Полный текст (4 869 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
التَّقْدِيرُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُرْفِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِمَّا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ حَكَى الْبَنْدَنِيجِيُّ هَذَا الوجه
عن ابن سريج وأبى اسحق وغيرهما فإذا قلنا تقريب فزاد علي ثلثمائة أَذْرُعًا يَسِيرَةً كَثَلَاثَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ قُلْنَا تَحْدِيدٌ ضَرَّ وَلَوْ وَقَفَ خَلْفَ الْإِمَامِ شَخْصَانِ أَوْ صَفَّانِ أَحَدُهُمَا وَرَاءَ الْآخَرِ اُعْتُبِرَتْ هَذِهِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الصَّفِّ الْأَخِيرِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ الشَّخْصِ الْأَخِيرِ وَالْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ كَثُرَتْ الصُّفُوفُ وَبَلَغَ مَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَالصَّفِّ الْأَخِيرِ أَمْيَالًا جَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ كُلِّ صَفٍّ أَوْ شَخْصٍ وَبَيْنَ مَنْ قدامه علي ثلثمائة ذِرَاعٍ وَفِيهِ وَجْهٌ مَذْكُورٌ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ هَذِهِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالصَّفِّ الْأَخِيرِ إذا لم تكن الصفوف القريبة في الْإِمَامِ مُتَّصِلَةً عَلَى الْعَادَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَضْعِيفِهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلَوْ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ أَوْ يَسَارِهِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عليه رجل أوصف صَحَّ إنْ لَمْ يَزِدْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الامام علي ثلثمائة ذِرَاعٍ فَإِنْ وَقَفَ آخَرُ عَنْ يَمِينِ الْوَاقِفِ عن يمين الامام علي ثلثمائة ذِرَاعٍ مِنْ الْمَأْمُومِ الْأَوَّلِ ثُمَّ ثَالِثٌ عَلَى يمين الثاني علي ثلثمائة ذِرَاعٍ وَهَكَذَا رَابِعٌ وَخَامِسٌ وَأَكْثَرُ صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ كَمَا إذَا كَانُوا خَلْفَهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عليه ويجئ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ مِنْ الْإِمَامِ إذَا لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ الْقَرِيبَةُ بالامام علي العادة وعلى
стр. 1962
هذا ولو وقف واحد عن يمين الامام علي ثلثمائة ذِرَاعٍ وَآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ وَآخَرُ وَرَاءَهُ كَذَلِكَ ثُمَّ وَرَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ عَنْ جنبه آخر أوصف عَلَى هَذِهِ الْمَسَافَةِ ثُمَّ آخَرُ ثُمَّ آخَرُ وَكَثُرُوا صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ إذَا عَلِمُوا صَلَاةَ الْإِمَامِ: أَمَّا إذَا حَالَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَوْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ نَهْرٌ فِي الْفَضَاءِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْعُبُورُ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ إلَى الْآخَرِ بلا سياحة بِالْوُثُوبِ أَوْ الْخَوْضِ أَوْ الْعُبُورِ عَلَى جِسْرٍ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى سِبَاحَةٍ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَارِعٌ مَطْرُوقٌ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِهِمْ لَا يَضُرُّ بَلْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِحُصُولِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْمَاءُ لَا يُعَدُّ حَائِلًا وَكَمَا لَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا نَارٌ فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ الْفَضَاءُ مَوَاتًا أَوْ مِلْكًا أَوْ وَقْفًا بَعْضُهُ مَوَاتًا وَبَعْضُهُ مِلْكًا وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي السَّاحَةِ الْمَمْلُوكَةِ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَ كُلِّ صَفٍّ وَاَلَّذِي قُدَّامَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ وَوَجْهًا حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْمِلْكَيْنِ لِشَخْصَيْنِ لَا فِي مِلْكِ الْوَاحِدِ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَكَثِيرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ كَانَ الْفَضَاءُ مَحُوطًا عَلَيْهِ أَوْ مُسْقَفًا كَالْبُيُوتِ الْوَاسِعَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (الضَّرْبُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَا فِي غَيْرِ فَضَاءٍ فَإِذَا وَقَفَ أَحَدُهُمَا فِي صَحْنِ
دار أو في صُفَّتِهَا وَالْآخَرُ فِي بَيْتٍ مِنْهَا فَقَدْ يَقِفُ الْمَأْمُومُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَوَرَاءَهُ وَخَلْفَهُ وَفِيهِ طَرِيقَانِ (إحْدَاهُمَا) قَالَهَا الْقَفَّالُ وَأَصْحَابُهُ وَابْنُ كَجٍّ وَحَكَاهَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيّ فِي الْإِفْصَاحِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَا إذَا وَقَفَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَنْ يَتَّصِلَ الصَّفُّ مِنْ الْبِنَاءِ الَّذِي فِيهِ الْإِمَامُ بِاَلَّذِي فِيهِ الْمَأْمُومُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فُرْجَةٌ تَسَعُ وَاحِدًا فَإِنْ بَقِيَتْ فُرْجَةٌ لَا تَسَعُ وَاقِفًا فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) أَنَّهَا لَا تَضُرُّ
(وَالثَّانِي)
تَضُرُّ فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَتَبَةٌ عَرِيضَةٌ تَسَعُ وَاقِفًا اُشْتُرِطَ وُقُوفُ مُصَلٍّ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْوُقُوفُ فِيهَا فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْفُرْجَةِ الْيَسِيرَةِ الْأَصَحُّ
стр. 1963
لَا تَضُرُّ وَإِنْ وَقَفَ خَلْف الْإِمَامِ فَوَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ مُطْلَقًا (وَالصَّحِيحُ) الصِّحَّةُ بِشَرْطِ اتِّصَالِ الصُّفُوفِ وَتَلَاحُقِهَا وَمَعْنَى اتِّصَالِهَا أَنْ يقف شخص أوصف فِي آخِرِ بِنَاءِ الْإِمَامِ وَآخَرُ فِي أَوَّلِ بِنَاءِ الْمَأْمُومِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ وَالثَّلَاثَةُ لِلتَّقْرِيبِ قَالُوا فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا مَا لَا يَبِينُ فِي الْحِسِّ لَمْ يَضُرَّ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمَشْرُوعُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يُزَادَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَيْهِ وَإِذَا وُجِدَ هَذَا الشَّرْطُ فَكَانَ فِي بِنَاءِ الْمَأْمُومِ بَيْتٌ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ اُعْتُبِرَ الِاتِّصَالُ بِتَوَاصُلِ الْمَنَاكِبِ كَمَا سَبَقَ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَفَّالِ وموافقيه (الطريقة الثانية) طريقة أبي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَجُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ وَاخْتَارَهَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْبِنَاءِ لَا يَضُرُّ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصَّفِّ مِنْ خَلْفٍ وَلَا مِنْ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ عَلَى الضَّبْطِ الْمَذْكُورِ فِي الصَّحْرَاءِ فَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَبِجَنْبِهِ مَا لَمْ يَزِدْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ صَفٍّ علي ثلثمائة ذِرَاعٍ كَمَا سَبَقَ هَذَا إذَا كَانَ بَيْنَ البنائين باب مفتوح فوقف مقابله رجل أوصف أَوْ لَمْ يَكُنْ جِدَارٌ أَصْلًا كَصَحْنٍ مَعَ صُفَّةٍ فَلَوْ حَالَ حَائِلٌ يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ وَالْمُشَاهَدَةَ لم يصل الِاقْتِدَاءُ بِاتِّفَاقِ الطَّرِيقَتَيْنِ وَإِنْ مَنَعَ الِاسْتِطْرَاقَ دُونَ الْمُشَاهَدَةِ كَالشِّبَاكِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ يُعَدُّ حَائِلًا مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَإِذَا صَحَّ اقْتِدَاءُ الْوَاقِفِ أَوْ الْوَاقِفِينَ فِي الْبِنَاءِ إمَّا لِوُجُودِ الِاتِّصَالِ كَمَا شَرَطَهُ أَصْحَابُ الطَّرِيقَةِ الاولى وأما لعدم الزيادة على ثلثمائة ذِرَاعٍ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ صَلَاةُ الصُّفُوفِ وَالْمُنْفَرِدِ خَلْفَهُمْ تَبَعًا وَلَا يَضُرُّ الْحَائِلُ الْمَانِعُ مِنْ الِاسْتِطْرَاقِ وَالْمُشَاهَدَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ لَكِنْ يَكُونُ الصُّفُوفُ مَعَ الْوَاقِفِ كَالْمَأْمُومِينَ مَعَ الْإِمَامِ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْطِ السَّابِقِ فَيُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُمَا مَانِعٌ مِنْ الِاسْتِطْرَاقِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَيُعْتَبَرُ بَاقِي مَا سَبَقَ وَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَى الواقف المذكور واحد أوصف لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ
وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ سَمْتِ الْإِمَامِ إلَّا إذَا جَوَّزْنَا تَقَدُّمَ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَقَدَّمَ تَكْبِيرَةُ إحْرَامِ الَّذِينَ وَرَاءَ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُمْ بِالْإِمَامِ إلَّا تَبِعَا لِلْوَاقِفِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ
стр. 1964
قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَمَّا إذَا وَقَفَ الْإِمَامُ فِي صَحْنِ الدَّارِ وَالْمَأْمُومُ فِي مَكَان عَالٍ مِنْهَا كَسَطْحٍ وَطَرَفِ صُفَّةٍ مُرْتَفِعَةٍ وَنَحْوِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَفِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّصَالُ وَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ إنْ كَانَ رَأْسُ الْوَاقِفِ أَسْفَلَ يُحَاذِي رُكْبَةَ الْوَاقِفِ فِي الْعُلْوِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِلَّا فَلَا
