← Фикх шафии

Фикх шафии · id 2186

المجموع شرح المهذب - ط المنيرية

النووي

Полный текст (4 869 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَا يَجْتَهِدُ الْمُفْتِي إذَا وُجِدَ النَّصُّ وَكَمَا لَا يَجْتَهِدُ إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ عَنْ عِلْمٍ بِالْقِبْلَةِ وَوَقْتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ بَيَّنَ النَّجَاسَةَ قَبِلَ مِنْهُ: أَيْ لَزِمَهُ قَبُولُهُ (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يَقْبَلُ قَوْلَ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَحَمْلِ الْهَدِيَّةِ كَمَا يَقْبَلُ قَوْلَ الصَّبِيِّ فِيهِمَا وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ذَكَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَمِمَّنْ ذَكَرَهَا هُنَاكَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَقَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمَاسَرْجِسِيَّ يَقُولُ يُقْبَلُ قول الكافر في ذلك قلت ودليل هذا الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَ هَدَايَا الْكُفَّارِ (فَرْعٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَقْبَلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْأَعْمَى لِأَنَّ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِالْحِسِّ وَالْخَبَرِ: الْحِسُّ بِالْحَاءِ يَعْنِي يُدْرِكُهُ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَأَمَّا الْخَبَرُ فَهُوَ السَّمَاعُ مِنْ ثِقَةٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ واعلم أن اصحابنا وغير هم مِنْ الْفُقَهَاءِ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ وَالْمَعْرِفَةِ وَيُرِيدُونَ بِهِ الِاعْتِقَادَ الْقَوِيَّ سَوَاءٌ كَانَ عِلْمًا حَقِيقِيًّا أَوْ ظَنًّا وَهَذَا نَحْوُ مَا قَدَّمْنَاهُ في استعمالهم لفظ الشك والله أعلم قال المصنف ﵀ * (وان كان معه اناآن فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّ الْكَلْبَ وَلَغَ فِي أَحَدِهِمَا قَبِلَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَجْتَهِدْ لِأَنَّ الْخَبَرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ كَمَا نَقُولُهُ فِي الْقِبْلَةِ وَإِنْ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ وَلَغَ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ وَقَالَ آخَرُ بَلْ وَلَغَ فِي ذَاكَ دُونَ هَذَا حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِمَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا بِأَنْ يَكُونَ وَلَغَ فِيهِمَا فِي وَقْتَيْنِ وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا وَلَغَ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ وَلَغَ فِي ذَاكَ دُونَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ فَهُمَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمَا تَسْقُطَانِ سَقَطَ خَبَرُهُمَا وَجَازَتْ الطَّهَارَةُ بِهِمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَجَاسَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ قُلْنَا لَا تَسْقُطَانِ أَرَاقَهُمَا أَوْ صَبَّ أَحَدَهُمَا في الآخر ثم تيمم) (الشَّرْحُ) أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ إذَا أَخْبَرَهُ ثقة بولوغ الكلب في أحد الا نائين بعينه فصورتها أن يكون له اناآن يَعْلَمُ أَنَّ الْكَلْبَ وَلَغَ فِي أَحَدِهِمَا وَلَا يَعْلَمُ عَيْنَهُ كَذَا صَوَّرَهَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي حَرْمَلَةَ وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَكَذَا صَوَّرَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَهُوَ وَاضِحٌ فَيَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ وَطَهَارَةِ الْآخَرِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ

стр. 177

وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ: وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي ذَا وَثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي ذَاكَ فَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِمَا بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَحَرْمَلَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ من احتمال الولوغ وَقْتَيْنِ وَمَتَى أَمْكَنَ صِدْقُ الْمُخْبِرَيْنِ الثِّقَتَيْنِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِمَا: وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي ذَا دُونَ ذَاكَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مَثَلًا فَقَالَ الْآخَرُ بَلْ وَلَغَ فِي ذَاكَ دُونَ ذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهَا فَقَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهِمَا وَيَسْتَعْمِلُ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ لِأَنَّ الْمُخْبِرَيْنِ اتَّفَقَا عَلَى نَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ قَوْلِهِمَا وَقَطَعَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَجُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ تُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا أَصَحُّهُمَا تَسْقُطَانِ وَالثَّانِي يُسْتَعْمَلَانِ وَفِي الاستعمال ثلاثة أقوال أحدها بالقرعة والثانى يالقسمة وَالثَّالِث يُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحَ الْمُتَنَازِعَانِ قَالُوا إنْ قلنا يسقطان سقط خبر الثقبتين وبقى الماء على أصل الطهارة فيتوصأ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِمَا جَمِيعًا قَالُوا لِأَنَّ تَكَاذُبَهُمَا وَهَّنَ خَبَرَهُمَا وَلَا يُمْكِنُ العمل بقولهما للتعارض فسقط: قالو أو ان قُلْنَا تُسْتَعْمَلَانِ لَمْ يَجِئْ قَوْلُ الْقِسْمَةِ بِلَا خِلَافٍ وَامْتِنَاعُهُ وَاضِحٌ وَأَمَّا الْقُرْعَةُ فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بأنها لا تجئ أَيْضًا كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُذْهَبِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ وَجْهًا أَنَّهُ يُقْرِعُ وَيَتَوَضَّأُ بِمَا اقْتَضَتْ الْقُرْعَةُ طَهَارَتَهُ وَحَكَى هَذَا الْوَجْهَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ فَقَالَ وَيُمْكِنُ الْإِقْرَاعُ وَهُوَ شَاذٌّ ضعيف وأما الوقت فقد جزم المصنف بأنه لا يجئ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ يُرِيقُهُمَا وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا صَاحِبُهُ الشَّاشِيُّ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ وهو شاذ والصحيح الذى عليه الجمهور مجيئ الْوَقْفِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كتابيه المجموع والتجريد والبند نيجى وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ: وَالْبَحْرِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطيب وصاحب الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُمْ فَعَلَى هَذَا يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ مَحْكُومٌ بطهارته ووجه جريان الوقف أن لَيْسَ هُنَا مَا يَمْنَعُهُ بِخِلَافِ الْقِسْمَةِ وَالْقُرْعَةِ ووجه قول المصنف لا يجيئ الوقف القياس علي من اشتبه عليه اناآن وَاجْتَهَدَ وَتَحَيَّرَ فِيهِمَا فَإِنَّهُ يُرِيقُهُمَا وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ بِلَا إعَادَةٍ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي الْإِرَاقَةِ وَلَمْ يقولوا بالوقف فكذا هنا مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ

стр. 178

عَلَى جَمِيعِ أَقْوَالِ الِاسْتِعْمَالِ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُخْبِرَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَقْبُولٌ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى نَجَاسَةِ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ وَيُمَيَّزُ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِلتَّمْيِيزِ فِي هَذَا الْبَابِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَسَلَكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ طَرِيقَةً أُخْرَى انْفَرَدَ بِهَا فَقَالَ إذَا تَعَارَضَ خبراهما وكان أحد المخبرين أو ثق وَأَصْدَقَ عِنْدَهُ اعْتَمَدَهُ كَمَا إذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ واحد الراويتين أَوْثَقُ قَالَ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَلَا تَعَلُّقَ بِخَبَرِهِمَا هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَكْثَرَ رُجِّحَ وَعُمِلَ بِهِ وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَهُوَ الصحيح بل الصواب ولحالف فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَقَالَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَوِيَ الْمُخْبِرُونَ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ أَكْثَرَ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ وَهَذَا الَّذِي قاله ليس بشئ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَاتِ الَّتِي لَهَا نِصَابٌ لَا تَأْثِيرَ لِلزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَقَعُ فِيهَا تَرْجِيحٌ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَتَرَجَّحُ فِيهَا بِالْعَدَدِ وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي النَّجَاسَةِ قَوْلُ الثِّقَةِ الْوَاحِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ: وَحَاصِلُهُ أَوْجُهٌ أَرْجَحُهَا عِنْدَ الاكثرين أنه يحكم بطهارة الانائين فَيَتَوَضَّأُ بِهِمَا: وَالثَّانِي يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا وَيَجِبُ الِاجْتِهَادُ وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالثَّالِثُ يُقْرِعُ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ وَالرَّابِعُ يُوقَفُ حَتَّى يبين وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَيُعِيدُ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ إذَا اسْتَوَى المخبران في الثقة فان رجح أحدهما اوزاد الْعَدَدُ عُمِلَ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) قَوْلُهُ إنْ قُلْنَا تُسْتَعْمَلَانِ هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَكَذَا كُلُّ مُؤَنَّثَتَيْنِ غائبتين فبالمثنات فوق سواء ماله فرج حقبقى وغيره قال الله تعالى (إذا همت طائفتان منكم أن تفشلا) (ووجد من دونهم امرأتين تزودان) (ان الله يمسك السموات والارض أن تزولا) (فيهما عينان تجريان) وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ بِهَذَا لِكَثْرَةِ مَا يُلْحَنُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) قَالَ ثِقَةٌ وَلَغَ الْكَلْبُ فِي هَذَا

стр. 179

الْإِنَاءِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ وَقَالَ آخَرُ كَانَ هَذَا الْكَلْبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي مَكَان آخَرَ فَوَجْهَانِ مَحْكِيَّانِ فِي الْمُسْتَظْهِرِيُّ وَغَيْرِهِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ لِلتَّعَارُضِ كَمَا سَبَقَ: وَالثَّانِي نَجِسٌ لِأَنَّ الْكِلَابَ تَشْتَبِهُ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَهَذَا الوجه ليس بشئ (فَرْعٌ) أَدْخَلَ كَلْبٌ رَأْسَهُ فِي إنَاءٍ وَأَخْرَجَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ وَلَغَ فِيهِ: قَالَ صَاحِبُ لحاوي وَغَيْرُهُ إنْ كَانَ فَمُهُ يَابِسًا فَالْمَاءُ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ: وَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي وُلُوغِهِ فَصَارَ كَالْحَيَوَانِ إذَا بَالَ فِي مَاءٍ ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ بِنَاءً عَلَى هَذَا السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّ الْمَاءَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ يَقِينٌ وَالنَّجَاسَةَ مَشْكُوكٌ فِيهَا وَيَحْتَمِلُ كَوْنُ الرُّطُوبَةِ مِنْ لُعَابِهِ وَلَيْسَ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ لِأَنَّ هُنَاكَ تَيَقَّنَّا حُصُولَ النَّجَاسَةِ وَهُوَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي تَغَيُّرِ الماء بخلاف هذا والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (وإن اشتبه عليه ما أن طَاهِرٌ وَنَجِسٌ تَحَرَّى فِيهِمَا فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ مِنْهُمَا تَوَضَّأَ بِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِالِاسْتِدْلَالِ فَجَازَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ عند الاشتباه كالقبلة) * (الشرح) إذا اشتبه ما أن طَاهِرٌ وَنَجِسٌ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا إذَا اجْتَهَدَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ بِعَلَامَةٍ تَظْهَرُ فَإِنْ ظَنَّهُ بِغَيْرِ عَلَامَةٍ تَظْهَرُ لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِهِ: وَالثَّانِي تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ إذَا ظَنَّ طَهَارَتَهُ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ عَلَامَةٌ بَلْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ طَهَارَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ لَمْ تَجُزْ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ: وَالثَّالِثُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا بِلَا اجْتِهَادٍ وَلَا ظَنٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَيْضًا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ ضَعِيفَانِ

стр. 180

وَالتَّفْرِيعُ بَعْدَ هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ وَاشْتِرَاطُ ظُهُورِ عَلَامَةٍ وَسَوَاءٌ عِنْدَنَا كَانَ عَدَدُ الطَّاهِرِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ حَتَّى لَوْ اشْتَبَهَ إنَاءٌ طَاهِرٌ بِمِائَةِ إنَاءٍ نَجِسَةٍ تَحَرَّى فيها وكذلك الاطعمة والثياب هذا مذهبنا ومثله قال بعض اصحاب مالك. كذا قال بمثله أبو حنيفة في القبلة والطعمة وَالثِّيَابِ وَأَمَّا الْمَاءُ فَقَالَ لَا يَتَحَرَّى إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الطَّاهِرِ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ النَّجِسِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْمِيَاهِ بَلْ يَتَيَمَّمُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَتَيَمَّمُ حَتَّى يُرِيقَ الْمَاءَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ وَإِنْ لَمْ يُرِقْهُ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْن الْمَاجِشُونِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَصْحَابِ مالك يتوضأ بكل واحد ويصلى بعد الوضؤين ولا يعيد الصلاة وقال محمد بن مسلمة مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يَتَوَضَّأُ بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِالْآخَرِ ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ الاجتهاد في الثياب قال الماجشون ومحمد بن مسلمة يُصَلِّي فِي كُلِّ ثَوْبٍ مَرَّةً وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ: اُحْتُجَّ لِأَحْمَدَ وَالْمُزَنِيُّ بِأَنَّهُ إذَا اجْتَهَدَ قَدْ يَقَعُ فِي النَّجِسِ وَلِأَنَّهُ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ فَلَمْ يَجُزْ الِاجْتِهَادُ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ مَاءٌ وَبَوْلٌ وَأَمَّا الْمَاجِشُونُ وابن مسلمة فَقَالَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ بِيَقِينٍ بِاسْتِعْمَالِهِمَا فَلَزِمَهُ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْقِبْلَةِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ وَفِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَعُ فِي الْخَطَأِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْمَاءِ وَالْبَوْلِ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الِاجْتِهَادَ يَرُدُّ الْمَاءَ إلَى أَصْلِهِ بِخِلَافِ الْبَوْلِ وَالثَّانِي أَنَّ الِاشْتِبَاهَ في المياه يَكْثُرُ فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِاجْتِهَادِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالْبَوْلِ وَالثَّالِثُ أَنَّ إلْحَاقَ الْمِيَاهِ بِالْقِبْلَةِ اولى وأما قول الْمَاجِشُونِ فَضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالصَّلَاةِ بِنَجَاسَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ وَبِالْوُضُوءِ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاحْتُجَّ لَهُ فِي اشْتِرَاطِ زِيَادَةِ عَدَدِ الطَّاهِرِ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ دع

