← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 2196

رحلة إيمانية مع رجال ونساء أسلموا

عبد الرحمن محمود

Полный текст (555 стр.). Показаны 526–555 · переход к 531.

стр. 526

لقد وجدت بادىء ذى بدء أن صورة المعبود عند النصارى قريبة جداً منا معشر البشر وقد أضيفت عليها صفات الإنسان لدرجة لا تجعلها تنطبق على خالق كل شىء، كما أن صورة السيد المسيح ﵇ التى يجمع فيها بين الإنسان وصفة الخالق، هذه الصورة لا يمكن تصديقها أبداً. ثم تضيف قائلة: وإلى جانب ذلك فقد ورد بخاطرى أن الديانة المسيحية ليست إلا علاقة بين الإنسان وربه، ولاشأن لها بأى حال من الأحوال بشئون الناس الاعتيادية كالشئون المالية مثلا أو العمالة أو أى نوع من أنواع التقنين لحياة الناس، أضف إلى ذلك التوجيهات العامة، التى وجدت أنها عسيرة التطبيق. ومن ذلك مبدأ المحبة، محبة الإنسان لأخيه الإنسان، هذا المبدأ لا يمكن أن تطبقه جماهير الناس فى ظل العقيدة النصرانية. الإسلام دين الحق الشامل: وهنا تتحدث عن نقطة التحول فى حياتها فتقول: هذه الأفكار التى كانت بخاطرى وقعت إبان الفترة التى تسمى فترة تمرد الطلاب على الرأسمالية، فعندما بحثت هذه القضايا مع زميل مسلم أصبح فيما بعد زوجاً لى وجدت أن الإسلام قد وضع فى اعتباره كل هذه المشكلات، واهتم بها أعظم الاهتمام كمشكلة الاستغلال أو القوانين العامة الديقراطية وغير الديمقراطية ومشكلة المال والإقتصاد.. إلخ. فقد أوجد الإسلام الحلول المناسبة لكافة هذه المشكلات الدنيوية. وكم كان تأثرى عظيماً حينما علمت أن الإسلام يعترف بالإنسان باعتباره مخلوقاً له روح وجسد فى آن واحد، كما أحببت مبدأ الاتصال المباشر بين الإنسان وخالقه دون أية وساطة من أى نوع بينهما، فقد شعرت أن من اللائق جداً للإنسان أن يخضع لخالقه فقط لا لأى أحد من خلقه!! وتمضى السيد إيفا ماريا فى قصتها:

стр. 527

كذلك شرح لى زميلى المسلم بأنه فى الإسلام لا يوجد أى فصل بين الدين والدولة، فاقتنعت بذلك تماماً، حيث وجدت من الضرورى أن لا يقتصر الإيمان والاعتقاد الدينى على الشئون الشخصية فحسب، بل لابد أن يشمل كافة جوانب الحياة الإنسانية. وهذه صفة مميزة وخاصية فريدة للدين الإسلامى الحنيف. فهو لا يرفع شعار دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، بل على العكس من ذلك تماماً إذ أن العبادة فى الإسلام لا تقتصر على المساجد بل تمتد لتشمل الحياة البشرية بأسرها. ضغوط الواقع وحياة المرأة: بعد هذا البيان النير والفهم الصحيح لطبيعة هذا الدين تضيف السيدة إيفا قائلة: عندما كنت أمر فى هذه المرحلة من تجميع المعلومات والقيام بدراسات دينية فقد صادفت بعض المصاعب والعقبات، وكان عسيراً على نفسى أن أتقبل القيود التى يفرضها الإسلام على المرأة، والتى ظننت خطأ حينذاك أنها تحد من حريتها الشخصية، وهذه على كل حال هى نفس الحرية والتسيب الذى أعتدت أن انتقده فى ديانتى السابقة، وهى حرية يساء فهمها واستخدامها فقد اكتشفت أن الفهم النظرى شىء والتطبيق العلمى شىء آخر تماماً، وأذكر هنا اللباس الإسلامى للمرأة كان فى البداية مشكلة كبرى بالنسبة لى، وأظن أن هذا ينطبق على معظم السيدات الألمانيات المسلمات. فإلى جانب الإحساس بعدم الارتياح والشعور بالحر الشديد والمرأة فى لباس كامل فى الصيف، فقد كان من العسير على أن أصمد أمام اسئلة التهكم والاحتقار التى كانت توجه لى، وقد استمر ذلك حتى وفقنى الله إلى الرد بإجابات كريمة وردت لى اعتبارى أمام نفسى وأمام الناس، دون أن أحس بأننى قد أوذيت أو أخدش حيائى. يد الله مع الجماعة:

стр. 528

وهنا تقول السيدة إيفا: ثم تعرفت على مجموعة من الشابات المسلمات، فكم كان تأثرى عظيماً لما لمسته بين أفرادها من حب وجو أخوى يسود بين الجميع، وهو جو يختلف تماماً عما هو سائد بين أى جماعة عرفتها من قبل، فقد منحنى الانضمام إلى هذه الجماعة الإسلامية إحساساً بالسعادة واليقظة، وهكذا اقتنعت أننى اتخذت القرار الصحيح حين أصبحت مسلمة، وقد كان ذلك الإحساس بمثابة تعويض مناسب لكل ما لقيته من عقبات نتيجة لهذا القرار. ولدينا الآن اجتماع أسبوعى للمرأة المسلمة مع أطفالنا حيث نتعلم المزيد عن ديننا الإسلامى الجديد. ثم تختم السيدة إيفا ماريا قصتها بقولها: لقد وقع اختيارى على كتاب باللغة الإنجليزية بقلم الإمام وهبى إسماعيل إمام المسلمين الألبان فى أمريكا، وهو عن سيرة النبى محمد ﷺ ترجمته إلى اللغة العربية الألمانية. وهو مؤلف خصيصا للطفل الألمانى المسلم. وبعد. فإن جالية إسلامية جديدة قد بدأت بالظهور فى ألمانيا مكونة من الألمان أنفسهم إلى جانب الأتراك المسلمين المهاجرين إلى ألمانيا، هذه الجالية تحرص على تطبيق الإسلام والعيش فى ظلاله، والسيدة إييفا ماريا عضو فى هذه الجالية. سائلين الله أن يبارك فى هذا الجمع الطيب. ٩٢- الأمريكية كايسي ستاربك إدراكي الأوَّليِّ حول فكرة الخلاص المسيحيَّة جاء بعد تعميدي وأنا في سنٍّ مبكِّرٍ في إحدى الكنائس المعمدانيَّة الجنوبيَّة. فقد عُلِّمْتُ في مدرسة الأحد: "إذا لم تكوني مُعمَّدة، فإنَّك ستذهبين إلى جهنَّم".

стр. 529

حصل تعميدي لأنِّي كنت أُريد إرضاء النَّاس. فقد سألتُ أمِّي عن التعميد -حين جاءت إلى غرفتي في إحدى الأُمسيات- فشجَّعتني لكي أفعل ذلك. وهكذا قرَّرت في يوم الأحد التالي أن أذهب إلى مُقدِّمة القاعة الكنسيَّة. وخلال التراتيل النِّهائيَّة للموعظة، توجَّهتُ سائرةً إلى الأمام لأُقابل الرَّاهب الشاب. كانت هناك ابتسامةٌ على وجهة، فحيَّاني، وقعد بجانبي على المقعد الطويل. سألني: "لماذا تريدين أن تفعلي هذا؟ " ... انتظرت بُرهةً ثمَّ قلت: "لأنِّي أُحبُّ المسيح ﵊ ، وأنا أعرف أنَّه يحبُّني". وبعد انتهاء هذا التصريح، جاء إليَّ أعضاء الكنيسة وعانقوني ... على أن تكون مراسم الغمر في الماء بعد بضعة أسابيع.

