← Фикх шафии

Фикх шафии · id 2186

المجموع شرح المهذب - ط المنيرية

النووي

Полный текст (4 869 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

التَّحَلُّلِ فَلَوْ لَمْ يَرْمِ وَلَكِنْ طَافَ وَحَلَقَ وَلَمْ يَسْعَ لَمْ يَحْصُلْ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ السَّعْيَ كَالْجُزْءِ فَكَأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الْمَرَّاتِ مِنْ الطواف وهذا لا خلاف فيه والله أَعْلَمُ (وَأَمَّا) الْعُمْرَةُ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَيُضَمُّ إلَيْهِمَا الْحَلْقُ إنْ قُلْنَا هُوَ نُسُكٌ وَإِلَّا فَلَا * قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْعُمْرَةِ تَحَلُّلٌ وَفِي الْحَجِّ تَحَلُّلَانِ لِأَنَّ الْحَجَّ يَطُولُ زَمَنُهُ وَتَكْثُرُ أَعْمَالُهُ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ

стр. 4202

فَأُبِيحَ بَعْضُ مُحَرَّمَاتِهِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضُهَا فِي وَقْتٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِي الْحَجِّ اللُّبْسُ وَالْقَلْمُ وَسَتْرُ الرَّأْسِ وَالْحَلْقُ إنْ لَمْ نَجْعَلْهُ نُسُكًا بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَحِلُّ الْجِمَاعُ إلَّا بِالتَّحَلُّلَيْنِ بِلَا خِلَافٍ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَطَأَ حَتَّى يَرْمِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَفِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ وَالْمُلَامَسَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ * قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالتَّحَلُّلَيْنِ (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالرُّويَانِيِّ يَحِلُّ بِالْأَوَّلِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَا يَحِلُّ بِالْأَوَّلِ الْمُبَاشَرَةُ وَيَحِلُّ الصَّيْدُ وَالنِّكَاحُ وَالطِّيبُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ قَالَ وَهُوَ الْجَدِيدُ وَيَحِلُّ الصَّيْدُ بِالْأَوَّلِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ بِاتِّفَاقِهِمْ (وَأَمَّا) الطِّيبُ فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِحِلِّهِ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ

стр. 4203

تَعَالَى وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ * وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ فِيهِ طَرِيقِينَ (أَصَحُّهُمَا) حِلُّهُ (وَالثَّانِي) عَلَى قَوْلَيْنِ كَالصَّيْدِ وَعَقْدِ النِّكَاحِ * وَهَذَا بَاطِلٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ * (فَرْعٌ) فِي بَيَانِ حَدِيثٍ مُشْكِلٍ مُخَالِفٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْن مَعِينٍ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ أبي عدي عن محمد بن اسحق قال حدثنا أبو عبيدة ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أُمِّهِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ (كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي يَصِيرُ إلَيَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فَصَارَ إلَيَّ فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهْبُ بن زمعة ومعه رجل مقتمصين فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفَضْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ انْزِعْ عَنْك الْقَمِيصَ فَنَزَعَهُ مِنْ رَأْسِهِ وَنَزَعَ صَاحِبُهُ قَمِيصَهُ مِنْ رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ فِيهِ لَكُمْ إذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إلَّا النِّسَاءَ فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَمَبِيتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ) هَذَا لَفْظُهُ وَهَذَا الْإِسْنَادُ صحيح والجمهور على الاحتجاج بمحمد بن اسحق إذا قال حدثنا وانما عابوا عليك التَّدْلِيسَ وَالْمُدَلِّسُ إذَا قَالَ حَدَّثَنَا اُحْتُجَّ بِهِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ فَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهِ * هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ (قُلْت) فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَنْسُوخًا دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَسْخِهِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ وَلَا يَنْسَخُ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى ناسخ والله أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ فِي الْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ * قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ قَالَ وَقَوْلُنَا تَحَلُّلَانِ مَجَازٌ بَلْ إذَا رَمَى جمرة

стр. 4204

الْعَقَبَةِ زَالَ إحْرَامُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَحْلِقَ وَيَطُوفَ كَمَا أَنَّ الْحَائِضَ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا زَالَ الْحَيْضُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَهُوَ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ * قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الطَّوَافَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَكَيْفَ يَزُولُ الْإِحْرَامُ وَبَعْضُ الْأَرْكَانِ بَاقٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا تَحَلَّلَ التَّحَلُّلَيْنِ صار حلالا في كل شئ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْحَجِّ وَهُوَ الرَّمْيُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْمَبِيتِ لَيَالِيهَا بِمِنًى مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ كَمَا يُسَلِّمُ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ وَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ مِنْ الصلاة بالاولى * قال المصنف ﵀ * (وإذا فرغ من الطواف رجع إلى منى وأقام بها أيام التشريق يرمى في كُلَّ يَوْمٍ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ كُلُّ جَمْرَةٍ سَبْعُ حصيات فيرمي الْجَمْرَةَ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ويقف قدر سورة البقرة يدعوا الله ثم يرمي الجمرة الوسطى ويقف ويدعو الله تعالى كما ذكرنا ثم يرمي الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة ولا يقف عندها لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ حتى صلى الظهر ثم رجع إلى منى فاقام بها أيام التشريق الثلاث يرمي الجمار فرمى الجمرة الاولى إذا زالت الشمس بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يقف فيدعو الله تعالى ثم يأتي الجمرة الثانية فيقول مثل ذلك ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها ولا يقف عندها) ولا يجوز أن يرمي الجمار في هذه الايام الثلاثة الا مرتبا يبدأ بالاولى ثم بالوسطى ثم بجمرة العقبة لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى هكذا وقال (خذوا عني مناسككم) فان نسي حصاة ولم يعلم من أي الجمار تركها جعلها من الجمرة الاولى ليسقط الفرض بيقين ولا يجوز الرمي في هذه الايام الثلاثة الا بعد الزوال لان عائشة ﵂ قالت (أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيَّامُ التشريق الثلاثة يرمي الجمار الثلاث حين تزول الشمس) فان ترك الرمي في اليوم الثالث سقط الرمي لانه فات أيام الرمي ويجب عليه دم لقوله ﷺ (من ترك نسكا فعليه دم) فان ترك الرمي في اليوم الاول إلى اليوم الثاني أو ترك الرمي في اليوم الثاني إلى الثالث فالمشهور من المذهب أن الايام الثلاثة كاليوم الواحد فما ترك في الاول يرميه في اليوم الثاني وما تركه في

стр. 4205

اليوم الثاني يرميه في اليوم الثالث والدليل عليه أنه يجوز لرعاة الابل أن يؤخروا رمي يوم إلى يوم بعده فلو لم يكن اليوم الثاني وقتا لرمي اليوم الاول لما جاز الرمي فيه وقال في الاملاء رمي كل يوم يوم مؤقت بيومه والدليل عليه أنه رمى مشروع في يوم ففات بفواته كرمي اليوم الثالث فان تدارك عليه رمي يومين أو ثلاثة أيام (فان قلنا) بالمشهور بدأ ورمى عن اليوم الاول ثم عن اليوم الثاني ثم عن اليوم الثالث فان نوى بالرمي الاول عن اليوم الثاني ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يجزئه لانه ترك الترتيب (والثاني) أنه يجزئه عن الاول لان الرمي مستحق عن اليوم الاول فانصرف إليه كما لو طاف بنية الوداع وعليه طواف الفرض (فان قلنا) بقوله في الاملاء إن رمى كل يوم موقت بيومه وفات اليوم ولم يرم ففيه ثلاثة أقوال (أحدها) أن الرمي يسقط وينتقل إلى الدم كاليوم الاخير (والثاني) أنه يرمي ويريق دما للتأخير كما لو أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر فانه يصوم ويفدي (والثالث) أنه يرمي ولا شئ عليه كما لو ترك الوقوف بالنهار فانه يقف بالليل ولا دم عليه فعلى هذا إذا رمى عن اليوم الثاني قبل اليوم الاول جاز لانه قضاء فلا يجب فيه الترتيب كالصلاة الفائتة (فأما) إذا نسي رمي يوم النحر فَفِيهِ طَرِيقَانِ (مِنْ) أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هُوَ كرمي أيام التشريق فيرمي رمى يوم النحر في أيام التشريق وتكون أيام التشريق وقتا له وعلى قوله في الاملاء يكون على الاقوال الثلاثة (ومن) أصحابنا من قال يسقط رمى يوم النحر قولا واحدا لانه لما خالف رمى أيام التشريق في المقدار والمحل خالفه في الوقت * ومن ترك رمى الجمار الثلاث في يوم لزمه دم لقوله صلى الله عليه وسلم (من ترك نسكا فعليه دم) فان ترك ثلاث حصيات فعليه دم لانه يقع اسم الجمع المطلق عليه فصار كما لو ترك الجميع وان ترك حصاة ففيه ثلاثة أقوال (أحدها) يجب عليه ثلث دم (والثاني) مد (والثالث) درهم * وان ترك حصاتين لزمه في أحد الاقوال ثلثا دم وفي الثاني مدان وفي الثالث درهمان * وان ترك الرمي في أيام التشريق وقلنا بالقول المشهور أن الايام الثلاثة كاليوم الواحد لزمه دم كاليوم الواحد (فان قلنا) بقوله في الاملاء ان رمى كل يوم مؤقت بيومه لزمه ثلاثة دماء وان ترك رمى يوم النحر وأيام التشريق (فان قلنا) ان رمى يوم النحر كرمي أيام التشريق لزمه على

стр. 4206

القول المشهور دم واحد (وإن قلنا) إنه ينفرد عن رمي أيام التشريق (فان قلنا) ان رمى أيام التشريق كرمي اليوم الواحد لزمه دمان (وإن قلنا) إن رمي كل يوم مؤقت بيومه لزمه أربعة دماء) * (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بن اسحق صَاحِبِ الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِهِ وَلَكِنْ مُحَمَّدُ بن اسحق مُدَلِّسٌ وَالْمُدَلِّسُ إذَا قَالَ عَنْ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يتقدم ثم يسهل فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشمال فيسهل وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مُتَوَالِيَةٍ * وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَفِي رِوَايَتِهِمْ (فَيَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ طَوِيلًا يُكَبِّرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُسَبِّحُهُ ويحمده ويدعوا اللَّهَ تَعَالَى) (وَأَمَّا) حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (رَمَى الْجِمَارَ مُرَتَّبًا) فَهُوَ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي ذَكَرْتهَا الْآنَ وَمِنْ غَيْرِهَا (وَأَمَّا) حَدِيثُ (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَرَّاتٍ (وَأَمَّا) حَدِيثِ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجِمَارَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ الذي فيه محمد بن اسحق وَقَدْ بَيَّنْته الْآنَ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ ضُحًى ثُمَّ لَمْ يَرْمِ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى زَالَتْ الشَّمْسُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

стр. 4207

(وَأَمَّا) حَدِيثُ (مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) فَسَبَقَ بَيَانُهُ (وَأَمَّا) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ مَسْجِدُ الْخَيْفِ هُوَ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ - قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْخَيْفُ مَا انْحَدَرَ عَنْ غِلَظِ الْجَبَلِ وَارْتَفَعَ عَنْ مَسِيلِ الْمَاءِ وَبِهِ يُسَمَّى مَسْجِدُ الْخَيْفِ وَهُوَ مَسْجِدٌ عَظِيمٌ وَاسِعٌ جِدًّا فِيهِ عِشْرُونَ بَابًا وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ جُمَلًا تَتَعَلَّقُ بِهِ * (قَوْلُهُ) رَمْيٌ مَشْرُوعٌ فِي يَوْم احْتِرَاز مِنْ رَجْمِ الزَّانِي (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا فَرَغَ الْحَاجُّ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ إنْ كَانَ لَمْ يَسْعَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِنًى عَقِبَ فَرَاغِهِ فَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَحَضَرَ الْخُطْبَةَ ثُمَّ يُقِيمُ فِي مِنًى لِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَمَبِيتِ لَيَالِيهَا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يُسَمَّى يَوْمَ الْقَرِّ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ - لِأَنَّهُمْ قَارُّونَ بِمِنًى وَالْيَوْمُ الثَّانِي يُسَمَّى النَّفْرَ الْأَوَّلَ وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ يَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي * وَمَجْمُوعُ حَصَى الرَّمْيِ سَبْعُونَ حَصَاةً سَبْعٌ مِنْهَا لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالْبَاقِي لِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَيَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ كُلُّ جَمْرَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ كَمَا سَبَقَ وَصْفُهُ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَيَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ إحدى وعشرون حَصَاةً فَيَأْتِي الْجَمْرَةَ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَهِيَ أَوَّلُهُنَّ مِنْ جِهَةِ عَرَفَاتٍ وَهِيَ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ فَيَأْتِيهَا مِنْ أسفل منها

