Полный текст (1 059 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الْهِبَةِ فِي الْأَبِ لِلِابْنِ بِالِاعْتِصَارِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَاللِّعَانِ وَالْكِتَابَةِ وَالطَّلَاقِ بِأَنْ يَقُولَ طَلَّقْت امْرَأَتِي مَتَى شِئْت فَيَمُوتُ الْمَقُولُ لَهُ وَسَلَّمَ الشَّافِعِيُّ جَمِيعَ مَا سَلَّمْنَاهُ وَسَلَّمَ خِيَارَ الْإِقَالَةِ وَالْقَبُولِ وَمَدَارِكَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ عِنْدَنَا صِفَةٌ لِلْعَقْدِ فَيَنْتَقِلُ مَعَ الْعَقْدِ فَإِنَّ آثَارَ الْعَقْدِ انْتَقَلَتْ لِلْوَارِثِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ صِفَةٌ لِلْعَاقِدِ؛ لِأَنَّهَا مَشِيئَتُهُ وَاخْتِيَارُهُ فَتَبْطُلُ بِمَوْتِهِ كَمَا تَبْطُلُ سَائِرُ صِفَاتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الثَّمَنِ لَا يُورَثُ فَكَذَلِكَ فِي الْخِيَارِ؛ وَلِأَنَّ الْبَائِعَ رَضِيَ بِخِيَارٍ وَاحِدٍ وَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَهُ لِجَمَاعَةٍ لَمْ يَرْضَ بِهِمْ وَهُمْ الْوَرَثَةُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْخِيَارُ مَنْ اُشْتُرِطَ لَهُ كَمَا لَا يَتَعَدَّى الْأَجَلُ مَنْ اُشْتُرِطَ لَهُ.
(وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ) أَنَّ اخْتِيَارَهُ صِفَتُهُ، وَلَكِنْ صِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ فَيَنْتَقِلُ كَاخْتِيَارِهِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَأَنْوَاعَ الِانْتِفَاعِ فِي الْمَالِ فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَنْتَقِلُ تَبَعًا لِلْمَالِ (وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّ الْأَجَلَ مَعْنَاهُ تَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ، وَالْوَارِثُ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِلدَّيْنِ لَا جَرَمَ لِمَا انْتَقَلَ الدَّيْنُ لِلْوَارِثِ انْتَقَلَ مُؤَجَّلًا، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا تَنْتَقِلُ الصِّفَةُ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمَوْصُوفُ فَهَذَا لَنَا لَا عَلَيْنَا (وَعَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ثُمَّ قَالَ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَلَوْ كَانَ الِافْتِدَاءُ طَلَاقًا لَكَانَ الطَّلَاقُ الَّذِي لَا تَحِلُّ لَهُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ هُوَ الطَّلَاقُ الرَّابِعُ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ إنَّ الْفُسُوخَ تَقَعُ بِالتَّرَاضِي قِيَاسًا عَلَى فُسُوخِ الْبَيْعِ أَعْنِي الْإِقَالَةَ، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ أَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا تَضَمَّنَتْ حُكْمَ الِافْتِدَاءِ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ يَلْحَقُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ لَا أَنَّهُ شَيْءٌ غَيْرُ الطَّلَاقِ فَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ هَلْ اقْتِرَانُ الْعِوَضِ بِهَذِهِ الْفُرْقَةِ يُخْرِجُهَا مِنْ نَوْعِ فُرْقَةِ الطَّلَاقِ إلَى نَوْعِ فُرْقَةِ الْفَسْخِ أَمْ لَيْسَ يُخْرِجُهَا اهـ. كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَجْهَ عَدَمُ الْإِخْرَاجِ إذْ الْإِخْرَاجُ يُنَافِي الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِهِ بِغَيْرِ الصَّدَاقِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَقَاعِدَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَقَاعِدَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ)
أَمَّا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ كَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ ﵄ وَحَكَاهُ أَبُو الطَّاهِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مِنَّا فَهُوَ أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مِنْ خَوَاصِّ عَقْدِ الْبَيْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْإِجَارَةِ وَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الْحَقِّ وَهُوَ حَطِيطَةٌ لَا بَيْعٌ وَكَالْقِسْمَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ وَمِنْ اللَّوَازِمِ لَهُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَخِيَارُ الشَّرْطِ عَارِضٌ يَحْصُلُ عِنْدَ اشْتِرَاطِهِ وَيُنْفَى عِنْدَ انْتِفَاءِ الِاشْتِرَاطِ.
وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵄ فَهُوَ إنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْغَرَرِ وَمُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ وَالْأَدِلَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَخِيَارُ الشَّرْطِ لَيْسَ كَذَلِكَ أَمَّا اشْتِمَالُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَلَى الْغَرَرِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ اللُّزُومُ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ الْأَعْوَاضِ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَقَعُ إلَّا لِحَاجَةٍ إذْ الْعُقُودُ أَسْبَابٌ لِتَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَصْلُ تَرْتِيبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا حَتَّى تَنْدَفِعَ بِذَلِكَ الْحَاجَةُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَنْدَفِعُ بِالتَّخْيِيرِ وَلِلُزُومِ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ إذْ لَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فَيَحْصُلُ الْغَرَرُ وَلَا تَنْدَفِعُ الْحَاجَةُ فَافْهَمْ.
وَأَمَّا اشْتِمَالُهُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ وَالْأَدِلَّةِ فَهُوَ أَنَّ مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «الْمُتَعَاقِدَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بِبَيْعِ الْخِيَارِ أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ اخْتَرْ» وَإِنْ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ، وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَاهِرِهِ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ إلَّا أَنَّ مُقْتَضَى الْبِنَاءِ عَلَى ثَلَاثِ قَوَاعِدَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَكْسُ مَا تَدَّعِيهِ الشَّافِعِيَّةُ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ مَجَازٌ إذَا مَضَى مَعْنَاهُ عَلَى الْأَصَحِّ
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَقْتَضِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَصْفَ لِذَلِكَ الْحُكْمِ نَحْوُ اُقْتُلُوا الْكَافِرَ وَارْجُمُوا الزَّانِيَ وَاقْطَعُوا السَّارِقَ وَنَحْوَهَا فَإِنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ يَقْتَضِي عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَوْصَافَ الْمُتَقَدِّمَةَ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْمَعْلُومِ فَعَدَمُ الْإِسْكَارِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُ الْكُفْرِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ إبَاحَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَعَدَمُ الْإِسْلَامِ فِي الرِّدَّةِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ وَهُوَ كَثِيرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ حَقِيقَةٌ فِي حَالَةِ الْمُلَابَسَةِ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْأُولَى وَوَصْفُ الْمُبَايَعَةِ هُوَ عِلَّةُ عَدَمِ الْخِيَارِ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ فَإِذَا انْقَطَعَتْ أَصْوَاتُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ انْقَطَعَتْ الْمُبَايَعَةُ فَتَكُونُ الْعِلَّةُ قَدْ عُدِمَتْ فَيُعْدَمُ الْخِيَار الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا فَلَا يَبْقَى خِيَارٌ بَعْدَهَا عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ عَلَى أَنَّ لَنَا عَشَرَةَ أَوْجُهٍ تَسْقُطُ دَلَالَةُ الْخَبَرِ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) حَمْلُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمُتَفَاعِلَيْنِ بِالْبَيْعِ أَيْ الْمُتَسَاوِمَيْنِ مَجَازًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ كَمَا دَلَّتْ عَلَى عَدَمِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الْخِيَارَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَنْقَطِعُ بَعْدَهَا وَيَكُونُ الِافْتِرَاقُ الْأَقْوَالَ مَجَازًا أَيْضًا
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ أَحَدَ الْمَجَازَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَازِمٌ فِي الْحَدِيثِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا لَمْ يُحْمَلَا عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الْمَذْكُورِ، بَلْ عَلَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ حَالَةُ الْمُبَايَعَةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ
стр. 737
الثَّالِثِ) أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِخِيَارِ التَّعْيِينِ وَبِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَقَدْ أَثْبَتُوهُ لِلْوَارِثِ وَبِمَا إذَا جَنَى فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَلِيِّ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْبَائِعُ فَهَذَا تَلْخِيصُ مُدْرِكِ الْخِلَافِ وَيَعْضُدُنَا فِي مَوْطِنِ الْخِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وَهُوَ عَامٌّ فِي الْحُقُوقِ فَيَتَنَاوَلُهُ صُورَةُ النِّزَاعِ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ إلَّا صُورَتَانِ فِيمَا عَلِمْت حَدُّ الْقَذْفِ وَقِصَاصُ الْأَطْرَافِ وَالْجَرْحِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْأَعْضَاءِ فَإِنَّ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ تَنْتَقِلَانِ لِلْوَارِثِ وَهُمَا لَيْسَتَا بِمَالٍ لِأَجْلِ شِفَاءِ غَلِيلِ الْوَارِثِ بِمَا دَخَلَ عَلَى عِرْضِهِ مِنْ قَذْفِ مُوَرِّثِهِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قِصَاصُ النَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يُورَثُ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ فَرْعُ زُهُوقِ النَّفْسِ فَلَا يَقَعُ إلَّا لِلْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ فَهَذَا تَلْخِيصُ هَذَا الْفَرْقِ بِبَيَانِ سِرِّهِ وَمَدَارِكِهِ وَالْخِلَافِ فِيهِ.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ لَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الْقَبْضِ إلَّا الْبَيْعُ فَيَمْتَنِعُ بَيْعُ الطَّعَامِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حَقِيقَةٌ حَالَةَ الْمُلَابَسَةِ لَزِمَ حَمْلُ الِافْتِرَاقِ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ الِافْتِرَاقُ فِي الْأَقْوَالِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] .
وَقَوْلُهُ ﷺ «افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» الْحَدِيثَ أَيْ بِالْأَقْوَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ لَا عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الِافْتِرَاقُ فِي الْأَجْسَامِ نَحْوُ افْتِرَاقِ الْخَشَبَةِ وَفَرْقِ الْبَحْرِ، وَإِذَا حَمَلْنَا الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الْمَذْكُورِ أَعْنِي مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْبَيْعُ كَتَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ نُطْفَةً لَزِمَ كَوْنُ الِافْتِرَاقِ فِي الْأَجْسَامِ حَقِيقَةً وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ نَقُولَ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُجْمَلًا فَيَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَال وَإِمَّا أَنْ تُرَجِّحَ الْمَجَازَ الْأَوَّلَ أَعْنِي فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ لِكَوْنِهِ مَعْضُودًا بِالْقِيَاسِ وَالْقَوَاعِدِ
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) قَوْلُهُ ﷺ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ فِي أَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيِّ «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبُهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» فَلَوْ كَانَ الْمَجْلِسُ مَشْرُوعًا لَمْ يَحْتَجْ لِلْإِقَالَةِ فَإِنَّ مَنْ تَوَجَّهَتْ نَفْسُهُ يَخْتَارُ الْفَسْخَ، فَلَمَّا صَرَّحَ بِمَا يَقْتَضِي احْتِيَاجَهُ لِلْآخَرِ وَهُوَ الْإِقَالَةُ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْعَقْدِ وَأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ هُمَا الْمُتَشَاغِلَانِ بِالْبَيْعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا دَلِيلُ ذَلِكَ الْمَجَازِ أَيْضًا
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) الْمُعَارَضَةُ بِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَهَذَا مِنْ الْغَرَرِ كَمَا عَلِمْت
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ الْمُنَافِي لِلْخِيَارِ
(الْوَجْهُ السَّادِسُ) لَوْ صَحَّ خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِتَعَذُّرِ تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَشِرَاءِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ، بَلْ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ عَلَى صِحَّةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ عَلَى الصِّحَّةِ ذَلِكَ فِيمَا يَسْرُعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ كَالْهَرَائِسِ وَالْكَنَائِفِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى عَدَمِهَا فِيهِ ذَلِكَ
(الْوَجْهُ السَّابِعُ) أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مَجْهُولُ الْعَاقِبَةِ إذْ لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ إلَّا الِافْتِرَاقُ، وَقَدْ يَطُولُ، وَقَدْ يَقْصُرُ وَكُلُّ مَجْهُولِ الْعَاقِبَةِ أَوْ النِّهَايَةِ فِي الزَّمَانِ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ مُجْمَعٌ عَلَى بُطْلَانِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَقْتَضِيَ بُطْلَانَ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي الْعَقْدِ مِنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ
(الْوَجْهُ الثَّامِنُ) عَقْدٌ وَقَعَ الرِّضَى بِهِ فَيَبْطُلُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِيهِ كَمَا بَعْدَ الْإِمْضَاءِ
(الْوَجْهُ) التَّاسِعُ أَنَّ الْحَدِيثَ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْنِي فَيَقُولُ الْبَائِعُ بِعْتُك فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ لَهُ الْخِيَارُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ وَهَذِهِ صُورَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَهُمْ اشْتَرَيْت وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَدْعَى الْبَيْعَ وَحَمَلُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﵊ فِي الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ «أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ اخْتَرْ» أَيْ اخْتَرْ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِيجَابِ أَوْ الِاسْتِدْعَاءِ وَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى اخْتِيَارِ شَرْطِ الْخِيَارِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَلَا خِيَارَ أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ فَلَا تَنْفَعُ الْفُرْقَةُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُرْوَ إلَّا بَيْعُ الْخِيَارِ مَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ
(الْوَجْهُ الْعَاشِرُ) عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنْ تَكَرَّرَ الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ مَعَ الْأَنْفَاسِ فَعَدَمُ الْمَجْلِسِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً وَالْقَطْعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّنِّ هَذَا مَا رَجَّحَ بِهِ الْأَصْلُ قَوْلَ مَالِكٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ بِعَدَمِ صِحَّةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَرْتَضِ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ الْأَوْجُهِ الْعَشَرَةِ فِي إسْقَاطِ دَلَالَةِ الْخَبَرِ إلَّا الْعَاشِرَ فَقَدْ قَالَ لَيْسَ لِلْمَالِكِيَّةِ كَلَامٌ يَقْوَى غَيْرَ هَذَا أَيْ الْوَجْهِ الْعَاشِرِ فَإِذَا ثَبَتَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُجِّحَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ قَالَ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْأَصْلِ فِي الْعُقُودِ اللُّزُومُ إلَخْ فَيُقَالُ بِمُوجِبِهِ بَعْدَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لَا قَبْلَهُ وَاحْتِجَاجُ الشَّافِعِيِّ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ قَوِيٌّ وَالْعَادَةُ غَالِبًا لَا يَطُولُ مَجْلِسُ الْمُتَبَايِعَيْنِ طُولًا يُفَوِّتُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِوَضَيْنِ كَيْفَ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ اخْتَرْ» أَيْ اخْتَرْ الْإِمْضَاءَ وَيَأْتِي جَوَابُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عِنْدَ ذِكْرِ دَلِيلِهِ أَيْ الَّذِي هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي صَحِيحٌ إذَا أُرِيدَ بِالْحَقِيقَةِ كَوْنُ الْفَاعِلِ مُلَابِسًا لِمَا صَدَرَ مِنْهُ أَوْ وُصِفَ بِهِ لَا إذَا أُرِيدَ بِالْحَقِيقَةِ كَوْنُ
стр. 738
قَبْلَ قَبْضِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ فِي الصَّحِيحِ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» فَيَمْتَنِعُ فِيمَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ إلَّا فِي غَيْرِ الْمُعَارَضَةِ كَالْقَرْضِ أَوْ الْبَدَلِ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ لِمَنْ صَارَ إلَيْهِ هَذَا الطَّعَامُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَأَمَّا مَا بِيعَ جُزَافًا فَيَجُوزُ قَبْلَ النَّقْلِ إذَا خَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِحُصُولِ الِاسْتِيفَاءِ وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَهُ قَبْلَ نَقْلِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَا كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِنَقْلِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي نَبْتَاعُهُ فِيهِ إلَى مَكَان سِوَاهُ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁ كُنَّا إذَا ابْتَعْنَا الطَّعَامَ جُزَافًا لَمْ نَبِعْهُ حَتَّى نُحَوِّلَهُ مِنْ مَكَانِهِ وَالْمَشْهُورُ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِالطَّعَامِ وَتَعْمِيمُهُ فِيهِ يَتَعَدَّى لِمَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ» خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ الْعَقَارَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يُخْشَى انْفِسَاخُهُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَوَافَقَ الْمَشْهُورَ ابْنُ حَنْبَلٍ.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄ بِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلِأَنَّهُ ﵊ لَمَّا بَعَثَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَفْظِ مُتَبَايِعَيْنِ مَوْضُوعًا لِمُحَاوِلِي الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً إلَّا فِي حَالِ الْمُلَابَسَةِ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ حَمَلْنَا الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْبَيْعِ إلَى قَوْلِهِ مَعْضُودًا بِالْقِيَاسِ وَالْقَوَاعِدِ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةً فِي الْمَاضِي وَفِي الْحَالِ وَفِي الِاسْتِقْبَالِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَزْمَانِ الثَّلَاثَةِ فِي اللِّسَانِ.
وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ لِمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فِيمَا أَعْلَمُهُ غَيْرَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ اللُّغَوِيَّةَ تَلْزَمُ الْحَقِيقَةَ الْوُجُودِيَّةَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ اللُّغَوِيَّةَ الْمُرَادُ بِهَا أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمُعَيَّنِ لَا لِعَلَاقَةٍ بَيْنَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَمَعْنًى آخَرَ وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ قَبْلَ هَذَا وَالْحَقِيقَةُ الْوُجُودِيَّةُ الْمُرَادُ بِهَا كَوْنُ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ مَوْجُودَةً فَالْمَعْنَيَانِ مُتَغَايِرَانِ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ اهـ.
قُلْت وَاَلَّذِي حَقَّقَهُ ابْنُ قَاسِمٍ فِي آيَاتِهِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ التَّقِيِّ السُّبْكِيّ هُوَ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي كَالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَاهِرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ أَصْلَ مَدْلُولِ الْوَصْفِ كَاسْمِ الْفَاعِلِ ذَاتُ مَا مُتَّصِفَةٌ بِمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ زَمَانٍ أَوْ حُدُوثٍ فِي ذَلِكَ الْمَدْلُولِ فَإِذَا أُطْلِقَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ كَانَ مُتَنَاوِلًا حِينَ الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا لِكُلِّ ذَاتٍ ثَبَتَ لَهَا ذَلِكَ الِاتِّصَافُ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ تِلْكَ الصِّفَةِ بِالذَّاتِ بِالْفِعْلِ وَإِنْ تَأَخَّرَ الِاتِّصَافُ عَنْ الْإِطْلَاقِ أَوْ تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي مَدْلُولِهِ وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَاتًا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا ذَلِكَ الِاتِّصَافُ أَيْ حِينَ الْإِطْلَاقِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ ثُبُوتِهِ لَهَا وَإِنْ سَبَقَ الِاتِّصَافُ الْإِطْلَاقَ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ وَالْمُرَادُ لَا يَتَنَاوَلُهَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ.
وَإِنْ تَنَاوَلَهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ أَوْ يَكُونُ إنْ ثَبَتَ لَهَا ذَلِكَ الِاتِّصَافُ سَابِقًا أَوْ لَاحِقًا فَإِذَا قِيلَ الزَّانِي عَلَيْهِ الْحَدُّ كَانَ تَعَلُّقُ وُجُوبِ الْحَدِّ بِكُلِّ ذَاتٍ اتَّصَفَتْ بِالزِّنَى بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهَا بِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ اتِّصَافُهَا بِهِ عَنْ النُّطْقِ بِهَذَا الْكَلَامِ أَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ زَيْدٌ الْمُتَّصِفُ بِالزِّنَى حَالَ النُّطْقِ بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهِ بِهِ الْآنَ وَالْمُتَّصِفُ بِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهِ بِهِ السَّابِقِ أَوْ اللَّاحِقِ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ إنَّهُ حَقِيقَةٌ بِاعْتِبَارِ حَالِ التَّلَبُّسِ أَيْ الِاتِّصَافِ بِالْوَصْفِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الِاتِّصَافُ سَابِقًا عَلَى التَّلَفُّظِ أَوْ مُقَارِنًا لَهُ أَوْ لَاحِقًا وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَاتًا لَمْ تَتَّصِفْ بِهِ حَالَ النُّطْقِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ حَقِيقَةً، بَلْ إذَا لُوحِظَ نَحْوُ زَيْدٍ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ اتِّصَافِهِ بِهِ حِينَ النُّطْقِ بِهَذَا الْكَلَامِ وَجَعَلَ الْإِطْلَاقَ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ لَكِنْ بِسَبَبِ أَنَّهُ ذُو حَالَةٍ أُخْرَى سَابِقَةٍ أَوْ لَاحِقَةٍ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ مَا كَانَ أَوْ مَا يَكُونُ وَمِثْلُ هَذَا مَا إذَا لُوحِظَ زَيْدٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ اتِّصَافِهِ بِهِ فِي الْمَاضِي وَجَعْلُ الْإِطْلَاقِ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ لَكِنْ بِسَبَبِ أَنَّهُ ذُو حَالَةٍ أُخْرَى وَهِيَ اتِّصَافُهُ بِهِ الْآنَ وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ.
فَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ مَجَازًا لِعَلَاقَةٍ مَا يَكُونُ وَمَا إذَا لُوحِظَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ اتِّصَافِهِ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَجُعِلَ الْإِطْلَاقُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ لَكِنْ بِسَبَبِ أَنَّهُ ذُو حَالَةٍ أُخْرَى وَهِيَ اتِّصَافُهُ بِهِ فِي الْمَاضِي أَوْ الْآنَ، فَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ مَا كَانَ وَإِنَّمَا كَانَ مَا ذُكِرَ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ مَا يَكُونُ أَوْ مَا كَانَ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ السَّبْقَ وَاللُّحُوقَ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَبِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَنْسُوبِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي التَّلْوِيح وَمُقْتَضَى كَلَامِ عُلَمَاءِ النَّحْوِ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ وَنَحْوَهُ يُقْصَدُ بِهِ الْحُدُوثُ أَيْ حُدُوثُ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ مِنْ تِلْكَ الذَّاتِ بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْحُدُوثُ بِالْوَضْعِ كَالْفِعْلِ يَجُوزُ قَصْدُ الْحُدُوثِ بِالْقَرَائِنِ؛ لِأَنَّهَا بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ لَا يُقْصَدُ بِهَا إلَّا مُجَرَّدُ الثُّبُوتِ أَيْ الْحُصُولِ دُونَ الْحُدُوثِ وَبِاعْتِبَارِ الْقَرَائِنِ لَا يُقْصَدُ بِهَا إلَّا مُجَرَّدُ الدَّوَامِ مَعَ الثُّبُوتِ دُونَ الْحُدُوثِ.
وَلَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْحُدُوثُ مَعَ الْقَرَائِنِ فَإِذَا أُطْلِقَ اسْمُ الْفَاعِلِ وَنَحْوُهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ أَعْنِي أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْحُدُوثُ
стр. 739
عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ أَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا أَوْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّعَامِ (وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي) أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُرَادُ بِهَا نَهْيُهُ ﵇ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك فَيُنْهَى الْإِنْسَانُ عَنْ بَيْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ وَيَضْمَنُ تَخْلِيصَهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﵇ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَالْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي» ، فَيَكُونُ الضَّمَانُ مِنْهُ فَمَا بَاعَ إلَّا مَضْمُونًا فَمَا يَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ مَحَلُّ النِّزَاعِ (وَعَنْ الثَّالِثِ) الْفَرْقُ بِأَنَّ الطَّعَامَ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَ قِيَامِ الْبِنْيَةِ وَعِمَادَ الْحَيَاةِ، فَشَدَّدَ الشَّرْعُ عَلَى عَادَاتِهِ فِي تَكْثِيرِ الشُّرُوطِ فِيمَا عَظُمَ شَرَفُهُ كَاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ وَالصَّدَاقِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ دُونَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَشَرَطَ فِي الْقَضَاءِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي مَنْصِبِ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ يَتَأَكَّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِمَفْهُومِ نَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ كَانَ الزَّمَانُ مَلْحُوظًا فِيهِ وَمَدْلُولًا لَهُ الْتِزَامًا فَإِذَا قِيلَ الزَّانِي وَجَبَ حَدُّهُ فَإِنْ أُرِيدَ الَّذِي حَدَثَ زِنَاهُ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لَمْ يَتَنَاوَلْ لَفْظًا مَنْ لَمْ يَحْدُثْ زِنَاهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَلَوْ بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهِ فَالزِّنَا فِي غَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَكَذَا يُقَالُ إذَا أُرِيدَ الَّذِي حَدَثُ زِنَاهُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِابْنِ السُّبْكِيّ مِمَّا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ الْوَصْفُ فِي الزَّمَانِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتٌ ثَبَتَ لَهَا هَذَا الْوَصْفُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ حَقِيقَةً كَمَا نُرِيدُهَا غَدًا أَوْ أَمْسِ إذَا أُرِيدَ بِضَارِبِ ذَاتٍ يَقَعُ مِنْهَا الضَّرْبُ غَدًا أَوْ وَقَعَ مِنْهَا الضَّرْبُ أَمْسِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتٌ ثَبَتَ لَهَا الْوَصْفُ الْآنَ أَيْ مُتَّصِفَةٌ الْآنَ بِهَذَا الْوَصْفِ الَّذِي سَيَقَعُ أَوْ وَقَعَ كَانَ مَجَازًا هُوَ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالْوَصْفِ ذَاتٌ ثَبَتَ لَهَا الْآنَ وُقُوعُ الْحَدَثِ مِنْهَا فِي الِاسْتِقْبَالِ أَوْ فِي الْمَاضِي كَمَا إذَا قِيلَ زَيْدٌ ضَارِبٌ الْآنَ وَأُرِيدَ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ الْآنَ بِأَنَّهُ يَضْرِبُ غَدًا أَوْ ضَرَبَ أَمْسِ وَهُوَ غَيْرُ ضَارِبٍ الْآنَ كَانَ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ وَهُوَ أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهُ الْحَدَثُ الْآنَ إذْ وَصْفُ الذَّاتِ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْحَالِّ بِوُقُوعِ الْحَدَثِ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَكُونُ أَوْ مَا كَانَ وَمِثْلُ هَذَا مَا إذَا أُرِيدَ بِالْوَصْفِ ذَاتٌ ثَبَتَ لَهَا فِي الْمَاضِي وُقُوعُ الْحَدَثِ الْآنَ أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَكُونُ وَمَا إذَا أُرِيدَ بِهِ ذَاتٌ ثَبَتَ لَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وُقُوعُ الْحَدَثِ فِي الْمَاضِي أَوْ الْآنَ فَإِنَّهُ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي بَيَانِيَّةِ الصَّبَّانِ والأنبابي عَلَيْهَا قَالَ الأنبابي وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مُقْتَضَى كَلَامَيْ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي وَعُلَمَاءِ النَّحْوِ بِأَنَّ لِلْوَصْفِ اسْتِعْمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَعَانِي.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَقَلُّ مَا قَالَهُ أَهْلُ النَّحْوِ كَمَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْلُ السَّيِّدِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهِ الْحُدُوثُ بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ انْتَهَتْ بِاخْتِصَارٍ لَكِنْ فِي كَلَامِ الرِّضَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ مَوْضُوعٌ لِلْحُدُوثِ وَالْحُدُوثُ فِيهِ أَغْلَبُ قَالَ وَلِهَذَا اطَّرَدَ تَحْوِيلُ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ إنْ قُصِدَ بِهَا الْحُدُوثُ إلَى صِيغَتِهِ كَحَاسِنٍ وَضَائِفٍ إلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ أُخِذَ بِظَاهِرِ كَلَامِ مُصَنِّفِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ كَوْنُهُ بِمَعْنَى الْحُدُوثِ فَقَالَ اسْمُ الْفَاعِلِ مَا اُشْتُقَّ مِنْ فِعْلٍ لِمَنْ قَامَ بِهِ بِمَعْنَى الْحُدُوثِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
فَإِذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ كَلَامَ الْأَصْلِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْأَكْثَرِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ لِلْقَرَائِنِ بِخِلَافِ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الشَّاطِّ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْأَقَلِّ الْمُفْتَقِرِ لِلْقَرَائِنِ وَلَا يَتِمُّ قَوْلُهُ بِفَسَادِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى مِنْ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ الَّتِي قَالَ الْأَصْلُ إنَّ مُقْتَضَى الْبِنَاءِ عَلَيْهَا أَنَّ حَدِيثَ «الْمُتَعَاقِدَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَكْسُ مَا يَدَّعِيهِ الشَّافِعِيَّةُ فَيَسْقُطُ اهـ. قَوْلُ ابْنِ الشَّاطِّ أَنَّ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى وَهِيَ فَاسِدَةٌ فَكُلُّ مَا بُنِيَ عَلَيْهَا فَاسِدٌ اهـ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يُتَّجَهُ قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ.
وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ مَا نَصُّهُ لَا دَلَالَةَ لِلَفْظِ الْإِقَالَةِ عَلَى بُطْلَانِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ إنَّمَا هِيَ بِالضِّمْنِ لَا بِالصَّرِيحِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لَفْظَ الْإِقَالَةِ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ مُخَالَفَةُ آخِرِ الْكَلَامِ أَوَّلَهُ فَإِنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي صَرِيحًا ثُبُوتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ التَّأْكِيدُ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مِنْ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ الْمُتَسَاوِمَيْنِ بِالْخِيَارِ وَذَلِكَ مَرْجُوحٌ فَإِنَّ حَمْلَ كَلَامِ الشَّارِعِ عَنْ التَّأْسِيسِ إذَا تَحَمَّلَهُ أَوْلَى وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا عَدَمُ الْفَائِدَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَسَاوِمَيْنِ أَوْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِلْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ مَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا الْعَقْدُ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِمَا وَفِي صَفْقَةِ الْخِيَارِ وَغَيْرِهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي حَمْلِ لَفْظِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمَجَازِ وَحَمْلِ لَفْظِ الْإِقَالَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ضُرُوبٌ مِنْ ضَعْفِ الْكَلَامِ وَتَعَارُضِهِ وَعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ لَائِقٍ بِفَصَاحَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَفِي حَمْلِ الْإِقَالَةِ عَلَى الْمَجَازِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ وَحَمْلُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ قُوَّةً لِلْكَلَامِ أَوْ اسْتِقَامَتُهُ وَثُبُوتُ فَائِدَتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ بِلَفْظِهِ.