стр. 530

خلال سنيِّ عمري المبكِّرة في الكنيسة -وحتى في صفِّ الرَّوضة- أذكر أنَّني كنت مُشاركةً في الإيقاع الصَّوتيِّ أثناء دروس مدرسة الأحد. فيما بعد -أثناء سنيِّ مراهقتي الأولى- كنت عضواً في مجموعة البنات الفتيَّات، والَّتي التقت في الكنيسة من أجل النَّشاطات الأسبوعيَّة، وقامت بالتَّخييم سنويَّاً من أجل الرياضة الروحيَّة. وفي صباي حضرت مخيَّماً مع أعضاءٍ أكبر منِّي سنَّاً من المجموعة الشبابيَّة. وعلى الرغم من أنِّي لم أقض الكثير من الوقت معهم في السابق، إلَّا أنَّهم كانوا يعرفونني "كإبنة المنسِّق للشبيبة"، أو "الفتاة الَّتي تعزف البيانو في المناسبات الكنسيَّة الخاصَّة". في إحدى أُمسيات هذا المخيَّم كان هناك رجلٌ يتحدَّث عن زواجه. تحدَّث عن قصَّة لقائه بزوجه. لقد ترعرع في الولايات المتحدَّة الأمريكيَّة حيث تُعتبر المُواعدة أمراً طبيعيَّاً، ولكن –في تقاليد تلك الفتاة- كان بإمكانه فقط أن يلتقي بها برفقة حارسٍ معهما. وبما أنَّه كان مُعجباً بها فقد قرَّر أن يستمرَّ في لقاءها. وكان هناك شرطٌ آخر، وهو أنَّهما لم يكن بإمكانهما أن يلمس أحدهما الآخر حتى يعقدا الخطبة. وبعد أن تقدَّم لطلب يدها، سُمح لهما بإمساك الأيدي. كان هذا ممَّا حيَّرني، وما زال يُشعرني بالرَّهبة. فقد كان من الجميل أن أُفكِّر بأنَّ مثل هذا الاكتشاف عن شخصٍ آخرٍ كان يمكن أن يظلَّ سرَّاً حتى تمَّ هذا الاعتراف. ومع أنَّ القصَّة أمتعتني، إلَّا أنَّني لم أكن أظنُّ أبداً أنَّها يمكن أن تتكرَّر. بعد بضع سنوات، تطلَّق والداي، وتغيَّر دور الدِّين في حياتي. فقد كنت دائماً أنظر إلى عائلتي من خلال عيون طفلة، فكانوا بذلك مِثاليِّيْن. فقد كان والدي شمَّاسا في الكنيسة وذو إحترامٍ كبير، وكان معروفاً من الجميع. وكانت والدتي نشطةً في مجموعات الشبيبة.

стр. 531

عندما غادرت أُمِّي البيت، أخذت دور العناية بأبي وأخويَّ الاثنين. واستمرَّ ذهابنا إلى الكنيسة، ولكن بسبب زيارتنا لأُمِّي في عُطَلِ نهاية الأسبوع، أصبحت زياراتنا للكنيسة أقل. عندما كنَّا في بيت والدي، كنَّا نتجمَّع ليلاً –وفي كلِّ ليلةٍ- لقراءة "الرسالة الأولى إلى مؤمني كورونثوس (١-١٣) " والَّتي تتحدَّث عن المحبَّة والإحسان. وقد كرَّرت القراءة معهم مرَّاتٍ كثيرةٍ جدَّاً حتى حفظتها عن ظهر قلب. فقد كانت تمثِّل نوعاً من الدَّعم المعنويِّ لأبي، على الرغم من أنِّي لم أكن أفهم لماذا. وفي فترة ثلاث سنواتٍ متتاليةٍ انتقل أخي الأكبر، ثمَّ أخي الأصغر، ثمَّ أنا إلى بيت والدتي. وفي ذلك الوقت لم تعد أُمِّي تذهب إلى الكنيسة، وهكذا وجد أخواي أنَّ الذِّهاب إلى الكنيسة ليس ضروريَّاً. وبانتقالي إلى بيت أُمِّي -خلال السَّنة قبل الأخيرة من مرحلة الدِّراسة الثانويَّة- أنشأت صداقاتٍ جديدةٍ، واكتشفت طريقةً مختلفةً في الحياة. ففي يومي الدِّراسيِّ الأوَّل تعرَّفت إلى فتاةٍ كانت غايةً في اللطف. وفي اليوم الدِّراسيِّ التالي دعتني لزيارتها في بيتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، لأقابل عائلتها وأزور كنيستها. تقبَّلتني عائلتها على الفور "كفتاةٍ طيِّبةٍ" و "قُدوةٍ حسنةٍ" لها. وأيضاً صدمتني المفاجأة من جماعة المصلِّين الَّذين حضروا إلى كنيستها، فعلى الرغم من أنِّي كنت غريبةً عنهم إلَّا أنَّ كلَّ النِّساء والرِّجال حيُّوني بالعناق والقُبَل وجعلوني أشعر بأنِّي في موضع ترحيب.

стр. 532

بعد قضائي المستمرِّ للوقت مع هذه العائلة، وذهابي إلى كنيستهم في عُطَل نهاية الأسبوع، بدأوا يحدِّثونني عن معتقداتهم الخاصَّة في كنيستهم -"كنيسة المسيح" ﵊ . فهذه الطَّائفة تسير على العهد الجديد (أو التطبيق الحرفيِّ لكتابات بولس) . فلم يكن لديهم آلاتٌ موسيقيَّةٌ في الكنيسة أثناء الصَّلاة، بل الغناء الصَّوتيُّ فقط؛ ولم يكن هناك وُعَّاظٌ مدفوعي الأجر، بل كان بعض كبار السنِّ يقودون الصَّلاة. ولم يكن يُسمح للنِّساء بالحديث في الكنيسة. ولا يحتفلون بعيد الميلاد، والفصح، وباقي الأعياد. وكان النبيذ والخبز غير المخمَّر يُقدَّمان بالمشاركة كلَّ يوم أحد. وكان التعميد يتمُّ فوراً، وفي اللحظة الَّتي يقرِّر فيها الآثم بأن يصبح مؤمناً. وعلى الرغم من أنِّي كنت أُعتبر مسيحيَّة، إلَّا أنَّ أعضاء "كنيسة المسيح" كانوا يعتقدون بأنِّي سأذهب إلى جهنَّم إذا لم أتعمَّد مُجدَّداً في كنيستهم وعلى طريقتهم. فكان هذا أوَّل انفجارٍ رئيسيٍّ في نظامي العقائديّ. فهل أنا ترعرت في كنيسةٍ كان كلُّ ما فيها يُعمل بطريقةٍ خاطئة؟! وهل كان يتوجَّب عليَّ حقَّاً أن أتعمَّد مرَّةً أخرى؟! عند هذه النقطة كان لي نقاشٌ مع أُمِّي حول العقيدة. حدَّثتها عن ارتباكي، وأنَّني فقط أحتاج إلى من يوضح لي الأمور. وأصبحت ناقدةً للطُّقوس الدِّينيَّة في كلِّ الكنائس، لأنَّ الوعَّاظ يحكون لنا القصص فقط، ولا يُركِّزون على الإنجيل. ولم يكن باستطاعتي أن أفهم: "إذا كان الإنجيل مهمَّاً جدَّاً، فلماذا لا يُقرأ لوحده في الصَّلاة الكنسيَّة؟ " ومع أنِّي فكَّرت بالتعميد كلَّ يوم أحد، ولفترةٍ تُقارب السنتين، إلَّا أنَّني لم أستطع أن أتقدَّم للتعميد. كنت أُصلِّي لله تعالى ليدفعني للأمام إن كان فعل ذلك صائباً، ولكنَّ هذا لم يحدث أبداً.