стр. 4208

فَيَصْعَدُ إلَيْهَا وَيَعْلُوهَا حَتَّى يَكُونَ مَا عَنْ يساره اقل ما عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَاحِدَةً وَاحِدَةً يُكَبِّرُ عَقِبَ كُلِّ حَصَاةٍ كَمَا سَبَقَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ عَنْهَا وَيَنْحَرِفُ قَلِيلًا وَيَجْعَلُهَا فِي قَفَاهُ وَيَقِفُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُصِيبُهُ الْمُتَطَايَرُ مِنْ الْحَصَى الَّذِي يُرْمَى فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُ وَيُهَلَّلُ وَيُسَبِّحُ وَيَدْعُو مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ وَخُضُوعِ الْجَوَارِحِ وَيَمْكُثُ كَذَلِكَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ الْوُسْطَى وَيَصْنَعُ فِيهَا كَمَا صَنَعَ فِي الْأُولَى وَيَقِفُ لِلدُّعَاءِ كَمَا وَقَفَ فِي الْأُولَى إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ عَنْ يَسَارِهَا بِخِلَافِ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِيهَا بَلْ يَتْرُكُهَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَقِفُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ مُنْقَطِعًا عَنْ أَنْ يُصِيبَهُ الْحَصَى ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّالِثَةَ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ الَّتِي رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ فَيَرْمِيهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا لِلذِّكْرِ والدعاء * هذه الْكَيْفِيَّةُ هِيَ الْمَسْنُونَةُ وَالْوَاجِبُ مِنْهَا أَصْلُ الرَّمْيِ بِصِفَتِهِ السَّابِقَةِ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ بِمَا يُسَمَّى حَجَرًا وَيُسَمَّى رَمْيًا (وَأَمَّا) الدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا زَادَ عَلَى أصل الرمي فمستحب لا شئ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ * وَيَرْمِي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَا رَمَى فِي الْأَوَّلِ وَيَرْمِي فِي الثَّالِثِ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَنْفِرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِ الْوُقُوفِ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ (وَأَمَّا) كَوْنُهُ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ فِعْلِ ابن عمر والله أعلم (الثانية) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ كُلَّ يَوْمٍ لِلرَّمْيِ (الثَّالِثَةُ) لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَيَبْقَى وَقْتُهَا إلَى غُرُوبِهَا وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ أَنَّهُ يَبْقَى إلَى الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ (وَالصَّحِيحُ) هَذَا فِيمَا سِوَى الْيَوْمِ الْآخِرِ (وَأَمَّا) الْيَوْمُ الْآخِرُ فَيَفُوتُ رَمْيُهُ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا جَمِيعُ الرَّمْيِ يَفُوتُ بِغُرُوبِ شَمْسِ الثَّالِثِ مِنْ التَّشْرِيقِ لِفَوَاتِ زَمَنِ الرَّمْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَنْ يُقَدِّمَ الرَّمْيَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ ثُمَّ يَرْجِعَ فَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الاصحاب وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقُ قَرِيبًا (الرَّابِعَةُ) الْعَدَدُ شَرْطٌ فِي الرَّمْيِ فَيَرْمِي فِي كُلِّ يَوْمٍ إحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً إلَى كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَتَكُونُ كُلُّ حَصَاةٍ بِرَمْيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ كَمَا سَبَقَ فِي جَمْرَةِ العقبة (الخامسة) يشترط التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ فَلَوْ تَرَكَ حَصَاةً مِنْ الْأُولَى أَوْ جَهِلَ فَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيْنَ تَرَكَهَا جَعَلَهَا مِنْ الْأُولَى فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَرْمِيَ إلَيْهَا

стр. 4209

حَصَاةً ثُمَّ يَرْمِيَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ (السَّادِسَةُ) يَنْبَغِي أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ الْحَصَيَاتِ فِي الْجَمْرَةِ الْوَاحِدَةِ وَأَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ وَهَذِهِ الْمُوَالَاةُ سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَقِيلَ شَرْطٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (السَّابِعَةُ) إذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ رَمْيِ يَوْمِ الْقَرِّ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا هَلْ يَتَدَارَكُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ أَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْيَوْمِ الثَّانِي أو رمي اليومين الاوليين هَلْ يُتَدَارَكُ فِي الثَّالِثِ مِنْهُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (الصَّحِيحُ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ يُتَدَارَكُ (وَالثَّانِي) نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ لَا يُتَدَارَكُ (فَإِنْ قُلْنَا) لَا يُتَدَارَكُ فِي بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ فَهَلْ يُتَدَارَكُ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَهُ مِنْ لَيَالِي التَّشْرِيقِ (إذَا قُلْنَا) بِالْأَصَحِّ إنَّ وَقْتَهُ لَا يَمْتَدُّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ (وَإِنْ قُلْنَا) بِالتَّدَارُكِ فَتَدَارَكَ فَهَلْ هو أداء أم قضاء فيه قولان (أصحهما) أداء كما في حل أَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرُّعَاةِ * (فَإِنْ قُلْنَا) أَدَاءٌ فَجُمْلَةُ أَيَّامِ مِنًى فِي حُكْمِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فَكُلُّ يَوْمٍ لِلْقَدْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ كَأَوْقَاتِ اخْتِيَارِ الصَّلَوَاتِ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ رَمْيِ يَوْمِ التَّدَارُكِ عَلَى الزَّوَالِ * وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ رَمْيِ يَوْمٍ إلَى يَوْمٍ * قَالَ الرَّافِعِيُّ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ وَقْتَهُ يَتَّسِعُ مِنْ جِهَةِ الْآخِرِ دون الاول ولايجوز التَّقْدِيمُ عَلَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَهُوَ كَمَا قَالَ فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِمَنْعِ التَّقْدِيمِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ تَصْرِيحًا وَمَفْهُومًا * (وَإِذَا قُلْنَا) إنَّهُ قَضَاءٌ فَتَوْزِيعُ الْأَقْدَارِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى الْأَيَّامِ مُسْتَحَقٌّ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيمِ رَمْيِ يَوْمٍ إلَى يَوْمٍ وَلَا إلى تَقْدِيمِهِ عَلَى الزَّوَالِ وَهَلْ يَجُوزُ بِاللَّيْلِ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) الْجَوَازُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَتَأَقَّتْ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الرَّمْيَ عِبَادَةُ النَّهَارِ كَالصَّوْمِ وَهَلْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّمْيِ الْمَتْرُوكِ وَرَمْيِ يَوْمِ التَّدَارُكِ فِيهِ قَوْلَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُمَا وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) نَعَمْ كَالتَّرْتِيبِ فِي الْمَكَانِ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّدَارُكَ قَضَاءٌ أَمْ أَدَاءٌ (إنْ قُلْنَا) أَدَاءٌ وَجَبَ التَّرْتِيبُ وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ لَمْ نُوجِبْ التَّرْتِيبَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْعُذْرِ كَالرُّعَاةِ وَأَهْلِ السِّقَايَةِ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ الْمُتَوَلِّي نَظِيرُهُ إنْ فَاتَتْهُ الظُّهْرُ لَا يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ وَلَوْ أَخَّرَهَا لِلْجَمْعِ فَوَجْهَانِ وَلَوْ رَمَى إلَى الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا عَنْ يَوْمٍ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ إلَيْهَا عَنْ أَمْسِهِ أَجْزَأَهُ إنْ لَمْ نُوجِبْ التَّرْتِيبَ فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يُجْزِئُهُ وَيَقَعُ عَنْ الْقَضَاءِ (وَالثَّانِي) لَا يُجْزِئُهُ أَصْلًا * قَالَ الْإِمَامُ وَلَوْ صُرِفَ الرَّمْيُ إلَى غَيْرِ النُّسُكِ بِأَنْ رَمَى إلَى شَخْصٍ أَوْ دَابَّةٍ فِي الْجَمْرَةِ فَفِي انْصِرَافِهِ عَنْ النُّسُكِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي صَرْفِ الطَّوَافِ (وَالْأَصَحُّ) الِانْصِرَافُ فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ وَقَعَ عَنْ أَمْسِهِ وَلَغَا قَصْدُهُ وَإِنْ انْصَرَفَ فَإِنْ شَرْطَنَا التَّرْتِيبَ لَمْ يُجْزِهِ أَصْلًا وَإِنْ لَمْ نَشْتَرِطْ أَجْزَأَهُ عَنْ يَوْمِهِ * وَلَوْ رَمَى إلَى كُلِّ جَمْرَةٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَصَاةً سَبْعًا عن يومه

стр. 4210

وَسَبْعًا عَنْ أَمْسِهِ جَازَ إنْ لَمْ نَشْتَرِطْ التَّرْتِيبَ وَإِنْ شَرَطْنَاهُ لَمْ يَجُزْ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ * هَذَا كُلُّهُ فِي رَمْيِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (أَمَّا) إذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ فَفِي تَدَارُكِهِ فِي أيام الشتريق طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ (وَالثَّانِي) الْقَطْعُ بِعَدَمِ التَّدَارُكِ لِلْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ قَدْرًا؟ ؟ ؟ وَوَقْتًا وَحُكْمًا * فَإِنَّ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ يُؤَثِّرُ فِي التَّحَلُّلِ بِخِلَافِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ * (فَرْعٌ) لَوْ تَرَكَ رَمْيَ بَعْضِ الْأَيَّامِ وَقُلْنَا يَتَدَارَكُ فَتَدَارَكَ فَلَا دَمَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّهُ يَجِبُ دَمٌ مَعَ التَّدَارُكِ كَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ وَيَفْدِي * ولو نفر يوم النحر أو يوم القر قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ثُمَّ عَادَ وَرَمَى قَبْلَ الْغُرُوبِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ وَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ فَكَذَا عَلَى الْأَصَحِّ وَفِيهِ وَجْهٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ لِأَنَّ النَّفْرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا نَفَرَ فِيهِ خَرَجَ عَنْ الْحَجِّ فَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِعَوْدِهِ وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَتَدَارَكُ أَوْ قُلْنَا بِهِ فَلَمْ يَتَدَارَكْ وَجَبَ الدَّمُ وَكَمْ قَدْرُهُ فِيهِ صُوَرٌ * فَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالصُّورَةُ فِيمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ التَّشْرِيقِ فَفِيمَا يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) دَمٌ (وَالثَّانِي) دَمَانِ (وَالثَّالِثُ) أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ وَدَلِيلُهَا فِي الْكِتَابِ * وَهَذَا الثَّالِثُ أَظْهَرُهَا عِنْدُ الْبَغَوِيِّ * قَالَ الرَّافِعِيُّ لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ * وَحَكَى الدَّارِمِيُّ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ عَشَرَةُ دِمَاءٍ يَجْعَلُ كُلَّ جَمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وَهَذَا شَاذٌّ بَاطِلٌ * وَلَوْ تَرَكَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ رَمْيَ يَوْمٍ مِنْ التَّشْرِيقِ وَجَبَ دَمٌ * وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ بَعْضِ التَّشْرِيقِ فَطَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) الْجَمَرَاتُ الثَّلَاثُ كَالشَّعَرَاتِ الثَّلَاثِ فَلَا يُكْمِلُ الدَّمَ فِي بَعْضِهَا بَلْ إنْ تَرَكَ جَمْرَةً فَفِيهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْمَشْهُورَةُ فِيمَنْ حَلَقَ شَعْرَةً (أَظْهَرُهَا) مُدٌّ (وَالثَّانِي) دِرْهَمٌ (وَالثَّالِثُ) ثُلُثُ دَمٍ * وَإِنْ تَرَكَ جَمْرَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ حَصَاةً مِنْ جَمْرَةٍ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ (إنْ قُلْنَا) فِي الْجَمْرَةِ ثُلُثُ دَمٍ فَفِي الْحَصَاةِ جُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ دَمٍ (وَإِنْ قُلْنَا) فِي الْجَمْرَةِ مُدٌّ أَوْ دِرْهَمٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ نُوجِبَ سُبْعَ مُدٍّ أَوْ سُبْعَ دِرْهَمٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا نُبَعِّضَهُمَا (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي وَظِيفَةِ الْجَمْرَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا يَكْمُلُ فِي جَمْرَةِ النَّحْرِ فِي الْحَصَاةِ وَالْحَصَاتَيْنِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ هَذَا فِي الْحَصَاةِ وَالْحَصَاتَيْنِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (فَأَمَّا) إذَا تَرَكَهَا مِنْ الْجَمْرَةِ الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقَرِّ أَوْ النَّفْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَنْفِرْ (فَإِنْ قُلْنَا) لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ التَّدَارُكِ وَرَمْيِ الْوَقْتِ صَحَّ رَمْيُهُ لَكِنْ تَرْكُ حَصَاةٍ فَفِيهِ الْخِلَافُ (١) وَإِنْ أَوْجَبْنَا التَّرْتِيبَ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَنَّ الرمي بنية اليوم هل

