَعْقِدُ، وَبَدَأَ بِهَا كَغَيْرِهِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ لِلْخِلَافِ فِيهَا، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالشَّرْطِ خِلَافَ تَعْبِيرِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالْغَزَالِيِّ عَنْ الثَّلَاثَةِ
ــ
[حاشية قليوبي]
كِتَابُ الْبَيْعِ
أَخَّرَهُ عَنْ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَلِأَنَّ الِاضْطِرَارَ إلَيْهَا أَكْثَرُ، وَلِقِلَّةِ أَفْرَادِ فَاعِلِهِ، وَلَفْظُهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ فَلِذَا أَفْرَدَهُ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ، ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِمَا فِيهِ مُقَابَلَةٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي ثُمَّ إنْ أُرِيدَ بِهِ أَحَدُ شِقَّيْ الْعَقْدِ الَّذِي يُسَمَّى مَنْ يَأْتِي بِهِ بَائِعًا فَيُعْرَفُ بِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَيُقَابِلُهُ الشِّرَاءُ الَّذِي هُوَ الشِّقُّ الْآخَرُ الَّذِي يُسَمَّى مَنْ يَأْتِي بِهِ مُشْتَرِيًا، وَيُعْرَفُ بِأَنَّهُ تَمَلُّكٌ بِعِوَضٍ. كَذَلِكَ وَيَجُوزُ إطْلَاقُ اسْمِ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَعَكْسِهِ اعْتِبَارًا. وَالتَّعْبِيرُ بِالتَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ بِالنَّظَرِ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ كَمَا سَيَأْتِي وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُرَكَّبُ مِنْ الشِّقَّيْنِ مَعًا بِمَعْنَى الْعَلَقَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الشِّقَّيْنِ الَّتِي تُرَدُّ عَلَيْهَا الْإِجَازَةُ وَالْفَسْخُ، فَيُقَالُ لَهُ لُغَةً مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ كَالِاخْتِصَاصِ وَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ صِيغَةً كَالْمُعَاطَاةِ، وَخَرَجَ بِوَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ نَحْوُ السَّلَامِ وَشَرْعًا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ تُفِيدُ مِلْكَ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ عَاقِدٌ وَمَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَصِيغَةٌ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ سِتَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي. وَالْعَقْدُ فِي التَّعْرِيضِ جِنْسٌ وَشَأْنُهُ الْإِدْخَالُ، لَكِنْ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَصْلِهِ عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ يَخْرُجُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا دَخَلَ فِي عُمُومِ الْآخَرِ. وَلِذَلِكَ قَالُوا خَرَجَ بِالْعَقْدِ الْمُعَاطَاةُ وَبِالْمُعَاوَضَةِ نَحْوُ الْهَدِيَّةِ، وَبِالْمَالِيَّةِ نَحْوُ النِّكَاحِ وَبِإِفَادَةِ مِلْكِ الْعَيْنِ الْإِجَارَةُ وَبِغَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ الْقَرْضُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَنْفَعَةِ بَيْعُ نَحْوِ حَقِّ الْمَمَرِّ وَالتَّقْيِيدُ بِالتَّأْبِيدِ فِيهِ لِإِخْرَاجِ الْإِجَارَةِ أَيْضًا وَإِخْرَاجُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِقَيْدَيْنِ غَيْرُ مَعِيبٍ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ أَوْلَى مِنْ التَّعْرِيفِ بِأَنَّهُ مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لِمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ الْبَيْعُ مُنْحَصِرٌ فِي خَمْسَةِ أَطْرَافٍ الْأَوَّلُ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ، وَالثَّانِي فِي جَوَازِهِ وَلُزُومِهِ، وَالثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَالرَّابِعُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْخَامِسُ فِي التَّحَالُفِ وَمُعَامَلَةِ الْعَبِيدِ وَأَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ ثُمَّ الصِّنَاعَةُ، ثُمَّ التِّجَارَةُ عَلَى الرَّاجِحِ.
قَوْلُهُ: (هُوَ) أَيْ الْبَيْعُ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الْمُرَكَّبِ كَمَا مَرَّ وَعَرَّفَهُ بِالْمِثَالِ دُونَ الْحَدِّ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ. وَالْإِشَارَةُ كَالْقَوْلِ وَغَيْرُ لَفْظِ الْبَيْعِ مِثْلُهُ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (بِعْتُك) فِيهِ الْإِسْنَادُ إلَى جُمْلَةِ الْمُخَاطَبِ فَلَا يَكْفِي الْإِسْنَادُ إلَى جُزْئِهِ كَرَأْسِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْجُمْلَةُ. وَمَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ إلَى الصِّحَّةِ فِي النَّفْسِ وَالْعَيْنِ مَعَ إرَادَةِ الْجُمْلَةِ وَشَيْخُنَا زي إلَى الصِّحَّةِ وَلَوْ فِي نَحْوِ الْيَدِ مَعَ الْإِرَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فَرَاجِعْهُ. وَلَا يَكْفِي قَصْدُ خِطَابِ غَيْرِ الْعَاقِدِ وَلَا الْإِشَارَةُ لِغَيْرِهِ وَلَا قَصْدُ غَيْرِهِ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ وَلَا الْإِسْنَادُ لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ كَبِعْتُ مُوَكِّلَك وَلَا بَاعَك اللَّهُ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْمَالِكُ بِخِلَافِ نَحْوِ الْعِتْقِ، نَعَمْ هُوَ كِنَايَةٌ هُنَا وَيَكْفِي عَنْ الْخِطَابِ اسْمُ الْإِشَارَةِ كَهَذَا أَوْ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ كَالِاسْمِ الظَّاهِرِ كَزَيْدٍ الْعَقْدُ مَعَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْخِطَابُ فِي بَيْعِ مَالِهِ لِطِفْلِهِ وَعَكْسِهِ وَلَا فِي الْبَيْعِ مَعَ الْوَاسِطَةِ، بَلْ لَا يَصِحُّ الْخِطَابُ فِيهِمَا، وَيَكْفِي صِيغَةُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَوْ قَبْلَ عِلْمِ الْآخَرِ أَيْ وَلَا يَضُرُّ اللَّحْنُ فِي الصِّيغَةِ مِنْ الْعَامِّيِّ كَفَتْحِ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَإِبْدَالِ الْكَافِ هَمْزَةً. قَوْلُهُ: (اشْتَرَيْته بِهِ) فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فِي كُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَاغْتَفَرَ الْخَطِيبُ عَدَمَ ذِكْرِهِمَا مِنْ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فَيَتَحَقَّقُ) يُفِيدُ اعْتِمَادُهُ أَنَّهَا أَرْكَانٌ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَلَهُمَا شُرُوطٌ إلَخْ)
ــ
[حاشية عميرة]
[كِتَابُ الْبَيْعِ]
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا أَهَمُّ) قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ النُّورِيُّ الْمَحَلِّيُّ: وَلِأَنَّ الْعَاقِدَ وَالْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمَا كَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقَانِ إلَّا بِالصِّيغَةِ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتُهُمَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (شَرْطُهُ الْإِيجَابُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِيُوَافِقَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ جَعْلِهَا رُكْنًا، وَالْإِيجَابُ مِنْ أَوْجَبَ بِمَعْنَى أَوْقَعَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] .
стр. 605
بِأَرْكَانِ الْبَيْعِ فَقَالَ: (شَرْطُهُ الْإِيجَابُ كَبِعْتُكَ وَمَلَّكْتُك، وَالْقَبُولُ كَاشْتَرَيْتُ وَتَمَلَّكْت وَقَبِلْت) أَيْ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِدُونِهِمَا لِأَنَّهُ مَنُوطٌ بِالرِّضَا لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ: «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» وَالرِّضَا خَفِيٌّ، فَاعْتُبِرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ اللَّفْظِ فَلَا بَيْعَ بِالْمُعَاطَاةِ، وَيَرُدُّ كُلَّ مَا أَخَذَهُ بِهَا أَوْ بَدَلَهُ إنْ تَلِفَ. وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ بِهَا فِي الْمُحَقَّرِ كَرِطْلِ خُبْزٍ وَحُزْمَةِ بَقْلٍ. وَقِيلَ: فِي كُلِّ مَا يُعَدُّ فِيهِ بَيْعًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَالدَّوَابِّ وَالْعَقَارِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا. (وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ الْمُشْتَرِي) عَلَى لَفْظِ الْبَائِعِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ ذَلِكَ، وَمَنَعَ الْإِمَامُ تَقَدُّمَ قَبِلْت، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ الْمُصَنِّفُ بِجَوَازِهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْبَيْعُ مِثْلُهُ وَهَذَا نَاظِرٌ إلَى الْمَعْنَى، وَالْأَوَّلُ إلَى اللَّفْظِ.
(وَلَوْ قَالَ بِعْنِي، فَقَالَ بِعْتُك انْعَقَدَ) الْبَيْعُ (فِي الْأَظْهَرِ) لِدَلَالَةِ بِعْنِي عَلَى
ــ
[حاشية قليوبي]
أَيْ فَذِكْرُ شُرُوطِهِمَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُمَا وَإِنَّمَا غَيَّرَ شَرْطَيْنِ بَعْدَ اعْتِبَارِ شَرْطٍ فِي شَرْطٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ أَصَالَةً فَسُكُوتُهُ عَنْهُمَا لِلْعِلْمِ بِوُجُودِهِمَا ضَرُورَةً. قَوْلُهُ: (لِلْخِلَافِ فِيهَا) أَوْ لِأَنَّهَا سَبَبٌ فِي تَسْمِيَتِهِ عَاقِدًا. قَوْلُهُ: (وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالشَّرْطِ) أَيْ وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ. وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ إنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَى الْفَقِيهِ فِي التَّعْبِيرِ أَوْ قُلْنَا: إنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَالِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رُكْنًا لِمَا قِيلَ بِصِحَّةِ الْمُعَاطَاةِ عِنْدَ قَائِلِهِ مَرْدُودٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ الثَّلَاثَةِ) وَهِيَ سِتَّةٌ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا مَرَّ، وَلَمْ يَعُدُّوا الزَّمَانَ رُكْنًا وَلَا الْمَكَانَ لِعُمُومِهِمَا، وَإِنَّمَا عُدَّ الزَّمَنُ فِي نَحْوِ الصَّوْمِ لِعَدَمِ وُجُودِ صُورَتِهِ فِي الْخَارِجِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (بِأَرْكَانِ الْبَيْعِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَمَلَّكْتُك) أَيْ وَمِثْلُهُ فِي الصِّحَّةِ وَالصَّرَاحَةِ أَعْطَيْتُك وَأَعْطِنِي كَاشْتَرِ مِنِّي. قَوْلُهُ: (وَقَبِلْت) وَمِثْلُهُ رَضِيت وَفَعَلْت وَأَحْبَبْت وَنَعَمْ كَذَلِكَ، وَهِيَ صَرِيحَةٌ إنْ وَقَعَتْ جَوَابًا لِصَرِيحٍ وَإِلَّا فَكِنَايَةٌ سَوَاءٌ فِي الْمُتَوَسِّطِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَوَسِّطِ أَهْلِيَّةُ الْبَيْعِ وَلَا نِيَّتُهُ فِي الْكِنَايَةِ وَلَا صِحَّةُ تَمَلُّكِهِ لِلْمَبِيعِ. قَوْلُهُ: (مِنْ اللَّفْظِ) أَيْ وَإِنْ انْتَفَى هُوَ بَاطِنًا. وَسَيَأْتِي أَنَّ الْإِشَارَةَ مِنْ الْأَخْرَسِ كَاللَّفْظِ مِنْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (فَلَا بَيْعَ بِالْمُعَاطَاةِ) بِأَنْ لَمْ تُوجَدْ صِيغَةٌ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَعَمُّ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْعَقْدَ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَرْعًا. وَيَحْرُمُ تَعَاطِي ذَلِكَ الْعَقْدِ إنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ أَوْ أَطْلَقَ وَلَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِهِ كَتَعْلِيمٍ وَمُلَاعَبَةِ زَوْجَتِهِ بِقَوْلِهِ: بِعْتُك نَفْسَك مَثَلًا. وَحَيْثُ حُرِّمَ وَجَبَتْ التَّوْبَةُ مِنْهُ مُطْلَقًا كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مَا لَمْ يُوجَدْ مُكَفِّرٌ فَهُوَ صَغِيرَةٌ. وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. قَوْلُهُ: (وَيَرُدُّ كُلَّ) أَيْ وَلَوْ بِلَا طَلَبٍ. قَالَ شَيْخُنَا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَارِثُهُ مِثْلَهُ حَيْثُ عُلِمَ الْحَالُ وَإِذَا لَمْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ فَلَا مُطَالَبَةَ فِي الْآخِرَةِ إنْ كَانَ ثَمَّ رِضًا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرَ قِيمَةِ مَتَاعِهِ مِنْ بَابِ الظَّفْرِ حَيْثُ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ تَقَدُّمٌ إلَخْ) أَيْ إلَّا بِنَعَمْ وَنَحْوِهَا
ــ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَبِعْتُكَ وَمَلَّكْتُك) صَرَاحَةُ هَذَا تُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَفَارَقَ مَلَّكْتُك وَأَدْخَلْته فِي مِلْكِك بِاحْتِمَالِ الثَّانِي الْإِدْخَالَ فِي مَكَان مَمْلُوكٍ لَهُ، وَمِنْ الصَّرِيحِ اشْتَرِ مِنِّي كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَمِنْهَا شَرَيْتُك وَوَلَّيْتُك وَأَشْرَكْتُك وَصَارَفْتُكَ وَعَوَّضْتُك. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُشْتَقَّاتُ كَبَائِعٍ وَمَبِيعٍ قِيَاسًا عَلَى طَالِقٍ وَمُطَلَّقَةٍ وَمِنْهَا. نَعَمْ وَلَفْظُ الْهِبَةِ مَعَ الْعِوَضِ مَالَ الْإِسْنَوِيُّ ﵀: أَشَارَ بِكَافِ الْخِطَابِ فِي بِعْتُك وَمَلَّكْتُك إلَى أَنَّ إسْنَادَ الْبَيْعِ إلَى الْمُخَاطَبِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ حَتَّى لَوْ لَمْ يُسْنِدْهُ إلَى آخَرَ كَمَا يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي بِعْت هَذَا بِعَشْرَةٍ مَثَلًا، فَيَقُولَ الْبَائِعُ بِعْت، أَوْ أَسْنَدَهُ إلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْت مُوَكِّلَك فَقَبِلَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِذَلِكَ، بَلْ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْوَكَالَةِ وَلَوْ قَالَ الْمُتَوَسِّطُ: بِعْت هَذَا كَذَا. فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ بِعْت. ثُمَّ قَالَ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت بِكَذَا فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ اشْتَرَيْت صَحَّ، وَنَقَلَهُ عَنْ الرَّافِعِيِّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ كَذَا يَنْبَغِي فِي الصُّورَةِ أَنْ يَصِحَّ إذَا قَبِلَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ قَبُولِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ، قُلْنَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَوِّرَهَا يَقُولُ الْمُشْتَرِي يَعْنِي هَذَا بِعَشْرَةٍ فَإِنْ بِعْت هَذَا بِكَذَا، اسْتِفْهَامٌ لَا يُغْنِي عَنْ الْقَبُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ اشْتِرَاطَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَوْ فِي حَقِّ وَلِيِّ الطِّفْلِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَكْفِي أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ، وَقِيلَ: تَكْفِي النِّيَّةُ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ قَوِيٌّ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِيَدُلَّ عَلَى الرِّضَا وَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِ، وَقَوْلُهُ وَالْقَبُولُ كَاشْتَرَيْتُ مِنْ أَلْفَاظِهِ أَيْضًا ابْتَعْت وَاشْتَرَيْت وَصَارَفْتُ وَتَوَلَّيْت وَاشْتَرَكْت وَكَذَا بِعْت وَنَعَمْ وَلَفْظُ الْهِبَةِ، وَمِنْهَا فَعَلْت فِي جَوَابِ اشْتَرِ مِنِّي، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَوْ قَالَ بِعْنِي، فَقَالَ: فَعَلْت، أَوْ نَعَمْ. فَكَقَوْلِهِ: بِعْتُك اهـ.
وَفِي الرَّافِعِيِّ فِي النِّكَاحِ لَوْ قَالَ: بِعْتُك بِأَلْفٍ، فَقَالَ: نَعَمْ صَحَّ الْبَيْعُ، وَفِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ لِشَيْخِنَا خِلَافُهُ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَلْ تَبِعَ مَا أَشْعَرَ بِهِ ظَاهِرُ مَتْنِ الْبَهْجَةِ. قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ) مِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . قَوْلُهُ: (مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ اللَّفْظِ) يَرُدُّ
стр. 606
الرِّضَا، وَالثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ لِاحْتِمَالِ بِعْنِي لِاسْتِبَانَةِ الرَّغْبَةِ، وَبِهَذِهِ الصِّيغَةِ تَقْدِيرًا الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ فِي أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِكَذَا فَفَعَلَ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَنْ الطَّالِبِ، وَيَلْزَمُهُ الْعِوَضُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ بِعْنِيهِ وَأَعْتِقْهُ عَنِّي، وَقَدْ أَجَابَهُ وَلَوْ قَالَ اشْتَرِ مِنِّي فَقَالَ: اشْتَرَيْت فَكَمَا لَوْ قَالَ بِعْنِي فَقَالَ بِعْتُك، قَالَهُ الْبَغَوِيّ ثُمَّ مَا ذَكَرَ صَرِيحٌ. (وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ) وَهِيَ مَا يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ بِأَنْ يَنْوِيَهُ. (كَجَعَلْتُهُ لَك بِكَذَا) أَوْ خُذْهُ بِكَذَا نَاوِيًا الْبَيْعَ (فِي الْأَصَحِّ) هُوَ رَاجِعٌ إلَى الِانْعِقَادِ، وَالثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ بِهَا لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ لَا يَدْرِي أَخُوطِبَ بِبَيْعٍ أَمْ بِغَيْرِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَ الْعِوَضِ ظَاهِرٌ فِي إرَادَةِ الْبَيْعِ فَإِنْ تَوَفَّرَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى إرَادَتِهِ قَالَ الْإِمَامُ وَجَبَ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ وَبَيْعُ الْوَكِيلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ فِيهِ لَا يَنْعَقِدُ بِهَا جَزْمًا لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ، فَإِنْ تَوَفَّرَتْ الْقَرَائِنُ عَلَيْهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَالظَّاهِرُ انْعِقَادُهُ. (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ لَفْظَيْهِمَا) وَلَا يَتَخَلَّلُهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ، فَإِنْ طَالَ أَوْ تَخَلَّلَ لَمْ يَنْعَقِدْ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الطَّوِيلُ مَا أَشْعَرَ بِإِعْرَاضِهِ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَفَعَلْت وَرَضِيت. قَوْلُهُ: (وَمَنَعَ الْإِمَامُ إلَخْ) حَمَلَهُ شَيْخُنَا م ر عَلَى مَا إذَا قَصَدَ بِهَا جَوَابَ كَلَامِ قَبْلِهَا، وَإِلَّا فَيَصِحُّ تَقْدِيمُهَا، وَعَلَيْهِ حَمْلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ. قَوْلُهُ: (إلَى اللَّفْظِ) أَيْ لِأَنَّ لَفْظَ قَبِلْت يَسْتَدْعِي شَيْئًا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (بِعْنِي) أَيْ فِي الصَّرِيحِ أَوْ اجْعَلْهُ لِي فِي الْكِنَايَةِ. قَوْلُهُ: (وَبِهَذِهِ الصِّيغَةِ) أَيْ الَّتِي فِيهَا تَقَدُّمُ لَفْظِ الْمُشْتَرِي وَالْمُقَدَّرُ فِيهَا الصَّرِيحُ، وَلَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَلَفْظُ تَقْدِيرًا حَالٌ مِنْ الصِّيغَةِ وَالْمُرَادُ بِالْبَيْعِ الضِّمْنِيُّ فِي الْعِتْقِ وَلَوْ مُعَلَّقًا فَقَطْ لَا نَحْوُ وَقْفٍ وَلَا مِنْ يَعْتِقُ عَلَى الطَّالِبِ كَبَعْضِهِ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: كَأَعْتِقْ عَبْدَك إلَخْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْكَافَ اسْتِقْصَائِيَّةٌ أَوْ مِثَالٌ لِأَفْرَادِ الصِّيغَةِ. قَوْلُهُ: (فَفَعَلَ) أَيْ قَالَ: أَعْتَقْته عَنْك. وَلَا يَكْفِي فَعَلْت وَلَا نَعَمْ وَنَحْوُهُمَا. قَوْلُهُ: (فَكَمَا لَوْ إلَخْ) التَّشْبِيهُ يَشْمَلُ الْحُكْمَ وَالْخِلَافَ. قَوْلُهُ: (صَرِيحٌ) قَالَ شَيْخُنَا م ر: نَعَمْ إنْ قَصَدَ عَدَمَ جَوَابِهِ أَوْ عَدَمَ قَبُولِهِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. وَمَحَلُّ الصَّرَاحَةِ فِي غَيْرِ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ وَإِلَّا نَحْوَ أَقْبَلُ أَوْ أَبْتَاعُ أَوْ اشْتَرَى فَكِنَايَةٌ. قَوْلُهُ: (وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ) وَمِنْهُمَا تَسَلَّمْهُ بِكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنِّي أَوْ بَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهِ أَوْ هَذَا لَك أَوْ سَلَّطْتُك عَلَيْهِ أَوْ بَاعَك اللَّهُ وَفَارَقَ صَرَاحَةً نَحْوَ الْعِتْقِ بِهَذَا لِمَا مَرَّ. وَلَيْسَ مِنْ الْكِنَايَةِ أَبَحْتك لِصَرَاحَتِهِ فِي عَدَمِ الْعِوَضِ وَلَا أَرْقَبْتُك أَوْ أَعَمَرْتُك بِخِلَافِ وَهَبْتُك، وَإِنْ رَادَفَهُمَا وَمِنْ الْكِنَايَةِ الْكِتَابَةُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ قَبْلَ الْأَلِفِ.
قَالَ شَيْخُنَا م ر: إلَّا عَلَى مَائِعٍ أَوْ هَوَاهُ. وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ وَتُعْلَمُ النِّيَّةُ مِنْهُ وَمِنْ الْأَخْرَسِ بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَدَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ مَا لَوْ كَانَتْ لِحَاضِرٍ وَقِيلَ فَوْرًا أَوْ لِغَائِبٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إرْسَالُ الْكِتَابِ فَوْرًا وَلَا عِلْمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِالْبَيْعِ. وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهُ فَوْرًا وَقْتَ إطْلَاعِهِ عَلَى لَفْظِ الْبَيْعِ فِي الْكِتَابِ لَا قَبْلَهُ، وَإِنْ عَلِمَ، وَيَمْتَدُّ خِيَارُهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ قَبُولِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ لِلْمُكَاتَبِ مَجْلِسٌ وَلَوْ بَعْدَ قَبُولِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بَلْ يَمْتَدُّ خِيَارُهُ مَا دَامَ خِيَارُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (نَاوِيًا الْبَيْعَ) أَيْ وَلَوْ فِي جُزْءٍ مِنْ الصِّيغَةِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ قَالَهُ شَيْخُنَا م ر. وَقَالَ شَيْخُنَا زي: يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُهَا بِجَمِيعِ اللَّفْظِ. وَمِنْهُ ذِكْرُ الْعِوَضِ عِنْدَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصِّيغَةِ الْأَصْلِيَّةِ. قَوْلُهُ: (الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ فِيهِ) أَيْ لَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ نَحْوِ بِشَرْطِ أَنْ تَشْهَدَ أَوْ عَلَى أَنْ تَشْهَدَ أَوْ وَكَّلْتُك فِي الْبَيْعِ وَتَشْهَدُ إمَّا بِالْأَمْرِ: كَبِعْ وَاشْهَدْ، فَلَا يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (فَالظَّاهِرُ انْعِقَادُهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْمُرَادُ بِالْقَرَائِنِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَلَوْ قَرِينَةً وَاحِدَةً.
ــ
[حاشية عميرة]
عَلَيْهِ الصِّحَّةُ بِالْكِنَايَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (انْعَقَدَ) أَيْ الْبَيْعُ رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ فِي جَارِيَةٍ: هَبْ لِي الْمَرْأَةَ. فَقَالَ لَهُ: هِيَ لَك» فَقِيسَ عَلَيْهَا بَاقِي الْعُقُودِ، ثُمَّ الْمَذْهَبُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ النِّكَاحِ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ النِّكَاحَ غَالِبًا يَسْبِقُهُ خِطْبَةٌ، فَيَتَخَلَّفُ فِيهِ تَوْجِيهُ مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ، وَلَوْ أَتَى بِمُضَارِعٍ مَقْرُونٍ فَاللَّامُ الْأَمْرِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: اتَّجَهَ إلْحَاقُهُ بِالْأَمْرِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ) لِحَدِيثِ سَلَمَةَ السَّابِقِ فِي الْحَاشِيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وَفِي قِصَّةِ جَمَلِ جَابِرٍ ﵁ بِعْنِي جَمَلَك. قُلْت: إنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةً فَهُوَ لَك بِهَا. فَقَالَ ﷺ قَدْ أَخَذْته خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَنْوِيَهُ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَجَعَلْتُهُ لَك إلَخْ) قَضِيَّةُ كَوْنِهِ كِنَايَةً أَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْبَيْعِ كَالْإِجَارَةِ. قَوْلُهُ: (أَوْ خُذْهُ) وَكَذَا تَسَلَّمْهُ وَسَلَّطْتُك عَلَيْهِ وَأَدْخَلْته فِي مِلْكِك، وَكَذَا بَاعَك اللَّهُ، وَبَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهِ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ: بِعْنِي. أَفْتَى بِذَلِكَ الْغَزَالِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَأَقَرَّهُ. قَوْلُهُ: (نَاوِيًا الْبَيْعَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى قَبْلَ فَرَاغِ لَفْظِ الْكِنَايَةِ كَفَى، أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ، وَيُحْتَمَلُ الِاشْتِرَاطُ فِي أَوَّلِهِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُشْتَرَطُ إلَخْ) لَنَا فِي النِّكَاحِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَكْفِي الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِ الْإِيجَابِ وَالْقِيَاسُ طَرْدُهُ هُنَا بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِحِكَايَتِهِ هُنَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَيْنَ لَفْظَيْهِمَا) هُوَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْخَطُّ وَالْإِشَارَةُ كَذَلِكَ، وَكَذَا الْمُعَاطَاةُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَقَالَ قَبِلْت) مِثْلُ هَذَا مَا لَوْ أَوْجَبَ بِمُؤَجَّلٍ فَقَبِلَ بِحَالٍّ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا عَكْسُهُ) الْمَفْهُومُ
стр. 607
عَنْ الْقَبُولِ، وَلَوْ تَخَلَّلْت كَلِمَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ بَطَلَ الْعَقْدُ اهـ. (وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَى وَقْفِ الْإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ فَقَالَ قَبِلْت بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَصِحُّ) وَكَذَا عَكْسُهُ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بِعْتُك نِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ قَالَ: وَنِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ الْمُتَوَلِّي يَصِحُّ، وَنَظَّرَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ عَدَّدَ الصَّفْقَةَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ الصِّحَّةُ، قَالَ فِيهِ: وَالظَّاهِرُ فَسَادُ الْعَقْدِ فِيمَا إذَا قَبِلَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ خِلَافُ قَوْلِ الْقَفَّالِ بِصِحَّتِهِ اهـ.
وَنَبَّهَ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عِنْدَهُ إلَّا أَلْفٌ (وَإِشَارَةُ الْأَخْرَسِ بِالْعَقْدِ) كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ (كَالنُّطْقِ) بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَصِحُّ بِهَا
ــ
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ: الصِّحَّةُ وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ يُقَارِنَانِ آخِرَ الصِّيغَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ) أَيْ بِسُكُوتٍ وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا كَمَا فِي الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَا يَضُرُّ الْيَسِيرُ إلَّا مِنْ عَالِمٍ عَامِدٍ قَصَدَ بِهِ الْقَطْعَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (لَفْظَيْهِمَا) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَلَوْ إشَارَةً أَوْ كِتَابَةً مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَذَكَرَ اللَّفْظَ لِلْغَالِبِ. قَوْلُهُ: (كَلَامٌ) وَهُوَ مَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ مِنْ الْكَثِيرِ مُطْلَقًا أَوْ نَحْوِ حَرْفٍ مُفْهِمٍ فَأَكْثَرَ مِنْ عَامِدٍ عَالِمٍ، نَعَمْ لَا يَضُرُّ قَدْ أَوْ أَنَا بِغَيْرِ وَاوٍ، وَنَحْوُ يَا زَيْدُ نَحْوُ قَدْ قَبِلْت أَنَا اشْتَرَيْت بِعْتُك يَا زَيْدُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ الْمُوجِبِ أَوْ الْقَابِلِ وَمِنْهُ التَّعْلِيقُ إلَّا إنْ شِئْت مِنْ الْأَوَّلِ بَعْدَ تَمَامِ صِيغَتِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَكَذَا إنْ كَانَ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهُ لِمَا هُوَ مِلْكُهُ لِأَنَّ إنْ فِيهِ بِمَعْنَى إذْ. وَفِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ كَالْكَلَامِ الْمَذْكُورِ وَنُوزِعَ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْكَلَامُ مِنْ الْكَاتِبِ لِنَحْوِ غَائِبٍ مُطْلَقًا وَلَا مِنْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ وُجُوبِ فَوْرِيَّةِ الْقَبُولِ عَلَيْهِ بِمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (أَجْنَبِيٌّ) أَيْ إلَّا يَسِيرَ النِّسْيَانِ أَوْ جَهْلَ عُذْرٍ فِيهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ مَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَلَا مِنْ مَصَالِحِهِ وَلَا مِنْ مُسْتَحَبَّاتِهِ، وَلَوْ بِحَسَبِ الْأَصْلِ فَلَا تَضُرُّ الْخُطْبَةُ كَالْحَمْدُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهِ وَإِنْ لَمْ تُسْتَحَبَّ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي النِّكَاحِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَارَنَ الْكَلَامُ الْأَجْنَبِيُّ صِيغَةَ الْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا فَاَلَّذِي رَجَّحَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ أَنَّهُ يَضُرُّ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْإِعْرَاضِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْبُطْلَانُ بِمُقَارَنَةِ صِيغَةِ الْمُتَقَدِّمِ أَيْضًا، فَلْيُرَاجَعْ. وَاغْتُفِرَ الْكَلَامُ الْيَسِيرُ الْعَمْدُ فِي الْخَلْعِ وَإِنْ قُصِدَ بِهِ الْقَطْعُ لِأَنَّ مَا هُنَا مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ الْقَبُولِ) أَيْ أَوْ عَنْ الْإِيجَابِ. قَوْلُهُ: (عَلَى وَفْقِ الْإِيجَابِ) أَيْ فِي الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ النَّوْعُ وَالصِّفَةُ وَالْقَدْرُ وَالْحُلُولُ وَالتَّأْجِيلُ وَإِنْ اخْتَلَفَ لَفْظُهُمَا، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا تَتَغَيَّرَ صِيغَةُ الْأَوَّلِ قَبْلَ تَمَامِ صِيغَةِ الثَّانِي وَلَوْ بِإِسْقَاطِ أَجَلٍ أَوْ خِيَارٍ وَأَنْ يَتَكَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ بِقُرْبِهِ بِلَا مَانِعٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ صَاحِبُهُ كَأَنْ وَقَعَ قَبُولُهُ اتِّفَاقًا وَلَا عِبْرَةَ بِحَمْلِ الرِّيحِ وَإِنْ تَبَقَّى أَهْلِيَّتُهُمَا إلَى تَمَامِ الصِّيغَةِ، فَلَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ لَمْ يَصِحَّ قَبُولُ وَلِيِّهِ أَوْ وَارِثِهِ وَأَنْ يَشْتَمِلَ الْإِيجَابُ عَلَى خِطَابٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا مَرَّ. وَأَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْقَابِلِ لِكُلِّهِ أَوْ لِجُزْئِهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مِمَّنْ صَدَرَ مَعَهُ الْخِطَابُ لَا مِنْ وَكِيلِهِ مَثَلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ تَأْقِيتٌ وَلَوْ بِأَلْفِ عَامٍ وَلَا تَعْلِيقَ إلَّا فِيمَا مَرَّ، وَأَنْ يَقْصِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا اللَّفْظَ لِمَعْنَاهُ أَيْ أَنْ يَأْتِيَ بِاللَّفْظِ قَاصِدًا لَهُ حَالَةَ كَوْنِهِ عَارِفًا بِمَعْنَاهُ كَمَا فِي الطَّلَاقِ فَلَا يَصِحُّ مَعَ سَبْقِ لِسَانٍ وَلَا مِنْ أَعْجَمِيٍّ لِقِنِّهِ بِخِلَافِ الْهَازِلِ وَاللَّاعِبِ.
تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي غَيْرِ مَا مَرَّ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (مُكَسَّرَةٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ قِطَعُ نَقْدٍ مَضْرُوبٍ قَبْلَ قَطْعِهِ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا: إنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَكَذَا لَوْ أَوْجَبَ بِنَقْدٍ فَقَبِلَ بِنَقْدٍ آخَرَ وَإِنْ سَاوَاهُ فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ وَنِصْفُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ إلَخْ) وَحَمَلَ شَيْخُنَا م ر الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ تَعَدُّدَ الصَّفْقَةِ وَالْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ عَلَى مَا إذَا قَصَدَهُ. وَخَرَجَ بِنِصْفِهِ مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك بَعْضَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَبَعْضَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَلَا يَصِحُّ لِاحْتِمَالِ الْبَعْضِ لِغَيْرِ النِّصْفِ. قَالَ بَعْضُهُمْ:
ــ
[حاشية عميرة]
بِالْأَوْلَى. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِشَارَةُ الْأَخْرَسِ) مِثْلُهَا كِتَابَتُهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِالْعَقْدِ) هِيَ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ، قَالَ فِي الدَّقَائِقِ، احْتَرَزْت
стр. 608
وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ الِاعْتِدَادُ بِإِشَارَتِهِ فِي الْحِلِّ أَيْضًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَأَنَّهُ إنْ فَهِمَهَا الْفَطِنُ وَغَيْرُهُ فَصَرِيحَةٌ أَوْ الْفَطِنُ فَقَطْ فَكِنَايَةٌ.