стр. 533

في السَّنة التالية، ذهبت إلى الكليَّة وأصبحت منفصلةً عن كلِّ الكنائس، كإنسانٍ يبدأ من جديد. في بعض أيَّام الآحاد كنت أزور بعض الكنائس مع الأصدقاء، فقط لأشعر بلحظات نقدٍ للطُّقوس الدينيَّة. حاولت الانضمام إلى الجمعيَّة الطلَّابيَّة المعمدانيَّة، ولكنِّي شعرت بأنَّ الأشياء خاطئةٌ هناك أيضاً. فقد جئت إلى الكليَّة مُعتقدةً بأنِّي سأجد شيئاً يشبه كنيسة المسيح ﵊ ، ولكنَّ مثل ذلك لم يوجد. وعندما كان يصادف وأعود إلى منزل والدتي أيَّام العُطَل الأسبوعيَّة، كنت أزور الكنيسة لكي أحصل على شعورٍ فوريٍّ بالمشاركة الاجتماعيَّة والترحيب. في سنتي الثانية في الكليَّة أمضيت أيَّام الآحاد بالغناء في الجَوْقة الموسيقيَّة لكنيسة "ويك فوريست"، لأنِّي كنت أكسب مبلغاً جيِّداً من المال. ومع أنِّي لم أكن أُومن بمعتقدات الكنيسة، إلَّا أنِّي كنت أحتمل الطُّقوس الدينيَّة لأجني المال. وفي شهر تشرين الأول من هذه السَّنة قابلت مسلماً كان يسكن في سكن الطلَّاب الَّذي كنت أسكن فيه. كان شخصاً لطيفاً، وكان دائماً يبدو مُتأمِّلاً أو غارقاً في تفكيرٍ عميق. وفي إحدى الأمسيات قضيت كلَّ الأمسية سائلةً إيَّاه بعض الأسئلة الفسلفيَّة حول الإيمان والدِّين. فتحدَّث عن إيمانه كمسلمٍ شيعيٍّ إماميٍّ إسماعيليّ. وعلى الرغم من أنَّ أفكاره لم تمثِّل تماماً طائفته الإسلاميَّة (حيث أنَّه كان أيضاً مُرتبكاً وباحثاً عن بعض الإجابات) ، إلَّا أنَّ تصريحاته الأساسيَّة جعلتني أتساءل عن معتقداتي الخاصَّة: فهل نحن لأنَّنا وُلدنا في هذا الدِّين، فإنَّ ذلك يتضمَّن بأنَّه هو الدِّين الصَّحيح؟ ويوماً بعد يوم كنت ألقاه وأسأله الكثير من الأسئلة -راغبةً في نفس المستوى من التعامل معه، كما حصل حين التقينا لأوَّل مرَّة- ولكنَّه لم يعد يجيب على أسئلتي، أو يوافق الاحتياجات الروحيَّة الَّتي كانت لديّ.

стр. 534

في الصَّيف التالي، عملت في إحدى المكتبات، وكنت ألتهم أيَّ كتابٍ استطعت إيجاده عن الإسلام. ثم قدَّمت نفسي لمسلمٍ آخر في الحرم الجامعيِّ، وبدأت أسأله عن الإسلام. وبدل أن يجيبني على أسئلتي وجَّهني لقراءة القرآن الكريم. وفي أيِّ وقتٍ كان لديَّ أسئلةٌ عامَّةٌ عن الإسلام، كان يجيبني عليها. ذهبت إلى المسجد المحليِّ مرَّتين خلال تلك السَّنة، وكنت سعيدةً لشعوري بنوعٍ من المشاركة الاجتماعيَّة مُجدَّداً. وبعد قراءتي عن الإسلام خلال الصَّيف، أصبحت أكثر حساسيةً تجاه التصريحات الَّتي تُدلى عن المسلمين. وعندما كنت آخذ مادَّةً تمهيديَّةً عن الإسلام في منتصف الفصل الدِّراسيّ، كنت أشعر بالإحباط حين يقوم الأستاذ بإلقاء تعليقاتٍ خاطئة، ولكنِّي لم أكُن أعرف كيف أُصحِّحه. وفي نشاطٍ خارجٍ عن دراستي الجامعيَّة، أصبحت عاملةً نشطةً وداعمةً لمنظَّمةٍ حديثة النشأة في حرمنا الجامعيِّ هي "منظَّمة الوعي الإسلاميّ Islam Awareness Organization ". وحيث إنَّني كنت العضو الأنثوي الوحيد، كنت أُقدَّم للآخرين على أنِّي "مسيحيَّة المجموعة". وفي كلِّ مرَّةٍ كان فيها أحد المسلمين يقول ذلك كنت أنظر إليه بحيرة، لأنِّي كنت أظنُّ بأنِّي كنت أفعل كلَّ ما كانوا يفعلون، وأنِّي بذلك كنت مسلمةً أيضاً. فقد امتنعت عن أكل لحم الخنزير واصبحت نباتيَّة، ولم أكن أبداً أُحبُّ الخمر، وبدأت الصَّوم في شهر رمضان المبارك، ولكن كان لا يزال هناك اختلافٌ ما ... في نهاية تلك السَّنة قبل النهائيَّة حصلت بعض التغييرات، فقد قرَّرت أن أُغطِّي شعري، لأُخفيه عن أعين النَّاس. ومرَّةً أخرى فكَّرت بذلك كشيءٍ جميل، وكانت لديَّ فكرةٌ بأنَّ زوجي فقط سيكون بإمكانه أن يرى شعري. حتى أنَّه لم يحدِّثني أحدٌ عن الحجاب ... حيث إنَّ الكثير من الأخوات في المسجد لم يكنَّ يلبسنه.

стр. 535

في ذلك الصَّيف، كنت أجلس في المدرسة أتصفَّح الإنترنت، باحثةً عن مواقع عن الإسلام. كنت أريد العثور على عناوين إلكترونيَّةٍ لأُناسٍ مسلمين، ولكنِّي لم أُوفَّق. وأخيراً غامرت بالدُّخول إلى صفحةٍ كانت رابطةً للزَّواج. قرأت بعض الإعلانات، وحاولت أن أجد أُناساً في مثل سنِّي لأكتب لهم عن الإسلام. وقدَّمت لرسائلي بعبارة: "إنَّني لا أبحث عن الزَّواج، أنا فقط أريد أن أتعلَّم عن الإسلام". بعد بضعة أيَّامٍ وصلني ثلاثة ردود من ثلاثةٍ من المسلمين: رسالةٌ من باكستانيٍّ كان يدرس في الولايات المتحدة، وأخرى من مسلمٍ هنديٍّ كان يدرس في انجلترا، والأخيرة من مسلمٍ يعيش في دولة الإمارات العربيَّة. قدَّم لي كلُّ أخٍ منهم المساعدة بطريقةٍ فريدة، ولكنِّي بدأت المراسلة مع المسلم الباكستانيِّ الَّذي يعيش في الولايات المتحدة، لتواجده في نفس النطاق الزمنيِّ لمنطقتي. كنت أُرسل إليه الأسئلة، وكان هو بدوره يقوم بإرسال إجاباتٍ شاملةٍ ومنطقيَّة. وعند هذه النقطة عرفت بأنَّ الإسلام هو دين الحقّ، فكلُّ النَّاس سواسيةً بغضِّ النَّظر عن اللون أو العمر أو الجنس أو العرق، إلخ؛ وبالرُّجوع إلى القرآن الكريم تلقَّيت إجاباتٍ على أسئلةٍ مُعقَّدةٍ. فأصبحت أشعر بالرِّباط الاجتماعيِّ النوعيِّ مع المسلمين، فأصبحت لديَّ حاجةٌ قويةٌ غامرةٌ لإعلاني الشهادتين في المسجد. ولم يعد لديَّ "الخوف المسيحيُّ" من إنكار المسيح ﵊ كإله، فقد آمنت بأنَّ هناك إلهاً واحداً فقط، وأنَّه لا يمكن أن يكون له شريك. وفي مساء أحد أيَّام الخميس من شهر تموز لعام ١٩٩٧ تحدَّثت هاتفيَّاً مع الأخ الباكستانيِّ، وسألت المزيد من الأسئلة، وتلقَّيت المزيد من الإجابات الموثوقة والمنطقيَّة. فقرَّرت الذِّهاب إلى المسجد في اليوم التالي.