стр. 4211

يَقَعُ عَنْ الْمَاضِي (إنْ قُلْنَا) نَعَمْ تَمَّ الْمَتْرُوكُ بِمَا أَتَى بِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ لَكِنْ يَكُونُ تَارِكًا لِلْجَمْرَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ (وَإِنْ قُلْنَا) لَا كَانَ تَارِكًا رَمْيَ حَصَاةٍ وَوَظِيفَةِ يَوْمٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ لَمْ نُفْرِدْ كُلَّ يَوْمٍ بِدَمٍ وَإِنْ أَفْرَدْنَا فَعَلَيْهِ لِوَظِيفَةِ الْيَوْمِ دَمٌ وفيما يجب لترك الحصاة الخلا ف * وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ إحْدَى الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ أَيِّ يَوْمٍ * كَانَ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْمَكَانِ * هَذَا كُلُّهُ إذَا تَرَكَ بَعْضَ يَوْمٍ مِنْ التَّشْرِيقِ فَإِنْ تَرَكَ بَعْضَ رَمْيِ النَّحْرِ فَقَدْ أَلْحَقهُ الْبَغَوِيّ بِمَا إذَا تَرَكَ مِنْ الْجَمْرَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْيَوْمِ الْآخِرِ * وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يَلْزَمُهُ دَمٌ وَلَوْ تَرَكَ حَصَاةً فَقَطْ لِأَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يَتَحَلَّلْ إلَّا بِبَدَلٍ كَامِلٍ * وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجْهًا غَرِيبًا ضَعِيفًا أَنَّ الدَّمَ يَكْمُلُ فِي حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ مُطْلَقًا وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُتَوَلِّي لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأَيَّامِ لَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهَا أَخَذَ بِالْأَسْوَأِ وَهُوَ أَنَّهُ تَرَكَ حَصَاةً مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَحَصَاةً مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى يَوْمَ الْقَرِّ وَحَصَاةً مِنْ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ فَإِنْ لَمْ يَحْسِبْ مَا يَرْمِيهِ بِنِيَّةِ وَظِيفَةِ الْيَوْمِ عَنْ الْفَائِتِ فَالْحَاصِلُ سِتُّ حَصَيَاتٍ مِنْ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ سَوَاءٌ شَرَطْنَا التَّرْتِيبَ بَيْنَ التَّدَارُكِ وَرَمْيِ الْوَقْتِ أَمْ لَا وَإِنْ حَسِبْنَاهُ فَالْحَاصِلُ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَحَدِ أَيَّامٍ التَّشْرِيقِ لَا غَيْرُ سَوَاءٌ شَرَطْنَا التَّرْتِيبَ أَمْ لَا وَدَلِيلُهُ يُعْرَفُ مِمَّا سَبَقَ مِنْ الْأُصُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ رَمْيُهُ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ التَّشْرِيقِ مَاشِيًا وَأَنْ يَكُونَ رَاكِبًا فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ فَيَرْمِي بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَاكِبًا وَيَنْفِرُ عَقِبَ الرَّمْيِ كَمَا أَنَّهُ يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا ثُمَّ يَنْزِلُ هَكَذَا قَالَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي كُلِّ الطُّرُقِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ * وَشَذَّ الْمُتَوَلِّي عَنْ الْأَصْحَابِ فَحَكَى عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ مَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرْمِي مَاشِيًا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَيُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْ هَذَا رِوَايَةِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ إذَا رَمَى الْجِمَارَ مَشَى إلَيْهِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *

стр. 4212

(فَرْعٌ) لَا يَفْتَقِرُ الرَّمْيُ إلَى نِيَّةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا وَقَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ طَوَافِ الْقُدُومِ عِنْدَ ذِكْرِ نِيَّةِ الطَّوَافِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) فِي الْحِكْمَةِ فِي الرَّمْيِ * قَالَ الْعُلَمَاءُ أَصْلُ الْعِبَادَةِ الطَّاعَةُ وَكُلُّ عِبَادَةٍ فَلَهَا مَعْنًى قَطْعًا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَأْمُرُ بِالْعَبَثِ ثُمَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ قَدْ يَفْهَمُهُ الْمُكَلَّفُ وَقَدْ لَا يَفْهَمُهُ فَالْحِكْمَةُ فِي الصَّلَاةِ التَّوَاضُعُ وَالْخُضُوعُ وَإِظْهَارُ الِافْتِقَارِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْحِكْمَةُ فِي الصَّوْمِ كَسْرُ النَّفْسِ وَقَمْعُ الشَّهَوَاتِ وَالْحِكْمَةُ فِي الزَّكَاةِ مُوَاسَاةُ الْمُحْتَاجِ وَفِي الْحَجِّ إقْبَالُ الْعَبْدِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ إلَى بَيْتٍ فَضَّلَهُ اللَّهُ كَإِقْبَالِ الْعَبْدِ إلَى مَوْلَاهُ ذَلِيلًا * وَمِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا السَّعْيُ وَالرَّمْيُ فَكُلِّفَ الْعَبْدُ بِهِمَا لِيَتِمَّ انْقِيَادُهُ فَإِنَّ هذا النوع لاحظ لِلنَّفْسِ فِيهِ وَلَا (١) لِلْعَقْلِ بِهِ وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ إلَّا مُجَرَّدُ امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَكَمَالُ الِانْقِيَادِ * فَهَذِهِ إشَارَةٌ مُخْتَصَرَةٌ تُعْرَفُ بِهَا الْحِكْمَةُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَاخِرِ فَصْلِ طَوَافِ الْقُدُومِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّهِ) وَرَوَيْنَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﷺ لَمَّا أَتَى الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الْأَرْضِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الشَّيْطَانَ تَرْجُمُونَ وَمَكَّةَ بَيْنَكُمْ تَبْتَغُونَ) * قال المصنف ﵀ * (ومن عجز عن الرمي بنفسه لمرض مأيوس أو غير مأيوس جاز أن يستنيب من يرمي عنه لان وقته مضيق وربما مات قبل أن يرمي بخلاف الحج فانه على التراخي * ولا يجوز لغير المأيوس أن يستنيب لانه قد يبرا فيؤديه بنفسه * والافضل ان يضع كل حصاة في يد النائب ويكبر ويرمي النائب فان رمى عنه النائب ثم برئ من المرض فالمستحب ان يعيد بنفسه * وإن أغمي عليه فرمى عنه غيره فان كان بغير إذنه لم يجزه وان كان أذن له فيه قبل أن يغمى عليه جاز) * (الشَّرْحُ) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ (إحْدَاهُمَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ الْعَاجِزُ عَنْ الرَّمْيِ بِنَفْسِهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ وَنَحْوِهِمَا يَسْتَنِيبُ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَرَضُ مَرْجُوَّ

стр. 4213

الزَّوَالِ أَوْ غَيْرَهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَوَاءٌ اسْتَنَابَ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا وَسَوَاءٌ اسْتَنَابَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً * قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَاوِلَ النَّائِبَ الْحَصَى إنْ قَدَرَ وَيُكَبِّرُ الْعَاجِزُ وَيَرْمِي النَّائِبُ وَلَوْ تَرَكَ الْمُنَاوَلَةَ مَعَ قُدْرَتِهِ صَحَّتْ الِاسْتِنَابَةُ وَأَجْزَأَهُ رَمْيُ النَّائِبِ لِوُجُودِ الْعَجْزِ عَنْ الرَّمْيِ * قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَيَجُوزُ لِلْمَحْبُوسِ الْمَمْنُوعِ مِنْ الرَّمْيِ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ * ثُمَّ إنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ أَطْلَقُوا جَوَازَ الِاسْتِنَابَةِ لِلْمَرِيضِ سَوَاءٌ كَانَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ أَمْ لَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مُتَابِعِي الْإِمَامِ إنَّمَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ لِعَاجِزٍ بِعِلَّةٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الرَّمْيِ قَالُوا وَلَا يَضُرُّ رَجَاءُ الزَّوَالِ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ وَمُتَابِعُوهُ مُتَعَيَّنٌ وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ فَلَوْ زَالَ الْعَجْزُ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ لَزِمَهُ رَمْيُ مَا بَقِيَ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ ثُمَّ يَزُولُ نَادِرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَوْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُحْرِمِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَلَمْ يَكُنْ أَذِنَ فِي الرَّمْيِ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ الرَّمْيُ عَنْهُ فِي إغْمَائِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ أَذِنَ فِيهِ جَازَ الرَّمْيُ عَنْهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ * وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهًا شَاذًّا ضَعِيفًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ * وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجَوَازَ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ فَقَالَ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَوْ اسْتَنَابَ الْعَاجِزُ عَنْ الرَّمْيِ وَصَحَّحْنَا الِاسْتِنَابَةَ فَأُغْمِيَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ دَامَتْ النِّيَابَةُ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْإِغْمَاءِ الطَّارِئِ عَلَى إذْن انْقِطَاع إذْنه إذَا كَانَ أَصْلُ الاذن جائزا كالوكالة وَلَكِنْ الْغَرَضُ هُنَا إقَامَةُ النَّائِبِ مَقَامَ الْعَاجِزِ قَالَ وَمَا ذَكَرُوهُ مُحْتَمَلٌ جِدًّا وَلَا يَمْتَنِعُ خِلَافُهُ * قَالَ وَقَدْ قَالُوا لَوْ اسْتَنَابَ الْمَعْضُوبُ فِي حَيَاتِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ الْمَعْضُوبُ لَمْ تَنْقَطِعْ الِاسْتِنَابَةُ هَكَذَا ذَكَرُوهُ فِي الاذن المجرد وهو بعيد لكن لَوْ فُرِضَ فِي الْإِجَارَةِ فَالْإِجَارَةُ تَبْقَى وَلَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُمْكِنٌ فَلَا مُنَافَاةَ وَقَدْ اسْتَحَقَّ مَنْفَعَةَ الْأَجِيرِ قَالَ وَاَلَّذِي ذَكَرُوهُ فِي الْإِذْنِ جَائِزٌ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ فِي الْإِغْمَاءِ بَعِيدٌ فِي الْمَوْتِ * هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ * ثُمَّ إنَّ الْأَصْحَابَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ أَطْلَقُوا أَنَّهُ إذَا اسْتَنَابَ قَبْلَ الْإِغْمَاءِ جَازَ رَمْيُ النَّائِبِ عَنْهُ فِي الْإِغْمَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ حِينَ أَذِنَ مُطِيقًا لِلرَّمْيِ لَمْ يَصِحَّ الرَّمْيُ عَنْهُ فِي الْإِغْمَاءِ لِأَنَّ الْمُطِيقَ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ عَنْهُ فَلَمْ يَصِحَّ إذْنُهُ وَإِنْ كَانَ حِينَ الْإِذْنِ عَاجِزًا بان كان مريضا فاذن لم أُغْمِيَ عَلَيْهِ صَحَّتْ النِّيَابَةُ وَصَحَّ رَمْيُ النَّائِبِ * هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَأَشَارَ إلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَآخَرُونَ * وَفِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الَّذِي حَكَيْته عَنْهُ الْآنَ مُوَافَقَتُهُ

стр. 4214

فَلْيُحْمَلْ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ عَلَى مَنْ اسْتَنَابَ فِي حَالِ الْعَجْزِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي حَالِ إغْمَائِهِ لَمْ يَصِحَّ إذْنُهُ وَإِنْ رُمِيَ عَنْهُ بِذَلِكَ الْإِذْنِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ إذْنَهُ ساقط في كل شئ الله أَعْلَمُ * وَالْمَجْنُونُ كَالْمَغْمِيِّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ هَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ * (فَرْعٌ) اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الرَّمْيِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي أَصْلِ الْحَجِّ قَالُوا وَالرَّمْيُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ * (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَنِيبَ الْعَاجِزُ حَلَالًا أَوْ مَنْ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ اسْتَنَابَ مَنْ لَمْ يَرْمِ عَنْ نفسه فينبغي أن يرمي الغائب عن نفسه ثم عن المستنيب فيجزئهما الرميان بِلَا خِلَافٍ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى رَمْيِ وَاحِدٍ وَقَعَ عَنْ الرَّامِي لَا عَنْ الْمُسْتَنِيبِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ * وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إذَا رَمَى النَّائِبُ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ ثُمَّ عَنْ نَفْسِهِ رَمْيًا آخَرَ أَجْزَأَهُ الرَّمْيُ عَنْ نَفْسِهِ وَفِي الرَّمْيِ الْمَحْسُوبِ عَنْ نَفْسِهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ الرَّمْيُ الثَّانِي لِأَنَّهُ الَّذِي قَصَدَهُ عَنْ نَفْسِهِ (وَالثَّانِي) الْأَوَّلُ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ نُسُكٌ إذَا فَعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَنْ نفسه كأصل الحج وكالطواف قَالَا وَفِي رَمْيِهِ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يُجْزِئُهُ عَنْهُ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَا الرَّمْيَ الاول عن النائب فلم يقصده بِالثَّانِي وَإِنْ جَعَلْنَا الثَّانِي عَنْ النَّائِبِ فَقَدْ رَمَى عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الرَّمْيِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ يُجْزِئُ الرَّمْيُ عَنْ الْمَرِيضِ لِأَنَّ الْمَرِيضَ أَخَفُّ مِنْ أَصْلِ الْحَجِّ وَأَرْكَانِهِ فَجَازَ فِعْلُهُ عَنْ غَيْرِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ * (فَرْعٌ) إذَا رَمَى النَّائِبُ ثُمَّ زَالَ عُذْرُ الْمُسْتَنِيبِ وَأَيَّامُ الرَّمْيِ بَاقِيَةٌ فَطَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الرَّمْيِ بِنَفْسِهِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّ رَمْيَ النَّائِبِ وَقَعَ عَنْهُ فَسَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) فِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الرَّمْيَةِ بِنَفْسِهِ وَلَا يُجْزِئُهُ فِعْلُ النَّائِبِ (وَالثَّانِي) لَا يَلْزَمُهُ قَالُوا وَهُمَا كَالْقَوْلَيْنِ فِي الْمَعْضُوبِ إذَا أحج عنه ثم برأ * وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الطَّرِيقَ وَجَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ والبغوي ووالده صاحب الْبَحْرِ وَحَكَاهُ أَيْضًا طَائِفَةٌ وَضَعَّفَتْهُ * ثُمَّ إنَّ الْخِلَافَ فِي الرَّمْيِ الَّذِي فَعَلَهُ النَّائِبُ قَبْلَ زَوَالِ الْعُذْرِ (أَمَّا) الرَّمْيُ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْمُسْتَنِيبُ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ فَيَلْزَمُهُ فِعْلُهُ بِلَا خِلَافٍ صرح به الماوردي والاصحاب والله أعلم * * قال المصنف ﵀ * (ويبيت بمنى ليالي الرمي (لان النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ) وهل يجب ذلك أو يستحب فيه قولان (أحدهما) أنه مستحب لانه مبيت فلم يجب كالمبيت ليلة عرفة (والثاني) أنه يجب (لان