(وَشَرْطُ الْعَاقِدِ) الْبَائِعُ أَوْ غَيْرِهِ (الرُّشْدُ) وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ مُصْلِحًا لِدِينِهِ، وَمَالِهِ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الصَّبِيِّ الْمَجْنُونِ وَمَنْ بَلَغَ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِدِينِهِ وَمَالِهِ. نَعَمْ مَنْ بَلَغَ مُصْلِحًا لَهُمَا ثُمَّ بَذَّرَ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَحَّ عَقْدُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ بَعْدَهُ.
(قُلْت: وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْمُكْرَهِ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَيَصِحُّ بِحَقٍّ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: الْمَزِيدُ فِيهَا هَذَا الشَّرْطُ بِأَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ بَيْعُ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنٍ أَوْ شِرَاءِ مَالٍ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِيهِ فَأَكْرَهَهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ اهـ.
وَلَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَظَاهِرُ هَذَا عَدَمُ الصِّحَّةِ وَإِنْ قَصَدَ بِالْبَعْضِ النِّصْفَ مَثَلًا فَرَاجِعْهُ. وَأَمَّا عَكْسُ هَذِهِ بِأَنْ عَدَّدَ الْأَوَّلَ فَلَا يَصِحُّ مُطْلَقًا. وَكَذَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ وَهَذَا بِمِائَةٍ فَقَبِلَ أَحَدَهُمَا. وَيَصِحُّ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى بِعْتُك نِصْفَهُ، قَالَهُ شَيْخُنَا وَانْظُرْ مَاذَا يَلْزَمُهُ، وَيَظْهَرُ تَوْزِيعُ الثَّمَنِ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ فَسَادُ الْعَقْدِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (لَا يَلْزَمُهُ عِنْدَهُ) أَيْ لَا يَلْزَمُ الْقَابِلَ عِنْدَ الْقَفَّالِ عَلَى كَلَامِهِ الْمَرْجُوحِ إلَّا الْأَلْفُ لَا مَا زَادَ عَلَيْهَا لِكَوْنِهِ مُتَمَيِّزًا عَنْهَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَا مَرَّ فِي الصَّحَّاحِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحِلِّ أَيْضًا) وَقَدْ قَالُوا إنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ كَالنُّطْقِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي شَهَادَةٍ، وَبُطْلَانِ صَلَاةٍ وَحِنْثٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِنْ سَبْرِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرَطَ الْعَاقِدُ) وَلَوْ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ وَخَرَجَ بِهِ الدَّلَّالُ وَالْمُتَوَسِّطُ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (مُصْلِحًا لِدِينِهِ) بِأَنْ لَا يَفْعَلَ مُحْرِمًا يَبْطُلُ الْعَدَالَةُ وَبِهِ خَرَجَ الْمَجْنُونُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ. قَوْلُهُ: (وَمَالِهِ) بِأَنْ لَا يُنْفِقَهُ فِي مُحَرَّمٍ فَيَخْرُجُ عَنْ الرُّشْدِ بِعَدَمِ صَلَاحِ وَاحِدٍ مِنْ دِينِهِ وَمَالِهِ وَشَمَلَتْ إضَافَةُ الْمَالِ مَا لَوْ كَانَتْ لِلْمُلَابَسَةِ فَيَدْخُلُ الرَّقِيقُ. قَوْلُهُ: (نَعَمْ) هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِيمَنْ بَذَّرَ فِي الْمَالِ بَعْدَ صَلَاحِهِ حَالَ بُلُوغِهِ، وَخَرَجَ بِهِ مَنْ فَسَقَ بَعْدَهُ فَكَالرَّشِيدِ وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّشْدِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ فِيمَا مَضَى. وَقِيلَ إنْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي مَفْهُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَفْصِيلًا فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (الْمُكْرَهِ) إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ وَلَمْ يَنْوِ صِحَّةَ الْعَقْدِ. قَوْلُهُ: (فِي مَالِهِ) أَنَّ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ لَهُ فِيهِ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ، وَلَوْ بِوَكَالَةٍ فَخَرَجَ الْمُصَادَرُ فَإِنَّ عَقْدَهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْلُصُ بِغَيْرِ الْبَيْعِ وَبَقِيَّةُ عُقُودِ الْمُكْرَهِ وَحُلُولُهُ كَبَيْعِهِ.
فَائِدَةٌ: قَوْلُ الْمُكْرَهِ لَاغٍ إلَّا فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ فَتَبْطُلُ بِهِ وَفِعْلُهُ أَيْضًا لَاغٍ إلَّا فِي عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ فِي الصَّلَاةِ وَالْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِيهَا وَعَدَمِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فِي وُجُودِ الرَّضَاعِ مِنْهُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ، وَإِلَّا فِي وُجُودِ الْقَتْلِ
ــ
[حاشية عميرة]
بِهَا عَنْ إشَارَتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالشَّهَادَةِ فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُ النُّطْقِ؛ وَاعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّهَا وَإِنْ حَسُنَتْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ يُرَدُّ بِسَبَبِهَا أَنَّ إشَارَتَهُ فِي الدَّعَاوَى وَالْأَقَارِيرِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْفُسُوخِ وَغَيْرِهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ النُّطْقِ. وَكَانَ الشَّارِحُ ﵀ أَشَارَ إلَى بَعْضِ الِاعْتِذَارِ بِقَوْلِهِ: وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إلَخْ.
[وَشَرْطُ الْعَاقِدِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَشَرْطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ إلَخْ) عَدَمٌ عَنْ قَوْلِ الْمُحَرَّرِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ التَّكْلِيفُ. قَالَ فِي الدَّقَائِقِ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ السَّكْرَانُ وَالسَّفِيهُ وَالْمُكْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّائِمَ وَنَحْوَهُ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمْ، فَإِنْ كَانُوا عِنْدَهُ مُلْحَقِينَ بِذَوِي الرُّشْدِ وَرَدُوا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ انْتِفَاءُ الرُّشْدِ عَنْ السَّكْرَانِ الْمُعْتَدِي بِسُكْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُهُ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَأَيْضًا فَالرُّشْدُ يُطْلَقُ عَلَى الرُّشْدِ فِي الْمَالِ وَعَلَى الرُّشْدِ فِي الدِّينِ، وَكِلَاهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي السَّفِيهِ الْمُهْمَلِ، الْأَمْرُ الثَّانِي السَّكْرَانُ لَا يَرِدُ عَلَى الْمُحَرَّرِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَالْمُصَنِّفُ يَنْفِي عَنْهُ التَّكْلِيفَ وَيَعْتَبِرُ تَصَرُّفَاتِهِ وَهُوَ خَلْطُ طَرِيقَةٍ بِطَرِيقَةٍ قَالَ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁: أَنَّهُ مُكَلَّفٌ قَالَ: أَعْنِي الْإِسْنَوِيَّ ﵀ وَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ مَعْنَى التَّكْلِيفِ حَتَّى نَفَاهُ عَنْهُ مَعَ الْقَوْلِ بِتَقْيِيدِ تَصَرُّفَاتِهِ لَهُ وَعَلَيْهِ قَالَ. وَأَمَّا السَّفِيهُ وَالْمُكْرَهُ فَلَا يَرِدَانِ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الْعَكْسُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ يُعْتَبَرُ بَيْعُهُ فَلَيْسَ هُوَ مَدْلُولُ كَلَامِهِ اهـ. أَقُولُ مَا مَنَعَ بِهِ إيرَادَ السَّفِيهِ وَالْمُكْرَهِ هَلَّا مَنَعَ بِهِ إيرَادَ النَّائِمِ وَنَحْوِهِ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ عَلَى الْمُؤَلَّفِ وَهَلْ هَذَا إلَّا تَحَكُّمٌ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَى طَرِيقَةِ إيرَادِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَوِيُّ لَا يَرَى صِحَّةَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مُصْلِحًا لِدِينِهِ) لَمْ يُبَيِّنْ ضَابِطَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَرْجِعَ الْعُرْفُ ثُمَّ قَضِيَّةُ تَعْبِيرِ الشَّارِحِ أَنَّ مَنْ بَلَغَ سَفِيهًا ثُمَّ رَشَدَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَيْسَ مُرَادًا ثُمَّ رَأَيْت فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيّ الصَّلَاحَ فِي الدِّينِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي الْمُسْقِطَةِ لِلْعَدَالَةِ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الصَّبِيِّ) وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فِي ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ
стр. 609
بِإِكْرَاهِهِ عَلَيْهِ صَحَّ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ كَالصَّحِيحِ فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَةَ غَيْرِهِ بِإِكْرَاهِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْأُذُنِ.
(وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصْحَفَ) وَكُتُبَ الْحَدِيثِ (وَالْمُسْلِمَ فِي الْأَظْهَرِ) لِمَا فِي مِلْكِهِ لِلْأَوَّلَيْنِ مِنْ الْإِهَانَةِ وَلِلثَّالِثِ مِنْ الْإِذْلَالِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا تَصْحِيحُ طَرِيقَةِ الْقَطْعِ بِالْأَوَّلِ فِي الْأَوَّلَيْنِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ يُمْكِنُهُ الِاسْتِغَاثَةُ وَدَفْعُ الذُّلِّ عَنْ نَفْسِهِ. (إلَّا أَنْ يُعْتَقَ عَلَيْهِ) كَأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ. (فَيَصِحُّ) بِالرَّفْعِ شِرَاؤُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ إذْلَالِهِ بِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْإِذْلَالِ. (وَلَا) شِرَاءُ (الْحَرْبِيِّ سِلَاحًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ فِي الْمَنَاهِي لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى قِتَالِنَا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ فِي قَبْضَتِنَا وَبِخِلَافِ غَيْرِ السِّلَاحِ مِمَّا
ــ
[حاشية قليوبي]
فَيُقْتَلُ هُوَ وَمَنْ أَكْرَهَهُ. قَوْلُهُ: (وَالْحَاكِمُ) أَيْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ وَلَوْ بِالتَّغَلُّبِ. قَوْلُهُ: (بِإِكْرَاهِهِ) أَيْ الْغَيْرِ.
فَرْعٌ: مِنْ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ إكْرَاهُ الْحَاكِمِ مَنْ عِنْدَهُ طَعَامٌ عَلَى بَيْعِهِ عِنْدَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ إنْ بَقِيَ لَهُ قُوتُ سَنَةٍ. قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا خَاصٌّ بِالطَّعَامِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصْحَفَ) أَيْ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ لَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ وَلَوْ بِوَكَالَةِ مُسْلِمٍ عَنْهُ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لَهُ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ صِحَّةُ الْعَقْدِ بِوَكَالَتِهِ عَنْ الْمُسْلِمِ فِي شِرَائِهِ، وَفَارَقَ عَدَمَ صِحَّةِ وَكَالَتِهِ عَنْ الْمُسْلِمِ فِي قَبُولِ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ بِالِاحْتِيَاطِ لِلْأَبْضَاعِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ نِكَاحُ كَافِرٍ لِمُسْلِمَةٍ بِخِلَافِ مِلْكِهِ لِمُسْلِمٍ مَرْدُودٌ بِإِسْلَامِ زَوْجَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُصْحَفِ هُنَا مَا فِيهِ قُرْآنٌ مَقْصُودٌ وَلَوْ قَلِيلًا كَلَوْحٍ أَوْ تَمِيمَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ. وَأَجَازَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ التَّمِيمَةَ وَالرِّسَالَةَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ وَخَرَجَ بِالْمَقْصُودِ مَا عَلَى جِدَارٍ أَوْ سَقْفٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهَا.
فَرْعٌ: يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ تَجْلِيدِ مُصْحَفٍ وَتَذْهِيبِهِ لَا مِنْ شِرَاءِ جِلْدِهِ وَإِنْ لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ. قَوْلُهُ: (وَكُتُبَ الْحَدِيثِ) وَكُتُبًا فِيهَا حَدِيثٌ وَلَوْ ضَعِيفًا لَا مَوْضُوعًا قَالَ شَيْخُنَا: وَكَالْحَدِيثِ عِلْمٌ شَرْعِيٌّ وَآلَتُهُ وَآثَارُ الصَّالِحِينَ لَا عِلْمٌ خَلَا عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَيَصِحُّ. قَوْلُهُ: (وَالْمُسْلِمُ) وَلَوْ فِيمَا مَضَى كَالْمُرْتَدِّ. قَوْلُهُ: (لِمَا فِي مِلْكِهِ إلَخْ) خَرَجَ بِمِلْكِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْمُصْحَفِ وَمَا بَعْدَهُ إجَارَتُهَا أَوْ إعَارَتُهَا وَرَهْنُهَا فَصَحِيحَةٌ لَهُ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْعَيْنِ، وَعَلَى كُلٍّ لَا تُسَلَّمُ الْعَيْنُ عَلَيْهِ بَلْ يَقْبِضُهَا عَنْهُ الْحَاكِمُ ثُمَّ يَأْمُرُهُ وُجُوبًا بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا فِي نَحْوِ إجَارَةِ الْعَيْنِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِخْدَامِ الْمُسْلَمِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا. قَوْلُهُ (تَصْحِيحُ طَرِيقِ الْقَطْعِ) فَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: (بِالرَّفْعِ) جَوَابًا بِالْمُفَادِ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا يَصِحُّ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى " يَعْتِقَ " الْمُقْتَضِي لِكَوْنِهِ مِنْ مَدْخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ أَوْ لِكَوْنِ الصِّحَّةِ مُرَتَّبَةً عَلَى الْعِتْقِ مَعَ أَنَّهَا إنَّمَا تَرَتَّبَتْ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لَا عَلَيْهِ أَوْ لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءَ الشَّيْءِ مِنْ نَقِيضِهِ إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَصِحَّ، وَكُلٌّ غَيْرُ صَحِيحٍ فَتَأَمَّلْ.
تَنْبِيهٌ: هَذِهِ مِنْ صُوَرِ دُخُولِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ وَقَدْ أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ صُورَةً وَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا قَهْرًا عَلَيْهِ كَالْإِرْثِ أَوْ بِفَسْخٍ أَوْ بِاسْتِحْقَاقِ عِتْقٍ.
قَوْلُهُ: (الْحَرْبِيِّ) وَلَوْ فِي دَارِنَا كَالْمُؤْمِنِ وَالْمُعَاهَدِ. قَوْلُهُ: (سِلَاحًا) أَيْ آلَةَ حَرْبٍ كَسَيْفٍ وَتُرْسٍ وَرُمْحٍ وَفَرَسٍ وَسَفِينَةٍ، سَوَاءٌ تَمَلَّكَ جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ. وَخَرَجَ نَحْوُ سِكِّينٍ صَغِيرَةٍ وَمِقْشَطٍ وَعَبْدٍ وَلَوْ كَبِيرًا إلَّا إنْ عُلِمَ مُقَاتَلَتُنَا بِهِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ) أَيْ مَعَ مُخَالَفَتِنَا فِي الدِّينِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ حُرِّمَ بِأَنْ عُلِمَ مِنْهُ مَا ذَكَرَ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ) أَيْ الَّذِينَ بِدَارِنَا وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ يَدُسُّهُ إلَى دَارِهِمْ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ. قَالَهُ شَيْخُنَا م ر.
ــ
[حاشية عميرة]
حَدِيثُ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَالَهُ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.
[شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصْحَفَ وَكُتُبَ الْحَدِيثِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصْحَفَ إلَخْ) وَلَا خِلَافَ فِي التَّحْرِيمِ وَالشِّرَاءُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَجَمْعُهُ أَشَرْيَةٌ. قَوْلُهُ: (الْمُصْحَفَ) وَلَوْ بَعْضًا. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَصِحُّ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى الْإِرْثِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا سَبَبٌ لِلْمِلْكِ. قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يُرْجَى عِتْقُهُ وَالْمُصْحَفَ أَكْثَرُ حُرْمَةً، بِدَلِيلِ مَنْعِ الْمُحْدِثِ مِنْ مَسِّهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرِدُ مَنْعٌ مَعَ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ. قَوْلُهُ: (فَيَصِحُّ بِالرَّفْعِ) أَيْ لِأَنَّهُ بِالنَّصْبِ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ إلَّا أَنْ يَصِحَّ وَهُوَ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ إذْ نَصْبُهُ يُصَيِّرُهُ مِنْ الْمُسْتَثْنَى وَلَا مَعْنَى لَهُ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ) خَرَجَ أَيْضًا الْحَرْبِيُّ الْمُؤْمِنُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ فِي قَبْضَتِنَا وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ إمْسَاكُهُ إلَى عَوْدِهِ، وَأَنَّ الْحِرَابَةِ مُتَأَصِّلَةٌ وَالْأَمَانَ عَارِضٌ.
стр. 610
يَتَأَتَّى مِنْهُ كَالْحَدِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ جَعْلُهُ سِلَاحًا، وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ أَنَّهُ يَصِحُّ سَلَمُ الْأَعْمَى أَيْ بِخِلَافِ بَيْعِهِ أَوْ شِرَائِهِ، فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُصْحَفَ وَشِرَاءَهُ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْبَيْعُ دُونَ الشِّرَاءِ.
(وَلِلْمَبِيعِ شُرُوطٌ) خَمْسَةٌ أَحَدُهَا (طَهَارَةُ عَيْنِهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْخَمْرِ) وَغَيْرِهِمَا مِنْ نَجِسِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» ، وَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيِّتَةِ وَالْخِنْزِيرِ» رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ، وَالْمَعْنَى فِي الْمَذْكُورَاتِ نَجَاسَةُ عَيْنِهَا فَأَحَقُّ بِهَا بَاقِي نَجِسِ الْعَيْنِ. (وَالْمُتَنَجِّسُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى نَجِسِ الْعَيْنِ. (كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ وَكَذَا الدُّهْنُ) كَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يُمْكِنُ بِغَسْلِهِ بِأَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ فِي إنَاءٍ مَاءً يَغْلِبُهُ وَيُحَرِّكُ بِخَشَبَةٍ حَتَّى يَصِلَ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النَّجَاسَةِ مَعَ رَدِّهِ بِمَا فِي حَدِيثِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ: «إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَرِيقُوهُ» فَلَوْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ شَرْعًا لَمْ يُقَلْ فِيهِ ذَلِكَ وَعَلَى إمْكَانِ تَطْهِيرِهِ قِيلَ يَصِحُّ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ. وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِلْحَدِيثِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي بَيْعِ الْمَاءِ النَّجِسِ لِأَنَّ تَطْهِيرَهُ مُمْكِنٌ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا كَابْنِ حَجَرٍ فِي صُورَةِ الدَّسِّ.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ دَارًا فِي الْحَرَمِ لِمَنْعٍ مِنْهُ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا م ر. قَالَ شَيْخُنَا: وَيَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ وَمَعَ الصِّحَّةِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي) هُوَ جَوَابٌ عَنْ سُكُوتِ الْمُصَنِّفِ عَنْ اشْتِرَاطِ الْبَصَرِ فِي الْعَاقِدِ. قَوْلُهُ: (أَوْ شِرَائِهِ) أَيْ إلَّا لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يُكْرَهُ الْبَيْعُ) أَيْ بَيْعُ الْمُصْحَفِ دُونَ شِرَائِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يُسَمَّى مُصْحَفًا عُرْفًا لَا نَحْوُ تَفْسِيرٍ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: إنْ حُرِّمَ مَسُّهُ فَكَالْمُصْحَفِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَلِلْمَبِيعِ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ) لَوْ عَبَّرَ بِالْعِوَضِ لَشَمِلَ الثَّمَنَ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، وَذِكْرُ الْخَمْسَةِ إيضَاحٌ وَبَعْضُهُمْ اكْتَفَى بِالْمِلْكِ وَالْعِلْمِ، وَبَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مَعَ النَّفْعِ وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ عَامَّةٌ، وَيُزَادُ عَلَيْهَا فِي نَحْوِ الرِّبَوِيِّ وَفِي نَحْوِ الزُّرُوعِ مَا يَأْتِي فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (طَهَارَةُ عَيْنِهِ) وَمِنْهُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَمَظْنُونُ الطَّهَارَةِ بِالِاجْتِهَادِ وَلَا يَضُرُّ اشْتِمَالُ الْعَقْدِ عَلَى نَجِسٍ تَابِعٍ كَطِينِ بِنَاءٍ مَخْلُوطٍ بِسِرْجِينٍ وَرِيشٍ فُصِلَ مِنْ نَحْوِ حَدَأَةٍ وَوَشْمِ عَبْدٍ وَدُودِ مَيِّتٍ فِي نَحْوِ خَلٍّ وَفَاكِهَةٍ فَهُوَ مَبِيعٌ تَبَعًا عِنْدَهُ مَشَايِخُنَا.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَبَّادِيُّ: الْوَجْهُ أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الطَّاهِرُ وَحْدَهُ وَدُخُولَ غَيْرِهِ مِنْ بَابِ نَقْلِ الْيَدِ كَالِاخْتِصَاصِ. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِ بِنَاءٍ نَجِسٍ كُلِّهِ وَلَوْ عَلَى أَرْضٍ مُحْتَكَرَةٍ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ) وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ بِقَدْرِهَا كَحِرَاسَةِ مَاشِيَةٍ وَزَرْعٍ وَصَيْدٍ، وَيَجِبُ زَوَالُ الْيَدِ عَنْهُ بِفَرَاغِهَا. وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ مُطْلَقًا وَيَجُوزُ اقْتِنَاءُ بَاقِي الْحَيَوَانَاتِ وَنَحْوِ السِّرْجِينِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُتَنَجِّسِ) مِنْهُ الْآجُرُّ وَالْخَزَفُ الْمَعْجُونُ بِالنَّجِسِ كَالسِّرْجِينِ وَالرَّمَادِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ شَيْخَنَا أَفْتَى بِصِحَّةِ بَيْعِهِ وَبِجَوَازِ نَحْوِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ تَنْجِيسِ مَا يُوضَعُ فِيهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ رَأَيْته عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَخَرَجَ بِهِ مَا فِيهِ مَيْتَةٌ لَا يَسِيلُ دَمُهَا لِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَكِنَّ لِمُشْتَرِيهِ الْخِيَارَ إنْ جَهِلَهُ. قَوْلُهُ: (عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ) فَالْمُرَادُ كُلُّ مَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ. قَوْلُهُ:
ــ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُصْحَفَ إلَخْ) كَأَنَّ وَجْهَ هَذَا صَوْنُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى السِّلَعِ الْمُبْتَذَلَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
[شُرُوط الْمَبِيع]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (طَهَارَةُ عَيْنِهِ) هَذَا يُغْنِي عَنْهُ الْمِلْكُ، وَمَا عَدَا النَّفْعَ يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ فَانْحَصَرَتْ الشُّرُوطُ فِي الْمِلْكِ وَالنَّفْعِ، نَعَمْ يَحْتَاجُ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِمَا إمْكَانَ الطُّهْرِ بِالْغُسْلِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ) وَإِنْ كَانَ يَصِيدُ.
فَائِدَةٌ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَنِيَ الْكَلْبَ لِيَحْرُسَ لَهُ إذَا احْتَاجَ لِزَرْعٍ مَثَلًا لَمْ يَجُزْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْخَمْرِ) وَإِنْ كَانَتْ مُحْتَرَمَةً وَقِيلَ إنَّ الْمُحْتَرَمَةَ طَاهِرٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا. قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِي الْمَذْكُورَاتِ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَهَا مَنَافِعُ فَالْخَمْرُ يَطَأُ بِهَا النَّارَ، وَيَعْجِنُ بِهَا الطِّينَ وَالْمَيْتَةُ تُطْعَمُ لِلْجَوَارِحِ وَيُطْلَى بِشَحْمِهَا السُّفُنُ وَيُسْرَجُ بِهِ، وَالْكَلْبُ يَصِيدُ فَعَلِمْنَا أَنَّ مَنْشَأَ النَّهْيِ نَجَاسَةُ الْعَيْنِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْمُتَنَجِّسِ إلَخْ) حَكَى فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ الْآجُرَّ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُعْجَنُ بِالزِّبْلِ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ بَيْعِ الدَّارِ الْمَبْنِيَّةِ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يُمْكِنُ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يَطَّرِدَ هَذَا الْوَجْهُ فِي الدِّبْسِ وَالْخَلِّ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ، لِأَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ إلَى أَجْزَائِهَا مُمْكِنٌ بِالتَّحْرِيكِ، وَالْغُسَالَةُ طَاهِرَةٌ فَلَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ إنَّمَا رَجَعَ الْخِلَافَ إلَى إمْكَانِ التَّطْهِيرِ وَعَدَمِهِ لِأَنَّا حَيْثُ قُلْنَا: بِعَدَمِ إمْكَانِ التَّطْهِيرِ بَطَلَ الْبَيْعُ قَطْعًا. قَوْلُهُ (لِلْحَدِيثِ) أَيْ لِأَنَّ الْأَمْرَ
стр. 611
بِالْمُكَاثَرَةِ. وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى الْحَرَمِ بِالْمَنْعِ، وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِتَطْهِيرٍ بَلْ يَسْتَحِيلُ بِبُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ مِنْ صِفَةِ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ كَالْخَمْرِ تَتَخَلَّلُ.
(الثَّانِي) مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ (النَّفْعُ) فَمَا لَا نَفْعَ فِيهِ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يُقَابَلُ بِهِ. (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ) بِفَتْحِ الشِّينِ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالْفِئْرَانِ وَالْخَنَافِسِ وَالنَّمْلِ وَنَحْوِهَا إذْ لَا نَفْعَ فِيهَا يُقَابَلُ بِالْمَالِ وَإِنْ ذُكِرَ لَهَا مَنَافِعُ فِي الْخَوَاصِّ (وَكُلِّ سَبْعٍ لَا يَنْفَعُ) كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ، وَمَا فِي اقْتِنَاءِ الْمُلُوكِ لَهَا مِنْ الْهَيْبَةِ وَالسِّيَاسَةِ لَيْسَ مِنْ الْمَنَافِعِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالسَّبْعُ النَّافِعُ كَالضَّبُعِ لِلْأَكْلِ وَالْفَهْدِ لِلصَّيْدِ وَالْفِيلِ لِلْقِتَالِ (وَلَا) بَيْعُ (حَبَّتَيْ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ مَالًا وَإِنْ عُدَّ بِضَمِّهِ إلَى غَيْرِهِ. (وَآلَةِ اللَّهْوِ) كَالطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ إذْ لَا نَفْعَ بِهَا شَرْعًا (وَقِيلَ: تَصِحُّ الْآلَةُ) أَيْ بَيْعُهَا.
(إنْ عُدَّ رُضَاضُهَا) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ مُكَسَّرُهَا (مَالًا) لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا مُتَوَقَّعًا كَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ وَرُدَّ بِأَنَّهَا عَلَى هَيْئَتِهَا لَا يُقْصَدُ مِنْهَا غَيْرُ الْمَعْصِيَةِ. (وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ عَلَى الشَّطِّ) أَيْ جَانِبِ النَّهْرِ (وَالتُّرَابِ وَالصَّحْرَاءِ) مِمَّنْ حَازَهُمَا. (فِي الْأَصَحِّ) لِظُهُورِ الْمَنْفَعَةِ فِيهِمَا، وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الثَّانِي مِنْ إمْكَانِ تَحْصِيلِ مِثْلِهِمَا بِلَا تَعَبٍ وَلَا مُؤْنَةٍ.
(الثَّالِثُ)
ــ
[حاشية قليوبي]
الْجَزْمِ بِالْمَنْعِ) نَظَرًا لِلنَّجَاسَةِ الْآنَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ إنْ كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ وَإِلَّا فَيَصِحُّ بَيْعُهُ. كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُتَنَجِّسَ الْكَثِيرَ بِالتَّغَيُّرِ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (لَا يُمْكِنُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي عَدَمِ إمْكَانِ التَّطْهِيرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ الَّذِي هُوَ مُفَادُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: عَلَى الْأَصَحِّ لَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْمُرَادِ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (النَّفْعُ) أَيْ الشَّرْعِيُّ وَلَوْ مَآلًا كَجَحْشٍ صَغِيرٍ فَخَرَجَ بِهِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَحِمَارٍ زَمِنٍ وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مُحَرَّمٍ كَمَا يَأْتِي. وَلَا يَخْفَى أَنَّ نَفْعَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَنَفْعُ الْعَلَقِ بِامْتِصَاصِ الدَّمِ، وَنَفْعُ الطَّاوُسِ بِالِاسْتِمْتَاعِ بِرُؤْيَةِ لَوْنِهِ، وَنَفْعُ الْعَنْدَلِيبِ بِاسْتِمَاعِ صَوْتِهِ، وَنَفْعُ الْعَبْدِ الزَّمِنِ بِعِتْقِهِ، وَنَفْعُ الْهِرَّةِ بِصَيْدِ الْفَأْرِ، وَالْقِرْدِ بِالتَّعْلِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ دَارٍ بِلَا مَمَرٍّ وَإِنْ أَمْكَنَ إحْدَاثُ مَمَرٍّ لَهَا مِنْ نَحْوِ شَارِعٍ أَوْ مَمْلُوكٍ لِلْمُشْتَرِي لِعَدَمِ النَّفْعِ الشَّرْعِيِّ بِهَا حَالَ الْبَيْعِ، نَعَمْ إنْ كَانَتْ مَحْفُوفَةً بِمِلْكِ الْبَائِعِ صَحَّ. وَلِلْمُشْتَرِي الْمُرُورُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ أَوْ مِنْ جِهَةٍ عَيَّنَهَا لَهُ الْبَائِعُ فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ الْمُرُورِ أَوْ ذَكَرَ لَهُ جِهَةً وَلَمْ يُعَيِّنْهَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ) أَيْ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا مَرَّ وَأَصْلُهَا صِغَارُ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَعَمُّ. قَوْلُهُ: (وَالنَّمْلِ) بِالْمِيمِ بِخِلَافِ النَّحْلِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ بِشَرْطِهِ الْآتِي. قَوْلُهُ: (وَالنَّمِرِ) أَيْ الْكَبِيرِ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ. قَوْلُهُ: (وَالسِّيَاسَةِ) هِيَ حُسْنُ السَّيْرِ فِي الرَّعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَهْدِ) أَيْ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَوْ كَبِيرًا غَيْرَ مُعَلَّمٍ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ بِخِلَافِ النَّمِرِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (وَآلَةِ اللَّهْوِ) أَيْ الْمُحَرَّمَةِ لَا نَحْوِ الشِّطْرَنْجِ وَمِثْلُهَا فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ الصُّوَرُ وَالصُّلْبَانُ وَلَوْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ أَوْ حَلْوَى. لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا م ر بِصِحَّةِ بَيْعِ صُورَةِ الْحَلَاوَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الرَّوَاجُ. وَقِيلَ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمَذْكُورَاتِ هُنَا مِنْ النَّقْدِ كَالْإِنَاءِ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي. وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْإِنَاءَ مِنْ جِنْسِ مَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقَدْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ كُتُبِ الْعِلْمِ الْمُحَرَّمِ. قَوْلُهُ: (تَحْصِيلِ مِثْلِهِمَا) يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ
ــ
[حاشية عميرة]
بِعَدَمِ قُرْبَانِهِ أَوْ بِإِرَاقَتِهِ مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ، كَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَنَظَرَ فِيهِ السُّبْكِيُّ، وَصَوَّبَ الْقِيَاسَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ مَعَ إمْكَانِ طُهْرِهِ بِالدَّبْغِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا لَا نَفْعَ فِيهِ إلَخْ) عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ فِي مُقَابَلَتِهِ قَرِيبٌ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ثُمَّ فَوَاتُ النَّفْعِ قَدْ يَكُونُ حِسًّا وَقَدْ يَكُونُ شَرْعًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ) أَيْ الَّتِي لَا نَفْعَ بِهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكُلِّ سَبْعٍ لَا يَنْفَعُ) السَّبْعُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ، وَقَوْلُهُ: لَا يَنْفَعُ، أَيْ مِثْلُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ، وَلِإِيصَالٍ وَلَا يُقَاتَلُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَعَلَّمُ وَلَا يَصْلُحُ لِلْحَمْلِ. قَوْلُهُ: (وَمَا فِي اقْتِنَاءِ الْمُلُوكِ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ، بَلْ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهَا. قَوْلُهُ: (وَالْفَهْدِ لِلصَّيْدِ) مِثْلُهُ الْهِرَّةُ لِصَيْدِ الْفَأْرِ. قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهَا) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلْحِنْطَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَآلَةِ اللَّهْوِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْوَجْهَانِ فِيهِمَا يَجْرِيَانِ فِي الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ. اهـ. ثُمَّ الْحُكْمُ ثَابِتٌ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ جَوَاهِرَ نَفِيسَةٍ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ الصُّوَرِ مَا يُجْعَلُ مِنْ الْحَلْوَى بِمِصْرٍ عَلَى صُوَرِ الْحَيَوَانِ، وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِبَيْعِ ذَلِكَ وَهُوَ بَاطِلٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَكُتُبُ الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ وَالْفَلْسَفَةِ يَحْرُمُ بَيْعُهَا وَيَجِبُ إتْلَافُهَا. قَوْلُهُ: (وَالْمِزْمَارِ) وَلَوْ مِنْ ذَهَبٍ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ
стр. 612
مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ (إمْكَانُ تَسْلِيمِهِ) بِأَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ لِيُوثَقَ بِحُصُولِ الْعِوَضِ. (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الضَّالِّ وَالْآبِقِ وَالْمَغْصُوبِ) لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهَا فِي الْحَالِّ (فَإِنْ بَاعَهُ) أَيْ الْمَغْصُوبَ (لِقَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ) دُونَهُ (صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ) نَظَرًا إلَى وُصُولِ الْمُشْتَرِي إلَى الْمَبِيعِ، وَالثَّانِي يَنْظُرُ إلَى عَجْزِ الْبَائِعِ بِنَفْسِهِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى انْتِزَاعِهِ صَحَّ بَيْعُهُ قَطْعًا، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ الْغَاصِبِ صَحَّ قَطْعًا، وَلَوْ بَاعَ الْآبِقَ مِمَّنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ رَدُّهُ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الْمَغْصُوبِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الضَّالِّ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ إنْسَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نِصْفِ) مَثَلًا (مُعَيَّنٍ مِنْ الْإِنَاءِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِمَا) كَثَوْبٍ نَفِيسٍ تَنْقُصُ بِقَطْعِهِ قِيمَتُهُ لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ ذَلِكَ شَرْعًا لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِيهِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْكَسْرِ أَوْ الْقَطْعِ، وَفِيهِ نَقْصٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ. (وَيَصِحُّ فِي الثَّوْبِ الَّذِي لَا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ) كَغَلِيظِ الْكِرْيَاسِ. (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي قَالَ قَطْعُهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَغْيِيرٍ لِعَيْنِ الْمَبِيعِ، وَقِيلَ يَصِحُّ فِي النَّفِيسِ لِرِضَا الْبَائِعِ بِالضَّرَرِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْقِيَاسُ طَرْدُهُ فِي السَّيْفِ وَالْإِنَاءِ. وَمِمَّا يَصْدُقُ بِهِ النِّصْفُ أَوْ مَحَوْهُ مِنْ الثَّوْبِ أَنْ يَكُونَ ذِرَاعًا، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَطَرِيقُ مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ ذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ حَيْثُ قُلْنَا لَا يَصِحُّ
ــ
[حاشية قليوبي]
بَرَدَ الْمَاءُ أَوْ غُرْبِلَ التُّرَابُ مَثَلًا صَحَّ بَيْعُهُ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَقْدِرَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِمْكَانِ الْقُدْرَةِ وُجُودُهَا بِالْفِعْلِ حِسًّا وَشَرْعًا لَا حَقِيقَتَهُ. قَوْلُهُ: (وَالْآبِقِ) وَإِنْ عَرَفَ مَحَلَّهُ أَوْ أَرَادَ عِتْقَهُ نَظَرًا لِحَيْلُولَةِ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ نَعَمْ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِلَا مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً وَبِلَا مُؤْنَةٍ لَهَا وَقْعٌ، وَمِثْلُهَا الضَّالُّ وَالْمَغْصُوبُ. وَكَذَا بَيْعُ نَحْوَ سَمَكٍ فِي بِرْكَةٍ وَطَيْرٍ فِي بُرْجٍ بِشَرْطِهِمَا وَنَحْلٍ فِي كِوَارَتِهِ إنْ رَآهُ قَبْلَ دُخُولِهَا وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَإِنْ اعْتَادَ الْعَوْدَ، وَلَا نَحْلٍ خَارِجَ الْكِوَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ فِيهَا وَاعْتَادَ الرُّجُوعَ إلَيْهَا.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الصِّحَّةُ فِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلْجَوَارِحِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الطُّيُورِ وَذَكَرَ الْخَطِيبُ مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: (لِقَادِرٍ) وَإِنْ جَهِلَ الْغَصْبَ وَلَهُ الْخِيَارُ حِينَئِذٍ. وَكَذَا لَوْ طَرَأَ الْعَجْزُ وَيَصْدُقُ بِيَمِينِهِ فِي عَدَمِ قُدْرَتِهِ وَفِي طُرُوُّ عَجْزِهِ. قَوْلُهُ: (مِمَّنْ يَسْهُلُ إلَخْ) فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ صَحَّ قَطْعًا وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّارِحُ هَذَا دَاخِلًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرًا لِلنِّزَاعِ وَالْخِلَافِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَقَعُ) أَيْ الضَّالُّ إلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ. وَكَذَا لَا يَقَعُ الْآبِقُ إلَّا عَلَى الْآدَمِيِّ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ مِنْ خَوْفٍ أَوْ تَعَبٍ يُقَالُ لَهُ هَارِبٌ.