стр. 536

ذهبت إلى المسجد مع أخٍ مسلمٍ من "ويك فوريست" وأخته غير المسلمة، ولكنِّي لم أُخبره بِنِيَّتي. ذكرت فقط بأنِّي أريد أن أتحدَّث مع الإمام بعد خطبة الجمعة. وبعد أن أنهى الإمام خطبته، وصلَّى بالمسلمين، جاء للحديث معي. فسألته عمَّا هو ضروريٌّ لكي أصبح مسلمة. فأجابني بأنَّ هناك أركاناً رئيسيَّةً للإسلام بالإضافة إلى الشَّهادتين. فقلت له بأنِّي درست الإسلام لأكثر من عام، وأنِّي جاهزةٌ لأصبح مسلمة. فردَّدت أمامه بأنِّي "أشهد أنَّ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله". وهكذا أصبحت مسلمةً في الثاني عشر من شهر تموز لعام ١٩٩٧، والحمد لله. كانت هذه هي الخطوة الأولى والكبرى. ثمَّ فُتحت بعد ذلك أمامي الكثير من الأبواب، وما زالت تُفتح بنعمةٍ من الله . بدأت أوَّلاً بتعلُّم الصَّلاة، ثمَّ زرت مسجداً آخراً في "وينستون-سالم"، وبدأت بلبس الحجاب بعد ذلك بأسبوعين.... أثناء عملي في الصَّيف تكون لديَّ مشكلةٌ بخصوص الحجاب. فمدراء العمل لا يحبونه، و "يدعونني أذهب" مبكِّراً. فهم يعتقدون بأنِّي لا يمكنني أن "أقوم" بعملي في بيع الحقائب المدرسيَّة بطريقةٍ حسنة، لأنَّ ملابسي تُعيق حركتي. ولكنِّي وجدت أنَّ في لبس الحجاب عمليَّة تحرُّرٍ كبيرة. وأنا أقابل المسلمين وهم يتسوَّقون ... كلَّ يوم ألتقي بأُناسٍ جُدُد، والحمد لله. في السَّنة الدِّراسيَّة النِّهائيَّة، أخذت زمام القيادة في منظَّمة الوعي الإسلاميِّ الجامعيَّة، لأنِّي وجدت بأنَّ إخواني لم يكونوا نشطاء كما ينبغي. وحيث إنِّي كنت دوماً أدفعهم للقيام ببعض الأمور، وأقوم بتذكيرهم ببعض الأحداث، أطلقوا عليَّ لقب "الأُم كايسي".

стр. 537

وخلال الفصل الثاني من السَّنة النِّهائيَّة أخذت مباحثَ دراسيَّة اختياريَّة عن الإسلام والمسيحيَّة واليهوديَّة. وكانت كلُّها جيَّدةً، لأنِّي كنت أُمثِّل الأقليَّة (المسلمة) في كلٍّ منها. ما شاء الله، كم كان جميلاً أن أُمثِّل الإسلام، وأن أقول للنَّاس الحقيقة عن المسلمين، وعن الله . ٩٣-السيدة الألمانية ايريس صفوت ايريس صفوت ـ ألمانية ـ احدى الغربيات اللاتي دخل الايمان الى قلوبهن تعيش الآن في صفاء وسعادة لم تشعر بها من قبل، تعرفت على الإسلام في سن العاشرة عندما وجدت ان شيئا ما بداخلها يشدها نحو الإسلام وفي عام ١٩٦٧ سافرت في رحلة الى لندن واشهرت اسلامها بالمركز الإسلامي هناك. التقت «الشرق الاوسط» هذه السيدة الالمانية على هامش المؤتمر الإسلامي الدولي الرابع عشر الذي انهى اعماله اخيرا بالقاهرة وفي الحوار التالي نتعرف على قصة اسلامها ورحلتها الايمانية. * متى تعرفت على الإسلام وماذا كان شعورك وقت ذلك؟ ـ نشأت في اسرة مسيحية علمانية ابتعدت عن الكنيسة وعندما كنت في سن العاشرة شعرت بأن شيئا ينقصني في حياتي، وفطرتي دائما تشتد نحو الدين واخذت ابحث لي عن دين وكنت في ذلك الوقت اقرأ في الكتب عن الإسلام ووقتها شعرت بشيء يشدني بقوة الى الإسلام كدين سماوي يرفع من كيان الانسان ويحمل جميع الفضائل والاخلاق الفاضلة واخذت اهتم بهذا الدين وتحدثت الى زميلاتي في المدرسة وعن الإسلام وانني احب هذا الدين وحينئذ كنت بلغت الثانية عشرة من عمري وبالفعل اسلمت وكتمت اسلامي لان زميلاتي وصفنني بالجنون. * ولكن ماذا كان موقف اسرتك وهل عرفوا بقصة اسلامك؟

стр. 538

ـ في البداية اعتبرت اسرتي انني امر بمرحلة اضطراب وتقلب في المزاج لكن عندنا في الغرب حرية واذا بلغ الابناء سن الثالثة عشرة فمن حقهم ان يتصرفوا كيفما شاءوا ومن حقهم ايضا ان يتركوا اهلهم وبالتالي فتركوا لي حرية الديانة وعندما وصلت للثانوية العامة وكان عمري حيئذ ثلاثة عشرة سنة وذلك عام ١٩٦٧ وكنت في رحلة الى لندن وذهبت الى المركز الإسلامي هناك والتقيت بالشيخ محمد الجيوشي (عميد كلية الدعوة الاسبق بجامعة الازهر) وكان اماما للمركز وقلت له انني اريد ان اعلن اسلامي واذهب الى الازهر وادرس الدين الإسلامي واللغة العربية. كما التقيت بالشيح احمد حسن الباقوري (وزير الاوقاف المصري الاسبق) في ذلك الحين ووعدني بالدراسة في الازهر واعلنت اسلامي امام الشيخين ونطقت بكلمة التوحيد وفي عام ١٩٦٩ سافرت الى مصر وتعلمت اللغة العربية ثم عدت الى المانيا لدراسة الماجستير في جامعة كيسين وفي اثناء دراستي للماجستير تعرفت على شاب مصري كان يدرس في مرحلة الدكتوراه وتزوجنا وسافرنا عام ١٩٧٥ الى مصر وواصلت دراستي للغة العربية وزادت معرفتي بالإسلام. * اكثر من ثلاثين عاما منذ ان اعتنقت الإسلام.. هذه الفترة بلا شك كفيلة بأن تجعل منك داعية لاهلك في المانيا فهل قمت بنوع من العمل الدعوي هناك؟ ـ نعم منذ اللحظة الاولى لاسلامي وانا انتمي لهذا الدين وادعو اليه والحمد لله استطعت ان اقنع اثنين من اقاربي بأن يسلما هم جدتي ورجل آخر من اقاربي والذين لم يسلموا كنت اعطي لهم فكرة عن الإسلام وهم عندما يسمعونني كانوا يحترمون الإسلام. * ماذا عن علاقتك بأسرتك الان؟ ـ علاقتي بأسرتي في ألمانيا جيدة منذ ان اعلنت اسلامي لانه في المانيا يوجد تسامح واحترام لحرية العقيدة ويعتبرون ان الدين مسألة شخصية. * أريد التعرف على حياتك قبل الإسلام وهل كان فيها نوع من الالتزام الديني أم غير ذلك؟

стр. 539

ـ الذي لم يعرفه العالم الإسلامي والعربي ان الدين في الغرب شيء هامشي الى اقصى درجة وليس هناك التزام ديني فالمسيحية ما هي الا اسم فقط فأنا على سبيل المثال نشأت في اسرة علمانية مسيحية ليس لها علاقة بالكنيسة ونشأت على الفطرة. * ما هو اكثر شيء جذبك للاسلام؟ ـ قبل ان أعلن اسلامي كنت اقرأ عن شخصية الرسول ﷺ وسيرته فأحببت هذه الشخصية كثيرا لما تتميز به من خصال لا توجد في بشر على وجه الارض. * أرى ان الزي الذي ترتدينه فيه حشمة ووقار بخلاف الاخريات المتبرجات فهل هذا التزام داخلي؟ ـ شريعة الإسلام كما تعلمت امرت المسلمة بالاحتشام وهذا الزي اجد فيه نفسي وراحتي ولا ابالغ اذا قلت اجد فيه الاناقة بكل ابعادها ونحن في الغرب لا نقبل الاكراه على شيء بل نفعل ما نعتقده ونقتنع به وانا مقتنعة بهذا الزي. * هل تعلمين ان الإسلام لم يكره احدا على اعتناقه لكنه يمنع من يدخله ان يرتد عنه؟ ـ انا دخلت الإسلام بقناعة شخصية ودون تدخل أو تأثير من أي مسلم لانه لم يكن في الريف الذي نشأت فيه مسلمون اطلاقا وكون ان الإسلام لم يجبر احدا على اعتناقه ويعاقب من يسلم ثم يرتد فهذا قمة العدل لان المرتد يكون ضد الإسلام ويعطي صورة سيئة عن الدين وهو من قبيل التلاعب بالاديان. * ما هي امنيتك بعد اسلامك؟ ـ في البداية كانت امنيتي ان يكرمني الله بالحج وزيارة قبر النبي ﷺ وقد اديت هذه الفريضة عام ١٩٩٠ وبعدما أديت الحج كانت امنيتي وما زالت ان اكون داعية للاسلام وبعض الاصدقاء اقترحوا علي ان اقوم بالقاء دروس للسيدات في المساجد في مصر والبلاد العربية ولكن فضلت ان اخاطب الغرب واشرح للغربيين المفاهيم المغلوطة والمشوهة عن الإسلام لأنني أفهم ثقافة الغرب وأستطيع اقناعهم. * لماذا يقف العالم الغربي موقف العداء من الإسلام؟