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ إنْ حَاذَى رَأْسُ الْأَسْفَلِ قَدَمَ الْأَعْلَى صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِلَّا فَلَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْأَوَّلُ مُزَيَّفٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَالِاعْتِبَارُ بِمُعْتَدِلِ الْقَامَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَصِيرًا أَوْ قَاعِدًا فَلَمْ تُحَاذِ وَلَوْ قَامَ فِيهِ مُعْتَدِلُ الْقَامَةِ لَحَصَلَتْ الْمُحَاذَاةُ كَفَى وَحَيْثُ لَا يَمْنَعُ الِانْخِفَاضُ الْقُدْوَةَ وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يَحْصُلُ بِهِمْ الِاتِّصَالُ عَلَى سَرِيرٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ جَازَ وَلَوْ كَانَا فِي بَحْرٍ وَالْإِمَامُ فِي سَفِينَةٍ وَالْمَأْمُومُ فِي أُخْرَى وَهُمَا مَكْشُوفَتَانِ فَوَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ سَفِينَتُهُ مَشْدُودَةً بِسَفِينَةِ الْإِمَامِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يزيد ما بينهما علي ثلثمائة ذِرَاعٍ كَالصَّحْرَاءِ قَالُوا وَتَكُونُ السَّفِينَتَانِ كَدَكَّتَيْنِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْمَاءُ كَالْأَرْضِ وَإِنْ كَانَتَا مُسْقَفَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا فَهُمَا كَالدَّارَيْنِ وَالسَّفِينَةُ ذَاتُ الْبُيُوتِ كَدَارٍ ذَاتِ بُيُوتٍ وَحُكْمُ الْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ وَالْخَانِ حُكْمُ الدَّارِ لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ وَالسُّرَادِقَاتُ فِي الصَّحْرَاءِ كَسَفِينَةٍ مَكْشُوفَةٍ وَالْخِيَامُ كَالْبُيُوتِ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ خَارِجَهُ فَإِنْ وَقَفَ الْإِمَامُ فِي مَسْجِدٍ وَالْمَأْمُومُ فِي مَوَاتٍ مُتَّصِلٍ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ جَازَ إذَا لَمْ يَزِدْ ما بينهما علي ثلثمائة ذراع ومن اين تعتبر هذه الذرعان فيه ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ آخِرِ الْمَسْجِدِ وَالثَّانِي مِنْ آخِرِ صَفٍّ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْإِمَامُ فَمِنْ مَوْقِفِهِ وَالثَّالِثُ مِنْ حَرِيمِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوَاتِ وَحَرِيمُهُ الْمَوْضِعُ الْمُتَّصِلُ بِهِ الْمُهَيَّأُ لِمَصْلَحَتِهِ كَانْصِبَابِ الْمَاءِ إلَيْهِ وَطَرْحِ الْقُمَامَاتِ فِيهِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا جِدَارُ الْمَسْجِدِ لَكِنَّ الْبَابَ النَّافِذَ بَيْنَهُمَا مَفْتُوحٌ فَوَقَفَ فِي مُقَابِلَتِهِ جَازَ فَلَوْ اتَّصَلَ صَفٌّ بِالْوَاقِفِ فِي الْمُقَابِلَةِ وَرَاءَهُ وَخَرَجُوا عَنْ الْمُقَابِلَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ لِاتِّصَالِهِمْ بِمَنْ صلاته صحيحة
стр. 1965
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجِدَارِ بَابٌ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ مَفْتُوحًا أَوْ كَانَ مَفْتُوحًا وَلَمْ يَقِفْ فِي قُبَالَتِهِ بَلْ عَدَلَ عَنْهُ فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَطَعَ به أكثر المصنفين (والثاني) قاله أبو اسحق الْمَرْوَزِيُّ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَلَا يَكُونُ حَائِطُ الْمَسْجِدِ حَائِلًا سَوَاءٌ كَانَ قُدَّامَ الْمَأْمُومِ أَوْ عَنْ جَنْبِهِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَمْنَعُ وَهَذَا الْوَجْهُ مَشْهُورٌ عن ابى اسحق فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ هَذَا لَيْسَ بصحيح عن ابي اسحق قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَمَّا الْحَائِلُ غَيْرُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ فَيَمْنَعُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَابٌ مُغْلَقٌ فَهُوَ كَالْجِدَارِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ وَالْمُشَاهَدَةَ فَإِنْ كَانَ مَرْدُودًا غَيْرُ مُغْلَقٍ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ دُونَ الِاسْتِطْرَاقِ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا شِبَاكٌ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ الِاسْتِطْرَاقِ دُونَ الْمُشَاهَدَةِ فَفِي الصُّورَتَيْنِ وجهان (اصحهما) عد الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ مَانِعٌ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَوَاتِ فَلَوْ وَقَفَ الْمَأْمُومُ فِي شَارِعٍ مُتَّصِلٍ بِالْمَسْجِدِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْمَوَاتِ
(وَالثَّانِي)
يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصَّفِّ مِنْ الْمَسْجِدِ بِالطَّرِيقِ وَلَوْ وَقَفَ فِي حَرِيمِ الْمَسْجِدِ قَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ كَالْمَوَاتِ قال والفضاء الْمُتَّصِلُ بِالْمَسْجِدِ لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فَوَقَفَ الْمَأْمُومُ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ حَتَّى يَتَّصِلَ الصَّفُّ من المسجد بالفضاء قال وكذا يشترط الاتصال الصَّفِّ مِنْ سَطْحِ الْمَسْجِدِ بِالسَّطْحِ الْمَمْلُوكِ وَكَذَا لَوْ وَقَفَ فِي دَارٍ مَمْلُوكَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْمَسْجِدِ يُشْتَرَطُ الِاتِّصَالُ بِأَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ مُتَّصِلٌ بِعَتَبَةِ الدَّارِ وَآخَرُ فِي الدَّارِ مُتَّصِلٌ بِالْعَتَبَةِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَوْقِفُ رَجُلٍ هَذَا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي الْفَضَاءِ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْمَوَاتِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ فَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى طَرِيقَةِ الْقَفَّالِ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَمُتَابِعُوهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ بَلْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ إذَا لَمْ يزد ما بينهما علي ثلثمائة ذِرَاعٍ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ (فَقَوْلُهُ) فَإِنْ تَبَاعَدَتْ الصُّفُوفُ عَنْ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ لَا حَائِلَ بَيْنَهُمَا وَكَانَتْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ فَإِنْ كَانَ لَا حَائِلَ بَيْنَهُمَا وَالصَّوَابُ حَذْفُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ إذَا عَلِمَ صَلَاتَهُ سَوَاءٌ حَالَ حَائِلٌ أَمْ لَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا سبق وقوله وقدر الشافعي القريب بثلثمائة ذِرَاعٍ
لِأَنَّهُ قَرِيبٌ فِي الْعَادَةِ هَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلصَّحِيحِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورُ إنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُرْفِ لَا مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ وَالذِّرَاعُ مُؤَنَّثٌ وَمُذَكَّرٌ لُغَتَانِ التَّأْنِيثُ أَفْصَحُ وَاخْتَارَ
стр. 1966
الْمُصَنِّفُ التَّذْكِيرَ بِقَوْلِهِ فَإِنْ زَادَ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَلَمْ يَقُلْ ثَلَاثُ وَقَوْلُهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَقْرِيبٌ فَإِنْ زَادَ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ جَازَ هَذَا لَيْسَ تَحْدِيدًا لِلثَّلَاثَةِ بَلْ الثَّلَاثَةُ وَنَحْوُهَا وَمَا قَارَبَهَا يُعْفَى عَنْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ نِسْوَةً كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فَقَالَتْ إنَّكُنَّ دُونَهَا فِي حِجَابٍ " هَذَا الْأَثَرُ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ بِغَيْرِ إسْنَادٍ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ
(إحْدَاهَا) يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَطُولَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ إذَا صَلَّوْا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَدَّرَ الشَّافِعِيُّ القرب بثلثمائة ذِرَاعٍ وَقَالَ عَطَاءٌ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَإِنْ طَالَتْ الْمَسَافَةُ مِيلًا وَأَكْثَرَ إذَا عَلِمَ صَلَاتَهُ (الثَّانِيَةُ) لَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالْأَكْثَرِينَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ لِحَدِيثٍ رَوَوْهُ مَرْفُوعًا " مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ طَرِيقٌ فَلَيْسَ مَعَ الْإِمَامِ " وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سَلِيمٍ عَنْ تَمِيمٍ وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ وَتَمِيمٌ مَجْهُولٌ (الثَّالِثَةُ) لَوْ صَلَّى فِي دَارٍ أَوْ نَحْوِهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَحَالَ بَيْنَهُمَا حَائِلُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ تَصِحُّ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَصِحُّ مُطْلَقًا (الرَّابِعَةُ) يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ عِلْمُ الْمَأْمُومِ بِانْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ سَوَاءٌ صَلَّيَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِيهِ وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ بِسَمَاعِ الْإِمَامِ أَوْ مَنْ خَلْفَهُ أَوْ مُشَاهَدَةِ فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ مَنْ خَلْفَهُ وَنَقَلُوا الْإِجْمَاعَ فِي جَوَازِ اعْتِمَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَعْمَى اُشْتُرِطَ أَنْ يُصَلِّيَ بِجَنْبِ كامل ليعتمد موافقته مستدلا بها
* (بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ)
* قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لعمران بن الحصين " صلى قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ " وَكَيْفَ يَقْعُدُ فِيهِ قَوْلَانِ
(أَحَدُهُمَا)
يَقْعُدُ مُتَرَبِّعًا لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقِيَامُ يُخَالِفُ قُعُودَ الصَّلَاةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بدله مخالفا له
(والثانى)
يعقد مُفْتَرِشًا لِأَنَّ التَّرْبِيعَ قُعُودُ الْعَادَةِ وَالِافْتِرَاشَ قُعُودُ الْعِبَادَةِ فَكَانَ الِافْتِرَاشُ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أن يركع ويسجد أومأ اليهما وَقَرَّبَ وَجْهَهُ إلَى الْأَرْضِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مِخَدَّةٍ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ
стр. 1967
أم سلمة رضى الله عنهما سجدت علي مخدة لرمد بِهَا)