стр. 181

مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالُوا فَكَثْرَةُ النَّجَسِ تُرِيبُ فَوَجَبَ تركه والعدول إلى ملاريب فيه وهر التَّيَمُّمُ قَالُوا وَلِأَنَّ الْأُصُولَ مُقَرَّرَةٌ عَلَى أَنَّ كثرة الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ حُكْمِهِ فِي الْمَنْعِ كَأُخْتٍ أَوْ زَوْجَةٍ اخْتَلَطَتْ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَلِأَنَّهُ اسْتَوَى الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ وَالْبَوْلَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَهَذَا وَاجِدٌ فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ وَقِيَاسًا عَلَى الثِّيَابِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا بِاتِّفَاقِنَا مَعَ زِيَادَةِ عَدَدِ الْخَطَأِ فَإِنْ قَالُوا إنَّمَا جَازَ الِاجْتِهَادُ فِي الثِّيَابِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ حُكْمًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ النَّجَاسَةِ الْيَسِيرَةِ فِيهَا فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَاءَ يُخَالِفُ الثِّيَابَ فِي هَذَا بَلْ يُعْفَى عَنْ النَّجَاسَةِ فِيهِ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَكَذَا فِي دُونِ الْقُلَّتَيْنِ إذَا كَانَتْ نَجَاسَةً لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ أَوْ مَيْتَةً لَا نَفْسَ لها سائلة علي الا صح فِيهِمَا الثَّانِي أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَمَّا لَمْ يُوجِبْ فَرْقًا بَيْنَهُمَا إذَا زَادَ عَدَدُ الطَّاهِرِ لَمْ يُوجِبْهُ إذَا اسْتَوَيَا فَإِنْ قَالُوا إنَّمَا جَازَ الِاجْتِهَادُ فِي الثِّيَابِ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُهَا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا بِخِلَافِ الْمَاءِ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ تُبَاحُ الصَّلَاةُ فِيهِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ بَلْ يُصَلِّي عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ: الثَّانِي لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الِاشْتِبَاهِ بِحَالِ الضَّرُورَةِ بَلْ بِحَالِ الِاخْتِيَارِ وَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَنَّ الرِّيبَةَ زَالَتْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِطَهَارَتِهِ وَبَقِيَتْ الرِّيبَةُ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْمَاءِ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ الْمُشْتَبِهَةِ بِأُخْتِهِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأُخْتَ مَعَ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ لَا يَجْرِي فِيهِنَّ التَّحَرِّي بِحَالٍ بَلْ إنْ اختلطت الاخت

стр. 182

بِمَحْصُورَاتٍ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَإِنْ اخْتَلَطَتْ بِغَيْرِ مَحْصُورَاتٍ نَكَحَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُنَّ بِلَا تَحَرٍّ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فِيهِنَّ التَّحَرِّي بِحَالٍ وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى جَرَيَانِهِ فِي الْمَاءِ إذَا كَانَ الطَّاهِرُ أَكْثَرَ لَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُ احدهما بالآخر الثاني أن لاشتباه فِي النِّسَاءِ نَادِرٌ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّحَرِّي فِيهِ دُونَهُنَّ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى اخلاط زَوْجَتِهِ بِأَجْنَبِيَّاتٍ فَجَوَابُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا نُدْرَةُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَاءِ الثَّانِي أَنَّ التَّحَرِّي يرد الشئ إلَى أَصْلِهِ فَالْمَاءُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الطهارة فاثر فيه الاجتهاد وأما الوطئ فَالْأَصْلُ تَحْرِيمُهُ الثَّالِثُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ لَوْ زَادَ عَدَدُ الْمُبَاحِ لَمْ يَتَحَرَّ بِخِلَافِ الْمَاءِ الرَّابِعُ إذَا تَرَدَّدَ فَرْعٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ أُلْحِقَ بِأَشْبَهِهِمَا بِهِ وَشَبَهُ الْمِيَاهِ بِالثِّيَابِ وَالْقِبْلَةِ أَكْثَرُ فَأُلْحِقَ بِهَا دُونَ الزَّوْجَةِ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَاءِ وَالْبَوْلِ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا التَّحَرِّي يَرُدُّ الْمَاءَ إلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ بِخِلَافِ الْبَوْلِ الثَّانِي الِاشْتِبَاهُ فِي الْمِيَاهِ يَكْثُرُ وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالْبَوْلِ الثَّالِثُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّحَرِّي فِي الْمَاءِ وَالْبَوْلِ لِعَدَمِ زِيَادَةِ الطَّاهِرِ بَلْ لِأَنَّ الْبَوْلَ لَيْسَ مِمَّا يُجْتَهَدُ فِيهِ بِحَالٍ وَلِهَذَا لَوْ زَادَ عَدَدُهُ لَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ تَوَضَّأَ بِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِالِاسْتِدْلَالِ فَجَازَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْقِبْلَةِ الضَّمِيرُ (١) فِي لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْوُضُوءِ أَوْ التَّطْهِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَقَوْلُهُ سَبَبٌ أَرَادَ بِهِ الشَّرْطَ فَإِنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ لَا سَبَبٌ لَهَا فَإِنَّ الشَّرْطَ مَا يُعْدَمُ الْحُكْمُ لِعَدَمِهِ وَالسَّبَبُ مَا تُوُصِّلَ بِهِ إلَى الْحُكْمِ فَتَسَاهَلَ الْمُصَنِّفُ بِإِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الشَّرْطِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الشَّكِّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ مِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ أَيْ شُرُوطِهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ فِيمَا إذَا اشْتَبَهَ ثَوْبَانِ فَقَالَ تَحَرَّى فِيهِمَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ احتراز من الزكاة فَإِنَّهَا شَرْطٌ وَلَكِنْ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ بَلْ فِي حِلِّ الْحَيَوَانِ وَلَا يَدْخُلُهَا الِاجْتِهَادُ فِيمَا إذَا اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ وَقَوْلُهُ يُمْكِنُ التوصل إليه بالاستدلال

стр. 183

احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا شَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَمْ لَا أَوْ هَلْ غَسَلَ عُضْوَهُ أَمْ لَا وَمِنْ الْقِبْلَةِ فِي حَقِّ الْأَعْمَى وَقَاسَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهَا مُجْمَعٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِيهَا وَقَوْلُهُ فَجَازَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْقِبْلَةِ كَلَامٌ صَحِيحٌ وَمُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ مَنَعَ الِاجْتِهَادَ كَمَا سَبَقَ وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فَقَدْ يَجِبُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ وَضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَقَدْ لَا يَجِبُ بِأَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَيُقَالُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فَوَجَبَ الِاجْتِهَادُ وَهَذَا اعْتِرَاضٌ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ * (فَرْعٌ) أَمَّا كَيْفِيَّةُ الِاجْتِهَادِ فَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ هو أن ينظر الي الاناء وَيُمَيِّزَ الطَّاهِرَ مِنْهُمَا بِتَغَيُّرِ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ اضْطِرَابٍ فِيهِ أَوْ رَشَاشٍ حَوْلَهُ أَوْ يَرَى أَثَرَ كَلْبٍ إلَى أَحَدِهِمَا أَقْرَبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَةُ أَحَدِهِمَا لِوُجُودِ بَعْضِ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ وَطَهَارَةُ الْآخَرِ لِعَدَمِهَا قَالَ فَأَمَّا ذَوْقُ الْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ نَجَاسَتِهِ قَالَ وَأَمَّا الْخُرَاسَانِيُّونَ فَقَالُوا هَلْ يَحْتَاجُ إلَى نَوْعِ دَلِيلٍ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْأَحْكَامِ وَالثَّانِي لَا قال وهذا ليس بشئ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ هُوَ كَذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ وَكَذَا نَقَلَهُ أَيْضًا الْبَغَوِيّ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَدْ قَدَّمْنَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ فِي أَنَّهُ تُشْتَرَطُ الْعَلَامَةُ أَمْ يَكْفِيهِ الظَّنُّ بِلَا عَلَامَةٍ أَمْ يَجُوزُ الْهُجُومُ بِلَا عَلَامَةٍ وَلَا ظَنٍّ وَلَا اجْتِهَادٍ وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُ الْعَلَامَةِ كَمَا إذَا اشْتَبَهَتْ الْقِبْلَةُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَلَامَةٍ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا الْقَاضِي وَالْمُفْتِي يُشْتَرَطُ ظُهُورُ دَلِيلٍ لَهُ بِلَا خِلَافٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِأَنَّ الْأُمُورَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُبْنَى عَلَى الْإِلْهَامَاتِ وَالْخَوَاطِرِ وَمَنْ اكْتَفَى بِالظَّنِّ قَالَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ وَفَرَّقَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ بِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مُشَاهَدَةٌ وَلَهَا عَلَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ تُعْلَمُ بِهَا إذَا أَتْقَنَ النَّظَرَ عِلْمًا يَقِينًا وَالْأَوَانِي لَا طَرِيقَ إلَى الْيَقِينِ فِيهَا فَكَفَى الظَّنُّ والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (فَإِنْ انْقَلَبَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ فَفِيهِ وَجْهَانِ احدهما انه يتحرى في الثاني لانه ثبت الِاجْتِهَادِ فِيهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالِانْقِلَابِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا يَجْتَهِدُ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَكُونُ بَيْنَ امرين فان

стр. 184

قلنا لا يجتهد فما الذى يضع فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ يَتَوَضَّأُ بِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الطَّهَارَةُ فَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ: وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ زَالَ بِالِاشْتِبَاهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ تحر فوجب التيمم) * (الشَّرْحُ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ * أَصَحُّهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لَا يَتَحَرَّى فِي الْبَاقِي بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَسَقَطَ فَرْضُهُ بِالتَّيَمُّمِ: وَالثَّانِي يَتَوَضَّأُ بِهِ بِلَا اجْتِهَادٍ: وَالثَّالِثُ يَجْتَهِدُ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ نَجَاسَتُهُ تَرَكَهُ وبتيمم: وَإِنْ ظَنَّ طَهَارَتَهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَا إعَادَةَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَدَلِيلُ الْأَوْجُهِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ: وَمِمَّنْ صَحَّحَ الْأَوَّلَ الْمُصَنِّفُ وَلَوْ قَلَبَهُ صَاحِبُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ انْقَلَبَ فَفِيهِ الْأَوْجُهُ: صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا يُزَالُ حُكْمُ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ فَهِيَ عِبَارَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْفُقَهَاءِ قَدْ أَكْثَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْهَا وَأَنْكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَقَالَ الشَّكُّ إذَا طَرَأَ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ يَقِينٌ لِأَنَّ الْيَقِينَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ والشاك مُتَرَدِّدٌ: وَهَذَا الْإِنْكَارُ فَاسِدٌ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ حُكْمَ الْيَقِينِ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ لَا أَنَّ الْيَقِينَ نَفْسَهُ يَبْقَى مَعَ الشَّكِّ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ: وَدَلِيلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ كَوْنُ حُكْمِ الْيَقِينِ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ تقدم بيانهما * قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ اجْتَهَدَ فِيهِمَا فَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شئ اراقهما أوصب أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ وَتَيَمَّمَ: فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى قَبْلَ الْإِرَاقَةِ: أَوْ الصَّبِّ أَعَادَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ) (الشرح) إذا اجتهد فلم يظهر له شئ فَلْيُرِقْهُمَا أَوْ يَخْلِطْهُمَا ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ: بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَاقَ مَاءً تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُ فِي الْوَقْتِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَتَيَمَّمَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ عَلَى وَجْهٍ

стр. 185

لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ وَهُنَا مَعْذُورٌ: وَلَوْ أَرَاقَ الْمَاءَيْنِ فِي مَسْأَلَتِنَا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ كَإِرَاقَةِ الْمَاءِ الَّذِي تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُ سَفَهًا: فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا إعَادَةَ: وَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ فَلَا إعَادَةَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لَكِنَّهُ يَعْصِي قَطْعًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ اجْتَهَدَ فَظَنَّ طَهَارَةَ إنَاءٍ فَأَرَاقَهُ أَوْ أَرَاقَهُمَا فَهُوَ كَالْإِرَاقَةِ سَفَهًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا: فَأَمَّا إذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى قَبْلَ الْإِرَاقَةِ فَتَيَمُّمُهُ بَاطِلٌ وَتَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي الْبَيَانِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَاءَيْنِ فَكَانَا كَالْعَدَمِ كَمَا لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبُعٌ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا وَقَدْ يُنْسَبُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي الِاجْتِهَادِ وَلَهُ طَرِيقٌ إلَى إعْدَامِهِ بِخِلَافِ السَّبُعِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي الْإِرَاقَةِ (١) الْمَذْكُورَةِ فِيمَا إذَا لم يغلب على ظنه شئ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِيَصِحَّ تَيَمُّمُهُ بِلَا إعَادَةٍ: وَالثَّانِي قَالَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا لَا تَجِبُ الْإِرَاقَةُ لَكِنْ تُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَجَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا فَلَوْ كَانَا لَوْ خُلِطَا بَلَغَا قُلَّتَيْنِ وَجَبَ خلطهما بلا خلاف والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (وان غلب على ظنه طهارة أحد هما تَوَضَّأَ بِهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُرِيقَ الْآخَرَ حَتَّى لا يتغير اجتهاده بعد ذلك) (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: وَقَوْلُهُ تَوَضَّأَ بِهِ أَيْ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى التَّيَمُّمِ: وَقَوْلُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُرِيقَ الْآخَرَ يَعْنِي يُسْتَحَبُّ إرَاقَتُهُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ فَإِنَّهُ قَالَ تَأَخَّى وَأَرَاقَ النَّجِسَ عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ وَتَوَضَّأَ بِالطَّاهِرِ: وَعَلَّلَ أَصْحَابُنَا اسْتِحْبَابَ الْإِرَاقَةِ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالثَّانِي لِئَلَّا يَغْلَطَ فَيَسْتَعْمِلَ النَّجِسَ أَوْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا: قَالَ الشافعي في الام والاصحاب فان خاف