وَقَالَ فِي جَوَابِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ أَنَّ الْغَرَرَ الْمَعْفُوَّ
стр. 740
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (فَإِنْ قُلْت) أَدِلَّةُ الْخُصُومِ عَامَّةٌ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ لَا يُخَصَّصُ بِذِكْرِ بَعْضِهِ فَالْحَدِيثُ الْخَاصُّ بِالطَّعَامِ لَا يُخَصِّصُ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصَّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ وَالْقَاعِدَةُ أَيْضًا أَنَّ الْخَاصَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] عَامٌّ وَتِلْكَ الْأَحَادِيثُ خَاصَّةٌ فَتُقَدَّمُ عَلَى الْآيَةِ وَالِاعْتِمَادُ فِي تَخْصِيصِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ لَا يُسَلَّمُ أَنَّهُ حُجَّةٌ فَضْلًا عَنْ تَخْصِيصِ الْأَدِلَّةِ.
(قُلْت) أَسْئِلَةٌ صَحِيحَةٌ مُتَّجِهَةُ الْإِيرَادِ لَا يَحْضُرُنِي عَنْهَا جَوَابٌ نَظَائِرُ: قَالَ الْعَبْدُ يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: الْهِبَةُ وَالْمِيرَاثُ عَلَى اخْتِلَافٍ وَالِاسْتِهْلَاكُ وَالْقَرْضُ وَالصُّكُوكُ، وَهِيَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَعْظُمُ فَإِنَّ الْمَجْلِسَ وَغَالِبَ الْعَادَةِ لَا يَطُولُ طُولًا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَفِي جَوَابِ الْوَجْهِ الْخَامِسِ الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى مَا بَعْدَ الْخِيَارِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَفِي جَوَابِ الْوَجْهِ السَّادِسِ إنَّمَا خَرَجَ كَلَامُ الشَّارِعِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَلَى الْغَائِبِ.
وَحَيْثُ لَا يَتَعَذَّرُ أَيْ لَا مُطْلَقًا حَتَّى يُرَدَّ هَذَا الْوَجْهُ وَفِي جَوَابِ الْوَجْهِ السَّابِعِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مَضْبُوطٌ بِالِاعْتِبَارِ وَمَا يَلْزَمُهُ غَالِبًا مِنْ التَّفَاوُتِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا نَظَرَ بِهِ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ الْمَجْهُولِ الزَّمَانِ وَفِي جَوَابِ الْوَجْهِ الثَّامِنِ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدُ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ وَفِي جَوَابِ الْوَجْهِ التَّاسِعِ لَا خَفَاءَ بِضَعْفِ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ وُجُوهٍ أَيْسَرُهَا كَوْنُهُ بُنِيَ عَلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ اهـ.
قُلْت وَلَا يَخْفَاك أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ الْمُوَافِقِ لِلْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الدَّعْوَى مِنْ بُطْلَانِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجَعْلِ الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ بُطْلَانِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ مِنْ جِهَةِ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ لَا مِنْ جِهَةِ مَذْهَبِنَا لَا يَقْتَضِي ضَعْفَ هَذَا الْوَجْهِ أَصْلًا فَافْهَمْ
٢ -
(وَصْلٌ) يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ فِي أُصُولِ بَابِ الْخِيَارِ أَيْ خِيَارِ الشَّرْطِ سَبْعُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ فِي جَوَازِهِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ قَوْلَانِ وَعَلَى الْجَوَازِ الْجُمْهُورُ وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ وَفِيهِ «وَلَك الْخِيَارُ ثَلَاثًا» وَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي شُبْرُمَةَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ غَرَرٌ وَأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ اللُّزُومُ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى الْخِيَارِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ أَوْ إجْمَاعٍ قَالُوا وَحَدِيثُ حِبَّانَ إمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِمَّا أَنَّهُ لَمَّا شُكِيَ إلَيْهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ قَالُوا، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ فِيهِ «إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» فَقَدْ فَسَّرَ الْمَعْنَى الْمُرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ اهـ. .
٢ -
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
قَالَ الْحَفِيدُ أَيْضًا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عِنْدَ مَنْ قَالُوا بِجَوَازِهِ خِلَافٌ فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ قَدْرٌ مَحْدُودٌ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إلَى اخْتِلَافِ الْمَبِيعَاتِ وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْمَبِيعَاتِ قَالَ فَمِثْلُ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ فِي اخْتِيَارِ الثَّوْبِ وَالْجُمُعَةِ وَالْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ فِي اخْتِيَارِ الْجَارِيَةِ وَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ فِي اخْتِيَارِ الدَّارِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الْأَجَلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ فَضْلٌ عَنْ اخْتِيَارِ الْمَبِيعِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَجَلُ الْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَجُوزُ الْخِيَارُ لِأَيِّ مُدَّةٍ اُشْتُرِطَتْ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَاخْتَلَفُوا فِي الْخِيَارِ الْمُطْلَقِ دُونَ الْمُقَيَّدِ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ جِنِّي وَجَمَاعَةٌ بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ مُطْلَقًا وَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ أَبَدًا، وَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ الْخِيَارُ الْمُطْلَقُ وَلَكِنَّ السُّلْطَانَ يَضْرِبُ فِيهِ أَجَلَ مِثْلِهِ وَعُمْدَةُ أَصْحَابِهِ هُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْخِيَارِ هُوَ اخْتِيَارُ الْمَبِيعِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْدُودًا بِزَمَانِ إمْكَانِ اخْتِيَارِ الْمَبِيعِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَبِيعٍ فَكَانَ النَّصُّ إنَّمَا وَرَدَ عِنْدَهُمْ تَنْبِيهًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بِحَالِ الْخِيَارِ الْمُطْلَقِ وَيَفْسُدُ الْمَبِيعُ.
وَاخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إنْ وَقَعَ الْخِيَارُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ جَازَ وَإِنْ مَضَتْ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ فَسَدَ الْبَيْعُ وَعُمْدَتُهُ هُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَجُوزَ الْخِيَارُ فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَّا مَا وَرَدَ فِيهِ فِي حَدِيثِ مُنْقِذِ بْنِ حِبَّانَ أَوْ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَذَلِكَ كَسَائِرِ الرُّخْصِ الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ الْأُصُولِ مِثْلُ اسْتِثْنَاءِ الْعَرَايَا مِنْ الْمُزَابَنَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالُوا، وَقَدْ جَاءَ تَحْدِيدُ الْخِيَارِ بِالثَّلَاثِ فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» .
وَأَمَّا حَدِيثُ مُنْقِذٍ فَأَشْبَهَ طُرُقُهُ الْمُتَّصِلَةُ مَا. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَالَ لِمُنْقِذٍ وَكَانَ يُخْدَعُ فِي الْمَبِيعِ إذَا بِعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا» ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، بَلْ هُوَ فَاسِدٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَدَلِيلُهُ مَا تَقَدَّمَ فَهَذِهِ هِيَ أَقَاوِيلُ فُقَهَاءِ
стр. 741
أُعْطِيَاتُ النَّاسِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَاخْتُلِفَ فِي طَعَامِ أَهْلِ الصُّلْحِ وَوَقَعَتْ الرُّخْصَةُ فِي الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْإِقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ تَنْزِيلًا لِلثَّانِي مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْتَرِقَ الْعَقْدَانِ فِي أَجَلٍ أَوْ مِقْدَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْمُكَايَسَةِ، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃ الْجَمِيعَ نَظَرًا لِلنَّقْلِ وَالْمُعَاوَضَةِ فَهَذَا تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَتْبَعُ الْعَقْدَ عُرْفًا وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَتْبَعُهُ) قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ إذَا قَالَ أَشْرَكْتُك مَعِي فِي السِّلْعَةِ يُحْمَلُ عَلَى النِّصْفِ وَبَيْعُ الْأَرْضِ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْأَشْجَارُ وَالْبِنَاءُ دُونَ الزَّرْعِ الظَّاهِرِ كَمَا بَوَّرَ الثِّمَارِ فَإِنْ كَانَ كَامِنًا فِي الْأَرْضِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَمْصَارِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَحَاصِلُهَا هَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا وَإِنْ جَازَ مُقَيَّدًا فَكَمْ مِقْدَارُهُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا فَهَلْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقَعَ الْخِيَارُ فِي الثَّلَاثِ أَمْ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ وَإِنْ وَقَعَ فِي الثَّلَاثِ اهـ
٢ -
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ الْحَفِيدُ أَيْضًا فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ فِيهِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ قَوْلَانِ وَالْقَوْلُ بَعْدَ الْجَوَازِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لِتَرَدُّدِهِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْبَيْعِ وَفِيهِ ضَعْفٌ اهـ.
٢ -
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ)
قَالَ الْحَفِيدُ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِي ضَمَانِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ مِمَّنْ يَكُونُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ مُصِيبَتُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَمِينٌ سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ عَنْ الْبَائِعِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك وَلَمْ يَقُلْ الْمُشْتَرِي قَبِلْت، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ إنَّهُ إنْ كَانَ هَلَكَ بِيَدِ الْبَائِعِ فَلَا خِلَافَ فِي ضَمَانِهِ إيَّاهُ وَإِنْ كَانَ هَلَكَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَالْحُكْمُ كَالْحُكْمِ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ إنْ كَانَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَضَمَانُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ شَرْطُ الْخِيَارِ لِكِلَيْهِمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمَبِيعُ عَلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُشْتَرِطُ وَحْدَهُ وَمَعَ الْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا إنْ كَانَ شَرَطَهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَقَدْ خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَبَقِيَ مُعَلَّقًا حَتَّى يَنْقَضِيَ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَشْتَرِطْ الْبَائِعُ خِيَارًا كَانَ خَارِجًا عَنْ مِلْكِهِ وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِي رَدِّ الْآخَرِ لَهُ وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُمَانِعُ الْحُكْمَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُصِيبَةً مِنْ أَحَدِهِمَا، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ عِنْدَهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هُوَ الْمُشْتَرِطُ فَقَطْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ صَرَفَهُ عَنْ مِلْكِهِ وَأَبَانَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي لِأَيِّهِمَا كَانَ الْخِيَارُ تَشْبِيهًا لِبَيْعِ الْخِيَارِ بِالْبَيْعِ اللَّازِمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِقِيَاسِهِ مَوْضِعَ الْخِلَافِ عَلَى مَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ، وَهَذَا الْخِلَافُ آيِلٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ هَلْ هُوَ مُشْتَرَطٌ لِإِيقَاعِ الْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ أَوْ لِتَتْمِيمِ الْبَيْعِ فَإِذَا قُلْنَا بِفَسْخِ الْبَيْعِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَإِذَا قُلْنَا بِتَتْمِيمِهِ فَهُوَ فِي ضَمَانِهِ اهـ.
٢ -
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) قَالَ الْحَفِيدُ أَيْضًا هَلْ يُورَثُ خِيَارُ الْبَيْعِ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا يُورَثُ وَإِنَّهُ إذَا مَاتَ صَاحِبُ الْخِيَارِ فَلِوَرَثَتِهِ مِنْ الْخِيَارِ مِثْلُ مَا كَانَ لَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَيَتِمُّ الْبَيْعُ وَهَكَذَا عِنْدَهُ خِيَارُ الشُّفْعَةِ وَخِيَارُ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَخِيَارُ الْإِقَالَةِ وَسَلَّمَ لَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ خِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَعْنِي أَنَّهُ قَالَ يُورَثُ.
وَكَذَلِكَ خِيَارُ اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ وَخِيَارُ الْقِصَاصِ وَخِيَارُ الرَّهْنِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مَالِكٌ خِيَارَ رَدِّ الْأَبِ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ أَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ الْخِيَارِ فِي رَدِّ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ مَا جَعَلَ الشَّرْعُ مِنْ ذَلِكَ لَهُ أَيْ لِلْأَبِ الْمَيِّتِ، وَكَذَلِكَ خِيَارُ الْكِتَابَةِ وَالطَّلَاقِ وَاللِّعَانِ وَمَعْنَى خِيَارِ الطَّلَاقِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ آخَرَ طَلِّقْ امْرَأَتِي مَتَى شِئْت فَيَمُوتُ الرَّجُلُ الْمَجْعُولُ لَهُ الْخِيَارُ فَإِنَّ وَرَثَتَهُ لَا يَتَنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَسَلَّمَ الشَّافِعِيُّ مَا سَلَّمَتْ الْمَالِكِيَّةُ لِلْحَنَفِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ وَسَلَّمَ زَائِدَ خِيَار الْإِقَالَةِ وَالْقَبُولِ قَالَ لَا يُورَثَانِ وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ هَلْ الْأَصْلُ أَنْ تُورَثَ الْحُقُوقُ كَالْأَمْوَالِ أَوْ أَنْ تُورَثَ الْأَمْوَالُ دُونَ الْحُقُوقِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ يُشْبِهُ مِنْ هَذَا مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ لَهُ خَصْمُهُ مِنْهَا بِمَا يُسَلِّمُهُ مِنْهَا لَهُ وَيَحْتَجُّ عَلَى خَصْمِهِ فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ تَحْتَجُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وِرَاثَةَ خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيُشْبِهُ سَائِرَ الْخِيَارَاتِ الَّتِي يُورَثُهَا بِهِ وَالْحَنَفِيَّةُ تَحْتَجُّ أَيْضًا عَلَى الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِمَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَرُومُ أَنْ يُعْطِيَ فَارِقًا يَخْتَلِفُ فِيهِ.
قَوْلُهُ وَمُشَابِهًا فِيمَا يَتَّفِقُ فِيهِ قَوْلُهُ وَيَرُومُ فِي قَوْلِهِ خَصْمُهُ بِالضِّدِّ أَعْنِي أَنْ يُعْطِيَ فَارِقًا فِيمَا يَمْنَعُهُ الْخَصْمُ مُتَّفِقًا وَيُعْطِي اتِّفَاقًا فِيمَا يَضَعُهُ الْخَصْمُ مُتَبَايِنًا مَثَلًا تَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ إنَّمَا قُلْنَا إنَّ خِيَارَ الْأَبِ فِي رَدِّ هِبَتِهِ لَا يُورَثُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِيَارٌ رَاجِعٌ إلَى صِفَةٍ فِي الْأَبِ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَهِيَ الْأُبُوَّةُ فَوَجَبَ أَنْ لَا تُورَثَ إلَى لَا صِفَةَ فِي الْعَقْدِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي خِيَارٍ أَعْنِي: أَنَّهُ مَنْ انْقَدَحَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَقْدِ وَرِثَهُ، وَمَنْ انْقَدَحَ لَهُ أَنَّهُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ بِذِي الْخِيَارِ لَمْ يُوَرَّثْهُ هُوَ سَيَأْتِي تَوْضِيحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفَرْقِ الَّذِي تِلْوُ هَذَا الْفَرْقِ فَتَرَقَّبْ
٢ -
стр. 742
انْدَرَجَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا تَنْدَرِجُ الْحِجَارَةُ الْمَخْلُوقَةُ فِيهَا دُونَ الْمَدْفُونَةِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرَ الْأَرْضِ مَلَكَ بَاطِنَهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يَنْدَرِجُ فِي الْأَرْضِ الْبِنَاءُ الْكَثِيرُ وَلَا الْغَرْسُ، وَعِنْدَنَا يَنْدَرِجُ فِي لَفْظِ الدَّارِ الْخَشَبُ الْمُسَمَّرُ وَالسُّلَّمُ الْمُسْتَقِلُّ، وَيَنْدَرِجُ الْمَعْدِنُ فِي لَفْظِ الْأَرْضِ دُونَ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ مِنْ الْأَجْزَاءِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ يَنْدَرِجُ فِي الْأَرْضِ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَفِي لَفْظِ الدَّارِ الْأَبْوَابُ وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةُ وَالرُّفُوفُ الْمُسَمَّرَةُ وَمَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهَا دُونَ الْحَجَرِ الْمَدْفُونِ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ وَتَنْدَرِجُ الْحِجَارَةُ الْمَخْلُوقَةُ فِيهَا وَالْمَعْدِنُ دُونَ الْكَنْزِ، وَعِنْدَنَا إذَا بَاعَ الْبِنَاءَ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْأَرْضُ كَمَا انْدَرَجَ فِي لَفْظِ الدَّارِ التَّوَابِيتُ وَمَرَافِقُ الْبِنَاءِ كَالْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفِ وَالسُّلَّمِ الْمُثَبَّتِ دُونَ الْمَنْقُولَاتِ وَلَفْظُ الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ ثِيَابُهُ الَّتِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَالَ الْحَفِيدُ أَيْضًا اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ خِيَارِ الْأَجْنَبِيِّ فَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ ذَلِكَ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ الَّذِي جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ وَلَا يَجُوزُ الْخِيَارُ عِنْدَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لِلْأَجْنَبِيِّ إذَا جَعَلَهُ اخْتَلَفَ لَهُ الْمُتَبَايِعَانِ وَإِنَّ قَوْلَهُ لَازِمٌ لَهُمَا وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ إذَا جَعَلَهُ أَحَدُهُمَا فَاخْتَلَفَ الْبَائِعُ، وَمَنْ جَعَلَ لَهُ الْبَائِعُ الْخِيَارَ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَمَنْ جَعَلَ لَهُ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ فَقِيلَ الْقَوْلُ فِي الْإِمْضَاءِ وَالرَّدِّ قَوْلُ الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ اشْتَرَطَ خِيَارَهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي.
وَقَالَ عَكْسُ هَذَا الْقَوْلِ مَنْ جَعَلَ خِيَارَهُ هُنَا كَالْمَشُورَةِ، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَيْ إنَّ الْقَوْلَ فِي الْإِمْضَاءِ وَالرَّدِّ قَوْلُ الْبَائِعِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ وَقَوْلُ الْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ مُشْتَرِطُ الْخِيَارِ، وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمَا الْإِمْضَاءَ فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ الْإِمْضَاءَ وَأَرَادَ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي اشْتَرَطَ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي خِيَارَهُ الرَّدُّ وَوَافَقَهُ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ الرَّدُّ وَأَرَادَ الْأَجْنَبِيُّ الْمَذْكُورُ الْإِمْضَاءَ وَوَافَقَهُ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ فِي هَذَا بَيْنِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَيْ إنْ اشْتَرَطَهُ الْبَائِعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَرَادَ الْإِمْضَاءَ مِنْهُمَا وَإِنْ اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ اهـ.
٢ -
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) قَالَ الْحَفِيدُ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ اشْتَرَطَ مِنْ الْخِيَارِ مَا لَا يَجُوزُ مِثْل أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا مَجْهُولًا أَوْ خِيَارًا فَوْقَ الثَّلَاثِ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْخِيَارَ فَوْقَ الثَّلَاثِ أَوْ خِيَارَ رَجُلٍ بَعِيدِ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ أَعْنِي أَجْنَبِيًّا فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَإِنْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ الْبَيْعُ مَعَ إسْقَاطِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَأَصْلُ الْخِلَافِ هُوَ الْفَسَادُ الْوَاقِعُ فِي الْبَيْعِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ يَتَعَدَّى إلَى الْعَقْدِ أَمْ لَا يَتَعَدَّى وَإِنَّمَا هُوَ فِي الشَّرْطِ فَقَطْ فَمَنْ قَالَ يَتَعَدَّى أَبْطَلَ الْبَيْعَ وَإِنْ أَسْقَطَهُ، وَمَنْ قَالَ لَا يَتَعَدَّى قَالَ الْبَيْعُ يَصِحُّ إذَا أَسْقَطَ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَقَّى الْعَقْدُ صَحِيحًا اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَنْتَقِلُ إلَى الْأَقَارِبِ مِنْ الْأَحْكَامِ غَيْرِ الْأَمْوَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَنْتَقِلُ مِنْ الْأَحْكَامِ]
(الْفَرَقُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَنْتَقِلُ إلَى الْأَقَارِبِ مِنْ الْأَحْكَامِ غَيْرِ الْأَمْوَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَنْتَقِلُ مِنْ الْأَحْكَامِ)
قَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْحَفِيدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ مَسَائِلِ خِيَارِ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي انْتِقَالِ الْأَمْوَالِ إلَى الْأَقَارِبِ وَمِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْحُقُوقِ وَذَلِكَ أَنَّهُ.
وَإِنْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَرَثَتِهِ» إلَّا أَنَّ الْحُقُوقَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، بَلْ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَخِيَارِ الرَّدِّ فِي الْبَيْعِ وَخِيَارِ تَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ وَخِيَارِ التَّعْيِينِ كَأَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا مِنْ عَبْدَيْنِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ وَخِيَارُ الْوَصِيَّةِ إذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَخِيَارِ الْإِقَالَةِ وَالْقَبُولِ وَمِنْهَا مَا يَدْفَعُ ضَرَرًا عَنْ الْوَارِثِ فِي عِرْضِهِ بِتَخْفِيفِ أَلَمِهِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَقِصَاصِ الْأَطْرَافِ وَالْجِرَاحِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْأَعْضَاءِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْمَوْرُوثِ وَعَقْلِهِ وَشَهْوَتِهِ كَالْوِلَايَاتِ وَالْمَنَاصِبِ وَالْأَمَانَةِ وَالْوَكَالَةِ وَاللِّعَانِ وَالْفَيْئَةِ وَالْعَوْدِ وَاخْتِيَارِ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُبْقُوا لَفْظَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ خَصُّوهُ بِمَا يَنْتَقِلُ مِنْهَا لِلْوَارِثِ وَضَابِطُهُ أَنَّهُ كُلُّ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ أَوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا عَنْ الْوَارِثِ فِي عِرْضِهِ بِتَخْفِيفِ أَلَمِهِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ مِنْهَا فَلَا يَشْمَلُهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ وَضَابِطُهُ أَنَّهُ كُلُّ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الْمَوْرُوثِ وَالسِّرُّ فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْوَرَثَةَ يَرِثُونَ الْمَالَ فَيَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَبَعًا لَهُ وَلَا يَرِثُونَ عَقْلَ مُوَرِّثِهِمْ وَلَا شَهْوَتَهُ وَلَا نَفْسَهُ فَلَا يَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ضَرُورَةً أَنَّ مَا لَا يُورَثُ لَا يُورَثُ كَمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لَحْمًا أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ كُلَّ مَا يَخْرُجُ عَنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ إلَّا صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الْقَذْفُ وَثَانِيَتهَا قِصَاصُ الْأَطْرَافِ وَالْجِرَاحِ وَالْمَنَافِعِ فَإِنَّ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَإِنْ خَرَجَتَا عَنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ تَنْتَقِلَانِ لِلْوَارِثِ لِأَجْلِ شِفَاءِ غَلِيلِهِ بِمَا دَخَلَ عَلَى عِرْضِهِ مِنْ قَذْفِ مُوَرِّثِهِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ قِصَاصُ النَّفْسِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ فَرْعُ زُهُوقِ النَّفْسِ لَمْ يَكُنْ
стр. 743
عَلَيْهِ إذَا أَشْبَهَتْ مِهْنَتَهُ دُونَ مَالِهِ وَلَفْظُ الشَّجَرِ تَتْبَعُهُ الْأَرْضُ وَاسْتِحْقَاقُ الْبِنَاءِ مَغْرُوسًا وَالثَّمَرَةُ غَيْرُ الْمُوَبَّرَةِ دُونَ الْمُوَبَّرَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ لَا تَنْدَرِجُ الْأَرْضُ فِي لَفْظِ الشَّجَرِ وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي الثِّمَارِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ لِلْبَائِعِ مُطْلَقًا وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» ، وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا إذَا لَمْ تُوَبَّرْ لِلْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ إنَّمَا جَعَلَهَا لِلْبَائِعِ بِشَرْطِ الْإِبَارِ فَإِذَا انْتَفَى الشَّرْطُ انْتَفَى الْمَشْرُوطُ فَالْأَوَّلُ مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَالثَّانِي مَفْهُومُ الشَّرْطِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَرَوْنَ الْمَفْهُومَ حُجَّةً فَلَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِهِ، بَلْ نَقِيسُ الثَّمَرَةَ عَلَى الْجَنِينِ إذَا خَرَجَ لَمْ يَتْبَعْ وَإِلَّا اتَّبَعَ أَوْ نَقِيسُهَا عَلَى اللَّبَنِ قَبْلَ الْحِلَابِ، وَاسْتِتَارُ الثِّمَارِ فِي الْأَكْمَامِ كَاسْتِتَارِ الْأَجِنَّةِ فِي الْأَرْحَامِ وَاللَّبَنِ فِي الضُّرُوعِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قِصَاصُ النَّفْسِ مِمَّا يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا لِلْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ فَمِنْ هُنَا لَمَّا كَانَ اللِّعَانُ يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ يَعْنِي الْمَوْرُوثَ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ غَالِبًا وَالِاعْتِقَادَاتُ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمَالِ وَكَانَتْ الْفَيْئَةُ شَهْوَتَهُ وَالْعَوْدُ إرَادَتَهُ.
وَكَانَ اخْتِيَارُ نَحْوِ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ النِّسْوَةَ إرَبُهُ وَمَيْلُهُ وَكَانَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ عَقْلَهُ وَفِكْرَتَهُ وَرَأْيَهُ، وَكَذَا سَائِرُ مَنَاصِبِهِ وَوِلَايَاتِهِ وَآرَائِهِ وَاجْتِهَادَاتِهِ وَكَانَتْ أَفْعَالُهُ الدِّينِيَّةُ هِيَ دِينُهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَوْرُوثِ بِمُنْتَقِلٍ لِوَارِثِهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إذْ مِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ أَنْ يُلَاعِنَ عِنْدَ سَبَبِ اللِّعَانِ وَأَنْ يَفِيءَ بَعْدَ الْإِيلَاءِ وَأَنْ يَعُودَ بَعْدَ الظِّهَارِ وَأَنْ يَخْتَارَ مِنْ نِسْوَةٍ إذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَأَنْ يَخْتَارَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ إذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِمَا وَمِنْ حَقِّهِ إذَا جَعَلَ الْمُتَبَايِعَانِ لَهُ الْخِيَارَ أَنْ يَمْلِكَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ عَلَيْهِمَا وَفَسْخَهُ وَمِنْ حَقِّهِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ مِنْ الْوِلَايَاتِ وَالْمَنَاصِبِ كَالْقِصَاصِ وَالْإِمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ وَالْإِفْتَاءِ وَغَيْرِهَا وَكَالْأَمَانَةِ وَالْوَكَالَةِ وَمِنْ حَقِّهِ جَمِيعُ أَفْعَالِهِ الدِّينِيَّةِ فَلَا يَنْتَقِلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلْوَارِثِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِثْ مُسْتَنِدَهُ وَأَصْلَهُ، وَكَذَلِكَ خِيَارُ الْهِبَةِ فِي الْأَبِ لِلِابْنِ بِالِاعْتِصَارِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالطَّلَاقِ بِأَنْ يَقُولَ طَلِّقْ امْرَأَتِي مَتَى شِئْت فَيَمُوتُ الْمَقُولُ لَهُ وَلَمَّا كَانَ نَحْوُ خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارِ تَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ وَحَقِّ الْقِصَاصِ وَحَقِّ الرَّهْنِ وَحَبْسِ الْمَبِيعِ وَخِيَارِ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ فَمَاتَ رَبُّهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ أَخْذَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ حُقُوقِ الْمَوْرُوثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَالِ قَطْعًا كَانَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ مِنْ الْحُقُوقِ الْمُنْتَقِلَةِ لِلْوَارِثِ قَطْعِيًّا وَلَمَّا كَانَ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْمَبِيعَاتِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ كَوْنِهِ صِفَةً لِلْعَقْدِ أَوْ صِفَةً لِلْعَاقِدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي انْتِقَالِهِ لِلْوَارِثِ وَعَدَمِ انْتِقَالِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄ إلَى انْتِقَالِهِ لِأَنَّهُ صِفَةُ الْعَقْدِ وَأَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ فَيَنْتَقِلُ مَعَهُ لِلْوَارِثِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵄ إلَى عَدَمِ انْتِقَالِهِ لِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَاقِدِ لِأَنَّهَا مَشِيئَتُهُ وَاخْتِيَارُهُ فَتَبْطُلُ بِمَوْتِهِ كَمَا تَبْطُلُ سَائِر صِفَاتِهِ وَجَوَابُهُ إنَّ اخْتِيَارَهُ وَإِنْ كَانَتْ صِفَتُهُ إلَّا أَنَّهَا صِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ كَاخْتِيَارِهِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَأَنْوَاعَ الِانْتِفَاعِ فِي الْمَالِ فَيَنْتَقِلُ كَمَا يَنْتَقِلُ جَمِيعُ ذَلِكَ تَبَعًا لِلْمَالِ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) إنَّ الْأَجَلَ فِي الثَّمَنِ لَا يُورَثُ فَكَذَلِكَ فِي الْخِيَارِ وَجَوَابُهُ إنَّ الْأَجَلَ مَعْنَاهُ تَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ وَتَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ صِفَةً لِلدَّيْنِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ الدَّيْنَ لَمَّا انْتَقَلَ لِلْوَارِثِ انْتَقَلَ مُؤَجَّلًا ضَرُورَةَ أَنَّ الصِّفَةَ تَنْتَقِلُ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمَوْصُوفُ، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا فَهَذَا لَنَا لَا عَلَيْنَا
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْبَائِعَ رَضِيَ بِخِيَارٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ تُثْبِتُونَهُ أَنْتُمْ لِجَمَاعَةٍ لَمْ يَرْضَ بِهِمْ وَهُمْ الْوَرَثَةُ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْخِيَارُ مَنْ اُشْتُرِطَ لَهُ كَمَا لَا يَتَعَدَّى الْأَجَلُ مَنْ اُشْتُرِطَ لَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِخِيَارِ التَّعْيِينِ وَبِشَرْطِ الْخِيَارِ لَلْأَجْنَبِيّ، وَقَدْ أَثْبَتُوهُ لِلْوَارِثِ وَبِمَا إذَا جَنَى فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَلِيِّ مَا لَمْ يُوصِ بِهِ الْبَائِعُ هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ تَلْخِيصِ هَذَا الْفَرْقِ بِبَيَانِ سِرِّهِ وَمَدَارِكِهِ وَالْخِلَافُ فِيهِ وَسَلَّمَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ)
قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ يَتَحَصَّلُ فِي اشْتِرَاطِ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَمَنْعِ الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ
(الْأَوَّلُ وَالثَّانِي) رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ ﵁ أَشْهَرُهُمَا اشْتِرَاطُهُ فِي الطَّعَامِ بِإِطْلَاقٍ فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى اشْتِرَاطُهُ فِي الرِّبَوِيِّ فَقَطْ فَيَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِ الرِّبَوِيِّ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ
(الثَّالِثُ) لِأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ اشْتِرَاطُهُ فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ أَيْ وَالْمَعْدُودِ
(الرَّابِعُ) لِأَبِي حَنِيفَةَ اشْتِرَاطُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْقَلُ أَمَّا الْمَبِيعَاتُ الَّتِي لَا تَنْتَقِلُ وَلَا تُحَوَّلُ وَهِيَ الدُّورُ وَالْعَقَارُ فَيَجُوزُ فِيهَا الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ
(الْخَامِسُ) لِلشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ اشْتِرَاطُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
(السَّادِسُ) لِأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ اشْتِرَاطُهُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَكُلُّ شَيْءٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ
(السَّابِعُ) لِابْنِ حَبِيبٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَرَبِيعَةَ اشْتِرَاطُهُ
стр. 744
أَوْ نَقِيسُهَا عَلَى الْأَغْصَانِ وَالْوَرَقِ وَنَوَى التَّمْرِ.