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عِمْرَانَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَفِعْلُ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ وقوله أومأ هو بالهمز وَالْمِخَدَّةِ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا تُوضَعُ تَحْتَ الْخَدِّ وَأُمُّ سَلَمَةَ سَبَقَ بَيَانُهَا كُنِّيَتْ بابنها سلمة وهو صحابي: وأما الاحكام فاجمعت الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ صَلَّاهَا قَاعِدًا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ عَنْ ثَوَابِهِ فِي حَالِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا " قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَجْزِ أَنْ لَا يَتَأَتَّى الْقِيَامُ وَلَا يَكْفِي أَدْنَى مَشَقَّةٍ بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْمَشَقَّةُ الظَّاهِرَةُ فَإِذَا خَافَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً أَوْ زِيَادَةَ مَرَضٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ خَافَ رَاكِبُ السَّفِينَةِ الْغَرَقَ أَوْ دَوَرَانَ الرَّأْسِ صَلَّى قَاعِدًا وَلَا إعَادَةَ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ الَّذِي أَرَاهُ فِي ضَبْطِ الْعَجْزِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْقِيَامِ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ لِأَنَّ الْخُشُوعَ مَقْصُودُ الصَّلَاةِ
стр. 1968
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَوْ جَلَسَ لِلْغُزَاةِ رَقِيبٌ يَرْقُبُ الْعَدُوَّ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَوْ قَامَ لَرَآهُ الْعَدُوُّ أَوْ جَلَسَ الْغُزَاةُ فِي مَكْمَنٍ وَلَوْ قَامُوا لَرَآهُمْ الْعَدُوُّ وَفَسَدَ التَّدْبِيرُ فَلَهُمْ الصَّلَاةُ قُعُودًا وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ لِنُدُورِهِ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي قَوْلًا أَنَّ صَلَاةَ الْكَمِينِ قَاعِدًا لَا تَنْعَقِدُ وَالْمَذْهَبُ الِانْعِقَادُ وَلَوْ خَافُوا أَنْ يَقْصِدَهُمْ الْعَدُوُّ فَصَلَّوْا قُعُودًا قَالَ الْمُتَوَلِّي أَجْزَأَتْهُمْ بِلَا إعَادَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا لِعَجْزِهِ فِي الْفَرِيضَةِ أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي النَّافِلَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِقُعُودِهِ هَيْئَةٌ مُشْتَرَطَةٌ بَلْ كَيْفَ قَعَدَ أَجْزَأَهُ لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ وَأَمَّا الْأَفْضَلُ مِنْ الْهَيْئَاتِ فَفِي غَيْرِ حَالِ الْقِيَامِ يَقْعُدُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ لِلْمُصَلِّي قَائِمًا فَيَتَوَرَّكُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَيَفْتَرِشُ
فِي سَائِرِ الْجِلْسَاتِ: وَأَمَّا الْقُعُودُ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الْقِيَامِ وَفِي مَوْضِعِهِ فَفِي الْأَفْضَلِ مِنْهُ قَوْلَانِ وَوَجْهَانِ (أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ) وَهُوَ أَصَحُّ الْجَمِيعِ يَقْعُدُ مُفْتَرِشًا وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ
(وَالثَّانِي)
مُتَرَبِّعًا وَهُوَ رِوَايَةُ الْبُوَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قال مالك والثوري والليث واحمد واسحق وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ مُتَوَرِّكًا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَغَيْرُهُمَا لِأَنَّهُ أَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي
(وَالثَّانِي)
يَقْعُدُ نَاصِبًا رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى جَالِسًا عَلَى رَجُلِهِ الْيُسْرَى وَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَأَخْتَارَهُ الْقَاضِي حُسَيْنُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْأَدَبِ وَأَمَّا رُكُوعُ الْقَاعِدِ فَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ مَا يُحَاذِي جَبْهَتَهُ ما وارء رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ يُحَاذِي جَبْهَتَهُ مَوْضِعُ سُجُودِهِ وَأَمَّا سُجُودُهُ فَكَسُجُودِ الْقَائِمِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَتَى بِالْمُمْكِنِ وَقَرَّبَ جَبْهَتَهُ قَدْرَ طَاقَتِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ خَفْضِهَا أَوْمَأَ لِقَوْلِهِ ﷺ " وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَلَوْ قَدَرَ الْقَاعِدُ عَلَى رُكُوعِ الْقَاعِدِ وَعَجَزَ عَنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ نَظَرَ إنْ قَدَرَ عَلَى أَقَلِّ رُكُوعِ الْقَاعِدِ أَوْ أَكْمَلِهِ بِلَا زِيَادَةٍ
стр. 1969
فَعَلَ الْمُمْكِنَ مَرَّةً عَنْ الرُّكُوعِ وَمَرَّةً عَنْ السُّجُودِ وَلَا يَضُرُّ اسْتِوَاؤُهُمَا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى كَمَالِ الرُّكُوعِ وَجَبَ الِاقْتِصَارُ فِي الِانْحِنَاءِ لِلرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ الْكَمَالِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ السُّجُودِ وَيَجِبُ أَنْ يُقَرِّبَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ لِلسُّجُودِ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ حَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ قَدَرَ أَنْ يَسْجُدَ علي صدعه أَوْ عَظْمِ رَأْسِهِ الَّذِي فَوْقَ جَبْهَتِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ جَبْهَتُهُ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ هُوَ وَالْأَصْحَابُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَمْ يَقْصِدْ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ أَنَّ الصُّدْغَ مَحِلُّ السُّجُودِ بَلْ قَصَدَ أَنَّهُ إذَا سَجَدَ عَلَيْهِ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ بِجَبْهَتِهِ مِنْ الْإِيمَاءِ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى مِخَدَّةٍ وَنَحْوِهَا وَحَصَلَتْ صِفَةُ السُّجُودِ بِأَنْ نَكَسَ وَرَفَعَ أَعَالِيَهُ إذَا شَرَطْنَا ذَلِكَ أَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ فِعْلُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ عَلَى قَدَمَيْهِ لِقَطْعِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِ وَأَمْكَنَهُ النُّهُوضُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ
النُّهُوضُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَرَدَّدَ فِيهِ شَيْخِي وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ فِي تَدْرِيسِهِ فِيهِ وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
يَجُوزُ لَهُ الْقُعُودُ لِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى قِيَامًا وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْهُودًا (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ قَالَ وَهُوَ اخْتِيَارُ إمَامِي لِأَنَّهُ أقرب إلي القيام * قال المصنف ﵀
* (قَالَ فِي الْأُمِّ وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا مُنْفَرِدًا وَيُخَفِّفَ الْقِرَاءَةَ وَإِذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ صَلَّى بَعْضَهَا مِنْ قُعُودٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا لِأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ وَالْجَمَاعَةَ نَفْلٌ فَكَانَ الِانْفِرَادُ أَوْلَى فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَقَعَدَ فِي بَعْضِهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ بِظَهْرِهِ عِلَّةٌ لَا تَمْنَعُهُ مِنْ الْقِيَامِ وَتَمْنَعُهُ من
стр. 1970
الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَزِمَهُ الْقِيَامُ وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ عَلَى قدر طاقته)
* (الشرح) هذه المسائل على ما ذكرها وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجْهٌ أَنَّ صَلَاتَهُ جَمَاعَةً أَفْضَلُ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَذْهَبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ وَإِذَا زَادَ السُّورَةَ عَجَزَ صَلَّى الفاتحة وَتَرَكَ السُّورَةَ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْلَى فَلَوْ شَرَعَ فِي السُّورَةِ فَعَجَزَ قَعَدَ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ السُّورَةِ لِيَرْكَعَ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذا صلي مع الامام وقعد في بَعْضَهَا أَمَّا إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ مُنْتَصِبًا كَمَنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ لِزَمَانَةٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَصَارَ كَرَاكِعٍ فَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عَلَى حَسَبِ إمْكَانِهِ فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ زَادَ فِي الِانْحِنَاءِ إنْ قَدَرَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا قَالَا فَإِنْ قَدَرَ عِنْدَ الرُّكُوعِ عَلَى الِارْتِفَاعِ إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَوْ كَانَ بِظَهْرِهِ عِلَّةٌ تَمْنَعُهُ الِانْحِنَاءَ دُونَ الْقِيَامِ فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ فَيَحْنِي صُلْبَهُ قَدْرَ الْإِمْكَانِ فَإِنْ لَمْ يُطِقْ حَنَى رَقَبَتِهِ وَرَأْسِهِ فَإِنْ احْتَاجَ فِيهِ إلَى شئ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَوْ إلَى أَنْ يَمِيلَ إلَى جَنْبِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُطِقْ الِانْحِنَاءَ أَصْلًا أَوْمَأَ إلَيْهِمَا: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ دَلِيلُنَا حَدِيثُ عِمْرَانَ وَبِمِثْلِ مَذْهَبِنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ وَالِاضْطِجَاعُ دُونَ الْقُعُودِ قَالَ الْبَغَوِيّ يَأْتِي بِالْقُعُودِ قَائِمًا لِأَنَّهُ قُعُودٌ وَزِيَادَةٌ والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
*
(وَإِنْ كَانَ بِعَيْنِهِ وَجَعٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ فَقِيلَ لَهُ إنْ صَلَّيْت مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُك فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ " لَمَّا وَقَعَ فِي عَيْنِهِ الْمَاءُ حَمَلَ إلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ الْأَطِبَّاءَ عَلَى الْبُرْدِ فَقِيلَ إنَّك تَمْكُثُ سَبْعًا لَا تُصَلِّي إلَّا مُسْتَلْقِيًا فَسَأَلَ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ فَنَهَتَاهُ "
(وَالثَّانِي)
يَجُوزُ لِأَنَّهُ يخاف الضرر من القيام فاشبه المرض)
*
стр. 1971
(الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فَأَصَابَهُ رَمَدٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ وَجَعِ الْعَيْنِ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ لَهُ طَبِيبٌ مَوْثُوقٌ بِدِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ إنْ صَلَّيْت مُسْتَلْقِيًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُك وَإِلَّا خِيفَ عَلَيْك الْعَمَى فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ وَلِأَصْحَابِنَا فِيهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِلْقَاءُ وَالِاضْطِجَاعُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ
(وَالثَّانِي)
لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَلَوْ قِيلَ لَهُ إنْ صَلَّيْت قَاعِدًا أَمْكَنَتْ الْمُدَاوَاةُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَجُوزُ الْقُعُودُ قَطْعًا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمَفْهُومُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَمِمَّنْ جَوَّزَ لَهُ الِاسْتِلْقَاءَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمِمَّنْ مَنَعَهُ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِي التَّنْبِيهِ احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ لَا نَقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا مَشْهُورَانِ وَهُوَ مِمَّنْ ذَكَرَهُمَا فِي الْمُهَذَّبِ وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُؤَالُهُ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوْ غَيْرَهُ بَعَثَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْأَطِبَّاءِ عَلَى الْبُرْدِ وَقَدْ وَقَعَ الْمَاءُ فِي عَيْنَيْهِ فَقَالُوا تُصَلِّي سَبْعَةَ أَيَّامٍ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاك فَسَأَلَ أم سلمة وعائشة عن ذلك فنهتاه " رواه الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ لَمَّا وَقَعَ فِي عَيْنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاءُ أَرَادَ أَنْ يُعَالَجَ مِنْهُ فَقِيلَ تَمْكُثُ كَذَا وَكَذَا يَوْمًا لَا تُصَلِّي
стр. 1972
إلَّا مُضْطَجِعًا فَكَرِهَهُ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْأَجَلُ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَمَّا الَّذِي حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ أَنَّهُ اسْتَفْتَى عَائِشَةَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةِ وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْمُهَذَّبِ وَرِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ مِنْ اسْتِفْتَاءِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ حَيْثُ
إنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ تُوُفِّيَتَا قَبْلَ خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَزْمَانٍ وَهَذَا الْإِنْكَارُ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ بَعَثَهُ أَنْ يَبْعَثَ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ بَلْ بَعَثَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَزَمَنِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَلَا يُسْتَكْثَرُ بَعْثُ الْبُرْدِ مِنْ مِثْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ كان قبل خلافته من روساء بَنِي أُمَيَّةَ وَأَشْرَافِهِمْ وَأَهْلِ الْوَجَاهَةِ وَالتَّمَكُّنِ وَبَسْطَةِ الدُّنْيَا فَبَعْثُ الْبُرْدِ لَيْسَ بِصَعْبٍ عَلَيْهِ وَلَا على من دونه بدرجات والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَسْتَلْقِي عَلَى ظَهْرِهِ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِرِجْلَيْهِ وَالْمَنْصُوصُ فِي الْبُوَيْطِيِّ هُوَ الْأَوَّلُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَالَ يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى جَالِسًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ بِطَرْفِهِ
стр. 1973
وَلِأَنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَإِذَا اسْتَلْقَى لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ إلا برجليه ويومى إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَقَالَ فِيهِ نَظَرٌ وقوله أومأ - هو بالهمز - قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقُعُودُ وَالْقِيَامُ وَالْعَجْزُ الْمُعْتَبَرُ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ وَفَوَاتُ الْخُشُوعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْعَجْزِ عن القيام وقال امام الحرمين لا يكتفى ذَلِكَ بَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَمُ تَصَوُّرِ الْقُعُودِ أو خيفة الهلاك أو المرض الطويل الحافا لَهُ بِالْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ هَذَا الْعَاجِزِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ يَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِوَجْهِهِ وَمُقَدِّمِ بَدَنِهِ الْقِبْلَةَ كَالْمَيِّتِ فِي لَحْدِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ اضْطَجَعَ عَلَى يَسَارِهِ صَحَّ وَكَانَ مَكْرُوهًا وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ
(وَالثَّانِي)
أَنَّهُ يَسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهُ وَيَجْعَلُ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَضَعُ تَحْتَ رَأْسِهِ شَيْئًا لِيَرْتَفِعَ وَيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ لَا الي السماء
стр. 1974
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (وَالثَّالِثُ) يَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ وَيَعْطِفُ أَسْفَلَ قَدَمَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ
الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَحَكَى جَمَاعَةٌ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قَوْلَيْنِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَغَيْرُهُمَا هَذَا الْخِلَافُ فِي الْكَيْفِيَّةِ الْوَاجِبَةِ فَمَنْ قَالَ بِكَيْفِيَّةٍ لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا بِخِلَافِ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ فَإِنَّهُ فِي الْأَفْضَلِ لِاخْتِلَافِ أَمْرِ الِاسْتِقْبَالِ بِهَذَا دُونَ ذَاكَ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْقَادِرِ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَاتِ فَأَمَّا مَنْ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى وَاحِدَةٍ فَتُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ إذَا صَلَّى عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَقَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَتَى بِهِمَا وَإِلَّا أَوْمَأَ إلَيْهِمَا مُنْحَنِيًا بِرَأْسِهِ وَقَرَّبَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَيَكُونُ السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنْ عَجَزَ عن الاشارة بالرأس أومأ بطرفه وهذا كُلُّهُ وَاجِبٌ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِالطَّرْفِ أَجْرَى أَفْعَالَ الصَّلَاةِ عَلَى قَلْبِهِ فَإِنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَجَبَ أَنْ يُجْرِيَ الْقُرْآنَ وَالْأَذْكَارَ الْوَاجِبَةَ عَلَى قَلْبِهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ يُجْرِيَ الْأَفْعَالَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَمَا دَامَ عَاقِلًا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ وَلَوْ انْتَهَى مَا انْتَهَى وَلَنَا وَجْهٌ حَكَاهُ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا شاذ مردود
стр. 1975
وَمُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَأَمَّا حِكَايَةُ صَاحِبِ الْوَسِيطِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ فَمُنْكَرَةٌ مَرْدُودَةٌ وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْقِطُهَا إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا هَذَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِي الْحَالِ فَإِنْ بَرِئَ لَزِمَهُ القضاء والمعروف عن مالك وأحمد كمذهبنا * قال المصنف ﵀
* (وإذا افتتح الصلاة قائما ثم عجز قعد وأتم صَلَاتَهُ وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَاعِدًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ قَامَ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ جَمِيعَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا عِنْدَ الْعَجْزِ وَجَمِيعَهَا قَائِمًا عِنْدَ الْقُدْرَةِ فَجَازَ أَنْ يُؤَدِّيَ بَعْضَهَا قَاعِدًا عِنْدَ الْعَجْزِ وَبَعْضَهَا قَائِمًا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا ثُمَّ عَجَزَ اضْطَجَعَ وَإِنْ افْتَتَحَهَا مُضْطَجِعًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ قَامَ أَوْ قَعَدَ لِمَا ذَكَرْنَا)
* (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ الْمَفْرُوضَةِ عَنْ الْقِيَامِ جَازَ الْقُعُودُ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ جَازَ الِاضْطِجَاعُ وَيَبْنِي عَلَى ما مضى من صلاته لو صَلَّى قَاعِدًا لِلْعَجْزِ فَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي أَثْنَائِهَا وَجَبَتْ الْمُبَادَرَةُ بِالْقِيَامِ وَيَبْنِي وَلَوْ صَلَّى مُضْطَجِعًا فَأَطَاقَ الْقِيَامَ أَوْ الْقُعُودَ فِي أَثْنَائِهَا وَجَبَ الْمُبَادَرَةُ بِالْمَقْدُورِ
стр. 1976
وَيَبْنِي ثُمَّ إنْ تَبَدَّلَ الْحَالُ مِنْ الْكَمَالِ إلَى النَّقْصِ بِأَنْ عَجَزَ فِي أَثْنَائِهَا وَانْتَقَلَ إلَى الْمُمْكِنِ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ إدَامَةُ قِرَاءَتِهَا فِي هَوِّيهِ وَإِنْ تَبَدَّلَ مِنْ النَّقْصِ إلَى الْكَمَالِ بِأَنْ قَدَرَ الْقَاعِدُ عَلَى الْقِيَامِ لِخِفَّةِ الْمَرَضِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ قَامَ وَقَرَأَ قَائِمًا وَكَذَا إنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ قَامَ وَقَرَأَ بَقِيَّتَهَا بَعْدَ الِانْتِصَابِ
стр. 1977
قَائِمًا وَيَجِبُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْتَصِبَ فَإِنْ قَرَأَ فِي حَالِ النُّهُوضِ لَمْ يُحْسَبْ وَإِنْ قَدَرَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَزِمَهُ الْقِيَامُ لِيَهْوِيَ مِنْهُ إلَى الرُّكُوعِ وَلَا يَلْزَمُهُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذَا الْقِيَامِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ وَيُسْتَحَبُّ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَنْ يُعِيدَ الْفَاتِحَةَ لِيَقَعَ فِي حَالِ الْكَمَالِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَوْ قَدَرَ فِي حَالِ رُكُوعِهِ قَاعِدًا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ لَزِمَهُ الِارْتِفَاعُ إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ عَنْ قِيَامٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ فَإِنْ فَعَلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ قِيَامًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ فَيَجِبُ الِاعْتِدَالُ قَائِمًا ثُمَّ يَسْجُدُ وَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إلَى رُكُوعِ الْقَائِمِينَ فَإِنْ خَالَفَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ رُكُوعًا وَلَوْ وَجَدَ الْقُدْرَةَ فِي الِاعْتِدَالِ قَاعِدًا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُومَ ليعتدل ويطمئن