стр. 186

الْعَطَشَ أَمْسَكَ النَّجِسَ لِيَشْرَبَهُ إذَا اُضْطُرَّ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀ * (فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ كَانَ نَجِسًا غسل ما أصابه به مِنْهُ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الخطأ فهو كالحاكم إذا أخطأ النص) (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي بَابِ الْقِبْلَةِ فِيمَا إذَا بَانَ الْخَطَأُ فِي الْأَوَانِي قَوْلَيْنِ كَالْقِبْلَةِ ثُمَّ إذَا غَسَلَهُ عَنْ النَّجَاسَةِ فَهَلْ يَكْفِيهِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَالْوُضُوءِ مَعًا فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي آخِرِ بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ وَسَنَذْكُرُهُمَا مَبْسُوطَيْنِ فِي أَوَاخِرِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْأَصَحُّ يَكْفِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إذَا تَيَقَّنَ اسْتِعْمَالَ النَّجِسِ وَهِيَ أَصْلٌ يَقِيسُ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ مَسَائِلَ: مِنْهَا إذَا أَخْطَأَ فِي الْقِبْلَةِ وَمِنْهَا إذَا أَخْطَأَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ تَيَقَّنَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ كَانَ نَجِسًا كَذَا عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا: وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ وَيُرِيدُونَ بِهِمَا الظَّنَّ الظَّاهِرَ لَا حَقِيقَةَ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ فَإِنَّ الْيَقِينَ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا وَقَدْ منا فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانَ هَذَا حَتَّى لَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْيَقِينِ فِي وُجُوبِ غَسْلِ مَا أَصَابَهُ وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِقَوْلِ الثِّقَةِ ظَنٌّ لَا عِلْمٌ وَيَقِينٌ وَلَكِنَّهُ نَصٌّ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِهِ وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ إذَا بَانَ خلاف النص وان كان خبر واحد الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ بِسَبَبِ خَبَرِ الثِّقَةِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ مُتَّفَقٌ (١) عَلَيْهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀ *

стр. 187

(وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ وَلَكِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَظَنَّ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ كَانَ نَجِسًا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ: وَالْمَنْصُوصُ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا إنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَمْ يَغْسِلْ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ الْأَوَّلُ مِنْ ثِيَابِهِ وَبَدَنِهِ أَمَرْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ بِيَقِينٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ نَقَضْنَا الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَيُخَالِفُ الْقِبْلَةَ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يُؤَدِّي إلَى الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَلَا إلَى نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ وذا قُلْنَا بِقَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ تَوَضَّأَ بِالثَّانِي وَصَلَّى ولا اعادة عليه وان قلنا بالمنصوص فانه يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَهَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ. فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يُعِيدُ لِأَنَّ مَا معه الْمَاءِ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ بِالشَّرْعِ فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ: وَالثَّانِي يُعِيدُ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ: وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطيب ابن سَلَمَةَ إنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ بَقِيَّةٌ أَعَادَ لِأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا بِيَقِينٍ: وان لم يكن بقى من الاول شئ لَمْ يُعِدْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بيقين) * (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا مُقَدِّمَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَةُ أَحَدِهِمَا فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إرَاقَةُ الْآخَرِ فَلَوْ خَالَفَ فَلَمْ يُرِقْهُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ: يَنْظُرُ. فَإِنْ كَانَ عَلَى الطَّهَارَةِ الْأُولَى لَمْ يَلْزَمْهُ بِلَا خِلَافٍ بل يصلى بها: وان كن قَدْ أَحْدَثَ نَظَرَ. إنْ بَقِيَ مِنْ الَّذِي ظن طهارته شئ لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ: صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ التتمة والتهذيب وغير هم مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَاسُوهُ عَلَى إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ لِلصَّلَاةِ وَعَلَى الْقَاضِي وَالْمُفْتِي إذَا اجْتَهَدَ في قضية وحكم بشئ ثُمَّ حَضَرَتْ مَرَّةً أُخْرَى يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الِاجْتِهَادَ: وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا وَجْهٌ مَشْهُورٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ بَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَحْكُمَ بِمُقْتَضَى الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ ما لم يتغير اجتهاده: وينبغى أن

стр. 188

أن يجئ ذَاكَ الْوَجْهُ هُنَا وَهُوَ أَوْلَى: وَإِنْ لَمْ يبق من الذى ظن طهارته شئ فَفِي وُجُوبِ إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْآخَرِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا انْقَلَبَ أحد الانإين قَبْلَ الِاجْتِهَادِ هَلْ يَجْتَهِدُ فِي الْبَاقِي وَقَدْ سَبَقَ: وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي: وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَا يُعِيدُ الِاجْتِهَادَ وَجْهًا وَاحِدًا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ إذَا عُرِفَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ فَدَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى فَأَعَادَ الِاجْتِهَادَ: فَانٍ ظَنَّ طَهَارَةَ الْأَوَّلِ فَلَا إشْكَالَ فَيَتَوَضَّأُ بِبَقِيَّتِهِ إنْ كَانَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ وَيُصَلِّي. وَإِنْ ظَنَّ طَهَارَةَ الثَّانِي فَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَا يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي وَلَكِنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَيُعِيدُ كُلَّ صَلَاةِ صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ وَكَذَا نَقَلَ حَرْمَلَةُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي فَقَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ هُوَ الْمَذْهَبُ: وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ لَا يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ وَقَدْ غلط المزني على الشافعي والذى يجئ عَلَى قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي كَالْقِبْلَةِ. وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُصَنِّفِينَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَالْمَذْهَبَ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ: وَأَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ ضَعِيفٌ وَضَعَّفُوهُ بِمَا ضَعَّفَهُ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ ظَاهِرٌ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٌ فِي تَعْلِيقِهِ أَبَى أَصْحَابُنَا أجمعون ما قاله أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ وَقَالُوا هَذَا مِنْ زَلَّاتِ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ مَا غَلِطَ الْمُزَنِيّ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي حَرْمَلَةَ قَالَ أَبُو حَامِدٍ لَا يُحْتَاجُ إلَى حَرْمَلَةَ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهَا فِي الْأُمِّ (١) فِي بَابِ الْمَاءِ يَشُكُّ فِيهِ: وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الثَّانِي وَخَالَفَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَكَذَا قَالَ الْمَحَامِلِيُّ خَالَفَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا أَبَا الْعَبَّاسِ فِي هَذَا: وَقَالُوا الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي فَهَذَا كَلَامُ أَعْلَامِ الْأَصْحَابِ: وَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ بِالْمَنْصُوصِ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَجْمَعِينَ فَرَجَّحَ قَوْلَ أَبِي العباس وليس بشئ فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ تَوَضَّأَ بِالثَّانِي وَلَا بُدَّ مِنْ إيرَادِ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا الْمَاءُ الْأَوَّلُ لِئَلَّا يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا للنجاسة بيقين: وممن صرح بهذا الفوراني

стр. 189

وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ: قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ يَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ الْأَوَّلُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ جَمِيعًا قَالَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّا لَا نَحْكُمُ بِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ الْأُولَى وَلَا صَلَاتِهِ بِهَا. وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهُ بِغَسْلِ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ كَمَا أَمَرْنَاهُ باجتناب بقية الماء الاول وحكمنا بنجاسة: وَلَا يُقَالُ هُوَ نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ ﵀ مِنْ أنه في أعضا الْوُضُوءِ يَكْفِيهِ إمْرَارُ الْمَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَيْضًا وَقَالَ الرَّافِعِيُّ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَنْ الْحَدَثِ وَمَرَّةً عَنْ النَّجَسِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ خِلَافُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي حِكَايَةِ مَذْهَبِ ابْنِ سُرَيْجٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَالْغَزَالِيِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعُضْو الَّذِي تَيَقَّنَّا نَجَاسَتَهُ يَكْفِي غَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فَهُنَا أَوْلَى إذَا لَمْ تُتَيَقَّنْ نَجَاسَتُهُ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ هُنَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ الْأُولَى وَلَا الثَّانِيَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الثَّانِي وَلَا بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ. بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَفِي وُجُوبِ إعَادَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ أَصَحُّهَا الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ بقى من

стр. 190

الْأَوَّلِ بَقِيَّةٌ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ وَإِلَّا فَلَا: وَالْمُرَادُ بهذه بَقِيَّةٌ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا بِأَنْ تَكُونَ كَافِيَةً لِطَهَارَتِهِ أَوْ غَيْرَ كَافِيَةٍ وَقُلْنَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ كَانَتْ الْبَقِيَّةُ غَيْرَ كَافِيَةٍ لِطَهَارَتِهِ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ وَهُوَ وَاضِحٌ: وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ الآخر انه ممنوع من استعمالها هَذَا الْمَاءِ فَقَالُوا هُوَ قَادِرٌ عَلَى إسْقَاطِ الْإِعَادَةِ بِأَنْ يُرِيقَهُمَا فَهُوَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْإِرَاقَةِ: وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ: فَأَمَّا الْأُولَى فَلَا تَجِبُ إعَادَتُهَا بِلَا خِلَافٍ. وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ. اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا إلَّا الدَّارِمَيَّ فَإِنَّهُ شَذَّ عَنْهُمْ فَقَالَ فِي وُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا تَجِبُ إعَادَتُهُمَا جَمِيعًا. وَالثَّانِي تَجِبُ إعَادَةُ الْأُولَى فَقَطْ: وَالثَّالِثُ تَجِبُ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ فَقَطْ. وَهَذَا الَّذِي شَذَّ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَانْفَرَدَ بِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ: وَأَظُنُّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَكَيْفَ كَانَ فَهُوَ خَطَأٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وَإِنَّمَا أَذْكُرُ مِثْلَهُ (١) لِأُبَيِّنَ فَسَادَهُ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) لَوْ أَرَادَ مَنْ جَرَى لَهُ تَغَيُّرُ الِاجْتِهَادِ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بِلَا خِلَافٍ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَنْصُوصِ أَرَاقَ الْمَاءَ الثَّانِي وَالْبَقِيَّةَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ قَطْعًا لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي الْإِرَاقَةِ

стр. 191

لاكمن أَرَاقَهُ سَفَهًا: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ صَبَّ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ فَكَالْإِرَاقَةِ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِلَا اعادة قال وَلَوْ صَبَّ الثَّانِي وَأَبْقَى بَقِيَّةَ الْأَوَّلِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ مُتَيَقَّنُ الطَّهَارَةِ وَلَا مَظْنُونُهَا: وَلَوْ صَبَّ الْبَقِيَّةَ وترك الثاني ففى الاعادة الوجهان المذكور ان فِي الْكِتَابِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ وَنَحْوُهُ فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ قَطْعًا وَهُنَا خِلَافٌ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ السَّبُعِ مُتَيَقَّنُ الْمَانِعِ وَلَا طَرِيقَ لَهُ. وَهُنَا مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْإِرَاقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا أَوَّلُ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَاسْمُهُ محمد بن المفضل بن سلمة ابن عَاصِمٍ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا تَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً تُوُفِّيَ فِي المحرم سنة ثمان وثلثمائة ﵀ * قال المصنف ﵀ * (وان اشتبه عليه ماء آن وَمَعَهُ مَاءٌ ثَالِثٌ يَتَيَقَّنُ طَهَارَتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَتَحَرَّى لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ بِيَقِينٍ فَلَا يُؤَدَّى بِالِاجْتِهَادِ كَالْمَكِّيِّ فِي الْقِبْلَةِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ يَتَحَرَّى لِأَنَّهُ يَجُوزُ إسْقَاطُ الْفَرْضِ بِالطَّاهِرِ فِي الظَّاهِرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاهِرِ بِيَقِينٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يترك ما نزل من السماء ويتيقن طهارته ويتوضأ بما يجوز نجاسته) * (الشَّرْحُ) هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وحكاهما أبو إسحق الْمَرْوَزِيُّ فِي شَرْحِهِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ جَوَازُ التَّحَرِّي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالْوَجْهُ الآخر اختيار أبي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ قَالَ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي الشَّامِلِ وَاحِدًا من الوجهين

стр. 192

فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ رَآهُ فِي مُصَنَّفٍ آخَرَ لَهُ وَالصَّحِيحُ مَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ جَوَازُ التَّحَرِّي وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا جَوَّزْنَا التَّحَرِّي اُسْتُحِبَّ تَرْكُهُ وَاسْتِعْمَالُ الطَّاهِرِ بِيَقِينٍ احْتِيَاطًا وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ تَمَسُّكِ مَنْ مَنَعَ الِاجْتِهَادَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْقِبْلَةِ بِأَجْوِبَةٍ أَحْسَنُهَا أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهَا كَانَ طَلَبُهُ لَهَا فِي غَيْرِهَا عَبَثًا بِخِلَافِ الْمَاءِ الطَّهُورِ فَإِنَّهُ فِي جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ: الثَّانِي أَنَّ الْيَقِينَ فِي الْقِبْلَةِ حَاصِلٌ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ الْمَاءِ: الثَّالِثُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ لَا يُؤَدِّي إلَى مَشَقَّةٍ بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالثِّيَابِ: الرَّابِعُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ عَنْ بَعْضِ الاصحاب أن الماء ما متمول وفي الاعراض عنه تفويت ما ليته مَعَ إمْكَانِهَا فَلَا تُفَوَّتُ مَنْفَعَةُ مَالٍ لِوُجُودِ مَالٍ آخَرَ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ فِي تَرْجِيحِ الْمَذْهَبِ مَعَ مَا سَبَقَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانَ يَسْمَعُ أَحَدُهُمْ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ من صَحَابِيٍّ آخَرَ فَيَعْمَلُ بِهِ وَلَا يُفِيدُهُ إلَّا الظَّنَّ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَسْمَعَهُ مِنْهُ فَيَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ قَطْعًا وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ الِاجْتِهَادَ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَوْ كَانَ فِي السَّفَرِ مَعَهُ إنَاءَانِ يَسْتَيْقِنُ أَنَّ أَحَدَهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرَ نَجِسٌ قَالُوا فَجَعَلَ السَّفَرَ شَرْطًا لِلِاجْتِهَادِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ آخَرُ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ السَّفَرَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الِاجْتِهَادِ لَا لِجَوَازِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ بِيَقِينٍ فَلَا يُؤَدَّى بِالِاجْتِهَادِ كَالْمَكِّيِّ فِي الْقِبْلَةِ فَمُرَادُهُ بِالْمَكِّيِّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ لَا أَصْلِيٌّ وَلَا طَارِئٌ فَأَمَّا مَنْ هُوَ بِمَكَّةَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ أَصْلِيٌّ كَالْجَبَلِ فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ طَارِئٌ كَالْبِنَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالْأَصْحَابُ: وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ مَاءً نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ إلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَاءُ السَّمَاءِ الَّذِي شَاهَدَ نُزُولَهُ مِنْ السَّمَاءِ وَلَمْ يَقَعْ عَلَى نَجَاسَةٍ فَهُوَ يَقْطَعُ بِطَهَارَتِهِ وَمَعَ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهُ

стр. 193

وَيَتَوَضَّأَ مِنْ إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ قَدْ غَابَ عَنْهُ وَاحْتَمَلَ وُلُوغَ كَلْبٍ فِيهِ أَوْ نَجَاسَةً أُخْرَى وَكَذَا لَوْ كَانَ بِحَضْرَةِ نَهْرٍ وَشِبْهِهِ مِنْ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْإِنَاءِ الْمُمْكِنِ نَجَاسَتُهُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَسَائِلُ وَالْعِبَارَةُ الْجَامِعَةُ لَهَا أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ: وانها لَوْ اشْتَبَهَ مَاءَانِ مُسْتَعْمَلٌ وَمُطْلَقٌ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا فَإِنْ قُلْنَا يلزم الاخذ باليقين توضأ بِهِمَا وَإِلَّا اجْتَهَدَ: الثَّانِيَةُ اشْتَبَهَ ثَوْبَانِ وَمَعَهُ ثالث طاهر يقين أَوْ مَعَهُ مَاءٌ يُمْكِنُهُ غَسْلُ أَحَدِهِمَا بِهِ فان أوجبنا اليقين لم بجتهد بَلْ يُصَلِّي فِي الثَّالِثِ أَوْ يَغْسِلُ وَإِنْ لم نوجب الْيَقِينَ اجْتَهَدَ: الثَّالِثَةُ مَعَهُ مَزَادَتَانِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ قُلَّةٌ وَإِحْدَاهُمَا نَجِسَةٌ وَاشْتَبَهَتْ فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْيَقِينَ وَجَبَ خَلْطُهُمَا وَإِلَّا اجْتَهَدَ: الرَّابِعَةُ اشْتَبَهَ لَبَنٌ طَاهِرٌ وَلَبَنٌ مُتَنَجِّسٌ وَمَعَهُ لَبَنٌ ثَالِثٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ يَتَيَقَّنُ طَهَارَتَهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي جَوَازِ التَّحَرِّي هَذَانِ الْوَجْهَانِ قَالَ الْمُتَوَلِّي لَعَلَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ أَرَادَ (١) إذَا كَانَ مُضْطَرًّا يُرِيدُ شُرْبَ اللَّبَنِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الطَّاهِرِ كَمَا عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ طَلَبُ الطَّاهِرِ لِلطَّهَارَةِ قَالَ فَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالِ الِاضْطِرَارِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضٌ حَتَّى يَمْنَعَهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ الِاجْتِهَادِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ الْآنَ الْمَالِيَّةُ هَذَا كَلَامُ الْمُتَوَلِّي وَذَكَرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ نَحْوَهُ وَأَنْكَرَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فَالصَّحِيحُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ (٢) فِيهِمَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ اشْتَبَهَ مَاءٌ مُطْلَقٌ وَمَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَتَحَرَّى لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ بِيَقِينٍ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالثَّانِي أَنَّهُ يَتَحَرَّى لِأَنَّهُ يَجُوزُ إسْقَاطُ الفرض بالطاهر مع القدرة على اليقين) * (الشرح) هذان الوجهان مبينان عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا كَمَا بيناه والصحيح

стр. 194

مِنْهُمَا جَوَازُ التَّحَرِّي وَيَتَوَضَّأُ بِمَا ظَنَّ أَنَّهُ المطلق: والثانى لا يَجُوزُ التَّحَرِّي بَلْ يَلْزَمُهُ الْيَقِينُ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مَرَّةً وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ الِاسْتِنْجَاءَ أَوْ غَسْلَ نَجَاسَةٍ أُخْرَى غَسَلَ بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ بِالْآخَرِ وَإِذَا تَوَضَّأَ بِهِمَا فَهُوَ غَيْرُ جَازِمٍ فِي نِيَّتِهِ بِطَهُورِيَّتِهِ وَلَكِنْ يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَاءٌ مُطْلَقٌ وَمَاءُ وَرْدٍ لَمْ يَتَحَرَّ بَلْ يَتَوَضَّأْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وإن اشتبه عليه ماء وَبَوْلٌ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ لَمْ يَتَحَرَّ بَلْ يُرِيقُهُمَا وَيَتَيَمَّمُ لِأَنَّ مَاءَ الْوَرْدِ وَالْبَوْلَ لَا أَصْلَ لهما في التطهير فيرد إليه بالاجتهاد) * (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ فِي كُتُبِهِمْ الْمَشْهُورَةِ وَصَحَّحَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَحَكَوْا وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَحَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَسَائِرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ علامة ولا يجئ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي الْمَاءَيْنِ أَنَّهُ يَكْفِي الظَّنُّ بِلَا عَلَامَةٍ قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسَائِلُ مِنْهَا إذَا اشْتَبَهَ لَبَنُ بَقَرٍ وَلَبَنُ أَتَانٍ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ نَجِسٌ أَوْ اشْتَبَهَ خَلٌّ وَخَمْرٌ أَوْ شَاةٌ ذَكَّاهَا مُسْلِمٌ وَشَاةٌ ذَكَّاهَا مَجُوسِيٌّ أَوْ لَحْمُ مَيْتَةٍ وَلَحْمُ مُذَكَّاةٍ فَالْمَذْهَبُ فِي الْجَمِيعِ مَنْعُ الِاجْتِهَادِ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَلِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ وَلَوْ اشْتَبَهَ شَاتَانِ مُذَكَّاتَانِ إحْدَاهُمَا مَسْمُومَةٌ جَازَ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا بِلَا خِلَافٍ كَالْمَاءَيْنِ وَالطَّعَامَيْنِ لِأَنَّهُمَا مُبَاحَتَانِ طَرَأَ عَلَى إحْدَاهُمَا مَانِعٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَهُوَ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فَيُرَدَّ إليه بالاجتهاد هو بنصب الدال * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى * (وَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ طَعَامٌ طَاهِرٌ وَطَعَامٌ نَجِسٌ تَحَرَّى فِيهِمَا لان أصلهما على الاباحة فهما كالماءين) * (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ التَّحَرِّي فِي الْأَطْعِمَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ كَانَا جِنْسًا كَلَبَنَيْنِ أَوْ دِبْسَيْنِ أَوْ خَلَّيْنِ أَوْ زَيْتَيْنِ أَوْ عَسَلَيْنِ أَوْ سَمْنَيْنِ أَوْ عَصِيرَيْنِ أَوْ طَحِينَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ جِنْسَيْنِ كَخَلٍّ وَلَبَنٍ أَوْ دَبْسٍ وَزَيْتٍ أَوْ طَبِيخٍ وَخُبْزٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَكَذَا طَعَامٌ وَثَوْبٌ أَوْ تُرَابٌ وَكَذَا تُرَابٌ وَتُرَابٌ أَوْ تُرَابٌ وَثَوْبٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَكُلُّ هذا جوز التَّحَرِّي فِيهِ بِلَا خِلَافٍ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ

стр. 195

أبا حامد والدارمى حكياوجها عن الزبيري أَنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي جِنْسَيْنِ قال أبو حامد وهذا ليس بشئ وَلَوْ اشْتَبَهَ طَعَامَانِ وَمَعَهُ ثَالِثٌ يَتَيَقَّنُ طَهَارَتَهُ فَالْمَذْهَبُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ قَرِيبًا والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (وان اشْتَبَهَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ عَلَى أَعْمَى فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي حَرْمَلَةَ لَا يَتَحَرَّى كما لا يتحرى في القبلة وقال في الام يتحري كَمَا يَتَحَرَّى فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا يَتَحَرَّى فَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَغْلَبِ فوجهان: احدهما لا يقلد لان من له الاجتهاد لا يقلد كَالْبَصِيرِ وَالثَّانِي يُقَلِّدُ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الام لان اماراته تتعلق بالبصر وَغَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ دَلَّ على أن اماراته تتعلق بالبصر فقلد فيه كالقبلة) (الشَّرْحُ) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَى يَجْتَهِدُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَلَا يَجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ وَفِي الْأَوَانِي قَوْلَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ الْفُورَانِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى فِي الْأَوَانِي سَوَاءٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا وَشَذَّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فَقَطَعَ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ بِأَنَّهُ لَا يُتَحَرَّى وَهَذَا شَاذٌّ مَتْرُوكٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَجْتَهِدُ فاجتهد فلم يظهر له شئ فَوَجْهَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أَصَحُّهُمَا لَهُ التَّقْلِيدُ وَهُوَ ظَاهِرُ (١) نَصِّهِ فِي الْأُمِّ وَالثَّانِي لَا فَإِنْ قُلْنَا لَا يُقَلِّدُ أَوْ قُلْنَا يُقَلِّدُ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَوْ وَجَدَ بَصِيرًا وَقَلَّدَهُ فَتَحَيَّرَ الْبَصِيرُ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَتَيَمَّمُ وَلَكِنْ يُخَمِّنُ أَكْثَرُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِعَادَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عِنْدِي تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ طَهَارَةُ الْمَاءِ عِنْدَهُ بِأَمَارَةٍ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي ويعيد لانه لم يعلم طهارة الماء ولاظنها قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَوْلُ الْقَاضِي مُوَافِقٌ لِلنَّصِّ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَقْيَسُ: قَالَ فَإِنْ قِيلَ فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّ يَقِينَ النَّجَاسَةِ فِي أَحَدِهِمَا مَنْعُ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ التَّحَرِّي هَذَا كَلَامُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أبى حامد هو الصحيح

стр. 196

الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الْمَذْهَبِ وَعَلَى الْأُصُولِ وَالنَّصُّ يُتَأَوَّلُ عَلَى مَنْ ظَنَّ طَهَارَتَهُ بِعَلَامَةٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لم يكن له دَلَالَةً هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَيُقَالُ دُلُولَةٌ بِضَمِّ الدَّالِ حَكَاهَا الْجَوْهَرِيُّ وَهِيَ العلامة * قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ اشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلَيْنِ فَأَدَّى اجْتِهَادُ أَحَدِهِمَا إلَى طَهَارَةِ أَحَدِهِمَا وَاجْتِهَادُ الْآخَرِ إلَى طَهَارَةِ الْآخَرِ تَوَضَّأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَلَمْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لانه يعتقد أن صلاة إمامه باطلة) (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا حَكَوْا عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ﵀ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَلَا شَكَّ فِي ضَعْفِ مَذْهَبِهِ فَإِنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ حِينَئِذٍ بَاطِلَةٌ قَطْعًا إمَّا لِعَدَمِ طَهَارَتِهِ وَإِمَّا لِعَدَمِ طَهَارَةِ إمَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ فِي الْقِبْلَةِ أَوْ خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا حَدَثٌ وَتَنَاكَرَاهُ فَفِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ تَصِحُّ صَلَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ وَلَا يصح اقتداؤه بالآخر والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ كَثُرَتْ الْأَوَانِي وَكَثُرَ الْمُجْتَهِدُونَ فَأَدَّى اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى طَهَارَةِ إنَاءٍ وَتَوَضَّأَ بِهِ وَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ وَصَلَّى بِالْبَاقِينَ الصُّبْحَ وَتَقَدَّمَ آخَرُ وَصَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ وَتَقَدَّمَ آخَرُ وَصَلَّى بِهِمْ الْعَصْرَ فَكُلُّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ يجوز أن يكن طَاهِرًا فَصَلَاتُهُ خَلْفَهُ صَحِيحَةٌ وَكُلُّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ نَجَسٌ فَصَلَاتُهُ خَلْفَهُ باطلة) (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَثِيرَةُ الْفُرُوعِ مُخْتَلَفٌ فِي أَصْلِهَا وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ مُخْتَصَرَةً جِدًّا فَنَذْكُرُ صُورَةَ الْكِتَابِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَذْهَبِ ثُمَّ فُرُوعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: فَصُورَةُ الْكِتَابِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوَانِي طاهر ان وَنَجِسٌ وَاشْتَبَهَتْ فَاجْتَهَدَ فِيهَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ فَأَدَّى اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى طَهَارَةِ إنَاءٍ فَاسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ صَلَّى أَحَدُهُمْ بِصَاحِبَيْهِ الصُّبْحَ ثُمَّ آخَرُ بصاحبيه الظهر ثم الاخر بصاحبيه العصر وكلهم