стр. 4215

النبي ﷺ رخص للعباس في ترك المبيت لاجل السقاية) فدل على انه لا يجوز لغيره تركه (فان قلنا) أنه يستحب لم يجب بتركه دم (وإن قلنا) يجب وجب بتركه الدم فعلى هذا إذا ترك المبيت في الليالي الثلاث وجب دم وإن ترك ليلة ففيه ثلاثة أقوال على ما ذكرناه في الحصاة ويجوز لرعاة الابل وأهل سقاية العباس ﵁ أن يدعوا المبيت ليالي منى ويرموا يوما ويدعوا يوما ثم يرموا ما فاتهم لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرخص للعباس أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْلِ سقايته) وروى عاصم بن عدى (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لرعاة الابل في ترك البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون يوم النفر) فان أقام الرعاة إلى أن تغرب الشمس لم يجز لهم ترك المبيت وان أقام أهل السقاية إلى أن تغرب الشمس جاز لهم ترك المبيت لان حاجة أهل السقاية بالليل موجودة وحاجة الرعاة لا توجد بالليل لان الراعي لا يكون بالليل ومن أبق له عبد ومضى في طلبه أو خاف أمرا يفوته ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يجوز له ما يجوز للرعاة وأهل سقاية العباس (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ للرعي وأهل السقاية) (والثاني) أنه يجوز لانه صاحب عذر فاشبه الرعاة وأهل السقاية) * (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ مَبِيتِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى لَيَالِي التَّشْرِيقِ فَصَحِيحٌ مَشْهُورٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (اسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) (وَأَمَّا) حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَأَمَّا) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَالسِّقَايَةُ - بِكَسْرِ السِّينِ - وَهِيَ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُسْتَقَى فِيهِ الْمَاءُ وَيُجْعَلُ فِي حِيَاضٍ وَيُسْبَلُ لِلشَّارِبِينَ وَكَانَتْ السِّقَايَةُ فِي يَدِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ ثُمَّ ورثها منه ابنه عبدمناف ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ هَاشِمٌ ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ مِنْهُ الْعَبَّاسُ ﵁ ثُمَّ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ عَلِيٌّ ثُمَّ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَقَدْ بَسَطْتُ بَيَانَهَا شَافِيًا فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ (قَوْلُهُ) رِعَاءُ الْإِبِلِ هُوَ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ - جَمْعُ رَاعٍ كَصَاحِبٍ وَصِحَابٍ وَيَجُوزُ رُعَاةٌ - بِضَمِّ الرَّاءِ وهاء بعد الاف - بِغَيْرِ مَدٍّ كَقَاضٍ وَقُضَاةٍ (قَوْلُهُ) وَمَنْ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ يَجُوزُ فِيهِ - فَتْحُ الْبَاءِ وَكَسْرُهَا - لُغَتَانِ كَضَرَبَ وَشَرِبَ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إذ أبق) وَيَجُوزُ لِعَبْدِ آبِق

стр. 4216

بِمَدِّ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْبَاءِ - (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ مُخْتَصَرُهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهَلْ الْمَبِيتُ بِهَا وَاجِبٌ أَمْ سُنَّةٌ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ فِيهِ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَاجِبٌ (وَالثَّانِي) سُنَّةٌ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) سُنَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فَإِنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ جَبَرَهُ بِدَمٍ بِلَا خِلَافٍ (فَإِنْ قُلْنَا) الْمَبِيتُ وَاجِبٌ كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا وَإِنْ قُلْنَا سنة فسنة * ويؤمر بالميبت فِي اللَّيَالِي الثَّلَاثِ إلَّا أَنَّهُ إذَا نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ سَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ * وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَبِيتَ بِهَا كُلَّ اللَّيْلِ وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُ (أَصَحُّهُمَا) مُعْظَمُ اللَّيْلِ (وَالثَّانِي) الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا بِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي (وَأَمَّا) قَدْرُ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَحُكْمُهُ فَسَبَقَ بَيَانُهُ * فَإِنْ تَرَكَ مَبِيتَ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَحْدَهَا جَبَرَهَا بِدَمٍ كَامِلٍ وَإِنْ تَرَكَ لَيَالِي التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَ لَزِمَهُ دَمٌ فَقَطْ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ * وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يَجِبُ فِي كل ليلة دم وليس بشئ * وَإِنْ تَرَكَ إحْدَى اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ كَالْأَقْوَالِ فِي تَرْكِ حصاة وفي حلق شعرة (اصحها) فِي اللَّيْلَةِ مُدٌّ (وَالثَّانِي) دِرْهَمٌ (وَالثَّالِثُ) ثُلُثُ دَمٍ * وَإِنْ تَرَكَ لَيْلَتَيْنِ فَعَلَى الْأَصَحِّ يَجِبُ مُدَّانِ وَعَلَى الثَّانِي دِرْهَمَانِ وَعَلَى الثَّالِثِ ثُلُثَا دَمٍ * وَلَوْ تَرَكَ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَيَالِي التَّشْرِيقِ كُلِّهَا فَقَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَجِبُ دَمَانِ دَمٌ لِلَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَدَمٌ لِلَيَالِي مِنًى (وَالثَّانِي) يَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ لِلَّيَالِيِ الْأَرْبَعِ * هَذَا مَنْ كَانَ بِمِنًى وَقْتَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَبِتْ وَقُلْنَا تُفْرَدُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ بِالدَّمِ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا لَيْلَتَيْنِ (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهُ مُدَّانِ أَوْ دِرْهَمَانِ أَوْ ثُلُثَا دَمٍ عَلَى حَسَبِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) يَلْزَمُهُ دَمٌ كَامِلٌ لِتَرْكِهِ جِنْسَ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَاتٌ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ تَرَكَ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَيْلَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ (أَمَّا) مَنْ تَرَكَ مَبِيتَ مُزْدَلِفَةَ أَوْ مِنًى لِعُذْرٍ فَلَا دَمَ وَهُمْ أَصْنَافٌ (أَحَدُهَا) رِعَاءُ الْإِبِلِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فَلَهُمْ إذَا رَمَوْا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَنْفِرُوا وَيَدَعُوا الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِي التَّشْرِيقِ وَلِلصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا أَنْ يَدَعُوا رَمْيَ يَوْمِ الْقَرِّ وَهُوَ الْأَوَّلُ مِنْ التَّشْرِيقِ وَيَقْضُوهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ قَبْلَ رَمْيِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَيْسَ لَهُمْ تَرْكُ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ فان تركوارمي الْيَوْمَ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِأَنْ نَفَرُوا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ بَعْدَ الرَّمْيِ عَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَإِنْ تَرَكُوا رَمْيَ الْأَوَّلَ بِأَنْ نَفَرُوا يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ

стр. 4217

عَادُوا فِي الثَّانِي ثُمَّ لَهُمْ أَنْ يَنْفِرُوا مَعَ النَّاسِ * هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ * وَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَالرِّعَاءُ بِمِنًى لَزِمَهُمْ الْمَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَرَمْيُ الْغَدِ وَيَجُوزُ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ أَنْ يَنْفِرُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ بِاللَّيْلِ بِخِلَافِ الرَّعْيِ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ بَلْ للحديث الصحيح السابق * قال أَصْحَابُنَا وَرُخْصَةُ السِّقَايَةِ لَا تَخْتَصُّ بِالْعَبَّاسِيَّةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ * وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِمْ حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَآخَرُونَ * وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ يَخْتَصُّ بِبَنِي هَاشِمٍ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدِ وَالرُّويَانِيُّ * قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أُحْدِثَتْ سِقَايَةٌ لِلْحُجَّاجِ جَازَ لِلْمُقِيمِ بِشَأْنِهَا تَرْكُ الْمَبِيتِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ * قَالَ ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ لَيْسَ لَهُ * وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ ثُمَّ قَالَ وَالْمَنْصُوصُ فِي كِتَابِ الْأَوْسَطِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (وَالصَّحِيحُ) مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَمِنْ الْمَعْذُورِينَ مَنْ انْتَهَى إلَى عَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَاشْتَغَلَ بِالْوُقُوفِ عَنْ مَبِيتِ المزدلفة فلا شئ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْمَبِيتِ الْمُتَفَرِّغُونَ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ * وَلَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَفَاتَهُ المبيت قال القفال لا شئ عَلَيْهِ لِاشْتِغَالِهِ بِالطَّوَافِ قَالَ الْإِمَامُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ * وَمِنْ الْمَعْذُورِينَ مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْمَبِيتِ أَوْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يَشُقُّ مَعَهُ الْمَبِيتُ أوله مَرِيضٌ يَحْتَاجُ إلَى تَعَهُّدِهِ أَوْ يَطْلُبُ آبِقًا أَوْ يَشْتَغِلُ بِأَمْرٍ آخَرَ يَخَافُ فَوْتَهُ فَفِي هَؤُلَاءِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُ المبيت ولا شئ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ وَلَهُمْ النَّفْرُ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ نَاسِيًا كَانَ كَتَرْكِهِ عَامِدًا صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ * (فَرْعٌ) ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ لِلرِّعَاءِ فِي تَرْكِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَا فِي تَأْخِيرِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنْ أَخَّرُوهُ عَنْهُ كَانَ مَكْرُوهًا كَمَا لَوْ أَخَّرَهُ غَيْرُهُمْ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ لَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا * (فَرْعٌ) قَالَ الرُّويَانِيُّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ إذَا لَمْ يَبِتْ لَيْلَتَيْ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ التَّشْرِيقِ وَرَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَأَرَادَ النَّفْرَ مَعَ النَّاسِ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ وَإِنَّمَا جُوِّزَ ذَلِكَ لِلرِّعَاءِ وَأَهْلِ السِّقَايَةِ لِلْعُذْرِ وَجُوِّزَ لِعَامَّةِ النَّاسِ أَنْ يَنْفِرُوا لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِمُعْظَمِ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ ومن لا عذر لَمْ يَأْتِ بِالْمُعْظَمِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ النَّفْرُ * قال المصنف ﵀ *