стр. 1978
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَوَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
يَلْزَمُهُ أَنْ يقوم ليقع السجود من قيام (وأصحهما) لَا يَقُومُ لِئَلَّا يَطُولَ الِاعْتِدَالُ وَهُوَ رُكْنٌ قَصِيرٌ فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ الْقُنُوتِ لَمْ يَقْنُتْ قَاعِدًا فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ قُعُودًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَإِنَّمَا حَقُّهُ أَنْ يَقُومَ فَيَقْنُتَ قَائِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* هَذَا كُلُّهُ حُكْمُ صَلَاةِ الْفَرْضِ أَمَّا صَلَاةُ النَّافِلَةِ قَاعِدًا فَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَسَبَقَ شَرْحُهَا هُنَاكَ كَامِلًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ لو رَكَعَ الْمُصَلِّي فَرِيضَةً فَعَرَضَتْ لَهُ عِلَّةٌ مَنَعَتْهُ الِاعْتِدَالَ سَقَطَ عَنْهُ الِاعْتِدَالُ فَيَسْجُدُ قَالُوا فَلَوْ زَالَتْ الْعِلَّةُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي السُّجُودِ لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى الِاعْتِدَالِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَإِنْ زَالَتْ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِالسُّجُودِ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يَجُزْ الْعَوْدُ إلَى الِاعْتِدَالِ لِأَنَّهُ سَقَطَ بِالْعَجْزِ فَلَوْ أَتَى به كان زائدا قياما وذكل مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ
*
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ قَعَدَ وَبَنَى عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَاعِدًا لِلْعَجْزِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ قَامَ وَبَنَى عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ افْتَتَحَهَا مُضْطَجِعًا أَوْ قَاعِدًا ثُمَّ قَدَرَ فِي أَثْنَائِهَا عَلَى الْقُعُودِ أَوْ الْقِيَامِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَيَبْنِي عَلَى مَا صَلَّى وَهَكَذَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي عَارِيًّا فَاسْتَتَرَ عَلَى قُرْبٍ أَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أُمِّيًّا فَتَلَقَّنَ الْفَاتِحَةَ فَيَبْنِي وَبِهَذَا كُلُّهُ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَيَجِبُ استئنافها
* (بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ)
* قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
стр. 1979
ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) قال يعلى بْنُ أُمَيَّةَ قُلْت لِعُمَرَ ﵁ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ قَالَ عُمَرُ عجبت مما عجبت منه فَسَأَلْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلو لصدقته " وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي سَفَرِ الْمَاءِ كَمَا يَجُوزُ لِلرَّاكِبِ فِي الْبَرِّ
* (الشرح) حديث يعلى رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِجَوَازِ الْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ تَصَدَّقَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَقَدْ كَرِهَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرْته وَاضِحًا فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ وقَوْله تَعَالَى (إذا ضربتم في الارض) الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ هُوَ السَّفَرُ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَا يَجُوزُ فِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَلَا فِي الْحَضَرِ وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِذَا قَصَرَ الرُّبَاعِيَّاتِ رَدَّهُنَّ إلَى رَكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ خَوْفٌ أَمْ لَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْوَاجِبُ فِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ الثَّالِثَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ وَيَنْفَرِدُ بِالْأُخْرَى كَمَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِيهَا وَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِي سَفَرِ الْمَاءِ فِي السَّفِينَةِ لِأَنَّهُ سَفَرٌ
دَاخِلٌ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَسَوَاءٌ فِيهِ مِنْ رَكِبَ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ وَالْمَلَّاحُ الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيُدِيمُ السَّيْرَ فِي الْبَحْرِ وَالْمُكَارِي وَغَيْرُهُمْ فَكُلُّهُمْ لَهُمْ الْقَصْرُ إذَا بَلَغَ سَفَرُهُمْ مَسَافَةً لَوْ قُدِّرَتْ فِي الْبَرِّ بَلَغَتْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً لَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُمْ الْإِتْمَامُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ إلَّا أَنَّ أَبَا حنيفة يشترط ثلاث مراحل وقال الحسن ابن صَالِحٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَجُوزُ لِلْمَلَّاحِ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ: دَلِيلُنَا أَنَّهُ مُسَافِرٌ وَمَا قَالُوهُ يُنْتَقَضُ بِاَلَّذِي يُدِيمُ كِرَاءَ الْإِبِلِ وَغَيْرَهَا وَالسَّيْرَ فِي الْبَرِّ فَإِنَّ له القصر
*
* قال المصنف ﵀
* (ولا يجوز القصر الا في مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ كُلُّ بَرِيدٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ فَذَلِكَ سِتَّةَ عَشْرَ فَرْسَخًا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ " كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ " وَسَأَلَ عَطَاءٌ ابْنَ عَبَّاسٍ " أَأَقْصُرُ إلَى عَرَفَةَ فَقَالَ لَا فَقَالَ إلَى مِنًى فَقَالَ لَا لَكِنْ إلَى جُدَّةَ وَعُسْفَانَ وَالطَّائِفِ " قَالَ مَالِكٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَجُدَّةَ وَعُسْفَانَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ وَلِأَنَّ فِي هَذَا الْقَدْرِ تَتَكَرَّرُ مَشَقَّةُ الشَّدِّ وَالتَّرْحَالِ وَفِيمَا دُونَهُ لَا تَتَكَرَّرُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَقْصُرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يبيح القصر الا في ثلاثة أيام)
*
стр. 1980
* (الشَّرْحُ)
* الْبُرُدُ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَالرَّاءِ - وَكُلُّ فَرْسَخٍ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ فَالْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً وَالْمِيلُ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَالذِّرَاعُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَدِلَةً مُعْتَرِضَةً وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَدِلَاتٍ مُعْتَرِضَاتٍ وَقَوْلُهُ وَالتَّرْحَالُ - بِفَتْحِ التَّاءِ - وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَسَنَذْكُرُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي سَفَرٍ يَبْلُغُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ سَوَاءٌ فِي هَذَا جَمِيعُ الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ مَعَ الْخَوْفِ وَلَا يُشْتَرَطُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَلَّذِي تَطَابَقَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَكُتُبُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَمِيعِ الْأَسْفَارِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً وَهُوَ مَنْسُوبٌ
إلَى بَنِي هَاشِمِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَلِكَ بِالْمَرَاحِلِ مَرْحَلَتَانِ قَاصِدَتَانِ سَيْرَ الْأَثْقَالِ وَدَبِيبَ الْأَقْدَامِ هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ سَبْعَةُ نُصُوصٍ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَالَ فِي مَوْضِعٍ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَفِي مَوْضِعٍ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ وَفِي مَوْضِعٍ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ وَفِي مَوْضِعٍ أَرْبَعُونَ وَفِي مَوْضِعٍ يَوْمَانِ وَفِي مَوْضِعٍ لَيْلَتَانِ وَفِي مَوْضِعٍ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قَالُوا قَالَ أَصْحَابُنَا المراد بهذه النصوص كلها شئ وَاحِدٌ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً وَحَيْثُ قَالَ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَرَادَ سِوَى مِيلِ الِابْتِدَاءِ وَمِيلِ الِانْتِهَاءِ وَحَيْثُ قَالَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَرَادَ أَكْثَرَ بِثَمَانِيَةٍ وَحَيْثُ قَالَ أَرْبَعُونَ أَرَادَ أربعون أُمَوِيَّةً وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ هَاشِمِيَّةً فَإِنَّ أَمْيَالَ بَنِي أُمَيَّةَ أَكْبَرُ مِنْ الْهَاشِمِيَّةِ كُلُّ خَمْسَةٍ سِتَّةٌ وَحَيْثُ قَالَ يَوْمَانِ أَيْ بِلَا لَيْلَةٍ وَحَيْثُ قَالَ لَيْلَتَانِ أَيْ بِلَا يَوْمٍ وَحَيْثُ قَالَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَرَادَهُمَا مَعًا فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ نُصُوصِهِ وَهَلْ التَّقْدِيرُ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا تَحْدِيدٌ أَمْ تَقْرِيبٌ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ (أَصَحُّهُمَا) تَحْدِيدٌ لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيرًا بِالْأَمْيَالِ ثَابِتًا عَنْ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ تَقْدِيرِ الْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ فِي تَقْدِيرِهِ بِالْأَرْطَالِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْصُرَ فِي أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَنَذْكُرُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ أَصْحَابنَا فَإِنْ كَانَ السَّيْرُ فِي الْبَحْرِ اُعْتُبِرَتْ الْمَسَافَةُ بِمِسَاحَتِهَا فِي الْبَرِّ حَتَّى لَوْ قَطَعَ قَدْرَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا فِي سَاعَةٍ أَوْ لَحْظَةٍ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّهَا مَسَافَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقَصْرِ فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعُهَا فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ كَمَا لَوْ قَطَعَهَا فِي الْبَرِّ عَلَى فَرَسٍ جَوَادٍ فِي بَعْضِ يَوْمٍ فَلَوْ شَكَّ فِي الْمَسَافَةِ اجْتَهَدَ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي الْمَسَافَةِ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ له شئ بِالِاجْتِهَادِ وَلَوْ حَبَسَتْهُمْ الرِّيحُ فِي الْمَرَاسِي وَغَيْرِهَا