стр. 197

صَلَّوْا الصَّلَوَاتِ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أوجه حكاها الْخُرَاسَانِيُّونَ أَصَحُّهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَبِهِ قطع المصنف وسائر العراقيين والمتولي من الخراسانين أَنَّهُ يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ الصَّلَاةُ الَّتِي أَمّ فِيهَا وَالِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ وَيَبْطُلُ الِاقْتِدَاءُ الثَّانِي وَالْوَجْهُ الثَّانِي * يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ الَّتِي أَمَّ فِيهَا فَقَطْ وَلَا يَصِحُّ لَهُ اقْتِدَاءٌ أَصْلًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَدَ إمَامَيْهِ مُحْدِثُ فَهُوَ شَاكٌّ فِي أَهْلِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْإِمَامَةِ فَأَشْبَهَ الْخُنْثَى وَهَذَا الْقِيَاسُ عَلَى الْخُنْثَى ضَعِيفٌ: وَالْفَرْقُ أَنَّ صَاحِبَ الْإِنَاءِ الَّذِي هُوَ الامام يظن اهليته للامامتة بِاجْتِهَادِهِ بِخِلَافِ الْخُنْثَى فَإِنَّهُ لَا يَظُنُّ أَهْلِيَّةَ نَفْسِهِ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ فَنَظِيرُ صَاحِبِ الْإِنَاءِ أَنْ يَكُونَ الْخُنْثَى قَدْ ظَنَّ كَوْنَهُ رَجُلًا بِعَلَامَةٍ كَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ أَوْ بِمَيْلِهِ إلَى النِّسَاءِ وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِهِ قَطْعًا: وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ وهو قول أبي اسحق المروزي يصح لِكُلِّ وَاحِدٍ الَّتِي أَمَّ فِيهَا وَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَلَوْ اقْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ بِالْآخَرِ بَطَلَتْ إحْدَى صَلَاتَيْهِ خَلْفَهُمَا لَا بِعَيْنِهَا فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُمَا كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ فَاتَّفَقَ ابْنُ الْقَاصِّ وَالْمَرْوَزِيُّ عَلَى وُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاتَيْنِ إذَا اقْتَدَى اقْتِدَاءَيْنِ وَاخْتَلَفَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى اقْتِدَاءٍ فَأَوْجَبَ الْإِعَادَةَ ابْنُ الْقَاصِّ لَا الْمَرْوَزِيُّ وَاتَّفَقَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْمَرْوَزِيُّ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ الْأَوَّلِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَا إذَا اقْتَدَى ثَانِيًا فَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ يَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلْبُطْلَانِ: وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ يَجِبُ إعَادَتُهُمَا جَمِيعًا وَعَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ الصَّلَاةُ الَّتِي أَمَّ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ وَشَذَّ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَحَكَى وَجْهًا أَنَّ صَلَاةَ إمَامِ الْعَصْرِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بَاطِلَةٌ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى خَلْفَ إمَامَيْ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ صَارَ كانه اعترف بانهما الطاهران فيعين هُوَ لِلنَّجَاسَةِ: وَهَذَا خَيَالٌ عَجِيبٌ وَعَجَبٌ مِمَّنْ قَالَ هَذَا وَكَيْفَ يُقَالُ هَذَا فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ نَفْسَهُ نَجِسًا كَانَتْ صَلَاتُهُ كُلُّهَا سَوَاءً وهذا الوجه خطأ صريح وانما أَذْكُرُ مِثْلَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى بُطْلَانِهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ ثُمَّ لَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ وَمَا أَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَ أَصْحَابُنَا ولو اشتبهت أو ان وَالطَّاهِرُ وَاحِدٌ وَالْبَاقِي نَجِسَاتٌ فَصَلَاةُ كُلِّ إمَامٍ صَحِيحَةٌ فِيمَا أَمَّ فِيهِ بَاطِلَةٌ فِي الِاقْتِدَاءِ كُلِّهِ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ كَمَا سَبَقَ وَلَوْ كَانَ الطَّاهِرُ اثْنَيْنِ وَالنَّجِسُ اثْنَيْنِ وَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ صَلَاةً فَصَلَاةُ الْأَئِمَّةِ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ فَفِيهِ الْأَوْجُهُ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الحداد وهو الاصح صلاة الصبح صحيحد للجميع وصلاة الظهر صحيحة لا مامها وَإِمَامِ الصُّبْحِ بَاطِلَةٌ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ وَصَلَاتَا العصر والمغرب صحيحتان لا ماميهما باطلة للمأمومين

стр. 198

وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاصِّ لَا يَصِحُّ إلَّا مَا أَمَّ فِيهَا وَعَلَى قَوْلِ الْمَرْوَزِيِّ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَإِنْ اقْتَدَى ثَانِيًا بَطَلَ جَمِيعُ مَا اقْتَدَى فِيهِ وَلَوْ كان الطاهر ثلاثة وواحد نجس وَصَلَّوْا كَمَا ذَكَرْنَا فَالصُّبْحُ وَالظُّهْرُ صَحِيحَتَانِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَالْعَصْرُ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ إمَامِ الْمَغْرِبِ وَالْمَغْرِبُ بَاطِلَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ إمَامِهَا هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاصِّ لَا يَصِحّ الِاقْتِدَاءُ مُطْلَقًا وَالْمَرْوَزِيُّ يصحح اقتداءين ان اقتصر عليهما والا بطل جميع اقتداءه ولو كانت الآنية خَمْسَةً فَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ وَاحِدًا وَالْبَاقِي نَجِسًا لَمْ يَصِحَّ إلَّا مَا أَمَّ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ اثْنَيْنِ صَحَّتْ الصُّبْحُ للجميع والظهر لا مامها وَإِمَامِ الصُّبْحِ وَتَبْطُلُ لِلْبَاقِينَ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ بَاطِلَاتٌ إلَّا فِي حَقِّ أَئِمَّتِهَا وَلَوْ كَانَ الطَّاهِرُ ثَلَاثَةً صَحَّتْ الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ لِلْجَمِيعِ وَالْعَصْرُ لا مامها وَإِمَامَيْ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ فَقَطْ وَبَطَلَتْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ إلَّا لِإِمَامَيْهِمَا وَلَوْ كَانَ الطَّاهِرُ أَرْبَعَةً صَحَّتْ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا إلَّا الْمَغْرِبَ فِي حَقِّ إمَامِ الْعِشَاءِ وَإِلَّا الْعِشَاءَ فِي حَقِّ غَيْرِ إمَامِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْخَمْسَةِ مَذْهَبُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَلَا يَخْفَى تَفْرِيعُ الْآخَرِينَ: وَلَوْ كَثُرَتْ الْأَوَانِي وَالْمُجْتَهِدُونَ لَمْ يَخْفَ حُكْمُهُمْ وَتَخْرِيجُ مَسَائِلِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَضَابِطُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَمَّ فِيهِ وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ بِعَدَدِ بَقِيَّةِ الطَّاهِرِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ جَلَسَ رَجُلَانِ فَسُمِعَ منهما صوت حدث فتنا كراه فهو كمسألة الانائين فَتَصِحُّ صَلَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الظَّاهِرِ وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِصَاحِبِهِ وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَسُمِعَ بَيْنَهُمْ صَوْتٌ تَنَاكَرُوهُ فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ الْأَوَانِي الثَّلَاثَةِ وَفِيهَا الْمَذَاهِبُ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاصِّ لَا يَصِحُّ اقتداء وعند ابن الحداد يصج الِاقْتِدَاءُ لِلْأَوَّلِ وَالْمَرْوَزِيُّ يُصَحِّحُ الِاقْتِدَاءَ الْأَوَّلَ إنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيُعِيدُهُمَا وَلَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الْآنِيَةِ حَرْفًا حَرْفًا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ هُنَا وَإِنْ صَحَّ فِي الْآنِيَةِ لِتَيَسُّرِ الِاجْتِهَادِ في

стр. 199

الْآنِيَةِ دُونَ الْأَشْخَاصِ فِي الْحَدَثِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَدْ يُفْرَضُ زِيَادَةٌ فِي الْآنِيَةِ وَهِيَ أَنَّ الْخَمْسَةَ لَوْ اجْتَهَدُوا فِي الْآنِيَةِ الْخَمْسَةِ وَالنَّجَسُ وَاحِدٌ فَأَدَّى اجْتِهَادُ أَحَدِهِمْ إلَى طَهَارَةِ إنَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ وَاجْتَهَدَ فِي بَقِيَّتِهَا فَعَيَّنَ النَّجَسَ بِاجْتِهَادِهِ فَمَنْ اسْتَعْمَلَ هَذَا النَّجَسَ لَا يَقْتَدِي بِهِ هَذَا الْإِنْسَانُ وَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْبَاقِينَ بِلَا خِلَافٍ كَيْفَ كَانَ يَعْنِي وَلَا إعَادَةَ قَالَ وَلَا يَتَأَتَّى هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْحَدَثِ إذا لَيْسَ هُنَاكَ اجْتِهَادٌ وَلَا تَمَسُّكٌ بِدَلَالَةٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا قَالَ فَإِنْ تَكَلَّفَ مُتَكَلِّفٌ وَفَرَضَ فِيهِ عَلَامَاتٍ ظَنِّيَّةً اسْتَوَى الْبَابَانِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمْ هُنَا مَسْأَلَةٌ ذَاتُ فُرُوعٍ تُشْبِهُ هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا وَذَكَرَهَا كَثِيرُونَ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَقَدْ رَأَيْتُ تَقْدِيمَهَا تَأَسِّيًا بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَمُسَارَعَةً إلَى الْخَيْرَاتِ قَبْلَ حُلُولِ الْمَنِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْآفَاتِ وَكَانَ عَادَةُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ إذَا ذكر مسألة ذكر معها كل ماله تَعَلُّقٌ بِهَا وَمَا يُشْبِهُهَا وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ * قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ إذَا تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ عَنْ حَدَثٍ وَصَلَّاهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلْعَصْرِ عَنْ حَدَثٍ وَصَلَّاهَا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ الرَّأْسِ أَوْ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الطَّهَارَةِ مِنْ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهَا لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاتَيْنِ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا بَاطِلَةٌ وَقَدْ جَهِلَهَا فَهُوَ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا: وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ أَنَّ تَفْرِيقَ الْوُضُوءِ جَائِزٌ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَتَمَّتْ طَهَارَتُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ إنَّ تَفْرِيقَ الْوُضُوءِ يُبْطِلُهُ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ وَلَوْ تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ عَنْ حَدَثٍ فَصَلَّاهَا ثُمَّ حَضَرَتْ الْعَصْرُ فَجَدَّدَ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُحْدِثْ وَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ تَيَقَّنَ تَرْكَ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي إحْدَى طَهَارَتَيْهِ وَجَهِلَهَا فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبْنَى عَلَى أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ وَالْآخَرُ أَنَّ التَّجْدِيدَ

стр. 200

هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَفِيهِمَا خِلَافٌ فَنَذْكُرُ الطَّهَارَةَ ثُمَّ الصَّلَاةَ فَأَمَّا الطَّهَارَةُ: فَإِنْ قُلْنَا التَّجْدِيدُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ طَهَارَةً صَحِيحَةٍ: إمَّا الْأُولَى وَإِمَّا الثَّانِيَةُ وَإِمَّا بَعْضُهَا مِنْ الْأُولَى وَبَعْضُهَا مِنْ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ فَالْأُولَى صَحِيحَةٌ وَإِلَّا فَالثَّانِيَةُ إنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ حَصَلَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ مِنْ الْأُولَى وَالرَّأْسُ وَالرِّجْلَانِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ أَنَّ التَّجْدِيدَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بُنِيَ عَلَى التَّفْرِيقِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ وَإِنْ قُلْنَا يجوز بنى على أنه إذا فَرْقٌ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى لِبَاقِي الْأَعْضَاءِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَحْتَاجُ بَلْ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ فَإِنْ قُلْنَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ انْبَنَى عَلَى أَنَّ تَفْرِيقَ النِّيَّةِ عَلَى الْأَعْضَاءِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَجُوزُ فَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ بُنِيَ عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَمْسَحُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ انْبَنَى عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ لُمْعَةً مِنْ عُضْوِهِ فِي الغسلة الاولى فانغمست فِي الثَّانِيَةِ هَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَرْتَفِعُ فَهُوَ كَمَا إذَا قُلْنَا لَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ وَإِنْ قُلْنَا يَرْتَفِعُ فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ فَفِي التَّجْدِيدِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا هُوَ كَاللُّمْعَةِ وَالثَّانِي الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ وَالْمَسَائِلُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا سَتَأْتِي فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَبَابِ نِيَّتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاضِحَةً مَبْسُوطَةً: وَالْحَاصِلُ لِلْفَتْوَى مِنْ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَمْسَحُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ بناء على الراجح في جميع هذه الاوصول هَذَا حُكْمُ الطَّهَارَةِ: وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَيَجِبُ إعَادَةُ الظهر بلا خلاف بين أصحابنا لا نا شككنا في فعلها بطهارة والاصل بقاؤها عَلَيْهِ وَأَمَّا الْعَصْرُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ فَإِنْ قُلْنَا طَهَارَتُهُ الْآنَ صَحِيحَةٌ فَعَصْرُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُهَا أَوْ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَجَبَ إعَادَةُ الْعَصْرِ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ: وَقَدْ يُقَالُ كَيْفَ جَزَمُوا بِوُجُوبِ إعَادَةِ الظُّهْرِ وَقَدْ حَصَلَ الشَّكُّ فِيهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ سَجْدَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَا شئ عَلَيْهِ بَلْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ: وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ كَتِلْكَ وَالْفَرْقُ