стр. 4218

(والسنة ان يخطب الامام يوم النفر الاول وهو اليوم الاوسط من ايام التشريق وهي إحدى الخطب الاربع ويودع الحاج ويعلمهم جواز النفر (لان النبي ﷺ خطب أوسط أيام التشريق) ولانه يحتاج فيه إلى بيان من يجوز له النفر ومن لا يجوز ومن أراد أن ينفر مع النفر الاول فنفر في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل غروب الشمس سقط عنه الرمي في اليوم الثالث ومن لم ينفر حتى غربت الشمس لزمه أن يقيم حتى يرمي في اليوم الثالث لقوله (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومن تأخر فلا اثم عليه) فان نفر قبل الغروب ثم عاد زائرا أو ليأخذ شيئا نسيه لم يلزمه المبيت لانه حصلت له الرخصة بالنفر فان بات لم يلزمه أن يرمي لانه لم يلزمه المبيت فلا يلزمه الرمي) * (الشَّرْحُ) حَدِيثُ الْخُطْبَةِ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ خُطْبَةِ الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي خُطَبِ الْحَجِّ الْأَرْبَعِ وَوَقْتِهَا وَصِفَتِهَا وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَنَا وَوَقْتُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَا سَبَقَ * قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَنْفِرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ وَعَجَّلَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ لِيَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ جَازَ قَالَ وَتُسَمَّى هَذِهِ خُطْبَةَ الْوَدَاعِ * وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ الْحُجَّاجِ حُضُورُهَا وَالِاغْتِسَالُ لَهَا وَيُوَدِّعُ الْإِمَامُ الْحُجَّاجَ وَيُعْلِمُهُمْ جَوَازَ النَّفْرِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَغَيْرِهِ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى أَنْ يَخْتِمُوا حَجَّهُمْ بِالِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يَكُونُوا بَعْدَ الْحَجِّ خَيْرًا منه قَبْلِهِ وَأَنْ لَا يَنْسَوْا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَجُوزُ النَّفْرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ التَّشْرِيقِ وَيَجُوزُ فِي الثَّالِثِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) قَالُوا وَالتَّأَخُّرُ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَفْضَلُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَالتَّأَخُّرُ لِلْإِمَامِ آكَدُ مِنْهُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ وَلِأَنَّهُ يُقِيمُ النَّاسُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ بِإِقَامَتِهِ فَإِنْ تَعَجَّلَ جَازَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * ثُمَّ مَنْ أَرَادَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِهَا سَقَطَ عَنْهُ مَبِيتُ لَيْلَةِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَرَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ * قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَرْمِي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَنْ الثَّالِثِ بَلْ ان بقي معه شئ مِنْ الْحَصَى طَرَحَهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ لِمَنْ لَمْ يَرْمِ وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهَا فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ أَثَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بَعْدُ فِي مِنًى لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَرَمَى يَوْمَهَا * وَلَوْ رحل فغربت

стр. 4219

الشَّمْسُ وَهُوَ سَائِرٌ فِي مِنًى قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِنْهَا فَلَهُ الِاسْتِمْرَارُ فِي السَّيْرِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَبِيتُ وَلَا الرَّمْيُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ فِي الْغَدِ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي * وَلَوْ غَرَبَتْ وَهُوَ فِي شُغْلِ الِارْتِحَالِ فَفِي جَوَازِ النَّفْرِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالرُّويَانِيُّ وآخرون (أحدهما) يلزمه الرمى والمبيت (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ لَا يَلْزَمُهُ الرَّمْيُ وَلَا الْمَبِيتُ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ حَلَّ الرَّحْلِ وَالْمَتَاعِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ * وَلَوْ نَفَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَادَ لِشُغْلٍ أَوْ زِيَارَةٍ وَنَحْوِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ أَمْ بَعْدَهُ فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لَا يَلْزَمُهُ الْمَبِيتُ فَإِنْ بَاتَ لَمْ يَلْزَمُهُ الرَّمْيُ فِي الْغَدِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ * (فَرْعٌ) لَوْ نَفَرَ مِنْ مِنًى مُتَعَجِّلًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَفَارَقَهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ رَمَى يَوْمًا وَبَعْضَهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنْ يَذْكُرَ ذلك قبل غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيُدْرِكُ الرَّمْيَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى مِنًى وَرَمْيُ مَا تَرَكَهُ ثُمَّ يَنْفِرُ مِنْهَا إنْ لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهَا فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِهَا وَالرَّمْيُ مِنْ الْغَدِ (وَالْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَذْكُرَهُ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى مِنًى لِفَوَاتِ وَقْتِ الرَّمْيِ وَقَدْ اسْتَقَرَّ الدَّمُ فِي ذِمَّتِهِ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْلَ غُرُوبِ الشمس منه (فان قُلْنَا) لِكُلِّ يَوْمٍ حُكْمُ نَفْسِهِ لَمْ يَعُدْ لِلرَّمْيِ لِفَوَاتِ وَقْتِهِ وَقَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ (وان قلنا) أيام التشريق كالشئ الْوَاحِدِ لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِلرَّمْيِ فَإِنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ الدَّمُ هَذَا نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ * وَجَمَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَفَصَّلَهَا أَحْسَنَ تَفْصِيلٍ فَقَالَ: لَوْ نَفَرَ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَرْمِ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ اسْتَقَرَّتْ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ فِي الرَّمْيِ الَّذِي تَرَكَهُ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ وَإِنْ عَادَ نَظَرَ إنْ عَادَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَ الرَّمْيُ وَلَا اسْتِدْرَاكَ وَانْقَضَى أَثَرُهُ مِنْ مِنًى وَلَا حُكْمَ لِمَبِيتِهِ وَإِنْ رَمَى فِي النَّفْرِ الثَّانِي لَمْ يُعْتَدَّ بِرَمْيِهِ لِأَنَّهُ بِنَفْرِهِ أَقْلَعَ عَنْ مِنًى وَالْمَنَاسِكِ فَاسْتَقَرَّتْ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَإِنْ عَادَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأَجْمَعُ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبُ إذْ قَالَ حَاصِلُ الْخِلَافِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ إذَا نَفَرَ فَقَدْ انْقَطَعَ الرَّمْيُ وَلَا يَنْفَعُهُ الْعَوْدُ (وَالثَّانِي) يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ وَيَرْمِي مَا عَلَيْهِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ فَإِنْ غَرَبَتْ تَعَيَّنَ الدَّمُ (وَالثَّالِثُ) لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ رَجَعَ وَرَمَى وَسَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ لَا يَرْجِعَ وَيُرِيقَ دَمًا

стр. 4220

جَازَ قَالَ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ تَجْرِي فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (وَالرَّابِعُ) حَكَاهُ عَنْ تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ إنْ خَرَجَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَرَمَى لَمْ يَقَعْ رَمْيُهُ مَوْقِعَهُ وَإِنْ خَرَجَ فِي النَّفْرِ الثَّانِي وَلَمْ يَرْمِ ثُمَّ عَادَ وَرَمَى قَبْلَ الْغُرُوبِ وَقَعَ الرَّمْيُ مَوْقِعَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخُرُوجَ فِي النَّفْرِ الثَّانِي لَا حُكْمَ لَهُ لِأَنَّهُ مُنْتَهَى الْوَقْتِ نَفَرَ أَمْ لَمْ يَنْفِرْ فَكَانَ خُرُوجُهُ سَوَاءً وَلِلْخُرُوجِ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ حُكْمٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ بَقِيَ إلَى النَّفْرِ الثَّانِي فَأَثَّرَ خُرُوجُهُ فِي قَطْعِ الْعَلَائِقِ مِنْهُ فَإِذَا انْقَطَعَتْ الْعَلَائِقُ لَمْ يَعُدْ قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّشْرِيقِ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ رَمَى إذْ لَا حُكْمَ لِلنَّفْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَهَذَا رَجُلٌ فَاتَهُ الرَّمْيُ وَفِيهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ فِي التَّدَارُكِ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ لَا أَثَرَ لِلْخُرُوجِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّشْرِيقِ (وَأَمَّا) يَوْمُ النَّحْرِ فَالْأَمْرُ فِيهِ أَظْهَرُ وَلَا أَثَرَ لِلْخُرُوجِ فِيهِ كَمَا لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ فِي أَوَّلِ التَّشْرِيقِ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ الْخُرُوجُ فِي النَّفْرَيْنِ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ قَالَ ثُمَّ إذَا قُلْنَا مَنْ خَرَجَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ بِلَا رَمْيٍ وَعَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ يَرْمِي فَإِذَا رَمَى وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ تَقَيَّدَ وَلَزِمَهُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ مِنْ الْغَدِ (وَإِنْ قُلْنَا) لَا يَرْمِي إذَا عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَبِيتُ وَلَوْ بَاتَ لَمْ يَكُنْ لِمَبِيتِهِ حُكْمٌ لِأَنَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَكَمْنَا بِانْقِطَاعِ عَلَائِقِ مِنًى لِخُرُوجِهِ ثُمَّ لَمْ نَحْكُمْ بِعَوْدِهَا لَمَّا عَادَ * قَالَ لَوْ خَرَجَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ ثُمَّ عَادَ وَزَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ خُرُوجَهُ لَا حُكْمَ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ فِي وَقْتِ الرَّمْيِ وَإِمْكَانِهِ * وَلَوْ خَرَجَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعَلَائِقُ وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الرَّمْيِ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْخُرُوجِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ حَلَّتْ مَحَلَّ إنْشَاءِ الْخُرُوجِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ * وَلَوْ خَرَجَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَعَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَرْمِي وَيُعْتَدُّ بِرَمْيِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُنْزِلُ هَذِهِ الصُّورَةَ مَنْزِلَةَ صُورَةِ الْأَقْوَالِ فَإِنَّهُ لَوْ خَرَجَ قَبْل الزَّوَالِ وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ كَانَ كَخُرُوجِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَإِذَا تَشَابَهَا فِي ذَلِكَ فَلْيَتَشَابَهَا فِي الْعَوْدِ قُبَيْلِ الْغُرُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * هَذَا آخِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ *

стр. 4221

(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا نَفَرَ مِنْ مِنًى النَّفْر الْأَوَّل وَالثَّانِي انْصَرَفَ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا كَمَا هُوَ وَهُوَ يُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى بَلْ يُصَلِّيهَا بِالْمَنْزِلِ وَهُوَ الْمُحَصَّبُ أَوْ غَيْرُهُ وَلَوْ صَلَّاهَا بِمِنًى جَازَ لَكِنْ السُّنَّةُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا فِي الْفَصْلِ الْآتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ بَعْدَ نَفْرِهِ مِنْ مِنًى عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ الا طواف الوداع * قال المصنف ﵀ * ويستحب إذا خرج من منى أن ينزل بالمحصب لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف للوداع به) فان ترك النزول بالمحصب لم يؤثر ذلك في نسكه لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (المحصب ليس بشئ انما هو منزل نزله رسول الله ﷺ وقالت عائشة ﵂ (نزول المحصب ليس من النسك انما نزله رَسُولِ اللَّهِ ﷺ * (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي حديث عائشة زيادة في الصحيحين قالت (نزله رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ * وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ قَالَ (لَمْ يَأْمُرُنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلَكِنِّي جِئْت فَضَرَبَتْ الْقُبَّةَ فَجَاءَ فَنَزَلَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ * وَعَنْ نَافِعٍ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً وَكَانَ يصلى الظهر يوم النفر بالمحصبة قَالَ نَافِعٌ قَدْ حَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 4222

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ * وَالْمُحَصَّبُ - بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ صَادٍ مَفْتُوحَةٍ مُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ - وهو اسم لمكان متسع بين مكة قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ إلَى مِنًى أَقْرَبُ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَيُقَالُ لَهُ الْأَبْطَحُ وَالْبَطْحَاءُ وَخَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا فَرَغَ الْحَاجُّ مِنْ الرَّمْيِ وَنَفَرَ مِنْ مِنًى اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ وَيَنْزِلَ بِهِ وَيُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ويبيت به ليلة الرابع عشر لو ترك النزول به فلا شئ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي نُسُكِهِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ النُّزُولُ بِالْمُحَصَّبِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَهُوَ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ أَوْكَدُ مِنْهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ قَالَ وَأَجْمَعُوا على أنه ليس بواجب والله أعلم * * قال المصنف ﵀ * (إذا فرغ من الحج وأراد المقام بمكة لم يكلف طواف الوداع فان أراد الخروج طاف للوادع وصلى ركعتي الطواف وهل يجب طواف الوداع أم لا فيه قولان (أحدهما) أنه يجب لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بالبيت) (والثاني) لا يجب لانه لو وجب لم يجز للحائض تركه فان قلنا انه واجب وجب بتركه الدم لقوله ﷺ (من ترك نسكا فعليه دم) (وان قلنا) لا يجب لم يجب بتركه دم لانه سنة فلا يجب بتركه دم كسائر سنن الحج وان طاف للوداع ثم أقام لم يعتد بطوافه عن الوداع لانه لا توديع مع المقام فإذا أراد ان يخرج أعاد طواف الوداع وان طاف ثم صلى في طريقه أو اشترى زادا لم يعد الطواف لانه لا يصير بذلك مقيما وان نسي الطواف وخرج ثم ذكره (فان قلنا) انه واجب نظرت فان كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَسَافَةٍ تَقْصُرُ