стр. 540

ـ الغرب لم يكره الإسلام كما هو متصور لكنه لديه فكرة خطأ عنه لانه عندهم الإسلام هو ارهاب وعنف. ومثلاً في ألمانيا نجد أن العنصرية أو الاضطهاد الذي يلقاه الأجانب سواء مسلمون أو غيرهم هو بسبب العوامل الاقتصادية لأن الألمان ينظرون الى أن هؤلاء الأجانب سيأخذون منهم فرص العمل وبالتالي يرفضون وجود الأجانب بينهم. المصدر: صحيفة الشرق الأوسط ٤-١٠-٢٠٠٢ ٩٤-السنغافوري احسان جيم تشوا "..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا.." (المائدة:٣) (إحسان تشوا جيم سام -٢٣ سنة، والمولود في عائلةٍ تتبع الدِّيانة الطاويَّة- آمن بالمسيحيَّة بسبب التهديد حين كان في التاسعة من عمره، وبعد ذلك، وفي سنيِّ مراهقته المبكِّرة اتَّبع تعاليم بوذا، ثم وجد طريقه لدخول الإسلام. نُشرت قصَّة إحسان في مجلة "القارئ المسلم" عدد تشرين أول-كانون أول، والَّتي تصدر عن جمعيَّة مُعتنقي الإسلام في سنغافورة.) بالرجوع إلى معنى الحديث، فإنَّ المولود يولد وكأنَّه قطعة قماشٍ بيضاء، فأبواه هما الَّذيْن يلوِّنانها بالأحمر، أو الأخضر، أو الأصفر. إنَّ والديَّ طاويِّان، وهكذا أُنشئت على الدِّيانة الطاويِّة منذ ولادتي. خلال سنيِّ طفولتي، آمنت وقبلت الطاويَّة، حتى ولو لم أكن أعرف شيئاً عنها. فقط وفي سنيِّ مراهقتي كان أن اكتشفت بأنَّ الطاويَّة هي دين عبادة السَّلَف. حتى أنَّ والديّ -كغيرهما من الكثير من الطاويِّين- لم يكلِّفا نفسيهما معرفة تاريخ هذه الدِّيانة، فأنا لم أُعلَّم تاريخ التعاليم الطاويَّة. تقبَّلت ومارست هذه الدِّيانة فقط تبعاً لما قُدِّم لي دون أدنى شك.

стр. 541

حين كنت في التاسعة من عمري، حدَّثني وبعض زملائي معلِّم المدرسة بأنَّنا كلُّنا يجب أن نصبح مسيحيِّين. وأخبرنا بأنَّنا إن لم نصبح مسيحيِّين، فإنَّه بالضَّرورة سيصيبنا الموت كعقوبةٍ لنا على عدم كوننا كذلك. بتُّ خائفاً جدًّا من هذا التهديد. ومنذئذٍ أصبحت مؤمناً بديانتين، الطاويَّة (بسبب عائلتي) والمسيحيَّة (بسبب التهديد) . وحين كبرت، لم أستطع أن أقرِّر بأيِّ دينٍ عليَّ الالتزام. خلال سنتيَّ الثالثة والرابعة في المدرسة الثانويَّة، اخترت دراسة البوذيَّة كموضوعٍ في العلوم الدينيَّة، لأنَّها كانت معروفةً على أنَّها الموضوع الأسهل للدراسة. تأثَّرت بالعقيدة البوذيَّة لأنَّها منطقيَّة جدّاً وعمليَّة. ومفهوم الصدقة في البوذيَّة أصاب وتراً في قلبي، فاتَّبعت التعاليم البوذيَّة قدر ما استطعت، لكنِّي لم أُصبح بوذيّاً. فقد وجدت أنَّ البوذيَّة وعلى الرغم من أنَّها تقوم على مبادئ وتطبيقاتٍ جيِّدة إلَّا أنَّها مع ذلك ينقصها وجود القوَّة العليا (الله .

стр. 542

حين انضممت إلى كليَّة سانت أندروز يونيور، وهي مدرسةٌ تبشيريَّة، كان إلزاميّاً على كلِّ الطلاب -عدا المسلمين منهم- حضور صلاة الأحد المدرسيَّة. خلال الصلاة كنَّا ننشد ونستمع إلى الطقوس. في نهاية بعض الصلوات، كنَّا نُسأل إن كان أحدٌ منَّا يرغب في دخول المسيحيَّة. وقد كنت متأثِّرا بأحد الرُّهبان على وجه الخصوص، لأنِّي اعتبرته "قويّاً" في وعظه. فقد كان يستخدم النبوءات من الإنجيل ليثبت بشكلٍ فعَّال "الحقيقة" الموجودة في العهد القديم وعلاقتها مع تلك الموجودة في العهد الجديد. وتأثَّرت بشكلٍ خاصٍّ حين كان يتكلَّم عن النبوءات الَّتي كانت في العهد القديم وتحقَّقت في العهد الجديد. وزاد اهتمامي حين تكلَّم عن اليوم الآخر. وقد قام أيضاً بربط تجارب متنوِّعةٍ مرَّ خلالها بعض المسيحيِّين. أحد الأمثلة كان عن سيِّدةٍ مسيحيَّةٍ كانت قد أُعلن موتها. وفي "موتها" مرَّت خلال محنة جرٍّ لها من رِجلَيْها إلى جهنَّم؛ وبطريقةٍ ما تحرَّرت وعادت إلى الحياة. وبعد عودتها من "الموت" أكَّدت على وجود الله، والحياة بعد الموت، ووجود جهنَّم كما هو مذكورٌ في الإنجيل. هكذا بدأ انجذابي نحو الدِّيانة الأرثوذكسيَّة الأنجليكانيَّة. حينئذ كنت في السابعة عشرة من عمري.

стр. 543

لكنِّي مع ذلك لم أستطع أن أستقرَّ في طائفةٍ واحدةٍ من الطوائف المسيحيَّة. فقد كنت دائم التنقُّل من كنيسةٍ إلى أُخرى. كنت ما أزال أبحث عن السَّكينة الداخليَّة، ولم أستطع اتِّخاذ قراري إلى أيِّ كنيسةٍ كان عليَّ الذِّهاب. حين كنت في السَّنة الأخيرة في الجيش، قابلت صديقاً قادني إلى كنيسته (سانت جون سانت مارجريت) ، فشعرت أخيراً بأنِّي "في بيتي" في هذه الكنيسة. وأصبحت فاعلاً في النَّشاطات الكنسيَّة. كنت المسؤول في مُهمّتين تبشيريَّتين، إحداهما كانت تتعلَّق بالعمل مع الأولاد، في حين كانت الأخرى تتعلَّق بنشاطٍ رياضيّ. وكنت مُشاركاً في التخطيط التعليميِّ للأولاد. قُدِّم من خلال هذا النشاط التعليم المجانيُّ لأولاد المدارس، في نفس الوقت الَّذي كانت فيه رسالة المسيحيَّة تُنشر ببطءٍ وبشكلٍ مهذَّب. كان الأولاد من مستوىً ابتدائيٍّ، وأُوكل إليَّ الاهتمام باثنين منهم، وقبل أيِّ تعليمٍ كانت هناك جلسةٌ للعبادة؛ كنَّا ننشد الأناشيد، وكانت لدينا جلسات سردٍ للقصص، حيث كنت أحكي للأولاد قصصاً من الإنجيل. وعملت أيضاً باجتهادٍ مع المجموعة الرياضيَّة للكنيسة، فكنَّا نقوم بالعمل التبشيريِّ بسؤال الناس الانضمام إلينا في اللعب. وكنت المسؤول عن فريق كرَة السلَّة. في كلِّ أُسبوعٍ كنَّا نستأجر قاعةً نمارس فيها اللعبة. وكنا ندعو " الدُّخلاء " ونحاول قيادتهم للمسيحيَّة بأن نكون مثلاً لهم، فكنَّا نقوم بالتركيز على روح التعاون والاهتمام، فحاولنا التعبير عن هذه الفضائل قدر ما استطعنا. وخلال ذلك، وبعد التمارين، كنَّا نحاول تلقين المسيحيَّة لأولئك الشباب، والَّذين كانت غالبيتهم من المراهقين اليافعين. مفهوم النشاط الرياضيِّ عمليٌّ إلى درجةٍ كبيرة، ليس فقط في سنغافورة بل وفي بلدانٍ أُخرى أيضاً. كانت كنيستي هي الأولى في سنغافورة الَّتي تُقدِّم مفهوم الرعاية والاهتمام.