стр. 201

من وجهين أحدهما أن الطهارة شرط للصلاة وَشَكَكْنَا هَلْ أَتَى بِهِ أَمْ لَا وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ أَتَى بِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ فَشَكَكْنَا هَلْ دَخَلَ فِيهَا أم لا واللاصل عدم الدخول ولم يعارض هذا الاصل شئ آخر وأما مسألة ترك السجدة فقد تيقن فِيهَا الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ وَشَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ فِي أَنَّهُ جَرَى مُبْطِلٌ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ مُبْطِلٍ وَالظَّاهِرُ مُضِيُّهَا عَلَى الصِّحَّةِ: الْفَرْقُ الثَّانِي أَنَّ الشَّكَّ فِي تَرْكِ السَّجْدَةِ وَنَحْوِهَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَعُفِيَ عَنْهُ بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ هَذَا تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ نَاقِصَةً وَأَحْسَنُهُمْ لَهَا ذِكْرًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تعليقه ولو توضأ للصبح عَنْ حَدَثٍ فَصَلَّاهَا ثُمَّ جَدَّدَ لِلظُّهْرِ ثُمَّ توضأ للعصر عن حدث جَدَّدَ لِلْمَغْرِبِ ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلْعِشَاءِ عَنْ حَدَثٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ مَسْحًا فِي إحْدَى الطِّهَارَاتِ وَجَبَ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِطَهَارَةِ عن حَدَثٍ بِلَا خِلَافٍ وَفِي الَّتِي صَلَّاهَا بَعْدَ تجديد الخلاف والتفصيل السَّابِقُ: وَلَوْ تَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ وَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ نَسِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى فَتَوَضَّأَ ثَانِيًا وَصَلَّى ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ مَسْحًا فِي إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَسَجْدَةً مِنْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَحَلَّهُمَا فَطَهَارَتُهُ الْآنَ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَسْحَ فِي الطَّهَارَةِ الْأُولَى وَالسَّجْدَةِ مِنْ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) وَمِمَّا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ مُتَّصِلًا بِهَذِهِ وَهُوَ مِمَّا يُشْبِهُهَا اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ وَعَكْسُهُ وَفِيهِ خِلَافٌ وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَالْأَكْثَرُونَ ذَكَرُوهُ فِي بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَأَنَا أَرَى تَقْدِيمَهُ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ وَمُسَارَعَةً إلَى الْخَيْرِ لَكِنِّي أَذْكُرُهَا مُخْتَصَرَةً فَإِنْ وَصَلَتْ بَابَ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ بَسَطْتُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كان شيخي يذكر ههنا اقْتِدَاءَ الشَّافِعِيِّ بِالْحَنَفِيِّ قَالَ وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ فَإِذَا تَوَضَّأَ حَنَفِيٌّ وَاقْتَدَى بِهِ شَافِعِيٌّ وَالْحَنَفِيُّ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَقِدُهَا فَثَلَاثَةُ أوجه أحدها وهو قول الاستاذ أبى اسحق الاسفرايني لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ لِأَنَّهُ وَإِنْ نَوَى فَلَا يَرَاهَا وَاجِبَةً فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ فَلَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ القفال يصح وان لم ينولان كُلَّ وَاحِدٍ مُؤَاخَذٌ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ: وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حامد

стр. 202

الاسفراينى إنْ نَوَى صَحَّ وَإِلَّا فَلَا: فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ مَشْهُورَةٌ وَالْمُخْتَارُ وَجْهٌ رَابِعٌ سَنَذْكُرُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِالْحَنَفِيِّ وَنَحْوِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ إخْلَالُهُ بِمَا نَشْتَرِطُهُ وَنُوجِبُهُ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ جَارِيَةٌ فِي صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ خَلْفَ حَنَفِيٍّ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ وَيَرَاهُ ذَلِكَ الْمُصَلِّي بِأَنْ أَبْدَلَ الْفَاتِحَةَ أَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ أَوْ مَسَّ فرجا أو امرأة فعند الاستاذ أبي اسحق وَأَبِي حَامِدٍ صَلَاةُ الشَّافِعِيِّ خَلْفَهُ بَاطِلَةٌ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ وَعِنْدَ الْقَفَّالِ صَحِيحَةٌ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْإِمَامِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ صَلَّى الْحَنَفِيُّ عَلَى خلاف مذهبه مما يصححه الشافعي بأن افتصد وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فَاقْتَدِي بِهِ شَافِعِيٌّ فَعِنْدَ الْقَفَّالِ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي حَامِدٍ يَصِحُّ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ قَالَ الْإِمَامُ وَلَوْ وَجَدَ شَافِعِيٌّ وَحَنَفِيٌّ نَبِيذَ تَمْرٍ وَلَمْ يَجِدَا مَاءً فَتَوَضَّأَ بِهِ الْحَنَفِيُّ وَتَيَمَّمَ الشَّافِعِيُّ وَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرَى بُطْلَانَ صَلَاةِ صَاحِبِهِ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَيْنِ إذَا سُمِعَ مِنْهُمَا صوت حدث تنا كراه وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْمَاءُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ حَنَفِيٌّ هَلْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ لم يذكرها المصنف أحداها قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ لَوْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ فَاخْتَلَطَتْ بِغَنَمِ غَيْرِهِ أَوْ اخْتَلَطَتْ رَحْلُهُ بِرِحَالِ غَيْرِهِ أَوْ حَمَامُهُ بِحَمَامِ غَيْرِهِ فَلَهُ التَّحَرِّي وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ لَوْ اخْتَلَطَتْ شَاتُه أَوْ حَمَامُهُ بِشَاةِ غَيْرِهِ وَحَمَامِهِ فَلَهُ أَخْذُ وَاحِدَةٍ بِالِاجْتِهَادِ فَإِنْ نَازَعَهُ مَنْ فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ فِي شَاتِه وَثَوْبِهِ الْمُخْتَلَطَيْنِ وَجْهَيْنِ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِهِ: الثَّانِيَةُ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا اختلطت زوجته بنساء واشتبهت لم يجزله وطئ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِالِاجْتِهَادِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كُنَّ مَحْصُورَاتٍ أَوْ غَيْرَ مَحْصُورَاتٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَالْأَبْضَاعُ يُحْتَاطُ لَهَا وَالِاجْتِهَادُ خِلَافُ الِاحْتِيَاطِ: وَلَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ مَحَارِمِهِ

стр. 203

بِنِسْوَةٍ فَإِنْ كُنَّ غَيْرَ مَحْصُورَاتٍ كَنِسْوَةِ بَلَدٍ كَبِيرٍ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى اجْتِهَادٍ كَمَا لَوْ غُصِبَتْ شَاةٌ وَذُبِحَتْ فِي بَلَدٍ لَا يَحْرُمُ اللحم بسببها لا نغمارها فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كُنَّ مَحْصُورَاتٍ كَقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَلَوْ اجْتَهَدَ: وَالثَّانِي يَجُوزُ سَوَاءٌ اجْتَهَدَ أَمْ لَا وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: الثَّالِثَةُ إنْ اخْتَلَطَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّيَاتِ بَلَدٍ أَوْ إنَاءُ بَوْلٍ بِأَوَانِي بَلَدٍ فَلَهُ أَكْلُ بَعْضِ الْمُذَكَّيَاتِ وَالْوُضُوءُ بِبَعْضِ الْأَوَانِي وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِلَى أَيِّ حَدٍّ يَنْتَهِي فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَحْرِ أَحَدُهُمَا إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً فَاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الجميع الاتمرة وَلَا يَحْنَثُ: وَالثَّانِي يَجُوزُ إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرٌ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَاطُ بِهِ ابْتِدَاءً مُنِعَ الْجَوَازُ وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِمِثْلِهِ فِيمَا لَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنْ أَرْضٍ وَنَحْوِهَا وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: الرَّابِعَةُ حَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ لَهُ دَنَّانِ فِي أَحَدِهِمَا دَبْسٌ وَفِي الْآخَرِ خَلٌّ وَاغْتَرَفَ مِنْهُمَا فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ ثُمَّ رَأَى فِي الْإِنَاءِ فَأْرَةً مَيْتَةً لَا يَعْلَمُ مِنْ أَيِّهِمَا هِيَ تَحَرَّى فِي الدَّنَّيْنِ فَإِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَةِ أَحَدِهِمَا وَنَجَاسَةِ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ اغْتَرَفَ بِمِغْرَفَتَيْنِ فَاَلَّذِي أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَتِهِ طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجَسٌ وَإِنْ كَانَ بِمِغْرَفَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ ظَهَرَ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّ الفأرة كانت في الثاني فالاول باق على طَهَارَتِهِ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَوَّلِ فَهُمَا نَجَسَانِ: الْخَامِسَةُ إذَا اشْتَبَهَ الْمَاءَانِ فَتَوَضَّأَ بِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَبَانَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ طَاهِرٌ فَقَدْ حَكَى الشَّاشِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمُسْتَظْهِرِيِّ ثُمَّ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا يصح وضوءه في اختيار الشيخ أبي اسحق الْمُصَنِّفَ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ فَهُوَ كَالْمُصَلِّي إلَى جِهَةٍ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ وَافَقَ الْقِبْلَةَ وَكَذَا مَنْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ بِلَا اجْتِهَادٍ فَوَافَقَهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَالَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ

стр. 204

يَصِحُّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إصَابَةُ الطَّاهِرِ وَقَدْ حَصَلَ قَالَ الشَّاشِيُّ وَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ شاكا في شرطها فوزانه لَوْ صَلَّى هُنَا قَبْلَ بَيَانِ طَهَارَةِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي نَفْسِهَا عِبَادَةٌ وَقَدْ شَرَعَ فِيهَا شَاكًّا فِي شَرْطِهَا فَكَانَ مُتَلَاعِبًا (قُلْتُ) وَقَدْ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ في فتاويه بصحة وضؤه والمختار بطلان وضؤه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * فَصْلٌ (تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ شُكِيَ إلَيْهِ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إليه الشئ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ ﷺ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ ريحا قال أَصْحَابُنَا نَبَّهَ ﷺ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ وَالْيَقِينَ لَا يُتْرَكُ حُكْمُهُ بِالشَّكِّ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَطْرَدَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا مَسَائِلُ يَسِيرَةٌ لِأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ عَلَى تَخْصِيصِهَا وَبَعْضُهَا إذَا حُقِّقَ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا وَسَأَذْكُرُهَا الْآنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ أَوْ مَائِعٌ آخَرُ مِنْ لَبَنٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ دُهْنٍ أَوْ طَبِيخٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ عَصِيرٍ أَوْ غَيْرِهَا مما أصله الطهارة وتردد في نجاسة فَلَا يَضُرُّ تَرَدُّدُهُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ تَرَدُّدُهُ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ مُسْتَوِيًا أَوْ تَرَجَّحَ احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ إلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ النَّجَاسَةُ حُكِمَ بِهَا (١) وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ طَهَارَةٍ أَوْ حَيْضِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ فَلَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يَلْزَمُهُ شئ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَسْتَنِدْ الظَّنُّ إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ اسْتَنَدَ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ إذَا تَغَيَّرَ وَمَسْأَلَةُ الْمَقْبَرَةِ الْمَشْكُوكِ فِي نَبْشِهَا وَثِيَابُ الْمُتَدَيِّنِينَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَهَا أَحْكَامٌ مَعْرُوفَةٌ فَفِي بَعْضِهَا يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ بِلَا خِلَافٍ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ (٢) وَشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الظَّنَّ وَتَقَدَّمَ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِلَا خِلَافٍ وَفِي بَعْضِهَا

стр. 205

قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْمَقْبَرَةِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الْآنِيَةِ فِي آنِيَةِ الْكُفَّارِ المتدينين باستعمال النجاسة وجهين أنها مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهَا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَالثَّانِي بِطَهَارَتِهَا عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمَشْكُوكِ فِي نَبْشِهَا قَالُوا وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّهُ تَعَارُضُ أَصْلٍ وَظَاهِرٍ فَأَيُّهُمَا يُرَجَّحُ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ وَبَالَغَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي التَّخْرِيجِ عَلَى هَذَا فَأَجْرَوْا قَوْلَيْنِ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ ثِيَابِ مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَالْقَصَّابِينَ وَشَبَهِهِمْ مِمَّنْ يُخَالِطُ النَّجَاسَةَ وَلَا يَتَصَوَّنُ مِنْهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَطَرَّدُوهَا فِي طِينِ الشَّوَارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ وابع بَعْضُهُمْ فَطَرَّدَهَا فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ هَلْ تَثْبُتُ النَّجَاسَةُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِيهِ قَوْلَانِ وَالرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ فِي هَذَا كُلِّهِ طَرِيقَةُ العراقيين وهي القطع بطهارة كل هذا وشبهه وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى طَهَارَةِ ثِيَابِ الصِّبْيَانِ فِي مَوَاضِعَ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلٌ وَظَاهِرٌ أَوْ أَصْلَانِ فَفِيهَا قَوْلَانِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَشْرَافِ على غوامض الحكومات وهذا الاصلاق الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ لَنَا مَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بالظن بلا خلاف كشهادة عَدْلَيْنِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الظَّنَّ وَيُعْمَلُ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ ولا ينظر إلى أصلى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَكَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ وَأَشْبَاهِهَا وَمَسَائِلُ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَصْلِ بِلَا خِلَافٍ كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَحْدَثَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ صَلَّى أَرْبَعًا لَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِيهَا كُلُّهَا بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْبَقَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَدَمِ الطلاق والعتق والركعة الرابعة واشتباهها بَلْ الصَّوَابُ فِي الضَّابِطِ مَا حَرَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ إذَا تَعَارَضَ أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ وَجَبَ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ كَمَا فِي تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّاجِحِ فَهِيَ مَسَائِلُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ الظَّاهِرِ حُكِمَ بِهِ كَإِخْبَارِ عَدْلٍ بِالنَّجَاسَةِ وكبول الظبية وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ الْأَصْلِ حُكِمَ بِهِ بِلَا خِلَافٍ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو. قَالَ إمَامُ الحرمين ما يتردد في طهارته ونجاسة مِمَّا أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ طَهَارَتُهُ فَالْوَجْهُ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ وَلَوْ أَرَادَ الْإِنْسَانُ طَلَبَ يَقِينِ