стр. 1981
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ هُوَ كَالْإِقَامَةِ فِي الْبَرِّ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ
* (فَرْعٌ)
يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ السَّفَرِ مَرْحَلَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْصِدِ مَرْحَلَتَانِ فَلَوْ قَصَدَ مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَرْحَلَةٌ بِنِيَّةِ أَنْ لَا يُقِيمَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَصْرُ لَا ذَاهِبًا وَلَا رَاجِعًا وَإِنْ كَانَ لَهُ مَشَقَّةُ مَرْحَلَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَفَرًا طَوِيلًا وَحَكَى الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْحَنَّاطِيَّ حَكَى وَجْهًا أَنَّهُ يَقْصُرُ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
стр. 1982
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسَافَةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِجَوَازِ الْقَصْرِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً وَلَا يَجُوزُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ واحمد واسحق وأبو ثور وقال عبد الله ابن مَسْعُودٍ وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ - بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي يَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الثَّالِثِ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ تَامٍّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وبه أَقُولُ وَقَالَ دَاوُد يَقْصُرُ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ حَتَّى قَالَ
стр. 1983
لَوْ خَرَجَ إلَى بُسْتَانٍ خَارِجَ الْبَلَدِ قَصَرَ
* وَاحْتُجَّ لِدَاوُدَ بِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَوَازَ الْقَصْرِ بلا تقييد للمسافة وبحديث يحيى بن مزيد قَالَ سَأَلْت أَنَسًا عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ صلى ركعتين " رواه مسلم وعن خبير بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ خَرَجْت مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إلَى قَرْيَةٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشْرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ مِيلًا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْت لَهُ فَقَالَ رَأَيْت عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْت لَهُ فَقَالَ أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 1984
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ شرط ثلاثة أميال بحديث بن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَالَ لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ كَذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَذَكَرُوا مُنَاسَبَاتٍ لَا اعْتِمَادَ عَلَيْهَا وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِرِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ رَوَاهُ
стр. 1985
الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صحيحه تعليقا بصفة جَزْمٍ فَيَقْتَضِي صِحَّتَهُ عِنْدَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مَرَّاتٍ وعن عطا قال سئل بن عَبَّاسٍ " أَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ إلَى عَرَفَةَ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ إلَى عُسْفَانَ وَإِلَى
جُدَّةَ وَإِلَى الطَّائِفِ " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَى مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَصَرَ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الذى رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ الوهاب بن مجاهد عن ابيه وعطا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ " فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ مُجْمَعٌ عَلَى شِدَّةِ ضَعْفِهِ وَإِسْمَاعِيلُ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَا سِيَّمَا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ غَيْرِ الشَّامِيِّينَ: وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ مِنْ إطْلَاقِ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْقَصْرُ صَرِيحًا فِي دُونِ مُرْحَلَتَيْنِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ غَايَةَ سَفَرِهِ كَانَتْ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا فَتَبَاعَدَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ قَصَرَ وَلَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ عِنْدَ مُفَارَقَةِ الْبَلَدِ بَلْ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَحْتَاجُ إلَى الْقَصْرِ إلَّا إذَا تَبَاعَدَ هَذَا الْقَدْرَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يُسَافِرُ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصلاة الا بعد أن يصليهما فلا تدركه
стр. 1986
الصَّلَاةُ الْأُخْرَى إلَّا وَقَدْ تَبَاعَدَ عَنْ الْمَدِينَةِ: وَأَمَّا حَدِيثُ شُرَحْبِيلَ وَقَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا فَمَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ غَايَةُ سَفَرِهِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِاشْتِرَاطِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ السَّفَرَ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ هَذَا السَّفَرَ الْخَاصَّ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ رِوَايَةٌ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا
стр. 1987
زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يوم وليلة وليس مَعَهَا حُرْمَةٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لَيْلَةً وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد لَا تُسَافِرْ بَرِيدًا وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالْيَوْمِ
صَحِيحَةٌ وَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تُسَافِرُ ثَلَاثًا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَقَالَ لَا وَسُئِلَ عَنْ سَفَرِهَا يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَقَالَ لَا وَسُئِلَ عَنْ يَوْمٍ فَقَالَ لَا فَأَدَّى كُلٌّ مِنْهُمْ مَا حَفِظَ وَلَا يَكُونُ شئ مِنْ هَذَا حَدًّا لِلسَّفَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ فَحَصَلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرِدْ تَحْدِيدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ السَّفَرُ بَلْ أَطْلَقَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَلَى يَوْمَيْنِ وَعَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَعَلَى يَوْمٍ وَعَلَى لَيْلَةٍ وَعَلَى بَرِيدٍ وَهُوَ مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ فَدَلَّ عَلَى أن الجميع يسمي سفرا والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ طَرِيقَانِ يَقْصُرُ فِي أَحَدِهِمَا وَلَا يَقْصُرُ فِي الْآخَرِ فَسَلَكَ الا بعد لِغَرَضٍ يُقْصَدُ فِي الْعَادَةِ قَصَرَ وَإِنْ سَلَكَهُ لِيَقْصُرَ فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ لِأَنَّهُ مَسَافَةٌ تُقْصَرُ فِي مِثْلِهَا الصلاة وَقَالَ فِي الْأُمِّ لَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ طَوَّلَ الطَّرِيقَ لِلْقَصْرِ فَلَا يَقْصُرُ كَمَا لَوْ مَشَى فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ طُولًا وَعَرْضًا حَتَّى طال)
* (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ فَإِنْ بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَسَلَكَ الْأَبْعَدَ قَصَرَ فِي جَمِيعِهِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ سَلَكَهُ لِغَرَضٍ أَمْ لِمُجَرَّدِ الْقَصْرِ لِأَنَّهُ سَافَرَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَلَا يُمْكِنُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَإِنْ بَلَغَ أَحَدُ طَرِيقَيْهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَنَقَصَ الآخر عنها فان سلك الابعد لغرض من الطَّرِيقِ أَوْ سُهُولَتِهِ أَوْ كَثْرَةِ الْمَاءِ أَوْ الْمَرْعَى أَوْ زِيَارَةٍ أَوْ عِيَادَةٍ أَوْ بَيْعِ مَتَاعٍ أَوْ غَيْرِ
стр. 1988
ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْمَطْلُوبَةِ دِينًا أَوْ دُنْيَا فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ قَصَدَ التَّنَزُّهَ فَهُوَ غَرَضٌ مَقْصُودٌ فَيَتَرَخَّصُ وَتَرَدَّدَ فِيهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْمَذْهَبُ التَّرَخُّصُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُحَقِّقُونَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضٌ سِوَى التَّرَخُّصِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَتَرَخَّصُ قَطْعًا وَأَشْهُرُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ (أَظْهَرُهُمَا) عِنْدَ الْأَصْحَابِ لَا يَتَرَخَّصُ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ
* (فَرْعٌ)
ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ يَقْصُرُ فِي أَحَدِهِمَا فَسَلَكَهُ لِغَيْرِ غرض لم يجر الْقَصْرُ عِنْدَنَا عَلَى الْأَصَحِّ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ واحمد والمزني وداود يجوز
*
* قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ سَافَرَ إلَى بَلَدٍ يَقْصُرُ إلَيْهِ الصَّلَاةَ وَنَوَى أَنَّهُ إنْ لَقَى عَبْدَهُ أَوْ صَدِيقَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رَجَعَ لَمْ يَقْصُرُ لِأَنَّهُ لم يقطع علي سفر يقصر فِيهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ نَوَى السَّفَرَ إلَى بَلَدٍ ثُمَّ مِنْهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَهُمَا سَفَرَانِ فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مما يقصر فيه الصلاة