стр. 544

عندما كنت لا أزال نشيطاً في الكنيسة، تعرَّفت إلى مسلمةٍ فحاولت أن أُحدِّثها عن المسيحيَّة. ولكنَّها كانت على درجةٍ عاليةٍ من اليقين حول الحقِّ في دينها، مع أنَّها لم تكن تعرف كيف تشرح لي هذه الحقيقة. ولم تكن هناك أيُّ وسيلةٍ أستطيع بها إقناعها بالمسيحيَّة. والَّذي كان يدهشني دوماً هو أنَّ الكثير من المسلمين، حتى أُولئك الَّذين يُدمنون المخدِّرات، كلُّهم "مُتأَكِّدون حتى الموت" بأنَّ الإسلام هو الدِّين الحق. فقرَّرت سؤال صديقتي المسلمة عمَّا هو حقٌّ جدّاً بخصوص دينها ممَّا يدفع مُعتنقيه إلى التمسُّك به وعدم تركه. لكنَّها لم تكن تعرف كيف تشرح لي هذا الأمر، وبدلاً من ذلك أخبرتني بأن أحصل على ما أُريد من المعلومات عن الإسلام من دار الأرقم، وهي جمعيَّة مُعتنقي الإسلام في سنغافورة. وافقت على اقتراحها على الرغم من أنِّي كنت أعتبر الإسلام دين الإرهاب، وعلى أنَّه دينٌ لا منطقيَّة فيه. فقد كان فهمي يملي عليَّ بأنَّه إذا كان الدِّين صالحاً فإنَّ مُعتنقيه سيكونوا صالحين. وفي حالة المسلمين، الَّذين كنت أعرف القليل منهم، كان أُولئك الَّذين كنت أعرفهم "مسلمين غير صالحين". أذكر أنِّي كنت أعرف مسلمةً واحدةً صالحةً فقط، وذلك خلال سنيِّ دراستي في الكليَّة ولكنَّها لم تقم ولا بأيِّ مُحاولةٍ لنقل رسالة الإسلام لي. في ذلك الوقت، كان هناك بعض المسلمين الَّذين كانوا يحاولون نشر الرسالة الإسلاميَّة لي. وكانت عائلتي ضدَّ الإسلام بسبب ما كان دائم الحدوث في الشرق الأوسط؛ كما حدث أيضاً أن كان كلُّ العمَّال الملاويّين الَّذين وظَّفهم والدي من الكُسالى وسيِّئي السُّلوك.

стр. 545

وحيث إنِّي وافقت على زيارة دار الأرقم، ذهبت من فوري إلى تلك الجمعيَّة. في زيارتي الأولى حضرت درس التوجيه، وقُدِّمْت إلى الأخ ريماي. وقد صُدِمْت وأُثير اهتمامي بأمريْن حدَّثني بهما، أوَّلهما: أنَّه أشار لي بأنَّ الإسلام لا يقوم على الهوى، عكس المسيحيَّة. تأمَّلت في هذه الكلمات وكنت مندهشاً من ردَّة فعلي عليها. وثانيهما: أنَّه قال: "لا تتحوَّل إلى الإسلام بطريقةٍ عاجلة، حتى تسأل قدر ما تستطيع من الأسئلة، وعندما لا يتبقّى لديك ما تسأل، فقط عندها تحوَّل إلى الإسلام." ففي المسيحيَّة أنت لا تستطيع طرح الأسئلة، لأنَّك إن سألت أكثر أصبحت مُشوَّشاً أكثر. وبعد أن أوضح هاتين النقطتين، أوصى الأخ ريماي الصفَّ التوجيهيَّ بقراءة كتاب "الإسلام في بؤرة التركيز". صُدمت بما وجدته في هذا الكتاب، فبعض المواضيع الَّتي كنت أعتقدها غير منطقيَّة في المسيحيَّة، ولم تكن هناك طريقةٌ لفهمها، وجدت الإجابة عليها في هذا الكتاب. وصُدمت أيضاً بأنِّي وجدت في الكتاب ما كنت أُومن به، وكما وجدت أنَّ بعض المعتقدات البوذيَّة هي في الحقيقة مفاهيم إسلاميَّة، فهناك العديد من المبادئ البوذيَّة المشابهة لبعض المفاهيم الإسلاميَّة. في الأسبوع التالي عدت إلى دار الأرقم لحضور صف المبتدئين، وكان الصفُّ قد قطع نصف الطريق خلال أركان الإسلام. فوجدت الدرس مملاًّ، فحضرت حصَّة أو حصَّتين فقط ثم تركت الصف. بعدئذٍ اشتريت كتابيْن آخريْن عن الإسلام - "الخيار، الإسلام والمسيحيَّة" للشيخ أحمد ديدات و" أساس عقيدة المسلم " لجاري ميللر. وقد تأثَّرت بهما حقّاً.

стр. 546

قابلت الأخ ريماي مرَّةً أخرى فقدَّمني للأستاذ "ذو الكفل"، والَّذي ناقش معي الإسلام لبضعة أسابيع. أيُّ أسئلةٍ كانت تُشكِّل مُعضلةً بالنسبة لي عن المسيحيَّة، والَّتي لم يكن باستطاعتي التعامل معها، كنت أضعها في قائمةٍ وأعرضها على كنيستي وعلى الكليَّة الإنجيليَّة في سنغافورة. وقد جعلني ذلك في وضعٍ صعبٍ للغاية، لأنِّي لم أستطع قبول ردودهم على تلك الأسئلة، لا من الكنيسة ولا من الكليَّة الإنجيليَّة. فقد كنت أعتبر بأنَّ قبولي منطق ردودهم وكأنَّه تلويثٌ لله . فعلى سبيل المثال، عندما حاولت نقاش التناقضات في الإنجيل كان كلّ ما استطاعوا قوله لي بأنَّ هذه تناقضات صغيرة، أو أخطاء صغيرة، أو خطأ طباعيّ، فكان عليَّ أن أقوم ببحثي الخاص للردِّ على تلك الأسئلة الَّتي وُجِّهت إليَّ في دار الأرقم. الجزء الأكثر تدميراً في بحثي كان تاريخ الكنيسة، فتاريخ الكنيسة نفسه يُلقي الضَّوْء على حقيقة أنَّ مفهوم الثالوث قُدِّم في سنة ٣٢٥ بعد الميلاد، أي بعد ٣٢٥ من "موت" المسيح ﵊ . وقبل ذلك كانت هناك تعاليمٌ كلُّها مختلفة عن بعضها بعضاً.