تَنْبِيهٌ: عِتْقُ الْمَذْكُورِينَ صَحِيحٌ مِنْ الْمَالِكِ وَلَوْ عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ بِبَيْعٍ ضِمْنِيٍّ أَوْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ كَمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذْ لَا يُعْتَبَرُ التَّسَلُّمُ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْإِنَاءِ) نَعَمْ إنْ كَانَ مِنْ النَّقْدِ صَحَّ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِزَوَالِ هَيْئَتِهِ مَعَ إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (كَثَوْبٍ نَفِيسٍ) وَفَصٍّ مِنْ خَاتَمٍ وَجِذْعٍ فِي بِنَاءٍ. قَوْلُهُ: (وَفِيهِ نَقْصٌ) أَيْ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ بِخِلَافِ نَحْوِ فَرْدَةِ خُفٍّ. قَوْلُهُ: (فَيَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ) لِغَرَضِ الرِّبْحِ، وَالْقَطْعُ غَيْرُ مُلْجِئٍ إلَيْهِ وَإِنْ جَازَ لِلطَّالِبِ الْإِعْرَاضُ عَنْ الشِّرَاءِ بَعْدَ الْقَطْعِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْأَوْلَى شِرَاؤُهُ شَائِعًا ثُمَّ قَطْعُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ شَرِيكًا وَيُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ عِنْدَ طَلَبِهِ لِعَدَمِ التَّعَنُّتِ. قَوْلُهُ: (لِعَيْنِ الْمَبِيعِ) لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا
ــ
[حاشية عميرة]
إلَخْ) بَحَثَ بَعْضُهُمْ تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِمَا إذَا لَمْ يَتَمَيَّزْ لِلْبَيْعِ بِوَصْفٍ زَائِدٍ كَبُرُودَةِ الْمَاءِ وَنُعُومَةِ التُّرَابِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ.
قُلْت وَبِالنَّظَرِ فِي تَوْجِيهِ الثَّانِي يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا خُرُوجٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ. قَوْلُهُ: (مِنْ إمْكَانِ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُ بَذْلُ الْمَالِ وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ سَفَهًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْآبِقِ) لَا يُشْكِلُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْعَبْدِ الزَّمِنِ لِأَنَّ هُنَا مَنْفَعَةٌ حِيلَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَهَا بِخِلَافِ الزَّمِنِ.
فَائِدَةٌ: يُقَالُ: أَبَقَ يَأْبِقُ، عَلَى وَزْنِ ضَرَبَ يَضْرِبُ وَعَلِمَ يَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فِي الْحَالِ) هَذَا يُفِيدُك أَنَّ الْمُضِرَّ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ، وَلَوْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ عَرَفَ مَكَانَ الْآبِقِ وَالضَّالِّ أَمْ لَا وَالْحَاصِلُ أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا بِحَيْثُ لَوْ شُرِعَ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَنْظُرُ إلَى عَجْزِ الْبَائِعِ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَنَحْوِهِمَا) مَعًا أُلْحِقَ بِذَلِكَ بَيْعُ الْفَصِّ فِي الْخَاتَمِ وَالْجِذْعِ فِي الْبِنَاءِ، نَعَمْ اسْتَشْكَلَ الرَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ صِحَّةَ بَيْعِ بَعْضِ الْجِدَارِ وَالْأُسْطُوَانَةِ إذَا كَانَا مِنْ آجُرٍّ أَوْ لَبِنٍ، وَجَعَلَ مَحَلَّ الْقَطْعِ نِهَايَةَ صَفٍّ لَا بَعْضَ سُمْكِ اللَّبِنِ أَوْ الْآجُرِّ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: يَصِحُّ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ دَلِيلًا وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَيْهِ، وَهُوَ نَوْعُ اسْتِرْبَاحٍ
стр. 613
أَنْ يُوَاطِئَ صَاحِبَهُ عَلَى شِرَائِهِ، ثُمَّ يَقْطَعَهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ فَيَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ. أَمَّا بَيْعُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِنْ الْإِنَاءِ وَنَحْوِهِ فَيَصِحُّ، وَيَصِيرُ مُشْتَرَكًا وَبَيْعُ ذِرَاعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَرْضِ يَصِحُّ أَيْضًا لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ فِيهَا بَيْنَ النَّصِيبَيْنِ بِالْعَلَامَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَك أَنْ تَقُولَ قَدْ تَتَضَيَّقُ مَرَافِقُ الْبُقْعَةِ بِالْعَلَامَةِ وَتَنْقُصُ الْقِيمَةُ، فَلْيَكُنْ الْحُكْمُ فِي الْأَرْضِ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي الثَّوْبِ، وَسَيَأْتِي بَيْعُ ذِرَاعٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (الْمَرْهُونِ بِغَيْرِ إذْنِ مُرْتَهِنِهِ) لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا (وَلَا الْجَانِي الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ فِي الْأَظْهَرِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِهِ كَمَا فِي الْمَرْهُونِ وَالثَّانِي يَصِحُّ فِي الْمُوسِرِ، قِيلَ: وَالْمُعْسِرُ وَالْفَرْقُ أَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ بِخِلَافِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ السَّيِّدُ الْمُوسِرُ بِبَيْعِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَقِيلَ: لَا بَلْ هُوَ عَلَى خِيرَتِهِ إنْ فَدَى أَمْضَى الْبَيْعَ وَإِلَّا فَسَخَ، وَلَوْ بَاعَهُ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ صَحَّ جَزْمًا، وَالْفِدَاءُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ مُوجِبَاتِ الدِّيَةِ، وَصُوَرُ تَعَلُّقِ الْمَالِ بِرَقَبَتِهِ أَنْ يَكُونَ جَنَى خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ عَمْدًا وَعُفِيَ عَلَى مَالٍ أَوْ أَتْلَفَ مَالًا. (وَلَا يَضُرُّ تَعَلُّقُهُ بِذِمَّتِهِ) بِأَنْ اشْتَرَى فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَأَتْلَفَهُ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَرُدُّ عَلَى الرَّقَبَةِ، وَلَا تَعَلُّقَ لِرَبِّ الدَّيْنِ بِهَا. (وَكَذَا تَعَلُّقُ الْقِصَاصِ) بِرَقَبَتِهِ لَا يَضُرُّ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ تَرَجَّى سَلَامَتَهُ بِالْعَفْوِ، وَالثَّانِي يَضُرُّ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْقِصَاصِ قَدْ يَعْفُو عَلَى مَالٍ فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَتَعَلُّقُهُ بِهَا ضَارٌّ كَمَا
ــ
[حاشية قليوبي]
وَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونُ آخِرَهُ أَوْ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءُ آخِرَهُ. قَوْلُهُ: (وَلَك أَنْ تَقُولَ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ جَوَابُهُ بِإِمْكَانِ تَدَارُكِ النَّفْعِيِّ فِي الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْهُونِ) وَلَوْ شَرْعًا كَأُجْرَةِ نَحْوِ قَصَّارٍ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِصَارَتِهِ، وَلَوْ قَبْلَ فَرَاغِهَا وَمَاءِ طَهَارَةٍ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِ مُرْتَهِنِهِ) فَيَصِحُّ بِإِذْنِهِ وَأَنْ يَشْتَرِيَهُ. قَوْلُهُ: (فِي الْمُوسِرِ) فَالْمُعْسِرُ عَلَى خِيرَتِهِ قَطْعًا. قَوْلُهُ: (فَسَخَ) إنْ لَمْ يُسْقِطْ الْفَسْخُ حَقَّهُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ كَوَارِثِ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ فَيَسْقُطُ الْأَرْشُ، وَالْفَاسِخُ الْحَاكِمُ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ مَالِ الْمُوسِرِ بِقَدْرِ الْأَرْشِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَاعَهُ) أَيْ الْمُوسِرُ كَمَا فِي الْعُبَابِ. قَوْلُهُ: (صَحَّ جَزْمًا) فَإِنْ تَعَذَّرَ الْفِدَاءُ وَلَوْ بِإِفْلَاسٍ أَوْ صَبْرٍ عَلَى حَبْسٍ أَوْ غَيْبَةِ فَسَخَ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (بِذِمَّتِهِ) أَيْ أَوْ كَسْبِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ فِي تَعَلُّقِ الْقِصَاصِ بِعُضْوِهِ) وَإِنْ تَحَتَّمَ كَقَطْعِ طَرِيقٍ. قَوْلُهُ: (بِالْعَفْوِ) أَيْ مَجَّانًا عَنْ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ وَإِلَّا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ، كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا كَالرَّافِعِيِّ. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْوَجْهُ الْفَسْخُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ ابْتِدَاءً. نَعَمْ لَوْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ لَمْ يَبْطُلْ الْعِتْقُ وَلَا يُفْسَخُ وَيَنْتَظِرُ يَسَارَ السَّيِّدِ بِالْفِدَاءِ.
قَوْلُهُ: (الرَّابِعُ الْمِلْكُ) أَيْ مِلْكُ التَّصَرُّفِ التَّامِّ فَدَخَلَ الْوَكِيلُ وَخَرَجَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ. قَوْلُهُ: (الْوَاقِعُ) أَيْ الْمَوْجُودُ أَيْ أَنْ يَصْدُرَ الْعَقْدُ الْمَوْجُودُ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ إيجَادِهِ فَخَرَجَ الْفُضُولِيُّ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِ الْوَاقِعِ بِالنَّاجِزِ بَلْ لَا يَسْتَقِيمُ
ــ
[حاشية عميرة]
وَفِيهِ أَغْرَاضٌ صَحِيحَةٌ. قَوْلُهُ: (وَالْقِيَاسُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الثَّوْبَ يُنْسَجُ لِيُقْطَعَ بِخِلَافِ الْإِنَاءِ وَالسَّيْفِ. قَوْلُهُ: (وَمِمَّا يَصْدُقُ إلَخْ) يُرِيدُ بِهَذَا إيضَاحَ قَوْلِ النَّوَوِيِّ الْآتِي حَيْثُ قُلْنَا لَا يَصِحُّ وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّاجِحِ. قَوْلُهُ: (وَطَرِيقُ مَنْ أَرَادَ إلَخْ) فِيهِ إشْعَارٌ بِجَوَازِ الْقَطْعِ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي امْتِنَاعِ الْبَيْعِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ، وَالْإِشْكَالُ قَوِيٌّ جِدًّا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا بَيْعُ الْمَرْهُونِ إلَخْ) قَالَ الدَّمِيرِيِّ مِثْلُهُ الْأَشْجَارُ الْمُسَاقِي عَلَيْهَا قَبْلَ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ. اهـ. قُلْت وَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ الْمُسَاقَاةِ إذَا أَذِنَ الْعَامِلُ وَبِيعَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا الْجَانِي الْمُتَعَلِّقِ إلَخْ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ وَلَوْ قَلَّ الْمَالُ وَزَادَتْ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (قِيلَ وَالْمُعْسِرُ) أَيْ وَيَتَخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لَكِنْ لَوْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الْفِدَاءِ أَوْ تَأَخَّرَ لِإِفْلَاسِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ أَوْ صَبْرِهِ عَلَى الْحَبْسِ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجْرِي فِيمَا لَوْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ ثُمَّ بَاعَهُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ تُرْجَى سَلَامَتُهُ إلَخْ) أَيْ فَكَانَ كَالْمَرَضِ لَكِنْ لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ حَصَلَ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ فَهَلْ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ أَمْ لَا؟ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ رَهَنَهُ، ثُمَّ حَصَلَ الْعَفْوُ وَجْهَيْنِ وَفِي كَلَامِهِ إشْعَارٌ يُرَجِّحَانِ الْبُطْلَانَ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَلْيَجْرِ ذَلِكَ هُنَا.
تَتِمَّةٌ: مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي هَذَا الشَّرْطِ بَيْعُ الثَّوْبِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فِي السِّتْرِ وَالْمَاءِ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَى الطَّهَارَةِ بِهِ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ) فَرَّ مِنْ الْعَاقِدِ لِيُدْخِلَ نَحْوَ الْوَكِيلِ وَالْوَلِيِّ وَالْقَاضِي فَوَرَدَ عَلَيْهِ الْفُضُولِيُّ، وَغَرَضُهُ إخْرَاجُهُ بِدَلِيلِ تَرْتِيبِ حُكْمِهِ بِالْفَاءِ ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : لَا طَلَاقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا بَيْعَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا وَفَاءَ بِنَذْرٍ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ. قَوْلُهُ: (الْوَاقِعُ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ أَفْهَمَ مَعْنَاهَا، وَلَوْ قَالَ الْمَتْنُ: لِمَنْ يَقَعُ لَهُ الْعَقْدُ لَكَانَ وَاضِحًا. قَوْلُهُ: (أَوْ
стр. 614
تَقَدَّمَ، وَلَا يَضُرُّ تَعَلُّقُ الْقِصَاصِ بِعُضْوِهِ جَزْمًا كَمَا ذَكَرَ فِي بَابِ الْخِيَارِ، فَيَثْبُتُ بِهِ الرَّدُّ كَمَا سَيَأْتِي فِيهِ.
(الرَّابِعُ) مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ (الْمِلْكُ) فِيهِ (لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ) الْوَاقِعُ وَهُوَ الْعَاقِدُ أَوْ مُوَكِّلُهُ أَوْ مُوَلِّيهِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ. (فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا وَكِيلٍ وَلَا وَلِيٍّ. (وَفِي الْقَدِيمِ) هُوَ (مَوْقُوفٌ إنْ أَجَازَ مَالِكُهُ) أَوْ وَلِيُّهُ (نَفَذَ) بِالْمُعْجَمَةِ (وَإِلَّا فَلَا) يَنْفُذُ وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ بِعَيْنِ مَالِهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، وَفِيمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ أَوْ بِنْتَه، أَوْ طَلَّقَ مَنْكُوحَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، أَوْ آجَرَ دَابَّتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حِيلَتَهُ وَكَانَ مَيْتًا) بِسُكُونِ الْيَاءِ.
(صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ) تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِلْكَهُ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَنْ زَوَّجَ أَمَةَ مُوَرِّثِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ فَبَانَ مَيِّتًا هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ.
(الْخَامِسُ) مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ (الْعِلْمُ بِهِ) عَيْنًا وَقَدْرًا وَصِفَةً عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ حَذَرًا مِنْ الْغَرَرِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» . (فَبَيْعُ
ــ
[حاشية قليوبي]
لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. قَوْلُهُ: (فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ) وَكَذَا سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ وَلَوْ حِلًّا كَعِتْقٍ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (مَالِكُهُ) أَيْ الْأَهْلُ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا نَحْوُ صَبِيٍّ وَإِنْ بَلَغَ وَقْتَ الْإِجَازَةِ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ الْحَرْبِيُّ أَخَاهُ وَمُسْتَوْلَدَتَهُ وَوَلَدَ غَيْرِهِ لِمِلْكِهِ لَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ لَا وَلَدَ نَفْسِهِ لِعِتْقِهِ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ. قَوْلُهُ: (بِالْمُعْجَمَةِ) مِنْ بَابِ نَصَرَ وَبِالْمُهْمَلَةِ مِنْ بَابِ عَلِمَ وَمَعْنَاهُ فَرَغَ. قَوْلُهُ: (بِنْتَه) أَيْ الْغَيْرِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ بِنْتَ نَفْسِهِ بِأَنْ أَذِنَتْ لَهُ وَهِيَ خَلِيَّةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ، وَزَوْجَةَ نَفْسِهِ بِأَنْ زَوَّجَهَا لَهُ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ. قَوْلُهُ: (مُوَرِّثِهِ) أَيْ مَثَلًا فَمَالُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ وَيَصِحُّ عَكْسُهُ قَطْعًا كَأَنْ ظَنَّ فِي مَالِهِ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (ظَانًّا حَيَاتَهُ) أَيْ مُتَرَدِّدًا فِيهَا فَإِنْ ظَنَّ مَوْتَهُ صَحَّ قَطْعًا وَلَا يَصِيرُ التَّعْلِيقُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمَوْتِ كَمَا مَرَّ. كَأَنْ يَقُولَ: إنْ كَانَ مُوَرِّثِي مَاتَ أَوْ إنْ كَانَ مِلْكِي. قَوْلُهُ: (بِسُكُونِ الْيَاءِ) أَيْ عَلَى الْأَفْصَحِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ قَالُوا: وَفَارَقَ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِيمَا لَوْ تَزَوَّجَ بِخُنْثَى فَبَانَ أُنْثَى أَوْ بِمَنْ شَكَّ فِي حِلِّهَا فَبَانَتْ حَلَالًا بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْوِلَايَةِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ شَيْخُنَا: يَحْرُمُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَهُوَ صَغِيرَةٌ لَا يَفْسُقُ بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ مَا مَرَّ عَنْهُ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ. وَقَدْ يُفَرَّقُ بِصِحَّتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (الْخَامِسُ الْعِلْمُ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلظَّنِّ. قَوْلُهُ: (عَيْنًا) أَيْ فِي الْمُشَاهَدِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِطْ بِغَيْرِهِ، وَقَدْرًا وَصِفَةً فِي غَيْرِهِ، نَعَمْ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُخْتَلِطِ كَالْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ وَلَوْ بِالدَّرَاهِمِ، وَسَيَأْتِي فِي
ــ
[حاشية عميرة]
مُوَلِّيهِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ الظَّافِرُ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ وَالْمُلْتَقِطُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ إلَخْ) كَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَجْرِي فِيهِ قَوْلُ الْوَقْفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ خِلَافُ مَذْهَبِنَا، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ، وَقَوْلُهُ: مَوْقُوفٌ يَعْنِي الْمِلْكَ وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَنَاجِزَةٌ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الْقَدِيمِ إلَخْ) احْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَى شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ التَّابِعِيُّ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ حَدِيثَ تَوَكُّلِهِ فِي شِرَاءِ شَاةٍ، «فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَأَحْضَرَ الْأُخْرَى مَعَ الدِّينَارِ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ » ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ شَبِيبٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَيُّ عَنْ عُرْوَةَ فَذَكَرَهُ. قِيلَ لِجَهَالَةِ الْحَيِّ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا وَلَكِنَّهُ احْتَجَّ بِهِ فِي أَنَّ مَنْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِدِينَارٍ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَاتَيْنِ لِأَنَّ الْمُرْسَلَ يُحْتَجُّ بِهِ إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ وَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ مُخَالِفٌ الْقِيَاسَ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِالْأَظْهَرِ لِأَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ قَوِيٌّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَقَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْمُعْتَبَرُ إجَازَةُ مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عِنْدَ الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ بَلَغَ الْمَالِكُ بَعْدَ الْبَيْعِ ثُمَّ أَجَازَ لَا يَنْفُذُ. قَوْلُهُ: (أَوْ وَلِيُّهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمَتْنِ مَالِكُهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (نَفَذَ) مِنْهُ تَنْفِيذُ الْقَاضِي وَمُضَارِعُهُ مَضْمُومٌ بِخِلَافِ نَفِدَ الْمُهْمَلُ وَمُضَارِعُهُ مَفْتُوحٌ وَمَعْنَاهُ الْفَرَاغُ. قَوْلُهُ: (بِعَيْنِ مَالِهِ وَقَوْلُهُ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ) الضَّمِيرُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (أَعْتَقَ عَبْدَهُ) ضَبَطَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ) لِصُدُورِهِ مِنْ الْمَالِكِ كَذَا عَبَّرَ الرَّافِعِيُّ ثُمَّ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي يَتَبَيَّنُ عَلَى ثُبُوتِهِ مِنْ حَيْثُ الْعَقْدُ بِخِلَافِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ. قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي الْخِلَافُ) هُوَ جَارٍ أَيْضًا فِيمَا لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ عَلَى ظَنِّ بَقَاءِ الْإِبَاقِ وَالْكِتَابَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ الرُّجُوعَ وَالْفَسْخَ. وَلَوْ ظَنَّ شَيْئًا لِغَيْرِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ
стр. 615
أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ) أَوْ الْبُعْدَيْنِ مَثَلًا (بَاطِلٌ) وَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ (وَيَصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ تُعْلَمُ صِيعَانُهَا) لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ وَيَنْزِلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ، فَإِذَا عَلِمَا أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ فَالْمَبِيعُ عُشْرُهَا، فَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهَا تَلِفَ بِقَدْرِهِ مِنْ الْمَبِيعِ، وَقِيلَ الْمَبِيعُ صَاعٌ مِنْهَا، أَيَّ صَاعٍ كَانَ، فَيَبْقَى الْمَبِيعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ. (وَكَذَا إنْ جُهِلَتْ) صِيعَانُهَا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ يَصِحُّ الْبَيْعُ (فِي الْأَصَحِّ) الْمَنْصُوصُ وَالْمَبِيعُ صَاعٌ مِنْهَا، أَيَّ صَاعٍ كَانَ وَلِلْبَائِعِ تَسْلِيمُهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا لِأَنَّ رُؤْيَةَ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ كَرُؤْيَةِ كُلِّهَا، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ فَرَّقَ صِيعَانَهَا، وَقَالَ بِعْتُك صَاعًا مِنْهَا، وَلَوْ بَاعَهُ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذُرْعَانَ ذَلِكَ كَعَشَرَةٍ صَحَّ وَكَأَنَّهُ بَاعَهُ الْعَشَرَ، وَإِنْ جَهِلَ أَحَدُهُمَا الذُّرْعَانَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ فِي الصُّبْرَةِ الْمَجْهُولَةِ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا لَا تَتَفَاوَتُ بِخِلَافِ أَجْزَاءِ مَا ذَكَرَ. (وَلَوْ بَاعَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً أَوْ بِزِنَةِ هَذِهِ الْحَصَاةِ ذَهَبًا أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ) أَيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَأَحَدُهُمَا لَا يَعْلَمُهُ (أَوْ بِأَلْفِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ
ــ
[حاشية قليوبي]
الرِّبَا أَنَّ اللَّحْمَ مَعَ عَظْمِهِ وَالطَّحِينَةَ وَالْقِشْدَةَ وَالزُّبْدَ وَالْعَجْوَةَ الْمَعْجُونَةَ بِنَوَاهَا وَالْعَسَلَ بِشَمْعِهِ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بَاطِلٌ) أَيْ وَإِنْ نَوَيَا وَاحِدًا مِنْهُمَا وَاتَّفَقَتْ نِيَّتُهُمَا لِوُجُوبِ ذِكْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ هُنَا. وَبِذَلِكَ فَارَقَ الِاكْتِفَاءَ بِنِيَّةِ الْمَنْكُوحَةِ، نَعَمْ قَدْ يُغْتَفَرُ الْجَهْلُ فِي صُوَرٍ لِضَرُورَةٍ أَوْ سَمَاحَةٍ كَبَيْعِ حِصَّتِهِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ أَوْ رِزْقِهِ مِنْ الْجَيْشِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَكَبَيْعِ دَارٍ لَهُ فِيهَا حِصَّةٌ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا فَيَصِحُّ فِي حِصَّتِهِ مِنْهَا. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِ الدَّارِ مُطْلَقًا نَعَمْ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْهَا فِي الْوَاقِعِ فَيَتَّجِهُ الصِّحَّةُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْغَرَرِ) هُوَ مَا انْطَوَتْ عَنَّا عَاقِبَتُهُ أَوْ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَغْلَبُهُمَا أَخْوَفُهُمَا. قَوْلُهُ: (مِنْ صُبْرَةٍ) أَيْ مُشَاهَدَةٍ مِمَّا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ وَيَدُلُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَهَذِهِ مِنْ أَفْرَادِ مَا سَيَأْتِي فِي الِاكْتِفَاءِ بِرُؤْيَةِ بَعْضِ الْمَبِيعِ، وَذِكْرُهَا هُنَا لِإِفَادَةِ أَنَّ الْإِشَاعَةَ لَا تُنَافِي الْعِلْمَ. أُفِيدَ مِنْ ذِكْرِهَا بَعْدَهُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَهُ صُبْرَةُ نَحْوِ اللَّيْمُونِ وَالرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ كَرُمَّانَةٍ مِنْهَا بِكَذَا فَلَا يَصِحُّ، وَخَرَجَ غَيْرُ الصُّبْرَةِ كَشَاةٍ بِكَذَا مِنْ الْأَغْنَامِ وَالْأَذْرُعِ بِكَذَا مِنْ الثَّوْبِ مَثَلًا فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (وَيَنْزِلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ) فَإِنْ قَصَدَا مُعَيَّنًا مُبْهَمًا فَسَدَ الْعَقْدُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك صَاعًا مِنْ أَسْفَلِهَا أَوْ بِعْتُكهَا إلَّا صَاعًا مِنْهَا أَوْ بِعْتُك نِصْفَهَا إلَّا صَاعًا مِنْهُ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ: بِعْتُك نِصْفَهَا وَصَاعًا مِنْ نِصْفِهَا الْآخَرِ، أَوْ: بِعْتُك نِصْفَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمَيْنِ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: (تَلِفَ بِقَدْرِهِ) أَيْ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ التَّالِفِ وَهُوَ عُشْرُ الصَّاعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. قَوْلُهُ: (الْمَنْصُوصُ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى التَّعْبِيرِ فَالْأَصَحُّ. قَوْلُهُ: (أَيَّ صَاعٍ كَانَ) فَالْإِشَاعَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا مَعَهُ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَلِلْبَائِعِ تَسْلِيمُهُ مِنْ أَسْفَلِهَا) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَجْهُولَةِ وَمِثْلُهَا الْمَعْلُومَةُ، وَيُمْكِنُ شُمُولُ كَلَامِهِ لَهَا وَإِنْ خُصَّتْ الْمَجْهُولَةُ بِقَوْلِهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا غَيْرُ صَاعٍ تَعَيَّنَ. وَكَذَا لَوْ صُبَّ عَلَيْهَا غَيْرُهَا وَلَوْ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ قَالَهُ شَيْخُنَا. وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الصَّاعَ مِنْ الْمَصْبُوبَةِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ فَرَّقَ إلَخْ) وَرَدَ بِأَنَّهُ بَعْدَ التَّفْرِيقِ صَارَ مِنْ بَيْعِ الْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ: (وَبِخِلَافِ أَجْزَاءِ مَا ذَكَرَ) فَإِنَّ شَأْنَهَا التَّفَاوُتُ مَعَ عَدَمِ الْإِشَاعَةِ فِيهَا أَيْضًا.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِنْ لَفْظِ " مِنْ " أَنَّ الصُّبْرَةَ أَكْثَرُ مِنْ الصَّاعِ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إلَّا إنْ قَصَدَ بِمِنْ الِابْتِدَاءَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (حِنْطَةً) أَيْ غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهَا إلَّا كَهَذِهِ الْحِنْطَةِ فَيَصِحُّ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ حَالًا، وَمِثْلُهُ مِنْ ذَا الذَّهَبِ. قَوْلُهُ: (بِمِثْلِ ذَلِكَ) أَيْ يَنْزِلُ عَلَى الْمِثْلِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ، نَعَمْ إنْ انْتَقَلَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي تَعَيَّنَ عَيْنُهُ فَإِنْ صَرَّحَا
ــ
[حاشية عميرة]
لَهُ صَحَّ جَزْمًا وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا سَلَف قَوِيُّ الْمَانِعِ بِالنَّظَرِ لِلْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْعَبْدَيْنِ) زَادَ الشَّارِحُ هَذَا وَفَاءً بِمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَإِشَارَةً إلَى أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبِيدِ قَوْلًا قَدِيمًا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ زَادَ فِيهَا عَلَى أَنْ تَخْتَارَ مَا شِئْت فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا صَحَّ الْعَقْدُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا) وَإِنْ جَعَلَ الْخِيَرَةَ لِلْمُشْتَرِي. قَوْلُهُ: (لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ) لَا يُقَالُ أَيُّ غَرَرٍ فِي هَذَا عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْقِيمَةِ لِأَنَّا نَقُولُ لَا بُدَّ لِلْعَقْدِ مِنْ مَوْرِدٍ يَتَأَثَّرُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الْغَرَرِ لِتَفَاوُتِ الْأَغْرَاضِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فَلَا يَكْفِي عِلْمُ أَحَدِهِمَا. قَوْلُهُ: (وَالْمَبِيعُ صَاعٌ إلَخْ) إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْإِشَاعَةِ فَسَدَ الْبَيْعُ. قَوْلُهُ.