وَهَذِهِ الْأَقْيِسَةُ أَقْوَى مِنْ قِيَاسِهِمْ بِكَثِيرٍ لِقُوَّةِ جَامِعِهَا، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ عَلَى الْمُؤَبَّرِ فَفَارِقُهُ ظَاهِرٌ وَجَامِعُهُ ضَعِيفٌ وَلَفْظُ إطْلَاقِ الثِّمَارِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ يَقْتَضِي عِنْدَنَا التَّبْقِيَةَ بَعْدَ الزَّهْوِ.
وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْتَضِي الْقَطْعَ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَقْدَ مُعَارَضٌ بِالْعَادَةِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ لَا تَقْدَحُ فِي الْعُقُودِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُ زَمَانًا طَوِيلًا لِقَبْضِهِ وَتَحْوِيلِهِ وَيَبِيعُ الدَّارَ فِيهَا الْأَمْتِعَةُ الْكَثِيرَةُ لَا يُمْكِنُ خُلُوُّهَا إلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ وَلَفْظُ الْمُرَابَحَةِ عِنْدَنَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ صَنْعَةٍ قَائِمَةٍ كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْكِمَادِ وَالطَّرْزِ وَالْفَتْلِ وَالْغَسْلِ يُحْسَبُ وَيُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ وَلَا يُسَمَّى السِّلْعَةُ ذَاتًا وَلَا سُوقًا لَا يُحْسَبُ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُقَابَلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ اهـ.
مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ نَعَمْ يُؤْخَذُ تَقْيِيدُ أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ بِمَا إذَا كَانَ فِي الطَّعَامِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ وَرَخَّصَ مَالِكٌ فِيمَا بِيعَ مِنْ الطَّعَامِ جُزَافًا أَنْ يُبَاعَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَجَازَهُ اهـ.
فَتَكُونُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَيْنَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ لِابْنِ حَنْبَلٍ وَتَكُونُ الْأَقْوَالُ سِتَّةً لَا سَبْعَةً وَبِالتَّقْيِيدِ وَمُوَافَقَةُ قَوْلِ ابْنِ حَنْبَلٍ صَرَّحَ الْأَصْلُ حَيْثُ قَالَ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ يَمْتَنِعُ أَيْ فِي مَشْهُورِ مَالِكٍ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ إذَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الصَّحِيحِ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ صَارَ إلَيْهِ هَذَا الطَّعَامُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَأَمَّا مَا بِيعَ جُزَافًا فَيَجُوزُ أَيْ لِمُبْتَاعِهِ بَيْعُهُ قَبْلَ نَقْلِهِ إذَا خَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَهُ لِحُصُولِ الِاسْتِيفَاءِ وَوَافَقَ مَشْهُورَ مَالِكٍ هَذَا ابْنِ حَنْبَلٍ ﵁ وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄ بَيْعَهُ قَبْلَ نَقْلِهِ وَاحْتَجَّا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِنَقْلِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي نَبْتَاعُهُ فِيهِ إلَى مَكَان سِوَاهُ» وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ كُنَّا إذَا ابْتَعْنَا الطَّعَامَ جُزَافًا لَمْ نَبِعْهُ حَتَّى نُحَوِّلَهُ مِنْ مَكَانِهِ وَجَوَابُهُ وَأَنَّ مَالِكًا رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ نَافِعٍ بِدُونِ ذِكْرِ الْجُزَافِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي حِفْظِ حَدِيثِ نَافِعٍ عَلَى غَيْرِهِ فَرِوَايَةُ جَمَاعَةٍ وُجُودَ الْجُزَافِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ لَا تَرِدُ عَلَى مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّ الْجُزَافَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ نَعَمْ هَذَا مِنْ قَبِيلِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ لِلْعِلَّةِ فَافْهَمْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄ يَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اسْتَثْنَى الْعَقَارَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يُخْشَى انْفِسَاخُهُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاحْتَجَّا أَوَّلًا بِأَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ
(أَحَدُهَا) قَوْلُهُ ﵊ «وَلَا رِبْحَ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَلَا بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَك»
(وَثَانِيهَا) حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي إذَا اشْتَرَيْت بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ» قَالَ أَبُو عُمَرَ وَحَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. رَوَاهُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِصْمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ وَيُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ لَا أَعْرِفُ لَهُمَا جُرْحَةً إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجُرْحَةٍ وَإِنْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ
(وَثَالِثُهَا) مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ «نَهْيِهِ ﷺ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ»
(وَرَابِعُهَا) مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ «لَمَّا بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ أَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا أَوْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا»
(وَثَانِيًا) بِقِيَاسِ غَيْرِ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ وَجَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُرَادُ بِهَا نَهْيُهُ ﵊ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك فَيُنْهَى الْإِنْسَانُ عَنْ بَيْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ وَيَضْمَنُ تَخْلِيصَهُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﵊ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَالْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي» .
فَيَكُونُ الضَّمَانُ مِنْهُ فَمَا بَاعَ إلَّا مَضْمُونًا فَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْحَدِيثُ مَحَلَّ النِّزَاعِ وَجَوَابُ الثَّانِي أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ فَإِنَّ الطَّعَامَ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَ قِيَامِ الْبُنْيَةِ وَعِمَادَ الْحَيَاةِ فَشَدَّدَ فِيهِ النِّزَاعَ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَكْثِيرِ الشُّرُوطِ فِيمَا عَظُمَ شَرَفُهُ كَاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ وَالصَّدَاقِ وَالشُّهُودِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ دُونَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَشَرْطِهِ فِي مَنْصِبِ الْقَضَاءِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي مَنْصِبِ الشَّهَادَةِ قِيلَ وَيَتَأَكَّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ بِمَفْهُومِ «نَهْيِهِ ﵊ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى» فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] لَكِنْ يُرَدُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَدِيثَ خَاصٌّ بِالطَّعَامِ وَالْأَحَادِيثُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الْخُصُومُ أَعْنِي الشَّافِعِيَّةَ وَالْأَحْنَافَ عَامَّةٌ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ لَا يُخَصَّصُ بِذِكْرِ بَعْضِهِ إذْ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ وَلَا يَسْتَقِيمُ الِاعْتِمَادُ فِي
стр. 745
بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ مُتَوَلِّي هَذَا الطَّرْزِ وَالصَّبْغِ بِنَفْسِهِ لَمْ يُحْسَبْ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ وَصَفَ ثَمَنًا عَلَى سِلْعَةٍ بِاجْتِهَادِهِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ عِنْدَنَا تَتْبَعُ قَوْلَهُ بِعْتُك هَذِهِ السِّلْعَةَ مُرَابَحَةً لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ أَوْ بِوَضِيعَةٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ أَوْ يَقُولُ لِلْعَشَرَةِ عَشَرَةٌ وَصِيغَةٌ أَوْ مُرَابَحَةٌ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ إذَا قَالَ لِلْعَشَرَةِ اثْنَا عَشَرَ أَيْ يَنْقُصُ السُّدُسُ فِي الْوَضِيعَةِ أَوْ يَزِيدُ السُّدُسُ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ اثْنَيْنِ سُدُسٌ اثْنَيْ عَشَرَ وَلِلْعَشَرَةِ عَشَرَةٌ مَعْنَاهُ يُضَافُ لِلْعَشَرَةِ عَشَرَةٌ، فَيَكُونُ الزِّيَادَةُ أَوْ النُّقْصَانُ النِّصْفَ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَ عَشَرَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ مُحَالٌ، وَهَذَا الْكَلَامُ مَعَ بَقِيَّةِ تَفَارِيعِ هَذَا الْبَابِ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعَوَائِدِ وَإِلَّا فَمِنْ أَيْنَ لَنَا مَا يُحْسَبُ وَيُحْسَبُ رِبْحُهُ وَعَكْسُهُ.
وَلَوْلَا الْعَوَائِدُ لَكَانَ هَذَا تَحَكُّمًا صِرْفًا وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ وَالْغَرَرِ فِي الثَّمَنِ جَائِزٌ إجْمَاعًا، وَلَوْ أُطْلِقَ هَذَا اللَّفْظُ فِي زَمَانِنَا لَمْ يَصِحَّ بِهِ بَيْعٌ لِعَدَمِ فَهْمِ الْمَقْصُودِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
تَخْصِيصِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ لَا يُسْلَمُ أَنَّهُ حُجَّةٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِلْأَدِلَّةِ وَيُرَدُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ بِالْآيَةِ أَنَّ الْآيَةَ أَعَمُّ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّ الْخَاصَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ قَالَ الْأَصْلُ وَهُمَا إيرَادَانِ صَحِيحَانِ مُتَّجَهَانِ لَا يَحْضُرُنِي عَنْهُمَا جَوَابٌ فَتَأَمَّلْ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِاشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي خُصُوصِ الْبَيْعِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ لَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الْقَبْضِ إلَّا الْبَيْعُ اهـ. وَقَالَ الْعَبْدِيُّ يَجُوزُ الطَّعَامُ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ الْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالِاسْتِهْلَاكِ وَالْقَرْضِ وَالصُّكُوكِ وَهِيَ أُعْطِيَاتُ النَّاسِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَاخْتُلِفَ فِي طَعَامِ أَهْلِ الصُّلْحِ وَوَقَعَتْ الرُّخْصَةُ فِي الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْإِقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ تَنْزِيلًا لِلثَّانِي مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْتَرِقَ الْعَقْدَانِ فِي أَجَلٍ أَوْ مِقْدَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْمُكَايَسَةِ وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ ﵃ الْجَمِيعَ نَظَرًا لِلنَّقْلِ وَالْمُعَاوَضَةِ اهـ. وَقَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ وَالْعُقُودُ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يَكُونُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَقِسْمٌ يَكُونُ بِمُعَاوَضَةٍ وَهُوَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ
(أَحَدُهَا) يَخْتَصُّ بِقَصْدِ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ وَهِيَ الْبُيُوعُ وَالْإِجَارَاتُ وَالْمُهُورُ وَالصُّلْحُ وَالْمَالُ الْمَضْمُونُ بِالتَّعَدِّي وَغَيْرِهِ
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) لَا يَخْتَصُّ بِقَصْدِ الْمُغَابَنَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الرِّفْقِ وَهُوَ الْقَرْضُ
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَعْنِي عَلَى قَصْدِ الْمُغَابَنَةِ وَعَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ كَالشَّرِكَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالْبَتُولِيَّةِ وَتَحْصِيلِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَنَّ مَا كَانَ بَيْعًا وَبِعِوَضٍ فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَشْتَرِطُ فِيهِ الْقَبْضَ وَاحِدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّ مَا كَانَ خَالِصًا لِلرِّفْقِ أَعْنِي الْقَرْضَ فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا فِي بَيْعِهِ أَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَ الْقَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا يَكُونُ بِعِوَضِ الْمَهْرِ وَالْخُلْعِ وَالْجُعْلِ فَقَالَ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَ قَصْدِ الرِّفْقِ وَالْمُغَابَنَةِ وَهِيَ التَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْإِقَالَةُ إذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْإِقَالَةُ أَوْ التَّوْلِيَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ وَلَا التَّوْلِيَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَسْخُ بَيْعٍ لَا بَيْعٌ فَعُمْدَةُ مَنْ اشْتَرَطَ الْقَبْضَ فِي جَمِيعِ الْمُعَاوَضَاتِ أَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ التَّوْلِيَةَ وَالْإِقَالَةَ وَالشَّرِكَةَ لِلْأَثَرِ وَالْمَعْنَى أَمَّا الْأَثَرُ فَمَا. رَوَاهُ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ شَرِكَةٍ أَوْ تَوْلِيَةٍ أَوْ إقَالَةٍ» .
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَإِنَّ هَذِهِ إنَّمَا يُرَادُ بِهَا الرِّفْقُ لَا الْمُغَابَنَةُ مَا لَمْ تَدْخُلْهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ الصَّدَاقَ وَالْخُلْعَ وَالْجُعْلَ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بَيِّنًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَيْنًا اهـ. هَذَا تَنْقِيحُ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ تَلْخِيصِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَبَيَانِ الْخِلَافِ وَمَدَارِكِهِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ الْبِدَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَتْبَعُ الْعَقْدَ عُرْفًا وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَتْبَعُهُ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَتْبَعُ الْعَقْدَ عُرْفًا وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَتْبَعُهُ)
وَهُوَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي حَكَمَتْ الْعَوَائِدُ بِأَنَّهَا تَتْبَعُ بِشَيْءٍ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ لَفْظُ الشَّرِكَةِ وَلَفْظُ الْأَرْضِ وَلَفْظُ الْبِنَاءِ وَلَفْظُ الدَّارِ وَلَفْظُ الْمُرَابَحَةِ وَلَفْظُ الشَّجَرِ وَلَفْظُ الثِّمَارِ وَلَفْظُ الْعَبْدِ وَيَتَعَلَّقُ بِبَيَانِ مَا يَتْبَعُهَا وَالْخِلَافُ فِي الْبَعْضِ ثَمَانِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
لَفْظُ الشَّرِكَةِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ إذَا قَالَ أَشْرَكْتُك مَعِي فِي السِّلْعَةِ يُحْمَلُ عَلَى النِّصْفِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
لَفْظُ الْأَرْضِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ بَيْعُ الْأَرْضِ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْأَشْجَارُ وَالْبِنَاءُ دُونَ الزَّرْعِ الظَّاهِرُ كَمَأْبُورِ الثِّمَارِ فَإِنْ كَانَ كَامِنًا فِي الْأَرْضِ انْدَرَجَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا تَنْدَرِجُ الْحِجَارَةُ الْمَخْلُوقَةُ
стр. 746
مِنْهُ لُغَةً وَلَا عُرْفًا فَجَمِيعُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَهَذِهِ الْأَبْوَابِ الَّتِي سَرَدْتهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعَوَائِدِ غَيْرَ مَسْأَلَةِ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ بِسَبَبِ أَنَّ مُدْرِكَهَا النَّصُّ وَالْقِيَاسُ وَمَا عَدَاهَا مُدْرِكَةُ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، فَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ أَوْ بَطَلَتْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْفَتَاوَى وَحَرُمَتْ الْفَتْوَى بِهَا لِعَدَمِ مُدْرِكِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، بَلْ تَتْبَعُ الْفَتَاوَى هَذِهِ الْعَوَائِدَ كَيْفَمَا تَقَلَّبَتْ كَمَا تَتْبَعُ النُّقُودَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَحِينٍ وَتَعْيِينُ الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُسْتَأْجَرَةِ إذَا سَكَتَ عَنْهَا فَتَنْصَرِفُ بِالْعَادَةِ لِلْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا عَادَةً لِعَدَمِ اللُّغَةِ فِي الْبَابَيْنِ وَكُلُّ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعَقْدِ وَاقْتَضَتْهُ اللُّغَةُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَاهُ فَهَذَا تَلْخِيصُ هَذَا الْفَرْقِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَى سِتَّةِ أَلْفَاظٍ لَفْظِ الشَّرِكَةِ وَلَفْظِ الْأَرْضِ وَلَفْظِ الْبِنَاءِ وَلَفْظِ الدَّارِ وَلَفْظِ الْمُرَابَحَةِ وَلَفْظِ الثِّمَارِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا حَكَمَتْ فِيهَا الْعَوَائِدُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِيهَا دُونَ الْمَدْفُونَةِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرَ الْأَرْضِ مَلَكَ بَاطِنَهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يَنْدَرِجُ فِي الْأَرْضِ الْبِنَاءُ الْكَثِيرُ وَلَا الْغَرْسُ، وَعِنْدَنَا يَنْدَرِجُ الْمَعْدِنُ فِي لَفْظِ الْأَرْضِ دُونَ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ مِنْ الْأَجْزَاءِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ يَنْدَرِجُ فِي الْأَرْضِ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ)
لَفْظُ الْبِنَاءِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ إذَا بَاعَ الْبِنَاءَ يَنْدَرِجُ فِيهِ عِنْدَنَا الْأَرْضُ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ)
لَفْظُ الدَّارِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ يَنْدَرِجُ فِي لَفْظِ الدَّارِ عِنْدَنَا الْخَشَبُ الْمُسَمَّرُ وَالتَّوَابِيتُ وَمَرَافِقُ الْبِنَاءِ كَالْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفِ وَالسُّلَّمِ الْمُثَبَّتِ دُونَ الْمَنْقُولَاتِ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ يَنْدَرِجُ فِي لَفْظِ الدَّارِ الْأَبْوَابُ وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةُ وَالرُّفُوفُ الْمُسَمَّرَةُ وَمَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهَا دُونَ الْحَجَرِ الْمَدْفُونِ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ وَتَنْدَرِجُ الْحِجَارَةُ الْمَخْلُوقَةُ فِيهَا وَالْمَعْدِنُ دُونَ الْكَنْزِ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ)
لَفْظُ الْمُرَابَحَةِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ لَفْظُ الْمُرَابَحَةِ عِنْدَنَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ صَنْعَةٍ قَائِمَةٍ كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْكِمَادِ وَالطَّرْزِ وَالْفَتْلِ وَالْغُسْلِ يُحْسَبُ وَيُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ إذَا لَمْ يَتَوَلَّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا لَمْ يُحْسَبْ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ وَصَفَ ثَمَنًا عَلَى سِلْعَةٍ بِاجْتِهَادِهِ وَمَا لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ وَلَا يُسَمَّى السِّلْعَةُ ذَاتًا وَلَا سَوْمًا لَا يُحْسَبُ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُقَابَلُ بِشَيْءٍ فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ عِنْدَنَا تَتْبَعُ قَوْلَهُ بِعْتُك هَذِهِ السِّلْعَةَ مُرَابَحَةً لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَةَ أَوْ بِوَضِيعَةٍ لِلْعَشَرَةِ أَوْ عَشَرَةٍ يَقُولُ لِلْعَشَرَةِ عَشَرَةٌ وَضِيعَةً أَوْ مُرَابَحَةً فَإِذَا قَالَ لِلْعَشَرَةِ اثْنَا عَشَرَ كَانَ مَعْنَاهُ فِي الْوَضِيعَةِ يَنْقُصُ السُّدُسُ وَفِي الْمُرَابَحَةِ يَزِيدُ السُّدُسُ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ سُدُسٌ اثْنَيْ عَشَرَ، وَإِذَا قَالَ لِلْعَشَرَةِ عَشَرَةٌ كَانَ مَعْنَاهُ يُضَافُ لِلْعَشَرَةِ عَشَرَةٌ، فَيَكُونُ الزِّيَادَةُ أَوْ النُّقْصَانُ النِّصْفَ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَ عَشَرَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ مُحَالٌ قَالَ الْأَصْلُ، وَهَذَا الْكَلَامُ مَعَ بَقِيَّةِ تَفَارِيعِ هَذَا الْبَابِ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعَوَائِدِ أَيْ الْقَدِيمِ وَإِلَّا فَمِنْ أَيْنَ لَنَا مَا يُحْسَبُ وَيُحْسَبُ رِبْحُهُ وَعَكْسُهُ، وَلَوْلَا الْعَوَائِدُ الْقَدِيمَةُ لَكَانَ هَذَا تَحَكُّمًا صِرْفًا وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ وَالْغَرَرِ فِي الثَّمَنِ غَيْرُ جَائِزٍ إجْمَاعًا فَلِذَا لَوْ أُطْلِقَ هَذَا اللَّفْظُ فِي زَمَانِنَا لَمْ يَصِحَّ بِهِ بَيْعٌ لِعَدَمِ فَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ لُغَةً وَلَا عُرْفًا (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ)
لَفْظُ الشَّجَرِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ لَفْظُ الشَّجَرِ تَتْبَعُهُ الْأَرْضُ وَاسْتِحْقَاقُ الْبِنَاءِ مَغْرُوسًا وَالثَّمَرَةُ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ دُونَ الْمُؤَبَّرَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ لَا تَنْدَرِجُ الْأَرْضُ فِي لَفْظِ الشَّجَرِ وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي الثِّمَارِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ لِلْبَائِعِ مُطْلَقًا وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ تُؤَبَّرْ لِلْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ إنَّمَا جَعَلَهَا لِلْبَائِعِ بِشَرْطِ الْإِبَارِ فَإِذَا انْتَفَى الشَّرْطُ انْتَفَى الْمَشْرُوطُ
فَالْأَوَّلُ مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَالثَّانِي مَفْهُومُ الشَّرْطِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَرَوْنَ الْمَفْهُومَ حُجَّةً فَلَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِهِ، بَلْ نَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا بِقِيَاسِ الثَّمَرَةِ عَلَى الْجَنِينِ إذَا خَرَجَ لَمْ يَتْبَعْ وَإِلَّا اتَّبَعَ
وَثَانِيًا بِقِيَاسِ الثَّمَرَةِ عَلَى اللَّبَنِ قَبْلَ الْحِلَابِ فَإِنَّ اسْتِتَارَ الثِّمَارِ فِي الْأَكْمَامِ كَاسْتِتَارِ الْأَجِنَّةِ فِي الْأَرْحَامِ وَاللَّبَنِ فِي الضُّرُوعِ
وَثَالِثًا بِقِيَاسِ الثَّمَرَةِ عَلَى الْأَغْصَانِ وَالْوَرَقِ وَنَوَى التَّمْرِ فَهَذِهِ الْأَقْيِسَةُ أَقْوَى مِنْ قِيَاسِهِمْ بِكَثِيرٍ لِقُوَّةِ جَامِعِهَا، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ عَلَى الْمُؤَبَّرَةِ فَفَارِقُهُ ظَاهِرٌ وَجَامِعُهُ ضَعِيفٌ وَفِي بِدَايَةِ الْحَفِيدِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ نَخْلًا فِيهَا ثَمَرٌ قَبْلَ أَنْ يُؤَبَّرَ فَإِنَّ الثَّمَرَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ بَعْدَ الْإِبَارِ فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ إلَّا وَالثِّمَارُ كُلُّهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَعْنَى النَّخِيلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ هِيَ لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْإِبَارِ وَبَعْدَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى سَوَاءٌ أُبِّرَ أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ إذَا بِيعَ الْأَصْلُ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَطَهَا أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِدَلِيلِ مَفْهُومِ الْأُخْرَى وَالْأَوْلَى وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى فَحْوَى الْخِطَابِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ» إلَخْ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ لَمَّا حَكَمَ ﷺ بِالثَّمَرِ لِلْبَائِعِ بَعْدَ الْإِبَارِ
стр. 747
(الْفَرْقُ الْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْهُ) السَّلَمُ الْجَائِزُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَرْطًا
(الْأَوَّلُ) تَسْلِيمُ جَمِيعِ رَأْسِ الْمَالِ حَذَرًا مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ
(الثَّانِي) السَّلَامَةُ مِنْ السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ فَلَا تُسَلَّمُ شَاةٌ فِي شَاتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْ الْمَنْفَعَةِ
(الثَّالِثُ) السَّلَامَةُ مِنْ الضَّمَانِ بِجُعْلٍ فَلَا يُسَلَّمُ جَذَعٌ فِي نِصْفِ جَذَعٍ مِنْ جِنْسِهِ
(الرَّابِعُ) السَّلَامَةُ مِنْ النَّسَاءِ فِي الرِّبَوِيِّ فَلَا يُسَلَّمُ النَّقْدَانِ فِي تُرَابِ الْمَعَادِنِ
(الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ فَيَمْتَنِعُ سَلَمُ خَشَبَةٍ فِي تُرَابِ الْمَعَادِنِ
(السَّادِسُ) أَنْ يَقْبَلَ النَّقْلَ حَتَّى يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدُّورِ
(السَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ فَلَا يُسَلَّمُ فِي الْجُزَافِ
(الثَّامِنُ) ضَبْطُ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَخْتَلِفُ الْمَالِيَّةُ بِاخْتِلَافِهَا نَفْيًا لِلْغَرَرِ
(التَّاسِعُ) أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا فَيَمْتَنِعُ السَّلَمُ الْحَالُّ
(الْعَاشِرُ) أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا نَفْيًا لِلْغَرَرِ
(الْحَادِي عَشَرَ) أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ زَمَنَ وُجُودِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَلَا يُسَلَّمُ فِي فَاكِهَةِ الصَّيْفِ لِيَأْخُذَهَا فِي الشِّتَاءِ
(الثَّانِي عَشَرَ) أَنْ يَكُونَ مَأْمُونَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ الْأَجَلِ نَفْيًا لِلْغَرَرِ فَلَا يُسَلَّمُ فِي الْبُسْتَانِ الصَّغِيرِ
(الثَّالِثَ عَشَرَ) أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُسَلَّمُ فِي مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ فَهُوَ غَرَرٌ
(الرَّابِعَ عَشَرَ) تَعْيِينُ مَكَانِ الْقَبْضِ بِاللَّفْظِ أَوْ الْعَادَةِ نَفْيًا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ وَفِي الشُّرُوطِ سِتُّ مَسَائِلَ)
قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلِمْنَا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أَيْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ الْإِبَارِ بِلَا شَرْطٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إذَا وَجَبَتْ لِلْبَائِعِ بَعْدَ الْإِبَارِ فَهِيَ بِالْأَحْرَى أَنْ تَجِبَ لَهُ قَبْلَ الْإِبَارِ وَشَبَّهُوا خُرُوجَ الثَّمَرِ بِالْوِلَادَةِ قَالُوا فَكَمَا أَنَّ مَنْ بَاعَ أَمَةً لَهَا وَلَدٌ فَوَلَدُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ كَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي الثَّمَرِ لَكِنَّ مَفْهُومَ الْأَحْرَى هَاهُنَا ضَعِيفٌ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَأَمَّا سَبَبُ مُخَالَفَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى لَهُمْ فَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلسَّمَاعِ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الثَّمَرَ جُزْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ فَرَدَّ الْحَدِيثَ بِالْقِيَاسِ وَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ إلَّا إنْ كَانَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ هَذَا وَالْإِبَارُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُجْعَلَ طَلْعُ ذُكُورِ النَّخْلِ فِي طَلْعِ إنَاثِهَا وَفِي سَائِرِ الشَّجَرِ أَنْ تُنَوَّرَ وَتُعْقَدَ وَالتَّذْكِيرُ فِي شَجَرِ التِّينِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي مَعْنَى الْإِبَارِ وَإِبَارُ الزَّرْعِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ إبَارَهُ أَنْ يُفْرَكَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الثَّمَرِ وَهَلْ الْمُوجِبُ لِهَذَا الْحُكْمِ هُوَ الْإِبَارُ أَوْ وَقْتُ الْإِبَارِ قِيلَ الْوَقْتُ، وَقِيلَ الْإِبَارُ وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي الِاخْتِلَافُ إذَا أُبِّرَ بَعْضُ النَّخْلِ وَلَمْ يُؤَبَّرْ الْبَعْضُ هَلْ يَتْبَعُ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ مَا أُبِّرَ أَوْ لَا يَتْبَعُهُ وَاتَّفَقُوا فِيمَا أَحْسَبُهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا بِيعَ ثَمَرٌ، وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْإِبَارِ فَلَمْ يُؤَبَّرْ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُؤَبَّرِ اهـ. بِتَلْخِيصٍ (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ)
لَفْظُ الثِّمَارِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ لَفْظُ إطْلَاقِ الثِّمَارِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ يَقْتَضِي عِنْدَنَا التَّبْقِيَةُ بَعْدَ الزَّهْوِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْتَضِي الْقَطْعَ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ وَلَمَّا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَقْدَ مُعَارَضٌ بِالْعَادَةِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ لَا تَقْدَحُ فِي الْعُقُودِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُ زَمَانًا طَوِيلًا لِقَبْضِهِ وَتَحْوِيلِهِ وَكَبَيْعِ الدَّارِ فِيهَا الْأَمْتِعَةُ الْكَثِيرَةُ لَا يُمْكِنُ خُلُوُّهَا إلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ)
لَفْظُ الْعَبْدِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ لَفْظُ الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ ثِيَابُهُ الَّتِي عَلَيْهِ إذَا أَشْبَهَتْ مِهْنَتَهُ دُونَ مَالِهِ اهـ.
