← Фикх шафии

Фикх шафии · id 2186

المجموع شرح المهذب - ط المنيرية

النووي

Полный текст (4 869 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

إذَا غُمَّ الْهِلَالُ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ " وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إنَّ اللَّهَ أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ " وَحَدِيثَ " أَحْصُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ " وَسَبَقَ بَيَانُهُ ثُمَّ قَالَ: بَابُ الْأَمْرِ بِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ: قَالَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَأَبِي بَكْرَةَ وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَاتِهِمْ بِأَسَانِيدِهِ مِنْ طُرُقٍ وَأَلْفَاظَهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ وَفِي جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ " ثُمَّ قَالَ الْخَطِيبُ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ لَيْسَ بواجب وهو إذا كانت السماء متغيمة فِي آخِرِ الْيَوْمِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَلَمْ يَشْهَدْ عَدْلٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَيَوْمُ الثَّلَاثِينَ يَوْمُ الشَّكِّ فَكَرِهَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ صِيَامَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمٍ فَيَصُومُهُ عَنْ عَادَتِهِ أَوْ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيَأْتِي ذَلِكَ في صيامه فيصومه قال فمن مَنَعَ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ

стр. 3327

مَسْعُودٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَتَابَعَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو وائل وعبد الله ابن عُكَيْمٍ الْجُهَنِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ومسلم ابن يَسَارٍ وَأَبُو السِّوَارِ الْعَدَوِيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَتَابَعَهُمْ مِنْ الْخَالِفِينَ وَالْفُقَهَاءِ المجتهدين ابن جريج والاوزاعي والليث والشافعي واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ * وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ عَنْ رَمَضَانَ وَيَجُوزُ تَطَوُّعًا (وَأَمَّا) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَرُوِيَ عَنْهُ كَمَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ صَوْمُهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَرُوِيَ عَنْهُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِي صَوْمِهِ وَفِطْرِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ غَيْمٌ صَامَهُ وَإِلَّا أَفْطَرَهُ قَالَ الْخَطِيبُ وَزَعَمَ الْمُخَالِفُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي عَلَيْهَا التَّعْوِيلُ عِنْدَهُ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَأَرَاهُ عَوَّلَ عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ * خَالِفْ تُعْرَفْ * وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ بِمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقُ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " قَالَ الْخَطِيبُ قَالَ الْمُخَالِفُ وَدَلَالَتُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي كَلَامِ ابن الْفَرَّاءِ وَمُخْتَصَرُهُمَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ لَيْلَةِ الْغَيْمِ وَهُوَ الرَّاوِي فَاعْتِمَادُهُ أَوْلَى (وَالثَّانِي) أَنَّ مَعْنَى " اُقْدُرُوا لَهُ " ضَيِّقُوا شَعْبَانَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ قَالَ الْخَطِيبُ (أَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عمر فاختلفت الروايات عنه اختلافا يؤل إلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَنَا فَإِنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ قَالَ فِي حَدِيثِهِ عَنْهُ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا " ثُمَّ رَوَى عَنْهُ " فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ " ثُمَّ ذَكَرَ الْخَطِيبُ بِأَسَانِيدِهِ مِنْ طُرُقٍ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا وَأَنَّهَا صَحِيحَةٌ ثُمَّ قَالَ

стр. 3328

الخطيب فقد ثَبَتَ بِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا فَسَّرَ الْمُجْمَلَ وَأَوْضَحَ الْمُشْكِلَ وَأَبْطَلَ شُبْهَةَ الْمُخَالِفِ وَكَشَفَ عُوَارَ تَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ " فَاقْدُرُوا لَهُ " مُجْمَلٌ فَسَّرَهُ بِرِوَايَةٍ " فَعُدُّوا لَهُ ثلاثين يوما " " وفأكملوا العدة ثلاثين " " وفأقدروا لَهُ ثَلَاثِينَ " مَعَ مُوَافَقَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ابْنَ عُمَرَ عَلَى رِوَايَتِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثم ذَكَرَ الْخَطِيبُ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقَيْنِ فِي بَعْضِهَا " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ " وَفِي الثَّانِيَةِ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " قَالَ الْخَطِيبُ (وَأَمَّا) تَعَلُّقُ الْمُخَالِفِ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ وَيُفْتِي بِخِلَافِ ذَلِكَ وَفُتْيَاهُ أَصَحُّ مِنْ فِعْلِهِ يَعْنِي لِتَطَرُّقِ التَّأْوِيلِ إلَى فِعْلِهِ ثُمَّ رَوَى الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ " سَأَلُوا ابْنَ عُمَرَ فَقَالُوا نَسْبِقُ قَبْلَ رَمَضَانَ حَتَّى لا يفوتنا منه شئ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أُفٍّ أُفٍّ صُومُوا مَعَ الْجَمَاعَةِ وَأَفْطِرُوا مَعَ الْجَمَاعَةِ " إسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلَّا عبد العزيز بن حكيم فقال يحيى ابن مُعِينٍ هُوَ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " لَا أَتَقَدَّمُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَلَا أَصِلُهُ بِصِيَامٍ " وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ " ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ يَوْمُ الشَّكِّ فَقَالَ لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُهُ " قَالَ الْخَطِيبُ وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ خَالَفَ النَّبِيَّ ﷺ وَتَرَكَ قَوْلَهُ الَّذِي رَوَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعَمَلِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ فيجب أن يحمل ماروى عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ مُمْسِكًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ هَلْ تَقُومُ بَيِّنَةٌ بِالرُّؤْيَةِ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَحْتَسِبُ بِهِ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ " لَا أَتَقَدَّمُ قَبْلَ الْإِمَامِ " وَقَوْلُهُ " لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ لَأَفْطَرْتُهُ " يَعْنِي يَوْمَ الشَّكِّ قَالَ الْخَطِيبُ وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ الصِّيَامَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ مُمْسِكًا (فَإِنْ قِيلَ) فَمَا الْفَائِدَةُ فِي إمْسَاكِهِ بِلَا نِيَّةٍ لِلصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ (قُلْنَا) فَائِدَتُهُ تَعْظِيمُ حُرْمَةِ رَمَضَانَ وَكَيْفَ يُظَنُّ بِابْنِ عُمَرَ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ فِي اقْتِفَاءِ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالِاقْتِدَاءِ

стр. 3329

بِأَفْعَالِهِ وَطَرِيقَةُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ مَحْفُوظَةٌ قَالَ الْخَطِيبُ وَقَدْ تَأَوَّلَ الْمُخَالِفُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ " لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ لَأَفْطَرْتُ يَوْمَ الشَّكِّ " عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ أَصُمْهُ تَطَوُّعًا وَإِنْ تَطَوَّعْتُ بِجَمِيعِ السَّنَةِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الشَّكِّ فِي الصَّحْوِ قَالَ وَهَكَذَا قَوْلُهُ " صُومُوا مَعَ الْجَمَاعَةِ " الْمُرَادُ مَعَ الصَّحْوِ قَالَ الْخَطِيبُ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ أَنَّهُ لَا يَصُومُهُ بِحَالٍ وَكَذَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ مِنْ يَوْمِ الشَّكِّ إنَّمَا هُوَ مَعَ وُجُودِ السَّحَابِ لَا مَعَ الصَّحْوِ مَعَ أَنَّ مَا تَأَوَّلَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وجه الا ماقاله لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِثُبُوتِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ الصَّرِيحَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِلَافَ مَا ادَّعَى الْمُخَالِفُ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا غَيْرِهِ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ " قَالَ الْخَطِيبُ وَقَدْ جَعَلَ الْمُخَالِفُ الْعِلَّةَ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ الْمُجْمَلِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ مُجَرَّدَ فِعْلِهِ مَعَ احْتِمَالِهِ غَيْرَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَكَانَ يَلْزَمُهُ تَرْكُ رَأْيِهِ وَالْأَخْذُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " تَمَارَى النَّاسُ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْيَوْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ غَدًا فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ صُومُوا ثُمَّ قَالَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا وَلَا تَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا " قَالَ الْخَطِيبُ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ الْمُخَالِفُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَيَانِ الشَّافِي بِاللَّفْظِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ

стр. 3330

التَّأْوِيلَ وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَاقَ السَّبَبَ الَّذِي خرج الكلام عليه قال الخطيب والمراء فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إنَّمَا يَقَعُ إذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَا ادَّعَاهُ الْمُخَالِفُ لَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى الرُّؤْيَةِ قَالَ الْخَطِيبُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا فِيهِ كِفَايَةٌ عما سواه فذكره باسناده عَنْهُ ثُمَّ قَالَ " أَصْبَحْنَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ صِيَامًا وَكَانَ الشَّهْرُ قَدْ أُغْمِيَ عَلَيْنَا فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَصَبْنَاهُ مُفْطِرًا فَقُلْنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ صُمْنَا الْيَوْمَ فَقَالَ أَفْطِرُوا إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَصُومُ هَذَا الْيَوْمَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَمَارِيًا فِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ لَيْسَ مِنْهُ " يَعْنِي لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ الْخَطِيبُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَقَوْلُهُ إنَّ مَعْنَى " اُقْدُرُوا لَهُ " ضَيِّقُوا شَعْبَانَ لِصَوْمِ رَمَضَانَ فَهُوَ خَطَأٌ وَاضِحٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ قدروا شعبان ثلاثين ثم صوموا في الحادى والثلاثين وقدرت الشئ وَقَدَّرْتُهُ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون) ثُمَّ رَوَى الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْفَرَّاءِ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ قَالَ فِي قَوْله تعالى (فقدرنا فنعم القادرون) ذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُمَا شَدَّدَا وَخَفَّفَهَا

стр. 3331

الْأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ قَالَ الْفَرَّاءُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَقُولُ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ وَقَدَّرَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ وَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَقَدَّرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ثُمَّ رَوَى الْخَطِيبُ عَنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ التَّشْدِيدَ وَالتَّخْفِيفَ ثُمَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَكَانَ أَوْحَدَ وَقْتِهِ فِي التَّفْسِيرِ ثُمَّ الْفَرَّاءِ ثُمَّ ثَعْلَبٍ إنَّهُمْ قَالُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً قَالَ وكذلك قاله غيرهم مِنْ النُّحَاةِ فَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى أن في الحديث مالا يحتاج معه الي غَيْرُهُ فِي وُضُوحِ الْحُجَّةِ وَإِسْقَاطِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ قوله ﷺ " فاقدروا له ثَلَاثِينَ " أَيْ فَعُدُّوا لَهُ ثَلَاثِينَ وَهُوَ بِمَعْنَى عُدُّوا وَكُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ " فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ " قَالَ الْخَطِيبُ قَالَ الْمُخَالِفُ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﷺ " فَاقْدُرُوا لَهُ " مَا يدل علي وجوب تقدير شعبان بثلاثين إذا لَيْسَ تَقْدِيرُهُ بِثَلَاثِينَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ بِتِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدَدَيْنِ يَكُونُ قَدْرًا لِلشَّهْرِ لِقَوْلِهِ ﷺ حِينَ نَزَلَ مِنْ الْغُرْفَةِ وَقَدْ آلَى شَهْرًا فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ " إنَّ الشَّهْرَ

стр. 3332

تِسْعٌ وَعِشْرُونَ " وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " مَا صُمْنَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ " قَالَ الْخَطِيبُ مَا أَعْظَمَ غَفْلَةَ هَذَا الرَّجُلِ وَمَنْ الذى تازعه فِي أَنَّ الشَّهْرَ تَارَةً يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَتَارَةً يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَأَيُّ حَجَّةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ لَيْسَ التَّقْدِيرُ بِثَلَاثِينَ أَوْلَى مِنْ التَّقْدِيرِ بِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ بَاطِلٌ وَمُحَالٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ عَلَى تَقْدِيرِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِتَمَامِ الْعَدَدِ وَالْكَمَالِ وَهُوَ قوله ﷺ " فاقدروا له ثَلَاثِينَ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ان يكون لهم الخيرة من امرهم) قَالَ الْخَطِيبُ قَالَ الْمُخَالِفُ (فَإِنْ قِيلَ) لِمَ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ثَلَاثِينَ (قُلْنَا) لِوُجُوهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ تَأْوِيلُ ابْنِ عُمَرَ الرَّاوِي وَهُوَ أَعْرَفُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ مَشْهُورٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ (الثَّالِثُ) أَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ قَالَ الْخَطِيبُ (أَمَّا) تَأْوِيلُ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يُفْسِدُهُ مِنْ مُعَارَضَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا وَذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الرِّوَايَاتِ مَا يُوجِبُ تَأْوِيلَ فِعْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُخَالِفُ وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْآيَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا فَالِاحْتِيَاطُ فِي اتِّبَاعِ السُّنَنِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهَا دُونَ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا بِالْآرَاءِ وَالْحَمْلِ لَهَا عَلَى الْأَهْوَاءِ وَمَنْزِلَةُ مَنْ زَادَ فِي الشَّرْعِ كَمَنْزِلَةِ مَنْ نَقَصَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا قَالَ الْخَطِيبُ قَالَ الْمُخَالِفُ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ رَوَى مُسْلِمٌ " فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ (قُلْنَا) هَذَا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ لِاحْتِمَالِ رجوعه

стр. 3333

إلَى هِلَالِ شَوَّالٍ * قَالَ الْخَطِيبُ لَا يَجُوزُ لاحد ان يزيل الْكَلَامَ عَنْ أَصْلِهِ الْمَوْضُوعِ وَظَاهِرِهِ الْمُسْتَعْمَلِ الْمَعْرُوفِ وَيَعْدِلَ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ ﷺ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ " رَاجِعٌ إلَى الْغَيْمِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ وَفِي انْتِهَائِهِ وَقَدْ بَيَّنَ النَّصُّ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ وعمومته وَحَقِيقَتُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَمَامَةٌ أَوْ ضَبَابَةٌ فَأَكْمِلُوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " صوموا لرؤيته وأفطرو لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ

стр. 3334

عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا وَلَا تَصُومُوا قَبْلَهُ بِيَوْمٍ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ " فَإِنْ غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صوموا لرويتة وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ * قَالَ الْخَطِيبُ وَاسْتَدَلَّ الْمُخَالِفُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " رَاجِعٌ إلَى غَمِّ هِلَالِ شَوَّالٍ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآخَرِ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا " قَالَ الْخَطِيبُ وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ غَمِّ الْهِلَالِ آخِرَ الشَّهْرِ وَأَنَّهُ يَجِبُ إكْمَالُ عِدَّةِ الصَّوْمِ وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِهِ (فَأَمَّا) بَيَانُ حُكْمِ غَمِّهِ في أول رمضان فمستفاذ مِنْ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ " ثُمَّ صُومُوا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " فَعُدُّوا شَعْبَانَ " وَفِي الْأُخْرَى " فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا " وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ " قَالَ الْخَطِيبُ قَالَ الْمُخَالِفُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ فَإِنَّا نَعُدُّ شَعْبَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَصُومُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَإِنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِ هِلَالِ شَوَّالٍ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ غَيْمٌ عَدَدْنَا حِينَئِذٍ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ نَعُدُّ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ وَنَصُومُ يَوْمًا آخَرَ فَيَكُونُ إحْدَى وَثَلَاثِينَ * قَالَ الْخَطِيبُ مَنْ خَلَتْ يَدَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ وَعَدَلَ عَنْ نَهْجِ السَّبِيلِ لَجَأَ إلَى مِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَمَعَ كَوْنِهِ إحْدَى الْعَظَائِمِ وَالْكُبَرِ وَأَعْجَبَ

стр. 3335

مَا وَقَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّظَرِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يُسْنِدْهُ إلَى أَصْلٍ يَرُدُّهُ إلَيْهِ وَلَا أَوْرَدَ أَمْرًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَهُ عَلَيْهِ وَلَوْ جَازَ تَخْصِيصُ الْحَدِيثِ الْعَامِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَبَطَلَتْ دلالة الْأَخْبَارُ وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمٌ بِظَاهِرٍ وَتَعَلَّقَ كُلُّ مُبْطِلٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَلَئِنْ سَاغَ لِلْمُخَالِفِ هَذَا التَّأْوِيلُ الْبَاطِلُ لِيَسُوغَنَّ لِغُلَاةِ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ يَسْبِقُونَ النَّاسَ فِي الْفِطْرِ وَالصَّوْمِ أَنْ يَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ ﷺ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ " أَنَّ الْمُرَادَ تَقَدُّمُ الصِّيَامِ لِلرُّؤْيَةِ وَتَقَدُّمُ الْفِطْرِ لِلرُّؤْيَةِ قَالَ الْخَطِيبُ وَمُخَالِفُنَا يَعْلَمُ فساد هذا التأويل الذى قاله فيقال لَهُ أَسَمِعْتَ هَذَا التَّأْوِيلَ عَنْ أَحَدٍ فَإِنْ زعمه فليأت بخبر واحد يتضمنه وأن واحدا مِنْ السَّلَفِ كَانَ إذَا غُمَّ عَلَيْهِ هِلَالُ شَوَّالٍ اسْتَأْنَفَ عَدَدَ شَعْبَانَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فِي خَبَرٍ وَلَا أَثَرٍ وَهَيْهَاتَ أَنْ يَجِدَهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَا تَأَوَّلَهُ خِلَافُ الصَّوَابِ فَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ (فَإِنْ قَالَ) اسْتَخْرَجْتُهُ بِنَظَرِي (قُلْنَا) الِاسْتِخْرَاجُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ أَصْلٍ وَلَا سَبِيلَ لَكَ إلَيْهِ * قَالَ الْخَطِيبُ وَزَعَمَ الْمُخَالِفُ أَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِهِ وَهَذِهِ دَعْوَى مِنْهُ لَيْسَ عَلَيْهَا بُرْهَانٌ وَلَا يَعْجَزُ كُلُّ مَنْ غَلَبَ هواه علي شىء أَنْ يَدَّعِيَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ * قَالَ الْخَطِيبُ وَأَنَا أَذْكُرُ هُنَا مَا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْخَالِفِينَ (فَأَمَّا) الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَرَوَاهَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ كُلَّمَا أَقْبَلَ رَمَضَانُ وَيَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ أَلَا وَلَا يَتَقَدَّمَنَّ الشَّهْرَ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَقُولُهَا ثَلَاثًا وفى رواية أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ الْمُجَنَّدَةِ " صُومُوا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا

стр. 3336

وَأَفْطِرُوا " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قال كان عثمان لا يجيز شهادة لواحد فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ عَلَى رَمَضَانَ فَقُلْتُ لَهُ مَنْ ذَكَرَهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو ابن دينار قلت له من ذكره عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَرَوْحٌ قَالَ الْخَطِيبُ فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ عُثْمَانُ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فَالْغَيْمُ أَوْلَى أَنْ لَا يَعْتَمِدَهُ وَعَنْ مُجَالَدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ إذَا حَضَرَ رَمَضَانُ وَيَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ " لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ " وَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَعَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ " أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنْ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ " قُلْتُ مُجَالِدٌ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْخَطِيبُ وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِخَبَرٍ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ " أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ " قَالَ الْخَطِيبُ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ لَا يَقْبَلُ شهادة العدل

стр. 3337

الْوَاحِدِ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ لِهِلَالِ رَمَضَانَ ثُمَّ رَأَى عَلِيٌّ قَبُولَ شَهَادَةِ وَاحِدٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ عَلِيٍّ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَصَامَ وَقَالَ " أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أحب إلى من أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ " فَصِيَامُ عَلِيٍّ ﵁ كَانَ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فَلَمَّا بَلَغَهُ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَبُولِ الْوَاحِدِ صَارَ إلَيْهِ * قَالَ الْخَطِيبُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ لَا يصوم الا للرؤية أو اكمال الْعَدَدِ لِشَعْبَانَ مَا أَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ وَذَكَرَ إسْنَادَهُ إلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ " صُمْنَا عَلَى عَهْدِ عَلِيٍّ ﵁ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَأَمَرَنَا عَلِيٌّ بِقَضَاءِ يَوْمٍ " قَالَ الْخَطِيبُ وَكَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ تِلْكَ السَّنَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَشَعْبَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَغُمَّ الْهِلَالُ فِي آخِرِ شَعْبَانَ فَأَكْمَلَ عَلِيٌّ وَالنَّاسُ الْعَدَدَ لِشَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَصَامُوا فَرَأَوْا الْهِلَالَ عَشِيَّةَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الصَّوْمِ وَلَوْ كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ فِي الصَّوْمِ كَقَوْلِ الْمُخَالِفِ مِنْ اعْتِمَادِ الْغَيْمِ لَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ بَعْدَ صَوْمِ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا (وَأَمَّا) ابْنُ مَسْعُودٍ فَرَوَى عَنْهُ الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ " لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ أَقْضِيَهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَزِيدَ

стр. 3338

فِيهِ يَوْمًا لَيْسَ مِنْهُ " وَعَنْ صِلَةَ قَالَ " كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَتَى بِشَاةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ عَمَّارٌ مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ " وَعَنْ حُذَيْفَةَ " أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " لَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بشئ وَلَا تَقَدَّمُوهُ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ " وَعَنْهُ " مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ " قَالَ الْخَطِيبُ (وَأَمَّا) ما رويناه عن معاوية ابن صَالِحٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ " سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ " لَأَنْ أَتَقَدَّمَ فِي رَمَضَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَخَّرَ لِأَنِّي إنْ تَقَدَّمْتُ لَمْ يَفُتْنِي " فَرِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا تُحْفَظُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَبُو مَرْيَمَ مَجْهُولٌ فَلَا يُعَارَضُ بِرِوَايَتِهِ مَا نَقَلَهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ * قَالَ الْخَطِيبُ وَمِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْمُخَالِفُ مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي إسحق قَالَ رَأَيْتُ هِلَالَ الْفِطْرِ إمَّا عِنْدَ الظُّهْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَأَفْطَرَ نَاسٌ فَأَتَيْنَا أَنَسًا فاخبرناه فقال " هَذَا الْيَوْمُ يُكْمِلُ إلَى أَحَدٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا لِأَنَّ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ أَرْسَلَ إلَيَّ قَبْلَ صِيَامِ النَّاسِ أَنِّي صَائِمٌ غَدًا فَكَرِهْتُ الْخِلَافَ عَلَيْهِ فَصُمْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ يَوْمِي هَذَا إلَى اللَّيْلِ " قَالَ الْخَطِيبُ قَالَ الْمُخَالِفُ وَلَا يَتَقَدَّمُ أَنَسٌ عَلَى صَوْمِ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِصَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ * قَالَ الْخَطِيبُ فَيُقَالُ لَهُ قَدْ قَالَ أَنَسٌ إنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ مُعْتَقِدًا وُجُوبَهُ وَإِنَّمَا تَابَعَ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ وَكَانَ هُوَ الْأَمِيرُ عَلَى الْإِمْسَاكِ فِيهِ وَلَعَلَّ الْأَمِيرَ عَزَمَ عَلَيْهِ

стр. 3339

فِي ذَلِكَ فَكَرِهَ مُخَالَفَتَهُ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ كَذَا رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَحَسْبُكَ بِهِ فَهْمًا وَعَقْلًا وَصِدْقًا وَفَضْلًا وَمِنْ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ " لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ لِي مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ " قَالَ الْخَطِيبُ أَرَادَتْ عَائِشَةُ صَوْمَ الشَّكِّ إذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ عَدْلٌ فَيَجِبُ صَوْمُهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ شَهِدَ بِبَاطِلٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَأَرَادَتْ بِقَوْلِهَا مُخَالَفَةَ مَنْ شَرَطَ لِصَوْمِ رَمَضَانَ شَاهِدِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَسْرُوقًا رَوَى عَنْهَا النَّهْيَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ ثُمَّ رَوَاهُ الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ وَمِنْ ذَلِكَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ تَقَدَّمَتْهُ وَصَامَتْ وَتَأْمُرُ بِذَلِكَ قَالَ الْخَطِيبُ لَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ تَقَدُّمِهَا بِالصَّوْمِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ لَا وَاجِبٌ وَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُخَالِفِ فِيهِ حُجَّةٌ مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِعْلِهِ قَالَ الْخَطِيبُ وَمِمَّا جاء عن التابعين فيه مارويناه فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وَأَمْرُ رَجُلًا أَنْ يُفْطِرَ بَعْدَ الظُّهْرِ وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ " لَا تَصُمْ الْيَوْمَ الَّذِي تَشُكُّ فِيهِ إذَا كَانَ فِيهِ سَحَابٌ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ " لَا بَأْسَ بِصَوْمِهِ إلَّا أَنْ يُغَمَّ الْهِلَالُ " وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ إنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ " لَا يُصَمْ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ " لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا مَا صُمْتُ يَوْمَ الشَّكِّ " وَعَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا مَا صمت يوم الشك وعن ابراهيم قال مامن يوم أبغض إلى أَنْ أَصُومَهُ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ وَأَبِي وَائِلٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُمْ كَانُوا

стр. 3340

يَكْرَهُونَ صَوْمَ الْيَوْمِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ لَا أَتَعَمَّدُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَصِلُ بِهِ رَمَضَانَ أَتَعَمَّدُهُ وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَرِهَا صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ قَالَ الْخَطِيبُ وَذَكَرَ الْمُخَالِفُ شُبَهًا مِنْ الْقِيَاسِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ اعْتَمَدَ الْآثَارَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَصٌّ يُخَالِفُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ وَيَحْرُمُ الْعَمَلُ بِهِ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ إمَامُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ تَوَسُّعِهِ فِي الْقَضَاءِ بِالْقِيَاسِ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْسَنُ مِنْ بَعْضِ الْقِيَاسِ وَهَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ إذَا قَابَلَ الْقِيَاسَ نَصٌّ يُخَالِفُهُ أَوْ كَانَ فَاسِدًا لِنَقْصٍ أَوْ مُعَارَضَةِ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ كَقِيَاسِ الْمُخَالِفِ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَوَاتِ يَوْمٍ فَهَذَا قِيَاسٌ بَاطِلٌ لِثُبُوتِ النَّصِّ بِخِلَافِهِ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَجِبْ بِالشَّكِّ بَلْ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا شَغْلَ ذِمَّتِهِ بِكُلِّ صَلَاةٍ وَشَكَكْنَا

стр. 3341

فِي بَرَاءَتِهِ مِنْهَا وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ ولا طريق له إلَى الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ وَإِنَّمَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ يَوْمِ الشَّكِّ أَنْ يَشُكَّ هَلْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَمْ لَا فَلَا تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِيهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَالَ الْمُخَالِفِ وَقِيَاسٌ آخَرُ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى مَا إذَا غُمَّ الْهِلَالُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَجِبُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ الْخَطِيبُ لَيْسَ بِهَذَا الْمُخَالِفُ مِنْ الْغَبَاوَةِ مَا يَنْتَهِي إلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَكِنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أَمْرًا أَلْجَأَهُ إلَيْهَا وَكَيْفَ اسْتَجَازَ أَنْ يَقُولَ يَوْمُ الشَّكِّ أَحَدُ طَرَفَيْ الشَّهْرِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَلْزَمُهُ وَلَا يَسْلَمُ لَهُ (فَإِنْ قَالَ) بَنَيْتُهُ عَلَى أَصْلٍ (قيل) له هو مخالف للنص فيجب اطراحه ويقال له أو قُلْتَ يَوْمُ الشَّكِّ أَحَدُ طَرَفَيْ رَمَضَانَ فَأْتِ بِحُجَّةٍ عَلَى ذَلِكَ وَهَيْهَاتَ السَّبِيلُ إلَى ذَلِكَ (وَإِنْ قُلْتَ) الشَّكُّ أَحَدُ طَرَفَيْ شَعْبَانَ (قِيلَ) أَصَبْتَ وَلَا يَجِبُ صَوْمُ شَعْبَانَ (ثُمَّ يُقَالُ) الْأَصْلُ بَقَاءُ شَعْبَانَ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ قَالَ الخطيب قال المخالف لا يَمْتَنِعُ تَرْكُ الْأَصْلِ لِلِاحْتِيَاطِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَكَمَا لَوْ شَكَّ مَاسِحُ الْخُفِّ فِي انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ فَلَا يمسح ولو شكت المستحاضة في انقطاع الخيص تَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ قَالَ الْخَطِيبُ (أَمَّا) مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فَسَبَقَ جَوَابُهَا (وَأَمَّا) مَاسِحُ الْخُفِّ فَشَرْطُ مَسْحِهِ بَقَاءُ الْمُدَّةِ فَإِذَا شَكَّ فِيهَا رَجَعَ إلَى الاصل وهو غسل الرجلين (واما) السمتحاضة فَسَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلَاةُ بِسَبَبِ الْحَيْضِ فَإِذَا شَكَّتْ فِيهِ رَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ وَمُقْتَضَى هَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ لَا يَجِبَ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الخطيب ﵀ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى *

стр. 3342

﴿ويكره أن يصوم يوم الجمعة وحده فان وصله بيوم قبله أو بيوم بعده لم يكره لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة الا أن يصوم قبله أو يصوم بعده "﴾ * ﴿الشَّرْحُ﴾ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ أُخَرُ (مِنْ) ذَلِكَ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ " سَأَلْتُ جَابِرًا أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بقيام مِنْ بَيْنِ سَائِرِ اللَّيَالِيِ وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أَصُمْتِ أَمْسِ قَالَتْ لَا قَالَ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا قَالَتْ لَا قَالَ فافطري "

стр. 3343

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ من غرة كل شهر ثلاثة أيام وقل ما كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ فان وصله يصوم قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ شِفَاءِ مَرِيضِهِ أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ أَبَدًا فَوَافَقَ الْجُمُعَةَ لَمْ يُكْرَهْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ رَوَى الْمُزَنِيّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا أَسْتَحِبُّ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ كَانَ إذَا صَامَهُ مَنَعَهُ مِنْ الصَّلَاةِ مالو كَانَ مُفْطِرًا فَعَلَهُ هَذَا نَقْلُ الْقَاضِي وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَذَكَرَ فِي جَامِعِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ أَنْهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلَّا عَلَى اخْتِيَارٍ لِمَنْ كَانَ إذَا صَامَهُ مَنَعَهُ عَنْ الصَّلَاةِ الَّتِي لَوْ كَانَ مُفْطِرًا فَعَلَهَا قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ أَنَّهُ يُكْرَهُ صَوْمُهُ مُفْرَدًا قَالَ وَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ قَالَ وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَلَى مَنْ كَانَ الصَّوْمُ يُضْعِفُهُ وَيَمْنَعُهُ عَنْ الطَّاعَةِ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ مُخْتَصَرًا وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ غَيْرَهُ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي كَرَاهَةِ إفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ وَجْهَانِ (الْمَنْصُوصُ) الْجَوَازُ وَيُحْتَجُّ لِظَاهِرِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ (وَمَنْ) قَالَ بِالْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ

стр. 3344

أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ الْخَمِيسَ فَوَصَلَ الْجُمُعَةَ بِهِ وَهَذَا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ * ﴿فَرْعٌ﴾ قَالَ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ الْحِكْمَةُ فِي كَرَاهَةِ إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ أَرْجَى فَهُوَ يَوْمُ دُعَاءٍ وَذِكْرٍ وَعِبَادَةٍ مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّبْكِيرِ إلَى الصَّلَاةِ وَانْتِظَارِهَا وَاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ وَإِكْثَارِ الذِّكْرِ بَعْدَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فضل الله واذكروا الله كثيرا) وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ أَيْضًا الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي يَوْمِهَا فَاسْتُحِبَّ لَهُ الْفِطْرُ فِيهِ لِيَكُونَ أَعْوَنَ عَلَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ وَأَدَائِهَا بِنَشَاطٍ وَانْشِرَاحٍ وَالْتِذَاذٍ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَلَلٍ وَلَا سَآمَةٍ وَهُوَ نَظِيرُ الْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ فَإِنَّ الْأَوْلَى لَهُ الْفِطْرُ كَمَا سَبَقَ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَزُلْ الْكَرَاهَةُ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِبَقَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى بِسَبَبِهِ (فَالْجَوَابُ) أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِفَضِيلَةِ الصَّوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مَا يَجْبُرُ مَا قَدْ يَحْصُلُ مِنْ فُتُورٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي وَظَائِفِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِسَبَبِ صَوْمِهِ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي كَرَاهَةِ إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ (وَقِيلَ) سَبَبُهُ خَوْفُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ بِحَيْثُ يُفْتَتَنُ بِهِ كَمَا اُفْتُتِنَ قَوْمٌ بِالسَّبْتِ وَهَذَا بَاطِلٌ مُنْتَقَضٌ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَسَائِرِ مَا شُرِعَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِمَّا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ وَالشَّعَائِرِ (وَقِيلَ) سببه لِئَلَّا يُعْتَقَدَ وُجُوبُهُ وَهَذَا بَاطِلٌ وَمُنْتَقَضٌ بِيَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ صَوْمُهُ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى هَذَا الْخَيَالِ الْبَعِيدِ وَبِيَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * ﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ * قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا كَرَاهَتُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو يوسف واحمد واسحق وابن المنذر وقال ملك وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا يُكْرَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ ينهى عن صيام يوم الجمعة قال وصامه قَالَ وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ وَأُرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ فَهَذَا كَلَامُ مَالِكٍ

стр. 3345

وَقَدْ يُحْتَجُّ لَهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ * وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِمْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ فِي النَّهْيِ وَسَبَقَ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ فَلَا يُفْرِدُهُ (وَأَمَّا) قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ مَا رَأَى مَنْ يَنْهَى فَيُعَارِضُهُ أَنَّ غَيْرَهُ رَأَى فَالسُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَا رَآهُ هُوَ وَغَيْرُهُ وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ إفْرَادِهِ فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهَا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهَا وَمَالِكٌ مَعْذُورٌ فِيهَا فَإِنَّهَا لَمْ تبلغه قال الداوودى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا حَدِيثَ النَّهْيِ وَلَوْ بَلَغَهُ لَمْ يُخَالِفْهُ * ﴿فَرْعٌ﴾ يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ فَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ. أَوْ بَعْدَهُ مَعَهُ لَمْ يُكْرَهُ صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ إفْرَادِهِ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ الدَّارِمِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَمَعْنَى النَّهْيِ أَنْ يَخْتَصَّهُ الرَّجُلُ بِالصِّيَامِ لِأَنَّ الْيَهُودَ يُعَظِّمُونَهُ وَقَالَ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُقْبَلُ فَقَدْ صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ قَالَ وَلَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ وَهُوَ حديث جويرة السَّابِقُ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ وَلَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثُوهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا أَيُّ الْأَيَّامِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ صِيَامًا لَهَا قَالَتْ يَوْمُ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ فَرَجَعْتُ إلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَامُوا بِأَجْمَعِهِمْ إلَيْهَا فَقَالُوا إنَّا بَعَثْنَا إلَيْكِ هَذَا فِي كَذَا وَكَذَا فَذَكَرَ أَنَّكِ قُلْتِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَتْ صَدَقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أكثر مَا كَانَ يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ

стр. 3346

وَيَوْمَ الْأَحَدِ وَكَانَ يَقُولُ إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ " هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْحَاكِمِ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَعَنْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنَ وَمِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ والخميس " رواه الترمذي وقالت حديث حسن والصواب علي الجلة مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ إفْرَادُ السَّبْتِ بِالصِّيَامِ إذَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً لَهُ لِحَدِيثِ الصَّمَّاءِ (وَأَمَّا) قَوْلُ أَبِي دَاوُد إنَّهُ مَنْسُوخٌ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ وَأَيُّ دَلِيلٍ عَلَى نَسْخِهِ (وَأَمَّا) الْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صِيَامِ السَّبْتِ فَكُلُّهَا وَارِدَةٌ فِي صَوْمِهِ مَعَ الْجُمُعَةِ وَالْأَحَدِ فَلَا مُخَالَفَةَ فِيهَا لِمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ السَّبْتِ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الصَّمَّاءِ لِحَاءَ عِنَبَةٍ هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وبالحاء المهملة وبالمد وهو قشر الشجرة ويمضغه بفتح الضاد وضمها لغتان * قال المصنف ﵀ * ﴿ولا يجوز صوم يوم الفطر ويوم النحر فان صام فيه لم يصح لِمَا رَوَى عُمَرُ ﵁ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن صيام هدين اليومين أما يوم الاضحى فتأكلون من لحم نسككم وأما يوم الفطركم من صيامكم "﴾ * ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ وَرَوَيَا أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " نهى عن صيام يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ " وَرَوَيَا مَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنْ صَامَ فِيهِمَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَهُمَا لَمْ ينعقد نذره ولا شئ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَيَلْزَمُهُ صَوْمُ يَوْمٍ غَيْرِهِمَا قَالَ فَإِنْ صَامَهُمَا أَجْزَأَهُ مَعَ أَنَّهُ حرام ووافق علي انه يصح صومهما عن نذر مطلق * دلينا نه نَذَرَ صَوْمًا مُحَرَّمًا فَلَمْ يَنْعَقِدْ كَمَنْ نَذَرَتْ صوم أيام حيضها *