стр. 4223

فيها الصلاة استقر عليه الدم فان عاد وطاف لم يسقط الدم لان الطواف الثاني للخروج الثاني فلا يجزئه عن الخروج الاول فان ذكر وهو على مسافة لا تقصر فيها لصلاة فعاد وطاف سقط عنه الدم لانه في حكم المقيم ويجوز للحائض أن تنفر بلا وداع لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه قال (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا انه قد خفف عن المراة الحائض) فان نفرت الحائض ثم طهرت فان كانت في بنيان مكة عادت وطافت وان خرجت من البنيان لم يلزمها الطواف) * (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ (لَا يَنْفِرَنَّ أحد حتى يكون آخر عهده) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ (أَمَرَ النَّاسَ) إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ (مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) سَبَقَ بَيَانُهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَرَّاتٍ * وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ إذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خبائها كئيبة حزينة فقال عقرني حَلْقَى إنَّكِ لَحَابِسَتُنَا ثُمَّ قَالَ لَهَا أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَانْفِرِي) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ * وَالْوَدَاعُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - وَتَنْفِرُ - بِكَسْرِ الْفَاءِ - (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) قَالَ أَصْحَابُنَا مَنْ فَرَغَ مِنْ مَنَاسِكِهِ وَأَرَادَ الْمَقَامَ بِمَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَرِيبًا وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ طَافَ لِلْوَدَاعِ وَلَا رَمَلَ فِي هَذَا الطَّوَافِ وَلَا اضْطِبَاعَ كَمَا سَبَقَ وَإِذَا طَافَ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَفِي هَذَا الطَّوَافِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ وَاجِبٌ (وَالثَّانِي) سُنَّةٌ وَحُكِيَ طَرِيقٌ آخَرُ أَنَّهُ سُنَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ وَاجِبٌ * قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمَا هَذَا نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْقَدِيمِ وَالِاسْتِحْبَابُ هُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ فَإِنْ تَرَكَهُ أَرَاقَ دَمًا (فَإِنْ قُلْنَا) هُوَ وَاجِبٌ فَالدَّمُ وَاجِبٌ (وَإِنْ قُلْنَا) سُنَّةٌ فَالدَّمُ سُنَّةٌ * وَلَوْ أَرَادَ الْحَاجُّ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ مِنْ مِنًى لَزِمَهُ دُخُولُ مَكَّةَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ إنْ قُلْنَا هُوَ وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (الثَّانِيَةُ) إذَا خَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ وَقُلْنَا يَجِبُ طواف الوداع عصى الزمه الْعَوْدُ لِلطَّوَافِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ بَلَغَهَا لَمْ يَجِبْ الْعَوْدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَتَى لَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ الدَّمُ فان

стр. 4224

عَادَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ وَإِنْ عَادَ بَعْدَ بُلُوغِهَا فَطَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا يَسْقُطُ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَسْقُطُ (وَالثَّانِي) يَسْقُطُ (الثَّالِثَةُ) لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ وَلَا عَلَى النُّفَسَاءِ طَوَافُ وَدَاعٍ وَلَا دَمٌ عَلَيْهَا لِتَرْكِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً بِهِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَقِفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وتدعو بما سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * وَلَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ بِنَاءِ مَكَّةَ لَزِمَهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ لِزَوَالِ عُذْرِهَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْعَوْدُ بِلَا خِلَافٍ * وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ مَكَّةَ وَقَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا وَنَصَّ أَنَّ الْمُقَصِّرَ بِتَرْكِ الطَّوَافِ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) الْفَرْقُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِخِلَافِ الْحَائِضِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِمَا قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهَا (وَالثَّانِي) لَا يَلْزَمُهُمَا (فَإِنْ قُلْنَا) لَا يَجِبُ الْعَوْدُ فَهَلْ الِاعْتِبَارُ فِي الْمَسَافَةِ بِنَفْسِ مَكَّةَ أَمْ بِالْحَرَمِ فِيهِ طَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ بِنَفْسِ مَكَّةَ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) الْحَرَمُ (وَأَمَّا) الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا نَفَرَتْ فِي يَوْمِ حَيْضِهَا فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهَا وَإِنْ نَفَرَتْ فِي يَوْمِ طُهْرِهَا لَزِمَهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ * قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالدَّارِمِيُّ إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فَتَرَكَتْ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَانْصَرَفَتْ ثُمَّ اتَّصَلَ الدَّمُ وَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ فَيُنْظَرُ هَلْ هِيَ مُمَيِّزَةٌ أَمْ مُعْتَادَةٌ أَمْ مُبْتَدَأَةٌ وَأَيُّ مَرَدِّ رُدَّتْ إلَيْهِ إنْ كَانَ تَرْكُهَا الطَّوَافَ فِي حال حيضها فلا شئ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ طُهْرِهَا لَزِمَهَا الدم والله أَعْلَمُ * (الرَّابِعَةُ) يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بَعْدَ جَمِيعِ الْأَشْغَالِ وَيَعْقُبُهُ الْخُرُوجُ بِلَا مُكْثٍ فَإِنْ مَكَثَ نُظِرَ إنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ لِشُغْلٍ غَيْرِ أَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاءِ مَتَاعٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ صَدِيقٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاءِ الزَّادِ وَشَدِّ الرَّحْلِ وَنَحْوِهِمَا فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِ فِيهِ طَرِيقَانِ (قَطَعَ) الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ وَجْهَيْنِ * وَلَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّاهَا مَعَهُمْ لم

стр. 4225

يُعِدْ الطَّوَافَ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْخَامِسَةُ) حُكْمُ طَوَافِ الْوَدَاعِ حُكْمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ فِي الاركان والشروط وفيه وجه لابي يعقوب الايبوردي أَنَّهُ يَصِحُّ بِلَا طَهَارَةٍ وَتُجْبَرُ الطَّهَارَةُ بِالدَّمِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْوَجْهِ فِي فَصْلِ طَوَافِ القدوم وهو غلط ظاهر والله أَعْلَمُ (السَّادِسَةُ) هَلْ طَوَافُ الْوَدَاعِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاسِكِ أَمْ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِيهِ خِلَافٌ (قَالَ) إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ هُوَ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ طَوَافُ وَدَاعٍ إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِخُرُوجِهِ (وَقَالَ) الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ طَوَافُ الْوَدَاعِ مِنْ الْمَنَاسِكِ بَلْ هُوَ عبادة مستقلة يومر بِهَا كُلُّ مَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مَكَّةَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَوَاءٌ كَانَ مَكِّيًّا أَوْ أُفُقِيًّا وَهَذَا الثَّانِي أَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَتَشْبِيهًا لِاقْتِضَاءِ خُرُوجِهِ الْوَدَاعَ بِاقْتِضَاءِ دُخُولِهِ الْإِحْرَامَ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلِأَنَّ الْأَصْحَابَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا حَجَّ وَنَوَى عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِوَطَنِهِ لَا يُؤْمَرُ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَكَذَا الْأُفُقِيُّ إذَا حَجَّ وَأَرَادَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاسِكِ لَعَمَّ الْحَجِيجُ * هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ * وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ السُّنَّةِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا) وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يَكُونُ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَسَمَّاهُ قَبْلَهُ قَاضِيًا لِلْمَنَاسِكِ وحقيقته أن يكون قضاها كلها والله أعلم * (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مَكَّةَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَالَ وَلَوْ أَرَادَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَدُونَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مَسَافَةً بَعِيدَةً أَمْ قَرِيبَةً لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ * (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى وَيَتْرُكَ طَوَافَ الْوَدَاعِ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ فَلَوْ طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ لِلْإِفَاضَةِ وَطَافَ بَعْدَهُ لِلْوَدَاعِ ثُمَّ أَتَى مِنًى ثُمَّ أَرَادَ النَّفْرَ مِنْهَا فِي وَقْتِ النَّفْرِ إلَى وَطَنِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ السَّابِقِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ فَقَالَ الشَّرِيفُ الْعُثْمَانِيُّ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يُرَادُ لِمُفَارَقَتِهِ الْبَيْتَ وَهَذَا قَدْ أَرَادَهَا (وَمِنْهُمْ) مِنْ قَالَ لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الرَّمْيِ أَيَّامَ مِنًى إلَّا وَدَاعُ الْبَيْتِ فَيُوَدِّعُ وَيَنْصَرِفُ إلَى أَهْلِهِ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *

стр. 4226

(فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ فِي الْمُعْتَمَدِ لَيْسَ عَلَى الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ الْخَارِجِ إلَى التَّنْعِيمِ وَدَاعٌ وَلَا دَمٌ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ عِنْدَنَا * وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَلْزَمُ الدَّمُ * دَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ وَلَمْ يَأْمُرْهَا عِنْدَ ذَهَابِهَا إلَى التَّنْعِيمِ بِوَدَاعٍ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ وَخَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ وَقُلْنَا دُخُولُ الْحَرَمِ يُوجِبُ الْإِحْرَامَ قَالَ الدَّارِمِيُّ يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ لِأَنَّهُ دُخُولٌ جَدِيدٌ قَالَ وَلَوْ رَجَعَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) إنْ قُلْنَا طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ فَتَرَكَ طَوْفَةً مِنْ السَّبْعِ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ لَمْ يَحْصُلْ الْوَدَاعُ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ بِكَمَالِهِ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ يَكُونُ كَتَارِكِ كُلِّ الطَّوَافِ الا في الدم فانه على الاقوال إلى ثَلَاثٌ فَدَمٌ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَرَكَ طَوْفَةً فَفِيهَا الْأَقْوَالُ (أَحَدُهَا) يَلْزَمُهُ ثُلُثُ دَمٍ (وَالثَّانِي) دِرْهَمٌ (وَأَصَحُّهَا) مُدٌّ وَفِي طَوْفَتَيْنِ الْأَقْوَالُ أَيْضًا وَفِي ثَلَاثِ طَوْفَاتٍ دَمٌ كَامِلٌ هَذَا كَلَامُ الدَّارِمِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ (وَالصَّوَابُ) أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَرَادَ الحجاج النَّفْرَ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ فَالْأَوْلَى لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُقِيمَ حَتَّى تَطْهُرَ فَتَطُوفَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا ضَرَرٌ ظَاهِرٌ فِي هَذَا فَإِنْ أَرَادَتْ النَّفْرَ مَعَ النَّاسِ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ جَازَ وَتَبْقَى مُحْرِمَةً حَتَّى تَعُودَ إلَى مَكَّةَ فَتَطُوفَ مَتَى مَا كَانَ وَلَوْ طَالَ سِنِينَ وَقَدْ سَبَقَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيَانُ هَذَا (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي لَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْفِرَ حَتَّى تَطُوفَ بَعْدَ أَنْ تَطْهُرَ فَشَاذٌّ ضَعِيفٌ جِدًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ نَفْرُهَا قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ وَلَا يَكُونُ مُرَادُهُ التَّحْرِيمُ * وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَكْرُوهَ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَيُفَسَّرُ الْجَائِزُ بِمُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا حَاضَتْ الْحَاجَّةُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَنَفَرَ الْحُجَّاجُ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ وَقَبْلَ طُهْرِهَا وَأَرَادَتْ أَنْ تُقِيمَ إلَى أَنْ تَطْهُرَ وَكَانَتْ مُسْتَأْجِرَةً جَمَلًا لَمْ يَلْزَمْ الْجَمَّالَ انْتِظَارُهَا بَلْ لَهُ النَّفْرُ بِجَمَلِهِ مَعَ النَّاسِ وَلَهَا أَنْ تُرْكِبَ فِي مَوْضِعِهَا مِثْلَهَا هَذَا مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ * وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ

стр. 4227

أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْتَظِرَهَا أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ * وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ ﷺ (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ مَرِضَتْ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ انْتِظَارُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ مَوْضِعُ الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ لَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ آمِنًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمٌ لَمْ يَنْتَظِرْهَا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ السَّيْرُ بِهَا وَحْدَهُ قَالَ وَلَا يُحْبَسُ لَهَا الرُّفْقَةُ إلَّا أَنْ يكون كاليوم واليومين والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (فإذا فرغ من طواف الوداع فالمستحب ان يقف في الملتزم وهو ما بين الركن والباب فيدعو ويقول (اللهم أن البيت بيتك والعبد عبدك وابن عبدك وابن امتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني في بلادك وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك فان كنت رضيت عني فازدد عني رضى والا فمن الان قبل أن تناءى عن بيتك داري هذا أوآن انصرافي ان أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك اللهم اصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما ابقيتني) فانه قد روي ذلك عن بعض السلف ولانه دعاء يليق بالحال ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ * (الشَّرْحُ) هَذَا الدُّعَاءُ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْإِمْلَاءِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْحَجِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ (وَقَوْله) الْمُلْتَزَمُ هُوَ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ - سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَلْزَمُونَهُ لِلدُّعَاءِ وَيُقَالُ لَهُ الْمُدَّعَى وَالْمُتَعَوَّذُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَبَابُ الْكَعْبَةِ وَهُوَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ هُنَاكَ وَسَأُفْرِدُهَا بِفَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا (وَقَوْلُهُ) وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ يَجُوزُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَجْوَدُهَا) ضَمُّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدُ النُّونِ (وَالثَّانِي) كَسْرُ الْمِيمِ وَتَخْفِيفُ النُّونِ وَفَتْحُهَا (وَالثَّالِثُ) كَذَلِكَ لَكِنَّ النُّونَ مَكْسُورَةٌ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ إذَا جَاءَ بَعْدَ مِنْ الجارة اسم