وَفِي بِدَايَةِ الْحَفِيدِ فِي كَوْنِ مَالِ الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ
(أَحَدُهَا) لِلشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّ مَالَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ لِسَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ
(وَالثَّانِي) لِمَالِكٍ وَاللَّيْثِ أَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ أَيْ الْمُشْتَرِي فَوَافَقَ الْأَوَّلَ فِي الْبَيْعِ وَحُجَّتُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَشْهُورُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» وَخَالَفَهُ فِي الْعِتْقِ حَيْثُ جَعَلَهُ فِيهِ تَابِعًا لِلْعَبْدِ تَغْلِيبًا لِلْقِيَاسِ عَلَى السَّمَاعِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أُعْتِقَ فَمَالُهُ لَهُ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ» وَجَعَلَهُ الْأَوَّلُ فِيهِ لِلسَّيِّدِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ كَمَا خَالَفَهُ فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ مَالَهُ الْمُشْتَرِي فَقَالَ فِي الْمُوَطَّإِ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُبْتَاعَ إذَا اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ نَقْدًا كَانَ أَوْ عَرْضًا أَوْ دَيْنًا فَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ وَمَالَهُ بِدَرَاهِمَ وَإِنْ كَانَ مَالُ الْعَبْدِ دَرَاهِمَ أَوْ فِيهِ دَرَاهِمُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ مَالُ الْعَبْدِ نَقْدًا، وَقَالُوا الْعَبْدُ وَمَالُهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ شَيْئَيْنِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ نَعَمْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي لِبَعْضِ مَالِ الْعَبْدِ فِي صَفْقَةِ الْبَيْعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ وَوَجْهُهُ تَشْبِيهُهُ بِثَمَرِ النَّخْلِ بَعْدَ الْإِبَارِ، وَقَالَ أَشْهَبُ جَائِزٌ أَنْ يُشْتَرَطَ بَعْضُهُ وَوَجْهُهُ تَشْبِيهُهُ الْجُزْءِ بِالْكُلِّ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ إنْ كَانَ مَا اُشْتُرِيَ بِهِ الْعَبْدُ عَيْنًا وَفِي مَالِ الْعَبْدِ عَيْنٌ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ دَرَاهِمُ بِعَرْضٍ وَدَرَاهِمَ وَإِنْ كَانَ مَا اُشْتُرِيَ بِهِ عُرُوضًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِ الْعَبْدِ دَرَاهِمُ جَازَ
(الْقَوْلُ الثَّالِثُ) لِدَاوُدَ
стр. 748
لِلْغَرَرِ فَمَتَى انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهُوَ السَّلَمُ الْمَمْنُوعُ وَبِضَبْطِهَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا وَصَلَهَا لِلْعَشَرَةِ وَهِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ كَمَا تَرَى وَفُرُوعُ الْمُدَوَّنَةِ شَاهِدَةٌ لَهَا وَفِي الشُّرُوطِ سِتُّ مَسَائِلَ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
الْحَذَرُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَأَصْلُهُ «نَهْيُهُ ﵇ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» وَهَا هُنَا قَاعِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ مَطْلُوبَ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَحَسْمُ مَادَّةِ الْفَسَادِ وَالْفِتَنِ حَتَّى بَالَغَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵇ «لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَحَابُّوا» ، وَإِذَا اشْتَمَلَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَى شَغْلِ الذِّمَّتَيْنِ تَوَجَّهَتْ الْمُطَالَبَةُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ وَالْعَدَاوَاتِ فَمَنَعَ الشَّرْعُ مَا يَقْضِي لِذَلِكَ وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ
(فَائِدَةٌ) الْكَالِئُ مِنْ الْكِلَاءَةِ الَّتِي هِيَ الْحِرَاسَةُ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ إمَّا لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَوَاقِبُ صَاحِبِهِ وَيَحْفَظُهُ لِأَجْلِ مَالِهِ عِنْدَهُ، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ تَقْدِيرِهِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ مَالِ الْكَالِئِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ لَا يُبَاعُ أَحَدُهُمَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ)
قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ
(فَائِدَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَوُرُودُ النَّهْيِ قَبْلَ الْوُقُوعِ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ أُطْلِقَ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةً فِي حَالِ الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَمَا قَالَهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْكِلَاءَةَ لَا تَحْصُلُ حَالَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ تَحْصُلُ حَالَةَ الْعَقْدِ وَتَسْتَمِرُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ هُوَ سَبَبُهَا وَالْمُسَبَّبُ يَحْصُلُ عِنْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الْعَبْدِ مَالِكًا عِنْدَهُمْ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا أَعْنِي هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَوْ لَا يَمْلِكُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ إنَّمَا غَلَّبُوا الْقِيَاسَ عَلَى السَّمَاعِ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ هُوَ حَدِيثٌ خَالَفَ فِيهِ نَافِعٌ سَالِمًا؛ لِأَنَّ نَافِعًا. رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ وَسَالِمٍ.
رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ اهـ. بِتَلْخِيصٍ قَالَ الْأَصْلُ فَجَمِيعُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَهَذِهِ الْأَبْوَابُ الَّتِي سَرَدْتهَا مَا عَدَا مَسْأَلَةَ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ وَغَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعَوَائِدِ فَمُدْرِكُهَا الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ فَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ أَوْ بَطَلَتْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْفَتَاوَى وَحَرُمَتْ الْفَتْوَى بِهَا لِعَدَمِ مُدْرِكِهَا، بَلْ تَتْبَعُ الْفَتَاوَى هَذِهِ الْعَوَائِدَ كَيْفَمَا تُقُبِّلَتْ كَمَا تَتْبَعُ النُّقُودُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَحِينَ وَتَعْيِينُ الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُسْتَأْجَرَةِ إذَا سَكَتَ عَنْهَا فَتَنْصَرِفُ بِالْعَادَةِ لِلْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا عَادَةً لِعَدَمِ اللُّغَةِ فِي الْبَابَيْنِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ وَغَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ فَبِسَبَبِ أَنَّ مُدْرِكَهَا النَّصُّ وَالْقِيَاسُ لَا تَتْبَعُ الْعَوَائِدَ وَلَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا وَلَا يُقَالُ إنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَاهُ كَكُلِّ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعَقْدِ وَاقْتَضَتْهُ اللُّغَةُ هَذَا تَنْقِيحُ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ تَلْخِيصِ هَذَا الْفَرْقِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ الْبِدَايَةِ.
٢ -
* (تَتِمَّةٌ) قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ مِنْ مَشْهُورِ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ اللَّذَانِ يَقَعَانِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ بَعْدَ الْبَيْعِ مِمَّا يَرْضَى بِهِ الْمُتَبَايِعَانِ أَعْنِي أَنْ يَزِيدَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بَعْدَ الْبَيْعِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ أَوْ يَحُطَّ مِنْهُ الْبَائِعُ هَلْ يَتْبَعُ حُكْمَ الثَّمَنِ أَمْ لَا وَفَائِدَةُ الْفَرْقِ أَنَّ مَنْ قَالَ هِيَ مِنْ الثَّمَنِ أَوْجَبَ رَدَّهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَفِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأَيْضًا مَنْ جَعَلَهَا فِي حُكْمِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً فَسَدَ الْبَيْعُ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنْ الثَّمَنِ أَعْنِي الزِّيَادَةَ لَمْ يُوجِبْ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهَا مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ لَا تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ وَلَا فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، بَلْ الْحُكْمُ لِلثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَلْحَقُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ بِالثَّمَنِ أَصْلًا وَهُوَ فِي حُكْمِ الْهِبَةِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَلْحَقَ الزِّيَادَةَ بِالثَّمَنِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] قَالُوا، وَإِذَا لَحِقَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصَّدَاقِ لَحِقَتْ فِي الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْحَقُ فِي الشُّفْعَةِ وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ رَأَى أَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ قَدْ تَقَرَّرَ قَالَ الزِّيَادَةُ هِبَةٌ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا فَسْخٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَعَقْدٌ ثَانٍ عَدَّهَا مِنْ الثَّمَنِ اهـ. بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْهُ]
(الْفَرْقُ الْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْهُ)
وَهُوَ أَنَّ السَّلَمَ يَجُوزُ إذَا اجْتَمَعَ فِيهِ شُرُوطُ الْجَوَازِ وَيَمْتَنِعُ إذَا انْخَرَمَ فِيهِ شَرْطٌ مِنْهَا وَشُرُوطُ جَوَازِهِ أَوْصَلَهَا الْأَصْلُ إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَةَ، وَقَالَ وَلَمْ أَرَ مَنْ أَوْصَلَهَا لِلْعَشَرَةِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
قَالَ (الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) تَسْلِيمُ جَمِيعِ رَأْسِ الْمَالِ حَذَرًا مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ نَقْدِ الثَّمَنِ فِي الْمُدَّةِ الْكَثِيرَةِ مُطْلَقًا لَا بِاشْتِرَاطٍ وَلَا بِدُونِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ تَأْخِيرِ نَقْدِهِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَأَجَازَ مَالِكٌ كَمَا أَجَازَ تَأْخِيرَهُ بِلَا شَرْطٍ أَيْ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ كَالصَّرْفِ اهـ.
نَعَمْ قَالَ عبق عَلَى الْمُخْتَصَرِ مَعَ الْمَتْنِ وَجَازَ السَّلَمُ عَلَى أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مُلْتَبِسًا بِمَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ كَسُكْنَى دَارٍ وَقُبِضَتْ، وَلَوْ تَأَخَّرَ اسْتِيفَاؤُهَا عَنْ قَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ
стр. 749
بِالْآخَرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْمَدِينَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ دَيْنٍ يَحْفَظُ صَاحِبَهُ عِنْدَ الْفَلَسِ عَنْ الضَّيَاعِ وَيُسْتَغْنَى عَنْ الْحَذْفِ أَيْضًا لِقَبُولِهِمَا الْبَيْعَ أَوْ يَكُونُ اسْمُ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ كَالْمَاءِ الدَّافِقِ بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ وَيُسْتَغْنَى عَنْ الْحَذْفِ أَيْضًا وَعَلَى التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ الْكِلَاءَةَ لَا تَحْصُلُ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَوَرَدَ النَّهْيُ قَبْلَ الْوُقُوعِ فَإِذَا حَصَلَ الدَّيْنُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ فَقَطْ جَازَ بِشُرُوطِهِ؛ لِأَنَّ لَنَا قَاعِدَةً وَهِيَ أَنَّ الْمَصَالِحَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ضَرُورِيَّةً كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَحَاجِيَّةً كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى زَوْجَاتِهِ وَتَمَامِيَّةً كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى أَقَارِبِهِ؛ لِأَنَّهَا تَتِمَّةُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالرُّتْبَةُ الْأُولَى مُقَدَّمَةٌ عَلَى الثَّانِيَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَالثَّانِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الثَّالِثَةِ وَالسَّلَمُ مِنْ الْمَصَالِحِ التَّمَامِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْمَعَاشِ، وَكَذَلِكَ مِنْ الْمُسَاقَاتِ وَبَيْعِ الْغَائِبِ.
. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي بَيَانِ عِلَّةِ تَحْرِيمِ جَرِّ السَّلَفِ النَّفْعَ لِلْمُسْلِفِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ السَّلَفَ قُرْبَةً لِلْمَعْرُوفِ وَلِذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (فَإِذَا حَصَلَ الدَّيْنُ فِي السَّلَمِ فِيهِ فَقَطْ جَازَ بِشُرُوطِهِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قَالَتْ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ السَّلَمَ مِنْ الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدِي كَيْفَ، وَقَدْ قَالَ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَاشُ كُلُّهُ لِلْإِنْسَانِ ابْتِدَاؤُهُ وَتَمَامُهُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمِنْ الْحَاجِيَاتِ فِي حَقِّ عِيَالِهِ وَمِنْ التَّمَامِيَّاتِ فِي حَقِّ أَقَارِبِهِ فَإِطْلَاقُهُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مِنْ التَّمَامِيَّاتِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي بَيَانِ عِلَّةِ تَحْرِيمِ جَرِّ السَّلَفِ النَّفْعَ لِلْمُسْلَفِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ السَّلَفَ قُرْبَةً لِلْمَعْرُوفِ وَلِذَلِكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
كَقَبْضِ الْأَوَاخِرِ اهـ. قَالَ الرَّهُونِيُّ يَعْنِي، وَلَوْ تَأَخَّرَ عَنْ قَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ إذْ هَذَا هُوَ الْمُتَوَهَّمُ وَبِهِ يُلْغَزُ قَالَ الْمَوَّاقُ، وَعِنْدَ الْقِرَاءَة عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْحَاضِرِينَ لِنَفْسِهِ:
وَمَا سَلَمٌ قَبْضُ الْمُسَلَّمِ قَبْلَ أَنْ ... يُوَفِّي الَّذِي يُعْطِي الْمُسَلِّمُ جَائِزُ
أَجِبْ إنَّ عِلْمَ الْفِقْه رَوْضٌ وَدَوْحَةٌ ... جَنَى ذَاكَ فِي الْأَوْرَاقِ ذُخْرٌ وَنَاجِزُ
قَالَ الرَّهُونِيُّ وَالْأَحْسَنُ فِي جَوَابِهِ
إذَا نَفْعُ دَارٍ شَهْرًا أُسْلِمَ فِي كَذَا ... لِأَدْنَى فَمُعْطَى ذَاكَ بِالْقَبْضِ فَائِزُ
فَهَذَا جَوَابُ مَا سَأَلْت وَقِسْ تُصِبْ ... وَأَخْلِصْ فَبِالْإِخْلَاصِ يُغْبَطُ حَائِزُ
وَالْأَصْلُ فِي مَنْعِ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ نَهْيُهُ ﵊ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَسِرُّهُ قَاعِدَةُ أَنَّ مَطْلُوبَ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَاحُ ذَاتِ الْعَيْنِ الْبَيْنِ وَحَسْمُ مَادَّةِ الْفَسَادِ وَالْفِتَنِ حَتَّى بَالَغَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَحَابُّوا» ، وَإِذَا اشْتَمَلَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَى شُغْلِ الذِّمَّتَيْنِ تَوَجَّهَتْ الْمُطَالَبَةُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ وَالْعَدَاوَاتِ فَمَنَعَ الشَّرْعُ مَا يُفْضِي لِذَلِكَ وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْن بِالدَّيْنِ وَالْكَالِئِ بِالْكَالِئِ فِي الْحَدِيثِ.
أَمَّا اسْمُ فَاعِلٍ بَاقٍ عَلَى مَعْنَاهُ مِنْ الْكِلَاءَةِ الَّتِي هِيَ الْحِرَاسَةُ، فَيَكُونُ إمَّا رَاجِعًا لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَالِ الْكَالِئِ بِمَالِ الْكَالِئِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ لَا يُبَاعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، بَلْ يُرَاقِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ لِأَجْلِ مَا لَهُ عِنْدَهُ وَإِمَّا رَاجِعًا لِلدَّيْنَيْنِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ دَيْنٍ يَحْفَظُ صَاحِبَهُ عِنْدَ الْفَلَسِ عَنْ الضَّيَاعِ فَيُسْتَغْنَى حِينَئِذٍ عَنْ الْحَذْفِ لِقَبُولِهِمَا الْبَيْعَ وَإِمَّا اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ كَالْمَاءِ الدَّافِقِ بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ وَحِينَئِذٍ يُسْتَثْنَى عَنْ الْحَذْفِ أَيْضًا وَعَلَى التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ فَفِي كَوْنِ الْوَصْفِ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِي حَالِ التَّلَبُّسِ بِالْحَدَثِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ لِأَمْرَيْنِ
أَحَدهمَا أَنَّ الْكِلَاءَةَ لَا تَحْصُلُ حَالَةَ الْعَقْدِ
وَثَانِيهِمَا أَنَّ وُرُودَ النَّهْيِ قَبْلَ الْوُقُوعِ فَإِذَا حَصَلَ الدَّيْنُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ فَقَطْ جَازَ بِشُرُوطِهِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ لَنَا قَاعِدَةً وَهِيَ أَنَّ الْمَصَالِحَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ضَرُورِيَّةٌ كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَحَاجِيَّةٍ كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى زَوْجَاتِهِ وَتَمَامِيَّةٍ كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى أَقَارِبِهِ؛ لِأَنَّهَا تَتِمَّةُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالرُّتْبَةُ الْأُولَى مُقَدَّمَةٌ عَلَى الثَّانِيَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَالثَّانِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الثَّالِثَةِ وَالسَّلَمُ مِنْ الْمَصَالِحِ التَّمَامِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْمَعَاشِ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ وَبَيْعُ الْغَائِبِ وَفِي كَوْنِهِ أَيْ وَصْفُ كَالِئٍ فِي الْحَدِيثِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي حَالِ الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْكِلَاءَةَ تَحْصُلُ حَالَ الْعَقْدِ وَتَسْتَمِرُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ هُوَ سَبَبُهَا وَالْمُسَبَّبُ يَحْصُلُ عِنْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ وَأَنَّ السَّلَمَ وَإِنْ سَلِمَ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْمَعَاشِ إلَّا أَنَّ الْمَعَاشَ كُلَّهُ لِلْإِنْسَانِ ابْتِدَاؤُهُ وَتَمَامُهُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمِنْ الْحَاجِيَّاتِ فِي حَقِّ عِيَالِهِ وَمِنْ التَّمَامِيَّاتِ فِي حَقِّ أَقَارِبِهِ فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِنْ التَّمَامِيَّاتِ قَوْلَانِ لِلْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ فَافْهَمْ.
(الشَّرْطُ الثَّانِي) السَّلَامَةُ مِنْ السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُسْلَمَ شَاةٌ فِي شَاتَيْنِ مُتَقَارِبَيْ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ شَرَعَ السَّلَفَ قُرْبَةً لِلْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ حَتَّى صَارَ أَصْلًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ
стр. 750
اسْتَثْنَاهُ مِنْ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ فَيَجُوزُ دَفْعُ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ عِوَضَهُ دِينَارًا إلَى أَجَلٍ قَرْضًا تَرْجِيحًا لِمَصْلَحَةِ الْإِحْسَانِ عَلَى مَفْسَدَةِ الرِّبَا، وَهَذَا مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي قَدَّمَ الشَّرْعُ فِيهَا الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ وَمِنْ الصُّوَرِ الَّتِي مَصْلَحَتُهَا تَقْتَضِي الْإِيجَابَ لَكِنْ تَرَكَ الشَّرْعُ تَرْتِيبَ الْإِيجَابِ عَلَيْهَا رِفْقًا بِالْعِبَادِ كَمَصْلَحَةِ السِّوَاكِ فَقَالَ ﵇ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» ، وَقَدْ بُسِطَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ فِي أَحْكَامِ الْمَوَاقِيتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ نُبْذَةٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
اسْتَثْنَاهُ مِنْ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ فَيَجُوزُ دَفْعُ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ عِوَضَهُ دِينَارًا إلَى أَجَلٍ قَرْضًا تَرْجِيحًا لِمَصْلَحَةِ الْإِحْسَانِ عَلَى مَفْسَدَةِ الرِّبَا) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْقَرْضَ مُسْتَثْنًى مِنْ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَلَا بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الرِّبَا لُغَةً الزِّيَادَةُ وَلَا زِيَادَةَ فِي الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَالرِّبَا شَرْعًا الْمَمْنُوعُ وَالْقَرْضُ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخَلَلُ مِنْ جِهَةِ اعْتِقَادِ أَنَّ دِينَارًا بِدِينَارٍ إلَى أَجَلٍ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ الَّذِي شَأْنُهُ عَادَةً وَعُرْفًا الْمُكَايَسَةُ وَالْمُغَابَنَةُ، وَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ الَّذِي شَأْنُهُ الْمُسَامَحَةُ وَالْمُكَارَمَةُ فَهُمَا أَصْلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا لِلْآخَرِ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ قَالَ (وَهَذَا مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي قَدَّمَ الشَّرْعُ فِيهَا الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ قَالَ (وَمِنْ الصُّوَرِ الَّتِي مَصْلَحَتُهَا تَقْتَضِي الْإِيجَابَ لَكِنْ تَرَكَ الشَّرْعُ تَرْتِيبَ الْإِيجَابِ عَلَيْهَا رِفْقًا بِالْعِبَادِ إلَى قَوْلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ نُبْذَةٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ)
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
غَيْرِ الْبَيْعِ بِحَيْثُ انْدَفَعَ دِينَارٍ لِأَخْذِ عِوَضِهِ دِينَارًا لِأَجْلِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ عَادَةً وَعُرْفًا الْمُسَامَحَةُ وَالْمُكَارَمَةُ فَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ عَادَةً وَعُرْفًا الْمُكَايَسَةُ وَالْمُغَابَنَةُ، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا فَإِذَا دَخَلَ السَّلَفُ غَرَضَ انْتِفَاعِ الْمُسْلَفِ بَطَلَتْ حَقِيقَتُهُ الَّتِي هِيَ قَصْدُ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَآلَ الْآمِرُ إلَى حَقِيقَةِ قَصْدِ الْمُكَايَسَةِ وَالْمُغَابَنَةِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا التَّحْرِيمُ وَضَابِطُ هَذَا الشَّرْطِ مَا قَالَهُ أَبُو الطَّاهِرِ مِنْ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ إنْ خَالَفَ الثَّمَنَ جِنْسًا، وَمَنْفَعَةً جَازَ لِبُعْدِ التُّهْمَةِ أَوْ اتَّفَقَا امْتَنَعَ إلَّا أَنْ يُسْلَمَ الشَّيْءُ فِي مِثْلِهِ، فَيَكُونُ قَرْضًا بِلَفْظِ السَّلَمِ فَيَجُوزُ، وَإِذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لِلدَّافِعِ امْتَنَعَ اتِّفَاقًا وَإِنْ دَارَتْ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ فَكَذَلِكَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فَإِنْ تَمَحَّضَتْ لِلْقَابِضِ فَالْجَوَازُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْمَنْعُ لِصُورَةِ الْمُبَايَعَةِ وَلِلْمُسْلَفِ رَدُّ الْعَيْنِ وَهَاهُنَا اشْتَرَطَ الدَّافِعُ رَدَّ الْمِثْلِ فَهُوَ غَرَضٌ لَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَقَوْلَانِ الْجَوَازُ لِلِاخْتِلَافِ وَالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْأَعْيَانِ مَنَافِعُهَا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَنْفَعَةُ دُونَ الْجِنْسِ جَازَ لِتَحَقُّقِ الْمُبَايَعَةِ.
(الشَّرْطُ الثَّالِثُ) السَّلَامَةُ مِنْ الضَّمَانِ بِجُعْلٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ جَذَعٌ فِي نِصْفِ جَذَعٍ مِنْ جِنْسِهِ وَسَرَّهُ قَاعِدَةُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ
(قِسْمٌ) اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْمُعَاوَضَةِ كَالْبُرِّ وَالْأَنْعَامِ
(وَقِسْمٌ) اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ لِلْمُعَاوَضَةِ كَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْقُبُلِ وَالتَّعَانُقِ وَالنَّظَرِ إلَى الْمَحَاسِنِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَلِذَلِكَ لَمْ نُوجِبْ فِيهَا شَيْئًا عِنْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ شَرْعًا، وَلَوْ كَانَتْ تَقْبَلُ الْقِيمَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَوَجَبَ فِيهَا شَيْءٌ عِنْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ الشَّرْعِيَّةِ
(وَقِسْمٌ) اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ هَلْ يَقْبَلُ الْمُعَاوَضَةَ أَمْ لَا كَالْأَزْبَالِ وَأَرْوَاثِ الْحَيَوَانِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَكَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ مِنْ الْمَنَافِعِ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الذِّمَمِ وَإِنْ كَانَ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً لِلْعُقَلَاءِ إلَّا أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ فِيهَا لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْمُعَاوَضَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ، وَأَمَّا؛ لِأَنَّهَا كَالْقُبْلَةِ وَأَنْوَاعُ الِاسْتِمْتَاعِ مِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ لِلْعُقَلَاءِ وَلَا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ
(الشَّرْطُ الرَّابِعُ) السَّلَامَةُ مِنْ النَّسَاءِ فِي الرِّبَوِيِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ النَّقْدَانِ فِي تُرَابِ الْمَعَادِنِ قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ لَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ السَّلَمِ فِيمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسَاءُ وَذَلِكَ إمَّا اتِّفَاقُ الْمَنَافِعِ عَلَى مَا يَرَاهُ مَالِكٌ ﵀ وَإِمَّا اتِّفَاقُ الْجِنْسِ عَلَى مَا يَرَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِمَّا اعْتِبَارُ الطَّعْمِ مَعَ الْجِنْسِ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي عِلَّةِ النَّسَاءِ اهـ.
وَإِمَّا عَلَى مَا يَرَاهُ ابْنُ حَنْبَلٍ ﵀ فَفِي الْإِقْنَاعِ مَعَ شَرْحِهِ كُلُّ شَيْئَيْنِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا نَقْدًا عِلَّةَ رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ كَمَكِيلٍ بِمَكِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ بَاعَ مُدَّ بُرٍّ جِنْسَهُ أَيْ يَبْرَأُ وَبَاعَ مُدَّ بُرٍّ بِشَعِيرٍ وَنَحْوِهِ كَبَاقِلَّا وَعَدَسٍ وَأَرُزٍّ وَمَوْزُونٍ بِمَوْزُونٍ بِأَنْ بَاعَ رِطْلَ حَدِيدٍ بِجِنْسِهِ أَيْ بِحَدِيدٍ أَوْ بَاعَ رِطْلَ حَدِيدٍ بِنُحَاسٍ وَنَحْوِهِ كَرَصَاصٍ وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ.
(الشَّرْطُ الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ فَيَمْتَنِعُ سَلَمُ خَشَبَةٍ فِي تُرَابِ الْمَعَادِنِ نَعَمْ سَيَأْتِي عَنْ الْحَفِيدِ فِي الْبِدَايَةِ أَنَّ الضَّبْطَ بِاتِّحَادِ النَّوْعِ يَقُومُ مَقَامَ الضَّبْطِ بِالصِّفَاتِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُغْنِي عَنْ الشَّرْطِ السَّابِعِ الْآتِي لَا سِيَّمَا إذَا أُرِيدَ الْإِمْكَانُ الْعَامُّ لِقَوْلِ صَاحِبِ سُلَّمِ الْعُلُومِ، وَلَوْ اسْتَقْرَيْت عَلِمْت أَنَّ الْمُمْكِنَةَ الْعَامَّةَ أَعَمُّ الْقَضَايَا وَالْمُمْكِنَةُ الْخَاصَّةُ أَعَمُّ الْمَرْكَبَاتِ وَالْمُطْلَقَةُ الْعَامَّةُ أَعَمُّ الْفِعْلِيَّات وَالضَّرُورِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ أَخَصُّ
стр. 751
يَدُلُّك عَلَى أَنَّ مَصْلَحَةَ السَّلَفِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ مُعَارَضَتُهَا لِلْمُحَرَّمِ، وَمُعَارَضَةُ مَفْسَدَةِ التَّحْرِيمِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ
مَصْلَحَةَ
إيجَابٍ، بَلْ أَعْظَمَ مِنْ أَصْلِ الْإِيجَابِ فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى الصَّحِيحِ فَتَقْدِيمُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ يَقْتَضِي عِظَمَهَا عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ فَإِذَا وَقَعَ الْقَرْضُ لِيَجُرَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَصْلَحَةَ السِّوَاكِ تَقْتَضِي الْإِيجَابَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ أَوْصَافٌ ذَاتِيَّةٌ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا وَذَلِكَ رَأْيُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَلَيْسَ رَأْيُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأٌ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَفْظُهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِمُرَادِهِ.
قَالَ (وَيَدُلُّك عَلَى أَنَّ مَصْلَحَةَ السَّلَفِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ مُعَارَضَتُهَا لِلْمُحَرَّمِ وَمُعَارَضَةُ مَفْسَدَةِ التَّحْرِيمِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَةَ إيجَابٍ، بَلْ أَعْظَمَ مِنْ أَصْلِ الْإِيجَابِ فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى الصَّحِيحِ فَتَقْدِيمُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ عِظَمُهَا عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ) قُلْت قَدْ تَبَيَّنَ أَنْ لَا مُعَاوَضَةَ لِأَنَّهَا أَصْلَانِ مُتَغَايِرَانِ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْمُعَارَضَةِ فَقَوْلُهُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ هُنَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَةَ السَّلَفِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ دَعْوَى وَلَا حُجَّةَ عَلَيْهَا إلَّا مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمَصَالِحَ أَوْصَافٌ ذَاتِيَّةٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ أَعْظَمُ مِمَّا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ مِنْ فُحْشِ الْخَطَأِ وَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ الَّتِي هِيَ فَوْقَ مَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ وَهَلْ فَوْقَ الْإِيجَابِ رُتْبَةٌ هِيَ أَعْلَى مِنْهُ هَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ وَفِي مَهْوَاةِ الِاعْتِزَالِ وَالتَّفَلْسُفِ تَوْرِيطٌ.
قَالَ (فَإِذَا وَقَعَ الْقَرْضُ لِيَجُرَّ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْبَسَائِطِ وَالْمَشْرُوطَةُ الْخَاصَّةُ أَخَصُّ الْمُرَكَّبَاتِ عَلَى وَجْهٍ اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّرْطَ السَّابِعَ يَتَضَمَّنُ الْإِطْلَاقَ الْعَامَّ وَالْأَعَمُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ فَافْهَمْ (الشَّرْطُ السَّادِسُ) أَنْ يَقْبَلَ أَيْ الْمُسْلَمُ فِيهِ النَّقْلَ حَتَّى يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدُّورِ قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ اتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِ السَّلَمِ فِيمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ الدُّورُ وَالْعَقَارُ وَعَلَى جَوَازِهِ فِي كُلِّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ يُسَلِّمُونَ الثِّمَارَ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَمَنَعَ ذَلِكَ دَاوُد وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مَصِيرًا إلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ وَالْعَدَدِ وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَنْضَبِطُ مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ فَمِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَالرَّقِيقُ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ إلَى أَنَّ السَّلَمَ فِيهِمَا جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ السَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِنَهْيِهِ أَيْضًا ﵊ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ مَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قِلَاصِ الصَّدَقَةِ فَأَخَذَ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ» .
وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بِكْرًا» قَالُوا، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا تُعَارِضُ الْآثَارَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَالثَّانِي تَرَدُّدُ الْحَيَوَانِ بَيْنَ أَنْ يُضْبَطَ بِالصِّفَةِ أَوْ لَا يُضْبَطُ فَمَنْ نَظَرَ إلَى تَبَايُنِ الْحَيَوَانِ فِي الْخَلْقِ وَالصِّفَاتِ وَبِخَاصَّةِ صِفَاتِ النَّفْسِ قَالَ لَا تَنْضَبِطُ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى تَشَابُهِهَا قَالَ تَنْضَبِطُ وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْبَيْضِ وَالدَّرِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِزْ أَبُو حَنِيفَةَ السَّلَمَ فِي الْبَيْضِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ بِالْعَدَدِ، وَكَذَلِكَ فِي اللَّحْمِ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ فِي الدَّرِّ وَالْغُصُوصِ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ اهـ.
(الشَّرْطُ السَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ فَلَا يُسْلَمُ فِي الْجُزَافِ قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ أَجْمَعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ أَيْ الْمُسْلَمُ فِيهِ مُقَدَّرًا لَا جُزَافًا، ثُمَّ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُقَدَّرًا لَا جُزَافًا وَالتَّقْدِيرُ فِي السَّلَمِ يَكُونُ بِالْكَيْلِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَيْلُ وَبِالْوَزْنِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْوَزْنُ وَبِالذَّرْعِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الذَّرْعُ وَبِالْعَدَدِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْعَدَدُ وَمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ أَحَدُ هَذِهِ التَّقْرِيرَاتِ انْضَبَطَ بِالصِّفَاتِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْجِنْسِ مَعَ ذِكْرِ الْجِنْسِ إنْ كَانَ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً أَوْ مَعَ تَرْكِهِ إنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا فَاشْتُرِطَ ذَلِكَ أَيْ التَّقْدِيرُ فِي الثَّمَنِ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الشَّافِعِيُّ وَلَا صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ قَالُوا، وَلَيْسَ يُحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ نَصٌّ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الْجُزَافِ إلَّا فِيمَا يَعْظُمُ الْغَرَرُ فِيهِ.
وَعِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ السَّلَمُ عِوَضٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِهِ كَالثَّمَنِ وَطَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ أَوْ الصِّفَةُ وَالْأَوَّلُ يَمْتَنِعُ فَتَعَيَّنَ الْوَصْفُ اهـ.
(الشَّرْطُ الثَّامِنُ) ضَبْطُ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَخْتَلِفُ الْمَالِيَّةُ
стр. 752
نَفْعًا بَطَلَتْ مَصْلَحَةُ الْإِحْسَانِ بِالْمُكَايَسَةِ فَتَبْقَى مَفْسَدَةُ الرِّبَا سَلِيمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ الرِّبَا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا التَّحْرِيمُ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُمَا خَالَفَا مَقْصُودَ الشَّارِعِ وَوَاقِعًا مَا لِلَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ وَجْهُ تَحْرِيمِ مَا لَا رِبَا فِيهِ كَالْعُرُوضِ وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي التَّحْرِيمِ.
. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي الشَّرْطِ الثَّانِي قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ فِي ضَبْطِ هَذَا الشَّرْطِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ إنْ خَالَفَ الثَّمَنَ جِنْسًا وَمَنْفَعَةً جَازَ لِبُعْدِ التُّهْمَةِ أَوْ اتَّفَقَا امْتَنَعَ إلَّا أَنْ يُسَلَّمَ الشَّيْءُ فِي مِثْلِهِ، فَيَكُونُ قَرْضًا بِلَفْظِ السَّلَمِ فَيَجُوزُ، وَإِذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لِلدَّافِعِ امْتَنَعَ اتِّفَاقًا وَإِنْ دَارَتْ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ فَكَذَلِكَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فَإِنْ تَمَحَّضَتْ لِلْقَابِضِ فَالْجَوَازُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْمَنْعُ لِصُورَةِ الْمُبَايَعَةِ وَلِلْمُسْلِفِ رَدُّ الْعَيْنِ وَهَا هُنَا اشْتَرَطَ الدَّافِعُ رَدَّ الْمِثْلِ فَهُوَ غَرَضٌ لَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَقَوْلَانِ الْجَوَازُ لِلِاخْتِلَافِ وَالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْأَعْيَانِ مَنَافِعُهَا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دُونَ الْجِنْسِ جَازَ لِتَحَقُّقِ الْمُبَايَعَةِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ وَهُوَ الضَّمَانُ بِجُعْلٍ فِي بَيَانِ سِرِّهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
نَفْعًا بَطَلَتْ مَصْلَحَةُ الْإِحْسَانِ بِالْمُكَايَسَةِ فَتَبْقَى مَفْسَدَةُ الرِّبَا سَلِيمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ فِيمَا يَحْرُمُ بِهِ الرِّبَا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا التَّحْرِيمُ) قُلْت إذَا دَخَلَ غَرَضُ انْتِفَاعِ الْمُسْلِفِ بَطَلَتْ حَقِيقَةُ السَّلَفِ كَمَا قَالَ وَلَا مَدْخَلَ لِلْمُعَارَضَةِ هُنَا؛ لِأَنَّهُمَا أَصْلَانِ مُتَغَايِرَانِ عَلَى مَا سَبَقَ قَالَ (وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُمَا خَالَفَا مَقْصُودَ الشَّارِعِ وَأَوْقَعَا مَا لِلَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ وَجْهُ تَحْرِيمٍ مَا لَا رِبًا فِيهِ كَالْعُرُوضِ وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي التَّحْرِيمِ) قُلْت فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَتَقْسِيمٍ لَا كَلَامَ مَعَهُ فِيهِ وَمَا قَالَهُ بَعْدَهَا إلَى آخِرِ الْفَرْقِ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِاخْتِلَافِهَا نَفْيًا لِلْغَرَرِ أَيْ أَوْصَافُ الْمُسْلَمِ فِيهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْأَثْمَانُ عِنْدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ اخْتِلَافًا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً كَالنَّوْعِ أَيْ الصِّنْفُ كَرُومِيٍّ وَحَبَشِيٍّ وَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ وَالتَّوَسُّطِ فِي كُلِّ مُسْلَمٍ فِيهِ وَاللَّوْنُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ وَالْعَسَلِ وَمَرْعَاهُ وَفِي التَّمْر وَالْحُوتِ وَالنَّاحِيَةِ وَالْقَدْرِ وَفِي الْبُرِّ وَجِدَّتِهِ وَمَلَئِهِ إنْ اخْتَلَفَ الثَّمَنُ بِهِمَا وَسَمْرَاءَ وَمَحْمُولَةٌ بِبَلَدِهِمَا بِهِ، وَلَوْ بِالْحَمْلِ بِخِلَافِ مُصَرِّفًا لِمَحْمُولَةِ وَالشَّامُ فَالسَّمْرَاءُ وَنَفْيُ الْغَلَتِ وَفِي الْحَيَوَانِ وَسِنِّهِ وَالذُّكُورَةِ وَالسِّنِّ وَضِدَّيْهِمَا وَفِي اللَّحْمِ وَخَصِيًّا وَرَاعِيًا وَمَعْلُوفًا لَا مِنْ كَجَنْبٍ وَفِي الرَّقِيقِ وَالْقَدِّ وَالْبَكَارَةِ وَاللَّوْنِ وَكَالدَّعَجِ وَتَكَلْثُمِ الْوَجْهِ وَفِي الثَّوْبِ وَالرِّقَّةِ وَالصَّفَاقَةِ وَضِدَّيْهِمَا وَفِي الزَّيْتِ الْمُعْصَرِ مِنْهُ وَبِمَا يُعْصَرُ اُنْظُرْ خَلِيلًا وَشُرَّاحَهُ وَبِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَشَرْحِهِ.
(الشَّرْطُ التَّاسِعُ) أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا فَيَمْتَنِعُ السَّلَمُ الْحَالُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِلَا خِلَافٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ وَعَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يَتَخَرَّجُ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ جَوَازُ السَّلَمِ الْحَالِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ مُحْتَجًّا ﵁ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَثَانِيًا بِأَنَّهُ ﵊ «اشْتَرَى جَمَلًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةُ. فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ لَمْ يَجِدْ التَّمْرَ فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ إنِّي لَمْ أَجِدْ التَّمْرَ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَاغَدْرَاه فَاسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسْقًا وَأَعْطَاهُ»
فَجَعَلَ الْجَمَلَ قُبَالَةَ وَسْقٍ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ السَّلَمُ الْحَالُّ وَثَالِثًا بِالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ وَرَابِعًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْبُيُوعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْأَجَلُ وَخَامِسًا بِأَنَّ السَّلَمَ إذَا جَازَ مُؤَجَّلًا فَلْيَجُزْ مُنَجَّزًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلْغَرَرِ وَجَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» أَخَصَّ مِنْ الْآيَةِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا وَهُوَ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَجَوَابُ الثَّانِي إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ سَلَمٌ كَيْفَ، وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى تَمْرٍ مُعَيَّنٍ مَوْصُوفٍ إذْ لَا يُقَالُ فِي الَّذِي فِي الذِّمَّةِ لَمْ أَجِدْ شَيْئًا لِتَيَسُّرِهِ بِالشِّرَاءِ لَكِنْ لَمَّا رَأَى رَغْبَةَ الْبَدْوِيِّ فِي التَّمْرِ اقْتَرَضَ لَهُ تَمْرًا آخَرَ عَلَى أَنَّهُ أَدْخَلَ الْبَاءَ عَلَى التَّمْرِ، فَيَكُونُ ثَمَنًا لَا مَثْمُونًا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ مِنْ خَصَائِصِ الثَّمَنِ وَجَوَابُ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ أَنَّ الثَّابِتَ فِيهَا التَّبَايُنُ لَا الشَّرِكَةُ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسٌ بِدُونِهَا أَمَّا فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ فَبِوَجْهَيْنِ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مَوْضُوعُ الْبَيْعِ الْمُكَايَسَةُ وَالتَّعْجِيلُ يُنَاسِبُهَا وَمَوْضُوعُ السَّلَمِ الرِّفْقُ وَالتَّأْجِيلُ يُنَاسِبُهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ التَّعْجِيلَ يُنَافِي مَوْضُوعَ السَّلَمِ وَبِهِ يَبْطُلُ مَدْلُولُ الِاسْمِ وَالتَّأْجِيلُ لَا يُنَافِي مَوْضُوعَ الْبَيْعِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ مَدْلُولُ الِاسْمِ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةِ الْبَيْعِ فِي الْمُكَايَسَةِ بِالتَّأْجِيلِ وَلَمْ تَصِحَّ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةِ السَّلَمِ فِي الرِّفْقِ بِالتَّعْجِيلِ.
وَأَمَّا فِي الْخَامِسِ فَلِأَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ فَرْعُ الشَّرِكَةِ وَالرِّفْقُ الَّذِي يَحْصُلُ بِالتَّأْجِيلِ لَا يَحْصُلُ بِالْحُلُولِ فَكَيْفَ يَقُولُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا حُصُولَ الرِّفْقِ بِالْحُلُولِ أَيْضًا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْغَرَرِ مَعَ الْحُلُولِ، بَلْ الْحُلُولُ فِي السَّلَمِ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى بَيْعِهِ مُعَيَّنًا حَالًا فَعُدُولُهُ إلَى السَّلَمِ قَصْدٌ لِلْغَرَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَالْأَجَلُ بِعَيْنِهِ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَالْحُلُولُ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيُعَيَّنُ الْغَرَرُ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْمُعَيَّنِ أَكْثَرُ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ لَعَيَّنَهُ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الثَّمَنِ فَيَنْدَرِجُ الثَّمَنُ الْحَالُّ فِي الْغَرَرِ فَيَمْتَنِعُ قَوْلُهُ أَنَّ جَوَازَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْقِيَاسِ عَزِيزٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَظُنُّونَ بِهَذَا الْقِيَاسِ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَوَازَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَيَحْكُونَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ -
стр. 753
وَذَلِكَ بَيَانُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْمُعَاوَضَةِ كَالْبُرِّ وَالْأَنْعَامِ وَقِسْمٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ لِلْمُعَاوَضَةِ كَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْقُبْلَةِ وَالتَّعَانُقِ مِنْ الْمَنَافِعِ وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلَى الْمَحَاسِنِ، وَلِذَلِكَ لَا نُوجِبُ فِيهَا عِنْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ شَرْعًا، وَلَوْ كَانَتْ تَقْبَلُ الْقِيمَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَوَجَبَتْ عِنْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ الشَّرْعِيَّةِ وَمِنْهَا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَقْبَلُ الْمُعَاوَضَةَ أَمْ لَا كَالْأَزْبَالِ وَأَرْوَاثِ الْحَيَوَانِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ مِنْ الْمَنَافِعِ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَالضَّمَانُ فِي الذِّمَمِ مِنْ قَبِيلِ مَا مَنَعَ الشَّرْعُ الْمُعَاوَضَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً لِلْعُقَلَاءِ كَالْقُبْلَةِ، وَأَنْوَاعُ الِاسْتِمْتَاعِ مَقْصُودَةٌ لِلْعُقَلَاءِ وَلَا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا فَإِنَّ صِحَّةَ الْمُعَاوَضَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ أَوْ يُسْتَدَلُّ بِالدَّلِيلِ النَّافِي لِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى تِلْكَ الصُّوَرِ.
. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فِي الشَّرْطِ التَّاسِعِ وَهُوَ مَنْعُ السَّلَمِ الْحَالِّ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ ﵃ أَجْمَعِينَ - احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ؛ وَلِأَنَّهُ ﵇ «اشْتَرَى جَمَلًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِيرَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ لَمْ يَجِدْ التَّمْرَ فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ إنِّي لَمْ أَجِدْ التَّمْرَ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَاغَدْرَاهُ فَاسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسْقًا وَأَعْطَاهُ» فَجَعَلَ الْجَمَلَ قُبَالَةَ وَسْقٍ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ السَّلَمُ الْحَالُّ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْبُيُوعِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا الْبَحْثِ انْعِكَاسُهُ عَلَيْهِمْ وَظَهَرَ أَنَّهُ غَرَرٌ لَا أَنَّهُ أَنْفَى لِلْغَرَرِ، بَلْ أَوْجَدُ لِلْغَرَرِ، ثُمَّ نَقُولُ هُوَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي السَّلَمِ فَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ كَالثَّمَنِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْأَجَلُ كَانَ مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ نَعَمْ وَذَهَبَ اللَّخْمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى التَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ السَّلَمَ فِي الْمَذْهَبِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ سَلَمٌ حَالٌّ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مِمَّنْ شَأْنُهُ بَيْعُ تِلْكَ السِّلْعَةِ وَسَلَمٌ مُؤَجَّلٌ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ بَيْعُ تِلْكَ السِّلْعَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَجَلِ فِي مَوْضِعَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) هَلْ يُقَدَّرُ بِغَيْرِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ مِثْلُ الْجُذَاذِ وَالْقِطَافِ وَالْحَصَادِ وَالْمَوْسِمِ
(وَالثَّانِي) فِي مِقْدَارِ زَمَنِ الْأَيَّامِ وَتَحْصِيلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مِقْدَارِهِ مِنْ الْأَيَّامِ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يَقْتَضِي بَلَدَ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَضَرْبٌ يَقْتَضِي بِغَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ السَّلَمُ فَإِنْ اقْتَضَاهُ فِي الْبَلَدِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ أَجَلٌ تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَسْوَاقُ وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهَا وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ بِهِ إلَى الْيَوْمِ الْوَاحِدِ.
وَأَمَّا مَا يُقْتَضَى بِبَلَدٍ آخَرَ فَإِنَّ الْأَجَلَ عِنْدَهُمْ فِيهِ هُوَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ الَّتِي بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَنْ جَعَلَ الْأَجَلَ شَرْطًا غَيْرَ مُعَلَّلٍ اشْتَرَطَ مِنْهُ أَقَلَّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطًا مُعَلَّلًا بِاخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ اشْتَرَطَ مِنْ الْأَيَّامِ مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَسْوَاقُ غَالِبًا.
وَأَمَّا الْأَجَلُ إلَى الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فَمَنْ رَأَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ الَّذِي يَكُونُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْآجَالِ يَسِيرٌ جَازَ ذَلِكَ إذْ الْغَرَرُ الْيَسِيرُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ وَشَبَّهَهُ بِالِاخْتِلَافِ الَّذِي يَكُونُ فِي الشُّهُورِ مِنْ قِبَلِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ كَثِيرٌ وَإِنَّمَا كَثُرَ مِنْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ نُقْصَانِ الشُّهُورِ لَمْ يُجِزْهُ هَذَا مَا فِي الْأَصْلِ وَالْبِدَايَةِ وَقَيَّدَ ابْنُ حَنْبَلٍ الْأَجَلَ بِقَيْدَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ عَادَةً كَالشَّهْرِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ قَالَ وَفِي الْكَافِي أَوْ نِصْفُهُ أَوْ نَحْوُهُ هـ وَفِي شَرْحِهِ وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَمَا قَارَبَ الشَّهْرَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يُمَثِّلُ بِالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ أَقَلُّهُ شَهْرٌ
(الشَّرْطُ الْعَاشِرُ) أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا نَفْيًا لِلْغَرَرِ قَالَ الْخَرَشِيُّ وَاشْتُرِطَ فِي الْأَجَلِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِيُعْلَمَ مِنْهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ قَضَاءُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَالْأَجَلُ الْمَجْهُولُ غَيْرُهُ مُقَيَّدٌ، بَلْ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ اهـ. وَفِي الْإِقْنَاعِ مَعَ شَرْحِهِ وَأَنَّ شَرْطَهُ إلَى الْعِيدِ أَوْ إلَى رَبِيعٍ أَوْ إلَى جُمَادَى أَوْ إلَى النَّفْرِ مِنْ مِنًى وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ شَيْئَانِ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ حَتَّى يُعَيَّنَ أَحَدُهُمَا لِلْجَهَالَةِ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْت الْخِلَافَ فِي تَقْدِيرِهِ بِغَيْرِ الْأَيَّامِ مِثْلُ الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ وَنَحْوِهِمَا فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَا أَحْمَدُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِقْنَاعِ الْمُتَقَدِّمِ (الشَّرْطُ الْحَادِي عَشَرَ) أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ زَمَنَ وُجُودِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَلَا يُسْلَمُ فِي فَاكِهَةِ الصَّيْفِ لِيَأْخُذَهَا فِي الشِّتَاءِ قَالَ الْخَرَشِيُّ الشَّرْطُ وُجُودُهُ أَيْ الْمُسْلَمُ فِيهِ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ، وَلَوْ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الْأَجَلِ، بَلْ، وَلَوْ انْقَطَعَ فِي الْأَجَلِ مَا عَدَا وَقْتَ الْقَبْضِ، بَلْ، وَلَوْ انْقَطَعَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ نَادِرًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ اهـ بِزِيَادَةٍ مِنْ الْعَدَوِيِّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ لَمْ يَشْتَرِطْ مَالِكٌ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ عَقَدَ السَّلَمَ، وَقَالُوا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي غَيْرِ وَقْتِ إبَّانِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَّا فِي إبَّانِ الشَّيْءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْإِبَّانَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُسْلِمُونَ فِي الثَّمَرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَأَقَرَّ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْهُوا عَنْهُ» وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ مَا رُوِيَ
стр. 754
لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْأَجَلُ؛ وَلِأَنَّ السَّلَمَ إذَا جَازَ مُؤَجَّلًا فَلْيَجُزْ مُنَجَّزًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلْغَرَرِ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْآيَةِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا وَهُوَ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَعَنْ الثَّانِي إنْ صَحَّ، فَلَيْسَ يُسْلَمُ، بَلْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى تَمْرٍ مُعَيَّنٍ مَوْصُوفٍ فَلِذَلِكَ قَالَ لَمْ أَجِدْ شَيْئًا، وَاَلَّذِي فِي الذِّمَّةِ لَا يُقَالُ فِيهِ ذَلِكَ لِتَيَسُّرِهِ بِالشِّرَاءِ، لَكِنْ لَمَّا رَأَى رَغْبَةَ الْبَدْوِيِّ فِي التَّمْرِ اقْتَرَضَ لَهُ تَمْرًا آخَرَ؛ وَلِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْبَاءَ عَلَى التَّمْرِ، فَيَكُونُ ثَمَنًا لَا مَثْمُونًا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ مِنْ خَصَائِصِ الثَّمَنِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ لِلْمُكَايَسَةِ، وَالتَّعْجِيلُ يُنَاسِبُهَا وَالسَّلَمُ مَوْضُوعُهُ الرِّفْقُ وَالتَّأْجِيلُ يُنَاسِبُهُ وَالتَّعْجِيلُ يُنَافِيهِ وَيَبْطُلُ مَدْلُولُ الِاسْمِ بِالْحُلُولِ فِي السَّلَمِ وَلَا يَبْطُلُ مَدْلُولُ الْبَيْعِ بِالتَّأْجِيلِ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةِ الْبَيْعِ فِي الْمُكَايَسَةِ بِالتَّأْجِيلِ، وَلَمْ تَصِحَّ مُخَالَفَةُ السَّلَمِ بِالتَّعْجِيلِ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الرَّابِعِ، وَعَنْ الْخَامِسِ أَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ فَرْعُ الشَّرِكَةِ وَلَا شَرِكَةَ هَا هُنَا، بَلْ التَّبَايُنُ؛ لِأَنَّهُ أَجَازَهُ مُؤَجَّلًا لِلرِّفْقِ، وَالرِّفْقُ لَا يَحْصُلُ بِالْحُلُولِ فَكَيْفَ يُقَالُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، بَلْ يَنْتَفِي أَلْبَتَّةَ سَلَّمْنَا أَنَّ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكًا لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْغَرَرِ مَعَ الْحُلُولِ، بَلْ الْحُلُولُ فِي السَّلَمِ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى بَيْعِهِ مُعَيَّنًا حَالًّا فَعُدُولُهُ إلَى السَّلَمِ قَصْدٌ لِلْغَرَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَالْأَجَلُ يُعِينُهُ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَالْحُلُولُ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيُعَيِّنُ الْغَرَرَ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْمُعَيَّنِ أَكْثَرُ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ لَعَيَّنَهُ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الثَّمَنِ فَيَنْدَرِجُ الثَّمَنُ الْحَالُّ فِي الْغَرَرِ فَيَمْتَنِعُ قَوْلُهُ أَنَّ جَوَازَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهَذَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تُسْلِمُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْغَرَرَ يَكُونُ فِيهِ أَكْثَرَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي حَالِ الْعَقْدِ وَكَأَنَّهُ يُشْبِهُ بَيْعَ مَا لَمْ يُخْلَقْ أَكْثَرَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُعَيَّنًا، وَهَذَا فِي الذِّمَّةِ وَبِهَذَا فَارَقَ السَّلَمُ بَيْعَ مَا لَمْ يُخْلَقْ اهـ. وَقَالَ الْأَصْلُ السَّلَمُ فِيمَا يَنْقَطِعُ فِي بَعْضِ الْأَجَلِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵃ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَاشْتَرَطَ اسْتِمْرَارَ وُجُودِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْقَبْضِ مُحْتَجًّا بِوُجُوهٍ
(الْأَوَّلُ) احْتِمَالُ مَوْتِ الْبَائِعِ فَيَحِلُّ السَّلَمُ بِمَوْتِهِ فَلَا يُوجِبُ الْمُسْلِمَ وَفِيهِ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ لَكَانَ الْأَجَلُ فِي السَّلَمِ مَجْهُولًا لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ كُلِّ سَلَمٍ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، بَلْ الْأَصْلُ عَدَمُ تَغْيِيرِ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ وَبَقَاءُ الْإِنْسَانِ إلَى حِينِ التَّسْلِيمِ فَإِنْ وَقَعَ الْمَوْتُ وَقَفَتْ التَّرِكَةُ إلَى الْإِبَّانِ فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْدُومًا قَبْلَ الْأَجَلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا عِنْدَهُ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ، فَيَكُونُ غَرَرًا فَيَمْتَنِعُ إجْمَاعًا وَجَوَابُهُ أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ مُعَارَضٌ بِالْغَالِبِ فَإِنَّ الْغَالِبَ وُجُودُ الْأَعْيَانِ فِي إبَّانِهَا
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ مَعْدُومٌ عِنْدَ الْعَقْدِ فَيَمْتَنِعُ كَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ إذَا كَانَ مَعْدُومًا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْعَدَمِ فِي السَّلَمِ إذْ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنْ الرِّفْقِ فِي السَّلَمِ إلَّا مَعَ الْعَدَمِ وَإِلَّا فَالْمَوْجُودُ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ السَّلَمِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ارْتِكَابِ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ ارْتِكَابُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ادِّعَاءِ وُجُودِهِ، بَلْ نَجْعَلُهُ سَلَمًا فَقِيَاسُ بَيْعِ السَّلَمِ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ فَلَا يَصِحُّ
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ الْمَعْدُومَ أَبْلَغُ فِي الْجَهَالَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ الْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّ الْمَجْهُولَ الْمَوْجُودَ لَهُ ثُبُوتٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ بِخِلَافِ الْمَعْدُومِ فَإِنَّهُ نَفْيٌ مَحْضٌ وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ الْمَوْجُودِ بَاطِلٌ قَطْعًا فَيَبْطُلُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى بَيْعُ الْمَعْدُومِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَالِيَّةَ مُنْضَبِطَةٌ مَعَ الْعَدَمِ بِالصِّفَاتِ وَهِيَ مَقْصُودُ عُقُودِ التُّهْمَةِ بِخِلَافِ الْجَهَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ تَمْنَعُهَا الْجَهَالَةُ دُونَ الْعَدَمِ فَيُنْتَقَضُ بِذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعُقُودِ آكَدُ مِنْ انْتِهَائِهَا بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ وَغَيْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ وَمُنَافَاةِ اشْتِرَاطِ أَجَلٍ مَعْلُومٍ فِيهِ وَهُوَ الْمُتْعَةُ فَيُنَافِي التَّحْدِيدُ أَوَّلَهُ دُونَ آخِرِهِ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا مَعَ شُرُوطٍ كَثِيرَةٍ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَعْدَ فَكُلَّمَا يُنَافِي أَوَّلَهُ يُنَافِي آخِرَهُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لُغَوِيٍّ وَالْعَدَمُ يُنَافِي آخِرَ الْأَجَلِ فَيُنَافِي أَوَّلَ الْعَقْدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَجَوَابُهُ إنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعُقُودِ آكَدُ مِنْ اسْتِمْرَارِ آثَارِهَا وَنَظِيرُهُ هَاهُنَا بَعْدَ الْقَبْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ مَا يُشْتَرَطُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ الْعَقْدِ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّسْلِيمِ وَعَدَمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَقْدِ مَعَ وُجُودِهِ عِنْدَ التَّسْلِيمِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمَالِيَّةِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ الْمَالِيَّةُ مَصُونَةٌ بِوُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّسْلِيمِ فَهَذَا الْعَمَلُ حِينَئِذٍ طَرْدِيٌّ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا فِي الِانْتِهَاءِ مُطْلَقًا.