стр. 3347

* قال المصنف ﵀ * ﴿ولا يجوز ان يصوم ايام التشريق صوما غير صوم التمتع فان صام لم يصح صومه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " نهى عن صيام ستة ايام يوم الفطر ويوم النحر وايام التشريق واليوم الذى يشك فيه انه من رمضان " وهل يجوز للمتمتع صومه فيه قولان (قال) في القديم يجوز لما روى عن ابن عمر وعائشة انهما قالا " لم يرخص في ايام التشريق الا لمتمتع لم يجد الهدى " (وقال) في الجديد لا يجوز لان كل يوم لا يجوز فيه صوم غير المتمتع لم يجز فيه صوم التمتع كيوم العيد﴾ * ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ باسناد ضعيف عى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " نَهَى عَنْ صِيَامٍ قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَالْأَضْحَى وَالْفِطْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٍ بَعْدَ يَوْمِ النحر " هذا لفظه وضعف اسناده ويعني عَنْهُ حَدِيثُ نُبَيْشَةَ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتَ سَاكِنَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ الصَّحَابِيِّ ﵁ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وأنس من الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ

стр. 3348

التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ " هَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِإِفْطَارِهَا وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا قَالَ مَالِكٌ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (وَأَمَّا) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ فِي صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا " لَمْ يُرَخَّصْ في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى " وفى لِلْبُخَارِيِّ عَنْهُمَا قَالَا " الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنَى " فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَرْفُوعَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أُمِرْنَا بِكَذَا وَنُهِينَا عَنْ كَذَا وَرُخِّصَ لَنَا فِي كَذَا وَكُلُّ هَذَا وَشِبْهُهُ مَرْفُوعٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ قَالَ ﷺ كَذَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ ثُمَّ فِي مَوَاضِعَ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَ النَّحْرِ وَيُقَالُ لَهَا أَيَّامُ مِنَى لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يُقِيمُونَ فِيهَا بِمِنَى وَالْيَوْمُ (الْأَوَّلُ) منها يُقَالُ لَهُ يَوْمُ الْقَرِّ بِفَتْحِ الْقَافِ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنَى (وَالثَّانِي) يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ النَّفْرُ فِيهِ لِمَنْ تَعَجَّلَ (وَالثَّالِثُ) يَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي وَسُمِّيَتْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يُشَرِّقُونَ فِيهَا لُحُومَ الْأَضَاحِيّ وَالْهَدَايَا أي ينشرونها ويقددونها وايام

стр. 3349

التشريق هم الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ الْجَدِيدُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا لَا لِمُتَمَتِّعٍ وَلَا غَيْرِهِ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْقَدِيمُ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ الْعَادِمِ الْهَدْيَ صَوْمُهَا عَنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَصُومَهَا فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَهُمَا جَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَآخَرُونَ مِنْهُمْ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ جَمِيعِ الْأَصْحَابِ لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِي مَنْعِ صَوْمِهَا وَإِنَّمَا رُخِّصَ لِلْمُتَمَتِّعِ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ هَذَا الْقَائِلُ بالجواز هو أبو اسحق الْمَرْوَزِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا الَّذِينَ حَكَوْا هَذَا الْوَجْهَ إنَّمَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ صَوْمٌ لَهُ سَبَبٌ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ لَهُ سَبَبٌ (فَأَمَّا) تَطَوُّعٌ لَا سَبَبَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ كَذَا نَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الطيب والمحاملي والسرخسي وصاحب بالعدة وَآخَرُونَ وَأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ قَالُوا هُوَ نَظِيرُ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِيهَا مالها سبب دون مالا سَبَبَ لَهَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ مَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أن إباحتها للمتمتع للحاجة أو لكونه سَبَبًا وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا مَنْ عَلَّلَ بِالْحَاجَةِ خصه بالتمتع فَلَمْ يُجَوِّزْهَا لِغَيْرِهِ

стр. 3350

وَمَنْ عَلَّلَ بِالسَّبَبِ جَوَّزَ صَوْمَهَا عَنْ كُلِّ صوم له سبب دون مالا سَبَبَ لَهُ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ نَذَرَ صَوْمَهَا بِعَيْنِهَا فَهُوَ كَنَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِجَوَازِ الصَّوْمِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ مُخْتَصٌّ بِصَوْمٍ له سبب ولا يصح فيها مالا سَبَبَ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي التَّفْرِيعِ عَلَى الْقَدِيمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لا تقبل هذه غير صوم التمتع لِضَرُورَةٍ تَخْتَصُّ بِهِ وَقَالَ آخَرُونَ إنَّهَا كَيَوْمِ الشَّكِّ ثُمَّ ذَكَرَ مُتَّصِلًا بِهِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ أَنَّهُ إنْ صَامَهُ بِلَا سَبَبٍ فَهُوَ منهي عنه وفى صحته وجهان قد سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ هُوَ الْقَوْلُ الْجَدِيدُ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ فيها صوم أصلا لا للمتمتع ولا لغيره (والارجح) في

стр. 3351

الدليل صحتها للمتمتع وَجَوَازُهَا لَهُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي التَّرْخِيصِ لَهُ صَحِيحٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَلَا عُدُولَ عَنْهُ (وَأَمَّا) قَوْلُ صَاحِبِ الشَّامِلِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَبَاطِلٌ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ جِهَةٍ ضَعِيفَةٍ وَضَعَّفَهُ بِذَلِكَ السَّبَبِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِلِ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ كَلَامَ صَاحِبِ الشَّامِلِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ * ﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ * قَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَنَا فِيهَا وَأَنَّ الْجَدِيدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهَا صَوْمٌ (وَالْقَدِيمُ) صِحَّتُهُ لِمُتَمَتِّعٍ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ السَّلَفِ الْعُلَمَاءِ بِامْتِنَاعِ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَلِغَيْرِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب وأبي حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ جَوَازَ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَغَيْرِهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ سِيرِينَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ والاوزاعي ومالك واحمد واسحق في رواية عنه يجوز للمتمتع صومها * * قال المصنف ﵀ * ﴿ولا يجوز ان يصوم في رضمان غير رمضان حاضرا كان أو مسافرا فان صام عن غيره لم يصح صومه