стр. 547

وحيث إنِّي حصلت على الكثير من المعلومات عن المسيحيَّة من مصادر إسلاميَّة، فلم أكن مقتنعاً، فما وجدته حول المسيحيَّة من المصادر الإسلاميَّة حاولت التثبُّت منه من موسوعاتٍ متنوِّعةٍ ومن مصادر أخرى، فوجدت بأنَّ كلَّ المعلومات الَّتي حصلت عليها من المصادر الإسلاميَّة كانت حقائق دامغة. وحين نظرت عن قُرب - أقرب من أيِّ وقتٍ مضى- إلى النبوءة الَّتي تقول: "سيأتي روح الحقِّ وسيقود الناس إلى كلِّ الحقّ" استطعت أن أرى بوضوح بأنَّ تلك النبوءة كانت تشير إلى النبيِّ محمَّدٍ ﵌ وإلى رسالته. فهذه النبوءة لم تُشر إلى عيسى ﵊، لأنَّ المسيحيِّين الأوائل لم يستطيعوا التقرير بخصوص شخصيَّته. وحتى هذا اليوم ما يزالون يتجادلون بخصوص ذلك. خلال دراستي للإسلام، حاولت أيضاً أن أتعلَّم شيئاً عنه من الكتب المسيحيَّة فوجدتها خبيثة. فمع المعرفة الَّتي كانت لديَّ عن الإسلام كنت أستطيع دحض كلَّ الادِّعاءات الزائفة الَّتي لفَّقها المسيحيُّون. أحد الأمثلة هو الادِّعاء الَّذي لفَّقوه عن الله في الإسلام - " بأنَّه يبدو بعيداً جدّاً، وأنَّه لا يمكنه التواصل مع مخلوقاته. " (سبحانه وتعالى عمَّا يصفون) . كنت أعرف أنَّ هذا ليس صحيحاً لأنَّ الله تعالى في الإسلام أقرب إلى مخلوقاته من حبل الوريد."وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" (ق: ١٦) .

стр. 548

وادَّعى المسيحيُّون أيضاً بأنَّ الله تعالى تنقصه معاني الحب. لا أدري كيف يمكن للمسيحيِّين ادِّعاء مثل ذلك في حين أنَّ قول "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم" هو روتينٌ يوميٌّ عند المسلم. بالإضافة إلى ذلك فإنَّ هناك ٩٩ اسماً لله تعالى تُلْقي الضَّوء على أسمى معاني الحب والرعاية الإلهيَّة في الإسلام. فكان يتوجَّب عليَّ رفض كلِّ الادِّعاءات الَّتي صنعها المسيحيُّون عن الإسلام، لأنَّه كان يتوجَّب عليَّ أن أكون عادلاً مع نفسي. فكلُّها كانت من وجهة النظر الكنسيَّة، وكان يتوجَّب عليَّ أن أعتبرها كذباً. بعدئذٍ قرأت كتاب "محمَّدٌ في الإنجيل" وكتاب "إنجيل توما". حتى الآن كنت قد تلقَّيْت الكثير من الصَّدمات. أمَّا "مخطوطات البحر الميِّت" فقد كانت هي الصدمة الأخيرة الَّتي حطَّمت عقيدتي المسيحيَّة. لقد حاولت ولكنِّي لم أجد سبباً للبقاء على المسيحيَّة. فقد رأيت كلَّ الزَّيف الَّذي لم أكن أتوقع رؤيته فيها. لقد تفحَّصت بعنايةٍ وبكلِّ الطُّرق لأتأكَّد، فلعلِّي كنت مخطئاً، حتى لم يتبقّ لي ما أتأكَّد منه. واصلت تعلُّمي عن الإسلام، من القرآن الكريم ومن كتبٍ أُخرى، ومن معلِّمين مسلمين كافحوا لإرشادي إلى طريق الحق. وفي أحد الأيَّام سألني الأستاذ ذو الكفل: "أما آن لك أن تدخل الإسلام؟ " فلم أستطع أن أتفوَّه ببنت شفة. فكَّرت في ذلك مراراً وتكراراً، لكنِّي لم أجد سبباً واحداً يمنعني من دخول الإسلام، وعندها قرَّرت إعلان الإسلام، دين الحق.

стр. 549

في البداية لم تأخذ عائلتي تحوُّلي هذا على محملٍ من الجِدّ، فقد ظنُّوا أنِّي أعلنت إسلامي اسميّاً فقط وأنِّي سأُواصل حياتي كغير مسلم وآكل لحم الخنزير. فيما بعد، عندما وجَدَت عائلتي أنِّي أصبحت مسلماً ملتزماً حدثت فوضى عارمة. وأصبحت الأمور أكثر فوضويَّة حين بدأتُ صيام شهر رمضان. لقد كنت على وشك أن أُطرد من البيت. واستمرَّت هذه الحال من التوتر لبضعة شهورٍ تلت. لم أكن خلالها أتناول طعامي في بيتي. واتُّهمت بأنِّي لم أعد أُحبُّ عائلتي. وكانت هناك مشاحناتٌ مستمرَّةٌ بيني وبين أفراد عائلتي. حاولت أن أشرح لهم الإسلام ولكنَّهم لم يفهموه. وتشكَّل لديَّ خوفٌ من العودة إلى البيت، فكنت أبقى حتى وقت متأخِّرٍ من الليل خارجه. وفي أحد الأيَّام جاءت إليَّ أُمِّي وأخبرتني بألَّا أتأخَّر ليلاً. وقالت بأنَّ أبي قد عبَّر عن قلقه حيال ذلك. واقْتَرَحَتْ بأن أشتري طعامي الخاص وأنَّها ستُعِدُّه لي بشكل مستقلّ. أمَّا الآن فإنَّ معظم أفراد عائلتي يأكلون الطعام الحلال في البيت، لأنَّ من المناسب أكثر لأُمِّي أن تُعِدَّ الأطباق الَّتي يمكن أن يأكلها ليس فقط معظم أفراد العائلة بل وابنها المسلم كذلك. تحسَّنت الأوضاع في بيتي، إلَّا من بعض الإزعاج العرضي وغير المؤذي من عائلتي. الحمد لله تم بعون الله وتوفيقه

стр. 550

وفي النهاية لك يا من تبحث عن الحقيقة القدوة في صحابة الرسول صلي الله عليه وسلم الذين كانوا من أهل الكتاب ثم اعتنقوا الإسلام..وسنورد هنا قصصاً لهم أعدها الدكتور محمد المسير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر. نبدأ بقصة الصحابي الجليل سلمان الفارسي ﵁. الذي ظل يبحث عن الحقيقة سنوات حتي وصل اليها. أتركك مع قصته العظيمة.. قصة اسلامه مجموعة مواقف للبحث عن الحق، تترفع عن المال والجاه بل تصل إلي موقف لا نعلم له مثيلاً حيث يفقد حريته ويباع عبداً ويعمل خادماً..كل ذلك كي يحقق هدفاً إيمانياً يرضي الله به، ويحظي فيه بلقاء خاتم الأنبياء والمرسلين. نشأته: ففي صحيح البخاري عن سلمان الفارسي: أنه تداوله بضعة عشر من رب إلي رب..وتفيض كتب السيرة بقصة إسلام ذلك الصحابي الباحث عن الحق (راجع الروض الأنف -١-٢٤٧ والسيرة الحلبية -١-٣٠٣-والسيرة النبوية لإبن كثير -١-٢٩٦) وفي صحيح البخاري أنه من رامهرمز وفي رواية: ولدت برامهرمز وبها نشأت وأما أبي فمن أصبهان.. وكان أبوه مجوسياً له في المجوسية قدم حتي صار دهقان قريته أي كبير أهل القرية. وجعل ابنه يجتهد في المجوسية حتي كان قطن النار أي الخادم الذي يقودها (بفتح القاف وكسر الطاء) .. وذات يوم أرسله والده إلي ضيعة له يتولي شؤؤنها فمر بكنيسة وسمع أصوات المصلين بها فأعجبته صلاتهم وقال: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه. ثم عاد إلي أبيه عشاء دون أن يعمل شيئاً في الضيعة وقص عليه ماحدث، فخاف الرجل علي ولده أن يترك دين أبائه فجعل في رجله قيداً وحبسه في بيته. صلته بالنصرانية:

стр. 551

لكن العقل الباحث عن الحقيقة يرفض القيد حسياً كان أو معنوياً ويتحين الفرص ويذهب مع وفد من أهل الشام يسل عن أفضل أهل هذا الدين علماً..فدلوه علي أسقف في كنيسة، فجاءه يتعلم منه ويصلي معه، ويشاء الله أن يكون هذا الأسقف ممن أشار إليهم القرآن الكريم في قوله: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" (التوبة: ٣٤) . يقول سلمان (فدخلت معه, فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا له شيئاً كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتي جمع سبع قلا ذهب وورق، وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع) ..ويموت هذا الراهب ويخلفه آخر علي النقيض منه، زاهداًَ في الدنيا، راغباً في الآخرة، دائباً في العبادة، ويظل معه سلمان ويحبه حباً شديداً، ويقيم معه زماناً حتي تحضره الوفاة، فاستشاره سلمان بمن يلحق بعده، فأوصي به إلي رجل من "نصيبين". ذهب سلمان إلي "نصيبين" فوجد صاحبه خير رجل، وما لبث أن نزل به الموت فأوصي به إلي رجل ب"عمورية" من أرض الروم، وأقام عنده سلمان، واستقر به المقام، واكتسب بقرات وغنماً يرعي بها..ومرة أخري نزل بالرجل أمر الله، فسأله سلمان:إلي من توصي بي؟ وبم تأمرني؟..قال صاحب "عمورية": أي بني، والله ما أعلم أصبح أحد علي مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجراً إلي أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفي، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة،بين كتفيه خاتم النبوة..فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل..!! وصوله إلي يثرب:

стр. 552

ومات الرجل، ومكث سلمان بعمورية ما شاء الله أن يمكث، ثم مر به نفر من تجار العرب فقال لهم: احملوني إلي أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنمي هذه..وحمله التجار حتي إذا بلغوا وادي القري (مكان قريب من المدينة) طلموه فباعوه عبداً لرجل يهودي، ويشاء الله أن يأتي ابن عم لهذا اليهودي من بني قريظة فيبتاع سلمان منه ويحمله إلي يثرب.. يقول سلمان: "فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها، فأقمت بها، وبُعث رسول الله صلي الله عليه وسلم، فأقام بمكة ما أقام ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلي المدينة. فوالله إني لفي رأس عذق (النخلة) لسيدي أعمل فيه بعض العمل،وسيدي جالس تحتي، إذ أقبل ابن عم له حتي وقف عليه وقال: يا فلان، قاتل الله بني قيلة (الأنصار نسبة ِإلي أمهم قيلة بنت كاهل) ، والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء علي رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي..!! فلما سمعتها أخذتني الرعدة حتي ظننت أني ساقط علي سيدي، فنزلت عن النخلة، فجعلت أقول لإبن عمه: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال: مالك ولهذا؟! أقبل علي عملك." البحث عن البشارات: هنا تبدأ مرحلة تحقيق وتثبت في حياة سلمان الدينية، ويراوده الأمل في قرب الوصول ويحاول أن يستكشف الوصايا الثلاث التي حملها عن أسقف عمورية.. يقول سلمان: "وقد كان عندي شئ قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب غرباء ذوو حاجة، وهذا شئ كان عندي للصدقة، فرأئتكم أحق به من غيركم.. فقربته إليه..فقل رسول الله صلي الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا، وأمسك يده فلم يأكل. فقلت في نفسي هذه واحدة..!! ثم انصرفتُ عنه فجمعت شيئاً، وتحول رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي المدينة،ثم جئته فقلت له، إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها.

стр. 553

فأكل رسول الله صلي الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه. فقلت في نفسي: هاتان ثنتان..!! ثم جئت رسول الله صلي الله عليه وسلم ببقيع الغرقد، وقد تبع جنازة رجل من أصحابه، وعليه شملتان، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدبرته انظر إلي ظهره، هل أري الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟!.. (ذكر الإمام السهيلي مجموعة روايات في خاتم النبوة منها أنه كان كأثر المحجمة يعني أثر المحجم القابضة علي اللحم حتي يكون ناتئاً وفي الخبر أنه كان حوله خيلان فيها شعرات سود، وقيل كالتفاحة أو بيضة الحمامة أو ركبة العنزة. ويقع الخاتم بين كتفي النبي صلي الله عليه وسلم عند أعلي منقظع الغضروف في الكتف -الروض الأنف ١-٢٠٦) فلما رآني رسول الله صلي االله عليه وسلم استدبرته عرف أن استثبت في شئ وُصف لي فألقي رداءه عن ظهره فنظرت إلي الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي.. فقال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: تحول. فتحولت بين يديه فقصصت عليه حديثي.." من أهل البيت: شغل سلمان الرق حتي فاته مع الرسول الكريم بدر وأحد. ما الحل إذن؟ كيف يتخلص من الرق، ويخلص للإسلام، ويصفو قلبه من هموم الحياة المادية. أشار عليه النبي صلي الله عليه وسلم أن يكاتب سيده، فكاتبه علي ثلاثمائة نخلة يغرسها له وأربعين أوقية من ذهب. وشارك المسلمون في أداء هذا الدين عن سلمان، فأحضروا له النخل وحفروا معه أماكنها وقدم رسول الله صلي الله عليه وسلم ووضعه بيده الشريفة وعُتق سلمان. وكانت أول مشاهده غزوة الأحزاب وأشار علي المسلمين بحفر الخندق حول المدينة وحين قسم الرسول حفر الخندق بين الصحابة والأنصار قال الأنصار: سلمان منا وقال المهاجرون: سلمان منا. فقال ﵊: سلمان منا أهل البيت.!!

стр. 554

كذلك هناك قصة زيد بن سعنة ﵁ أحد أحبار اليهود الذي أعتنق الإسلام: يحكي زيد فيقول: لم يبق من علامات النبوة شئ إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنين لم أخبرهما منه: -يسبق حلمه غضبه -ولايزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً. فكنت أتلطف له لأن أخالطه وأعرف حلمه وجهله، فخرج رسول الله صلي الله عليه وسلم يوماً من الأيام من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب، فأتاه رجل علي راحلته كالبدوي فقال: يارسول الله، إن قرية بني فلان قد أسلموا وقد أصابتهم سنة وشدة، فإن رأيت أنه ترسل إليهم بشئ تصيبهم به فعلت. فلم يكن معه شئ..!! قال زيد فدنوت منه فقلت يا محمد، إن رأيت تبيعني تمراً معلوماً من حائط بني فلان إلي أجل كذا وكذا. فقال: لا يا أخا اليهود، ولكن أبيعك تمراً معلوماً إلي أجل كذا وكذا ولا أسمي حائط بني فلان. فقلت:نعم. فبايعني وأعطيته ثمانين ديناراً، فأعطاها الرجل. قال زيد: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاث خرج الرسول صلي الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصاري ومعه أبو بكر وعمر وعثمان في نفر من أصحابه ﵃ أجمعين، فلما صلي علي الجنازة أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تعطيني يا محمد حقي؟! فوالله ما علمتكم يابني عبد المطلب لسئ القضاء مطل..!! فنظرت إلي عمر وعيناه تدوران في وجهه ثم قال: أي عدو الله، أتقول لرسول الله ما أسمع، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت سيفي برأسك..!! ورسول الله ينظر إلي عمر في سكوت وتبسم ثم قال: يا عمر، أنا وهو إلي غير هذا منك أحوج، أن تأمره بحسن الأقتضاء وتأمرني بحسن القضاء..!! اذهب يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعاً مكان ما روعته..!! قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني وزادني..فأسلمت. لقد أسلم زيد تصديقاً بالخلق العظيم للنبي الأمي فقد مر بتجربة عملية واستقراء لملامح الشخصية واحتكاك مباشر بصاحب الدعوة حتي تتجلي الصورة واضحة بلا خفاء، فإن المعاملة هي محك الخلق.

стр. 555

إذاً لا بد من وقفة تأمل لحال هؤلاء الأعلام الذين أعلنوا إسلامهم.. أتعتقد بأنهم يبحثون عن زيادة في الشهرة والمنصب بعد ما وصل المسلمون لما وصلوا إليه أم أنهم فضلوا إتباع دين الحق من حيث أتى؟ وكان شعارهم الحق أحق أن يتبع وآثروا علي مكانتهم الاجتماعية وشهرتهم العلمية ما سيواجهونه من تأثيرات مقابل إسلامهم، هؤلاء العلماء والأعلام قد مهدوا لك الطريق للدخول في الإسلام بعد الدراسة المستفيضة والتعمق في المقارنة والتأكد الذي لا يقبل الشك كلٌّ في مجاله، فلا تتردد إذا كانت الشهرة أو المنصب أو الوضع الاجتماعي تمنعك من إعلان إسلامك لأنك راحل من هذه الدنيا مهما بلغت من العلو وإنك ستُنسى كما نُسِي من هم مثلك أو أفضل منك ولو دامت هذه الدنيا لغيرك ما وصلت إليك وعندها لا تساوي الدنيا كلها لحظة عذاب في الآخرة. أخوكم عبد الرحمن محمود