بَلْ يَتَأَكَّدُ مَذْهَبُنَا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَهُمْ يُسْلِمُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ ﵊ مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» ، وَهَذَا يَدُلُّ لَنَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ ثَمَرَ السِّنِينَ مَعْدُومٌ وَثَانِيهَا أَنَّهُ ﵇ أَطْلَقَ وَلَمْ يُفَرِّقْ وَثَالِثُهَا أَنَّ الْوُجُودَ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَبَيَّنَهُ ﵇؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ أَوْ نَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ وَقَّتَ الْمُتَعَاقِدَانِ مَحَلًّا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ كَمَا بَعْدَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى
стр. 755
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْقِيَاسِ عَزِيزٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَظُنُّونَ بِهَذَا الْقِيَاسِ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَوَازَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَيَحْكُونَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا الْبَحْثِ انْعِكَاسُهُ عَلَيْهِمْ وَظَهَرَ أَنَّهُ غَرَرٌ لَا أَنَّهُ أَنْفَى لِلْغَرَرِ أَوْجَدُ لِلْغَرَرِ، ثُمَّ نَقُولُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي السَّلَمِ فَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ كَالثَّمَنِ
. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) فِي الشَّرْطِ الثَّانِي عَشَرَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيمَا يَنْقَطِعُ فِي بَعْضِ الْأَجَلِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَاشْتَرَطَ اسْتِمْرَارَ وُجُودِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْقَبْضِ مُحْتَجًّا بِوُجُودِهِ
(الْأَوَّلُ) احْتِمَالُ مَوْتِ الْبَائِعِ فَيُحْمَلُ السَّلَمُ بِمَوْتِهِ فَلَا يُوجَدُ الْمُسْلَمُ فِيهِ
(الثَّانِي) إذَا كَانَ مُعْدَمًا قَبْلَ الْأَجَلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْدَمًا عِنْدَهُ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ، فَيَكُونُ غَرَرًا فَيَمْتَنِعُ إجْمَاعًا
، (الثَّالِثُ) أَنَّهُ مَعْدُومٌ، وَعِنْدَ الْعَقْدِ فَيَمْتَنِعُ فِي الْمَعْدُومِ كَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ إذَا كَانَ مَعْدُومًا
(الرَّابِعُ) أَنَّ الْمَعْدُومَ أَبْلَغُ فِي الْجَهَالَةِ فَيَبْطُلُ قِيَاسًا عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَجْهُولَ الْمَوْجُودَ لَهُ ثُبُوتٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ بِخِلَافِ الْمَعْدُومِ هُوَ نَفْيٌ مَحْضٌ
(الْخَامِسُ) أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعُقُودِ آكَدُ مِنْ انْتِهَائِهَا بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ وَغَيْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ وَمُنَافَاةِ اشْتِرَاطِ أَجَلٍ مَعْلُومٍ فِيهِ وَهُوَ الْمُتْعَةُ فَيُنَافِي التَّحْدِيدَ أَوَّلَهُ دُونَ آخِرِهِ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا مَعَ شُرُوطٍ كَثِيرَةٍ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَعْدُ، فَكُلَّمَا يُنَافِي أَوَّلَهُ يُنَافِي آخِرَهُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْعَدَمُ يُنَافِي آخِرَ الْأَجَلِ فَيُنَافِي أَوَّلَ الْعَقْدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ لَكَانَ الْأَجَلُ فِي السَّلَمِ مَجْهُولًا لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ كُلِّ سَلَمٍ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، بَلْ الْأَصْلُ عَدَمُ تَغَيُّرِ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ بَقَاءُ الْإِنْسَانِ إلَى حِينِ التَّسْلِيمِ فَإِنْ وَقَعَ الْمَوْتُ وَقَفَتْ التَّرِكَةُ إلَى الْإِبَّانِ فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ مُعَارَضٌ بِالْغَالِبِ فَإِنَّ الْغَالِبَ وُجُودُ الْأَعْيَانِ فِي إبَّانِهَا، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْعَدَمِ فِي السَّلَمِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْغَائِبِ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ادِّعَاءِ وُجُودِهِ، بَلْ نَجْعَلُهُ سَلَمًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ارْتِكَابِ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ ارْتِكَابُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنْ الرِّفْقِ فِي السَّلَمِ إلَّا مَعَ الْعَدَمِ وَإِلَّا فَالْمَوْجُودُ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ السَّلَمِ، وَعَنْ الرَّابِعُ أَنَّ الْمَالِيَّةَ مُنْضَبِطَةٌ مَعَ الْعَدَمِ بِالصِّفَاتِ وَهِيَ مَقْصُودُ عُقُودِ التُّهْمَةِ بِخِلَافِ الْجَهَالَةِ، ثُمَّ يُنْتَقَضُ مَا ذَكَرْتُمْ بِالْإِجَارَةِ تَمْنَعُهَا الْجَهَالَةُ دُونَ الْعَدَمِ، وَعَنْ الْخَامِسِ إنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعُقُودِ آكَدُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ لَكِنْ آكَدُ مِنْ اسْتِمْرَارِ آثَارِهَا وَنَظِيرُهُ هَا هُنَا بَعْضُ الْقَبْضِ وَإِلَّا فَكُلُّ مَا يُشْتَرَطُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ الْعَقْدِ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّسْلِيمِ، وَعَدَمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَقْدِ مَعَ وُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّسْلِيمِ لَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى التَّسْلِيمِ إنَّمَا تُطْلَبُ فِي وَقْتٍ اقْتِضَائِهِ أَمَّا مَا لَا يَقْتَضِيهِ فَيَسْتَوِي فِيهِ قَبْلَ الْأَجَلِ لِتَوَقُّعِ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ لِتَعَذُّرِ الْوُجُودِ فَيَتَأَخَّرُ الْقَبْضُ فَكَمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُلْغًى إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ الْآخَرُ وَقِيَاسًا عَلَى بُيُوعِ الْآجَالِ قَبْلَ مَحَلِّهَا اهـ. بِتَصَرُّفٍ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
(الشَّرْطُ الثَّانِي عَشَرَ) أَنْ يَكُونَ مَأْمُونَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ الْأَجَلِ نَفْيًا لِلْغَرَرِ فَلَا يُسْلَمُ فِي الْبُسْتَانِ الصَّغِيرِ (لَا يُقَالُ) يُغْنِي عَنْ هَذَا الشَّرْطِ مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ الشَّخْصُ إذَا اشْتَرَى ثَمَرَ حَائِطٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ السَّلَمِ اُشْتُرِطَ فِيهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ
(أَحَدُهَا) الْإِزْهَاءُ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَهُ وَالزَّهْوُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ
(وَثَانِيهَا) سَعَةُ الْحَائِطِ لِإِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَى مِنْهُ وَانْتِفَاءِ الْغَرَرِ
(وَثَالِثُهَا) كَيْفِيَّةُ قَبْضِهِ مُتَوَالِيًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، وَقَدْرُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ لَا مَا شَاءَ
(وَرَابِعُهَا) أَنْ يُسْلَمَ لِمَالِكِهِ إذْ قَدْ لَا يُجِيزُ بَيْعَهُ الْمَالِكُ فَيَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ
(وَخَامِسُهَا) شُرُوعُهُ فِي الْأَخْذِ حِينَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ نَحْوِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا أَكْثَرَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتَلْزِمَ أَجَلُ الشُّرُوعِ صَيْرُورَتَهُ تَمْرًا وَإِلَّا فَسَدَ
(وَسَادِسُهَا) أَنْ يُشْتَرَطَ أَخْذُهُ لِكُلِّ مَا اشْتَرَاهُ حَالَ كَوْنِهِ بُسْرًا أَوْ رَطْبًا وَيَأْخُذُهُ بِالْفِعْلِ كَذَلِكَ فَيَفْسُدُ إنْ شَرَطَ تَتَمُّرَ الرُّطَبِ وَأَبْقَاهُ بِالْفِعْلِ عَلَى أُصُولِهِ حَتَّى يَتَتَمَّرَ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ التَّمْرِ فَيَدْخُلُهُ الْخَطَرُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا عَدَا كَيْفِيَّةَ قَبْضِهِ مِنْ الشُّرُوطِ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَالْبَنَّانِيِّ وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وكنون؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّفْرِقَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمَّا لَمْ تَكُنْ نَظَرًا لِحَقِيقَةِ السَّلَمِ، بَلْ كَانَتْ نَظَرًا لِلَفْظِهِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى كُلِّ بَيْعٍ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْحَائِطَ مُعَيَّنٌ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَحَقِيقَةُ السَّلَمِ لَا تَكُونُ فِي مُعَيَّنٍ كَمَا سَيَأْتِي لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَ هَذَا مُغْنِيًا عَنْهُ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ عَلَى هَذَا لَيْسَ شَرْطًا خَاصًّا بِلَفْظِ السَّلَمِ وَلَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِهِ وَشَرْطُ كَيْفِيَّةِ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِلَفْظِ السَّلَمِ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُهُ حَالًا مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ كَمَا فِي الْعَدَوِيِّ عَلَى الْخَرَشِيِّ فَافْهَمْ
(الشَّرْطُ الثَّالِثَ عَشَرَ) أَنْ يَكُونَ أَيْ الْمُسْلَمُ فِيهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُسْلَمُ فِي مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ سَلَمٌ فِي مُعَيَّنٍ بِتَأَخُّرِ قَبْضِهِ فَهُوَ غَرَرٌ قَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَى
стр. 756
مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمَالِيَّةِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ الْمَالِيَّةُ مَصُونَةٌ بِوُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّسْلِيمِ فَهَذَا الْعَمَلُ حِينَئِذٍ طَرْدِيٌّ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا فِي الِانْتِهَاءِ مُطْلَقًا، بَلْ يَتَأَكَّدُ مَذْهَبُنَا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَهُمْ يُسْلِمُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ ﵇ مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» ، وَهَذَا يَدُلُّ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا أَنَّ ثَمَرَ السِّنِينَ مَعْدُومٌ، وَثَانِيهَا أَنَّهُ ﵇ أَطْلَقَ وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَثَالِثُهَا أَنَّ الْوُجُودَ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَبَيَّنَهُ ﵇؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ أَوْ نَقُولُ إنَّهُ وَقْتٌ لَمْ يَجْعَلْهُ الْمُتَعَاقِدَانِ مَحَلًّا لِلسَّلَمِ فِيهِ فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ كَمَا بَعْدَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ إنَّمَا تُطْلَبُ فِي وَقْتِ اقْتِضَاءِ الْعَقْدِ لَهَا أَمَّا مَا لَا يَقْتَضِيهِ فَيَسْتَوِي فِيهِ قَبْلَ الْأَجَلِ لِتَوَقُّعِ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ لِتَعَذُّرِ الْوُجُودِ، فَيَتَأَخَّرُ الْقَبْضُ فَكَمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُلْغًى إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ الْآخَرُ وَقِيَاسًا عَلَى أَثْمَانِ بُيُوعِ الْآجَالِ قَبْلَ مَحَلِّهَا.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْخَرَشِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ حِين أَسْلَمَ فِي مُعَيَّنٍ صَارَ الضَّمَانُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا وَلَمَّا شَرَطَ تَأْخِيرَهُ فَقَدْ نَقَلَ الضَّمَانَ إلَى الْبَائِعِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَرَأْسُ الْمَالِ حِينَئِذٍ بَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ثَمَنًا وَبَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ جَعَالَةً قَالَ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُعَيَّنُ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِ فَفِيهِ بَيْعُ مُعَيَّنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ اهـ.
قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ السَّلَمَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الذِّمَّةِ وَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مُعَيَّنٍ نَعَمْ أَجَازَ مَالِكٌ السَّلَمَ فِي قَرْيَةٍ مُعَيَّنَةٍ إذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً وَكَأَنَّهُ رَآهَا مِثْلَ الذِّمَّةِ اهـ وَفِي عبق عَلَى الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ قِيلَ هَذَا الشَّرْطُ يُغْنِي عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَبْيِينِ صِفَاتِهِ وَلَا تَبْيِينَ فِي الْحَاضِرِ الْمُعَيَّنِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ التَّبْيِينَ إنَّمَا هُوَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ فَكَانَ يَنْبَغِي الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّبْيِينَ قَدْ يَكُونُ فِي غَائِبٍ مُعَيَّنٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَلِهَذِهِ اُحْتِيجَ لِهَذَا الشَّرْطِ اهـ
(الشَّرْطُ الرَّابِعَ عَشَرَ) تَعْيِينُ مَكَانِ الْقَبْضِ بِاللَّفْظِ أَوْ الْعَادَةِ نَفْيًا لِلْغَرَرِ قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ مَكَانِ دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَاشْتَرَطَهُ أَبُو حَنِيفَةَ تَشْبِيهًا بِالزَّمَانِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَفْضَلُ اشْتِرَاطُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَيْسَ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ اهـ.
فَاقْتَصَرَ الْأَصْلُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ مُعْتَمِدًا قَوْلَ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِي اصْطَفَى وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ السَّادَةِ الْقَادَةِ الْأَعْلَامِ هَذَا مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ مِنْ إتْمَامِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السُّنِّيَّةِ عَلَى مَا يُرَامُ وَأَسْأَلُ اللَّهَ بِوَجَاهَةِ وَجْهِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ ﷺ أَنْ يُبَلِّغَنِي إكْمَالَ الْجُزْءِ الرَّابِعِ لِيَكْمُلَ بِكَمَالِهِ الْمَقْصُودُ بِحُسْنِ الْخِتَامِ وَالْفَوْزِ بِرِضَا الْمَوْلَى الْكَرِيمِ الْمُتَفَضِّلِ بِجَزِيلِ الْإِنْعَامِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ لِمَا يُؤْمِلُهُ الْآمِلُ مِنْ فَضْلِهِ حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ.
стр. 757
الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْقَرْضِ وَقَاعِدَةِ الْبَيْعِ)
اعْلَمْ أَنَّ قَاعِدَةَ الْقَرْضِ خُولِفَتْ فِيهَا ثَلَاثُ قَوَاعِدَ شَرْعِيَّةٍ: قَاعِدَةُ الرِّبَا إنْ كَانَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ كَالنَّقْدَيْنِ وَالطَّعَامِ وَقَاعِدَةُ الْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ بَيْعُ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ مِنْ جِنْسِهِ إنْ كَانَ فِي الْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ وَقَاعِدَةُ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك فِي الْمِثْلِيَّاتِ، وَسَبَبُ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ مَصْلَحَةُ الْمَعْرُوفِ لِلْعِبَادِ فَلِذَلِكَ مَتَى خَرَجَ عَنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ امْتَنَعَ إمَّا لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةِ الْمُقْرِضِ أَوْ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالسَّلَفِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَعْرُوفِ مَعَ تَعَيُّنِ الْمَحْذُورِ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ.
(سُؤَالٌ) الْعَارِيَّةُ مَعْرُوفٌ كَالْقَرْضِ، وَإِذَا وَقَعَتْ إلَى أَجَلٍ بِعِوَضٍ جَازَتْ، وَإِنْ خَرَجَتْ بِذَلِكَ عَنْ الْمَعْرُوفِ فَلِمَ لَا يَكُونُ الْقَرْضُ كَذَلِكَ إذَا خَرَجَ بِالْقَصْدِ إلَى نَفْعِ الْمُقْرِضِ عَنْ الْمَعْرُوفِ يَجُوزُ.
(جَوَابُهُ) إذَا وَقَعَتْ الْعَارِيَّةُ بِعِوَضٍ صَارَتْ إجَارَةً، وَالْإِجَارَةُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا الرِّبَا وَلَا تِلْكَ الْمَفَاسِدُ الثَّلَاثُ، وَالْقَرْضُ بِالْعِوَضِ بَيْعٌ فَيُتَصَوَّرُ فِيهِ الرِّبَا، وَكَذَلِكَ إذَا وَقَعَ الْقَرْضُ فِي الْعُرُوضِ هُوَ رِبًا فَيَحْرُمُ لِلْآيَةِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ)
اعْلَمْ أَنَّ الصُّلْحَ فِي الْأَمْوَالِ دَائِرٌ بَيْنَ خَمْسَةِ أُمُورٍ: الْبَيْعُ إذَا كَانَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْ أَعْيَانٍ، وَالصَّرْفُ إنْ كَانَ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَالْإِجَارَةُ إنْ كَانَ عَنْ مَنَافِعَ، وَدَفْعُ الْخُصُومَةِ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْإِحْسَانُ، وَهُوَ مَا يُعْطِيهِ الْمُصَالِحُ مِنْ غَيْرِ الْجَانِي. فَمَتَى تَعَيَّنَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ رُوعِيَتْ فِيهِ شُرُوطُ ذَلِكَ الْبَابِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» ، وَيَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يَجُوزُ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَاحْتَجَّ بِوُجُوهٍ:
(الْأَوَّلُ) أَنَّهُ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصُّلْحِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ)
قُلْت مَا قَالَهُ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْدِ فَرْقًا بَيْنَ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ الصُّلْحِ، وَكَلَامُهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْقَرْضِ وَقَاعِدَةِ الْبَيْعِ]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نَعْمَائِهِ الْمُزْهِرَةِ الرِّيَاضِ وَآلَائِهِ الْمُتْرَعَةِ الْحِيَاضِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُوَضِّحِ مَحَجَّةِ الدِّينِ بِأَبْيَنِ حُجَّةٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْمُهْتَدِينَ إلَى تَشْيِيدِ قَوَاعِدِ الْحَقِّ وَقَمْعِ كُلِّ لُجَّةٍ أَمَّا بَعْدُ:
فَأَسْأَلُ اللَّهَ بِوَجَاهَةِ وَجْهِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ أَنْ يُسَهِّلَ لِي تَكْمِيلَ هَذَا الْجُزْءِ كَمَا يَسَّرَ لِي تَكْمِيلَ مَا قَبْلَهُ عَلَى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْقَرْضِ وَقَاعِدَةِ الْبَيْعِ)
الْقَرْضُ فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ، وَسُمِّيَ الْمَدْلُولُ الشَّرْعِيُّ قَرْضًا لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ مَالِ الْمُقْرِضْ أَيْ ذُو قِطْعَةٍ مِنْهُ، وَفِي الشَّرْعِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ تَمْلِيكُ شَيْءٍ عَلَى أَنْ يُرَدَّ بَدَلُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ دَفْعُ مُتَمَوَّلٍ فِي عِوَضٍ غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُ لَا عَاجِلًا تَفَضُّلًا فَقَطْ لَا يُوجِبُ إمْكَانَ عَارِيَّةٍ لَا تَحِلُّ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ اهـ.
قَالَ
стр. 758
لَيْسَ عَنْ مَالٍ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ، وَلَا عَنْ الْيَمِينِ، وَإِلَّا لَجَازَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَهُ، وَلَجَازَ أَخْذُ الْعَقَارِ بِالشُّفْعَةِ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ بِغَيْرِ مَالٍ، وَلَا هُوَ مِنْ الْخُصُومَةِ، وَإِلَّا لَجَازَ عَنْ النِّكَاحِ وَالْقَذْفِ.
(الثَّانِي) أَنَّهُ عَاوَضَ عَنْ مِلْكِهِ فَيَمْتَنِعُ كَشِرَاءِ مَالِهِ مِنْ وَكِيلِهِ.
(الثَّالِثُ) أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ كَالْبَيْعِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ بِحَقٍّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ثُبُوتِهِ عَدَمُهُ. نَعَمْ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُ ذَلِكَ الْمَالِ، وَأَمَّا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَةُ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ تَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ حَلَّفَ خَصْمَهُ، وَلَهُ بَيِّنَةَ فَلَهُ إقَامَتُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ الْعُذْرِ وَعِنْدَ أَشْهَبَ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الْقَذْفُ فَلَا مَدْخَلَ لِلْمَالِ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الصُّلْحُ مَعَ الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَنَلْتَزِمُ الْجَوَازَ فِي النِّكَاحِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الزَّوْجِيَّةَ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُوجِبُ عَلَيْهَا الْيَمِينَ فَتَفْتَدِي بِيَمِينِهَا، وَنَلْتَزِمُ الشُّفْعَةَ، وَعَنْ الثَّانِي بِالْفَرْقِ بِأَنَّهُ مَعَ وَكِيلِهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَالِهِ بِخِلَافِ صُورَةِ النِّزَاعِ فَإِنَّهَا لِدَرْءِ مَفْسَدَةِ الْخُصُومَةِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الضَّرُورَةَ هُنَا تَدْعُوَا لِلْجَهْلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مِيرَاثًا مِنْ جِهَةِ مُوَرِّثٍ صَحَّ الصُّلْحُ فِيهِ مَعَ الْجَهْلِ، وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ يَقُولُ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَيَأْخُذُ قَدْرَ حَقِّهِ فَكَيْفَ يَمْنَعُ مَعَ الْمُوَافَقَةِ مِنْ الْخَصْمِ عَلَى الْأَخْذِ، وَيَتَأَكَّدُ قَوْلُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] وَغَيْرِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى بَذْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي فِدَاءِ الْأَسَارَى وَالْمُخَالَعَةِ وَالظَّلَمَةِ وَالْمُحَارَبِينَ وَالشُّعَرَاءِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا لِدَرْءِ الْخُصُومَةِ، وَلِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِلْمُطَالَبَةِ فَيَكُونُ مَعَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ كَالْإِبْرَاءِ، وَيَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ كَالصُّلْحِ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ مَعَ الْإِنْكَارِ فَصَحَّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَيْهَا.
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْلَكُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُمْلَكُ مِنْهَا بِالْإِجَارَاتِ) فَأَقُولُ مَتَى اجْتَمَعَتْ فِي الْمَنْفَعَةِ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ مُلِكَتْ بِالْإِجَارَةِ، وَمَتَى انْخَرَمَ مِنْهَا شَرْطٌ لَا تُمْلَكُ الْأَوَّلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْلَكُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُمْلَكُ مِنْهَا بِالْإِجَارَاتِ إلَى قَوْلِهِ نَعَمْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ وَالشُّفْعَةِ فِي الْأَرَضِينَ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ)
قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الرَّهُونِيُّ وَكَنُونِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ عَلَى الْمِسْنَاوِيِّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ تَمْلِيكُ مُتَمَوِّلٍ إلَخْ لِأَنَّ الْقَرْضَ يُوجَدُ قَبْلَ الدَّفْعِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ اهـ قَالَ الْخَرَشِيُّ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ مُتَمَوَّلٌ مَا لَيْسَ بِمُتَمَوَّلٍ أَيْ كَقِطْعَةِ نَارٍ إذْ دَفْعُهُ لَيْسَ بِقَرْضٍ إذْ لَا يُقْرَضُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ فِي عِوَضٍ أَخْرَجَ بِهِ دَفْعَهُ هِبَةً، وَقَوْلُهُ غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُ أَيْ لِذَلِكَ الْمُتَمَوِّلِ، وَقَوْلُهُ لَا عَاجِلًا أَخْرَجَ بِهِ الْمُبَادَلَةَ الْمِثْلِيَّةَ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهَا كَمَا يَصْدُقُ عَلَى الْقَرْضِ الْفَاسِدِ لَوْلَا أَنْ يَخُصَّ الصَّحِيحَ بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ تَفَضُّلًا فَقَطْ إلَخْ أَيْ حَالَ كَوْنِ الدَّفْعِ تَفَضُّلًا بِأَنْ يَقْصِدَ الْمُسَلِّفُ نَفْعَ الْمُتَسَلِّفِ فَقَطْ لَا نَفْعَهُ، وَلَا نَفْعَهُمَا، وَلَا نَفْعَ أَجْنَبِيٍّ بِأَنْ يَقْصِدَ بِالدَّفْعِ لِزَيْدٍ نَفْعَ عَمْرٍو، وَلِكَوْنِ عَمْرٍو يَعُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْقَرْضِ كَأَنْ يَكُونَ لِعَمْرٍو دَيْنٌ عَلَى زَيْدٍ فَيُقْرِضَ زَيْدًا لِأَجْلِ أَنْ يَدْفَعَ لِعَمْرٍو دَيْنَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ سَلَفٌ فَاسِدٌ فَانْدَفَعَ تَنْظِيرُ الْبُنَانِيِّ فِي الْحَدِّ بِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ الصُّوَرَ الْفَاسِدَةَ، وَشَأْنُ التَّعْرِيفِ شُمُولُ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ اهـ.
فَافْهَمْ، وَقَوْلُهُ لَا يُوجِبُ إلَخْ أَيْ حَالَ كَوْنِ الدَّفْعِ لَا يُوجِبُ إمْكَانَ نَفْسِ الْعَارِيَّةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ احْتِرَازًا مِنْ قَرْضٍ يُوجِبُ إمْكَانَ الْعَارِيَّةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ فَلَا يَجُوزُ قَرْضُ جَارِيَةٍ تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَارِيَّةِ الْفُرُوجِ اهـ.
بِزِيَادَةٍ مِنْ الْعَدَوِيِّ عَلَيْهِ، وَفِي الرَّهُونِيِّ وَكَنُونِ قَالَ الْحَطَّابُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ قَرْضِ جَارِيَةٍ تَحِلُّ إلَخْ مَا لَوْ أَمَرَتْ شَخْصًا يَبْتَاعُ لَك عَبْدَ فُلَانٍ مَثَلًا بِجَارِيَتِهِ هَذِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْك مِثْلُهَا، وَكَذَا لَوْ أَمَرْتَهُ أَنْ يَقْضِيَ عَنْك دَيْنًا بِهَا، وَيَكُونُ عَلَيْك مِثْلُهَا إذْ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا غَايَةُ الْفُرُوجِ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ لِيَدِ الْمُسْتَقْرِضِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، وَرُبَّمَا أَلْغَزَتْ فَيُقَالُ أَيْنَ يَجُوزُ قَرْضُ الْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ مِنْهَا فَيُقَالُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْ الْأُولَى أَوْ تَقْضِي عَنْهُ فِي الدَّيْنِ اهـ.
أَيْ الَّتِي هِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ الْبُنَانِيُّ فِي التَّوْضِيحِ أَجَازَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْحَمْدِيسِيَّةِ قَرْضَهُنَّ أَيْ الْجَوَارِي إذَا اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرُدَّ عَيْنَهَا، وَإِنَّمَا يَرُدَّ مِثْلَهَا ثُمَّ قَالَ وَعَلَى هَذَا، وَهُوَ نَفْلُ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ لَا تَبْعُدُ مُوَافَقَتُهُ لِلْمَشْهُورِ اهـ.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اهـ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ وَقَوْلُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ صِفَةٌ لِمُتَمَوَّلٍ فَيَجُوزُ جَرُّهُ وَنَصْبُهُ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مُتَمَوَّلٍ وَلِمَحَلِّهِ اهـ قَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى زُورٌ بِمَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ مُتَعَلِّقٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا عَاجِلًا، وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ اهـ وَبِالْجُمْلَةِ قَالَ الْبُنَانِيُّ عَلَى عبق إنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ أَنْ يُسْلَمَ فِيهِ إلَّا الْجَوَارِي يَصِحُّ أَنْ يُقْرَضَ، وَكُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يُقْرَضَ يَصِحُّ أَنْ يُسْلَمَ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْعَكْسَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ، وَلَا يَصِحُّ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ الْقَوْلُ بِأَنَّ جَلْدَ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ يَصِحُّ قَرْضُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْلَمَ فِيهِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ
стр. 759
الْإِبَاحَةُ احْتِرَازًا مِنْ الْغِنَاءِ، وَآلَاتِ الطَّرَبِ وَنَحْوِهِمَا. الثَّانِي قَبُولُ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُعَاوَضَةِ احْتِرَازًا مِنْ النِّكَاحِ. الثَّالِثُ كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مُتَقَوِّمَةً احْتِرَازًا مِنْ التَّافِهِ الْحَقِيرِ الَّذِي لَا يُقَابَلُ بِالْعِوَضِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِئْجَارِ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً احْتِرَازًا مِنْ الْأَوْقَافِ عَلَى السُّكْنَى كَبُيُوتِ الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِقِ. الْخَامِسُ أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ احْتِرَازًا مِنْ إجَارَةِ الْأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا أَوْ الْغَنَمِ لِنِتَاجِهَا، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ إجَارَةُ الْمُرْضِعِ لِلَبَنِهَا لِلضَّرُورَةِ فِي الْحَضَانَةِ. السَّادِسُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا احْتِرَازًا مِنْ اسْتِئْجَارِ الْأَخْرَسِ لِلْكَلَامِ. السَّابِعُ أَنْ تَحْصُلَ لِلْمُسْتَأْجِرِ احْتِرَازًا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْإِجَارَةِ عَلَيْهَا كَالصَّوْمِ، وَنَحْوِهِ. الثَّامِنُ كَوْنُهَا مَعْلُومَةً احْتِرَازًا مِنْ الْمَجْهُولَاتِ مِنْ الْمَنَافِعِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ آلَةً لَا يَدْرِي مَا يَعْمَلُ بِهَا أَوْ دَارًا مُدَّةً غَيْرَ مَعْلُومَةٍ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ إذَا اجْتَمَعَتْ جَازَتْ الْمُعَاوَضَةُ، وَإِلَّا امْتَنَعَتْ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِرَاءِ دُورِ مَكَّةَ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ الْمَنْعُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَالْجَوَازُ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ فُتِحَتْ صُلْحًا أَوْ مُنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا عِنْدَنَا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَالْكَرَاهَةُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَتَخْصِيصُهَا بِالْمَوْسِمِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَاحْتِيَاجِهِمْ لِلْوَقْفِ لِأَنَّ الْعَنْوَةَ عِنْدَنَا وَقْفٌ، وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مُجَاهِدًا بِالْأَسْلِحَةِ نَاشِرًا لِلْأَلْوِيَةِ بَاذِلًا لِلْأَمَانِ لِمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ» ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعَنْوَةِ قَطْعًا، وَإِنَّمَا رُوِيَ أَنَّ «خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَتَلَ قَوْمًا فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ، وَهُوَ دَلِيلُ الصُّلْحِ.
(وَجَوَابُهُ) يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ أَمَّنَ تِلْكَ الطَّائِفَةَ، وَعَصَمَ دِمَاءَهُمْ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
(سُؤَالٌ) اعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَالنُّقُولِ أَنْ يَحْرُمَ كِرَاءُ دُورِ مِصْرَ وَأَرَاضِيهَا لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ صَرَّحَ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ تَخْطِئَةُ الْقَضَاءِ فِي إثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ وَعُقُودِ الْإِجَارَاتِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفُعَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(جَوَابُهُ) إنَّ أَرَاضِيَ الْعَنْوَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا هَلْ تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ مَالِكٍ أَوْ لِلْإِمَامِ قِسْمَتُهَا كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ أَوْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ، وَالْقَوَاعِدُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا أَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ إذَا اتَّصَلَ بِبَعْضِ أَقْوَالِهَا قَضَاءُ حَاكِمٍ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ فَإِذَا مَا حَكَمَ بِثُبُوتِ مِلْكٍ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ ثَبَتَ الْمِلْكُ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، وَيَتَعَيَّنُ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ يَطَّرِدُ فِي مَكَّةَ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الدُّورَ وَقْفٌ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الدُّورَ الَّتِي صَادَفَهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
دَفْعُ مُتَمَوِّلٍ إلَخْ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ قَرْضٍ بِمِكْيَالٍ مَجْهُولٍ عَلَى أَنْ يُرَدَّ مِثْلُهُ، وَمَسْأَلَتُنَا قَرْضُ وَيْبَاتٍ وَحَفَنَاتٍ فَغَيْرُ وَارِدَةٍ لِأَنَّ الطَّعَامَ مَثَلًا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ يَجُوزُ قَرْضُهُ وَالسَّلَمُ فِيهِ، وَالِاخْتِلَافُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ لَا يَضُرُّ اهـ.
قَالَ كنون، وَقَالَ الْبُنَانِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إلَخْ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُعَاوَضَةً، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ أَبُو عَلِيٍّ قَائِلًا، وَالْقَرْضُ نَفْسُ بَيْعٍ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إلَّا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ الْمُكَايَسَةِ فَكَيْفَ يُقْرِضُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا الْمُبَادَلَةُ فِيهِ أَيْ كَلَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ اهـ.
وَلَا يَرِدُ عَلَى قَوْلِ خَلِيلٍ يَجُوزُ قَرْضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ فَقَطْ إلَّا جَارِيَةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ اهـ الْعَيْنُ لِأَنَّهُ يُسْلَمُ فِيهَا عِنْدَ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَعِيَاضٍ وَالْبَاجِيِّ خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ اهـ. وَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْأَصْلِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ الْقَرْضُ وَإِنْ كَانَ نَفْسَ بَيْعٍ إلَّا أَنَّهُ خُولِفَ فِيهِ ثَلَاثُ قَوَاعِدَ شَرْعِيَّةٍ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) الرِّبَا إنْ كَانَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ كَالنَّقْدَيْنِ وَالطَّعَامِ
(وَالْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُزَابَنَةُ، وَهِيَ بَيْعُ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ مِنْ جِنْسِهِ إنْ كَانَ فِي الْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ
(وَالْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك فِي الْمِثْلِيَّاتِ، وَسَبَبُ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ مَصْلَحَةُ الْمَعْرُوفِ اهـ.