стр. 3352

عن رمضان لانه لم ينوه ولا يصح عما نوى لان الزمان مستحق لصوم رمضان فلا يصح فيه غيره﴾ * ﴿الشَّرْحُ﴾ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَا قَالَهَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا مَبْسُوطَةً فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصِّيَامِ فِي مَسَائِلِ النِّيَّةِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ وَذَكَرْنَا بَعْدَهُ خلاف أبي حنيفة * * قال المصنف ﵀ تعالي * ﴿ويستحب طلب ليلة القدر لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه " ويطلب ذلك في ليالى الوتر من العشر الاخير من شهر رمضان لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " التمسوها في العشر الاخير في كل وتر " قال الشافعي ﵀ والذى يشبه أن يكون ليلة احدى وعشرين وثلاث وعشرين والدليل عليه ماروى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " أريت هذه الليلة ثم أنسيها ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين قال أبو سعيد فانصرف علينا وعلي جبهته وانفه أثر الماء والطين في صبيحة يوم إحدى وعشرين " وروى عبد الله بن انيس ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثم أنسيتها وأراني أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وعشرين فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْ أثر الماء والطين علي جبهته " قال الشافعي ولا أحب ترك طلبها فيها كلها قال اصحابنا إذا قال لامرأته انت طالق ليلة القدر فان كان في رمضان قبل مضى ليلة من ليالى العشر حكم بالطلاق من الليلة الاخيرة من الشهر وان كان قد مضت ليلة وقع الطلاق في السنة الثانية في مثل تلك الليلة التي قال فيها ذلك والمستحب ان يقول

стр. 3353

فيها اللهم انك عفو تجب العفو فاعف عنى لما روى " ان عائشة رضى الله عنها قالت يارسول الله ارأيت ان وافقت ليلة القدر ماذا أقول قال تقولين اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنى "﴾ * ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَوَّلُ وَحَدِيثُهُ الثَّانِي رَوَاهَا كُلَّهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ أنيس بضيم الْهَمْزَةِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَآخَرُونَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَسَيَأْتِي فَرْعٌ مُسْتَقِلٌّ فِي ذِكْرِ جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَعْنَى قِيَامِهَا إيمَانًا أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهَا حَقٌّ وَطَاعَةٌ وَاحْتِسَابًا أَيْ طَلَبًا لِرِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابِهِ لَا لِلرِّيَاءِ وَنَحْوِهِ وَسَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بَيَانُ الذُّنُوبِ الَّتِي تُغْفَرُ وَبَيَانُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ الْوَارِدَةِ فِيهِ (أَمَّا) أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) لَيْلَةُ القدر ليلة فَاضِلَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي ليلة القدر) إلَى آخِرِ السُّورَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَهِيَ أَفْضَلُ لَيَالِي السَّنَةِ قَالُوا وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) مَعْنَاهُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَفْضَلِ لَيَالِيِ السَّنَةِ طَلُقَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَيَكُونُ كَمَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّانِيَةُ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ مُخْتَصَّةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا فَلَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَهَا وَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَيْ لَيْلَةَ الْحُكْمِ وَالْفَصْلِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ وَقِيلَ لِعِظَمِ قَدْرِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا كلهم هي التى يفرق فيها كل أمر حكيم هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ قَالَ

стр. 3354

جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ هِيَ لَيْلَةُ نصف شعبان وهذا خطأ لقوله تعلي (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا منذرين فيها يفرق كل امر حكيم) وَقَالَ تَعَالَى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فَهَذَا بَيَانُ الْآيَةِ الْأُولَى وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكْتُبُ لِلْمَلَائِكَةِ فِيهَا مَا يُعْمَلُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَيَقَعُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيَأْمُرُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ وَظِيفَتِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَتَقْدِيرُهُ لَهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ كَوْنِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مُخْتَصَّةً بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَهَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ أَصْحَابُنَا كُلُّهُمْ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لِلْأُمَمِ السَّالِفَةِ قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إلَّا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ (الثَّالِثَةُ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُسْتَحَبُّ طَلَبُهَا وَالِاجْتِهَادُ فِي إدْرَاكُهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ " يَجْتَهِدُ فِي

стр. 3355

طلبها في العشر الاواخر من رمضان مالا يجتد فِي غَيْرِهِ " وَأَنَّهُ " كَانَ ﷺ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ " وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ مُبْهَمَةٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّهَا فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا تَنْتَقِلُ عَنْهَا وَلَا تَزَالُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكُلُّ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مُحْتَمِلَةٌ لَهَا لَكِنَّ لَيَالِيَ الْوِتْرِ أَرْجَاهَا وَأَرْجَى الْوِتْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَمَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ إلَى ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ

стр. 3356

مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَرْجَاهَا عِنْدَهُ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَهُمَا أَرْجَى لَيَالِيهَا عِنْدَهُ وَبَعْدَهُمَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَقَالَ إمَامَانِ جَلِيلَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا وهما المزني وصاحبه أبو بكر محمد ابن اسحق بن خزيمة أنها منتقلة فِي لَيَالِي الْعَشْرِ تَنْتَقِلُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ إلَى لَيْلَةٍ وَفِي بَعْضِهَا إلَى غَيْرِهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ لِتَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا طَرِيقَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ إلَّا بِانْتِقَالِهَا * قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التجريد وصاحب التنبه وَغَيْرُهُمَا تُطْلَبُ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَجْهًا وَادَّعَى الْمَحَامِلِيُّ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ التَّجْرِيدِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تُلْتَمَسُ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَآكَدُهُ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْهُ وَآكَدُ الْعَشْرِ لَيَالِي الْوِتْرِ هَذَا لَفْظُهُ فِي التَّجْرِيدِ وَسَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ لَهَا وَمَا يَدُلُّ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَصْحَابُنَا وَصِفَةُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَعَلَامَتُهَا أَنَّهَا لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ وان الشمس تطلع في صَبِيحَتَهَا بَيْضَاءَ لَيْسَ لَهَا كَثِيرُ شُعَاعٍ وَفِيهَا حَدِيثٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ قِيلَ) فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِمَعْرِفَةِ صِفَتِهَا بَعْدَ فَوَاتِهَا فَإِنَّهَا تَنْقَضِي بِمَطْلَعِ الْفَجْرِ (فَالْجَوَابُ) مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ اجتهاده في

стр. 3357

يَوْمِهَا الَّذِي بَعْدَهَا كَاجْتِهَادِهِ فِيهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَالثَّانِي) أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ فَإِذَا عُرِفَتْ لَيْلَتُهَا فِي سَنَةٍ اُنْتُفِعَ بِهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِيهَا فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا (الرَّابِعَةُ) يُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَالدُّعَاءُ وَالِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِيهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الدُّعَاءِ وَهُمَا صَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِيهَا بِمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَيُسْتَحَبُّ إحْيَاؤُهَا بِالْعِبَادَةِ إلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفجر) قَالَ أَصْحَابُنَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا سَلَامٌ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ استحب ان يكون اجتهاد في يومها كاجتهاده في ليلتها هذا نصه فِي الْقَدِيمِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الْجَدِيدِ نَصٌّ يُخَالِفُهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي مُقَدَّمَةِ الشَّرْحِ أَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الْجَدِيدِ بِمَا يُخَالِفُهُ وَلَا بِمَا يُوَافِقُهُ فَهُوَ مَذْهَبُهُ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْخَامِسَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَوْ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَإِنْ قَالَهُ قَبْلَ رَمَضَانَ أَوْ فِيهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ لَيْلَةِ الْحَادِي