* (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ أَنْ يَعْزِمَ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى قَطْعِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَوْ خَرَجَ لِطَلَبِ آبِقٍ أَوْ غَرِيمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَنَوَى أَنَّهُ مَتَى لَقِيَهُ رَجَعَ وَلَا يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ لَمْ يَتَرَخَّصْ وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ وَبَلَغَ مَرَاحِلَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْهَائِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَوْ وَجَدَهُ وَعَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ فَإِنْ
стр. 1989
كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ قَصَرَ إذَا ارْتَحَلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَوْ عَلِمَ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ مَوْضِعَهُ وَأَنَّهُ لَا يَلْقَاهُ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ جَازَ الْقَصْرُ وَلَوْ نَوَى فِي الِابْتِدَاءِ الْخُرُوجَ فِي طَلَبِ الْآبِقِ وَالْغَرِيمِ وَدَابَّتِهِ الضَّالَّةِ أَوْ المسروقة وغيرها على أنه لابد له من وصول الموضع الفلاتى وَهُوَ مَرْحَلَتَانِ سَوَاءٌ وَجَدَهُ قَبْلَهُ أَمْ لَا فَلَهُ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ نَوَى مَسَافَةَ الْقَصْرِ ثُمَّ نَوَى إنْ وَجَدَ الْغَرِيمَ رَجَعَ فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ النِّيَّةُ قَبْل مُفَارِقَةِ عُمْرَانِ الْبَلَدِ لَمْ يَتَرَخَّصْ وَإِنْ عَرَضَتْ بَعْدَ مُفَارِقَةِ الْعُمْرَانِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ (أَصَحُّهُمَا) يَتَرَخَّصُ مَا لَمْ يَجِدْهُ فَإِذَا وَجَدَهُ صَارَ مُقِيمًا لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِسَبَبِ الرُّخْصَةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ حَتَّى يُوجَدَ الْمُغَيِّرُ (وَالثَّانِي) لَا يَتَرَخَّصُ كَمَا لَوْ عَرَضَتْ النِّيَّةُ فِي الْعُمْرَانِ وَلَوْ نَوَى قَصْدَ مَوْضِعٍ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ ثُمَّ نَوَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْعُمْرَانِ الْإِقَامَةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فِي بَلَدٍ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ إنْ كَانَ مِنْ مَخْرَجِهِ إلَى الْبَلَدِ الْمُتَوَسِّطِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ تَرَخَّصَ قَطْعًا مَا لَمْ يَدْخُلْ الْمُتَوَسِّطَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَتَرَخَّصُ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْمُغَيِّرُ فَإِنْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ فِي الْمُتَوَسِّطِ دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ سَفَرٌ وَاحِدٌ فَلَهُ الْقَصْرُ فِي جَمِيعِ طَرِيقِهِ وَفِي الْبَلَدِ الْمُتَوَسِّطِ بِلَا خِلَافٍ أَمَّا إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ السَّفَرِ إلَى بَلَدٍ ثُمَّ مِنْهُ إلَى آخَرَ وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ فِي الْأَوَّلِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَوَى بَلَدًا ثُمَّ بَلَدًا ثُمَّ بَلَدًا ثَالِثًا وَرَابِعًا
стр. 1990
وَأَكْثَرَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدِ وَاَلَّذِي يَلِيه مَسَافَةُ الْقَصْرِ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ بَلَدَيْنِ مِنْهَا دُونَ الْبَاقِي قَصَرَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ دُونَ الْبَاقِي لِأَنَّهَا أَسْفَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَلَوْ نَوَى بَلَدًا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ ثُمَّ نَوَى فِي أثناء طريقه مجاوزته فابتدأ سَفَرِهِ مِنْ حِينِ غَيَّرَ النِّيَّةَ فَإِنَّمَا يَتَرَخَّصُ إذَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى الْمَقْصِدِ الثَّانِي مَرْحَلَتَانِ وَلَوْ خَرَجَ إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ ثُمَّ نَوَى فِي طَرِيقِهِ أَنْ يَرْجِعَ انْقَطَعَ سفره ولا يجوز له القصر مادام فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِذَا فَارَقَهُ فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا جَدِيدًا فَإِنَّمَا يَقْصُرُ إذَا تَوَجَّهَ مِنْهُ إلَى مَرْحَلَتَيْنِ سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ أَوْ إلَى مَقْصِدِهِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ تَرَدَّدَ فِي النِّيَّةِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ أَوْ يَمْضِيَ صَارَ مُقِيمًا فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ جَزَمَ بِالرُّجُوعِ
* (فَرْعٌ)
إذَا سَافَرَ الْعَبْدُ مَعَ مَوْلَاهُ وَالزَّوْجَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَالْجُنْدِيُّ مَعَ أَمِيرِهِ وَلَا يَعْرِفُونَ مَقْصِدَهُمْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّرَخُّصُ فَلَوْ نَوَوْا مَسَافَةَ الْقَصْرِ لَمْ تُؤَثِّرُ نِيَّةُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فَلَا يَتَرَخَّصَانِ وَتُؤَثِّرُ نِيَّةُ الْجُنْدِيِّ وَيَتَرَخَّصُ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ يَدِ الْأَمِيرِ وَقَهْرِهِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فَلَوْ عَرَفُوا الْمَقْصِدَ تَرَخَّصُوا كُلُّهُمْ قَالَ الْبَغَوِيّ فَلَوْ نَوَى الْمَوْلَى وَالزَّوْجُ الْإِقَامَةَ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا لِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ بَلْ لَهُمَا التَّرَخُّصُ عِنْدَنَا قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ التَّرَخُّصُ تَبَعًا لِلْمَوْلَى وَالزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا الْمَقْصِدَ وَيَصِيرَانِ مُقِيمَيْنِ بِإِقَامَةِ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ وَلَوْ أَسَرَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا وَسَافَرُوا بِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهِ لَمْ يَقْصُرْ فَلَوْ سَارَ مَعَهُمْ يَوْمَيْنِ قَصَرَ بَعْدَ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَمَّا إذَا علم الموضع الذين يَذْهَبُونَ بِهِ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ أَنَّهُ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْهَرَبِ هَرَبَ لَمْ يَقْصُرْ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ وَإِنْ نَوَى قَصْدَ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا مَعْصِيَةَ فِي قَصْدِهِ قَصَرَ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَرْحَلَتَانِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فِي الْأَسِيرِ يَتَعَيَّنُ مَجِيئُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْجُنْدِيِّ فَإِذَا سَارُوا مَرْحَلَتَيْنِ يَقْصُرُونَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا
стр. 1991
الْمَقْصِدَ وَلَعَلَّ الْبَغَوِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَرَادُوا قَبْلَ مُجَاوَزَةِ مَرْحَلَتَيْنِ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابِنَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَرْبِطَ قَصْدَهُ بِمَقْصِدٍ مَعْلُومٍ فَأَمَّا الْهَائِمُ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ وَلَا لَهُ قَصْدٌ فِي مَوْضِعٍ وَرَاكِبُ التَّعَاسِيفِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْلُكُ طَرِيقًا وَلَا لَهُ مَقْصِدٌ مَعْلُومٌ فَلَا يَتَرَخَّصَانِ أَبَدًا بِقَصْرٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُمَا وَبَلَغَ مَرَاحِلَ فَهَذَا هُوَ
الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُمَا إذَا بَلَغَا مَسَافَةَ الْقَصْرِ لَهُمَا التَّرَخُّصُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا شَاذٌّ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَكَذَا الْبَدْوِيُّ إذَا خَرَجَ مُنْتَجِعًا عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَجَدَ مَكَانًا مُعْشِبًا أقام به لم يجز له الترخص
*
* قال المصنف ﵀
* (وَإِذَا كَانَ السَّفَرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ " حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فكان يصلي رَكْعَتَيْنِ وَسَافَرْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ وَسَافَرْت مَعَ عُمَرَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ وَسَافَرْت مَعَ عُثْمَانَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سِتَّ سِنِينَ ثُمَّ أَتَمَّ بِمِنًى " فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ فَإِنْ تَرَكَ الْقَصْرَ وَأَتَمَّ جَازَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ " خَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ وَصُمْت وَقَصَرَ وَأَتْمَمْت فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْطَرْت وَصُمْت وَقَصَرْتَ وَأَتْمَمْت فَقَالَ أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ "
стр. 1992
وَلِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ أُبِيحَ لِلْمُسَافِرِ فَجَازَ تَرْكُهُ كَالْمَسْحِ علي الخفين ثلاثا)
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عِمْرَانَ صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَقَالَ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ هُوَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ عُمْرَةُ رَمَضَانَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ إلَّا أَرْبَعَ عُمَرَ لَيْسَ مِنْهُنَّ شئ فِي رَمَضَانَ بَلْ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ فَكَانَ أَحِرَامُهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَفَعَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَقَوْلُهُ) لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ أُبِيحَ لِلسَّفَرِ قَالَ الْقَلَعِيُّ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ تَخْفِيفٌ عَنْ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ نُقْصَانَهَا عَنْ أَرْبَعٍ لَيْسَ لِلتَّخْفِيفِ قَالَ وَقَوْلُهُ أُبِيحَ لِلسَّفَرِ احْتِرَازٌ مِمَّا عَفَى عَنْهُ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ فَإِنَّهُ تَخْفِيفٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ وَبَذْلُ الْقِصَاصِ مِنْهُ هَكَذَا قَالَهُ الْقَلَعِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ تَخْفِيفٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّفَرِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا مِمَّنْ غُصَّ بِلُقْمَةٍ فَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إلَّا خَمْرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ
إسَاغَتُهَا وَهُوَ تَخْفِيفٌ لَا لِلسَّفَرِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا جَوَازُ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَالْأَفْضَلُ الْإِتْمَامُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِيهِ كَمَا سَبَقَ وَكَذَا إنْ كَانَ يُدِيمُ السَّفَرَ بِأَهْلِهِ فِي الْبَحْرِ فَلَهُ الْقَصْرُ وَالْأَفْضَلُ الْإِتْمَامُ وَإِنْ بَلَغَ سَفَرُهُ مَرَاحِلَ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ الْقَصْرِ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا وَطَنَ لَهُ غَيْرُهُ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مَنْ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ كَرَاهَةَ الْقَصْرِ لَا رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ أَوْ شَكًّا فِي جَوَازِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ الْقَصْرُ لِهَذَا أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ الْإِتْمَامُ حَتَّى تَزُولَ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الرُّخْصِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا وَلَمْ يَكُنْ مُدْمِنَ سَفَرِ الْبَحْرِ وغيره ولا
стр. 1993
يَتْرُكُ الْقَصْرَ رَغْبَةً عَنْهُ فَهَلْ الْأَفْضَلُ الْإِتْمَامُ أَمْ الْقَصْرُ فِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ (أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ الْقَصْرُ أَفْضَلُ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَاهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ قَوْلَانِ وَحَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) الْقَصْرُ أَفْضَلُ (وَالثَّانِي) الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْمُزَنِيِّ وَالطَّرِيقُ (الثَّالِثُ) أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْحَنَّاطِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا وَسَنُوضِحُ دَلِيلَ الْمَسْأَلَةِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْطَارِ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ قَوْلَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) الْفِطْرُ أَفْضَلُ وَسَنُوضِحُ الْمَسْأَلَةَ في كتاب القيام إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
فِي بَيَانِ أَقْسَامِ الرُّخْصِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ أَقْسَامٌ (أَحَدُهَا) رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ وَلَهَا صُوَرٌ: مِنْهَا مَنْ غُصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إلَّا خَمْرًا وَجَبَتْ إسَاغَتُهَا بِهِ وَهِيَ رُخْصَةٌ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى وُجُوبِهِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ: وَمِنْهَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ (الثَّانِي) رُخْصَةُ تَرْكِهَا أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ بِدَلِيلِهَا فِي بَابِهِ وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا سَنُوضِحُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالَى وَمِثْلُهُ التَّيَمُّمُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيَتَوَضَّأَ وَيَتْرُكَ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ وَكَذَا الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ وَكَذَا إتْيَانُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ بِعُذْرِ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ (الثَّالِثُ) رُخْصَةٌ يُنْدَبُ فِعْلُهَا وَذَلِكَ صُوَرٌ مِنْهَا الْقَصْرُ وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا
*
стр. 1994
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْقَصْرَ وَالْإِتْمَامَ جَائِزَانِ وَأَنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ وَبِهَذَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةُ وَآخَرُونَ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ فِي اثْنَيْ عَشْرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَنْ أَنَسٍ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي قِلَابَةَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَآخَرُونَ الْقَصْرُ وَاجِبٌ قَالَ الْبَغَوِيّ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وُجُوبَ الْقَصْرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسِ وَجَابِرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنْ صَلَّى
стр. 1995
أَرْبَعًا وَقَعَدَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُ وَتَقَعُ الْأَخِيرَتَانِ نَفْلًا وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ هَذَا الْقَدْرَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَوْجَبَ الْقَصْرَ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ " قَالَ الزُّهْرِيُّ قُلْت لِعُرْوَةِ فَمَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ قَالَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ " صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّيْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْت مَعَ عُمَرَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
стр. 1996
قَالَ " صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ
تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِرَكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا الزِّيَادَةُ كَالْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا يُسْتَعْمَلُ لَا جُنَاحَ إلَّا فِي الْمُبَاحِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا من ربكم) وقَوْله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النساء وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خطبة النساء لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ اشتاتا) (فَإِنْ قَالُوا) هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَتْ بِهِ عَائِشَةُ ﵂ وَهُوَ ثَابِتٌ
стр. 1997
عَنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ " أُنْزِلَتْ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا شَكُّوا فِي جَوَازِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ شِعَارَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ جَوَابًا لَهُمْ
* وَاحْتَجُّوا مِنْ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ ويتم ويفطر ويصوم " رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ
* وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْمُتَقَدِّمِ فِي إتْمَامِ عُثْمَانَ وَلَوْ كَانَ الْقَصْرُ وَاجِبًا لَمَا وَافَقُوهُ عَلَى تَرْكِهِ وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1998
بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ إنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا قَالَ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا اقْتَدَى بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ رَكْعَتَيْنِ حَتْمًا لَمَا جَازَ فِعْلُهَا أَرْبَعًا خَلْفَ مُسَافِرٍ وَلَا حَاضِرٍ كَالصُّبْحِ (فَإِنْ قَالُوا) الصُّبْحُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا خَلْفَ الظُّهْرِ عِنْدَنَا (قُلْنَا) فَكَذَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ لَا تُصَحِّحُوا الظُّهْرَ فِي الْمُسَافِرِ خَلْفَ مُتِمٍّ وَلِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ أُبِيحَ لِلسَّفَرِ فَجَازَ تَرْكُهُ كَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا وَسَائِرِ الرُّخَصِ: وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ قَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ الْقَصْرُ وَالْإِتْمَامُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِهِ وَمِنْ إقْرَارِهِ لِعَائِشَةَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِمَا لَكِنَّ الْقَصْرَ كَانَ أَكْثَرَ فَدَلَّ عَلَى فَضِيلَتِهِ
وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَا (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ " أَنَّ مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَتَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ وَتَأْوِيلُهُمَا أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ جَائِزًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِهِ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ وَقَدْ أَوْضَحْت فَسَادَهُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ أَضْمَرُوا فِيهِ أُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِمُقِيمٍ وَأَضْمَرْنَا فِيهِ إذَا أَرَادَ الْقَصْرَ وَلَيْسَ أَضِمَارُهُمْ بِأُولَى مِنْ إضْمَارِنَا وَمِمَّا يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ
стр. 1999
فِي السَّفَرِ أَصْلٌ لَا مَقْصُورَةٌ وَإِنَّمَا صَلَاةُ الْحَضَرِ زَائِدَةٌ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي تَسْمِيَتِهَا مَقْصُورَةً وَمَتَى خَالَفَ خَبَرُ الْآحَادِ نَصَّ الْقُرْآنِ أَوْ إجْمَاعًا وَجَبَ تَرْكُ ظَاهِرِهِ (وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ " فَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْحَضَرِ وَقَوْلُهُ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ مَعْنَاهُ تَامَّةُ الْأَجْرِ هَذَا إذَا سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَإِلَّا فَقَدْ أَشَارَ النَّسَائِيُّ إلَى تَضْعِيفِهِ فَقَالَ لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنْ عُمَرَ وَلَكِنْ قد رواه
стр. 2000
الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ عن عُجْرَةَ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ (وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالصُّبْحَ شُرِعَتَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَصْلِهِمَا لَا يقبلان تغيبر بحال بِخِلَافِ صَلَاةِ السَّفَرِ فَإِنَّهَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ أَرْبَعٌ وَلَيْسَ كذلك الجمعة والصبح والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي سَفَرٍ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَأَمَّا إذَا سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ كَالسَّفَرِ لَقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ قِتَالِ
следующие страницы →