(وَالثَّانِي إلَخْ) هَذَا اخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَكَانَ يُفْتِي بِالْأَوَّلِ وَيَقُولُ إنَّمَا يَسْتَفْتِي عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا عَمَّا عِنْدِي. قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ فَرَّقَ إلَخْ) اعْتَذَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ هَذَا الْقِيَاسِ بِأَنَّ الصِّيعَانَ الْمُفَرَّقَةَ رُبَّمَا تَتَفَاوَتُ بِالْكَيْلِ فَيَخْتَلِفُ الْغَرَضُ، وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْعَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ وَنَحْوِهِمَا بَاطِلٌ كَمَا سَلَفَ وَعُلِّلَ بِأَمْرَيْنِ: وُجُودُ الْغَرَرِ وَكَوْنُ الْعَقْدِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ يَتَأَثَّرُ بِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀: فَالْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ
стр. 616
لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مِلْءَ مَنْصُوبًا وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا. (وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ) دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ فُلُوسٍ (وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ غَالِبٌ) مِنْ ذَلِكَ وَنَقْدٌ غَيْرُ غَالِبٍ مِنْهُ (تَعَيَّنَ) الْغَالِبُ لِظُهُورِ أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَرَادَاهُ. (أَوْ نَقْدَانِ) مِنْ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ (لَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا اُشْتُرِطَ التَّعْيِينُ) لِأَحَدِهِمَا فِي الْعَقْدِ لِيُعْلَمَ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْبَيَانِ إذَا تَفَاوَتَتْ قِيمَتُهُمَا، فَإِنْ اسْتَوَتْ صَحَّ الْبَيْعُ بِدُونِ التَّعْيِينِ وَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي مَا شَاءَ مِنْهُمَا.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ الصُّبْرَةِ الْمَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ) لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ. (كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ) بِنَصْبِ كُلَّ كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَا
ــ
[حاشية قليوبي]
بِالْمِثْلِيَّةِ بَعْدَ عِلْمِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا بِنَقْلِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ صَحِيحٌ) لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَلَهُ حُكْمُ الثَّمَنِ. قَوْلُهُ: (بِنَقْدٍ) أَيْ بِمَا يُتَعَامَلُ بِهِ فِي بَلَدِ الْبَيْعِ وَلَوْ مَغْشُوشًا أَوْ عُرُوضًا مِثْلِيَّةً. فَقَوْلُهُ أَوْ فُلُوسٍ مَعْطُوفٌ عَلَى دَرَاهِمَ لِأَنَّهَا مِنْ النَّقْدِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَلَا اعْتِرَاضَ بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ فَافْهَمْ. قَوْلُهُ: (تَعَيَّنَ الْغَالِبُ) وَإِنْ أَبْطَلَهُ السُّلْطَانُ أَوْ كَانَ نَاقِصًا أَوْ أَرَادَ خِلَافَهُ فَإِنْ فُقِدَ تَعَيَّنَ مِثْلُهُ إنْ بَقِيَ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ نَعَمْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ إرَادَةِ خِلَافِهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (أَوْ نَقْدَانِ مِنْ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ) أَفَادَ أَنَّهُمَا مِنْ الدَّرَاهِمِ فَقَطْ أَوْ مِنْ الدَّنَانِيرِ فَقَطْ. وَهَكَذَا فِيمَا مَرَّ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى دَفْعِ التَّكْرَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ فِي نَقْدَيْنِ أَيْضًا لَكِنْ مِنْ دَرَاهِمَ وَفُلُوسٍ مَعًا مَثَلًا وَأَحَدُهُمَا غَالِبٌ. فَلَوْ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَ غَالِبٍ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ. وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى انْفَرَدَ نَقْدٌ فَهُوَ الْمُتَعَيِّنُ وَمَتَى تَعَدَّدَ مِنْ جِنْسَيْنِ أَوْ مِنْ جِنْسٍ تَعَيَّنَ الْأَغْلَبُ إنْ كَانَ وَإِلَّا اُشْتُرِطَ التَّعْيِينُ. قَوْلُهُ: (اُشْتُرِطَ التَّعْيِينُ) أَيْ لَفْظًا لِتَعَيُّنِ ذِكْرِ الْعِوَضِ هُنَا مَعَ كَوْنِ الْمُعَارَضَةِ مَحْضَةً بِذَلِكَ فَارَقَ الِاكْتِفَاءَ بِالنِّيَّةِ فِي الْمَنْكُوحَةِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَوَتْ) أَيْ قِيمَتُهُمَا صَحَّ الْعَقْدُ بِلَا تَعْيِينٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ظَاهِرُ ذَلِكَ الصِّحَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالِاسْتِوَاءِ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْغَلَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا قُدِّمَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ.
فَرْعٌ: لَوْ بَاعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنْ الَّتِي قِيمَةُ كُلِّ عَشْرَةٍ مِنْهَا دِينَارٌ مَثَلًا لَمْ يَصِحَّ فَإِنْ قَالَ: مِنْ دَرَاهِمِ الْبَلَدِ الَّتِي قِيمَةُ إلَخْ صَحَّ. وَلَوْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا إنْ عَلِمَ قَدْرَهَا بِعَهْدٍ أَوْ قَرِينَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ بَيْعُ الصُّبْرَةِ الْمَجْهُولَةِ) أَيْ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِذِكْرِ جُمْلَتِهَا وَتَفْصِيلِهَا: كَبِعْتُكَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، وَإِلَّا: كَبِعْتُكَ كُلَّ صَاعٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ أَوْ بِعْتُك مِنْهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، لَمْ يَصِحَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَعَمْ إنْ أُرِيدَ بِمِنْ الْبَيَانُ صَحَّ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك صَاعًا مِنْهَا مَثَلًا بِدِرْهَمٍ وَمَا زَادَ بِحِسَابِهِ بَطَلَ فِي الزَّائِدِ فَإِنْ قَالَ عَلَيَّ أَنَّ مَا زَادَ بِحِسَابِهِ بَطَلَ فِي الْكُلِّ. قَوْلُهُ: (بِنَصْبِ كُلَّ) أَيْ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ دَفَعَ بِهِ رَفْعَهُ بِالِابْتِدَاءِ
ــ
[حاشية عميرة]
الْمَجْهُولَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعْلِيلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوْلَى اغْتَفَرْنَا الْإِبْهَامَ هُنَا لِتَسَاوِي الْأَجْزَاءِ أَوْ بِالثَّانِي لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ بِعْتُك صَاعًا مِنْ بَاطِنِ الصُّبْرَةِ فَهُوَ كَبَيْعِ الْغَائِبِ. قَوْلُهُ: (لِلْجَهْلِ إلَخْ) إيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ فِيهَا جَهْلُ أَصْلِ الْمِقْدَارِ وَالرَّابِعَةَ فِيهَا الْجَهْلُ بِمِقْدَارِ الذَّهَبِ وَمِقْدَارِ الْفِضَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ الْجَهْلُ بِالْمِقْدَارِ مُضِرًّا لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ أَشَارَ فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ حِنْطَةً وَذَهَبًا إلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ يَقِينًا أَعْنِي كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ ذَرْعًا. فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا كَأَنْ قَالَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ صَحَّ لِإِمْكَانِ الْأَخْذِ قَبْلَ تَلَفِ الْبَيْتِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي جَانِبِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنُ مِثْلُهُ بِالْأَوْلَى بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ فِي الثَّمَنِ دُونَ الْمُثَمَّنِ. وَلَوْ كَانَا يَعْلَمَانِ مِقْدَارَ مَا يَحْوِيهِ الْبَيْتُ صَحَّ وَمِثْلُهُ الْبَاقِي. قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مِلْءَ مَنْصُوبًا إلَخْ) قِيلَ لَوْ عَبَّرَ بِهِ هُنَا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي أَحْكَامِ أَقْسَامِ عِلْمِ الْمَبِيعِ لَمْ يَفْرُغْ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ كَذَلِكَ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ غَرَضَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ بَيْعَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ بَاطِلٌ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْعَيْنِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ بَطَلَ فِيهَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْقَدْرِ فَإِذًا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي أَقْسَامِ عِلْمِ الْمَبِيعِ. قَوْلُهُ: (دَرَاهِمَ إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّ تَعْيِينَ الْجِنْسِ لَا بُدَّ مِنْهُ ثُمَّ إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعُ حُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ. قَوْلُهُ: (أَوْ فُلُوسٍ) مِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ بَاعَ بِصَاعِ حِنْطَةٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى الْغَالِبِ وَلِذَا قِيلَ لَوْ عَبَّرَ بَدَلَ الْعَقْدِ بِالثَّمَنِ كَانَ أَشْمَلَ. قَوْلُهُ: (فِي الْعَقْدِ) أَيْ بِاللَّفْظِ وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ الْخَلْعِ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخَلْعِ وَاعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ بِمَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَنَوَيَا وَاحِدَةً مِنْ بَنَاتِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ هَذَا شَيْءٌ يُحْوِجُ إلَى الْفَرْقِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَوَتْ صَحَّ إلَخْ) وَلَوْ فِي صِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَصِحُّ بَيْعُ الصُّبْرَةِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ لَمَّا عَرَفَ مِقْدَارَ الْجُمْلَةِ تَخْمِينًا وَقَابَلَ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ مَعْنًى انْتَفَى الْغَرَرُ وَالْغَبْنُ وَخَرَجَ عَنْ عِبَارَةِ
стр. 617
يَضُرُّ الْجَهْلُ بِجُمْلَةِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالتَّفْصِيلِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ الدَّارَ أَوْ هَذَا الثَّوْبَ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ هَذِهِ الْأَغْنَامَ كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ، وَلَوْ عَلِمَا عَدَدَ الصِّيعَانِ وَالذُّرْعَانِ وَالْأَغْنَامِ صَحَّ الْبَيْعُ جَزْمًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَذَكَرَ مِنْهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَسْأَلَةَ الدَّارِ. (وَلَوْ بَاعَهَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ إنْ خَرَجَتْ مِائَةً وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِائَةً بِأَنْ خَرَجَتْ أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ (فَلَا) يَصِحُّ الْبَيْعُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ جُمْلَةِ الثَّمَنِ وَتَفْصِيلِهِ، وَالثَّانِي يَصِحُّ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي النَّاقِصَةِ، فَإِنْ أَجَازَ فَبِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِمُقَابَلَةِ الصُّبْرَةِ بِهِ أَوْ بِالْقِسْطِ لِمُقَابَلَةِ كُلِّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَجْهَانِ، وَالزِّيَادَةُ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ، وَقِيلَ: هِيَ لِلْبَائِعِ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ هَذَا الثَّوْبَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، وَقَوْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ تَبِعَ فِي الْمُحَرَّرِ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ
ــ
[حاشية قليوبي]
لِجُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ فَيُوهِمُ أَنَّ الْعَاقِدَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ كَمَا مَرَّ وَنَصْبُهُ إمَّا عَلَى الْحَالِيَّةِ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ الصُّبْرَةِ أَوْ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ مَحَلِّهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ. وَقُدِّمَ النَّصْبُ عَلَى الْجَرِّ مَعَ صِحَّتِهِ بَدَلًا مِنْ لَفْظِهَا لِأَوْلَوِيَّتِهِ لِكَوْنِ الْبَدَلِ عَلَى نِيَّةِ تَكْرَارِ الْعَامِلِ وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي صِيغَةِ الْبَائِعِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ بَيْعُ الْأَرْضِ أَوْ الثَّوْبِ أَوْ الدَّارِ الْمَجْهُولَةِ الذُّرْعَانِ. وَكَذَا الْأَغْنَامُ مَثَلًا الْمَجْهُولَةُ الْعَدَدِ كُلَّ ذِرَاعٍ أَوْ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَجْهُولَةِ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ فَمَعَ الْعِلْمِ يَصِحُّ جَزْمًا كَمَا ذَكَرَهُ. وَفِي ذِكْرِ هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ الْحُكْمَ بِالصُّبْرَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ الصُّبْرَةُ يَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهَا وَكُلِّهَا نَاسَبَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا. وَفِي ذِكْرِ الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ الشَّامِلِ لِلصُّبْرَةِ اعْتِرَاضٌ عَلَيْهِ. بِعَدَمِ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهَا. قَوْلُهُ: (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَجْزُومِ بِهِ مَسْأَلَةُ الدَّارِ وَغَيْرُهَا مِثْلُهَا فَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا ذَكَرَهُ. قَوْلُهُ: (صَحَّ إنْ خَرَجَتْ مِائَةٌ) وَلَا عِبْرَةَ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ حَطِّ قَدْرٍ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ بَلْ لَوْ شُرِطَ ذَلِكَ لَفَسَدَ الْعَقْدُ. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ) وَفَارَقَ لَوْ بَاعَ صُبْرَةَ بُرٍّ بِصُبْرَةِ شَعِيرٍ مُكَايَلَةً أَوْ صُبْرَةَ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ مُوَازَنَةً حَيْثُ يَصِحُّ. وَعَلَى هَذَا لَوْ عَيَّنَ كَمِّيَّةَ إحْدَى الصُّبْرَتَيْنِ فَكَمَا هُنَا فَيَصِحُّ إنْ خَرَجَا سَوَاءً وَإِلَّا فَلَا وَحِينَئِذٍ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فَلَا فَرْقَ بِتَعَيُّنِ كَمِّيَّةِ الثَّمَنِ هُنَا فَتَأَمَّلْ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ، ثُمَّ إنْ زَادَتْ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ إنْ سَمَحَ صَاحِبُ الزِّيَادَةِ بِهَا أَوْ رَضِيَ صَاحِبُ النَّاقِصَةِ بِقَدْرِهَا دَامَ الْعَقْدُ وَإِلَّا فُسِخَ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكهَا بِمِائَةٍ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ صَاعٍ صَحَّ الْعَقْدُ وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي النَّقْصِ وَالْبَائِعُ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ نَقَصَتْ فَعَلَيَّ وَإِنْ زَادَتْ فَلَكَ تَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي فِي النَّقْصِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ، كَمَا لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي. قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْكَلَامُ إلَخْ) أَيْ لَوْ جَمَعَ فِي الْأَرْضِ أَوْ الثَّوْبِ أَوْ الْأَغْنَامِ بَيْنَ جُمْلَةِ الثَّمَنِ وَتَفْصِيلِهِ: كَبِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذِهِ الْأَغْنَامَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ ذِرَاعٍ أَوْ كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ الْعَقْدُ إنْ خَرَجَتْ الْمِائَةُ، وَإِلَّا فَلَا. وَفِي ذِكْرِ ذَلِكَ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ كَمَا مَرَّ.
فَرْعٌ: لَوْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ عَلَى أَنْ يَحْفِرَهُ وَيَأْخُذَ تُرَابَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا السَّمْنَ وَظَرْفَهُ أَوْ الْمِسْكَ وَفَأْرَتَهُ كُلَّ رِطْلٍ أَوْ كُلَّ قِيرَاطٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ إنْ عَلِمَ وَزْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ
ــ
[حاشية عميرة]
الْمُصَنِّفِ صُورَتَانِ: الْأُولَى قَالَ بِعْتُك كُلَّ صَاعٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ. نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ عَدَمَ الصِّحَّةِ ثُمَّ خَالَفَهُمْ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ لَا يَصِحُّ أَيْضًا وَلَعَلَّهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبِعْ جَمِيعَ الصُّبْرَةِ وَلَا بَيَّنَ الْمَبِيعَ مِنْهَا وَلَوْ قَالَ بِعْتُك صَاعًا مِنْهُمْ بِدِرْهَمٍ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ صَحَّ أَيْ فِي صَاعٍ فَقَطْ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِخِلَافِ عَلَى أَنَّ مَا زَادَ بِحِسَابِهِ فَإِنَّهُ شَرْطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ. قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ بَيْعُ الصُّبْرَةِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا ذَكَرَ الْبُطْلَانَ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ السَّابِقَةِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ أَحْوَالَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْغَفْلَةِ وَعَدَمِهَا ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِيُنَبِّهَ فِيهَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْرُ الثَّمَنِ فِيهَا قَرِيبًا مِنْ الْمَجْهُولِ، وَكَذَا صَنَعَ نَظِيرَ هَذَا فِي صَدْرِ الشَّرْطِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ) أَيْ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَبْلَغَ الثَّمَنِ حَالَ الْعَقْدِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَلِمَا إلَخْ) هُوَ يُفِيدُك أَنَّ الْوَجْهَ الضَّعِيفَ السَّالِفَ جَارٍ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ أَيْضًا وَأَيْضًا هَذَا فُهِمَ مِنْ الْمَتْنِ بِالْأَوْلَى. قَوْلُ الْمَتْنِ: (صَحَّ إلَخْ) أَيْ لِحُصُولِ الْغَرَضَيْنِ أَيْ وَهُمَا بَيْعُ الْجُمْلَةِ بِالْمَسَافَةِ وَمُقَابَلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ. قَوْلُهُ: (لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ إلَخْ) هِيَ عِبَارَةٌ حَسَنَةٌ، وَعِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّهُ بَاعَ جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ بِالْمِائَةِ بِشَرْطِ مُقَابَلَةِ كُلِّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَالْجَمْعُ
стр. 618
وَجْهَيْنِ، وَحَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا قَوْلَيْنِ. (وَمَتَى كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا) أَيْ مُشَاهَدًا (كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ) مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِقَدْرِهِ، وَكَذَا الْمُعَوَّضُ، فَلَوْ قَالَ بِعْتُك بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ أَوْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ وَلَا يَعْلَمَانِ قَدْرَهَا صَحَّ الْبَيْعُ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُوقِعُ فِي النَّدَمِ، وَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّ شِرَاءَ مَجْهُولِ الذَّرْعِ لَا يُكْرَهُ.
(وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ) وَهُوَ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا.
(وَالثَّانِي يَصِحُّ) اعْتِمَادًا عَلَى الْوَصْفِ بِذِكْرِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُك عَبْدِي التُّرْكِيَّ وَفَرَسِي الْعَرَبِيَّ، وَلَا يَفْتَقِرُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى ذِكْرِ صِفَاتٍ أُخَرَ نَعَمْ لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ مِنْ نَوْعٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ يَقَعُ بِهَا التَّمْيِيزُ كَالتَّعَرُّضِ لِلسِّنِّ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ) لِلْمُشْتَرِي (عِنْدَ الرُّؤْيَةِ) وَإِنْ وَجَدَهُ كَمَا وُصِفَ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ كَالْمُعَايَنَةِ، وَفِيهِ حَدِيثُ «مَنْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ» لَكِنْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ إنَّهُ ضَعِيفٌ، وَيَنْفُذُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ الْفَسْخُ دُونَ الْإِجَازَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ، وَقِيلَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَكُنْ رَأَى الْمَبِيعَ، وَحَيْثُ ثَبَتَ فَقِيلَ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْأَصَحُّ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ مَجْلِسِ الرُّؤْيَةِ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي رَهْنِ الْغَائِبِ وَهِبَتِهِ وَعَلَى صِحَّتِهِمَا لَا خِيَارَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ إذْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. (وَ) عَلَى الْأَظْهَرِ فِي اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ
ــ
[حاشية قليوبي]
الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ فِيهِمَا وَكَانَ لِلظَّرْفِ قِيمَةٌ وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُوزَنَ مَعَهُ الظَّرْفُ ثُمَّ يُسْقَطَ وَزْنُهُ صَحَّ أَوْ عَلَى أَنْ يُسْقَطَ لِلظَّرْفِ أَرْطَالٌ مَعْلُومَةٌ مِنْ غَيْرِ وَزْنِهِ لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِعَشْرَةٍ عَلَى أَنْ يُوزَنَ بِظَرْفِهِ ثُمَّ يُسْقَطَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ نِسْبَةِ وَزْنِ الظَّرْفِ صَحَّ إنْ عَلِمَ مِقْدَارَ وَزْنِ الظَّرْفِ وَالْمَحْطُوطِ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: (كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ) نَعَمْ لَا تَكْفِي الرُّؤْيَةُ مِنْ وَرَاءِ زُجَاجٍ وَلَا مَاءٍ صَافٍ إلَّا فِي رُؤْيَةِ سَمَكٍ فِيهِ أَوْ أَرْضٍ تَحْتَهُ. قَوْلُهُ: (عَنْ الْعِلْمِ بِقَدْرِهِ) وَكَذَا عَنْ الْعِلْمِ بِجِنْسِهِ أَوْ نَوْعِهِ وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْمُعَايَنَةِ إلَى نَحْوِ شَمٍّ أَوْ ذَوْقٍ وَلَا إلَى مَعْرِفَةِ اسْتِوَاءِ مَحَلِّ الصُّبْرَةِ أَوْ عَدَمِهِ فَإِنْ ظَهَرَ ارْتِفَاعٌ أَوْ انْخِفَاضٌ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِمَنْ لَحِقَهُ الضَّرَرُ، فَإِنْ رَأَيَاهُ قَبْلَ الْبَيْعِ صَحَّ وَلَا خِيَارَ، نَعَمْ إنْ كَانَ الِانْخِفَاضُ حُفْرَةً أَعْلَاهَا مَسًّا وَلِوَجْهِ الْأَرْضِ فَالْمَبِيعُ مَا فَوْقَ وَجْهِهَا الْمُسَاوِي لِوَجْهِ الْأَرْضِ دُونَ مَا فِيهَا، وَلَا خِيَارَ أَوْ كَانَ الِارْتِفَاعُ دِكَّةً فَوْقَ وَجْهِ الْأَرْضِ فَالْوَجْهُ أَنَّهَا كَالِارْتِفَاعِ الْمَذْكُورِ فَرَاجِعْهُ. وَفِي كَلَامِ الْخَطِيبِ مَا فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِبَعْضِ ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
فَرْعٌ: لَوْ شَكَّ فِي جِنْسِهِ مَثَلًا أَشَعِيرٌ أَمْ أُرْزٌ صَحَّ الْعَقْدُ، وَلَا خِيَارَ إنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ كَمَا يَأْتِي فِي الْجَوْهَرَةِ. قَوْلُهُ: (بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ) فَإِنْ خَرَجَتْ نُحَاسًا بَطَلَ الْعَقْدُ إنْ صَرَّحَ بِلَفْظِ الدَّرَاهِمِ، وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ وَلَا خِيَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى زُجَاجَةً يَظُنُّهَا جَوْهَرَةً فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَلَا خِيَارَ إنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ الْجَوْهَرَةِ. وَإِلَّا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ.
وَقَالَ شَيْخُنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (وَفِي التَّتِمَّةِ) إنَّ شِرَاءَ مَجْهُولِ الذَّرْعِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَالْبَيْعُ كَالشِّرَاءِ وَالْعَدُّ كَالزَّرْعِ
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ) خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرُ الْبَيْعِ مِثْلُهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ إلَّا فِي نَحْوِ الْوَقْفِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَفْتَقِرُ إلَخْ) بَلْ يَتَعَيَّنُ عَدَمُ ذِكْرِ الصِّفَاتِ لِأَنَّهُ مَعَ ذِكْرِهَا فِيهِ وَجْهَانِ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (كَمَا وُصِفَ) أَوْ أَكْثَرَ قَوْلُهُ: (ضَعِيفٌ) بَلْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ إنَّهُ بَاطِلٌ. قَوْلُهُ: (فِيمَا لَا
ــ
[حاشية عميرة]
بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مُحَالٌ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَالثَّانِي يَصِحُّ أَيْ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ إلَى الصُّبْرَةِ. قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) الْأَصَحُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالْقِسْطِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ) أَيْ اعْتِمَادًا عَلَى التَّخْمِينِ وَفِي الثَّمَنِ وَجْهٌ وَالْقِيَاسُ جَرَيَانُهُ فِي الْمَبِيعِ، وَلَوْ كَانَتْ الصُّبْرَةُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ أَوْ السَّمْنُ وَنَحْوُهُ فِي ظَرْفٍ مُخْتَلِفِ الْأَجْزَاءِ رِقَّةً وَغِلَظًا فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعُ بِذَلِكَ بَطَلَ الْبَيْعُ لِمَنْعِهِ التَّخْمِينَ فَيَلْتَحِقُ بِغَيْرِ الْمَرْئِيِّ وَإِنْ ظَنَّ الِاسْتِوَاءَ صَحَّ وَثَبَتَ الْخِيَارُ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَهَا حُفْرَةٌ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَمَا فِيهَا لِلْبَائِعِ وَلَوْ بَاعَ الصُّبْرَةَ إلَّا صَاعًا فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا وَهَذِهِ قَدْ تُشْكِلُ بِمَا لَوْ بَاعَ صُبْرَةً جُزَافًا وَيُجَابُ بِأَنَّ التَّخْمِينَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يَوْثُقُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا لَمْ يَرَهُ إلَخْ) وَلَوْ حَاضِرًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالثَّانِي يَصِحُّ) لِلْحَدِيثِ الْآتِي قَوْلُهُ: (وَنَوْعِهِ) فَلَا يَكْفِي مَا فِي كَفِّي مَثَلًا، وَقِيلَ يَكْفِي ثُمَّ هَذَا الْقَوْلُ ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ وَعَلَى الْبُطْلَانِ فِي سِتَّةٍ أَيْضًا لَكِنَّ نُصُوصَ الْبُطْلَانِ مُتَأَخِّرَةٌ. قَوْلُهُ: (ذِكْرِ صِفَاتٍ أُخَرَ) كَأَنْ يَذْكُرَ الْمُعَظَّمَ كَالدَّعْوَى أَوْ يَصِفَهُ بِصِفَاتِ السَّلَمِ وَهُمَا وَجْهَانِ مَحْكِيَّانِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ) هَذَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ شِرَاءَ الْأَعْمَى لَا يَصِحُّ وَإِنْ جَوَّزْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ لَتَعَذَّرَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ، وَقِيلَ يَصِحُّ وَيُقَامُ وَصْفُ غَيْرِهِ لَهُ مَقَامَ رُؤْيَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ) وَلَوْ وَجَدَهُ زَائِدًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ قَطْعًا. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَهُ الْخِيَارُ) رَجَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَنَسَبَهُ لِلرَّافِعِيِّ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى شِرَاءِ الْأَعْمَى. قَوْلُهُ: (فِي رَهْنِ الْغَائِبِ) كَذَا يَجْرِيَانِ فِي
стр. 619
(تَكْفِي الرُّؤْيَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ) كَالْأَرَاضِيِ وَالْأَوَانِي وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ (دُونَ مَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا) كَالْأَطْعِمَةِ الَّتِي يُسْرِعُ فَسَادُهَا نَظَرًا لِلْغَالِبِ فِيهِمَا وَفِيمَا يُحْتَمَلُ مِنْهَا التَّغَيُّرُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ كَالْحَيَوَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا صِحَّةُ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَرْئِيِّ فِيهَا بِحَالِهِ، فَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ نَازَعَهُ الْبَائِعُ فِي تَغَيُّرِهِ فَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ، وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ أَنْ يَكُونَ حَالَ الْبَيْعِ مُتَذَكِّرٌ الْأَوْصَافَ، فَإِنْ نَسِيَهَا لِطُولِ الْمُدَّةِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ بَيْعُ غَائِبٍ، قَالَ: وَهَذَا غَرِيبٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْجُمْهُورُ.
(وَتَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ إنْ دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ كَظَاهِرِ الصُّبْرَةِ) مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَغَيْرِهَا مِمَّا الْغَالِبُ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ أَجْزَاؤُهُ، وَلَا خِيَارَ لَهُ إذَا رَأَى الْبَاطِنَ إلَّا إذَا خَالَفَ الظَّاهِرَ بِخِلَافِ صُبْرَةِ الْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا، وَتُبَاعُ عَدَدًا، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ رُؤْيَةِ وَاحِدٍ
ــ
[حاشية قليوبي]
يَتَغَيَّرُ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الرُّؤْيَةِ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ وَالْمُرَادُ بِالتَّغَيُّرِ مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (نَظَرًا لِلْغَالِبِ فِيهِمَا) فَغَالِبًا فِي الْأَوَّلِ رَاجِعٌ لِلنَّفْيِ، وَفِي الثَّانِي لِلتَّغَيُّرِ. وَظَاهِرَةُ الصِّحَّةِ فِي الْأَوَّلِ وَإِنْ تَغَيَّرَ فِي الْوَاقِعِ وَعَدَمِهَا فِي الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي الْوَاقِعِ فَيَرْجِعُ إلَى تَبَيُّنِ الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (كَالْحَيَوَانِ) وَفِي نُسْخَةٍ وَالْحَيَوَانِ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ. قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا صِحَّةً الْبَيْعُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَفِيهِ مَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا) أَيْ بِحَالَةِ لَوْ عَلِمَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَشْتَرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَصْفًا يُقْصَدُ وَضَمِيرُ وَجَدَهُ رَاجِعٌ لِمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا وَالْمُسْتَوَى وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ الشَّارِحُ بِالذِّكْرِ مَعَ إمْكَانِ شُمُولِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَهُ لِمَكَانِ الْخِلَافِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ) أَيْ كُلٌّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ مُتَذَكِّرًا حَالَةَ الْعَقْدِ الْأَوْصَافَ الَّتِي رَآهَا وَقْتَ الرُّؤْيَةِ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ اشْتِرَاطُ تَذَكُّرِ الْأَوْصَافِ غَرِيبٌ أَيْ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ. كَمَا قَالَ شَيْخُنَا م ر. وَيَدُلُّ لَهُ مَا بَعْدَهُ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ حَيْثُ الْمُدْرَكُ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهَا مَثَلًا كَالْمَائِعَاتِ فِي ظُرُوفِهَا كَالسَّمْنِ وَلَوْ جَامِدًا وَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ الْأَسْوَدِ أَوْ مِنْ النَّحْلِ. وَخَلَا عَنْ الشَّمْعِ وَنَحْوِهِ وَكَالْقُطْنِ فِي عِدْلِهِ أَوْ فِي جَوْزِهِ بَعْدَ تَفَتُّحِهِ، وَجَعَلَ شَيْخُنَا م ر هَذَا مِنْ رُؤْيَةِ الصُّوَانِ بِمَعْنَى عَدَمِ وُجُوبِ نَزْعِهِ مِنْهُ لِرُؤْيَةِ بَاقِيهِ فَتَأَمَّلْ. وَكَالْأَدِقَّةِ وَالْعِنَبِ أَوْ الزَّبِيبِ فِي سَلَّتِهِ وَالرُّطَبِ أَوْ التَّمْرِ فِي قَوْصَرَّتِهِ وَالْكَبِيسِ وَالْعَجْوَةِ غَيْرِ الْمَعْجُونَةِ مَعَ نَوَاهَا، وَالسُّكَّرِ فِي قِدْرِهِ. كَذَا عَنْ شَيْخِنَا م ر. وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا فِي الْأَدِقَّةِ وَالْعِنَبِ وَالسُّكَّرِ وَالْعَجْوَةِ وَهُوَ الْوَجْهُ.
فَرْعٌ: لَا بُدَّ فِي الْمِسْكِ مِنْ نَزْعِهِ مِنْ فَأْرَتِهِ وَرُؤْيَتِهِمَا مَعًا قَبْلَ الْبَيْعِ. قَوْلُهُ: (إنْ دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ) خَرَجَ بِهِ بَعْضُ لَبَنٍ وَبَاقِيهِ
ــ
[حاشية عميرة]
إجَارَتِهِ وَعَفْوِهِ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ عَلَيْهِ وَالصُّلْحُ وَغَيْرُ ذَلِكَ بَلْ وَفِي الْوَقْتِ أَيْضًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ إلَخْ) لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَعْقُودِ حَاصِلٌ. وَقَوْلُهُ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ التَّلَفَ كَالْفَوَاكِهِ. قَوْلُهُ: (وَفِيمَا يَحْتَمِلُ إلَخْ) كَأَنَّ الشَّارِحَ ﵀ لَمْ يُدْخِلْ هَذِهِ فِي الْمَتْنِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهَا. قَوْلُهُ: (كَالْحَيَوَانِ) فِي نُسْخَةٍ وَالْحَيَوَانِ وَعَلَيْهَا فَضَمِيرُ مِنْهَا السَّابِقُ لِلْأَطْعِمَةِ وَعَلَى الْكَافِ يَكُونُ فِيمَا بِمَعْنَى الْأَشْيَاءِ. قَوْلُهُ: (مُتَغَيِّرًا فَلَهُ الْخِيَارُ) لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ السَّابِقَةَ كَالشَّرْطِ فِي الصِّفَاتِ الْمَرْئِيَّةِ، قَالَ الْإِمَامُ ﵀: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بِالْعَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ هُوَ كُلُّ مُتَغَيِّرٍ لَوْ فُرِضَ مُخَالِفًا فِي صِفَةٍ مَشْرُوطَةٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْخِيَارُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ كَالشَّرْطِ فِي الصِّفَاتِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَهَا، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الْخِيَارَ فَوْرِيٌّ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَذَا التَّغَيُّرُ الَّذِي تَخْرُجُ بِهِ الرُّؤْيَةُ عَنْ كَوْنِهَا تَقْبَلُ الْمَعْرِفَةَ وَالْإِحَاطَةَ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) أَيْ لِمَا سَيَأْتِي وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِ هَذِهِ الصِّفَةِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، كَمَا صَدَّقُوا الْبَائِعَ نَظَرًا إلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ اخْتِلَافِهِ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ، فَمَا فَرَّقَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: لِأَنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ عَدَمُ وُجُودِهِ قَبْلَ الزَّمَانِ الَّذِي عَدَمُ وُجُودِهِ فِيهِ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، قَالَ: نَعَمْ، قَدْ يُشْكِلُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ قَوْلُهُمْ فِي الْغَاصِبِ إذَا ادَّعَى بَعْدَ تَلَفِ الْمَغْصُوبِ عَيْبًا خُلُقِيًّا كَأَنْ قَالَ خُلِقَ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالظَّاهِرُ مَجِيءُ ذَلِكَ هُنَا، وَلَوْ تَجَدَّدَ فِي الْمَبِيعِ صِفَةُ حُسْنٍ زَعَمَهَا الْبَائِعُ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي عِلْمَهَا فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُ الْبَائِعِ. قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهَا مِمَّا الْغَالِبُ إلَخْ) كَالْمَائِعَاتِ فِي أَوْعِيَتِهَا وَكَذَا الْقُطْنُ فِي عِدْلِهِ وَكَذَا صُبْرَةُ التَّمْرِ انْفَرَدَتْ حَبَّاتُهُ أَوْ الْتَصَقَتْ كَقَوْصَرَّةِ الْعَجْوَةِ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ صُبْرَةِ الْبِطِّيخِ إلَخْ) مِثْلُ ذَلِكَ صُبْرَةُ الْخَوْخِ وَالْعِنَبِ
стр. 620
وَاحِدٍ (وَ) مِثْلُ (أُنْمُوذَجِ الْمُتَمَاثِلِ) أَيْ الْمُتَسَاوِي الْأَجْزَاءِ كَالْحُبُوبِ، فَإِنَّ رُؤْيَتَهُ تَكْفِي عَنْ رُؤْيَةِ بَاقِي الْمَبِيعِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِهِ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (أَوْ كَانَ صِوَانًا) بِكَسْرِ الصَّادِ (لِلْبَاقِي خِلْقَةً كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ وَالْقِشْرَةِ السُّفْلَى لِلْجَوْزِ وَاللَّوْزِ) أَيْ تَكْفِي رُؤْيَةُ الْقِشْرِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ صَلَاحَ بَاطِنِهِ فِي إبْقَائِهِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ هُوَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ أَوْ كَانَ إلَى آخِرِهِ قَسِيمُ قَوْلِهِ: إنْ دَلَّ إلَى آخِرِهِ، وَقَوْلُهُ كَالْمُحَرَّرِ خِلْقَةً مَزِيدٌ عَلَى الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَهُوَ صِفَةٌ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ جِلْدِ الْكِتَابِ وَنَحْوِهِ وَاحْتَرَزُوا بِوَصْفِ الْقِشْرَةِ بِالسُّفْلَى لِمَا ذُكِرَ وَهِيَ الَّتِي تُكْسَرُ حَالَةَ الْأَكْلِ عَنْ الْعُلْيَا فَلَا تَكْفِي رُؤْيَتُهَا، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ لِاسْتِتَارِهِ بِمَا لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَالْخُشْكَنَانُ تَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَعَ أَمْثِلَةِ الصِّوَانِ الْمَذْكُورَةِ وَالْفُقَّاعِ، قَالَ الْعَبَّادِيُّ: يَفْتَحُ رَأْسَ الْكُوزِ فَيَنْظُرُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ الْمُسَامَحَةَ بِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا: الْأَصَحُّ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي الْكُوزِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ.
(وَتُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ) غَيْرَ مَا ذَكَرَ (عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ) فَيُعْتَبَرُ فِي الدَّارِ رُؤْيَةُ الْبُيُوتِ وَالسُّقُوفِ وَالسُّطُوحِ وَالْجُدَرَانِ وَالْمُسْتَحَمِّ وَالْبَالُوعَةِ، وَفِي الْبُسْتَانِ رُؤْيَةُ الْأَشْجَارِ وَالْجُدَرَانِ وَمَسَايِلِ الْمَاءِ، وَفِي الْعَبْدِ رُؤْيَةُ الْوَجْهِ وَالْأَطْرَافِ، وَكَذَا بَاقِي الْبَدَنِ غَيْرِ الْعَوْرَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَمَةُ كَالْعَبْدِ، وَقِيلَ:
ــ
[حاشية قليوبي]
فِي الضَّرْعِ، وَنَسْجُ بَعْضِ ثَوْبٍ دُونَ بَاقِيهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ. قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ) هُوَ فِي مَوْضِعِ الْكَافِ فَأُنْمُوذَجُ عَطْفٌ عَلَى ظَاهِرِ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مَا دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ. قَوْلُهُ: (فَلَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِهِ فِي الْبَيْعِ) أَيْ فِي صِيغَتِهِ كَبِعْتُكَ كَذَا وَهَذَا مِنْهُ وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ خَلْطِهِ بِهِ وَلَا تَلَفُهُ وَلَوْ قَبْلَ الْقَبْضِ. قَوْلُهُ: (بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ) أَيْ وَضْعُ الْمِيمِ مُخَفَّفَةً فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْقَامُوسِ بِجَعْلِ هَذَا مِنْ اللَّحْنِ، وَأَنَّ الصَّوَابَ كَوْنُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَوْ بِلَا هَمْزَةٍ. قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الصَّادِ) وَيَجُوزُ ضَمُّهَا. قَوْلُهُ: (كَقِشْرِ الرُّمَّانِ) وَكَذَا كُوزُ الطَّلْعِ وَقِشْرُ الْقَصَبِ الْأَعْلَى الَّذِي لَا يُمَصُّ مَعَهُ، وَجَوْزُ الْقُطْنِ بَعْدَ تَفَتُّحِهِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ قَبْلَهُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَلَا يَكْفِي رُؤْيَةُ قِشْرِهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ إلَخْ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: (قَسِيمُ إلَخْ) فَهُوَ بَعْضُ الْمَبِيعِ أَيْ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ فِي جَعْلِهِ عَطْفًا عَلَى بَعْضِ الْمَبِيعِ فَلَيْسَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (وَالْخُشْكَنَانُ) فَهُوَ مِنْ الصُّوَانِ غَيْرُ الْخِلْقِيِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كُلُّ مَا تَوَقَّفَ بَقَاءُ مَا فِيهِ عَلَيْهِ كَالْجَوْزِ وَالْخُشْكَنَانِ الْمَحْشُوِّ أَوْ لَمْ يُقْصَدْ مَا فِيهِ كَالْمَحْشُوِّ مِنْ الْجُبَّةِ وَالطَّاقِيَّةِ وَالْمُجَوَّزَةِ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِ كَقُطْنِ الْفُرُشِ وَالْأَلْحِفَةِ.
فُرُوعٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ لُبِّ نَحْوَ الْجَوْزِ فِي قِشْرِهِ وَلَا بَيْعُ الرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ وَنَحْوِهَا قَبْلَ إبَانَتِهَا، وَلَا مَذْبُوحٍ أَوْ جِلْدِهِ أَوْ لَحْمِهِ قَبْلَ سَلْخِهِ وَلَا مَسْلُوخٍ قَبْلَ تَنْقِيَةِ جَوْفِهِ إلَّا نَحْوَ سَمَكٍ لِقِلَّةِ مَا فِيهِ، وَلَا بَيْعُ صُوفٍ قَبْلَ جَزِّهِ أَوْ تَزْكِيَةِ حَيَوَانِهِ لِاخْتِلَاطِهِ بِالْحَادِثِ نَعَمْ إنْ قُبِضَ عُفِيَ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ وَبَاعَهُ صَحَّ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ حِصَّتِهِ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي وَحْدَهُ أَوْ مَعَ قَرَارِهِ وَيَصِحُّ بَيْعُ حِصَّتِهِ مِنْ الْقَرَارِ وَيَتْبَعُهَا لِمِثْلِهَا مِنْ الْمَاءِ فِيهَا. قَوْلُهُ: (وَالْفُقَاعِ) أَيْ يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعَ كُوزِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى كَلَامِ الْغَزَالِيِّ الْمَذْكُورِ الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ) وَهُوَ مَا يُخِلُّ عَدَمُ رُؤْيَتِهِ بِمُعْظَمِ الْمَالِيَّةِ. قَوْلُهُ: (غَيْرُ الْعَوْرَةِ) وَلَوْ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.
ــ
[حاشية عميرة]
وَنَحْوِهِمَا، فَشِرَاءُ سَلَّةِ الْعِنَبِ اكْتِفَاءً بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ. قَوْلُهُ: (فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ رُؤْيَةِ وَاحِدٍ إلَخْ) لَوْ رَأَى أَحَدَ جَانِبَيْ الْبِطِّيخَةِ لَمْ يَكْفِ بَلْ هِيَ كَبَيْعِ الْغَائِبِ. قَوْلُهُ: (وَمِثْلِ) يُرِيدُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ فَيُفِيدُ اشْتِرَاطَ إدْخَالِهِ فِي الْبَيْعِ وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى بَعْضِ الْمَبِيعِ. قَوْلُهُ: (أَيْ الْمُتَسَاوِي الْأَجْزَاءِ) يَعْنِي لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمِثْلِيَّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَحْضَرَ الْأُنْمُوذَجَ وَقَالَ بِعْتُك مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَالًا لِيَكُونَ بَيْعًا وَلَمْ يُرَاعِ شُرُوطَ السَّلَمِ وَلَا يَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الْوَصْفِ فِي السَّلَمِ لِأَنَّ الْوَصْفَ بِاللَّفْظِ يَرْجِعُ إلَيْهِ عِنْدَ النِّزَاعِ قَالَ السُّبْكِيُّ، وَغَيْرُهُ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك الْحِنْطَةَ الَّتِي فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَهَذَا أُنْمُوذَجُهَا فَإِنْ أَدْخَلَهُ فِي الْبَيْعِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَشَرْطُ الْإِدْخَالِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى الصُّبْرَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَوْ أَدْخَلَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ كَانَ كَبَيْعِ عَيْنَيْنِ رَأَى إحْدَاهُمَا وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْبَغَوِيِّ، وَاكْتَفَى الزَّرْكَشِيُّ بِالْإِدْخَالِ فِي الْبَيْعِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (صُوَانًا) هُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يُصَانُ فِيهِ الشَّيْءُ، وَيُقَالُ الصِّيَانُ أَيْضًا بِالْيَاءِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي الدَّقَائِقِ. قَوْلُهُ: (مَعَ أَمْثِلَةِ الصُّوَانِ إلَخْ) جَعْلُهُ مِنْ مَسَائِلِ الصُّوَانِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى بَاطِنِهِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتُعْتَبَرُ إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَرَى كُلَّ ضَبَّةٍ وَسِلْسِلَةٍ عَلَى بَابٍ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ: لِأَنَّ ذَلِكَ صَارَ وَصْفًا. قَوْلُهُ: (وَالْجُدْرَانِ) أَيْ دَاخِلًا وَخَارِجًا. قَوْلُهُ: (كَالْعَبْدِ)
стр. 621
يَكْفِي فِيهَا رُؤْيَةُ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْخِدْمَةِ، وَفِي الدَّابَّةِ رُؤْيَةُ مُقَدَّمِهَا وَمُؤَخَّرِهَا وَقَوَائِمِهَا وَظَهْرِهَا، وَفِي الثَّوْبِ الدِّيبَاجِ الْمُنَقَّشِ رُؤْيَةُ وَجْهَيْهِ، وَكَذَا السِّبَاطُ، وَفِي الْكِرْبَاسِ رُؤْيَةُ أَحَدِ وَجْهَيْهِ، وَقِيلَ رُؤْيَتُهُمَا، وَفِي الْكُتُبِ وَالْوَرَقِ الْبَيَاضِ وَالْمُصْحَفِ رُؤْيَةُ جَمِيعِ الْأَوْرَاقِ. (وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَصْفَهُ) أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي يُرَادُ بَيْعُهُ (بِصِفَةِ السَّلَمِ لَا يَكْفِي) عَنْ رُؤْيَتِهِ، وَالثَّانِي يَكْفِي، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمَعْرِفَةَ كَالرُّؤْيَةِ وَدُفِعَ بِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تُفِيدُ مَا لَا يُفِيدُ الْعِبَارَةُ. (وَيَصِحُّ سَلَمُ الْأَعْمَى) أَيْ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُسْلَمَ إلَيْهِ بِعِوَضٍ فِي الذِّمَّةِ يُعَيِّنُ فِي الْمَجْلِسِ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يَقْبِضُ عَنْهُ أَوْ يَقْبِضُ لَهُ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ أَوْ الْمُسْلَمِ فِيهِ، لِأَنَّ السَّلَمَ يَعْتَمِدُ الْوَصْفَ لَا الرُّؤْيَةَ. (وَقِيلَ: إنْ عَمِيَ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ) بَيْنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ خُلِقَ أَعْمَى (فَلَا) يَصِحُّ سَلَمُهُ لِانْتِفَاءِ مَعْرِفَتِهِ بِالْأَشْيَاءِ، وَدُفِعَ بِأَنَّهُ يَعْرِفُهَا بِالسَّمَاعِ وَيَتَخَيَّلُ فَرْقًا بَيْنَهَا. أَمَّا غَيْرُ السَّلَمِ مِمَّا يَعْتَمِدُ الرُّؤْيَةَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ وَسَبِيلُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهَا، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ وَيُؤَجِّرَهَا لِأَنَّهُ لَا يَجْهَلُهَا، وَلَوْ كَانَ رَأَى قَبْلَ الْعَمَى شَيْئًا مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ إيَّاهُ كَالْبَصِيرِ وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ.
بَابُ الرِّبَا بِالْقَصْرِ، وَأَلِفُهُ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ، وَالْقَصْدُ بِهَذَا الْبَابِ بَيْعُ الرِّبَوِيَّاتِ، وَمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا بِيعَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ إنْ كَانَا) أَيْ الطَّعَامُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ (جِنْسًا) وَاحِدًا كَحِنْطَةٍ وَحِنْطَةٍ (اُشْتُرِطَ) فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ (الْحُلُولُ
ــ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَفِي الدَّابَّةِ رُؤْيَةُ مُقَدَّمِهَا وَمُؤَخَّرِهَا وَقَوَائِمِهَا وَظَهْرِهَا) وَكَذَا بَطْنُهَا وَشَعْرُهَا لَا لِسَانُهَا وَأَسْنَانُهَا وَحَوَافِرُهَا وَمَشْيُهَا، وَمِنْهَا الرَّقِيقُ وَيُعْتَبَرُ فِي السَّفِينَةِ رُؤْيَةُ جَمِيعِهَا حَتَّى مَا فِي الْمَاءِ مِنْهَا. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَصْفَهُ إلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ بَيْعِ الْغَائِبِ. قَوْلُهُ: (يُعَيَّنُ فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ يُعَيِّنُهُ بَصِيرٌ بِقَبْضِهِ. قَوْلُهُ: (كَالْبَيْعِ) وَمِثْلُهُ الْإِقَالَةُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ قُلْنَا إلَخْ) أَيْ لِعَدَمِ وُجُودِ رُؤْيَةٍ هُنَا. قَوْلُهُ: (يَشْتَرِي نَفْسَهُ) وَكَذَا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ قَالَ الْعَابِدِيُّ وَلَوْ بِالْبَيْعِ الضِّمْنِيِّ، وَتَصِحُّ بِمُقْتَضَاهُ وَلَوْ فِي الْمُعَيَّنِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (مِمَّا لَا تَتَغَيَّرُ) أَيْ مِنْ وَقْتِ رُؤْيَتِهِ قَبْلَ الْعَمَى إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (كَالْبَصِيرِ) يُفِيدُ اعْتِبَارَ تَذَكُّرِ الْأَوْصَافِ حَالَةَ الْعَقْدِ. قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ) أَيْ عَقْدُهُ النِّكَاحَ وَفِي قَبْضِ الْمَهْرِ وَإِقْبَاضِهِ مَا مَرَّ فِي عِوَضِ السَّلَمِ.
بَابُ الرِّبَا بِكَسْرِ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ الْمَدِّ وَيَرْسُمُ بِالْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَيُقَالُ فِيهِ الرِّمَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ مَعَ الْمِيمِ وَالْمَدِّ، وَالرُّبْيَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ، وَهُوَ حَيْثُ حُرِّمَ مِنْ الْكَبَائِرِ كَالسَّرِقَةِ وَعَلَامَةٌ عَلَى سُوءِ الْخَاتِمَةِ كَإِيذَاءِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْذَنْ بِالْمُحَارَبَةِ إلَّا فِيهِمَا وَحُرْمَتُهُ تَعَبُّدِيَّةٌ وَمَا ذُكِرَ فِيهِ حُكْمٌ لَا عِلَلٌ وَلَمْ يَحِلَّ فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ، وَآكِلُهُ فِي الْحَدِيثِ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ آخِذُ الزِّيَادَةِ وَمُوَكِّلُهُ دَافِعُهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَلْعُونُ بِسَبَبِهِ عَشَرَةٌ كَمَا فِي الْخَمْرِ، وَهُوَ لُغَةً الزِّيَادَةُ وَلَوْ فِي الزَّمَنِ كَرِبَا الْيَدِ. وَشَرْعًا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ بِقَوْلِهِ: عَقْدٌ عَلَى عِوَضٍ مَخْصُوصٍ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّمَاثُلِ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ حَالَةَ الْعَقْدِ أَوْ مَعَ تَأْخِيرٍ فِي الْبَدَلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَالْمُرَادُ بِالْعِوَضِ الْمَخْصُوصِ أَنْوَاعُ الرِّبَوِيَّاتِ وَيُقَيَّدُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ بِمُتَّحِدِ الْجِنْسِ فَلَوْ زَادَ فِي التَّعْرِيفِ لَفْظٌ فِي مَعْلُومِ الْجِنْسِ بَعْدَ لَفْظِ التَّمَاثُلِ لَأَغْنَى عَنْ ذَلِكَ الْقَيْدِ أَوْ مَعَ تَأْخِيرٍ إلَخْ عَطْفٌ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ فَيَشْمَلُ مُخْتَلِفَ الْجِنْسِ، وَأَقْسَامُهُ
ــ
[حاشية عميرة]
يُشْتَرَطُ فِي الْأَمَةِ رُؤْيَةُ الشَّعْرِ أَيْضًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِصِفَةِ السَّلَمِ) أَيْ وَلَوْ تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ. قَوْلُهُ: (عِنْدَ الرُّؤْيَةِ إلَخْ) يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ نَظَرًا لِلْعِتْقِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيَاسُهُ صِحَّةُ شِرَائِهِ مِنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (بِعِوَضٍ فِي الذِّمَّةِ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَيَصِحُّ أَنْ يُسْلِمَ وَيُسْلَمَ إلَيْهِ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ إذْ الْمُعَيَّنُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ كَالْبَيْعِ بِهِ.
[بَابُ الرِّبَا]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (اُشْتُرِطَ) أَيْ وَحَرُمَ تَعَاطِي مَا خَلَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْعِبَارَةُ قَاصِرَةً عَنْ إفَادَةِ ذَلِكَ وَطَرِيقُهُمَا إذَا أَرَادَ
стр. 622
وَالْمُمَاثَلَةُ وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ جِنْسَيْنِ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ جَازَ التَّفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ) قَبْلَ التَّفَرُّقِ قَالَ ﷺ مِمَّا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ
ــ
[حاشية قليوبي]
هُنَا ثَلَاثَةٌ: رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ زِيَادَةُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ وَرِبَا الْيَدِ وَهُوَ تَأْخِيرُ قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَجَلٍ، وَرِبَا النَّسَاءِ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ كَذَلِكَ وَهُوَ ذِكْرُ الْأَجَلِ فِي الْعَقْدِ وَلَوْ قَصِيرًا، فَمَتَى وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ كَانَ حَرَامًا وَإِلَّا فَلَا وَحُرْمَتُهُ مِنْ حَيْثُ فَسَادُ الْعَقْدِ مُطْلَقًا وَمَعَ أَخْذِ الْمَالِ إنْ أُخِذَتْ الزِّيَادَةُ. وَكَلَامُ الْمَنْهَجِ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ بَلْ فِيهِ تَدَافُعٌ وَقُصُورٌ كَمَا يُعْلَمُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (إذَا بِيعَ الطَّعَامُ) هَذَا أَحَدُ قِسْمَيْ الرِّبَوِيَّاتِ وَثَانِيهَا النَّقْدُ، وَسَيَأْتِي فَلَا رِبَا فِي غَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ: (إنْ كَانَا) وَفِي نُسْخَةٍ إنْ كَانَ بِغَيْرِ أَلِفٍ أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْ مَجْمُوعُهُمَا. قَوْلُهُ: (جِنْسًا) بِأَنْ شَمِلَهُمَا اسْمٌ خَاصٌّ وَاشْتَرَكَا فِيهِ اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا، فَخَرَجَ بِالِاسْمِ الْخَاصِّ الِاسْمُ الْعَامُّ كَالْحَبِّ وَالدَّقِيقِ وَبِمَا بَعْدَهُ نَحْوُ الْبِطِّيخِ الْأَخْضَرِ وَالْأَصْفَرِ لِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الِاسْمِ لَفْظِيٌّ وَحَقِيقَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ. وَكَذَا نَحْوُ اللُّحُومِ وَالْأَلْبَانِ.
قَوْلُهُ: (اُشْتُرِطَ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ) أَيْ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَبْضِ لِدَوَامِهَا. قَوْلُهُ: (الْحُلُولُ) بِأَنْ لَا يُذْكَرَ فِي الْعَقْدِ أَجَلٌ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَالْمُمَاثَلَةُ) أَيْ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ يَقِينًا. قَوْلُهُ: (وَالتَّقَابُضُ) أَيْ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ لِلْعِوَضَيْنِ مُطْلَقًا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْقَبْضِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَعَ حَقِّ الْحَبْسِ فَلَا يَكْفِي الْإِبْرَاءُ وَلَا الْحَوَالَةُ وَلَا الضَّمَانُ وَإِنْ أَقْبَضَ الضَّامِنَ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ. وَيَكْفِي قَبْضُ سَيِّدِ الْعَاقِدِ أَوْ مُوَكَّلِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ وَكِيلِهِ بِإِذْنِ الْعَاقِدِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ جُنُونِهِ إنْ بَقِيَ الْعَاقِدَانِ فِي الْمَجْلِسِ، فِي الْجَمِيعِ، خِلَافًا لِابْنِ قَاسِمٍ فِي الْمَيِّتِ. وَيَكْفِي قَبْضُ وَارِثِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَبَقِيَ الْعَاقِدَانِ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يُعْتَبَرْ بَقَاءُ الْمَيِّتِ فِي الْمَجْلِسِ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ مَجْلِسُ الْوَارِثِ عِنْدَ بُلُوغِهِ الْخَبَرَ فَإِنْ تَعَدَّدَ اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ الْأَخِيرِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَلَعَلَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ قَبْضٌ مِمَّنْ قَبْلَهُ وَإِلَّا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ الْقَبْضُ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ الْقَبْضُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِذَا تَعَذَّرَ قَبْضُ الْوَارِثِ فِي مَجْلِسِهِ تَعَيَّنَ التَّوْكِيلُ مِنْهُ لِمَنْ يَقْبِضُ عَنْهُ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: يُغْتَفَرُ لَهُ حُضُورُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ كَالْمُكْرَهِ، وَيُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْعَاقِدِ الْحَيِّ فِي الْمَجْلِسِ عِنْدَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَحْصُلَ الْقَبْضُ مِنْ الْوَارِثِ وَلَوْ تَعَدَّدَ وَطَالَ الزَّمَنُ فَإِنْ فَارَقَهُ وَلَوْ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ لِلْوَارِثِ بَطَلَ الْعَقْدُ.
كَذَا قِيلَ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ كَمَا فِي الْكَاتِبِ بِالْبَيْعِ لِلْغَائِبِ وَإِنْ أَمْكَنَ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ وُجِدَ لِلْعَاقِدِ هُنَا مَجْلِسٌ فَاعْتُبِرَ دَوَامُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
فَرْعٌ: لَوْ اشْتَرَى دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ الْفِضَّةِ وَأَقْبَضَ لِلْبَائِعِ مِنْهَا خَمْسَةً وَاسْتَقْرَضَ مِنْهُ خَمْسَةً غَيْرَهَا وَأَعَادَهَا لَهُ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ تِلْكَ الْخَمْسَةَ فَأَعَادَهَا لَهُ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِيهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الرَّوْضَةِ لِأَنَّ تَصَرُّفَ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ مَعَ الْآخَرِ إجَازَةٌ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا حَصَلَتْ الْإِجَازَةُ فِيمَا قَابَلَ الْخَمْسَةَ الْمَقْبُوضَةَ بِوُقُوعِ التَّصَرُّفِ فِيهَا دُونَ مَا قَابَلَ الْخَمْسَةَ الْأُخْرَى لِبَقَاءِ الْمَجْلِسِ فِيهَا فَإِذَا دَفَعَهَا الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ دَامَ الْعَقْدُ فِيهَا أَيْضًا، فَيَتَوَزَّعُ الْعَقْدُ فِي الْإِجَازَةِ بِالتَّصَرُّفِ كَمَا يَتَوَزَّعُ فِي التَّفَرُّقِ إذْ لَوْ تَفَرَّقَا بَعْدَ قَبْضِ الْخَمْسَةِ فَقَطْ لَمْ يَبْطُلْ فِيمَا قَابَلَهَا وَيَبْطُلُ فِي بَاقِي الْمَبِيعِ فَتَأَمَّلْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْإِجَازَةَ لَا تَتَبَعَّضُ كَالْفَسْخِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْخِيَارِ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ التَّفَرُّقِ) وَالتَّخَايُرِ كَالتَّفَرُّقِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَنْهَجِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِتَخَايُرِهِمَا أَوْ تَخَايُرِ أَحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ فَارَقَ وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ التَّفَرُّقِ طَوْعًا وَلَوْ سَهْوًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَإِنْ فَارَقَ أَحَدَهُمَا مُكْرَهًا لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَإِنْ فَارَقَهُ بَطَلَ خِيَارُهُ وَحْدَهُ، قَالَهُ شَيْخُنَا، وَالْوَجْهُ بُطْلَانُ خِيَارِهِمَا لِأَنَّهُ مِنْ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا طَوْعًا فَتَأَمَّلْ وَمَجْلِسُ الْمُكْرَهِ مَحَلُّ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ فَإِنْ فَارَقَهُ وَلَوْ إلَى جِهَةِ الْآخَرِ
ــ
[حاشية عميرة]
التَّفَرُّقَ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ يَتَفَاسَخَا وَإِلَّا أَثِمَا وَإِنْ كَانَ التَّفَرُّقُ بِعُذْرٍ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
تَنْبِيهٌ: عِبَارَةُ الرَّوْضِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ الْحِيلَةُ فِي بَيْعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ صَاحِبِهِ بِدَرَاهِمَ أَوْ عَرَضٍ وَيَشْتَرِي بِهَا الذَّهَبَ بَعْدَ التَّقَابُضِ، فَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا وَيَتَخَايَرَا لِتَضَمُّنِ الْبَيْعِ الثَّانِي إجَازَةَ الْأَوَّلِ بِخِلَافِهِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ خِيَارِ الْعَقْدِ أَوْ يُقْرِضَ كُلٌّ صَاحِبَهُ، أَوْ يَتَوَاهَبَا أَوْ يَهَبُ الْفَاضِلَ لِصَاحِبِهِ وَهَذَا جَائِزٌ وَإِنْ كُرِهَ قَصْدُهُ اهـ. قَالَ شَارِحُهُ وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعَقْدِ وَالْقَصْدِ مَكْرُوهٌ اهـ. قُلْت وَلَوْ حَلَفَ إنْسَانٌ أَنْ لَا يَبِيعَ سِلْعَتَهُ إلَّا بِعَشَرَةٍ مَثَلًا فَبَاعَهَا بِعَشْرَةٍ، ثُمَّ وَهَبَ الْمُشْتَرِي نِصْفَيْنِ بَعْدَ قَبْضِهَا فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ الْعَقْدُ، وَكَانَتْ الْهِبَةُ إجَازَةً لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ عَلَى قِيَاسِ هَذَا وَأَمَّا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ نِصْفَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّخَايُرِ فَمَحَلُّ نَظَرٍ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ) مَثَّلَ بِهَذَيْنِ لِأَنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالتَّقَابُضُ) فَلَوْ كَانَ دَيْنًا وَأَبْرَأَهُ مِنْهُ لَمْ يَكْفِ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مِمَّا رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ»
стр. 623
سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» أَيْ مُقَابَضَةً، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الْحُلُولُ، فَإِذَا بِيعَ الطَّعَامُ بِغَيْرِهِ كَنَقْدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرُ الطَّعَامِ بِغَيْرِ الطَّعَامِ، وَلَيْسَا نَقْدَيْنِ كَحَيَوَانٍ بِحَيَوَانٍ لَمْ يُشْتَرَطْ شَيْءٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالنَّقْدَانِ كَالطَّعَامَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. (وَالطَّعَامُ مَا قُصِدَ لِلطُّعْمِ) بِضَمِّ الطَّاءِ مَصْدَرُ طَعِمَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ أَكَلَ (اقْتِيَاتًا أَوْ تَفَكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا) وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، فَإِنْ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا التَّقَوُّتُ فَأُلْحِقَ بِهِمَا مَا يُشَارِكُهُمَا فِي ذَلِكَ كَالْأُرْزِ وَالذُّرَةِ، وَعَلَى التَّمْرِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّأَدُّمُ وَالتَّفَكُّهُ فَأُلْحِقَ بِهِ مَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ كَالزَّبِيبِ وَالتِّينِ، وَعَلَى الْمِلْحِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِصْلَاحُ فَأُلْحِقَ بِهِ مَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ كَالْمُصْطَكَى وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَدْوِيَةِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ قُصِدَ مَا لَا يُقْصَدُ تَنَاوُلُهُ مِمَّا يُؤْكَلُ كَالْجُلُودِ فَلَا رِبَا فِيهِ بِخِلَافِ مَا يُؤْكَلُ نَادِرًا كَالْبَلُّوطِ، وَقَوْلُهُ لِلطُّعْمِ إلَى آخِرِهِ ظَاهِرٌ فِي إرَادَةِ مَطْعُومِ الْآدَمِيِّينَ وَإِنْ شَارَكَهُمْ فِيهِ الْبَهَائِمُ قَلِيلًا أَوْ عَلَى السَّوَاءِ، فَخَرَجَ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْجِنُّ كَالْعَظْمِ أَوْ الْبَهَائِمِ كَالْحَشِيشِ وَالتِّينِ أَوْ غَلَبَ تَنَاوُلُ الْبَهَائِمِ لَهُ فَلَا رِبَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: تَفَكُّهًا يَشْمَلُ التَّأَدُّمَ وَالتَّحَلِّي، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا فِي الْأَيْمَانِ فَقَالَ: وَالطَّعَامُ يَتَنَاوَلُ قُوتًا وَفَاكِهَةً وَأُدْمًا وَحَلْوَى، وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّوَاءَ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يَتَنَاوَلُهُ عُرْفًا، وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ تَدَاوِيًا يَشْمَلُ التَّدَاوِي بِالْمَاءِ الْعَذْبِ، وَهُوَ رِبَوِيٌّ مَطْعُومٌ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]
(وَأَدِقَّةُ الْأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسُ وَخُلُولُهَا وَأَدْهَانُهَا أَجْنَاسٌ) كَأُصُولِهَا فَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِ الْحِنْطَةِ بِدَقِيقِ الشَّعِيرِ مُتَفَاضِلًا، وَخَلٍّ التَّمْرِ بِخَلِّ الْعِنَبِ كَذَلِكَ، وَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ بِدُهْنِ الْوَرْدِ كَذَلِكَ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُخْتَلِفَةِ عَنْ الْمُتَّحِدَةِ كَأَدِقَّةِ أَنْوَاعِ الْحِنْطَةِ فَهِيَ
ــ
[حاشية قليوبي]
بَطَلَ خِيَارُهُمَا.
قَوْلُهُ: (مِثْلًا بِمِثْلٍ) هُمَا بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ بِمَعْنَى سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَهُمَا حَالَانِ، وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ. وَقِيلَ الثَّانِي لِدَفْعِ الْمِثْلِيَّةِ التَّقْرِيبِيَّةِ. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ لِلْكَيْلِ وَالثَّانِي لِلْوَزْنِ. وَقِيلَ عَكْسُهُ. قَوْلُهُ: (فَإِذَا اخْتَلَفَتْ) أَيْ مَعَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ. قَوْلُهُ: (مُقَابَضَةً) أَيْ اسْتِحْقَاقًا وَفِعْلًا كَمَا مَرَّ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ غَالِبًا مُضِرٌّ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَالنَّقْدُ إنْ إلَخْ) غَرَضُهُ مِنْ هَذَا إتْمَامُ الدَّلِيلِ عَلَى مَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (مَا قُصِدَ) أَيْ مَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِتَحْصِيلِهِ لِأَكْلِ الْآدَمِيِّينَ بِشِرَاءٍ أَوْ زِرَاعَةٍ أَوْ ادِّخَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بِضَمِّ الطَّاءِ) لِأَنَّهُ بِفَتْحِهَا بِمَعْنَى الذَّوْقِ، وَلَيْسَ مُرَادًا. قَوْلُهُ: (أَكَلَ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ فِعْلٌ مَاضٍ بِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ. قَوْلُهُ: (وَالتَّفَكُّهُ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ. قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهَا) أَيْ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ الرِّبَوِيَّةِ كَحُبُوبِ التُّرْمُسِ وَالْغَاسُولِ وَالْحُلْبَةِ وَالْخَرْدَلِ وَالْخَلَّةِ، وَكَالنُّطْرُونِ وَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ وَاللِّبَانِ وَالصَّمْغِ وَالْكُزْبَرَةِ وَالْبَلُّوطِ وَالطُّرْثُوثِ، وَالطِّينِ الْمَخْتُومِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ وَلَا رِبَا فِي بَقِيَّةِ الْأَطْيَانِ وَكَالْخُبَّازَى وَأَطْرَافِ أَعْوَامِ الْكَرْمِ وَسَائِرِ الْبُقُولِ وَكَدُهْنِ الْخِرْوَعِ، وَدُهْنِ الْوَرْدِ وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ نَعَمْ لَيْسَ مِنْ الرِّبَوِيِّ شَجَرُ الْخِرْوَعِ وَحَبُّهُ وَالْعُودُ وَالْمِسْكُ وَالْوَرْدُ وَمَاؤُهُ وَالْكَتَّانُ وَبِزْرُهُ وَدُهْنُهُ، وَدُهْنُ الْقُرْطُمِ وَكَسْبُهُ وَدُهْنُ السَّمَكِ. قَوْلُهُ: (كَالْجُلُودِ) أَيْ الْخَشِنَةِ وَإِلَّا فَرِبَوِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (قَلِيلًا) أَوْ لَمْ يَتَنَاوَلُوهُ أَصْلًا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْقَصْدُ كَمَا مَرَّ. وَهَذَا فِي التَّنَاوُلِ. قَوْلُهُ: (مَا اخْتَصَّ بِهِ الْجِنُّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدِ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلُوهُ. قَوْلُهُ: (أَوْ غَلَبَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْقَصْدِ فَلَا اعْتِرَاضَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِيهِ قَصْدًا وَتَنَاوُلًا فَرِبَوِيٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَكَلَامُ الْمَنْهَجِ هُنَا مُتَدَافِعٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا قُصِدَ بِهِ الْآدَمِيُّونَ فَقَطْ أَوْ غَالِبًا رِبَوِيٌّ مُطْلَقًا. وَمَا قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُمْ فَقَطْ أَوْ غَالِبًا لَيْسَ رِبَوِيًّا مُطْلَقًا. وَمَا قُصِدَا بِهِ مَعًا سَوَاءٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ التَّنَاوُلِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَرِبَوِيٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ الْعَذْبِ) أَيْ عُرْفًا، كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَابْنِ حَجَرٍ أَوْ الْمُرَادُ غَيْرُ الْمِلْحِ.