حَتَّى قَالَ ﷺ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَرْضُ شَيْءٍ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَتِهِ، وَقَالَ ﷺ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا «رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ» ، وَعَزَاهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دَخَلْت الْجَنَّةَ فَوَجَدْت عَلَى بَابِهَا الصَّدَقَةُ بِعَشْرٍ وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَقُلْت يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ صَارَتْ الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةٍ، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ؟ ، قَالَ الصَّدَقَةُ فِي يَدِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَالْقَرْضُ لَا يَقَعُ إلَّا فِي يَدِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ: فِيهِ أَنَّ دِرْهَمَ الْقَرْضِ بِدِرْهَمَيْنِ صَدَقَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَنْفِيسَ كُرْبَةٍ وَإِنْظَارًا إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَرَدِّهِ، فَفِيهِ عِبَادَتَانِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ دِرْهَمَيْنِ، وَهُمَا بِعِشْرِينَ حَسَنَةً فَالتَّضْعِيفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَهُوَ الْبَاقِي فَقَطْ لِأَنَّ الْقَرْضَ يُسْتَرَدُّ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ: ثَوَابُ الْأَصْلِ وَالْمُضَاعَفَةِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مِنْ فَضَّلَ الْقَرْضِ عَلَى الصَّدَقَةِ اهـ.
أَفَادَهُ الرَّهُونِيُّ قَالَ الْأَصْلُ فَلِذَلِكَ مَتَى خَرَجَ عَنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ امْتَنَعَ إمَّا لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةِ الْمُقْرِضِ أَوْ لِتَرَدُّدٍ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالسَّلَفِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَعْرُوفِ مَعَ تَعَيُّنِ الْمَحْذُورِ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ أَيْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَوْنُ الْعَارِيَّةِ مَعْرُوفًا كَالْقَرْضِ إلَّا أَنَّهَا تُفَارِقُهُ فِي أَنَّهَا تَجُوزُ إذَا وَقَعَتْ إلَى أَجَلٍ بِعِوَضٍ بِخِلَافِ الْقَرْضِ، وَذَلِكَ
стр. 760
الْفَتْحُ أَمَّا إذَا انْهَدَمَتْ تِلْكَ الْأَبْنِيَةُ، وَبَنَى أَهْلُ الْإِسْلَامِ دُورًا غَيْرَ دُورِ الْكُفَّارِ فَهَذِهِ الْأَبْنِيَةُ لَا تَكُونُ وَقْفًا إجْمَاعًا، وَحَيْثُ قَالَ مَالِكٌ لَا تُكْرَى دُورُ مَكَّةَ يُرِيدُ مَا كَانَ فِي زَمَانِهِ بَاقِيًا مِنْ دُورِ الْكُفَّارِ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ، وَالْيَوْمَ قَدْ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْأَبْنِيَةُ فَلَا يَكُونُ قَضَاءُ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ خَطَأً نَعَمْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ وَالشُّفْعَةِ فِي الْأَرَضِينَ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ أَوْ نَقُولُ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الْبَلَدَ الْفُلَانِيَّ فُتِحَ عَنْوَةً لَيْسَ هَذَا بِفُتْيَا يُقَلَّدُ فِيهَا، وَلَا مَذْهَبًا لَهُ يَجِبُ عَلَى مُقَلِّدِيهِ اتِّبَاعُهُ فِيهِ بَلْ هَذِهِ شَهَادَةٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ مَالِكٌ فُلَانٌ أَخَذَ مَالَهُ غَصْبًا أَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فُتْيَا بَلْ شَهَادَةٌ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ إمَامٍ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمٍ بِسَبَبٍ اُتُّبِعَ فِيهِ، وَكَانَ فُتْيَا وَمَذْهَبًا أَوْ أَخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ السَّبَبِ فَهُوَ شَهَادَةٌ، وَأَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي يُقَلَّدُ فِيهِ الْإِمَامُ خَمْسَةُ أُمُورٍ لَا سَادِسَ لَهَا الْأَحْكَامُ كَوُجُوبِ الْوِتْرِ، وَالْأَسْبَابُ كَالْمُعَاطَاةِ.
وَالشُّرُوطُ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْمَوَانِعُ كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ، وَالْحِجَاجُ كَشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ إنْ اُتُّفِقَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَلَيْسَ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ بَلْ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ فَلَا يُقَالُ إنَّ وُجُوبَ رَمَضَانَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِنْسَانِ فِي الْعَادَةِ مَا اخْتَصَّ بِهِ كَقَوْلِك هَذَا طَرِيقُ زَيْدٍ إذَا اخْتَصَّ بِهِ أَوْ هَذِهِ عَادَتُهُ إذَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نُسِبَ إلَى الْقَائِلِ بِهِ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْخَمْسَةِ لَا يُقَالُ إنَّهَا مَذْهَبٌ يُقَلِّدُ فِيهِ بَلْ هُوَ إمَّا رِوَايَةٌ أَوْ شَهَادَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ مَالِكٌ أَنَا جَائِعٌ أَوْ عَطْشَانُ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ هُوَ مَذْهَبٌ لَهُ بَلْ تِلْكَ الْخَمْسَةُ خَاصَّةٌ، وَلَوْ قَالَ إمَامٌ زَيْدٌ زَنَى لَمْ نُوجِبْ الرَّجْمَ بِقَوْلِهِ بَلْ نَقُولُ هَذِهِ شَهَادَةٌ هُوَ فِيهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (أَوْ نَقُولُ قَوْلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الْبَلَدَ الْفُلَانِيَّ فُتِحَ عَنْوَةً هَذَا لَيْسَ بِفُتْيَا يُقَلَّدُ فِيهَا إلَى قَوْلِهِ أَوْ أَخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ السَّبَبِ فَهُوَ شَهَادَةٌ)
قُلْت لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ شَهَادَةً بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ شَهَادَةٍ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ خَبَرًا يَقْصِدُ الْمُخْبِرُ بِهِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَصْلُ قَضَاءٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً لَا إشْعَارَ فِيهِ بِذَلِكَ الْقَصْدِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْخَبَرِ غَيْرِ الشَّهَادَةِ قَالَ (وَإِنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي يُقَلَّدُ فِيهِ الْإِمَامُ خَمْسَةُ إلَى قَوْلِهِ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ هُوَ مَذْهَبٌ لَهُ بَلْ تِلْكَ الْخَمْسَةُ خَاصَّةً) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (وَلَوْ قَالَ إمَامٌ زَيْدٌ زَنَى لَمْ نُوجِبْ الرَّجْمَ بَلْ نَقُولُ هَذِهِ شَهَادَةٌ هُوَ فِيهَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنَّ الْعَارِيَّةَ بِعِوَضٍ إجَارَةٌ، وَالْإِجَارَةُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا الرِّبَا، وَلَا تِلْكَ الْمَفَاسِدُ الثَّلَاثُ، وَالْقَرْضُ بِالْعِوَضِ بَيْعٌ فَيُتَصَوَّرُ فِيهِ الرِّبَا، وَكَذَلِكَ إذَا وَقَعَ الْقَرْضُ فِي الْعُرُوضِ هُوَ رِبًا فَيَحْرُمُ لِلْآيَةِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ]
الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصُّلْحِ وَقَاعِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ)
وَهُوَ كَمَا يُشِيرُ لَهُ كَلَامُ الْأَصْلِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْعُقُودِ إمَّا مُعَاوَضَةٌ فِي أَعْيَانٍ فَقَطْ، وَهُوَ الْبَيْعُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ أَوْ الصَّرْفُ إنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شُرُوطٌ تَخُصُّهُ مُوَضَّحَةً فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَإِمَّا مُعَاوَضَةٌ فِي مَنَافِعَ فَقَطْ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَضْمُونَةٍ، وَهُوَ الْإِجَارَةُ، وَلَهَا شُرُوطٌ تَخُصُّهَا مُوَضَّحَةً كَذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَإِمَّا إحْسَانٌ، وَهُوَ الْهِبَةُ، وَلَهَا شُرُوطَ تَخُصُّهَا مُوَضَّحَةً كَذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَهَكَذَا وَأَمَّا الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ فَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ هُوَ مُعَاوَضَةٌ عَلَى دَعْوَى اهـ قَالَ كنون أَيْ ثَابِتَةٍ أَمْ لَا اهـ.
فَالدَّعْوَى الثَّابِتَةُ كَانَ ثُبُوتُهَا بِإِقْرَارٍ أَوْ بِسُكُوتٍ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ مَعًا مِنْ أَنَّ حُكْمَ السُّكُوتِ حُكْمُ الْإِقْرَارِ، وَرَجَّحَهُ عِيَاضٌ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ فَيَكُونُ الصُّلْحُ حِينَئِذٍ هِبَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُدَّعَى بِهِ إمَّا أَعْيَانٌ، وَإِمَّا مَنَافِعُ فَإِنْ كَانَ أَعْيَانًا فَغَيْرُهُ الْمُصَالَحُ بِهِ إمَّا أَعْيَانٌ فَيَكُونُ الصُّلْحُ بَيْعًا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ وَصَرْفًا إنْ كَانَ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَإِمَّا مَنَافِعُ فَيَكُونُ إجَارَةً، وَإِنْ كَانَ أَيْ الْمُدَّعَى بِهِ مَنَافِعَ فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا مُطْلَقًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالصُّلْحُ إجَارَةٌ أَيْضًا، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ اسْتَوْفَاهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي عِوَضِ الْمَنَافِعِ، وَهُوَ فِي الْغَالِبِ عَيْنٌ فَيَكُونُ الصُّلْحُ بِغَيْرِهِ بَيْعًا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَصَرْفًا إنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ، وَبِبَعْضِهِ هِبَةٌ، وَالدَّعْوَى الْغَيْرُ الثَّابِتَةِ، لَا تَكُونُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا عَنْ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِدَاءُ بِمَالٍ عَنْ يَمِينٍ تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، ابْنُ نَاجِي، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ حَيْثُ عَلِمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ قَالَ الْبُنَانِيُّ يَجْرِي فِي الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ لِلْمُدَّعَى بِهِ مَا جَرَى عَلَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ أَيْ، وَلَوْ حُكْمًا مِنْ كَوْنِهِ إمَّا هِبَةً وَإِمَّا بَيْعًا، وَإِمَّا صَرْفًا وَإِمَّا إجَارَةً إلَّا أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى غَيْرِ الثَّابِتَةِ تَنْفَرِدُ عَنْ صُلْحِ الْإِقْرَارِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ كَمَا سَيَأْتِي اهـ.
بِزِيَادَةٍ قَدْ سَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ
стр. 761
أُسْوَةُ جَمِيعِ الْعُدُولِ إنْ كَمُلَ النِّصَابُ بِشُرُوطِهِ رَجَمْنَاهُ، وَإِلَّا فَلَا فَكَذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً أَوْ مَكَّةُ شَهَادَةٌ، وَإِذَا كَانَتْ شَهَادَةً فَهُوَ لَمْ يُبَاشِرْ الْفَتْحَ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ نَقَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَدْرِي هَلْ أَذِنَ لَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ فِي النَّقْلِ عَنْهُ أَمْ لَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فَقَدْ عَارَضَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةٌ أُخْرَى.
وَهِيَ أَنَّ اللَّيْثَ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَالشَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُمَا قَالُوا الْفَتْحُ وَقَعَ صُلْحًا فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ أَحَدَ الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلُ فَتُقَدَّمُ أَوْ يُقَالُ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَالْعُلَمَاءُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ نُفَاوِتَ نَحْنُ بَيْنَ عَدَالَتِهِمْ، وَلَوْ سَلَّمْنَا الْهُجُومَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِأَعْدَلَ الْبَيِّنَتَيْنِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ، وَالْعَنْوَةُ وَالصُّلْحُ لَيْسَا مِنْ هَذَا الْبَابِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لَيْسَتْ نَقْلًا عَنْ أَحَدٍ بَلْ هِيَ اسْتِقْلَالٌ، وَمُسْتَنَدُهَا السَّمَاعُ لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ، وَقَدْ عَدَّ الْأَصْحَابُ مَسَائِلَ السَّمَاعِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا مِنْهَا لَكِنْ حَصَلَ الْمُعَارِضُ الْمَانِعُ مِنْ الْحُكْمِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ لَك أَنَّ مَنْ أَفْتَى بِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالشُّفْعَةِ فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً خَطَأٌ، وَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَذْهَبًا لِمَالِكٍ بَلْ هِيَ شَهَادَةٌ لَا يُقَلَّدُ فِيهَا بَلْ تَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَاتِ، وَكَمَا يَرِدُ هَذَا السُّؤَالُ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ فِي الْعَنْوَةِ يَرِدُ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَيَبْنُونَ عَلَى ذَلِكَ الْفُتْيَا بِالْإِبَاحَةِ، وَيَجْعَلُونَ هَذَا مِمَّا يُقَلَّدُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَهَادَةٌ أَيْضًا بِالصُّلْحِ، وَلَيْتَ شِعْرِي لَوْ أَنَّ حَاكِمًا شَافِعِيًّا جَاءَهُ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ لَهُ إنَّ فُلَانًا صَالَحَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ نَقْدًا، وَقَدْ صَارَتْ خُلْعًا مِنْهُ هَلْ يَقْضِي بِقَوْلِهِ وَحْدَهُ فَيَخْرِقَ الْإِجْمَاعَ أَوْ نَقُولُ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ آخَرَ مَعَ الشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ بِالْخُلْعِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ هُنَا كَذَلِكَ، وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
أُسْوَةُ جَمِيعِ الْعُدُولِ إلَى آخِرِ قَوْلِهِ أَوْ نَقُولُ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ آخَرَ مَعَ الشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ بِالْخُلْعِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ هُنَا كَذَلِكَ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ شَهَادَةٌ حَتَّى يَحْتَاجَ فِي ذَلِكَ إلَى آخَرَ مَعَهُ هَذَا كَلَامٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تَوَهُّمِ كَوْنِ قَوْلِ مَالِكٍ شَهَادَةٌ، وَذَلِكَ لِتَوَهُّمِ وَهْمٍ لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ (وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى كُلٍّ إلَّا دَائِرًا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ الْبَيْعُ إنْ كَانَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْ أَعْيَانٍ، وَالصَّرْفُ إنْ كَانَ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَالْإِجَارَةُ إنْ كَانَ عَنْ مَنَافِعَ، وَالْإِحْسَانُ إنْ كَانَ عَنْ بَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَهُوَ مَا يُسْقِطُهُ الْمُدَّعِي عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ وَبِهِ صَرَّحَ عبق أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى غَيْرِ الثَّابِتَةِ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ صَرْفٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ هِبَةٍ بَلْ هُوَ دَفْعٌ عَنْ الْخُصُومَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خَصَّهُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ
(الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ الصُّلْحُ جَائِزًا عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي
(وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ جَائِزًا عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُنْكِرَ يُقِرُّ
(وَالثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ جَائِزًا عَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ قَالَ الْبُنَانِيُّ أَيْ عَلَى ظَاهِرِ مَا يَطْرَأُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُخَاصَمَةِ، وَمَجْلِسِ الْفَصْلِ، وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونِ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَأَصْبَغُ أَمْرًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنْ لَا تَتَّفِقَ دَعْوَاهُمَا عَلَى فَسَادٍ اُنْظُرْ شُرَّاحَ الْمُخْتَصَرِ فَلِذَا قَالَ الْأَصْلُ إنَّ الصُّلْحَ فِي الْأَمْوَالِ دَائِرٌ بَيْنَ خَمْسَةِ أُمُورٍ الْبَيْعِ إنْ كَانَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْ أَعْيَانٍ، وَالصَّرْفِ إنْ كَانَ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَالْإِجَارَةِ إنْ كَانَ عَنْ مَنَافِعَ، وَدَفْعِ الْخُصُومَةِ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْإِحْسَانِ، وَهُوَ مَا يُعْطِيهِ الْمُصَالَحُ مِنْ غَيْرِ الْجَانِي فَمَتَى تَعَيَّنَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ رُوعِيَتْ فِيهِ شُرُوطُ ذَلِكَ الْبَابِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» اهـ.
مِنْهُ بِلَفْظِهِ يَعْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَبَطَ شُرُوطَ الصُّلْحِ الْمُخْتَلِفَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَى الْخَرَشِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ الصُّلْحُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مَنْدُوبٌ اهـ.
إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ ابْنِ الشَّاطِّ مَا قَالَهُ أَيْ الْأَصْلُ فِيهِ أَيْ فِي هَذَا الْفَرْقِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْدِ فَرْقًا بَيْنَ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ الصُّلْحِ، وَكَلَامُهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ اهـ بِلَفْظِهِ فَتَأَمَّلْهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا
(وَصْلٌ) قَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ عَلَى الْإِنْكَارِ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ مَالٍ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ، وَلَا عَنْ الْيَمِينِ، وَإِلَّا لَجَازَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَهُ، وَلَجَازَ أَخْذُ الْعَقَارِ، وَالْمُصَالِحَ بِهِ بِالشُّفْعَةِ، وَقَدْ انْتَقَلَ بِغَيْرِ مَالٍ، وَلَا هُوَ عَنْ الْخُصُومَةِ، وَإِلَّا لَجَازَ عَنْ النِّكَاحِ وَالْقَذْفِ
(وَجَوَابُهُ)
стр. 762
بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ وَتَصَرُّفِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ.
وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِيهِ أَرْبَعُونَ مَسْأَلَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَخْذُهُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ)
الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الشَّرْعَ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْمَقَاصِدِ إلَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ مُحَصِّلٌ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ دَارِئٌ لِمَفْسَدَةٍ لِذَلِكَ لَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى فِي الْأَشْيَاءِ التَّافِهَةِ الْحَقِيرَةِ الَّتِي لَا يَتَشَاحُّ الْعُقَلَاءُ فِيهَا عَادَةً كَالسِّمْسِمَةِ، وَنَحْوِهَا فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي قَلْعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا بَعْدَ الْقَلْعِ، وَإِنْ كَانَتْ عَظِيمَةَ الْمَالِيَّةِ قَبْلَ الْقَلْعِ، وَكَذَلِكَ الْبِنَاءُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ بَعْدَ الْهَدْمِ، وَإِنْ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ قَبْلَ الْهَدْمِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ، وَالْغَاصِبُ وَنَحْوُهُمَا الْجَمِيعُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لِأَنَّ قَلْعَهُ لِمُجَرَّدِ الْفَسَادِ لَا لِحُصُولِ مَصْلَحَةٍ تَحْصُلُ لِلْقَالِعِ، وَلَا لِدَرْءِ مَفْسَدَةٍ عَنْهُ فَيَتَعَيَّنُ بَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ، وَيَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الْمَالِيَّةُ الْعَظِيمَةُ، وَيُعْطِيهِ لَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الْإِزَالَةَ شَرْعًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْإِزَالَةِ تَبْطُلُ تِلْكَ الْمَالِيَّةُ فَهِيَ مَالِيَّةٌ مُسْتَهْلَكَةٌ عَلَى، وَاضِعِهَا شَرْعًا، وَالْمُسْتَهْلَكُ شَرْعًا لَا يَجِبُ فِيهِ قِيمَةٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ «نَهْيُهُ ﵇ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» ، وَهَدْمُ مِثْلِ هَذَا الْبِنَاءِ.
وَقَلْعُ مِثْلِ هَذَا الشَّجَرِ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ فَوَجَبَ الْمَنْعُ مِنْهُ فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الْعُرُوضَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَالطَّعَامُ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ وَالْأَوْصَافِ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَغْرَاضُ الصَّحِيحَةُ، وَتَمِيلُ إلَيْهِ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ، وَالنُّفُوسُ الْخَالِصَةُ لِمَا فِي تِلْكَ الْمَعْنِيَّاتِ مِنْ الْمَلَاذِّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ وَتَصَرُّفِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِيهِ أَرْبَعُونَ مَسْأَلَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ) قُلْت إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَسَائِلُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ الْكِتَابُ بِنَفِيسٍ قَالَ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَخْذُهُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ انْقِضَاء الْإِجَارَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ)
قُلْت فِيهِ نَقْلُ أَقْوَالٍ، وَلَكِنْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نَظَرٌ فَإِنَّ تَقْدِيرَ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا تَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْقَلْعِ بِخِلَافِ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَنْ مَالٍ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ثُبُوتِهِ عَدَمُهُ نَعَمْ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُ ذَلِكَ الْمَالِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ عَنْ مَالٍ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ حِينَئِذٍ بَلْ نَقُولُ هُوَ عِوَضٌ إمَّا عَنْ انْدِفَاعِ الْيَمِينِ عَنْهُ، وَنَلْتَزِمُ جَوَازَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَهُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ تَتَخَرَّجُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ حَلَّفَ خَصْمَهُ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ فَلَهُ إقَامَتُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ الْعُذْرِ، وَعِنْدَ أَشْهَبَ مُطْلَقًا اهـ.
وَإِمَّا عَنْ سُقُوطِ الْخُصُومَةِ عَنْهُ، وَنَلْتَزِمُ الْجَوَازَ فِي النِّكَاحِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الزَّوْجِيَّةَ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُوجِبُ عَلَيْهَا الْيَمِينَ فَتَفْتَدِي بِيَمِينِهَا اهـ. وَنَلْتَزِمُ الشُّفْعَةَ، وَأَمَّا الْقَذْفُ فَلَا مَدْخَلَ لِلْمَالِ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الصُّلْحُ مَعَ الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ مَعَ الْإِنْكَارِ
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ عَاوَضَ عَنْ مِلْكِهِ فَيَمْتَنِعُ كَشِرَاءِ مَالِهِ مِنْ وَكِيلِهِ
(وَجَوَابُهُ) بِالْفَرْقِ بِأَنَّهُ مَعَ وَكِيلِهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَالِهِ بِخِلَافِ صُورَةِ النِّزَاعِ فَإِنَّهَا لِدَرْءِ مَفْسَدَةِ الْخُصُومَةِ.
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ كَالْبَيْعِ
(وَجَوَابُهُ) أَنَّ الضَّرُورَةَ هُنَا تَدْعُو لِلْجَهْلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مِيرَاثًا مِنْ جِهَةِ مُوَرِّثٍ صَحَّ الصُّلْحُ فِيهِ مَعَ الْجَهْلِ اهـ.
وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ يَقُولُ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَيَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ فَكَيْفَ يَمْنَعُ مَعَ الْمُوَافَقَةِ مِنْ الْخَصْمِ عَلَى الْأَخْذِ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا يَتَأَكَّدُ بِوُجُوهٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) مَا وَرَدَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الصُّلْحِ فَمِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] وقَوْله تَعَالَى ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] ، وَمِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِصَدَقَةٍ يَسِيرَةٍ يُحِبُّهَا اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ إذَا تَقَاطَعُوا» ، وَمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصْلِحُونَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ» وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَرَادَ فَضْلَ الْعَابِدِينَ فَلْيُصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ:
إنَّ الْفَضَائِلَ كُلَّهَا لَوْ جُمِعَتْ ... رَجَعَتْ بِأَجْمَعِهَا إلَى ثِنْتَيْنِ
تَعْظِيمُ أَمْرِ اللَّهِ ﷻ ... وَالسَّعْيُ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ
стр. 763
الْخَاصَّةِ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ، وَبَاعَهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ الصَّحِيحَةَ مُسْتَوِيَةٌ فِي أَجْزَاءِ الصُّبْرَةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِعَدَمِ التَّعَيُّنِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذَا عُيِّنَتْ هَلْ تَتَعَيَّنُ أَمْ لَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا إنْ عَيَّنَهَا الدَّافِعُ تَعَيَّنَتْ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِهَا، وَهُوَ مَالِكُهَا، وَإِنْ عَيَّنَهَا الْقَابِضُ لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا أَنْ تَخْتَصَّ بِصِفَةِ حُلِيٍّ أَوْ سِكَّةٍ رَائِجَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ تَعَيَّنَتْ اتِّفَاقًا، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ عِنْدَنَا، وَبِالتَّعْيِينِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا عَدَمُ التَّعْيِينِ فَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ، وَمَا لَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ.
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُضْمَنُ بِالطَّرْحِ مِنْ السُّفُنِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُضْمَنُ)
قَالَ مَالِكٌ إذَا طُرِحَ بَعْضُ الْحِمْلِ لِلْهَوْلِ شَارَكَ أَهْلُ الْمَطْرُوحِ مَنْ لَمْ يُطْرَحْ لَهُمْ شَيْءٌ فِي مَتَاعِهِمْ، وَكَانَ مَا طُرِحَ وَسَلِمَ لِجَمِيعِهِمْ فِي نَمَائِهِ وَنَقْصِهِ بِثَمَنِهِ يَوْمَ الشِّرَاءِ إنْ اشْتَرَوْا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ لِأَنَّهُمْ صَانُوا بِالْمَطْرُوحِ مَا لَهُمْ، وَالْعَدْلُ عَدَمُ اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمْ بِالْمَطْرُوحِ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَهُوَ سَبَبُ سَلَامَةِ جَمِيعِهِمْ فَإِنْ اشْتَرَوْا مِنْ مَوَاضِعَ أَوْ اشْتَرَى بَعْضٌ أَوْ طَالَ زَمَانُ الشِّرَاءِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ الْأَسْوَاقُ اشْتَرَكُوا بِالْقِيَمِ يَوْمَ الرُّكُوبِ دُونَ يَوْمِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاخْتِلَاطِ.
وَسَوَاءٌ طَرَحَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ أَوْ مَتَاعَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ، وَلَا يُشَارِكُ مَنْ لَمْ يَرْمِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ سَبَبٌ يُوجِبُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَطْرُوحِ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْمَرْكَبِ وَلَا النَّوَاتِيَّةِ ضَمَانٌ كَانُوا أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا إلَّا أَنْ يَكُونُوا لِلتِّجَارَةِ فَتُحْسَبُ قِيمَتُهُمْ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا مَتَاعَ لَهُ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا وَسَائِلُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ إنَّمَا هُوَ مَالُ التِّجَارَةِ، وَيُرْجَعُ بِالْمَقَاصِدِ فِي الْمَقَاصِدِ، وَمَنْ مَعَهُ دَنَانِيرُ كَثِيرَةٌ يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ فَكَالتِّجَارَةِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ وَمَا يُرَادُ لِلْقِنْيَةِ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَا يَلْزَمُ فِي الْعَيْنِ شَيْءٌ مِنْ الْمَطْرُوحِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْغَرَقُ بِسَبَبِهَا لِخِفَّتِهَا، وَقَالَ سَحْنُونٌ يَدْخُلُ الْمَرْكَبُ فِي قِيمَةِ الْمَطْرُوحِ لِأَنَّهُ مِمَّا سَلِمَ بِسَبَبِ الطَّرْحِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ بِصَدْمِ قَاعِ الْبَحْرِ فَطُرِحَ لِذَلِكَ دَخَلَ فِي الْقِيمَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَدْخُلُ الْمَرْكَبُ، وَمَا فِيهِ لِلْقِنْيَةِ أَوْ التِّجَارَةِ مِنْ عَبِيدٍ، وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ أَثَرَ الْمَطْرُوحِ سَلَامَةُ الْجَمِيعِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ وَمِنْ أَجْلِ مَا فِي الصُّلْحِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُتَخَاصِمَيْنِ لِوِقَايَتِهِمَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِصَامِ مِنْ قَبِيحِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ جَازَ الْكَذِبُ فِيهِ مُبَالَغَةً فِي وُقُوعِ الْأُلْفَةِ لِئَلَّا تَدُومَ الْعَدَاوَةُ اهـ.
وَقَالَ الْفَشْنِيُّ وَيَجُوزُ الْكَذِبُ فِي الصُّلْحِ الْجَائِزِ، وَهُوَ مَا لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا مُبَالَغَةً فِي وُقُوعِ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قِيلَ تَمَنَّى جِبْرِيلُ ﵇ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ يَسْقِي الْمَاءَ وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اهـ كَمَا فِي حَاشِيَةِ كنون عَلَى عبق.
قُلْت فَإِذَا جَازَ الْكَذِبُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] لِلْمُصْلِحِ مِنْ أَجْلِ مَا فِي الصُّلْحِ مِنْ الصَّدَقَةِ إلَخْ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ فِيهِ دَفْعُ أَحَدِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ لِلْآخَرِ الْمَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ الْجَهْلِ لِدَرْءِ مَفْسَدَةِ الْخُصُومَةِ، وَلَا يَخْفَاك أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ هُنَا فَرْقٌ آخَرُ غَيْرَ مَا مَرَّ بَيْنَ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ، وَهُوَ أَنَّ الصُّلْحَ يَجُوزُ فِيهِ دَفْعُ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ الْجَهْلِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ فَافْهَمْ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى بَذْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى وَالْمُخَالَعَةِ وَالظَّلَمَةِ وَالْمُحَارَبِينَ وَالشُّعَرَاءِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا لِدَرْءِ الْخُصُومَةِ.
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ قَاطِعٌ لِلْمُطَالَبَةِ فَيَكُونُ مَعَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ كَالْإِبْرَاءِ فَكَمَا يُصْبِحُ الْإِبْرَاءُ مَعَ الْإِنْكَارِ كَذَلِكَ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ قِيَاسًا، وَلَا يَرِدُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ بِغَيْرِ مَالٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ إذْ الصُّلْحُ أَيْضًا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ كَالصُّلْحِ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْلَكُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُمْلَكُ مِنْهَا بِالْإِجَارَاتِ]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْلَكُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُمْلَكُ مِنْهَا بِالْإِجَارَاتِ)
وَهُوَ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَتَى اجْتَمَعَتْ فِيهَا ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ مُلِكَتْ بِالْإِجَارَةِ، وَمَتَى انْخَرَمَ مِنْهَا شَرْطٌ مِنْ الثَّمَانِيَةِ لَا تُمْلَكُ وَالْمَنْفَعَةُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا لَا تُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ حِسًّا دُونَ إضَافَةٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ غَيْرَ جُزْءٍ مِمَّا أُضِيفَ إلَيْهِ فَتَخْرُجُ الْأَعْيَانُ، وَنَحْوُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَنِصْفِ الْعَبْدِ وَنِصْفِ الدَّابَّةِ مَشَاعًا، وَهِيَ رُكْنٌ لِأَنَّهَا الْمُشْتَرَاةُ اهـ.