стр. 4228

مَوْصُولٌ فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَلِفٌ وَلَامٌ كَانَ الْأَجْوَدُ فِيهِ فَتْحَ النُّونِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ الْأَجْوَدُ كَسْرَهَا وَيَجُوزُ الْفَتْحُ (مِثَالُ) الْأَوَّلُ مِنْ اللَّهِ مِنْ الرَّجُلِ مِنْ النَّاسِ (مِثَالُ) الثَّانِي مِنْ ابْنِك مِنْ اسْمِك مِنْ اثْنَيْنِ (وَأَمَّا) الْآنَ فَهُوَ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ هَذَا حَقِيقَتُهُ وَأَصْلُهُ وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْقَرِيبِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبِلِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْحَاضِرِ وَمِنْهُ قوله تعالى (فالآن باشروهن) تَقْدِيرُهُ فَالْآنَ أَبَحْنَا لَكُمْ مُبَاشَرَتَهُنَّ فَعَلَى هَذَا هو على حقيقة (قبل أن تنآى) أن تَبْعُدَ (وَقَوْلُهُ) هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْأَوَانُ الْحِينُ وَالْوَقْتُ وَجَمْعُهُ آوِنَةٌ كَزَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ * قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافٍ صلى ركعتي الطَّوَافَ خَلْفَ الْمَقَامِ * قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ثُمَّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ فَيَلْتَزِمَهُ وَيَقُولَ هَذَا الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَمَا زَادَ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ قَالَ الْأَصْحَابُ وَقَدْ زِيدَ فِيهِ (وَاجْمَعْ لِي خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّك قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ) * وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي التَّنْبِيهِ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا الدُّعَاءَ وَزَادَ فِيهِ وَنَقَصَ مِنْهُ * وَذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَزَادَ فِيهِ كَثِيرًا وَنَقَصَ مِنْهُ وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرْنَاهُ وبأي شئ دَعَا حُصِلَ الْمُسْتَحَبُّ وَيَأْتِي بِآدَابِ الدُّعَاءِ السَّابِقَةِ فِي فَصْلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ مِنْ الْحَمْدِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ * قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ كِتَابِ الْحَجِّ إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ فَيَلْصَقُ بَطْنَهُ وَصَدْرَهُ بِحَائِطِ الْبَيْتِ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ فَيَجْعَلُ الْيُمْنَى مِمَّا يَلِي الْبَابَ وَالْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا اُسْتُحِبَّ أَنْ تَأْتِيَ بِهَذَا الدُّعَاءِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَتَمْضِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وما جَاءَ فِي الْمُلْتَزَمِ وَالْتِزَامِ الْبَيْتِ حَدِيثُ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (كُنْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - يَعْنِي ابْنَ الْعَاصِ - فَلَمَّا جِئْنَا دُبُرَ الْكَعْبَةِ قُلْت أَلَا تَتَعَوَّذُ

стр. 4229

قَالَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَأَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَرَفَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاح ضَعِيفٌ * وَعَنْ يَزِيدَ ابن أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ (لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قُلْت لَأَلْبِسَنَّ ثيابي فلا نظرن كَيْفَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقْت فَرَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ اسْتَلَمُوا الْبَيْتَ مِنْ الْبَابِ إلَى الْحَطِيمِ وَقَدْ وَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَطُهُمْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ يَزِيدَ ضَعِيفٌ * وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ كَانَ يَلْتَزِمُ مَا بين

стр. 4230

الرُّكْنِ وَالْبَابِ وَكَانَ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ والباب يدعي المتزم لَا يَلْزَمُ مَا بَيْنَهُمَا أَحَدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى التَّسَامُحِ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا - فِي الطَّوَافِ - وَعِنْدَ الْمُلْتَزَمِ - وَتَحْتَ الْمِيزَابِ - وَفِي الْبَيْتِ - وَعِنْدَ زَمْزَمَ - وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - وَفِي المسعى - وخلف المقام - وفي عرفات - وفي المزدلفة - وفي منى وعند الجمرات الثلاث * قال المصنف ﵀ *

стр. 4231

(وان كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا وَأَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فعل ما ذكرناه في الدخول للحج فإذا دخل مكة طاف وسعى وحلق وذلك جميع أفعال العمرة والدليل عليه مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالحج فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة واما من أهل بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر) وإن كان قارنا بين الحج والعمرة فعل ما يفعله المفرد بالحج فيقتصر على طواف واحد وسعي واحد وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 4232

وسلم قال (مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ كَفَاهُ لَهُمَا طواف واحد وسعى واحد) ولانه يدخل فيهما بتلبية واحدة ويخرج منهما بحلاق واحد فوجب ان يطوف لهما طوافا واحدا ويسعى لهما سعيا واحدا كالمفرد بالحج) * (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ (مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ كَفَاهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ) فَصَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَوَّلِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فِي مَعْنَاهُمَا فِي فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ عَقِبَ مَسَائِلِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَدِلَّتَهَا وَالْجَوَابَ عَنْهَا (وَقَوْل) الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِمَا بِتَلْبِيَةٍ وَاحِدَةٍ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ إلْزَامٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْقَارِنِ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ وَوَافَقَ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِيهِ إحْرَامٌ وَاحِدٌ وَحَلْقٌ وَاحِدٌ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِي الْفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ (إحْدَاهُمَا) الْقَارِنُ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُفْرِدُ لِلْحَجِّ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ الْمُفْرِدُ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئًا أصلا فيكفيه

стр. 4233

للافاضة طواف واحد ويكفيه إمَّا بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَإِمَّا بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَهَذَا لَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِيهِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَدَّمْته فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ * قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَطُوفَ الْقَارِنُ لِلْإِفَاضَةِ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ (الثَّانِيَةُ) إذَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا وَأَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَعَلَ مَا ذَكَرَهُ فِي الدُّخُولِ لِلْحَجِّ مِنْ الْآدَابِ فَإِذَا دَخَلَ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَقَدْ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ هَذَا إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ (فَإِنْ قُلْنَا) ليس هو نسك كَفَاهُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَقَدْ حَلَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ صِفَةُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ صِفَةُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَالتَّطَيُّبِ والتنظف عند ارارة الْإِحْرَامِ وَمَا يَلْبَسُهُ وَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ مِنْ اللباس والطيب والصيد وازالة الشعر والظفر والوطئ وَالْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ وَدَهْنِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ حِينَ يَبْتَدِئُ السَّيْرَ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ فِي مَكَّةَ وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ الْحُرْمِ إلَى الْحِلِّ فَيَغْتَسِلُ هُنَاكَ لِلْإِحْرَامِ وَيَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ لِلْإِحْرَامِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ وَيُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ إذَا سَارَ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَيُلَبِّي وَيَسْتَمِرُّ فِي السَّيْرِ مُلَبِّيًا وَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَجِّ وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي حَتَّى يَبْدَأَ فِي الطَّوَافِ فَيَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ شُرُوعِهِ فيه ويرمل في المطوفات الثَّلَاثِ الْأُوَلِ مِنْ السَّبْعِ وَيَمْشِي فِي الْأَرْبَعِ كَمَا سَبَقَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ صَلَّى رَكْعَتَيْهِ خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ عَادَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا فَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا وَصَفْنَاهُ فِي الْحَجِّ وَشُرُوطُ سَعْيِهِ وَآدَابِهِ هُنَاكَ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَجِّ فَإِذَا تَمَّ سَعْيُهُ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ فَإِذَا فَعَلَ هَذَا تَمَّتْ عُمْرَتُهُ وَحَلَّ مِنْهَا حِلًّا وَاحِدًا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا تحال وَاحِدٌ وَهَذَا لَا خِلَافَ

стр. 4234

فِيهِ * قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ اُسْتُحِبَّ ذَبْحُهُ بَعْدَ السَّعْيِ وَقَبْلَ الْحَلْقِ وَحَيْثُ نَحَرَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ سَائِرِ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ لَكِنْ الْأَفْضَلُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ الذَّبْحُ بِمِنًى لِأَنَّهَا مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَلَوْ جَامَعَ الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ حَتَّى لَوْ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ شَعْرَتَيْنِ فَجَامَعَ قَبْلَ إزَالَةِ الشَّعْرَةِ الثَّالِثَةِ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ إنْ قُلْنَا الْحَلْقُ نُسُكٌ وَحُكْمُ فَسَادِهَا كَفَسَادِ الْحَجِّ فَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَالْبَدَنَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ نَفْسِ مَكَّةَ صَحَّ إحْرَامُهُ وَكَانَ مُسِيئًا وَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بَلْ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَقَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَقْصَاةً بِفُرُوعِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ المواقيت والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (اركان الحج أربعة الاحرام والوقوف بعرفه وطواف الافاضة والسعي بين الصفا والمروة * وواجباته الاحرام من الميقات والرمي وفي الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس والمبيت بالمزدلفة والمبيت بمنى في ليالي الرمي وفي طواف الوداع قولان (احدهما) أنه واجب (والثاني) ليس بواجب * وسننه الغسل وطواف القدوم والرمل والاضطباع في الطواف والسعي واستلام الركن وتقبيله والسعي في موضع السعي والمشي في موضع المشي والخطب والاذكار والادعية * وأفعال العمرة كلها أركان الا الحلق * فمن ترك ركنا لم يتم نسكه ولا تحلل حتى يأتي به * ومن ترك واجبا لزمه الدم * ومن ترك سنة لم يلزمه شئ) * (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا أَعْمَالُ الْحَجِّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ - أَرْكَانٌ - وَوَاجِبَاتٌ - وَسُنَنٌ - (أَمَّا) الْأَرْكَانُ فَخَمْسَةٌ - الْإِحْرَامُ - وَالْوُقُوفُ - وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ - وَالسَّعْيُ - وَالْحَلْقُ إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِنُسُكٍ فَأَرْكَانُهُ الْأَرْبَعَةُ الْأُولَى (وَأَمَّا) الْوَاجِبَاتُ فَاثْنَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَأَرْبَعَةٌ مُخْتَلَفٌ

стр. 4235

فِيهَا (أَمَّا) الِاثْنَانِ فَإِنْشَاءُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالرَّمْيِ فَهَذَانِ وَاجِبَانِ بِلَا خِلَافٍ (وَأَمَّا) الْأَرْبَعَةُ (فَأَحَدُهَا) الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِمَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ (الثَّانِي) الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ (الثَّالِثُ) الْمَبِيتُ لَيَالِي مِنًى (الرَّابِعُ) طَوَافُ الْوَدَاعِ وَفِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) الْوُجُوبُ (وَالثَّانِي) الِاسْتِحْبَابُ * وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الثَّلَاثَةِ الْآخِرَةِ دُونَ الْجَمْعِ (وَأَمَّا) السُّنَنُ فَجَمِيعُ مَا سَبَقَ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الْحَاجُّ سِوَى الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ وَذَلِكَ كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَتَقْبِيلِهِ وَالسُّجُودِ عَلَيْهِ وَالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ وَسَائِرِ مَا نُدِبَ إلَيْهِ مِنْ الْهَيْئَاتِ السَّابِقَةِ فِي الطَّوَافِ وَفِي السَّعْيِ وَالْخُطَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ سَبَقَتْ كُلُّهَا وَاضِحَةً (وَأَمَّا) أَحْكَامُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَالْأَرْكَانُ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ وَيُجْزِئُ حَتَّى يَأْتِيَ بِجَمِيعِهَا وَلَا يَحِلُّ مِنْ إحْرَامِهِ مَهْمَا بَقِيَ مِنْهَا شئ حَتَّى لَوْ أَتَى بِالْأَرْكَانِ كُلِّهَا إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ طَوْفَةً مِنْ السَّبْعِ أَوْ مَرَّةً مِنْ السَّعْيِ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ وَلَمْ يَحْصُلْ التَّحَلُّلُ الثَّانِي وَكَذَا لَوْ حَلَقَ شَعْرَتَيْنِ لَمْ يَتِمَّ وَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحْلِقَ شَعْرَةً ثَالِثَةً وَلَا يجبر شئ مِنْ الْأَرْكَانِ بِدَمٍ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ * وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا وَهِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا بَلْ لَا تَفُوتُ مَا دَامَ حَيًّا وَلَا يَخْتَصُّ الْحَلْقُ بِمِنًى وَالْحَرَمِ بَلْ يَجُوزُ فِي الْوَطَنِ وَغَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ (وَاعْلَمْ) أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فِي هَذِهِ الْأَرْكَانِ فَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الْإِحْرَامِ عَلَى جَمِيعِهَا وَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الْوُقُوفِ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ وَلَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الْوُقُوفِ عَلَى السَّعْيِ بَلْ يَصِحُّ سَعْيُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا سَبَقَ وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالْحَلْقِ وَهَذَا كُلُّهُ سَبَقَ بَيَانُهُ وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ مُلَخِّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) الْوَاجِبَاتُ فَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا لزمه الدم ويصح الحج بدونه سواء تَرَكَهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَكِنَّ الْعَامِدَ يَأْثَمُ (وَأَمَّا) السُّنَنُ فَمَنْ تَرَكَهَا كلها لا شئ عَلَيْهِ لَا إثْمَ وَلَا دَمَ وَلَا غَيْرَهُ لَكِنْ فَاتَهُ الْكَمَالُ وَالْفَضِيلَةُ وَعَظِيمُ ثَوَابِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) الْعُمْرَةُ فَأَرْكَانُهَا الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الْحَلْقَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِي التَّنْبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا فِي الْوَاجِبَاتِ وَلَا فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ (وَالصَّوَابُ) أَنَّهُ رُكْنٌ إذَا جعلناه نسكا هكذا صرح به * قال المصنف ﵀ *