قَوْلُهُ: (وَأَدِقَّةُ الْأُصُولِ) وَكَذَا بُيُوضُهَا وَصَفَارُ الْبِيضِ وَبَيَاضُهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ:
ــ
[حاشية عميرة]
وَعَدَّدَ مَا هُنَا إلَى أَنْ قَالَ «إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ» ، رَوَاهَا الشَّافِعِيُّ ﵁، وَفِي أُخْرَى «فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» ، وَفِي رِوَايَةٍ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» عَلَّقَ النَّهْيَ بِالطَّعَامِ وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ فَيُفِيدُ أَنَّ الْعِلَّةَ مَأْخَذُ الِاشْتِقَاقِ وَهُوَ الطَّعْمُ كَتَعْلِيقِ الْقَطْعِ بِالسَّرِقَةِ وَالْجَلْدِ بِالزِّنَا فِي آيَتَيْهِمَا، وَجُعِلَ فِي الْقَدِيمِ مَعَ الطَّعْمِ التَّقْدِيرُ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ فَلَا يَجْرِي فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ كَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ وَالْأُتْرُجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَضَابِطُ نَحْوِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى الْجَدِيدِ الْوَزْنُ كَمَا سَيَأْتِي لِكَوْنِهِمَا أَكْبَرُ جُرْمًا مِنْ التَّمْرِ. قَوْلُهُ: (وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الْحُلُولُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ بِحَسَبِ الْعَادَةِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لِأَنَّ الْأَجَلَ يُنَافِي اسْتِحْقَاقَ الْقَبْضِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (مَا قُصِدَ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالْغَلَبَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَيْ يَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهُ غَالِبًا الطُّعْمُ، وَإِنْ كَانَ تَنَاوُلُهُ نَادِرًا كَالْبَلُّوطِ وَقَوْلُهُ لِلطَّعْمِ قِيلَ يُغْنِي عَنْهُ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (كَالْجُلُودِ) وَكَذَا أَطْرَافُ قُضْبَانِ الْعِنَبِ.
قَوْلُهُ: (كَأُصُولِهَا) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّهَا فُرُوعٌ لَا أُصُولٌ، وَقَوْلُهُ مُخْتَلِفَةٌ فَأَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمَ أُصُولِهَا. قَوْلُهُ: (وَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ بِدُهْنِ
стр. 624
جِنْسٌ. (وَاللُّحُومُ وَالْأَلْبَانُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (كَذَلِكَ) أَيْ أَجْنَاسٌ (فِي الْأَظْهَرِ) كَأُصُولِهَا، فَيَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ الْبَقَرِ بِلَحْمِ الضَّأْنِ مُتَفَاضِلًا، وَلَبَنِ الْبَقَرِ بِلَبَنِ الضَّأْنِ مُتَفَاضِلًا، وَالثَّانِي هِيَ جِنْسٌ فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيمَا ذُكِرَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لُحُومُ الْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ جِنْسٌ، وَلُحُومُ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ جِنْسٌ، وَأَلْبَانُ الْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ جِنْسٌ، وَأَلْبَانُ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ جِنْسٌ. (وَالْمُمَاثَلَةُ تُعْتَبَرُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا وَالْمَوْزُونِ وَزْنًا) فَالْمَكِيلُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَزْنًا، وَلَا يَضُرُّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْكَيْلِ التَّفَاوُتُ وَزْنًا، وَالْمَوْزُونُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيْلًا، وَلَا يَضُرُّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْوَزْنِ التَّفَاوُتُ كَيْلًا (وَالْمُعْتَبَرُ) فِي كَوْنِ الشَّيْءِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا. (غَالِبُ عَادَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) لِظُهُورِ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ، فَلَوْ أَحْدَثَ النَّاسُ خِلَافَ ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِإِحْدَاثِهِمْ. (وَمَا جُهِلَ) أَيْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُوزَنُ فِي عَهْدِهِ مَرَّةً وَيُكَالُ أُخْرَى وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (يُرَاعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيْعِ وَقِيلَ الْكَيْلُ) لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَطْعُومَاتِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكِيلٌ. (وَقِيلَ الْوَزْنُ) لِأَنَّهُ أَحْصَرُ وَأَقَلُّ تَفَاوُتًا. (وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ) بَيْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ
ــ
[حاشية قليوبي]
دُهْنُ الْبَنَفْسَجِ إلَخْ) صَرِيحُ كَلَامِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ كَابْنِ حَجَرٍ وَالْخَطِيبِ وَغَيْرِهِمْ: إنَّ اخْتِلَافَ جِنْسِ الدُّهْنِ تَابِعٌ لِاخْتِلَافِ جِنْسِ الْأَوْرَاقِ وَإِنْ اتَّحَدَ الدُّهْنُ، فَوَرَقُ الْبَنَفْسَجِ وَوَرَقُ الْوَرْدِ فِي الشَّيْرَجِ جِنْسَانِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مِنْ اعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الدُّهْنِ كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ يُلْغِي اعْتِبَارَ الْأَوْرَاقِ، وَيُصَرِّحُ بِرَدِّهِ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا رُبِّيَ وَرَقُ الْبَنَفْسَجِ وَوَرَقُ الْوَرْدِ بِالسِّمْسِمِ جَازَ بَيْعُ دُهْنِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِدُهْنِهِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَوْ مُتَفَاضِلًا فَتَأَمَّلْ. وَرَاجِعْ وَحَرِّرْ. قَوْلُهُ: (فَهِيَ جِنْسٌ) وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (لُحُومُ الْبَقَرِ) وَمِنْهَا الْجَامُوسُ وَالْمَعْزُ مِنْ الْغَنَمِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْأَهْلِيَّةُ لِأَنَّ كُلَّ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ جِنْسَانِ، وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ جِنْسَيْنِ جِنْسٌ ثَالِثٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: إنَّهُ مَعَ كُلٍّ مِنْ أَصْلَيْهِ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ.
تَنْبِيهٌ: الْجَرَادُ جِنْسٌ قَالَ شَيْخُنَا وَالسُّمُوكُ الْمَعْرُوفَةُ جِنْسٌ. قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: أَجْنَاسٌ وَأَمَّا بَقِيَّةُ حَيَوَانِ الْبَحْرِ فَأَجْنَاسٌ اتِّفَاقًا، وَالطُّيُورُ وَالْعَصَافِيرُ أَجْنَاسٌ وَالرَّأْسُ وَالْأَكَارِعُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ وَالْقَلْبُ وَالْكَرِشُ وَالرِّئَةُ، وَالْمُخُّ وَشَحْمُ الظَّهْرِ وَالْأَلْيَةِ وَالسَّنَامِ أَجْنَاسٌ وَلَوْ مِنْ حَيَوَانٍ وَاحِدٍ.
فُرُوعٌ: الزَّبِيبُ وَالْعِنَبُ وَالْحِصْرِمُ جِنْسٌ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَلَوْ مُتَمَاثِلًا وَطَلْعُ الْإِنَاثِ مِنْ النَّخْلِ وَالْبَلَحِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ جِنْسٌ كَذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْهَا مَعَ خَلِّهِ وَعَصِيرِهِ أَجْنَاسٌ وَطَلْعُ الْإِنَاثِ وَالذُّكُورِ جِنْسَانِ، وَالسَّمْنُ وَالْمَخِيضُ جِنْسَانِ وَالسُّكَّرُ وَالْفَانِيذُ أَصْلُهُ وَهُوَ الْعَسَلُ جِنْسَانِ وَكُلُّ حَبٍّ مَعَ دُهْنِهِ وَكُسْبِهِ أَجْنَاسٌ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ الْأَوَّلِ بِأَحَدِ الْأَخِيرَيْنِ، وَالْبِطِّيخُ الْأَخْضَرُ وَالْأَصْفَرُ وَالْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ أَجْنَاسٌ. وَكَذَا الْبُقُولُ وَسَتَأْتِي الْخُلُولُ. قَوْلُهُ: (لَمْ يُعْلَمْ إلَخْ) مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ أَمْ لَا أَوْ هَلْ كَانَ فِي الْحِجَازِ أَوْ لَا أَوْ عُلِمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ نُسِيَ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا) أَيْ لَمْ تُعْلَمْ غَلَبَتُهُ. قَوْلُهُ: (تُرَاعَى فِيهِ إلَخْ) وَإِنْ خَالَفَ عَادَةَ الْحِجَازِ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعَادَةُ فِي الْبَلَدِ رُوعِيَ الْأَغْلَبُ فَالْأَكْثَرُ شَبَهًا بِهِ لِجَوَازِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ
ــ
[حاشية عميرة]
الْوَرْدِ) يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا، لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُمَا وَاحِدًا كَالشَّيْرَجِ مَثَلًا، وَهُوَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي هِيَ جِنْسٌ) أَيْ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْمِ الَّذِي لَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ بَعْدَهُ إلَّا بِالْإِضَافَةِ فَكَانَتْ كَأَنْوَاعِ الثِّمَارِ وَلِأَنَّ أُصُولَهَا غَيْرُ رِبَوِيَّةٍ وَتَمَسَّكَ الْأَصْحَابُ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ أُصُولَهَا مُخْتَلِفَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِبِلَ فِي الزَّكَاةِ لَا تُضَمُّ إلَى الْغَنَمِ مَثَلًا فَلْيَثْبُتْ لِفُرُوعِهَا الِاخْتِلَافُ كَأُصُولِهَا.
فَرْعٌ: إذَا قُلْنَا أَنَّهَا جِنْسٌ اسْتَوَى الْوَحْشِيُّ وَالْأَهْلِيُّ وَالْبَرِّيُّ وَالْبَحْرِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَزْنًا) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ» ، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ يَرْفَعُهُ «مَا وُزِنَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا وَمَا كِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. قَوْلُهُ: (فِيهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ أَصَلُّهُ. قَوْله: (فَعَلَى هَذَا إلَخْ) زَادَ الْإِسْنَوِيُّ ﵀ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَالْبَصَلِ فَهُوَ عَلَى الْأَوْجُهِ الْبَاقِيَةِ، قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَكْبَرَ جُرْمًا مِنْ التَّمْرِ. قَوْلُهُ: (أَيْضًا فَعَلَى هَذَا إلَخْ) فِي شَرْحِ الْكَمَالِ الْمَقْدِسِيَّ عِنْدَ مَا ثَبَتَ فِي زَمَنِهِ ﷺ قَالَ: فَالْأَدْهَانُ وَالْأَلْبَانُ مَكِيلَةٌ وَالْعَسَلُ وَالسَّمْنُ مَوْزُونَانِ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ ﵀ كَغَيْرِهِ كَمَا تَرَى يُخَالِفُهُ فِي دُهْنِ السِّمْسِمِ وَاللَّوْزِ وَقَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا مِنْ
стр. 625
لِتَعَادُلِ وَجْهَيْهِمَا. (وَقِيلَ إنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ اُعْتُبِرَ) أَصْلُهُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا دُهْنُ السِّمْسِمِ مَكِيلٌ، وَدُهْنُ اللَّوْزِ مَوْزُونٌ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَكْبَرَ جُرْمًا مِنْ التَّمْرِ، فَإِنْ كَانَ كَالْبَيْضِ فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالْوَزْنِ جَزْمًا، وَسَوَاءٌ الْمِكْيَالُ الْمُعْتَادُ فِي عَصْرِهِ ﷺ وَالْمَكَايِيلُ الْمُحْدَثَةُ بَعْدَهُ، وَيَجُوزُ الْكَيْلُ بِقَصْعَةٍ مَثَلًا فِي الْأَصَحِّ، وَالْوَزْنُ بِالْقَبَّانِ. (وَالنَّقْدُ) أَيْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مَضْرُوبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ. (بِالنَّقْدِ كَطَعَامٍ بِطَعَامٍ) فَإِنْ بِيعَ بِجِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ اُشْتُرِطَ الْمُمَاثَلَةُ وَالْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ جَازَ التَّفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلَا رِبَا فِي الْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ فِي الْأَصَحِّ، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَإِلَى أَجَلٍ.
(وَلَوْ بَاعَ) طَعَامًا أَوْ نَقْدًا بِجِنْسِهِ (جِزَافًا) بِكَسْرِ الْجِيمِ (تَخْمِينًا) أَيْ حِرْزًا لِلتَّسَاوِي (لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ (وَإِنْ خَرَجَا سَوَاءً) لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ حَالَ الْبَيْعِ، وَبَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ جِزَافًا يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا، وَلَوْ بَاعَهُ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِتِلْكَ مُكَايَلَةً أَيْ كَيْلًا بِكَيْلٍ أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِتِلْكَ مُوَازَنَةً فَإِنْ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا وَخَرَجَتَا سَوَاءٌ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ فِي الْكَبِيرَةِ بِقَدْرِ مَا يُقَابِلُ الصَّغِيرَةَ، وَلِمُشْتَرِي الْكَبِيرَةِ الْخِيَارُ.
(وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ) فِي الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ. (وَقْتَ الْجَفَافِ) أَيْ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْكَمَالُ (وَقَدْ يُعْتَبَرُ الْكَمَالُ) بِالْجَفَافِ (أَوَّلًا) وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا الْآتِيَةِ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.
(فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ) بِضَمِّ الرَّاءِ (بِرُطَبٍ وَلَا بِتَمْرٍ وَلَا عِنَبٌ بِعِنَبٍ وَلَا بِزَبِيبٍ) لِلْجَهْلِ الْآنَ بِالْمُمَاثَلَةِ وَقْتَ الْجَفَافِ، وَالْأَصْلُ
ــ
[حاشية قليوبي]
مَعًا. قَوْلُهُ: (أَوْ الْوَزْنُ فِيهِ) أَيْ فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ (وَدُهْنُ اللَّوْزِ مَوْزُونٌ) كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَتَبِعَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ وَابْنُ حَجَرٍ وَشَرْحُ شَيْخِنَا وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ شَيْخِنَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحٍ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ اللَّوْزَ مَكِيلٌ. قَوْلُهُ: (وَالْوَزْنُ بِالْقَبَّانِ) أَيْ لَا بِالْمَاءِ وَفَارَقَ الزَّكَاةَ وَالسَّلَمَ بِتَعَيُّنِ عَادَةِ الرَّسُولِ هُنَا. قَوْلُهُ: (الرَّائِجَةُ) قَيْدٌ لِلْخِلَافِ فَلَا رِبًا فِي غَيْرِهَا قَطْعًا.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الْجِيمِ) أَيْ عَلَى الْأَفْصَحِ وَفِيهَا الْفَتْحُ وَالضَّمُّ. قَوْلُهُ: (حَزْرًا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ تَفْسِيرُ التَّخْمِينِ وَخَرَجَ بِهِ عِلْمُ التَّسَاوِي وَلَوْ بِإِخْبَارِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ فَيَصِحُّ، وَلَا حَاجَةَ فِي قَبْضِهِمَا إلَى كَيْلٍ وَكَذَا مَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَاعَ إلَخْ) هَذَا فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ فَغَيْرُهُ صَحِيحٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَخَرَجَا سَوَاءً أَوْ لَا لَكِنْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِمَنْ لَحِقَهُ الضَّرَرُ فَإِنْ سَمَحَ صَاحِبُ الزِّيَادَةِ بِهَا أَوْ رَضِيَ الْآخَرُ بِتَرْكِهَا بَقِيَ الْعَقْدُ، وَإِنْ تَشَاحَّا فُسِخَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ) أَيْ بِقَصْدِ وُجُودِهَا أَوْ لَا بُدَّ مِنْهَا أَوْ تُوجَدُ وَتَتَحَقَّقُ أَوْ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْبَيْعِ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: (فِي الثِّمَارِ) وَفِي الْمَنْهَجِ الثَّمَرُ بِالْمُثَلَّثَةِ. قَوْلُهُ: (الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْكَمَالُ) لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ وَهُوَ وُصُولُ الشَّيْءِ إلَى حَالَةٍ يُطْلَبُ فِيهَا غَالِبًا. قَوْلُهُ: (وَقَدْ يُعْتَبَرُ) أَيْ يُفْرَضُ وَيُقَدَّرُ قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ يُوجَدُ بِالْفِعْلِ كَمَا فِي اللَّبَنِ وَعَصِيرِ نَحْوِ الْعِنَبِ. وَاخْتَارَ الشَّارِحُ الْأَوَّلَ لِعِلْمِ غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي. قَوْلُهُ: (فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ) خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَضَبْطُهُ بِضَمِّ الرَّاءِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ ذِكْرِ الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ. وَلِذَلِكَ ضَبَطَهُ فِي الْمَنْهَجِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَاسْتَغْنَى
ــ
[حاشية عميرة]
الْمَجْهُولِ أَوْ لَمْ يَكُونَا فِي زَمَنِهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (وَدُهْنُ اللَّوْزِ) اقْتَضَى هَذَا أَنَّ اللَّوْزَ مَوْزُونٌ وَضَعَّفَهُ الْإِسْنَوِيُّ ﵀. قَوْلُهُ: (فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالْوَزْنِ جَزْمًا) أَلْحَقَ الْإِسْنَوِيُّ بِذَلِكَ الرُّمَّانَ وَالْبِطِّيخَ وَالسَّفَرْجَلَ وَنَحْوَهَا قَالَ: هَذِهِ لَا تَتَقَدَّرُ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ فَالْقَدِيمُ مَنْعُ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَالْجَدِيدُ يَجُوزُ وَزْنًا بِشَرْطِ الْجَفَافُ. قَوْلُهُ: (بِالْقَبَّانِ) أَصْلُهُ عَجَمِيٌّ بِالْبَاءِ الْمَشُوبَةُ فَاءً، ثُمَّ عُرِّبَ بِيَاءٍ خَالِصَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ إلَخْ) .
فَرْعٌ: قَالَ بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ الْمَشْرِقِيَّ بِكَذَا فَإِذَا هُوَ مَغْرِبِيٌّ صَحَّ وَثَبَتَ الْخِيَارُ وَمِثْلُهُ الْعَبْدُ الْحَبَشِيُّ فَإِذَا هُوَ تُرْكِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الْجِيمِ) وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَخْمِينًا) قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ كَأَنَّهُ احْتَرَزَ عَمَّا إذَا عَلِمَا تَمَاثُلَ الصُّبْرَتَيْنِ ثُمَّ تَبَايَعَا جُزَافًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا يُحْتَاجُ فِي الْقَبْضِ إلَى كَيْلٍ بَلْ لَهُمَا حُكْمُ الْبَيْعِ جُزَافًا قَوْلُهُ: (لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ) أَيْ جَهِلَ بِهَا كَحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مِكْيَالُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ» .
قَوْلُهُ: (فِي الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ) وَكَذَا اللَّحْمُ. قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا إلَخْ) قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْمُمَاثَلَةُ قَدْ تُعْتَبَرُ أَوَّلًا وَيَكْتَفِي بِذَلِكَ كَمَا فِي الْعَصِيرِ وَلَا تُشْتَرَطُ الْحَالَةُ الْأَخِيرَةُ كَالْخَلِّ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ) وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إلَى جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ. قَوْلُهُ: (فِيهِ إشَارَةٌ) وَجْهُ الْإِشَارَةِ أَنَّ نُقْصَانَ
стр. 626
فِي ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ فَقَالُوا نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تُعْتَبَرُ عِنْدَ الْجَفَافِ وَأُلْحِقَ بِالرُّطَبِ فِيمَا ذُكِرَ طَرِيُّ اللَّحْمِ فَلَا يُبَاعُ بِطَرِيِّهِ وَلَا بِقَدِيدِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَيُبَاعُ بِقَدِيدِهِ بِلَا عَظْمٍ وَلَا مِلْحٍ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ.
(وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ كَالْقِثَّاءِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمَدِّ (وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ لَا يُبَاعُ) بَعْضُهُ بِبَعْضٍ (أَصْلًا) كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ (وَفِي قَوْلٍ تَكْفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ كَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ فَيُبَاعُ وَزْنًا وَإِنْ أَمْكَنَ كَيْلُهُ، وَقِيلَ مَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ كَالتُّفَّاحِ وَالتِّينِ يُبَاعُ كَيْلًا، وَلَا بَأْسَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِتَفَاوُتِ الْعَدَدِ، وَمِمَّا لَا جَفَافَ فِيهِ الزَّيْتُونُ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَارْتَضَاهُ جَوَازَ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَسِيطِ.
(وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ) أَيْ دَقِيقِ
ــ
[حاشية قليوبي]
عَمَّا بَعْدَهُ فَهُوَ أَخْصَرُ وَأَعَمُّ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ هُنَا رَاعَى لَفْظَ الدَّلِيلِ. قَوْلُهُ (وَلَا بِتَمْرٍ) وَلَا بِبَلَحٍ وَلَا بِبُسْرٍ وَلَا بِطَلْعِ إنَاثٍ وَلَا بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ لِأَنَّهَا جِنْسٌ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (لِلْجَهْلِ الْآنَ بِالْمُمَاثَلَةِ) لَوْ زَادَ أَوْ تَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ لِيَشْمَلَ بَيْعَ تَمْرٍ بِقَدْرِهِ مِنْ الرُّطَبِ لَكَانَ أَوْلَى إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا تُعْلَمُ بِالْأَوْلَى فَهُوَ اقْتِصَارٌ عَلَى أَقَلَّ دَرَجَاتِ الْبُطْلَانِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي اعْتِبَارِ الْكَمَالِ الَّذِي تَتَحَقَّقُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ أَوْ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ وَقْتَ الْجَفَافِ، وَلَا تُرَدُّ مَسْأَلَةُ الْعَرَايَا الْآتِيَةُ لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْكَمَالِ فِيهَا بِالْفِعْلِ، وَإِلَّا فَالْكَمَالُ مُعْتَبَرٌ فِيهَا تَقْدِيرًا. قَوْلُهُ: (أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ) أَيْ هَلْ يَحْصُلُ فِيهِ نَقْصٌ فِي ذَاتِهِ بِجَفَافِهِ فَشَمِلَ بَيْعَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ الثَّمَرِ أَوْ بِدُونِهِ مِنْهُ أَوْ بِمِثْلِهِ. قَوْلُهُ: (فِيهِ إشَارَةٌ) أَيْ فِي السُّؤَالِ عَنْ هَذَا الْمَعْلُومِ وُجُودُهُ إشَارَةً إلَى مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَأُلْحِقَ بِالرُّطَبِ فِيمَا ذُكِرَ طَرِيُّ اللَّحْمِ) وَكَذَا طَرِيُّ الثِّمَارِ كَالْعِنَبِ وَالْحُبُوبِ كَالْبُرِّ الْمَبْلُولِ وَالْفَرِيكِ، وَسَكَتَ عَنْ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ وَإِنْ كَانَ الْوَجْهُ ذِكْرَهُ لِعُمُومِ الْقِيَاسِ فِي كُلِّ رُطَبٍ وَلَوْ عَارِضًا يَنْقُصُ بِجَفَافِهِ نَعَمْ لَا يُعْتَبَرُ تَنَاهِي جَفَافِهَا بَلْ وُصُولِهَا إلَى حَدٍّ لَوْ جَفَّتْ بَعْدَهُ لَمْ تَنْقُصْ قَدْرًا يَظْهَرُ فِي الْمِكْيَالِ، وَمِنْهُ بَيْعُ الْفَرِيكِ وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الرَّوْضِ إذَا تَمَّ جَفَافُهُ. قَوْلُهُ: (مِنْ جِنْسِهِ) قَيْدٌ فِي الطَّرِيِّ وَالْقَدِيدِ. قَوْلُهُ: (بِلَا عَظْمٍ) أَيْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِبَقَائِهِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا مِلْحَ) أَيْ لِغَيْرِ الْإِصْلَاحِ وَنَفْيِ ظُهُورِهِمَا قَيْدٌ لِوُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ الَّذِي فِي كَلَامِهِ. وَكَذَا هُوَ قَيْدٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ مَعَ اخْتِلَافِهِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا فَإِنْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا وَلَوْ بِالدَّرَاهِمِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لِلْجَهْلِ بِالْمَقْصُودِ.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ نَحْوَ بُرٍّ مَبْلُولٍ بِجِنْسِهِ وَلَوْ بَعْدَ جَفَافِهِ أَوْ بِغَيْرِ مَبْلُولٍ وَمِثْلُهُ مَا يَبْطُلُ كَمَالُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالْمَقْلِيِّ وَالْمَشْوِيِّ وَمَنْزُوعِ النَّوَى مِنْ نَحْوِ الثَّمَرِ، بِخِلَافِ مُفَلَّقِ الْبِطِّيخِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْمِشْمِشِ وَنَحْوِهَا نَعَمْ يُتَّجَهُ صِحَّةُ بَيْعِ الْعَجْوَةِ الْمَنْسُولَةِ لِمَعْرٍ وَلِكَمَالِهَا وَخُلُوِّهَا عَمَّا يَمْنَعُ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ. قَوْلُهُ: (كَالْقِثَّاءِ) وَإِنْ عَرَضَ الْجَفَافُ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهَا خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ وَإِنْ وَافَقَهُ ظَاهِرُ شَرْحِ شَيْخِنَا. قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الْقَافِ) أَوْ ضَمِّهَا. قَوْلُهُ (مَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ) فَالْمُعْتَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إمْكَانُ الْكَيْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِعْيَارًا فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْوَزْنِ فِيمَا هُوَ أَكْبَرُ جُرْمًا مِنْ الثَّمَرِ. قَوْلُهُ: (وَمِمَّا لَا جَفَافَ لَهُ الزَّيْتُونُ) لِمَنْ رُطُوبَتُهُ دُهْنِيَّةٌ لَا مَائِيَّةٌ فَلِذَلِكَ كَانَ الْمُعْتَمَدُ صِحَّةَ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَلَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَائِهِ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُهُمْ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ عَدَمَ الْجَفَافِ أَعَمُّ مِنْ الرَّطْبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ لِأَنَّهُ مَا فِيهِ مَائِيَّةٌ فَهُوَ مُسْتَثْنًى بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ كُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُشِيرُ إلَيْهِ بَلْ صَرِيحٌ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (صَاحِبُ التَّقْرِيبِ) وَهُوَ ابْنُ الْقَفَّالِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ) أَيْ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحُبُوبِ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ دَقِيقًا كَجَرِيشِ الْفُولِ وَالْعَدَسِ وَالْكُنَافَةِ وَالشِّعْرِيَّةِ، وَعَطْفُ السَّوِيقِ عَلَيْهِ خَاصٌّ لِإِفَادَةِ الْمَنْعِ فِيمَا دَخَلَتْهُ النَّارُ وَتَفْسِيرُهُ بِمَا يُعْمَلُ مِنْ الشَّعِيرِ نَظَرًا لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَالْمُرَادُ الْأَعَمُّ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الدَّقِيقُ بِمَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ كَالْحَلْوَى بِالنَّشَاءِ وَالْأَقِطِ.
ــ
[حاشية عميرة]
الرُّطَبِ بِالْجَفَافِ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ فَكَانَ الْغَرَضُ مِنْ السُّؤَالِ الْإِشَارَةُ، إلَى هَذَا وَمِنْ ثَمَّ تَعْلَمُ أَنَّ امْتِنَاعَ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْجَفَافِ لِتَحَقُّقِ النُّقْصَانِ، وَامْتِنَاعَ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ لِجَهْلِ الْمُمَاثَلَةِ كَذَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَالشَّارِحُ فِيمَا سَلَفَ اُقْتُصِرَ فِي الْكُلِّ عَلَى جَهْلِ الْمُمَاثَلَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الْقَافُ) وَبِالضَّمِّ أَيْضًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَصْلًا) يُوهِمُ عَدَمَ الصِّحَّةِ وَلَوْ عَرَضَ لَهُ جَفَافٌ عَلَى نُدُورٍ الظَّاهِرُ خِلَافُهُ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ مَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ إلَخْ) اُنْظُرْ هَذَا هُوَ يُشْكِلُ بِمَا سَلَفَ مِنْ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ أَكْبَرَ جُرْمًا مِنْ التَّمْرِ
стр. 627
الشَّعِيرِ. (وَالْخُبْزِ) فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهَا بِبَعْضِهِ لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِتَفَاوُتِ الدَّقِيقِ فِي النُّعُومَةِ وَالْخَبْزِ فِي تَأْثِيرِ النَّارِ. (بَلْ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ حَبًّا) لِتَحَقُّقِهَا فِيهَا وَقْتَ الْجَفَافِ (وَ) تُعْتَبَرُ (فِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمْسِمِ) بِكَسْرِ السِّينَيْنِ (حَبًّا أَوْ دُهْنًا وَفِي الْعِنَبِ زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ، وَكَذَا الْعَصِيرُ) أَيْ عَصِيرُ الْعِنَبِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَا ذُكِرَ حَالَاتُ كَمَالٍ فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ السِّمْسِمِ أَوْ دُهْنِهِ بِبَعْضٍ وَبَيْعُ بَعْضِ الزَّبِيبِ أَوْ خَلِّ الْعِنَبِ بِبَعْضٍ وَبَيْعُ بَعْضِ عَصِيرِ الْعِنَبِ بِبَعْضٍ. وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِيهِ يُمْنَعُ كَمَا لَهُ وَمِثْلُهُ عَصِيرُ الرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ وَقَصَبُ السُّكَّرِ وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ خَلِّ الرُّطَبِ بِبَعْضٍ بِخِلَافِ خَلِّ الزَّبِيبِ أَوْ التَّمْرِ لِأَنَّ فِيهِ مَاءً، فَيَمْتَنِعُ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ وَالْمِعْيَارُ فِي الدُّهْنِ وَالْخَلِّ وَالْعَصِيرِ الْكَيْلُ.