стр. 3358

وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهِمَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي إحْدَى لَيَالِي الْعَشْرِ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بعد مضي ليالى العشر طلقت وعتق فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الليلة التى قبل تممه سواء كان قاله في الليل أو فِي النَّهَارِ لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّتْ بِهِمَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ هَكَذَا تَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ وَهَكَذَا صَرَّحَ بِهَا الْمُحَقِّقُونَ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ وَافَقَهُ طَلُقَتْ فِي مِثْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَفِيهِ تَسَاهُلٌ لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ الطَّلَاقُ لَيْلَةً عَنْ مَحَلِّ وُقُوعِهِ وَكَذَا قَوْلُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَمَنْ وافقه أنه إن قاله قبل مضي شئ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ عَتَقَ وَطَلُقَتْ فِي آخِرِ يَوْمٍ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ إلَى آخِرِ يَوْمٍ بَلْ يَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَلِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أول لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ طَلُقَتْ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِوُجُودِ الِاسْمِ وَمِثْلُ قَوْلِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ طَلُقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ وَهُوَ تساهل أيضا وصوابه أول جُزْءٌ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ هَكَذَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ المسألة عن الاصحاب ووافقهه الْجُمْهُورُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ مِنْهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مُعَيَّنَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لَا تَنْتَقِلُ بَلْ هِيَ فِي لَيْلَةٍ بِعَيْنِهَا كُلَّ سَنَةٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا إنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ قَبْلَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ طَلُقَتْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ وَعَتَقَ وَإِنْ عَلَّقَهُ بَعْدَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ إلَّا فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلِ بِانْتِقَالِهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَتَكُونُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَكَأَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ وَمُوَافِقِيهِ فَرَّعُوا عَلَى انْتِقَالِهَا مَعَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُمْ تَعْيِينُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ قالو ذَلِكَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قُلْنَا تَتَعَيَّنُ أَوْ تَنْتَقِلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَعْيِينِهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ بِالشَّكِّ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يُحْتَمَلُ في كلام غير صاحب اشامل (وأما)

стр. 3359

هو فقال لا يقع الطلاق الافي آخِرِ الشَّهْرِ لِجَوَازِ اخْتِلَافِهَا وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِهِ أَيْضًا (وَأَمَّا) الْغَزَالِيُّ فَقَالَ فِي الْوَسِيطِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ قال الرافعى وغير لَا نَعْرِفُ اعْتِبَارَ مُضِيِّ سَنَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا فِي كُتُبِ الْغَزَالِيِّ وَقَوْلُهُ الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ قَالَ إمَامُ

стр. 3360

الْحَرَمَيْنِ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّافِعِيُّ ﵀ تعالي مُتَرَدِّدٌ فِي لَيَالِي الْعَشْرِ وَيَمِيلُ إلَى بَعْضِهَا مَيْلًا لَطِيفًا قَالَ وَانْحِصَارُهَا فِي الْعَشْرِ ثَابِتٌ عِنْدَهُ بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا قَالَ وَالطَّلَاقُ يُنَاطُ وُقُوعُهُ بِالْمَذَاهِبِ الْمَظْنُونَةِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَهَذَا الَّذِي نَسَبَهُ الرَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُهُ إلى الغزالي

стр. 3361

مِنْ الِانْفِرَادِ بِمَا قَالَهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوهُ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ وَصَاحِبِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ يَطْلُبُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا سَبَقَ عَنْ الْجُمْهُورِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي انْحِصَارِهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَتَعَيُّنِهَا فِي لَيْلَةٍ *

стр. 3362

﴿فَرْعٌ﴾ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ هُنَا تَفْسِيرًا مُخْتَصَرًا لِسُورَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمِنْ أَحْسَنِهِمْ لَهُ ذِكْرًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ قَالُوا قَوْله تعالي (إنا أنزلناه) أَيْ الْقُرْآنَ فَعَادَ الضَّمِيرُ إلَى مَعْلُومٍ مَعْهُودٍ قَالُوا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَنْزَلَهُ مِنْ السَّمَاءِ الدُّنْيَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا آيَةً وَآيَتَيْنِ وَالْآيَاتِ وَالسُّورَةَ عَلَى مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ قَالُوا وقَوْله تَعَالَى (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شهر) مَعْنَاهُ الْعِبَادَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَةِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ الْعِبَادَةُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ

стр. 3363

الْعِبَادَةِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ بِصِيَامِ نَهَارِهَا وَقِيَامِ لَيْلِهَا لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وقَوْله تَعَالَى (تنزل الملائكة والروح) أي جبريل ﵇ (باذن ربهم) أي بامره (من كل أمر سلام) أَيْ يُسَلِّمُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ إلَّا مُدْمِنِ خَمْرٍ أَوْ مُصِرٍّ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ كَاهِنٍ أَوْ مُشَاحِنٍ فَمَنْ أَصَابَهُ السَّلَامُ غُفِرَ لَهُ مَا تقدم وقوله تعالي (حتي مطلع الفجر) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ أَنَّهَا سَلَامٌ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ *

стр. 3364

﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسَائِلَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقَدْ جَمَعَهَا الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ السَّبْتِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَاسْتَوْعَبَهَا وَأَتْقَنَهَا وَمُخْتَصَرُ مَا حَكَاهُ أَنَّهُ قَالَ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّ لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَاقِيَةٌ دَائِمَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْأَمْرِ بِطَلَبِهَا قَالَ وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا رُفِعَتْ وَكَذَا حَكَى أَصْحَابُنَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ قَوْمٍ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ الْجُمْهُورُ وَسَمَّاهُمْ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَقَالَ هُوَ قَوْلُ الرَّوَافِضِ وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ ﷺ " حين تلاحا رَجُلَانِ فَرُفِعَتْ " وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي فَرْعِ الْأَحَادِيثِ إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرَعَهُ هَؤُلَاءِ الشَّاذُّونَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ وَغَبَاوَةٌ بَيِّنَةٌ لِأَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ " فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ تَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ " هَكَذَا هُوَ فِي أَوَّلِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِرَفْعِهَا رفع عِلْمُهُ بِعَيْنِهَا ذَلِكَ

стр. 3365

الْوَقْتِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ رَفْعَ وُجُودِهَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْتِمَاسِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَعَلَى مَذْهَبِ الجماعة اختلفوا في محلها فقيل هي منتقلة تَكُونُ فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ وَفِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَيُقَالُ كُلُّ حَدِيثٍ جَاءَ بِأَحَدِ أَوْقَاتِهَا فَلَا تَعَارُضَ فِيهَا قَالَ وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ والثوري وأحمد وإسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا وَإِنَّمَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ وَقِيلَ فِي كُلِّهِ وَقِيلَ إنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لَا تَنْتَقِلُ أَبَدًا بَلْ هِيَ لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ فِي جَمِيعِ السِّنِينَ لَا تُفَارِقُهَا وَعَلَى هَذَا قِيلَ هِيَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي حنيفة وصاحبيه وقيل بل في كُلُّ رَمَضَانَ خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وجماعة وقيل بل في العشر الاواسط وَالْأَوَاخِرِ وَقِيلَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَقِيلَ تَخْتَصُّ بِأَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَقِيلَ بِأَشْفَاعِهَا كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقِيلَ بَلْ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقِيلَ تُطْلَبُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ سَبْعَ عشرة
следующие страницы →