стр. 4236

(ويستحب دخول البيت لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له) ويستحب أن يصلى فيه لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فانه أفضل بمائة صلاة) ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (ماء زمزم لما شرب له) ويستحب إذا خرج من مكة أن يخرج من أسفلها لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها) - قال أبو عبد الله الزبيري ويخرج وَبَصَرُهُ إلَى الْبَيْتِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بالبيت)) * (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِهِ الْمَذْكُورُ فَغَرِيبٌ وَيُغْنِي عَنْهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ (مِنْهَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ كُلُّهُمْ بِهَذَا اللَّفْظِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ * وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ أَفْضَلُ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) حَدِيثُ (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ قال تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَيُغْنِي عَنْهُ مَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) حَدِيثُ عَائِشَةَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الباب والله أَعْلَمُ (وَأَمَّا) زَمْزَمُ فَبِئْرٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا (قِيلَ) سُمِيَتْ زَمْزَمَ لِكَثْرَةِ مَائِهَا يُقَالُ مَاءٌ زَمْزَمُ وَزُمْزُومٌ وَزُمَازِمٌ إذَا كَانَ كَثِيرًا * (وَقِيلَ) لِضَمِّ هَاجَرَ ﵂ لِمَائِهَا حِينَ انْفَجَرَتْ وَزَمِّهَا إيَّاهُ * وَقِيلَ لِزَمْزَمَةِ جِبْرِيلَ ﷺ وَكَلَامِهِ وَقِيلَ إنَّهَا غَيْرُ مُشْتَقَّةٍ وَلَهَا أَسْمَاءٌ أُخَرُ (مِنْهَا) بَرَّةٌ وَهَزْمَةُ جِبْرِيلَ وَالْهَزْمَةُ الْغَمْزَةُ بِالْعَقِبِ فِي الْأَرْضِ (وَمِنْهَا) الْمَضْنُونَةُ وَتُكْتَمُ وَشُبَاعَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ نَفَائِسُ أُخْرَى

стр. 4237

تَتَعَلَّقُ بِزَمْزَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) يُسْتَحَبُّ دُخُولُ الْكَعْبَةِ وَالصَّلَاةُ فِيهَا وَأَقَلُّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ وَيُغْنِي عَنْهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ (مِنْهَا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْت أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ فَلَقِيت بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نعم بين العمودين اليمانيين خف) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ (إنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) * وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي فِي الْكَعْبَةِ - فَأَرَاهُ بِلَالٌ حَيْثُ صَلَّى وَلَمْ يَسْأَلْهُ قَالَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ ثُمَّ مَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ثُمَّ صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِلَالٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِيهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (أَخْبَرَنِي أسامة ابن زَيْدٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيه كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْأَخْذُ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ فِي إثْبَاتِ الصَّلَاةِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ فَقُدِّمَ عَلَى النَّافِي وَلِأَنَّهُ شَاهَدَ بِعَيْنِهِ مَا لَمْ يُشَاهِدْهُ أُسَامَةُ وَسَبَبُهُ أَنَّ بِلَالًا كَانَ قَرِيبًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ صَلَّى رَاقَبَهُ فِي ذَلِكَ فَرَآهُ يُصَلِّي وَكَانَ أُسَامَةُ مُتَبَاعِدًا مُشْتَغِلًا بِالدُّعَاءِ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ فَلَمْ يَرَ الصَّلَاةَ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ * وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَقُولُ عَجَبًا لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ إذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ كَيْفَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّقْفِ يَدَعُ ذَلِكَ إجْلَالًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِعْظَامًا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ مَا خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (وَأَمَّا) حَدِيثُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ (قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ قَالَ لا) روا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ * وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ طَيِّبُ النَّفْسِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيَّ وَهُوَ حَزِينٌ فَقُلْت يَا رَسُولَ

стр. 4238

اللَّهِ خَرَجْت مِنْ عِنْدِي وَأَنْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ إنِّي دَخَلْت الْكَعْبَةَ وَوَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُهُ إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَتْعَبْت أُمَّتِي بَعْدِي) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا كَانَ فِي حَجَّتِهِ ﷺ وحديث أَبِي أَوْفَى فِي عُمْرَتِهِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) يَنْبَغِي لِدَاخِلِ الْكَعْبَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاضِعًا خَاشِعًا خَاضِعًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَرْضِ وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ وَالْأَمَانِ وَيَدْخُلُ حَافِيًا وَيُصَلِّي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ السَّابِقِ وَهُوَ مُقَابِلُ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى ثَلَاثِ أَذْرُعٍ مِنْ الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ لِلْبَابِ * (فَرْعٌ) قَدْ سَبَقَ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الْكَعْبَةِ وَأَنَّ النَّفَلَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ خَارِجِهَا وَكَذَا الْفَرْضُ الَّذِي لَا يُرْجَى لَهُ جَمَاعَةٌ * (فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ دُخُولِ الْحِجْرِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَالدُّعَاءِ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ أَوْ بَعْضُهُ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِيهِ * (فَرْعٌ) إذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ الِاغْتِرَارِ بِمَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فِي الْكَعْبَةِ الْمُكَرَّمَةِ * قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ ابتداع مِنْ قَرِيبٍ بَعْضُ الْفَجَرَةِ الْمُخْتَالِينَ فِي الْكَعْبَةِ الْمُكَرَّمَةِ أَمْرَيْنِ بَاطِلَيْنِ عَظُمَ ضَرَرُهُمَا عَلَى الْعَامَّةِ (أَحَدُهُمَا) مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى عَمَدُوا إلَى مَوْضِعٍ عَالٍ مِنْ جِدَارِ الْبَيْتِ الْمُقَابِلِ لِبَابِ الْبَيْتِ فَسَمَّوْهُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَأَوْقَعُوا فِي نُفُوسِ الْعَامَّةِ أَنَّ مَنْ نَالَهُ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فَأَحْوَجُوهُمْ إلَى مُقَاسَاةِ عَنَاءٍ وَشِدَّةٍ فِي الْوُصُولِ إلَيْهَا وَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَرُبَّمَا صَعِدَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى ظَهْرِ الرَّجُلِ وَلَامَسَتْ الرِّجَالَ وَلَامَسُوهَا فَلَحِقَهُمْ بِذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنْ الضَّرَرِ دِينًا وَدُنْيَا (الثَّانِي) مِسْمَارٌ فِي وَسَطِ الْكَعْبَةِ سَمَّوْهُ سُرَّةَ الدُّنْيَا وَحَمَلُوا الْعَامَّةَ عَلَى أَنْ يَكْشِفَ أَحَدُهُمْ سُرَّتَهُ وَيَنْبَطِحَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ الْمِسْمَارِ لِيَكُونَ وَاضِعًا سُرَّتَهُ عَلَى سُرَّةِ الدُّنْيَا قَاتَلَ اللَّهُ وَاضِعَ ذَلِكَ وَمُخْتَرِعَهُ * هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كَمَا قَالَ فَهُمَا أَمْرَانِ بَاطِلَانِ أَحْدَثُوهُمَا لِأَغْرَاضٍ فَاسِدَةٍ وَلِلتَّوَصُّلِ إلَى سُحْتٍ يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْعَامَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *

стр. 4239

(فرع) هذا الذي ذكرناه مِنْ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْبَيْتِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ هُوَ وَلَا يَتَضَرَّرْ بِهِ أَحَدٌ فَإِنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى لَمْ يَدْخُلْ وَهَذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَيَتَزَاحَمُونَ زَحْمَةً شَدِيدَةً بِحَيْثُ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَرُبَّمَا انْكَشَفَتْ عَوْرَةُ بَعْضِهِمْ أَوْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَرُبَّمَا زَاحَمَ الْمَرْأَةَ وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ وَلَامَسَهَا وَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ تَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ وَيَغْتَرُّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَكَيْفَ يُحَاوِلُ الْعَاقِلُ سُنَّةً بِارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ مِنْ الْأَذَى وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) لِلْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ وَالنَّظَرُ إلَيْهَا وَالْقُرْبُ مِنْهَا وَيَنْظُرُ إلَيْهَا إيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا * (فَرْعٌ) يَنْبَغِي لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَنْ يَغْتَنِمَ مُدَّةَ إقَامَتِهِ بِمَكَّةَ وَيُكْثِرَ الِاعْتِمَارَ وَالطَّوَافَ وَالصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسَبَقَ بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِي مَسَائِلِ طَوَافِ الْقُدُومِ * وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزُورَ الْمَوَاضِعَ الْمَشْهُورَةَ بِالْفَضْلِ فِي مَكَّةَ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ (مِنْهَا) بَيْتُ الْمَوْلِدِ وَبَيْتُ خَدِيجَةَ ومسجد دار الاقم وَالْغَارُ الَّذِي فِي ثَوْرٍ وَالْغَارُ الَّذِي فِي حِرَاءٍ وَقَدْ أَوْضَحْتهَا فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ وَأَنْ يَتَضَلَّعَ مِنْهُ أَيْ يَتَمَلَّى وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَهُ لِمَطْلُوبَاتِهِ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَهُ لِلْمَغْفِرَةِ أَوْ الشِّفَاءِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَك ﷺ قَالَ مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ اللَّهُمَّ إنِّي أَشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لِي اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لِي أَوْ اللَّهُمَّ إنِّي أَشْرَبُهُ مُسْتَشْفِيًا بِهِ مرضي اللَّهُمَّ فَاشْفِنِي) وَنَحْوَ هَذَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا كَمَا فِي كُلِّ شُرْبٍ فَإِذَا فَرَغَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ (مِنْهَا) حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْتَقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْت مَعَكُمْ فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَاءِ زمزم

стр. 4240

(إنَّهَا مُبَارَكَةٌ إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ * وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَتَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُمْ يَسْقُونَ مِنْ زَمْزَمَ فَقَالَ أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ كَذَا فَاصْنَعُوا) وَفِي رِوَايَةٍ (إنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ * وَعَنْ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ * وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ (حَدَّثَنِي جَلِيسٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ جِئْت قُلْت شَرِبْت مِنْ زَمْزَمَ قَالَ شَرِبْت كَمَا يَنْبَغِي قُلْت كَيْفَ أَشْرَبُ قَالَ إذَا شَرِبْت فَاسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ ثُمَّ اُذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ تَنَفَّسْ ثَلَاثًا وَتَضَلَّعْ مِنْهَا فَإِذَا فَرَغْت فَاحْمَدْ اللَّهَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ جِئْت قال شربت من زمزم فذكره بِنَحْوِهِ) رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ نَبِيذِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ إنْ كَانَ هُنَاكَ نَبِيذٌ قَالُوا وَالنَّبِيذُ الَّذِي يَجُوزُ شُرْبُهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ (وَاحْتَجُّوا) لِلْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُمْ يَعْنِي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إلَى زَمْزَمَ فَاسْتَسْقَى قَالَ فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ) * (الثَّالِثَةُ) السُّنَّةُ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى وَطَنِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى - بِضَمِّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ - وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي أَوَّلِ الْبَابِ * وَعَجَبٌ كَيْفَ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْبَابِ (الرَّابِعَةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الزُّبَيْرِ (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ وَبَصَرُهُ إلَى الْبَيْتِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) وَبِهَذَا قَطَعَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ * وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَآخَرُونَ يَلْتَفِتُ إلَيْهِ فِي حَالِ انْصِرَافِهِ كَالْمُتَحَزِّنِ عَلَيْهِ * وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يَخْرُجُ مَاشِيًا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ويولي الكعبة ظهره ولا يمشي قهقرة أَيْ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ قَالُوا بَلْ الْمَشْيُ قَهْقَرَى مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ لَيْسَ فِيهِ سُنَّةٌ مَرْوِيَّةٌ وَلَا أَثَرٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ مُحْدَثٌ لَا أَصْلَ لَهُ فَلَا يُفْعَلُ * وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ كَرَاهَةُ قِيَامِ الرَّجُلِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ نَاظِرًا إلَى الْكَعْبَةِ إذَا أَرَادَ الِانْصِرَافَ إلَى وَطَنِهِ بَلْ يَكُونُ آخِرُ عَهْدِهِ الدُّعَاءَ فِي الْمُلْتَزَمِ وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ هُوَ الصَّوَابُ وَمِمَّنْ
следующие страницы →