(وَ) تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ (فِي اللَّبَنِ لَبَنًا) بِحَالِهِ (أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا) أَيْ خَالِصًا مِنْ الْمَاءِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ اللَّبَنِ
ــ
[حاشية قليوبي]
فَرْعٌ: النُّخَالَةُ وَالْحَبُّ الْمُسَوِّسُ الْخَالِي مِنْ اللُّبِّ لَيْسَا رِبَوِيَّيْنِ كَالشَّمْعِ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا صِحَّةُ بَيْعِ النُّخَالَةِ وَالْمُسَوِّسِ الْمَذْكُورِ بِالْحَبِّ السَّلِيمِ وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فَالْوَجْهُ خِلَافُهُ. قَوْلُهُ: (فِي حُبُوبِ الدُّهْنِ) أَيْ مِنْ الرِّبَوِيِّ بِخِلَافِ الْبِزْرِ وَالْقُرْطُمِ وَدُهْنِهِمَا وَكَسْبِهِمَا لِأَنَّهَا غَيْرُ رِبَوِيَّةٍ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (حَبًّا أَوْ دُهْنًا) وَكَذَا الْكُسْبُ الْخَالِي مِنْ دُهْنٍ يُقْصَدُ فَصْلُهُ وَغَيْرُ حَبِّ السِّمْسِمِ كَالْجَوْزِ مِثْلُهُ، وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ الطَّحِينَةُ وَهِيَ مِنْ الدَّقِيقِ كَمَا مَرَّ. فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَلَا بِالشَّيْرَجِ وَلَا بِالْكُسْبِ وَلَا بِالسِّمْسِمِ قَالَ شَيْخُنَا وَلَا بِالدَّرَاهِمِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (أَوْ دُهْنِهِ) أَيْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ دُهْنِ السِّمْسِمِ بِبَعْضِهِ مُتَمَاثِلًا. وَكَذَا بَعْضُ كُسْبِهِ بِبَعْضٍ. وَكَذَا بَيْعُ دُهْنِهِ بِكُسْبِهِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مَا مَرَّ. نَعَمْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا وُضِعَتْ فِي دُهْنِهِ أَوْ رُبِّيَ بِحَبِّهِ أَوْرَاقٌ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ فَهُوَ أَجْنَاسٌ فَيَجُوزُ بَيْعُ دُهْنِ وَاحِدٍ مِنْهَا بِدُهْنِ الْآخَرِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهَا بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا فِي الْمُرَبَّى وَفِي غَيْرِهِ إنْ خَلَا عَنْ يَسِيرِ وَرَقٍ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا. قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ) أَيْ وَمِثْلُ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي الْحُكْمِ وَالْخِلَافُ عَصِيرُ الرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ. وَكَذَا غَيْرُهَا. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ خَلِّ الْعِنَبِ إلَخْ) حَاصِلُ صُوَرِ الْخُلُولِ الْمَذْكُورِ هُنَا سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةٍ فِي مِثْلِهَا لِأَنَّهَا مِنْ عِنَبٍ وَزَبِيبٍ وَرُطَبٍ وَتَمْرٍ، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا مَعَ نَفْسِهِ أَوْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهَا فَيَسْقُطُ مِنْهَا سِتَّةٌ مُكَرَّرَةٌ وَيَبْقَى عَشْرَةٌ مِنْهَا خَمْسَةٌ صَحِيحَةٌ وَخَمْسَةٌ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْخَلَّيْنِ مَاءٌ أَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي أَحَدِهِمَا وَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَبَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ عَذْبًا أَوْ غَيْرَ عَذْبٍ خِلَافًا لِابْنِ شُهْبَةَ فِي اعْتِمَادِهِ الصِّحَّةَ فِي غَيْرِ الْعَذْبِ إذْ قَاعِدَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْجَهْلِ بِالْمَقْصُودِ يَرُدَّانِ عَلَيْهِ، بَلْ مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ الْبُطْلَانُ فِي مُخْتَلَفِ الْجِنْسِ فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (وَالْمِعْيَارُ فِي الدُّهْنِ وَالْخَلِّ وَالْعَصِيرِ الْكَيْلُ) نَعَمْ الْمِعْيَارُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ الْوَزْنُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا مَرَّ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ جَامِدِهِ بِمَائِعِهِ لِاخْتِلَافِ مِعْيَارِهِمَا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي كُلِّ دُهْنٍ جَامِدٍ مَعَ مَائِعِهِ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ وَمِنْ قَاعِدَةِ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ شَيْءٍ مِمَّا اُتُّخِذَ مِنْهُ أَوْ بِمَا فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا اُتُّخِذَ مِنْهُ كَمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ عَصِيرِ الْعِنَبِ بِهِ وَلَا خَلِّهِ بِهِ وَيَصِحُّ بَيْعُ خَلِّهِ بِعَصِيرِهِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ كَمَا مَرَّ. وَكَذَا يُقَالُ فِي الرَّطْبِ مَعَ خَلِّهِ وَعَصِيرِهِ، لَا يُقَالُ الْعَصِيرُ أَصْلٌ لِلْخَلِّ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الزَّبِيبِ بِخُفِّ الْعِنَبِ أَوْ عَصِيرِهِ فَقَالَ السُّبْكِيُّ بِبُطْلَانِهِ وَهُوَ وَجِيهٌ. وَقَالَ الشَّيْخَانِ بِصِحَّتِهِ وَإِلَيْهِ مَالَ شَيْخُنَا م ر. وَفِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ. وَقَدْ نَقَلَ الْعَلَّامَةُ عَنْ شَيْخِنَا م ر فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ الْبُطْلَانَ وَيُقَاسُ بِهِ خَلُّ الرُّطَبِ وَعَصِيرُهُ مَعَ التَّمْرِ وَعَكْسِهِمَا. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمَنْهَجِ وَلَا حَبِّهِ بِهِ أَيْ لَا يَصِحُّ بَيْعُ حَبٍّ بِمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ أَفْرَادٍ قَبْلَهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ دُخُولِهَا فِيهِ أَوْ فِيمَا عُلِّلَ بِهِ وَلِفَسَادِهِ شُمُولُ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَهَا لَهَا فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (لَبَنًا بِحَالِهِ) أَيْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ إلَى حَالَةٍ مِمَّا
ــ
[حاشية عميرة]
مِعْيَارُهُ الْوَزْنُ قَطْعًا. قَوْلُ الْمَتْنِ
: (وَالْخُبْزُ) مِثْلُهُ الْعَجِينُ وَالنَّشَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَلْ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ) أَيْ الَّتِي لَا دُهْنَ لَهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (حَبًّا) أَيْ مُتَنَاهِي الْجَفَافِ غَيْرَ مَقْلِيٍّ وَلَا فَرِيكٍ وَلَا مَقْشُورٍ وَلَا مَبْلُولٍ وَإِنْ جَفَّ لِتَفَاوُتِ انْكِمَاشِهِ عِنْدَ الْجَفَافِ، ثُمَّ كَلَامُهُ يُفِيدُك أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَبِّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ كَالدَّقِيقِ وَالنَّشَا وَالْخُبْزِ وَلَا بِمَا فِيهِ شَيْءٍ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ كَالْحَلْوَى الْمَعْمُولَةِ بِالنَّشَا وَالْمَصْلِ فَإِنَّ فِيهِ الدَّقِيقَ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِخُرُوجِهَا عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ مَخِيضًا) اعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّهُ قِسْمٌ مِنْ اللَّبَنِ فَكَيْفَ جُعِلَ قَسِيمًا لَهُ. قَوْلُهُ: (أَيْ خَالِصًا مِنْ الْمَاءِ) كَذَا يُشْتَرَطُ
стр. 628
بِبَعْضٍ كَيْلًا سَوَاءٌ فِيهِ الْحَلِيبُ وَالْحَامِضُ وَالرَّائِبُ وَالْخَاثِرُ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلِيًّا بِالنَّارِ وَلَا مُبَالَاةَ بِكَوْنِ مَا يَحْوِيهِ الْمِكْيَالُ مِنْ الْخَاثِرِ أَكْثَرَ وَزْنًا، وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ السَّمْنِ بِبَعْضٍ وَزْنًا عَلَى النَّصِّ، وَقِيلَ كَيْلًا، وَقِيلَ وَزْنًا إنْ كَانَ جَامِدًا وَكَيْلًا إنْ كَانَ مَائِعًا، وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ الْمَخِيضِ الصَّافِي بِبَعْضٍ. أَمَّا الْمَشُوبُ بِالْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ، وَلَا بِخَالِصٍ لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ (وَلَا تَكْفِي الْمُمَاثَلَةُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ) أَيْ بَاقِيهَا (كَالْجُبْنِ وَالْأَقِطِ) وَالْمَصْلِ وَالزُّبْدِ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مُخَالَطَةِ شَيْءٍ، فَالْجُبْنُ تُخَالِطُهُ الْإِنْفَحَةُ وَالْأَقِطُ يُخَالِطُهُ الْمِلْحُ، وَالْمَصْلُ يُخَالِطُهُ الدَّقِيقُ، وَالزُّبْدُ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ مَخِيضٍ، فَلَا تَتَحَقَّقُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ الْمُعْتَبَرَةُ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهَا بِبَعْضِهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ، وَلَا بَيْعُ اللَّبَنِ بِمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ كَالسَّمْنِ وَالْمَخِيضِ. (وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ بِالطَّبْخِ أَوْ الْقَلْيِ أَوْ الشَّيِّ) فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ حَبًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالسِّمْسِمِ وَاللَّحْمِ لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ بِاخْتِلَافِ تَأْثِيرِ النَّارِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَفِيمَا أَثَّرَتْ فِيهِ بِالْعَقْدِ كَالدِّبْسِ وَالسُّكَّرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. (وَلَا يَضُرُّ تَأْثِيرُ تَمْيِيزٍ) بِالنَّارِ (كَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ) يُمَيَّزَانِ بِالنَّارِ عَنْ الشَّمْعِ وَاللَّبَنِ فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِبَعْضِهِ بَعْدَ التَّمْيِيزِ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ
(وَإِذَا جَمَعَتْ الصَّفْقَةُ) أَيْ عَقْدُ الْبَيْعِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يُصَفِّقُ يَدَهُ عَلَى يَدِ الْآخَرِ فِي عَادَةِ الْعَرَبِ (رِبَوِيًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ) أَيْ جِنْسُ الرِّبَوِيِّ
ــ
[حاشية قليوبي]
بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (فَالْمَخِيضُ قِسْمٌ مِنْهُ) لَا قَسِيمٌ لَهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَلَا يَضُرُّ خَلْطُهُ بِيَسِيرِ مَاءٍ لِإِصْلَاحِهِ. قَوْلُهُ: (خَالِصًا) رَاجِعٌ لِلْمَخِيضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ لِأَنَّ خُلُوصَ غَيْرِهِ مَعْلُومٌ وَيَجُوزُ رُجُوعُهُ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ لِيَخْرُجَ خَلْطُ اللَّبَنِ بِنَحْوِ مَا لَا يُغْتَفَرُ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْمَاءِ) أَيْ أَوْ مِنْ فُتَاتِ سَمْنٍ أَوْ مِلْحٍ. قَوْلُهُ: (الْخَاثِرُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ هُوَ مَا بَيْنَ الْحَلِيبِ وَالرَّائِبِ وَمَاضِيهِ مُثَلَّثُ الْعَيْنِ. قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَكُنْ) أَيْ اللَّبَنُ بِأَنْوَاعِهِ مَغْلِيًّا بِالنَّارِ فَلَا يَضُرُّ تَسْخِينُهُ، وَفَارَقَ الْمَاءَ الْمَغْلِيَّ لِأَنَّ الذَّاهِبَ مِنْهُ مَاءٌ مِنْ جِنْسِهِ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ وَزْنًا إلَخْ) أَيْ الْمِعْيَارُ فِي السَّمْنِ الْوَزْنُ فِي الْجَامِدِ، وَالْكَيْلُ فِي الْمَائِعِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ الْجَامِدُ يُعْتَبَرُ بِمَا مَرَّ فِي النَّجَاسَةِ. قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمَشُوبُ بِالْمَاءِ) أَيْ الَّذِي لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَكَذَا مَا فِيهِ فُتَاتُ سَمْنٍ أَوْ مِلْحٍ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِخَالِصٍ لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ وَصَرِيحُ هَذِهِ الْعِلَّةِ جَوَازُ بَيْعِهِ بِالدَّرَاهِمِ وَبِبَقِيَّةِ أَنْوَاعِهِ الْآتِيَةِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا) أَيْ الْجُبْنَ وَالْأَقِطَ وَالْمَصْلَ وَالزُّبْدَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهَا بِبَعْضِهِ) وَلَا بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهَا بِاللَّبَنِ وَلَا بِمَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ، إمَّا بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهَا بِوَاحِدٍ مِنْ الْبَقِيَّةِ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ أَجْنَاسٌ كَمَا صَرَّحَ بِهَا الْخَطِيبُ فَصَحِيحٌ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُخَالِطُ يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ كَالزَّيْتِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ) أَيْ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ الدَّرَاهِمِ لِاشْتِمَالٍ عَلَى الْمَخِيضِ الْمَانِعِ مِنْ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ، قَالَ شَيْخُنَا، فَإِنْ خَلَا عَنْهُ صَحَّ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ، قَوْلُ السُّبْكِيّ بِالصِّحَّةِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَفِيمَا أَثَّرَتْ إلَخْ) أَوْرَدَهُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِمَكَانِ الْخِلَافِ فِيهِ وَيَرْجِعُ فِيهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ
ــ
[حاشية عميرة]
كَوْنُهُ خَالِصًا مِنْ الزَّبَدِ وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُ بِزُبْدٍ وَبِسَمْنٍ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ لَا لِعَدَمِ كَمَالِهِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ قَالَ السُّبْكِيُّ ﵀. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ السَّمْنِ إلَخْ) مِثْلُهُ عَسَلُ النَّحْلِ. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ الْمَخِيضِ لِصَافِي بِبَعْضٍ) يَجُوزُ أَيْضًا بَيْعُهُ بِالسَّمْنِ وَبِالزَّبَدِ مُتَفَاضِلًا وَيَمْتَنِعُ بِاللَّبَنِ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمَشُوبُ بِالْمَاءِ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيُّ. قَالَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٌ أَنَّ زَبَدَهُ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْمَاءُ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ: بَلْ شَوْبُ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ يَمْنَعُ بَيْعَهُ مُطْلَقًا لِلْجَهْلِ بِاللَّبَنِ الْمَقْصُودِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَقِطُ إلَخْ) وَأَيْضًا الْأَقِطُ وَالْمَصْلُ يَدْخُلُهُمَا النَّارُ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ بَيْعٌ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ: لَوْ كَانَ الزُّبْدَانِ جِنْسَيْنِ جَازَ لِأَنَّ مَا فِيهِمَا مِنْ اللَّبَنِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَخِيضِ الْمَنْزُوعِ الزَّبَدِ بِالسَّمْنِ مُتَفَاضِلًا اتِّفَاقًا وَبِالزَّبَدِ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ السُّبْكِيُّ الْجُبْنَ وَالْأَقِطَ وَالْمَصْلَ. ثُمَّ قَالَ: وَكَمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ بَعْضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِمِثْلِهَا يَمْتَنِعُ بِالْآخَرِ وَبِاللَّبَنِ وَكَذَلِكَ بِالزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْمَخِيضِ قَالَهُ الْمَحَلِّيُّ. قَوْلُهُ: (وَلَا بَيْعُ اللَّبَنِ بِمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ) أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ كَمَا فِي الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَبِالطَّبْخِ إلَخْ) خَرَجَ بِهِ تَأْثِيرُ التَّمْيِيزِ الْآتِي وَكَذَا تَأْثِيرُ الْحَرَارَةِ كَالْمِيَاهِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ قَوِيَّ النَّارِ وَضَعِيفَهَا. قَوْلُهُ: (حَبًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ) أَيْ لِأَنَّ تَأْثِيرَ النَّارِ فِيهِ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَالْعَسَلِ) وَكَذَا الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ) فَيَكُونُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (رِبَوِيًّا) أَيْ جِنْسًا وَاحِدًا كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، لِئَلَّا يَرِدَ مَا لَوْ بَاعَ
стр. 629
(مِنْهُمَا) جَمِيعِهِمَا أَوْ مَجْمُوعِهِمَا بِأَنْ اشْتَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى جِنْسَيْنِ اشْتَمَلَ الْآخَرُ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ. (كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ وَكَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ أَوْ) اخْتَلَفَ (النَّوْعُ) أَيْ نَوْعُ الرِّبَوِيِّ بِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ مَثَلًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعِهِمَا أَوْ مَجْمُوعِهِمَا بِأَنْ اشْتَمَلَ أَحَدُهُمَا مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ عَلَى مَوْصُوفَيْنِ بِصِفَتَيْنِ اشْتَمَلَ الْآخَرُ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ. (كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ بِهِمَا) أَيْ بِصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ (أَوْ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ بِصِحَاحٍ فَقَطْ أَوْ بِمُكَسَّرَةٍ فَقَطْ، وَقِيمَةُ الْمُكَسَّرَةِ دُونَ قِيمَةِ الصِّحَاحِ فِي الْجَمِيعِ. (فَبَاطِلَةٌ) لِأَنَّ قَضِيَّةَ اشْتِمَالِ أَحَدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ عَلَى مَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَمِنْهُ الْفَانِيدُ وَاللِّبَأُ. قَوْلُهُ: (كَالْعَسَلِ) مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْعَقْدِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَسَلِ فِي شَمْعِهِ بِبَعْضِهِ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ عَنْهُ أَيْ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعَ شَمْعِهِ أَيْضًا وَلَا بِعَسَلِهِ الْخَالِصِ وَلَا بِشَمْعِهِ الْخَالِصِ وَلَا بِالدَّرَاهِمِ كَمَا مَرَّ فِي الزُّبْدِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا بِالصِّحَّةِ هُنَا فِي الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الشَّمْعَ غَيْرَ رِبَوِيٍّ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَانِعَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِقَدْرِ الْمَقْصُودِ كَمَا فِي اللَّحْمِ بِعَظْمِهِ لَا أَنَّهُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ مَعَ أَنَّ الْعَسَلَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ دَاخِلَ الشَّمْعِ. وَلَا يَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِهِ لِاخْتِلَافِهِ وَلَا رُؤْيَةُ شَمْعِهِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصِّوَانِ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَجَعَ شَيْخُنَا إلَى الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ عَقْدُ الْبَيْعِ) شَامِلٌ لِلْمُعَيَّنِ وَلِمَا فِي الذِّمَّةِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِالْأَوَّلِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ مَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَخَمْسُونَ دِينَارًا فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ سَوَاءٌ بِلَفْظِ الصُّلْحِ أَوْ التَّعْوِيضِ. وَوَافَقَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي لَفْظِ الصُّلْحِ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّقْيِيدِ وَصُورَةُ الصُّلْحِ مُسْتَثْنَاةٌ نَظَرًا لِلْمُسَامَحَةِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (رِبَوِيًّا) أَيْ مَبِيعًا رِبَوِيًّا لَكِنْ يُقَيَّدُ بِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ كَمَا قُيِّدَ بِكَوْنِهِ مَقْصُودًا لِيَخْرُجَ مَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا بِئْرُ مَاءٍ عَذْبٍ بِمِثْلِهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَاءَ تَابِعٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الدَّارِ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ لِدُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ وَمَا لَوْ بَاعَ بِنَاءَ دَارٍ مُمَوَّهٍ بِذَهَبٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ بِذَهَبٍ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ، فَإِنْ حَصَلَ فَبَاطِلٌ وَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا بِذَهَبٍ فَظَهَرَ بِهَا مَعْدِنُ ذَهَبٍ وَلَمْ يَعْلَمَا بِهِ حَالَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ فَبَاطِلٌ، وَاغْتُفِرَ هُنَا الْجَهْلُ لِأَنَّهُ فِي تَابِعٍ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْجَانِبَيْنِ) وَالرِّبَوِيُّ بَارِزٌ فِي الْجَانِبَيْنِ كَمَا مَثَّلَ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا كَسِمْسِمٍ بِشَيْرَجٍ أَوْ كَالْبَارِزِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا كَشَاتَيْنِ وَاللَّبَنُ فِيهِمَا وَكَشَاةٍ فِيهَا لَبَنٌ بِلَبَنٍ مِنْ جِنْسِهَا فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ اللَّبَنَ فِيهِمَا مَقْصُودٌ، وَقَدْ تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ فَخَرَجَ الضِّمْنِيُّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَسِمْسِمٍ بِسِمْسِمٍ فَصَحِيحٌ. وَيَصِحُّ بَيْعُ ذَاتِ لَبَنٍ بِمِثْلِهَا مِنْ الْآدَمِيَّاتِ. وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِنَّ إنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ كَشَاةٍ وَبَقَرَةٍ وَكَذَا غَيْرُ ذَاتِ لَبَنٍ بِلَبَنٍ مِنْ جِنْسِهَا وَالْبِيضُ كَاللَّبَنِ. وَفِي الثَّانِي بَحْثٌ لِأَنَّهَا مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَلِأَنَّ اللَّبَنَ مَقْصُودٌ مَجْهُولٌ فَالْوَجْهُ الْبُطْلَانُ سَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ لَا فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ جِنْسُ الرِّبَوِيِّ) لَوْ قَالَ جِنْسُ الْمَبِيعِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَدْخُلَ دِرْهَمٌ وَثَوْبٌ بِدِرْهَمٍ. قَوْلُهُ: (جِنْسَيْنِ) ظَاهِرُهُ رِبَوِيَّيْنِ وَتُرَدُّ عَلَيْهِ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ وَإِنْ اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا. وَكَذَا النَّوْعَانِ لِأَنَّهُمَا مَظِنَّةُ الِاخْتِلَافِ نَعَمْ يُغْتَفَرُ فِي الْجِنْسِ الْحَبَّاتُ الْيَسِيرَةُ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ بِحَيْثُ لَا تَظْهَرُ فِي الْمِكْيَالِ وَفِي النَّوْعِ، وَإِنْ كَثُرَتْ أَيْ مَا لَمْ يَتَسَاوَ مِقْدَارُ النَّوْعَيْنِ وَإِلَّا كَبَيْعِ صَاعَيْنِ مَعْقِلِيٌّ وَصَيْحَانِيٌّ مُخْتَلِطَيْنِ بِصَاعَيْنِ مَعْقِلِيٍّ أَوْ صَيْحَانِيٍّ فَلَا يَصِحُّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، كَذَا قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ الصِّحَّةَ تَبَعًا لِمَنْ ذُكِرَ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: (عَجْوَةٌ) هُوَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، يُقَالُ لِشَجَرَتِهِ: اللِّينَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَقَدْ أَوْصَلَ بَعْضُهُمْ أَنْوَاعَ تَمْرِهَا إلَى مِائَةٍ وَنَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ نَوْعًا. قَوْلُهُ: (بِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ) لَوْ قَالَ: وَلَوْ بِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ لَشَمِلَ اخْتِلَافَ النَّوْعِ وَحْدَهُ قِيلَ: وَعُذْرُهُ تَمْثِيلُ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ صُوَرِ الصِّفَةِ دُونَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنْ اسْتَوَتْ الْقِيمَةُ فِيهَا كَمَا مَرَّ فَإِنْ اسْتَوَتْ الْقِيمَةُ فِي الصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ فِي الْوَاقِعِ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ أَوْ بِالتَّقْوِيمِ فَبَاطِلٌ أَيْضًا. وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْمَنْهَجِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ رُجُوعُ اخْتِلَافِ
ــ
[حاشية عميرة]
ذَهَبًا وَفِضَّةً بِحِنْطَةٍ مَثَلًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ) أَيْ جِنْسُ الْمَبِيعِ لَا الْجِنْسُ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَاحِدٌ وَيَسْتَحِيلُ انْقِسَامُهُ إلَى شَيْئَيْنِ لَا يَصْدُقَانِ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ: ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي الْمَضْمُونِ إلَيْهِ بَيْنَ الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الْكِتَابِ لَا تَفِي بِذَلِكَ إلَّا بِتَأْوِيلٍ، وَلَوْ قَالَ وَاخْتَلَفَ الْمَبِيعُ جِنْسًا لَكَانَ بَيِّنًا. قَوْلُهُ: (جَمِيعُهُمَا إلَخْ) دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ عِبَارَتُهُ لَا تَشْمَلُ إلَّا مَا لَوْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ مَعَ أَكْثَرِ الْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ. قَوْلُهُ: (بِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ) يُرِيدُ أَنَّ مُرَادَهُ هُنَا بِالنَّوْعِ مَا لَيْسَ بِجِنْسٍ فَيُشْكِلُ اخْتِلَافُ الصِّفَةِ وَاخْتِلَافُ النَّوْعِ حَقِيقَةً كَالْمَعْقِلِيِّ وَالْبَرْنِيِّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمُكَسَّرَةٍ) الْمُرَادُ بِهَا الْقِرَاضَةِ الَّتِي تُقْرِضُ مِنْ الدِّينَارِ لِتُسْتَعْمَلَ فِي شِرَاءِ الْحَاجَةِ اللَّطِيفَةِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: (وَقِيمَةُ الْمُكَسَّرَةِ دُونَ قِيمَةِ الصِّحَاحِ) الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِنَقْصِ قِيمَةُ
стр. 630
أَنْ يُوَزَّعَ مَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ مِثَالُهُ بَاعَ شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَسَيْفًا بِأَلْفٍ، وَقِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةٌ وَالسَّيْفِ خَمْسُونَ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِثُلُثَيْ الْأَلْفِ، وَالتَّوْزِيعُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى الْمُفَاضَلَةِ أَوْ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ، فَفِي بَيْعِ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ إنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْمُدِّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَدِرْهَمَيْنِ وَدِرْهَمٍ فَمُدُّ الدِّرْهَمَيْنِ ثُلُثَا طَرَفِهِ فَيُقَابِلُهُ ثُلُثَا مُدٍّ وَثُلُثَا دِرْهَمٍ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ يَبْقَى مِنْهُ ثُلُثُ مُدٍّ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ فِي مُقَابَلَةِ الدِّرْهَمِ مِنْ ذَلِكَ الطَّرَفِ بِالسَّوِيَّةِ، فَتَتَحَقَّقُ الْمُفَاضَلَةُ فِي مُقَابَلَةِ ثُلُثِ دِرْهَمٍ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ اسْتَوَتْ قِيمَةُ الْمُدِّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَالْمُمَاثَلَةُ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ التَّقْوِيمَ، وَهُوَ تَخْمِينٌ قَدْ يُخْطِئُ، وَفِي بَيْعِ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُدِّ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ دِرْهَمًا فَالْمُمَاثَلَةُ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ لِمَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ كَدِرْهَمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ كَنِصْفِ دِرْهَمٍ تَحَقَّقَتْ الْمُفَاضَلَةُ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى مُقَابَلَةُ مُدٍّ بِمُدٍّ وَثُلُثٍ أَوْ بِثُلُثَيْ مُدٍّ وَفِي الثَّانِيَةِ مُقَابَلَةُ دِرْهَمٍ بِثُلُثَيْ دِرْهَمٍ أَوْ بِدِرْهَمٍ وَثُلُثِ دِرْهَمٍ وَفِي بَيْعِ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ أَوْ الْمُكَسَّرَةِ بِهِمَا إنْ اسْتَوَتْ قِيمَةُ الْمُكَسَّرَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُمَاثَلَةُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ تَحَقَّقَتْ الْمُفَاضَلَةُ عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ كَمَا هِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْبَيْعِ بِصِحَاحٍ فَقَطْ أَوْ مُكَسَّرَةٍ فَقَطْ لِمَا تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قِيمَةَ الْمُكَسَّرَةِ دُونَ قِيمَةِ الصِّحَاحِ، فَلَوْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا فَلَا بُطْلَانَ، وَلَوْ فَصَلَ فِي الْعَقْدِ فَجُعِلَ الْمُدُّ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ أَوْ الدِّرْهَمُ وَالدِّرْهَمُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ أَوْ الْمُدِّ صَحَّ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَمِلْ أَحَدُ جَانِبَيْ الْعَقْدِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ كَبَيْعِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ بِصَاعِ حِنْطَةٍ وَصَاعِ شَعِيرٍ أَوْ بِصَاعَيْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ وَبَيْعِ دِينَارٍ صَحِيحٍ وَآخَرَ مُكَسَّرٍ بِصَاعِ تَمْرٍ بِرْنِيٍّ وَصَاعٍ مَعْقِلِيٍّ أَوْ بِصَاعَيْنِ بِرْنِيٍّ أَوْ مَعْقِلِيٍّ جَازَ.
(وَيَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ) كَبَيْعِ لَحْمِ الْبَقَرِ بِالْبَقَرِ (وَكَذَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ) كَبَيْعِ لَحْمِ الْبَقَرِ بِالشَّاةِ وَبَيْعِهِ بِالْحِمَارِ (فِي الْأَظْهَرِ) «لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ الشَّاةُ بِاللَّحْمِ» ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، «وَنَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا وَأَسْنَدَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَمَةَ السَّاعِدِيِّ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ الْجَوَازُ، وَأَمَّا فِي الْمَأْكُولِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللُّحُومَ أَجْنَاسٌ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ، وَأَمَّا
ــ
[حاشية قليوبي]
الْقِيمَةِ لِلنَّوْعِ أَيْضًا لَكِنْ تَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا أَنَّ قَبُولَ الْبَيْعِ بِالصِّحَاحِ عَنْ الْمُكَسَّرَةِ وَعَكْسِهِ بَاطِلٌ وَإِنْ اسْتَوَتْ الْقِيمَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّهُ هُنَا أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ. قَوْلُهُ: (فِي الْأُولَى) وَهِيَ بِمُدَّيْنِ وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ بِدِرْهَمَيْنِ. قَوْلُهُ: (إنْ اسْتَوَتْ) أَيْ بِالتَّقْوِيمِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُمَاثَلَةُ) لَمْ يَقُلْ تَحَقَّقَتْ الْمُفَاضَلَةُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَلَعَلَّهُ لِبُعْدِ تَحَقُّقِهَا فِي النُّقُودِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَسَّرَةِ قَطْعُ صِغَارٍ تُقْرَضُ مِنْ نَحْوِ الدَّنَانِيرِ لِشِرَاءِ الْحَوَائِجِ الصَّغِيرَةِ كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ الْوَجْهُ لِإِخْرَاجِ نَحْوِ أَرْبَاعِ الْقُرُوشِ، فَقَوْلُ شَيْخِنَا: وَلَا يَتَقَيَّدُ مَا هُنَا بِذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ تَسَاوَتْ) أَيْ فِي الْوَاقِعِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ فُصِلَ فِي الْعَقْدِ) أَيْ بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا م ر مُخَالِفًا لِوَالِدِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ وَلَا الْمُشْتَرِي هُنَا فَهُوَ كَالِاتِّحَادِ، وَهَذَا مُحْتَرَزُ لَفْظِ عَقْدٍ فِيمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ لَمْ يَشْتَمِلْ) هَذَا مُحْتَرَزُ جَمْعٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ. قَوْلُهُ: (بَيْعُ اللَّحْمِ) وَمِثْلُهُ الشَّحْمُ وَالْكَبِدُ
ــ
[حاشية عميرة]
مَكْسُورٍ وَاحِدٍ فَلْيُتَأَمَّلْ وَأَنَّ الصِّحَّةَ وَالتَّكْسِيرَ فِي غَيْرِ الدَّرَاهِمِ كَالدَّرَاهِمِ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (فَتَتَحَقَّقُ الْمُفَاضَلَةُ فِي مُقَابِلِ ثُلُثِ دِرْهَمٍ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ) ظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّ الْمَذْكُورَ قَبِيلَهُ أَعْنِي مُقَابَلَةَ الْمُدِّ بِثُلُثَيْ مُدٍّ وَثُلُثَيْ دِرْهَمٍ لَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ فِيهِ أَيْضًا الْمُفَاوَضَةَ مُحَقِّقَةٌ مِنْ جِهَةِ مُقَابِلِهِ ثُلُثَيْ مُدٍّ بِنِصْفِ مُدٍّ فَلْيُتَأَمَّلْ. قَوْلِهِ: (فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى) يَعْنِي بَيْعَ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمَدَّيْنِ وَقِيمَةُ الْمُدِّ مَعَ الدِّرْهَمِ دِرْهَمَانِ أَوْ نِصْفُ دِرْهَمٍ وَيَعْنِي بِالثَّانِيَةِ بَيْعَ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَقِيمَةُ الْمُدِّ دِرْهَمَانِ أَوْ نِصْفُ دِرْهَمٍ. قَوْلُهُ: (إنْ اسْتَوَتْ إلَخْ) هَذَا لَا يُنَافِي مَا سَلَفَ مِنْ اشْتِرَاطِ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا أَنْقَصَ مِنْ الصَّحِيحَةِ. قَوْلُهُ: (أَوْ مُكَسَّرَةً فَقَطْ) مِثَالُهُ بَاعَ دِرْهَمًا صَحِيحًا وَدِرْهَمًا مُكَسَّرًا بِدِرْهَمَيْنِ مُكَسَّرَيْنِ إنْ قُلْت قَضِيَّةُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ ثَابِتَةٌ فِي هَذَا الْمِثَالِ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُكَسَّرِ مُسْتَوِيَةً وَقَدْ سَلَفَ فِيمَا لَوْ بَاعَ الصِّحَاحَ وَالْمُكَسَّرَ بِهِمَا، وَاسْتَوَتْ قِيمَةُ الْمُكَسَّرِ أَنَّ الثَّابِتَ الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ قُلْت إذَا كَانَ الشَّرْطُ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ أَنْ يَكُونَ قِيمَةُ الْمُكَسَّرِ دُونَ الصَّحِيحِ لَزِمَ فِي مِثَالِنَا حَقِيقَةُ الْمُفَاضَلَةِ قَطْعًا نَظَرًا إلَى الصَّحِيحِ الَّذِي فِيهِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعِوَضَيْنِ فِي الْقِيمَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْمِثَالُ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (فَلَا بُطْلَانَ) أَيْ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَصَلَ) هُوَ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ الصَّفْقَةُ. وَلَا أَثَرَ هُنَا لِتَعَدُّدِهَا بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ كُلَّ صَفْقَةٍ قَدْ وُجِدَ فِيهَا ذَلِكَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ كَلَامِهِ. قَوْلُهُ: (أَوْ مَعْقِلِيٌّ جَازَ) .
стр. 631
فِي غَيْرِهِ فَوُجِّهَ بِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا.
بَابٌ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْبُيُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ. وَعَسْبٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَهُوَ ضِرَابُهُ) أَيْ طُرُوقُهُ لِلْأُنْثَى (وَيُقَالُ مَاؤُهُ، وَيُقَالُ أُجْرَةُ ضِرَابِهِ) وَعَلَى الْأَوَّلَيْنِ يُقَدَّرُ فِي الْحَدِيثِ مُضَافٌ لِيَصِحَّ النَّهْيُ أَيْ نَهَى عَنْ بَدَلِ عَسْبِ الْفَحْلِ مِنْ أُجْرَةِ ضِرَابِهِ أَوْ ثَمَنِ مَائِهِ أَيْ بَذْلِ ذَلِكَ وَأَخْذُهُ. (فَيَحْرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ وَكَذَا أُجْرَتُهُ) لِلضِّرَابِ (فِي الْأَصَحِّ) عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي النَّهْيِ مِنْ التَّحْرِيمِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَاءَ الْفَحْلِ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَضِرَابُهُ لِتَعَلُّقِهِ بِاخْتِيَارِهِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ جَوَازُ اسْتِئْجَارِهِ لِلضِّرَابِ كَالِاسْتِئْجَارِ لِتَلْقِيحِ النَّخْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبُ الْأُنْثَى صَاحِبَ الْفَحْلِ شَيْئًا هَدِيَّةً وَالْإِعَارَةُ لِلضِّرَابِ مَحْبُوبَةٌ. (وَعَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوحِدَةِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ (وَهُوَ نِتَاجُ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَالطِّحَالُ وَالْقَلْبُ وَالْآلِيَّةُ وَجِلْدُ صَغِيرٍ يُؤْكَلُ وَسَمَكٌ وَجَرَادٌ لَا رُوحَ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (بِالْحَيَوَانِ) وَمِنْهُ جَرَادٌ وَسَمَكٌ لَمْ يَمُوتَا وَإِنْ جَازَ الْبَيْعُ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّي. قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) شَمِلَ الْآدَمِيَّ.
بَابٌ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْبُيُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ ، وَلَعَلَّهَا لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَلَمْ يَحْمِلُوا غَيْرَهَا عَلَيْهَا وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالْفَسَادُ إنْ رَجَعَ لِذَاتِ الشَّيْءِ بِفَقْدِ رُكْنٍ، أَوْ لِخَارِجٍ لَازِمٍ لَهُ بِفَقْدِ شَرْطٍ، وَإِلَّا فَالتَّحْرِيمُ فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي. كَذَا قَالُوا وَيُرَدُّ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالْجَهْلِ بِالْأَجَلِ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ فَتَأَمَّلْهُ. وَالْإِثْمُ عَلَى الْعَامِدِ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ الْمُقَصِّرِ. نَعَمْ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ كَمُلَاعَبَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ اضْطِرَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَا حُرْمَةَ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ ضِرَابُهُ) قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ الْأَشْهُرُ. قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ أُجْرَةُ ضِرَابِهِ) أَيْ اسْتِئْجَارِهِ لِلضِّرَابِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (مُضَافٌ) هُوَ لِلْجِنْسِ إذْ الْمُقَدَّرُ مُضَافَانِ. قَوْلُهُ: (لِيَصِحَّ النَّهْيُ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ. قَوْلُهُ: (ثَمَنُ مَائِهِ) أَيْ دَفْعِهِ وَأَخْذِهِ كَمَا عُلِمَ. قَوْلُهُ: (لِتَعَلُّقِهِ بِاخْتِيَارِهِ إلَخْ) وَالْإِنْزَاءُ كَالضِّرَابِ أَوْ هُوَ عَيْنُهُ، وَمَا قِيلَ مِنْ صِحَّةِ اسْتِئْجَارِهِ لِلْإِنْزَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً فَلَهُ حِينَئِذٍ إنْزَاؤُهُ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ حَيْثُ اُضْطُرَّ إلَيْهِ أَهْلُ نَاحِيَةٍ وَعَلَيْهَا حُمِلَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ مَنْعَهُ كَبِيرَةٌ. قَوْلُهُ: (وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ إلَى آخِرِهِ) وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِعْلَ الْأَجِيرِ فِي التَّلْقِيحِ مِنْ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ عَيْنٌ حَتَّى لَوْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ فَسَدَ الْعَقْدُ. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ) أَيْ يُسْتَحَبُّ. قَوْلُهُ: (مَحْبُوبَةٌ) أَيْ
ــ
[حاشية عميرة]
تَتِمَّةٌ: لَوْ بَاعَ فِضَّةً مَغْشُوشَةً بِمِثْلِهَا أَوْ بِخَالِصَةٍ إنْ كَانَ الْغِشُّ قَدْرًا يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ امْتَنَعَ وَإِلَّا جَازَ.
[بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ]
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ إلَخْ) مِنْ هَذَا الْمَعْنَى اُسْتُنْبِطَ مَنْعُ بَيْعِ السِّمْسِمِ بِدُهْنِهِ أَوْ كُسْبِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. تَتِمَّةٌ: بَيْعُ التَّمْرِ بِطَلْعِ الذُّكُورِ جَائِزٌ دُونَ طَلْعِ الْإِنَاثِ. قَوْلُهُ: (أَيْضًا بِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى مُخَصَّصًا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَالْأَوَّلُ تَمَسُّكٌ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَكِنْ عُمُومُهُ فِي لَفْظِ الرَّاوِي وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
[بَيْع عَسْبِ الْفَحْلِ]
بَابُ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَهُوَ ضِرَابُهُ وَيُقَالُ مَاؤُهُ) اسْتَدَلَّ لَهُمَا بِقَوْلِهِ:
وَلَوْلَا عَسْبُهُ لَرُدْتُمُوهُ ... وَشَرُّ مَنِيحَةِ فَحْلٍ يُعَارُ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُقَالُ أُجْرَةُ ضِرَابِهِ) هَذَا التَّفْسِيرُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجَوْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: (أَوْ ثَمَنِ مَائِهِ) قَدْ وَرَدَ التَّصْحِيحُ بِالنَّهْيِ مِنْ ثَمَنِهِ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ. قَوْلُهُ: (كَالِاسْتِئْجَارِ لِتَلْقِيحِ النَّخْلِ) رُدَّ بِأَنَّ الْأَجِيرَ قَادِرٌ عَلَى التَّلْقِيحِ، وَلَا عَيْنَ عَلَيْهِ إذْ لَوْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ فَسَدَ الْعَقْدُ. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَعَنْ حَبَلِ) هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى
стр. 632
النِّتَاجِ بِأَنْ يَبِيعَ نِتَاجَ النِّتَاجِ أَوْ بِثَمَنٍ إلَى نِتَاجِ النِّتَاجِ) أَيْ إلَى أَنْ تَلِدَ هَذِهِ الدَّابَّةُ وَيَلِدَ وَلَدُهَا، فَوَلَدُ وَلَدِهَا نِتَاجُ النِّتَاجِ، وَهُوَ بِكَسْرِ النُّونِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ كَالْجَوْهَرِيِّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ، يُقَالُ نُتِجَتْ النَّاقَةُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ نِتَاجًا بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ وَلَدَتْ، وَبُطْلَانُ الْبَيْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ النَّهْيِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَعَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ. (وَعَنْ الْمَلَاقِيحِ) وَهِيَ مَا فِي الْبُطُونِ مِنْ الْأَجِنَّةِ (وَالْمَضَامِينِ وَهِيَ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ) مِنْ الْمَاءِ رَوَى النَّهْيَ عَنْ بَيْعِهِمَا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا وَالْبَزَّارُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا وَبُطْلَانُ الْبَيْعِ فِيهِمَا لِمَا عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ
(وَالْمُلَامَسَةُ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: وَالْمُنَابَذَةُ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: «نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ: الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ» . (بِأَنْ يَلْمِسَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا (ثَوْبًا مَطْوِيًّا) أَوْ فِي ظُلْمَةٍ (ثُمَّ يَشْتَرِيهِ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُ إذَا رَآهُ) اكْتِفَاءً بِلَمْسِهِ عَنْ رُؤْيَتِهِ (أَوْ يَقُولُ إذَا لَمَسْتَهُ فَقَدْ بِعْتُكَهُ) اكْتِفَاءً بِلَمْسِهِ عَنْ الصِّيغَةِ
ــ
[حاشية قليوبي]
مَنْدُوبَةٌ خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمَنْعُهَا مَكْرُوهٌ، وَقَدْ تَجِبُ إذَا تَعَيَّنَتْ فِي مَحَلٍّ وَمَنْعُهَا حَرَامٌ حِينَئِذٍ وَتَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ) أَيْ فِي اللَّفْظَيْنِ وَغَلِطَ مَنْ سَكَّنَهَا فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا. وَكَلَامُ الشَّارِحِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَبَلَةَ مُفْرَدٌ فَهَاؤُهُ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّأْنِيثِ. وَقِيلَ جَمْعٌ مُفْرَدُهُ حَابِلٌ كَنَقَلَةٍ وَنَاقِلٍ. وَفِيمَا ذُكِرَ إطْلَاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَإِطْلَاقُ الْحَبَلِ عَلَى غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَجَازٌ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَبِيعَ إلَخْ) هَذَا تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِثَمَنٍ إلَخْ) هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄. قَوْلُهُ: (نِتَاجِ) هُوَ مَصْدَرُ نُتِجَ بِضَمِّ النُّونِ وَلَا يُقَالُ إلَّا كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ بِالْقَلَمِ وَفِيهِ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ عُرْفُ الْفُقَهَاءِ أَوْ أَنَّهُ لُغَةٌ أُخْرَى. قَوْلُهُ: (وَعَنْ الْمَلَاقِيحِ) وَيُقَالُ لَهَا مُجْرٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَهِيَ جَمْعُ مَلْقُوحَةٍ أَيْ مَلْقُوحٍ بِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ لُقِّحَتْ النَّاقَةُ بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ حَمَلَتْ فَهِيَ لَاقِحٌ، أَيْ حَامِلٌ، وَتَفْسِيرُهُ بِأَنَّهُ جَنِينُ النَّاقَةِ يُفِيدُ شُمُولَهُ لِلذَّكَرِ فَهَاؤُهُ فِيمَا مَرَّ لِلْوِحْدَةِ. قَوْلُهُ: (مَا فِي الْبُطُونِ) أَيْ بُطُونِ الْإِبِلِ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُرَادُ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (وَالْمَضَامِينُ) جَمْعُ مِضْمَانٍ كَمِفْتَاحٍ أَوْ مَضْمُونٍ كَمَجْنُونٍ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْدَعَهَا ظُهُورَهَا فَكَأَنَّهَا ضَمِنَتْهَا. قَوْلُهُ: (مِنْ الْمَاءِ) فَإِعَادَتُهَا مَعَ عِلْمِهَا مِنْ عَسْبِ الْفَحْلِ لِإِفَادَةِ أَنَّهَا تُسَمَّى بِذَلِكَ أَوْ أَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ بِاللَّفْظَيْنِ أَوْ لِلتَّقَابُلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا ذَاتًا، وَمَحَلًّا إذْ هِيَ لِمَاءٍ فِي ظُهُورِ الذُّكُورِ وَمَا قَبْلهَا لِمَاءٍ فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ. وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّ هَذَا لِمَا يُبَاعُ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ رُؤْيَتِهِ) فَيَبْطُلُ هُنَا قَطْعًا، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَاللَّمْسِ لَا يَقُومُ مَقَامَ النَّظَرِ شَرْعًا وَلَا عَادَةً. قَوْلُهُ: (عَنْ الصِّيغَةِ) أَيْ عَنْ الْقَبُولِ فِيهَا أَوْ عَنْ الْإِيجَابِ وَحْدَهُ إنْ قَبِلَ أَوْ عَنْهُمَا مَعًا. وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلٌ لِلْأَخِيرَيْنِ. وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنْ يَجْعَلَا بِمَعْنَى يَقُولَا وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ قَبُولًا وَلَا إيجَابًا لِتَقَدُّمِهِ عَلَى وَقْتِهِ أَوْ أَنَّهُ فَاسِدٌ لِتَعْلِيقِهِ فَهُوَ كَالْعَدَمِ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَلْمِسَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا. قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَمَا اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ مِنْ الْفَتْحِ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهَا فِي الْمَاضِي مَفْتُوحَةٌ وَلَيْسَتْ حَرْفَ حَلْقٍ اهـ.
وَنَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ فِي بَابِ الْإِحْدَاثِ الْكَسْرَ فِي الْمَاضِي، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ
ــ
[حاشية عميرة]
الْمَفْعُولِ وَإِطْلَاقُهُ مُخْتَصٌّ بِالْآدَمِيَّاتِ، فَفِيهِ تَجَوُّزٌ مِنْ وَجْهَيْنِ وَالْحَبَلَةُ جَمْعُ حَابِلٍ كَفَاسِقٍ وَفَسَقَةٍ وَقِيلَ مُفْرَدٌ. قَوْلُهُ: (بِلَفْظِ نَهْيٍ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: عِبَارَةُ الْكِتَابِ تُوهِمُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي النَّهْيِ التَّصْرِيحُ بِالْبَيْعِ فِي حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَالْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، كَمَا لَمْ يَرِدْ التَّصْرِيحُ فِي الْعَسْبِ قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ وَرَدَ فِي الْكُلِّ النَّهْيُ وَسَيُشِيرُ الشَّارِحُ ﵀ فِي الْجَمِيعِ اهـ.
وَفِي الْقُوتِ رِوَايَةٌ عَنْ مُسْلِمٍ نَهَى عَنْ بَدِيعِ ضِرَابِ الْفَحْلِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِأَنْ يَبِيعَ نِتَاجَ النِّتَاجِ) صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك وَلَدُ مَا تَلِدُهُ هَذِهِ. قَوْلُهُ: (بِثَمَنٍ إلَخْ) هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ وَأَخَذَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوَّلُ تَفْسِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ بِالْقَلَمِ قَالَ غَيْرُهُ بِفَتْحِ النُّونِ قَالَ وَلَعَلَّهُ بِالْكَسْرِ لُغَةٌ أُخْرَى. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَهِيَ مَا فِي الْبُطُونِ إلَخْ) هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْإِبِلِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْمَضَامِينِ) فَسَّرَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ ضِرَابِ الْفَحْلِ مِنْ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ مَثَلًا وَنَحْوُهُ فِي الْقُوتِ.
[بَيْع الْمُلَامَسَةُ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ يَقُولَ إلَخْ) عَلَّلَ الْإِمَامُ بُطْلَانَهُ بِالتَّعْلِيقِ وَالْعُدُولِ عَنْ الصِّيغَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيَّنَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّهُ إنْ جُعِلَ اللَّمْسُ شَرْطًا فَبُطْلَانُهُ لِلتَّعْلِيقِ وَإِنْ جُعِلَ ذَلِكَ بَيْعًا فَلِفَقْدِ الصِّيغَةِ. قَوْلُهُ: (اكْتِفَاءً بِلَمْسِهِ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونَانِ قَدْ جَعَلَا اللَّمْسَ بَيْعًا.
[بَيْع الْمُنَابَذَةُ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِأَنْ يَجْعَلَا
стр. 633
أَوْ يَبِيعَهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمَسَهُ لَزِمَ الْبَيْعُ وَانْقَطَعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَغَيْرُهُ.
(وَالْمُنَابَذَةُ) بِالْمُعْجَمَةِ (بِأَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا) اكْتِفَاءً بِهِ عَنْ الصِّيغَةِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: أَنْبِذُ إلَيْك ثَوْبِي بِعَشَرَةٍ، فَيَأْخُذَهُ الْآخَرُ أَوْ يَقُولُ: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا عَلَى أَنِّي إذَا نَبَذْته إلَيْكَ لَزِمَ الْبَيْعُ وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ وَالْبُطْلَانُ فِيهِمَا لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ أَوْ عَدَمِ الصِّيغَةِ أَوْ لِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ. «وَبَيْعُ الْحَصَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الْأَثْوَابِ مَا تَقَعُ هَذِهِ الْحَصَاةُ عَلَيْهِ أَوْ يَجْعَلَا الرَّمْيَ) لَهَا (بَيْعًا) اكْتِفَاءً بِهِ عَنْ الصِّيغَةِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: إذَا رَمَيْت هَذِهِ الْحَصَاةَ فَهَذَا الثَّوْبُ مَبِيعٌ مِنْك بِعَشَرَةٍ. (أَوْ) يَقُولُ (بِعْتُك وَلَك الْخِيَارُ إلَى رَمْيِهَا) وَالْبُطْلَانُ فِي ذَلِكَ لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ أَوْ بِزَمَنِ الْخِيَارِ أَوْ لِعَدَمِ الصِّيغَةِ (وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (بِأَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ) هَذَا (بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ) فَخُذْ بِأَيِّهِمَا شِئْت، أَوْ شِئْت أَنَا (أَوْ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا) أَوْ تَشْتَرِيَ مِنِّي دَارِي بِكَذَا، وَالْبُطْلَانُ فِي ذَلِكَ لِلْجَهْلِ بِالْعِوَضِ فِي الْأَوَّلِ وَلِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ فِي الثَّانِي كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ (وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ) رَوَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطٌ وَبَيْعٌ» (كَبَيْعٍ بِشَرْطِ
ــ
[حاشية قليوبي]
الْمُضَارِعُ بِالْفَتْحِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (أَوْ يَبِيعَهُ) أَيْ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَالْفَسَادُ فِي هَذِهِ لِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَقُولُ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى يَجْعَلَا إذْ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْمُنَابَذَةِ. وَقَدْ صَوَّرَهَا ابْنُ حَجَرٍ فِيهَا بِقَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَهُ بِشَرْطِ قِيَامِ نَبْذِهِ مَقَامَ رُؤْيَتِك.
قَوْلُهُ: (لِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ) اعْتَرَضَ فَسَادُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بَلْ قَطْعُهُ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ غَيْرُ مُضِرٍّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لَا يَقْطَعُهُ إلَّا التَّفَرُّقُ أَوْ اللَّفْظُ بِنَحْوِ اخْتَرْنَا لُزُومَهُ، وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَفَسَدَ لِعَدَمِ إفَادَتِهِ، أَوْ لِقَطْعِهِ خِيَارَ الْعَيْبِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَغَيْرُهُ وَهُوَ لَا يَنْقَطِعُ لِأَنَّ الرَّدَّ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاعِ عَلَيْهِ أَوْ لِقَطْعِهِ خِيَارَ الشَّرْطِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلَك الْخِيَارُ إلَى كَذَا، أَوْ لِقَطْعِهِ مُطْلَقَ الْخِيَارِ الشَّامِلَ لِجَمِيعِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ. وَلَعَلَّ الْوَاوَ فِي غَيْرِهِ بِمَعْنَى أَوْ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَافٍ فِي الْبُطْلَانِ، إمَّا لِلتَّعْلِيقِ إنْ جُعِلَ اللَّمْسُ شَرْطًا وَإِلَّا فَلِلْعُدُولِ عَنْ الصِّيغَةِ الشَّرْطِيَّةِ. قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ إلَخْ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَجْعَلَا فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى بِعْتُك إذْ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَا إلَخْ فَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ صَحِيحٌ إنْ وَقَعَ اللَّفْظُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ حَيْثُ اتِّفَاقِهِمَا إنْ لَمْ يَقْبَلْ لَفْظًا وَلَا يُعْتَمَدُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لِلتَّعْلِيقِ أَوْ عَدَمِ الْقَبُولِ. قَوْلُهُ: (فَهَذَا الثَّوْبُ إلَخْ) اُسْتُفِيدَ مِنْ الْفَاءِ أَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ فَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ فَلَوْ جَعَلَهُ ابْتِدَاءً صِيغَةً وَقَبِلَ الْآخَرُ فَلَا تَبْعُدُ الصِّحَّةُ. قَوْلُهُ: (أَوْ يَقُولُ بِعْتُك) أَشَارَ إلَى أَنَّ بِعْتُك عَطْفٌ عَلَى بِعْتُك الْأَوَّلِ وَجُمْلَةُ يَجْعَلَا إلَخْ فَاصِلَةٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ فَصْلٌ جَائِزٌ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَمِلْت قَبْلَهُ فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ يَجْعَلَا عَطْفًا عَلَى يَقُولَ، وَأَنْ يَكُونَ بِعْتُك عَطْفًا عَلَى الرَّمْيِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ) أَيْ فِي الْأُولَى أَوْ بِزَمَنِ الْخِيَارِ فِي الثَّالِثَةِ، وَفِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الثَّانِيَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ كَانَ الْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ ذَلِكَ أَوْ لِأَجْلِ الِاخْتِصَارِ بِإِسْقَاطِ لَفْظَةِ الْجَهْلِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ) أَيْ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ فَلَا تَجُوزُ. قَوْلُهُ: (بِأَلْفَيْنِ) وَالْفَاءُ وَثُمَّ مِثْلُ أَوْ بِخِلَافِ الْوَاوِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ مِنْهَا أَلْفَانِ مُؤَجَّلَةٌ. قَوْلُهُ: (وَلِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الْبَيْعَتَيْنِ فَلِمَ أَخَّرَهُ عَمَّا بَعْدَهُ لَكَانَ أَوْلَى، وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ الثَّانِي فَفِيهِ مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (سَلَفٌ وَبَيْعٌ)
ــ
[حاشية عميرة]
النَّبْذَ) هُوَ الطَّرْحُ وَالْإِلْقَاءُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: اخْتِلَافُ الْمُعَاطَاةِ يَجْرِي هُنَا وَاعْتَرَضَهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الْفِعْلَ هُنَا خَالٍ عَنْ قَرِينَةِ الْبَيْعِ، وَلَمْ تُعْلَمْ قَرِينَةُ الْبَيْعِ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ أَنْبِذُ إلَيْك ثَوْبِي بِخِلَافِ الْفِعْلِ فِي الْمُعَاطَاةِ فَإِنَّهُ كَالْمَوْضُوعِ عُرْفًا لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَوْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ لَا نَقُولُ بِهِ هُنَا فِي الْمُلَامَسَةِ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا أَنْ يَقُومَ اللَّمْسُ مَقَامَ النَّظَرِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ الْبُطْلَانُ عَلَى خِلَافِ الصِّحَّةِ عِنْدَ نَفْيِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ فِيهِ الْبُطْلَانُ لِوُرُودِ النَّهْيِ هُنَا أَقُولُ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ الشَّارِحُ فِيمَا مَضَى بِقَوْلِهِ اكْتِفَاءً بِلَمْسِهِ عَنْ رُؤْيَتِهِ. قَوْلُهُ: (إذَا رَمَيْت إلَخْ) يَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِضَمِّ التَّاءِ وَبِفَتْحِهَا، وَكَذَا كُلُّ صُوَرِهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ رَمْيِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي. قَوْلُهُ: (أَوْ يَقُولَ) قِيلَ كَانَ الصَّوَابُ التَّصْرِيحُ بِيَقُولَ إرْشَادًا إلَى عَطْفِهِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ كَانَ يُقَدِّمُهُ عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِعَدَمِ الصِّيغَةِ) بِهِ تَعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي صُورَتِهَا السَّابِقَةِ فَهَذَا الثَّوْبُ مَبِيعٌ مِنْك بِعَشَرَةٍ الْغَرَضُ مِنْهُ الْإِخْبَارُ لَا الْإِنْشَاءُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ بِعْتُك إلَخْ) هَذَا التَّفْسِيرُ وَمَا قَبْلُهُ ذَكَرَهُمَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁. قَوْلُهُ:
стр. 634
بَيْعٍ) كَمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ قَرْضٍ) كَأَنْ يَبِيعَهُ عَبْدَهُ بِأَلْفٍ بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ مِائَةً. وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَلْفَ وَرَفَقَ الْعَقْدَ الثَّانِي ثَمَنًا. وَاشْتِرَاطُ الْعَقْدِ الثَّانِي فَاسِدٌ فَبَطَلَ بَعْضُ الثَّمَنِ وَلَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ حَتَّى يَفْرِضَ التَّوْزِيعَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْبَاقِي فَبَطَلَ الْعَقْدُ.
(وَلَوْ اشْتَرَى زَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ) بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا (أَوْ ثَوْبًا وَيَخِيطَهُ) الْبَائِعُ أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَخِيطَهُ (فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ) أَيْ الشِّرَاءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى شَرْطِ عَمَلٍ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ. وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيَلْزَمُ الشَّرْطُ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ يُوَزِّعُ الْمُسَمَّى عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ. وَالثَّالِثُ يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِمَا يُقَابِلُ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُسَمَّى، وَهَذَا حَاصِلُ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَصَحُّهَا بُطْلَانُ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ وَالثَّانِيَةُ فِيهِمَا الْقَوْلَانِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَالثَّالِثَةُ يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَفِي الْبَيْعِ قَوْلُ تَفْرِيقِ الصِّفَةِ (وَيُسْتَثْنَى) مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ (صُوَرٌ) تَصِحُّ لِمَا سَيَأْتِي (كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَوْ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ أَوْ بِشَرْطِ قَطْعِ الثَّمَرِ) وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَحَالِّهِ (وَالْأَجَلِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ الْمُعَيَّنَاتِ الثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ) أَمَّا الْأَجَلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] . أَيْ مُعَيَّنٍ. ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
ــ
[حاشية قليوبي]
أَيْ قَرْضٌ وَبَيْعٌ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْقَرْضِ عَقْدَهُ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ عَقْدَيْنِ جَائِزٍ وَلَازِمٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، أَوْ الْمُرَادُ شَرْطُ الْقَرْضِ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ بَيْعٍ وَشَرْطُ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (قَرْضٌ) وَمِثْلُهُ الْإِجَارَةُ وَالتَّزْوِيجُ. قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ) فَلَوْ قَالَ فِي جَوَابِهِ: قَبِلْت الْبَيْعَ وَأَقْرَضْتُك الْمِائَةَ فَبَاطِلٌ أَيْضًا. وَلَوْ وَقَعَ عَقْدُ قَرْضٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَا بُطْلَانَ الشَّرْطِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا. كَذَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي الصِّحَّةُ مُطْلَقًا نَظَرًا لِلْوَاقِعِ مَعَ تَمَامِ الصِّيغَةِ وَلَا يَضُرُّ اعْتِقَادُ تَرَتُّبِهِ عَلَى الشَّرْطِ السَّابِقِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْفَسَادِ غَيْرُ مُضِرٍّ كَمَا فِي بَيْعِ مَالِ مُوَرِّثِهِ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ) أَوْ وَيَحْصُدَهُ أَوْ يَحْصُدَهُ بِغَيْرِ وَاوٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَحْصُدَهُ. وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي وَيَخِيطَهُ. وَخَرَجَ بِذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ كَاحْصُدْهُ وَخِطْهُ فَلَا يَضُرُّ. قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ كَابْنِ حَجَرٍ إلَّا إنْ أَرَادَ الشَّرْطِيَّةَ. وَمِثْلُ ذَلِكَ شِرَاءُ نَحْوِ حَطَبٍ بِشَرْطِ حَمْلِهِ لِمَنْزِلِهِ وَإِنْ عُرِفَ أَوْ بِطِّيخَةٍ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (الْبَائِعُ) وَمِثْلُهُ الْأَجْنَبِيُّ فَإِنَّ شَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ الشَّارِطُ الْبَائِعَ خِلَافًا لِظَاهِرِ مَا فِي الْعُبَابِ. قَوْلُهُ: (فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ) أَيْ الْآنَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَا يَحْصُلُ لَهُ الْمِلْكُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الصِّيغَةِ وَالضَّمِيرُ فِي يَمْلِكُهُ عَائِدٌ لِلْمُشْتَرِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ عَمَلًا فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْبَائِعُ بَعْدَ تَمَامِ الصِّيغَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي عَمَلًا فِيمَا يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ غَيْرُ الْمَبِيعِ بَطَلَ الْعَقْدُ قَطْعًا إذْ لَا تَبَعِيَّةَ. قَوْلُهُ: (بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ) وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مُدَّةٍ وَلَا عَمَلٌ مَعْلُومٌ. قَوْلُهُ: (الطُّرُقُ الثَّلَاثَةُ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْمَذْهَبِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إلَى تَرْجِيحِ طَرِيقِ الْخِلَافِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ اصْطِلَاحِهِ وَبِأَنَّ الرَّاجِحَ طَرِيقُ الْقَطْعِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى مِنْ النَّهْيِ) لَعَلَّ الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَالْأَجَلُ) أَيْ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيِّ كَمَا مَرَّ فَيَصِحُّ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ بَعْدَ بَقَاءِ الْعَاقِدِينَ إلَيْهِ لِأَنَّ وَارِثَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، نَعَمْ إنَّ بَعْدَ بَقَاءِ الدُّنْيَا إلَيْهِ كَأَلْفِ سَنَةٍ لَمْ يَصِحَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَفِيلُ) أَيْ الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بِالْبَائِعِ لِمَبِيعٍ فِي ذِمَّتِهِ بِأَنْ شَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَكْفُلَهُ فِي الثَّمَنِ الَّذِي عَلَيْهِ شَخْصٌ آخَرُ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ نَحْوُ هَذَا الشَّخْصِ أَوْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ. وَكَذَا الْمُشْتَرِي وَاقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ. وَخَرَجَ بِذَلِكَ شَرْطُ كَفَالَةِ
ــ
[حاشية عميرة]
وَلِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِكُلٍّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ) مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اشْتَرَيْت هَذَا الْحَطَبَ بِشَرْطِ أَنْ تَحْمِلَهُ إلَى الْبَيْتِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْتُ مَعْرُوفًا أَمْ لَا، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ حَمْلَ الْبِطِّيخَةِ الْمُشْتَرَاةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَسْأَلَةُ الْبِطِّيخَةِ تَقَعُ كَثِيرًا فَلْيُحْتَرَزْ عَنْهَا. قَوْلُهُ: (أَوْ بِشَرْطِ) أَوْ بِالْأَوْلَى. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. قَوْلُهُ: (أَصَحُّهَا إلَخْ) مِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالْأَصَحِّ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ الْمَسْأَلَةُ ذَاتُ طُرُقٍ الثَّانِي أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْأَصَحِّ يَقْتَضِي قُوَّةَ الْخِلَافِ مَعَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الرَّاجِحَ طَرِيقُ الْقَطْعِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسْتَثْنَى) هَذِهِ الْأُمُورُ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالرُّخَصِ فِي الْعِبَادَاتِ فَيَتْبَعُ فِيهَا تَوْقِيفَ الشَّارِعِ وَلَا تَتَعَدَّى لِكُلِّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْكَفِيلِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: سُئِلَ النَّوَوِيُّ ﵀ عَنْ مُوَافَقَتِهِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَتَصْوِيبِهِ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ فِيمَا لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ مِقْدَارٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَعَيَّنَ مَكَانَهُ مِنْ الْمُصْحَفِ بِالْمُشَاهَدَةِ مُعَلِّلًا بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ السُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ) لَوْ بَاعَ مِنْ
стр. 635
وَأَمَّا الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ فَلِلْحَاجَةِ إلَيْهِمَا فِي مُعَامَلَةِ مَنْ لَا يَرْضَى إلَّا بِهِمَا. وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الرَّهْنِ غَيْرَ الْمَبِيعِ فَإِنْ شَرَطَ رَهْنَهُ بِالثَّمَنِ بَطَلَ الْبَيْعُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى شَرْطِ رَهْنٍ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ وَالتَّعْيِينُ فِي الرَّهْنِ بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ الْوَصْفِ بِصِفَاتِ السَّلَمِ، وَفِي الْكَفِيلِ بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَلَا يَكْفِي الْوَصْفُ كَمُوسِرٍ ثِقَةٍ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا هُوَ النَّقْلُ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الِاكْتِفَاءُ بِالْوَصْفِ أَوْلَى مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِمُشَاهَدَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لَمْ يَكُنْ مُبْعِدًا، وَسَكَتَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ. وَتَقْيِيدُ الثَّمَنِ بِكَوْنِهِ فِي الذِّمَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُعَيَّنِ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَنْ تُسَلِّمَهَا لِي فِي وَقْتِ كَذَا أَوْ تَرْهَنَ بِهَا كَذَا أَوْ يَضْمَنَكَ بِهَا فُلَانٌ فَإِنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي الْأَجَلِ لِأَنَّهُ رِفْقٌ أُثْبِتَ لِتَحْصِيلِ الْحَقِّ فِي الْمُدَّةِ وَالْمُعَيَّنُ حَاصِلٌ. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي التَّكَلُّمِ عَنْ أَلْفَاظِ الْوَجِيزِ الرَّهْنَ وَالْكَفِيلَ، وَيُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إنَّهُ رِفْقٌ شُرِعَ لِتَحْصِيلِ الْحَقِّ وَالْمُعِينُ حَاصِلٌ. فَشَرْطُ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مَعَهُ فِي غَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ.
(وَالْإِشْهَادُ) لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْآيَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الشُّهُودِ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ كَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِتَفَاوُتِ الْأَغْرَاضِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الشُّهُودِ فَإِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِأَيِّ
ــ
[حاشية قليوبي]
أَحَدِهِمَا لِأَجْنَبِيٍّ فَبَاطِلٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْوَسِيطِ لَوْ بَاعَ عَيْنًا مِنْ اثْنَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَضَامَنَا بَطَلَ الْعَقْدُ لِمَا فِيهِ مِنْ شَرْطِ ضَمَانِ الْعَاقِدِ أَجْنَبِيًّا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْآخَرِ. قَالَ فِي الرَّوْضِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَيَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ شَيْخِنَا بِأَنْ يَبِيعَ اثْنَانِ عَيْنًا لِشَخْصٍ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَيَشْتَرِطُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ يَضْمَنُهُ لَهُ لِأَنَّ عَكْسَ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي لِغَيْرِهِ ضَمَانُ غَيْرِهِ لَهُ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ فِي الْخَادِمِ وَتَصْوِيرُ بَعْضِهِمْ بِأَنْ يَبِيعَ اثْنَانِ عَيْنًا لِشَخْصٍ، وَيَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَضْمَنَ صَاحِبَهُ أَوْ أَنْ يَضْمَنَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ فَاسِدٌ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ وَرَاجِعْهُ. فَرْعٌ: فِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْته بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ زَيْدٌ إلَى شَهْرٍ صَحَّ وَإِذَا ضَمِنَهُ زَيْدٌ مُؤَجَّلًا ثَبَتَ الْأَجَلُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ الْمُشْتَرِي اهـ. فَانْظُرْهُ وَتَأَمَّلْ مَعْنَاهُ. قَوْلُهُ: (عَلَى شَرْطِ رَهْنٍ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ) أَيْ الْآنَ، فَلَوْ رَهَنَهُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْبَائِعِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَبَعْدَ قَبْضِهِ وَلَوْ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا.
قَوْلُهُ: (فِي الرَّهْنِ بِالْمُشَاهَدَةِ) أَيْ فِي الْمُعَيَّنِ أَوْ الْوَصْفِ فِيمَا فِي الذِّمَّةِ وَاكْتُفِيَ فِي الْكَفِيلِ بِالْمُشَاهَدَةِ لِأَدَائِهَا غَالِبًا إلَى مَعْرِفَةِ حَالِ الشَّخْصِ صُعُوبَةً وَسُهُولَةً، وَبِهَذَا فَارَقَ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِمُشَاهَدَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّدَاقِ الَّذِي اعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ. وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ الْقُرْآنَ هُنَاكَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَهُوَ يُحْتَاطُ لَهُ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّارِطَ هُنَا مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الْبَحْثِ فِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّافِعِيُّ إلَخْ) أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَحْرَارَ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ وَلَا يُعْتَرَضُ بِالرَّقِيقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ لِقَوْلِهِ مُوسِرٌ ثِقَةٌ أَوْ يُقَالُ الضَّامِنُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ مِنْ حَيْثُ الضَّمَانِ وَإِنْ دَخَلَ مِنْ حَيْثُ الرِّقِّ. قَوْلُهُ: (أَوْ يَضْمَنُك إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لِمَ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ كَمَا فِي الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِغَصْبٍ وَنَحْوِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ ضَمَانَ الدَّرْكِ فَهُوَ هُنَا صَحِيحٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَهُ فَمَمْنُوعٌ وَضَمَانُ الْأَعْيَانِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا هُوَ الرَّدُّ لِأَهْلِهَا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ) وَمِثْلُهُ الْعَقْدُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ رِفْقٌ) أَيْ لِأَنَّ الْأَجَلَ الْمَشْرُوطَ رِفْقٌ إلَخْ. وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لِتَأْخِيرِ الْحَقِّ لَا لِتَحْصِيلِهِ فَتَأَمَّلْ. نَعَمْ إنْ تَلِفَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ فَلَا خِيَارَ لِفَوَاتِ رَدِّ مَا تَلِفَ فَتَأَمَّلْهُ. وَيُصَدَّقُ الرَّاهِنُ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ إنْ أَمْكَنَ.
تَنْبِيهٌ: الْأَجَلُ لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ لِأَنَّهُمَا مُسْتَقِلَّانِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْإِشْهَادَ كَذَلِكَ رَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَالْإِشْهَادُ) أَيْ عَلَى جَرَيَانِ الْعَقْدِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: (لِلْأَمْرِ بِهِ) وَصَرْفِهِ عَنْ وُجُوبِ الْإِجْمَاعِ وَهُوَ أَمْرٌ إرْشَادِيٌّ لَا ثَوَابَ فِيهِ إلَّا لِمَنْ قَصَدَ بِهِ الِامْتِثَالَ. كَذَا قِيلَ فَلْيُرَاجَعْ قَوْلُهُ: (هَلْ يَتَعَيَّنُونَ) وَالْأَصَحُّ عَدَمُ تَعَيُّنِهِمْ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضِ وَلَا أَثَرَ لِتَفَاوُتِ
ــ
[حاشية عميرة]
رَجُلَيْنِ سِلْعَةً بِأَلْفٍ وَشَرَطَ أَنْ يَتَضَامَنَا فِي الثَّمَنُ فَفِي كِتَابِ الضَّمَانِ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَالْوَسِيطِ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ صِحَّةِ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا لِغَيْرِهِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ جَلِيلَةٌ تَقَعُ بَيْنَ النَّاسِ كَثِيرًا فَلْيُتَفَطَّنْ لَهَا. قَوْلُهُ: (أَوْ الْوَصْفُ إلَخْ) قِيلَ هَذَا لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُمْ إنَّ رَهْنَ الْغَائِبِ كَبَيْعِهِ فَلَا يَكْفِي وَصْفُهُ قُلْت قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ صُورَتَهُ هُنَا مَعَ الذِّمَّةِ. قَوْلُهُ: (أَوْ يَضْمَنُك بِهَا فُلَانٌ) اعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ ضَمَانَ الْأَعْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَضْمُونَةِ صَحِيحٌ وَالثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ بِمَثَابَةِ الْمَبِيعِ فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ. قَوْلُهُ: (شُرِعَ لَهُ)
следующие страницы →