стр. 206

الطهارة فلا حرج بشرط لَا يَنْتَهِيَ إلَى الْوَسْوَاسِ الَّذِي يُنَكِّدُ عَيْشَهُ وَيُكَدِّرُ عَلَيْهِ وَظَائِفَ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْمُنْتَهَى إلَى ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَسَالِكِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ قَالَ وَالْوَسْوَسَةُ مَصْدَرُهَا الْجَهْلُ بِمَسَالِكِ الشَّرِيعَةِ أَوْ نُقْصَانٌ فِي غَرِيزَةِ الْعَقْلِ * الْقِسْمُ الثَّانِي مَا اسْتَوَى في طهارته ونجاسته التقدير ان فَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِنْسَانُ كَانَ مُحْتَاطًا: الثَّالِثُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا طَهَارَتُهُ وَالثَّانِي نَجَاسَتُهُ (قُلْتُ) هَذَا الَّذِي أَطْلَقَهُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ على اطلاقه بل هو على مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) اعْلَمْ أَنَّ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ ﵀ كِتَابَ التَّبْصِرَةِ فِي الْوَسْوَسَةِ وَهُوَ كِتَابٌ نَافِعٌ كَثِيرُ النَّفَائِسِ وَسَأَنْقُلُ مِنْهُ مَقَاصِدَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ: وَاشْتَدَّ إنْكَارُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ هَذَا عَلَى مَنْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا جَدِيدًا حَتَّى يَغْسِلَهُ لِمَا يَقَعُ مِمَّنْ يُعَانِي قِصَرَ الثِّيَابِ وَتَجْفِيفِهَا وَطَيِّهَا مِنْ التَّسَاهُلِ وَإِلْقَائِهَا وَهِيَ رطبة علي الارض النجسة ومباشرتها لها يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ نَجَاسَتُهُ وَلَا يُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْحَرُورِيَّةِ الْخَوَارِجِ اُبْتُلُوا بِالْغُلُوِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَبِالتَّسَاهُلِ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ قَالَ وَمَنْ سَلَكَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ يَعْتَرِضُ عَلَى أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ الْجَدِيدَةَ قَبْلَ غَسْلِهَا وَحَالُ الثِّيَابِ فِي ذَلِكَ فِي أَعْصَارِهِمْ كَحَالِهَا فِي عَصْرِنَا بِلَا شَكٍّ ثُمَّ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَمَرْتُ بِغَسْلِهَا أَكُنْتَ تَأْمَنُ فِي غَسْلِهَا أَنْ يُصِيبَهَا مِثْلَ هَذِهِ النَّجَاسَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ فَإِنْ قُلْتَ أَنَا أَغْسِلُهَا بِنَفْسِي فَهَلْ سَمِعْتَ فِي ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ وَجَّهُوا عَلَى الْإِنْسَانِ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ أَوْ النَّدْبِ والاحتياط غَسْلَ ثَوْبِهِ بِنَفْسِهِ احْتِرَازًا مِنْ أَوْهَامِ النَّجَاسَةِ * (فَرْعٌ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةَ نَبَغَ قَوْمٌ يَغْسِلُونَ أَفْوَاهَهُمْ إذَا أَكَلُوا خُبْزًا وَيَقُولُونَ الْحِنْطَةُ تُدَاسُ بِالْبَقَرِ وَهِيَ تَبُولُ وَتَرُوثُ فِي الْمَدَاسَةِ أَيَّامًا طَوِيلَةً وَلَا يَكَادُ يَخْلُو طَحِينُ ذَلِكَ عَنْ نَجَاسَتِهِ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْغُلُوِّ وَالْخُرُوجِ عَنْ عَادَةِ السَّلَفِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ فِي الْأَعْصَارِ

стр. 207

السَّالِفَةِ مَا زَالُوا يَدْرُسُونَ بِالْبَقَرِ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ هَذَا الْعَصْرِ وَمَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ ذَوِي التَّقْوَى وَالْوَرَعِ أَنَّهُمْ رَأَوْا غَسْلَ الْفَمِ مِنْ ذَلِكَ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ الْقَمْحِ الْمُتَنَجِّسِ بِذَلِكَ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَمْحِ السَّالِمِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَقَدْ اشْتَبَهَ إذَنْ وَاخْتَلَطَ قَمْحٌ قَلِيلٌ نَجِسٌ بِقَمْحٍ طَاهِرٍ لَا يَنْحَصِرُ وَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ التَّنَاوُلُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِنِسَاءٍ لَا يَنْحَصِرْنَ فَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَهَذَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَفِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ فِي شَرْحِهِ لِلْمِفْتَاحِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ وَإِنْ تَعَيَّنَ مَا سَقَطَ الرَّوْثُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الدِّرَاسِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ * (فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ أَوْ غيره شئ مِنْ لُعَابِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَعَرَقِهَا جَازَتْ صلاته قَالَ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ تَتَمَرَّغُ فِي الْأَمْكِنَةِ النَّجِسَةِ وَتَحُكُّ بِأَفْوَاهِهَا قَوَائِمُهَا الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّا لَا نَتَيَقَّنُ نَجَاسَةَ عَرَقِهَا وَلُعَابِهَا لِأَنَّهَا تَخُوضُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ وَتَكْرَعُ فِيهِ كَثِيرًا فَغَلَّبْنَا أَصْلَ الطَّهَارَةِ فِي لُعَابِهَا وَعَرَقِهَا قَالَ وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُمْ يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فِي الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْأَسْفَارِ وَلَا يَكَادُ يَنْفَكُّ الرَّاكِبُ في مثل ذلك عن أن يصيبه شئ مِنْ عَرَقِهَا أَوْ لُعَابِهَا وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِي ثِيَابِهِمْ الَّتِي رَكِبُوا فِيهَا وَلَمْ يُعِدُّوا ثَوْبَيْنِ ثَوْبًا لِلرُّكُوبِ وَثَوْبًا لِلصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) سئل الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في فتاويه عن جوخ حُكِيَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَهَا يَجْعَلُونَ فِيهَا شَحْمَ خِنْزِيرٍ وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ فَقَالَ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيمَا بِيَدِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُحْكَمْ بِالنَّجَاسَةِ وَسُئِلَ عَنْ بَقْلٍ فِي أَرْضٍ نَجِسَةٍ أَخَذَهُ الْبَقَّالُونَ وَغَسَلُوهُ غَسَلَا لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي التَّطْهِيرِ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَا يُصِيبُهُ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ فَقَالَ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَةُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْبَقْلِ بِأَنْ احْتَمَلَ أَنَّهُ مِمَّا ارْتَفَعَ عَنْ مَنْبَتِهِ النَّجَسِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ لِتَظَاهُرِ أَصْلَيْنِ عَلَى طَهَارَتِهِ وَسُئِلَ عن

стр. 208

الْأَوْرَاقِ الَّتِي تُعْمَلُ وَتُبْسَطُ وَهِيَ رَطْبَةٌ عَلَى الْحِيطَانِ الْمَعْمُولَةِ بِرَمَادٍ نَجَسٍ وَيُنْسَخُ فِيهَا وَيُصِيبُ الثوب من ذلك المداد الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ فِيهَا مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى فَقَالَ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ وَسُئِلَ عَنْ قَلِيلِ قَمْحٍ بَقِيَ فِي سُفْلِ هُرْيٍ وَقَدْ عَمَّتْ البلوى ببعر الفأر فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ نَجَاسَةً فِي هَذَا الْجُبِّ الْمُعَيَّنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ: وَالثَّانِي بِطَهَارَتِهِ بِنَاءً عَلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ قَالَ الْإِمَامُ كَانَ شَيْخِي يَقُولُ وَإِذَا تَيَقَّنَّا نَجَاسَةَ طِينِ الشَّوَارِعِ فَلَا خِلَافَ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَلِيلِ الَّذِي يَلْحَقُ ثياب الطارقين فان الناس لابد لَهُمْ مِنْ الِانْتِشَارِ فِي حَوَائِجِهِمْ فَلَوْ كَلَّفْنَاهُمْ الْغُسْلَ لَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ وَلِهَذَا عَفَوْنَا عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَثَرَاتِ: قَالَ الْإِمَامُ وَكَانَ شَيْخِي يَقُولُ الْقَلِيلُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مَا لَا يُنْسَبُ صَاحِبُهُ إلَى كَبْوَةٍ أَوْ عَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ تُحْفَظُ عَنْ الطِّينِ (فَرْعٌ) مَاءُ الْمِيزَابِ الَّذِي يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ وَلَا يُتَيَقَّنُ طَهَارَتُهُ وَلَا نَجَاسَتُهُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ نَظَرٌ وَالْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ انْغَسَلَتْ * (فَرْعٌ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ نَصَّ عَلَى طَهَارَةِ ثِيَابِ الصِّبْيَانِ فِي مَوَاضِعَ وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى وَهُوَ حَامِلُ أُمَامَةَ ﵂ وَهِيَ طِفْلَةٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَكَذَا يَجُوزُ مُؤَاكَلَةُ الصِّبْيَانِ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ طَبِيخٍ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ وَأَكْلُ فَضْلِ مَائِعٍ أَكَلَ منه صبى وصبية ما لك يَتَيَقَّنْ نَجَاسَةَ يَدِهِ فَإِنَّ يَدَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ نَجَاسَتُهَا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ مَعَ الصَّبِيِّ طَبِيخًا وَلَمْ تَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غير انكار

стр. 209

وَكَذَا رِيقُ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ يُكْثِرُ مِنْهُ وَضْعُ النَّجَاسَةِ فِي فَمِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تُتَيَقَّنَ نَجَاسَتُهُ (فَرْعٌ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ فِيمَا عُلِمَ أَنَّ أَصْلَهُ الطَّهَارَةُ وَشَكَّ فِي عُرُوضِ نَجَاسَتِهِ أَمَّا مَا جُهِلَ أَصْلُهُ فَقَدْ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِيهِ مَسَائِلَ يُقْبَلُ مِنْهُ بَعْضُهَا وَيُنْكَرُ بَعْضٌ فَقَالَ لَوْ كَانَ مَعَهُ إنَاءُ لَبَنٍ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ لَبَنُ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ رَأَى حَيَوَانًا مَذْبُوحًا وَلَمْ يَدْرِ أَذْبَحَهُ مُسْلِمٌ أَمْ مَجُوسِيٌّ أَوْ رَأَى قِطْعَةَ لَحْمٍ وَشَكَّ هَلْ هِيَ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ وَجَدَ نَبَاتًا وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ سُمٌّ قَاتِلٌ أَمْ لَا فَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي الْإِبَاحَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا هَذَا كَلَامُ الْمُتَوَلِّي: فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُذَكَّاةِ وَقِطْعَةُ اللَّحْمِ فَعَلَى مَا ذَكَرَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُبَاحُ بِذَكَاةِ أَهْلِ الذَّكَاةِ وَشَكَكْنَا فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّبَاتِ وَاللَّبَنِ وَشَبَهِهِمَا فَيَتَعَيَّنُ إجْرَاؤُهَا عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ لِأَصْحَابِنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَكُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ التَّحْرِيمِ أَمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ الصَّحِيحُ مِنْهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لاحكم قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْإِنْسَانِ في شئ يَفْعَلُهُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا حَرَجٍ وَلَا نُسَمِّيهِ مُبَاحًا لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَدَّعِي ذَلِكَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُثْبِتُ شَيْئًا فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَهُوَ كَمَا قَالَ الْمُتَوَلِّي لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ فَهُوَ حَلَالٌ حَتَّى يَتَحَقَّقَ (١) سَبَبُ التَّحْرِيمِ وَيُشْبِهُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَصْحَابُنَا فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ فِيمَا إذَا وَجَدْنَا حَيَوَانًا لَا يُعْرَفُ أَهُوَ مَأْكُولٌ أَمْ لَا وَلَا تَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ وَلَا تَسْتَخْبِثُهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْمُسْتَطَابِ وَالْمُسْتَخْبَثِ فَهَلْ يُحَلُّ أَكْلُهُ: فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا بَنَاهُمَا الْأَصْحَابُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ قِطْعَةِ اللَّحْمِ فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّي الْحُكْمَ بِتَحْرِيمِهَا وَقَالَ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِيهَا تَفْصِيلًا حَسَنًا فَقَالَ لَوْ وَجَدَ

стр. 210

قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةٍ وَجَهِلَ حَالَهَا فَإِنْ كَانَتْ مُلْقَاةً عَلَى الْأَرْضِ غَيْرِ مَلْفُوفَةٍ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَيْتَةٌ وَقَعَتْ مِنْ طَائِرٍ وَنَحْوِهِ فتكون حراما وان كانت فمكتل أَوْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهِمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُذَكَّاةٌ فَتَكُونُ حَلَالًا إلَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَاخْتَلَطُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا تُبَاحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالشَّكِّ فِي الْأَشْيَاءِ أَنَّ حُكْمَ الْيَقِينِ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ إلَّا فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ خَرَجَتْ لا دلة خَاصَّةٍ عَلَى تَخْصِيصِهَا وَبَعْضُهَا إذَا حُقِّقَ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا وَقَدْ انْدَرَجَ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ جُمْلَةٌ فِيمَا سَبَقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَسْأَلَةِ الظبية ونحوها فقد ذكر أبو العباس ابن الْقَاصِّ فِي كِتَابِهِ التَّلْخِيصُ أَنَّ كُلَّ مَنْ شك في شئ هَلْ فَعَلَهُ أَمْ لَا فَهُوَ غَيْرُ فَاعِلٍ فِي الْحُكْمِ وَلَا يُزَالُ حُكْمُ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ إلَّا فِي إحْدَى عَشْرَةً مَسْأَلَةً إحْدَاهَا إذَا شك ما سح الخف هل انقضت المدة أم لا: الثانية شَكَّ هَلْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ أَمْ فِي السَّفَرِ يُحْكَمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ: الثَّالِثَةُ إذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ خَلْفَ مَنْ لَا يَدْرِي أَمُسَافِرٌ هُوَ أَمْ مُقِيمٌ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ: الرَّابِعَةُ بَالَ حَيَوَانٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا وَلَمْ يَدْرِ أَتَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ أَمْ بِغَيْرِهِ فَهُوَ نَجَسٌ: الْخَامِسَةُ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ عِنْد كُلِّ صَلَاةٍ تَشُكُّ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ قَبْلَهَا: السَّادِسَةُ مَنْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَجَهِلَ مَوْضِعَهَا يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ كُلُّهُ: السَّابِعَةُ شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ أَمْ لَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ الثَّامِنَةُ شَكَّ مُسَافِرٌ هَلْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَمْ لَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ: التَّاسِعَةُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ انْقَطَعَ حَدَثُهُ أَمْ لَا فَصَلَّى بِطَهَارَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ: الْعَاشِرَةُ تَيَمَّمَ ثُمَّ رَأَى شَيْئًا لَا يَدْرِي أَسْرَابٌ هُوَ أَمْ مَاءٌ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَإِنْ بَانَ سَرَابًا: الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ فَوَجَدَهُ مَيْتًا وَشَكَّ هَلْ أَصَابَتْهُ رَمْيَةٌ أُخْرَى مِنْ حَجَرٍ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبًا * هَذِهِ مَسَائِلُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِهِ لِلتَّلْخِيصِ قَدْ خَالَفَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ

стр. 211

الْمَسَائِلِ كُلِّهَا فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فِي مَسْحِ الخف قال اصحابنا بنا لَمْ يُتْرَكْ فِيهِمَا الْيَقِينُ بِالشَّكِّ بَلْ لِأَنَّ الْأَصْلَ غَسْلُ الرِّجْلِ وَشَرْطُ الْمَسْحِ بَقَاءُ الْمُدَّةِ وَشَكَكْنَا فِيهِ فَعَمِلْنَا بِالْأَصْلِ الْغَسْلِ هَذَا قَوْلُ الْقَفَّالِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: قَالَ الْقَفَّالُ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ بِشَرْطٍ فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْإِتْمَامُ: قَالَ وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ هُوَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَغَيُّرُهُ بِالْبَوْلِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّهُ تَرَكَ الْأَصْلَ بِظَاهِرٍ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً: قَالَ وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ تَرْكُ أَصْلٍ بِشَكٍّ بَلْ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَإِذَا شَكَّتْ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَصَلَّتْ بِلَا غسل لم تستيقن الْبَرَاءَةَ مِنْ الصَّلَاةِ وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: قَالَ وَأَمَّا السَّادِسَةُ فَلَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا بِطَهَارَةٍ عَنْ هَذِهِ النَّجَاسَةِ فَمَا لَمْ يَغْسِلْ الْجَمِيعَ هُوَ شَاكٌّ فِي زَوَالِ مَنْعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ * قَالَ وَأَمَّا السَّابِعَةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي زَوَالِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ تَرْكَ يَقِينٍ بِشَكٍّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ فِيهِ نَظَرٌ: وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ * قَالَ وَأَمَّا الثَّامِنَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ وَلَكِنْ لَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ بَلْ الْأَصْلُ الْإِتْمَامُ فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ سَبَبَ الرُّخْصَةِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ: وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: وَأَمَّا التَّاسِعَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكِّ لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا شَكَّتْ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَقَدْ شَكَّتْ فِي السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ لِلصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَرَجَعَتْ إلَى أَصْلِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: وَأَمَّا الْعَاشِرَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ وَإِنَّمَا بَطَلَ التَّيَمُّمُ بِرُؤْيَةِ السَّرَابِ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ الطَّلَبُ وَإِذَا تَوَجَّهَ الطَّلَبُ بَطَلَ التَّيَمُّمُ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: قَالَ وَأَمَّا

стр. 212

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ فَفِي حِلِّ الصَّيْدِ قَوْلَانِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَحِلُّ فَلَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَقَدْ شَكَكْنَا فِي الْإِبَاحَةِ قَالَ الْقَفَّالُ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كُلَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ هَذَا كَلَامُ الْقَفَّالِ وَالصَّوَابُ فِي أَكْثَرِهَا مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ كَمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ * وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ استثني صاحب التلخليص مَسَائِلَ مِمَّا يُتْرَكُ فِيهَا الْيَقِينُ بِالشَّكِّ قَالَ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمُسْتَفَادَ مِنْهَا وَنَحْذِفُ مَا لَا يُشْكِلُ قَالَ فَمِمَّا اسْتَثْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ لَوْ شكوا في انقضاء الوقت يوم الجمعة (١) يُصَلُّوا جُمُعَةً وَلَمْ يَسْتَصْحِبُوا الْيَقِينَ وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَيْضًا مَسْأَلَتَيْ الْخُفِّ وَمَسْأَلَتَيْ شَكِّ الْمُسَافِرِ فِي وصول بلده ونية الْإِقَامَةَ وَلَمْ يَزِدْ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا اقْتَصَرَ الْغَزَالِيُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَقَلَ خِلَافًا فِي مَسْأَلَتَيْ الْمُسَافِرِ دُونَ الْمَسْحِ وَالْجُمُعَةِ * قَالَ الْإِمَامُ لَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ مُدَّةَ الْمَسْحِ وَوَقْتَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِ فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ شَكٌّ لَاحَ تَعَيَّنَ الرَّدُّ إلَى الْأَصْلِ * وَأَمَّا وُصُولُ دَارِ الْإِقَامَةِ وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقَامَةِ فَمُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الشَّاكِّ وَمِنْهُ تَتَلَقَّى مَعْرِفَتَهُ فَإِذَا جَهِلَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَصْلًا * قَالَ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ: وَمِمَّا لَمْ يَسْتَثْنِهِ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ مَسَحَ رَأْسَهُ مَثَلًا أم لا وفيه وجهان الاصح صحة وضوءه وَلَا يُقَالُ الْأَصْلُ عَدَمُ الْمَسْحِ وَمِثْلُهُ لَوْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ عِنْدَ الخراسانيين * اصحها وبه قطع العراقيون لا شئ عَلَيْهِ وَمَضَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ فَإِنْ تَكَلَّفَ مُتَكَلِّفٌ وَقَالَ الْمَسْأَلَتَانِ دَاخِلَتَانِ فِي الْقَاعِدَةِ فَإِنَّهُ شَكَّ هَلْ تَرَكَ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فليس تكلفه بشئ لِأَنَّ التَّرْكَ عَدَمٌ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ وَإِنَّمَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ الْفِعْلُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلَمْ يُعْمَلْ بِالْأَصْلِ * وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ فَرَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً وَاحْتَمَلَ حُصُولُهَا فِي الصَّلَاةِ وَحُدُوثُهَا بَعْدَهَا فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بَلْ مَضَتْ عَلَى الصِّحَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الاصل

стр. 213

عَدَمُ النَّجَاسَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهَا لِدُخُولِهَا فِي الْقَاعِدَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ تَحَقَّقَتْ النَّجَاسَةُ وَشَكَّ فِي انْعِقَادِ الصَّلَاةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَبَقَاؤُهَا فِي الذِّمَّةِ فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ* قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى * بَابُ (الْآنِيَةِ) (كُلُّ حَيَوَانٍ نَجِسَ بِالْمَوْتِ طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ وَهُوَ مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ لِقَوْلِهِ ﷺ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَلِأَنَّ الدِّبَاغَ يَحْفَظُ الصِّحَّةُ عَلَى الْجِلْدِ وَيَصْلُحُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ كَالْحَيَاةِ ثُمَّ الْحَيَاةُ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ الْجِلْدِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ: وَأَمَّا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُمَا بِالدِّبَاغِ لِأَنَّ الدِّبَاغَ كَالْحَيَاةِ ثُمَّ الْحَيَاةُ لَا تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ الْكَلْبِ والخنزير فكذلك الدباغ) * (الشَّرْحُ) الْآنِيَةُ جَمْعُ إنَاءٍ وَجَمْعُ الْآنِيَةِ الْأَوَانِي فَالْإِنَاءُ مُفْرَدٌ وَجَمْعُهُ آنِيَةٌ وَالْأَوَانِي جَمْعُ الْجَمْعِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ إلَّا مَجَازًا وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْغَزَالِيِّ ﵀ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْآنِيَةَ فِي الْمُفْرَدِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فِي اللُّغَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ جَمْعُ الْإِنَاءِ آنِيَةٌ وَجَمْعُ الْآنِيَةِ الْأَوَانِي كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ وَأَسَاقٍ * وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَمَّا مُسْلِمٌ فَذَكَرَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَأَمَّا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ فَفِي كِتَابِ اللِّبَاسِ وَالنَّسَائِيِّ فِي الذَّبَائِحِ وَهَذَا الْمَذْكُورُ لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَقَلِيلِينَ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَآخَرِينَ فَفِيهَا إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ وَاخْتِلَافَ ألفاظه في كتابه جَامِعِ السُّنَّةِ: وَيُقَالُ طَهُرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَأَمَّا الْإِهَابُ بِكَسْرِ

стр. 214

الْهَمْزَةِ فَجَمْعُهُ أُهُبٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَأَهَبٌ بفتحها لُغَتَانِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِيهِ فَقَالَ إمَامُ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ ﵀ الْإِهَابُ هُوَ الْجِلْدُ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ فِي سُنَنِهِ وَحَكَاهُ عَنْ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَكَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الْمُخْتَصَرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ الْجِلْدُ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِمَا لَمْ يُدْبَغْ: الْخِنْزِيرُ مَعْرُوفٌ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نُونِهِ هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ أَمْ أَصْلِيَّةٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَكُلُّ حَيَوَانٍ نَجِسَ بِالْمَوْتِ فَمَعْنَاهُ حَكَمْنَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَنَّهُ نَجَسٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ فَلِهَذَا اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَزَعَمَ أَنَّ بِقَوْلِهِ نَجِسَ بِالْمَوْتِ يَخْرُجُ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ بَلْ كَانَ نَجِسًا قَبْلَهُ وَاسْتَمَرَّتْ نَجَاسَتُهُ هَذَا الْإِنْكَارُ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا حَصَلَ الْإِنْكَارُ لِحَمْلِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَكُلُّ الْجُلُودِ النَّجِسَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. وَسَنَذْكُرُ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعٍ: وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَيْسَ بِنَجَسٍ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْقَطَّانِ قَالَ وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالدَّبْغِ بِسَبَبِ الزُّهُومَةِ الَّتِي فِي الْجِلْدِ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ فَيُؤْمَرُ بِالدَّبْغِ لا زالتها كَمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَهَذَا الْوَجْهُ فِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ وَغَايَةِ الشُّذُوذِ وَفَسَادُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ ﷺ إذَا دبغ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِلْدَ نَجَسُ الْعَيْنِ فَتُحْمَلُ الطَّهَارَةُ فِيهِ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ نَجَاسَةِ الْمُجَاوَرَةِ بِالزُّهُومَةِ كَمَا يُقَالُ طَهُرَ ثَوْبُهُ إذَا غُسِلَ مِنْ النَّجَاسَةِ: فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَيْسَ له دليل يعضده ولا حجة تَسْنُدُهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ وَتَخْصِيصُهُ الْجِلْدَ بِالطَّهَارَةِ دُونَ بَاقِي الْأَعْضَاءِ وَالْأَجْزَاءِ دَلِيلٌ عَلَى تناقض قوله

стр. 215

وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ نَجَسٌ وَكَذَا صَرَّحَ بِنَقْلِ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ آخَرُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَأَمَّا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَفَرْعُ أَحَدِهِمَا فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ * وَقَوْلُهُ فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهَا بِالدِّبَاغِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ جِلْدُهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَالتَّثْنِيَةُ تَعُودُ إلَى النَّوْعَيْنِ وَقَوْلُهُ جِلْدُهَا يَعُودُ إلَى الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَاَللَّذَانِ بَعْدَهُمَا * وَأَمَّا قَوْلُهُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَجِسَ بِالْمَوْتِ فَاحْتِرَازٌ مِمَّا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ بَلْ يَبْقَى طَاهِرًا وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْحَاوِي السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْجَنِينُ بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ وَالصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ أَوْ السَّهْمُ بِشَرْطِهِ وَالْخَامِسُ الْآدَمِيُّ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَهَذِهِ مَيْتَاتٌ طَاهِرٌ لَحْمُهَا وَجِلْدُهَا فَأَمَّا الْجَرَادُ فَلَا جِلْدَ لَهُ وَالسَّمَكُ مِنْهُ مَا لَا جِلْدَ لَهُ وَمِنْهُ مَا لَهُ جِلْدٌ كَعَظِيمِ حِيتَانِ الْبَحْرِ وَالْجَنِينُ وَالصَّيْدُ لَهُمَا جِلْدٌ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِلَا دِبَاغِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ مِنْ بَيْعٍ وَاسْتِعْمَالٍ فِي يَابِسٍ وَرَطْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ: وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَجِلْدُهُ طَاهِرٌ لَكِنْ لا يجوز استعمال جلده ولا شئ مِنْ أَجْزَائِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِحُرْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَصَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَخَلَائِقُ قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الاستذ كار لَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلُ أَنَّ دِبَاغَ جُلُودِ بَنِي آدَمَ وَاسْتِعْمَالَهَا حَرَامٌ وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو محمد علي بن احمد بن سعيد ابن حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ كِتَابِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِ سَلْخِ جِلْدِ الْآدَمِيِّ وَاسْتِعْمَالِهِ: وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْآدَمِيَّ يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ فَجِلْدُهُ نَجِسٌ وَهَلْ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَطْهُرُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَالْجُمْهُورِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا كُلُّ جِلْدٍ نَجِسَ بِالْمَوْتِ طَهُرَ بِالدِّبَاغِ وَدَلِيلُهُ عُمُومُ الْحَدِيثِ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ لِأَنَّ دِبَاغَهُ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الِامْتِهَانِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يَحْرُمُ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ حُصُولُ الِامْتِهَانِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ وَأَغْرَبَ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَذَكَرَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى دِبَاغُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
следующие страницы →