وَبَاقِي أَرْكَانِهَا أَرْبَعَةٌ كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالْعِوَضُ وَالصِّيغَةُ.
٢ -
(الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) إبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَذِكْرُ الْمَنْفَعَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْغِنَاءِ وَآلَاتِ الطَّرَبِ وَنَحْوِهِمَا أَيْ كَالْإِجَارَةِ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ وَالدُّعَاءِ وَحَلِّ الْمَرْبُوطِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ قَالَ الْعَدَوِيُّ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ الْمَنْفَعَةَ جَازَ فَقَدْ قَالَ الْأَبِيُّ وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ عَلَى حَلِّ الْمَعْقُودِ فَإِنْ كَانَ يَرْقِيهِ بِالرُّقْيَةِ الْعَرَبِيَّةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بِالرُّقَى الْعَجَمِيَّةِ لَمْ يَجُزْ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَكَانَ الشَّيْخُ
стр. 764
وَجَوَابُهُمْ أَنَّ شَأْنَ الْمَرْكَبِ أَنْ يَصِلَ بِرِجَالِهِ سَالِمًا إلَى الْبَرِّ، وَإِنَّمَا يُغْرِقُهُ مَا فِيهِ عَادَةً، وَإِزَالَةُ السَّبَبِ الْمُهْلِكِ لَا يُوجِبُ شَرِكَةً بَلْ فِعْلُ السَّبَبِ الْمُنْجِي، وَهُوَ فَرْقٌ حَسَنٌ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّ فَاعِلَ الضَّرَرِ شَأْنُهُ أَنْ يَضْمَنَ فَإِذَا زَالَ ضَرَرُهُ نَاسَبَ أَنْ لَا يَضْمَنَ لِعَدَمِ سَبَبِ الضَّمَانِ، وَفَاعِلُ النَّفْعِ مُحَصِّلٌ لِعَيْنِ الْمَالِ فَنَاسَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لِأَنَّ مُوجِدَ الشَّيْءِ شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَإِنْ صَالَحُوا صَاحِبَ الْمَطْرُوحِ بِدَنَانِيرَ، وَلَا يُشَارِكُهُمْ جَازَ إذَا عَرَفُوا مَا يَلْزَمُهُمْ فِي الْقَضَاءِ فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الطَّرْحِ مِنْ الْبَحْرِ سَالِمًا فَهُوَ لَهُ.
وَتَزُولُ الشَّرِكَةُ أَوْ خَرَجَ وَقَدْ نَقَصَ نِصْفُ قِيمَتِهِ انْتَقَصَ نِصْفُ الصُّلْحِ وَيَرُدُّ نِصْفَ مَا أَخَذَ.
(سُؤَالٌ) إذَا وُجِدَتْ الدَّابَّةُ الْمُصَالَحُ عَلَيْهَا فِي التَّعَدِّي أَوْ الْعَارِيَّةِ تَكُونُ لِمَنْ صَالَحَ عَلَيْهَا، وَهَا هُنَا الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ فَمَا الْفَرْقُ؟
(جَوَابُهُ) التَّعَدِّي يَنْقُلُ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ لِلذِّمَّةِ بِالْقِيمَةِ فَيَكُونُ لَهُ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لِلْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ فَلَا يُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ عَنْهُ، وَالْبَحْرُ شَيْءٌ تُوجِبُهُ الضَّرُورَةُ فَلَا يَحْصُلُ الصُّلْحُ فِيهِ بَيْعًا لَا يُنْتَقَضُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّفِينَةِ غَيْرُ الْآدَمِيِّينَ لَمْ يَجُزْ رَمْيُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِطَلَبِ نَجَاةِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ، وَيَبْدَأُ بِطَرْحِ الْأَمْتِعَةِ ثُمَّ الْبَهَائِمِ لِشَرَفِ النُّفُوسِ قَالَ وَهَذَا الطَّرْحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَاجِبٌ، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي دَفْعِ الدَّاخِلِ عَلَيْك الْبَيْتَ لِطَلَبِ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ، وَلَا مَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَفِيهِمَا قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) يَجِبُ الدَّفْعُ وَالْأَكْلُ. (وَثَانِيهِمَا) لَا يَجِبَانِ لِقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ عُثْمَانُ ﵁ فِي تَسْلِيمِ نَفْسِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّارِكَ لِلْقَتْلِ وَالْأَكْلِ هُنَالِكَ تَارِكٌ لِئَلَّا يَفْعَلَ مُحَرَّمًا، وَهَا هُنَا لِبَقَاءِ الْمَالِ.
وَاقْتِنَاؤُهُ لَيْسَ وَاجِبًا، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَسَفْكُ الدَّمِ مُحَرَّمٌ، وَمَا وُضِعَ الْمَالُ إلَّا وَسِيلَةٌ لِبِنَاءِ النَّفْسِ، وَلَمْ يُوضَعْ قَتْلُ الْغَيْرِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَسِيلَةً لِذَلِكَ، وَلَا يَضْمَنُ الطَّارِحُ هُنَا مَا طَرَحَهُ اتِّفَاقًا وَلِمَالِكٍ فِي أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ لِلْمَجَاعَةِ قَوْلَانِ بِالضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَلَا يَضْمَنُ بِدَفْعِ الْفَحْلِ إذَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ قَتْلُهُ صَوْنًا لِلنَّفْسِ فَقَدْ قَامَ عَنْ صَاحِبِهِ بِوَاجِبٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ﵄ لَا يَضْمَنُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّفِينَةِ إلَّا الطَّارِحُ إنْ طَرَحَ مَالَ غَيْرِهِ، وَإِنْ طَرَحَ مَالَ نَفْسِهِ فَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ اسْتَدْعَى غَيْرُهُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَوَافَقُونَا إذَا قَالَ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي فَقَضَاهُ، وَفِي اقْتِرَاضِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ وَاقْتِرَاضِ الْوَصِيِّ لِلْيَتِيمِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَيْ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ النَّفْعُ جَازَ انْتَهَى اهـ وَقَالَ خَلِيلٌ فِي الْمُخْتَصَرِ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ، وَلَا تَعْلِيمِ غِنَاءٍ أَوْ دُخُولِ حَائِضٍ لِمَسْجِدٍ أَيْ لِخِدْمَتِهِ أَوْ دَارٍ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً كَبَيْعِهَا لِذَلِكَ اهـ.
قَالَ عبق، وَمِثْلُ تَعْلِيمِ الْغِنَاءِ تَعْلِيمُ آلَاتِ الطَّرَبِ كَالْعُودِ وَالْمِزْمَارِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ عَلَى الْعِوَضِ فَرَّعَ ثُبُوتَهُ عَلَى مِلْكِ الْمُعَوَّضِ، وَلِخَبَرِ «أَنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَى الْخَرَشِيِّ قَضِيَّةُ أَنَّ حُكْمَ الْغِنَاءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ مُقْتَضَى التَّحْرِيمِ الْكَرَاهَةُ أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْغِنَاءِ مَكْرُوهَةً لَا حَرَامًا اهـ.
وَقَالَ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ أَجْمَعُوا عَلَى إبْطَالِ كُلِّ مَنْفَعَةٍ كَانَتْ لِشَيْءٍ مُحَرَّمِ الْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْفَعَةٍ كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِالشَّرْعِ مِثْلُ أَجْرِ النَّوَائِحِ، وَأَجْرِ الْمُغَنِّيَاتِ اهـ.
أَيْ، وَمِثْلُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى صَنْعَةِ آنِيَةِ مِنْ نَقْدٍ كَمَا فِي شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ.
٢ -
(الشَّرْطُ الثَّانِي) قَبُولُ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُعَاوَضَةِ احْتِرَازًا مِنْ النِّكَاحِ كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا إذَا أَرَادَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ فَفِي بِدَايَةِ الْحَفِيدِ الْمُجْتَهِدِ ابْنِ رُشْدٍ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ، وَجَمِيعُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِهَا لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّحْرِيمُ فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَفِي بَعْضِهَا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَفِي بَعْضِهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفِي بَعْضِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَفِي بَعْضِهَا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَفِي بَعْضِهَا عَامَ أَوْطَاسٍ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ بِتَصَرُّفٍ.
وَأَمَّا إجَارَةُ الْفُحُولِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالدَّوَابِّ لِلنُّزُوِّ فَفِي الْبِدَايَةِ أَيْضًا أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ فَحْلَهُ عَلَى أَنْ يَنْزُوَ أَكْوَامًا مَعْلُومَةً، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا الشَّافِعِيُّ، وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ عَسِيبِ الْفَحْلِ، وَمَنْ أَجَازَهُ شَبَّهَهُ بِسَائِرِ الْمَنَافِعِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَغْلِيبُ الْقِيَاسِ عَلَى السَّمَاعِ اهـ الْمُحْتَاجِ مِنْهُ.
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فِيمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ مَعَ مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] فَإِنَّهَا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ، وَلَمْ يَرِدْ هُنَا نَاسِخٌ إلَّا أَنَّهَا إجَارَةُ عَيْنٍ أَجَّلَهَا، وَسَمَّى عِوَضَهَا، وَهُوَ عَقَدُهُ عَلَى إحْدَى ابْنَتَيْهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا الصُّغْرَى الَّتِي أَرْسَلَهَا فِي طَلَبِهِ، وَقِيلَ الْكُبْرَى، وَلَا يَرِدُ عَدَمُ تَبْعِيضِ الْبُضْعِ إذْ لَا يَلْزَمُ تَبْعِيضُ الْعِوَضِ فَلِذَا زَادَ ابْنُ عَرَفَةَ لَفْظَةَ بَعْضُهُ فِي تَعْرِيفِ الْإِجَارَةِ بِقَوْلِهِ بَيْعُ مَنْفَعَةِ مَا أَمْكَنَ نَقْلُهُ غَيْرَ سَفِينَةٍ وَلَا حَيَوَانٍ لَا يُعْقَلُ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْهَا بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ بِتَبَعُّضِهَا اهـ.
وَنَمْنَعُ كَوْنَ الِانْتِفَاعِ بِالْبُضْعِ لَيْسَ مُتَمَوِّلًا بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ غَصَبَ امْرَأَةً وَوَطِئَهَا يَلْزَمُهُ مَهْرُهَا كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَالْعَدَوِيِّ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ.
٢ -
стр. 765
فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ نَظَرًا لَهُ قُلْنَا الْقِيَاسُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بِجَامِعِ السَّعْيِ فِي الْقِيَامِ عَنْ الْغَيْرِ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِفْظُ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَمَنْ بَادَرَ مِنْهُمْ قَامَ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ (احْتَجُّوا) بِأَنَّ السَّلَامَةَ بِالطَّرْحِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ بِخِلَافِ الصَّائِلِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَأَمْوَالِ الْقِنْيَةِ.
(الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ) أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِطَعَامِ الْمُضْطَرِّ فَإِنَّ الْمُضْطَرَّ يَضْمَنُ مَعَ احْتِمَالِ هَلَاكِهِ بِمَا أَكَلَ بَلْ يُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَادَةِ فَقَطْ، وَقَدْ شَهِدْت بِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ السَّلَامَةِ فِيهِمَا مَعَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ
(وَعَنْ الثَّانِي) مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْفَرْقِ مَعَ أَنَّ الطُّرْطُوشِيَّ قَالَ: الْقِيَاسُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْقِنْيَةِ وَالتِّجَارَةِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ صَوْنُ الْأَمْوَالِ، وَالْكُلُّ يُثْقِلُ السَّفِينَةَ
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ عَمِلَ مِنْ الْأُجَرَاءِ النِّصْفَ مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ يَكُونُ لَهُ النِّصْفُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ عَمِلَ النِّصْفَ لَا يَكُونُ لَهُ النِّصْفُ)
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الْإِجَارَاتِ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَخِيطَ لَهُ ثَوْبَيْنِ أَوْ يَبْنِيَ لَهُ دَارَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ النِّصْفُ اسْتَحَقَّ النِّصْفَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَوَقَعَ فِيهَا أَيْضًا أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا عَشَرَةً فِي عَشَرَةٍ تَكُونُ مُرَبَّعَةً مِنْ كُلِّ جِهَةٍ عَشَرَةً، وَيَكُونُ عُمْقُهَا عَشَرَةً فَعَمِلَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ أَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ صُنْدُوقًا عَشَرَةً فِي عَشَرَةً فَعَمِلَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ أَنَّ لِهَذَيْنِ نِصْفَ الْأُجْرَةِ لِأَنَّهُمَا قَدْ عَمِلَا خَمْسَةً، وَهِيَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ عَمِلَ مِنْ الْأُجَرَاءِ النِّصْفَ مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ النِّصْفُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ عَمِلَ النِّصْفَ لَا يَكُونُ لَهُ النِّصْفُ) قُلْت هَذَا الْفَرْقُ فَاسِدُ الْوَضْعِ فَاحِشُ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ لَا غَيْرُ، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ النِّصْفَ فَلَهُ النِّصْفُ لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّمَا يَجْرِي الْوَهْمُ عَلَى الْأَغْبِيَاءِ فَيَظُنُّونَ أَنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ فَعَمِلَ ذَلِكَ فَقَدْ عَمِلَ جَمِيعَ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَأَنَّهُ مَتَى اُسْتُؤْجِرَ عَلَى ذَلِكَ فَعَمِلَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ أَنَّهُ عَمِلَ النِّصْفَ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ عَمِلَ الثُّمُنَ مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ كَيْفَ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُؤَلِّفُ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْفَرْقِ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ ظَنَّ أَنَّ التَّرْجَمَةَ صَحِيحَةٌ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ النِّصْفَ، وَلَكِنْ الْغَفْلَةَ لَازِمَةٌ لِمَنْ لَمْ يُعْصَمْ مِنْ الْبَشَرِ، وَلَكِنْ هَذِهِ الْغَفْلَةُ لَا يُعْذَرُ صَاحِبُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَا قَالَهُ فِي حِكَايَةِ الْفُرُوقِ الْخَمْسَةِ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
(الشَّرْطُ الثَّالِثُ) كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مُتَقَوِّمَةً احْتِرَازًا مِنْ التَّافِهِ الْحَقِيرِ الَّذِي لَا يُقَابَلُ بِالْعِوَضِ أَيْ بِالْمَالِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ كَاسْتِئْجَارِ نَارٍ لِيُوقِدَ مِنْهَا سِرَاجًا، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ مَنْ قَالَ ارْقَ هَذَا الْجَبَلَ وَلَك كَذَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ كَمَا فِي الْحَطَّابِ قَالَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي فُرُوعٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ هَلْ هِيَ مُتَقَوِّمَةٌ أَمْ لَا كَالْمُصْحَفِ وَالْأَشْجَارِ لِلتَّجْفِيفِ كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ عَلَى عبق قَالَ الْخَرَشِيُّ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْمُصْحَفِ لِمَنْ يَقْرَأُ فِيهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ فِي مَنْعِهِ إجَارَتَهُ اهـ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَيْهِ أَيْ لِأَنَّ إجَارَتَهُ كَأَنَّهَا ثَمَنُ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ بَيْعِهِ فَإِنَّهُ ثَمَنٌ لِلْوَرَقِ، وَالْخَطِّ فَابْنُ حَبِيبٍ يُوَافِقُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ، وَيُخَالِفُ فِي إجَارَتِهِ فَقَدْ بِيعَتْ الْمَصَاحِفُ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ ﵁ فَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ فَكَانَ إجْمَاعًا اهـ.
وَفِي الْأَصْلِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِئْجَارِ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ اهـ أَيْ، وَأَجْزَأَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِمَّا يَتَأَثَّرُ الشَّجَرُ بِهِ، وَيَنْقُصُ مَنْفَعَةُ كَثِيرَةٍ مِنْهُ فَهِيَ مَنْفَعَةٌ تَتَقَوَّمُ كَمَا فِي عبق، وَفِي الْخَرَشِيِّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَالْخِلَافُ فِيهَا خِلَافٌ فِي حَالٍّ هَلْ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ مُتَقَوِّمَةٌ أَمْ لَا اهـ.
٢ -
(الشَّرْطُ الرَّابِعُ) أَوْ تَكُونُ أَيْ الْمَنْفَعَةُ مَمْلُوكَةً احْتِرَازًا مِنْ الْأَوْقَافِ عَلَى السُّكْنَى كَبُيُوتِ الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِقِ، وَكَذَا كُلُّ بِلَادٍ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي مَكَّةَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَّا أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا مُحْتَجًّا بِمَا رُوِيَ «أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَتَلَ قَوْمًا فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ، وَهُوَ دَلِيلُ الصُّلْحِ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً مُحْتَجِّينَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مُجَاهِدًا بِالْأَسْلِحَةِ نَاشِرًا لِلْأَلْوِيَةِ بَاذِلًا لِلْأَمَانِ لِمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعَنْوَةِ قَطْعًا قَالُوا وَيَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا وَدَى الطَّائِفَةَ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ» لِكَوْنِهِ ﷺ أَمَّنَهُمْ وَعَصَمَ دِمَاءَهُمْ جَمِيعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَكَانَ مُقْتَضَى اتِّفَاقِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَنْ لَا يَقُولُوا بِجَوَازِ كِرَاءِ دُورِهَا لَا سِيَّمَا، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ أَرْضَ زِرَاعَةٍ أَوْ أَرْضَ دُورٍ كَمَا فِي تُحْفَةِ الْمُرِيدِ السَّالِكِ لِلْبُنَانِيِّ الْمَكِّيِّ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِرَاءِ دُورِ مَكَّةَ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ عَنْ مَالِكٍ.
(الْأُولَى) الْمَنْعُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْبُنَانِيُّ الْمَكِّيُّ فِي رِسَالَتِهِ تُحْفَةُ الْمُرِيدِ السَّالِكِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ اهـ.
وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ
(وَالثَّانِيَةُ) الْجَوَازُ قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْبُنَانِيُّ الْمَكِّيُّ أَيْضًا، وَفِي مُقَدِّمَاتِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إجَازَةُ ذَلِكَ
стр. 766
نِصْفُ الْعَشَرَةِ لَكِنْ قَالَ الْفُضَلَاءُ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ الثُّمُنُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الصُّنْدُوقِ الرُّبْعُ فَلَمْ يَجْرُوا فِي ذَلِكَ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِجَارَةِ، وَلَمْ يَجْرُوا أَيْضًا فِي الْمُخَالَفَةِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، وَوَجْهُ صِحَّةِ مَا قَالُوهُ أَنَّ الْبِئْرَ كُلَّمَا نَزَلَ فِيهَا ذِرَاعًا فَقَدْ شَالَ مِنْ التُّرَابِ بِسَاطًا مِسَاحَتُهُ عَشَرَةٌ فِي عَشَرَةٍ، وَذَلِكَ مِائَةٌ فَكُلُّ ذِرَاعٍ يُنْزِلُهُ فِي الْبِئْرِ حِينَئِذٍ مِائَةُ ذِرَاعٍ، وَالْأَذْرُعُ عَشَرَةٌ وَعَشَرَةٌ فِي مِائَةٍ بِأَلْفٍ فَالْمُسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ أَلْفُ ذِرَاعٍ فَلَمَّا عَمِلَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ شَالَ فِي الذِّرَاعِ الْأَوَّلِ تُرَابَ خَمْسَةٍ فِي خَمْسَةٍ، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَكُلُّ ذِرَاعٍ مِنْ هَذَا الْمَعْمُولِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالْأَذْرُعُ الْمَعْمُولَةُ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ عِشْرِينَ، وَذَلِكَ مَا عَمِلَهُ، وَنِسْبَتُهُ إلَى الْأَلْفِ نِسْبَةُ الثُّمُنِ فَيَسْتَحِقُّ الثُّمُنَ.
وَأَمَّا الصُّنْدُوقُ فَلَيْسَ فِيهِ بَقْرٌ، وَإِلَّا اسْتَوَتْ الْمَسْأَلَتَانِ بَلْ أَلْوَاحٌ يُلَفِّقُهَا فَهُوَ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى سِتَّةِ أَلْوَاحٍ كُلٌّ مِنْهَا عَشَرَةٌ، وَذَلِكَ دَائِرُهُ أَرْبَعَةٌ وَقَعْرُهُ وَغِطَاؤُهُ فَكُلُّ لَوْحٍ عَشَرَةٌ فِي عَشَرَةٍ فَهُوَ مِائَةُ ذِرَاعٍ، وَالْأَلْوَاحُ سِتَّةٌ فَالْمُسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ سِتُّمِائَةٍ، عَمِلَ سِتَّةً فِي خَمْسَةٍ فَيَكُونُ كُلُّ لَوْحٍ مِنْهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ الْمُتَحَصِّلَةُ مِنْ ضَرْبِ خَمْسَةٍ فِي سِتَّةٍ، وَعِشْرُونَ فِي سِتَّةٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَنِسْبَتُهَا إلَى سِتِّمِائَةٍ كَنِسْبَةِ الرُّبْعِ فَلَهُ الرُّبْعُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا مِنْ أَبْدَعِ مَا يُلْقَى فِي مَسَائِلِ الْمُطَارَحَاتِ عَلَى الْفُقَهَاءِ، وَكَمْ يَخْفَى عَلَى الْفَقِيهِ وَالْحَاكِمِ الْحَقُّ فِي الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِالْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَالْهَنْدَسَةِ فَيَنْبَغِي لِذَوِي الْهِمَمِ الْعَلِيَّةِ أَنْ لَا يَتْرُكُوا الِاطِّلَاعَ عَلَى الْعُلُومِ مَا أَمْكَنَهُمْ:
فَلَمْ أَرَى فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا ... كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَضْمَنُهُ الْأُجَرَاءُ إذَا هَلَكَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَضْمَنُونَهُ)
اعْلَمْ أَنَّ الْهَلَاكَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ مَا هَلَكَ بِسَبَبِ حَامِلِهِ مِنْ عِثَارٍ أَوْ ضَعْفِ حَبْلٍ لَمْ يَغْرُرْ بِهِ أَوْ ذَهَابِ دَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ بِمَا فِيهِمَا فَلَا ضَمَانَ، وَلَا أُجْرَةَ، وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ لِيَحْمِلَهُ قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ مَا هَلَكَ بِعِثَارٍ كَالْهَالِكِ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لِرَبِّ السَّفِينَةِ بِحِسَابِ مَا بَلَغَتْ.
(الثَّانِي) مَا غَرَّ فِيهِ بِضَعْفِ حَبْلٍ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ بِمَوْضِعِ الْهَلَاكِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ التَّفْرِيطِ، وَلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِهِ، وَقِيلَ بِمَوْضِعِ الْحَمْلِ لِأَنَّهُ مِنْهُ ابْتِدَاءُ التَّعَدِّي.
(الثَّالِثُ) مَا هَلَكَ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ بِالْبَيِّنَةِ فَلَهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ، وَعَلَيْهِ حَمْلُ مِثْلِهِمْ مِنْ مَوْضِعِ الْهَلَاكِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْمَنْفَعَةِ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ. (الرَّابِعُ) مَا هَلَكَ بِقَوْلِهِمْ مِنْ الطَّعَامِ لَا يُصَدَّقُونَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا كَمَا فِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ قَالَ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى، وَعَلَيْهِ جَرَى الْعَمَلُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَالْقُضَاةِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ قَالَ، وَبِهِ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَطَاوُسٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَيْنِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ اهـ.
(وَالثَّالِثَةُ) الْكَرَاهَةُ قَالَ الْبُنَانِيُّ الْمَكِّيُّ فِي تُحْفَةِ الْمُرِيدِ السَّالِكِ وَمِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مَنْ ذَهَبَ إلَى كَرَاهَةِ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَكِرَائِهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ فِيهَا أَيْضًا قَالَ فِي الْمُوَازَنَةِ، وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ مَالِكًا ايَكْرَهُ كِرَاءَ بُيُوتِ مَكَّةَ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قَصَدَ بِالْكِرَاءِ الْآلَاتِ وَالْأَخْشَابَ جَازَ، وَإِنْ قَصَدَ فِيهِ الْبُقْعَةَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ اهـ.
قَالَ الْحَطَّابُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا أَيْ لِلتَّنْزِيهِ اهـ.
(وَالرَّابِعَةُ) تَخْصِيصُهَا أَيْ الْكَرَاهَةِ بِالْمَوْسِمِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ، وَاحْتِيَاجِهِمْ لِلْوَقْفِ قَالَ الْبُنَانِيُّ الْمَكِّيُّ أَيْضًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْهُ أَيْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ كِرَاءَهَا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ خَاصَّةً انْتَهَى، وَهَكَذَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْهُ أَيْضًا اهـ.
وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) أَنَّهُمْ اسْتَثْنَوْا فِي مَشْهُورِهِمْ الْمَذْكُورِ مَكَّةَ نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا فَتَكُونُ أَرْضُ مَكَّةَ وَدُورُهَا مِلْكًا لِأَهْلِهَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْدَةِ إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً غَيْرَ أَنَّهُ ﷺ مَنَّ عَلَى أَهْلِهَا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا فَأَرْضُهَا إذًا وَدُورُهَا لِأَهْلِهَا، وَلَكِنْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ التَّوْسِيعَ عَلَى الْحُجَّاجِ إذَا قَدِمُوهَا فَلَا يَأْخُذُوا مِنْهُمْ كِرَاءً فِي مَسَاكِنِهَا فَهَذَا حُكْمُهَا فَلَا عَلَيْك بَعْدَ هَذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَإِنْ كَانَتْ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً انْتَهَى كَمَا فِي تُحْفَةِ الْمُرِيدِ لِلْبُنَانِيِّ الْمَكِّيِّ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) قَالَ الْأَصْلُ، وَمِثْلُهُ لِسَنَدٍ فِي الذَّخِيرَةِ كَمَا فِي تُحْفَةِ الْمُرِيدِ السَّالِكِ لِلْبُنَانِيِّ الْمَكِّيِّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ هَلْ تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ مَالِكٍ أَوْ لِلْإِمَامِ قَسْمُهَا كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ أَوْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ، وَالْقَاعِدَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا أَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ إذَا اتَّصَلَ بِبَعْضِ أَقْوَالِهَا قَضَاءُ حَاكِمٍ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، وَتَعَيَّنَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ، وَبِهَذَا يُجَابُ أَيْضًا عَمَّا قِيلَ إنَّ مُقْتَضَى أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ لَا تُمْلَكُ أَنَّهُ يَحْرُمُ كِرَاءُ دُورِ مِصْرَ وَأَرَاضِيهَا فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ صَرَّحَ فِي الْكِتَابِ أَيْ فِي كِتَابِ الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرِهِ بِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ تَخْطِئَةُ الْقُضَاةِ فِي إثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ، وَعُقُودِ الْإِجَارَاتِ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفَعَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فِيهَا، وَكَذَا فِي كُلِّ مَا قِيلَ إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً كَمَكَّةَ زَادَ الْأَصْلُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الدُّورَ وَقْفٌ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الدُّورَ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ
стр. 767
فِيهِ لِقِيَامِ التُّهْمَةِ، وَلَهُمْ الْكِرَاءُ كُلُّهُ لِأَنَّ شَأْنَ الطَّعَامِ امْتِدَادُ الْأَيْدِي إلَيْهِ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوهُ بِالْعَقْدِ. (الْخَامِسُ) مَا هَلَكَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْعُرُوضِ يُصَدَّقُونَ فِيهِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَلَهُمْ الْكِرَاءُ كُلُّهُ، وَعَلَيْهِمْ حَمْلُ مِثْلِهِ مِنْ مَوْضِعِ الْهَلَاكِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَصَدُوا أَشْبَهَ مَا هَلَكَ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَهُمْ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَسَبِ مَا بَلَغُوا، وَيُفْسَخُ الْكِرَاءُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِمْ أَشْبَهَ مَا هَلَكَ بِعِثَارٍ
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْنَعُ فِيهِ الْجَهَالَةُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْجَهَالَةُ بِحَيْثُ لَوْ فُقِدَتْ فِيهِ الْجَهَالَةُ فَسَدَ)
أَمَّا مَا تُفْسِدُهُ الْجَهَالَةُ فَهُوَ الْبِيَاعَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْإِجَارَاتِ، وَمِنْ الْإِجَارَاتِ قِسْمٌ لَا يَجُوزُ تَعْيِينُ الزَّمَانِ فِيهِ بَلْ يُتْرَكُ مَجْهُولًا، وَهُوَ الْأَعْمَالُ فِي الْأَعْيَانِ كَخِيَاطَةِ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَيِّنَ زَمَانَ الْخِيَاطَةِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ الْيَوْمَ مَثَلًا فَتَفْسُدُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْغَرَرَ بِتَوَقُّعِ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، بَلْ مَصْلَحَتُهُ، وَنَفْيُ الْغَرَرِ عَنْهُ أَنْ يَبْقَى مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِيهَا مُحَدَّدًا مَعْلُومًا لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْغَرَرَ فِي الْعَمَلِ بِأَنْ لَا يَجِدَ الْآبِقَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا بِذَلِكَ السَّفَرِ الْمَعْلُومِ بَلْ نَفْيُ الْغَرَرِ عَنْ الْجَعَالَةِ بِحُصُولِ الْجَهَالَةِ فِيهَا، وَالْجَهَالَةُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ شَرْطٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهِمَا مَانِعًا، وَهَا هُنَا قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ تُعْرَفُ بِجَمْعِ الْفَرْقِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ يُنَاسِبُ الْإِثْبَاتَ وَالنَّفْيَ أَوْ يُنَاسِبُ الضِّدَّيْنِ، وَيَتَرَتَّبَانِ عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الْفِقْهِ فَإِنَّ الْوَصْفَ إذَا نَاسَبَ حُكْمًا نَافَى ضِدَّهُ أَمَّا اقْتِضَاؤُهُ لَهُمَا فَبَعِيدٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْجَعَالَاتِ وَالْإِجَارَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْحَجْرُ يَقْتَضِي رَدَّ التَّصَرُّفَاتِ، وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفَاتِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ صَوْنًا لِمَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى مَصَالِحِهِ، وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ صَوْنًا لِمَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ لِأَنَّا لَوْ رَدَدْنَا الْوَصَايَا لَحَصَلَ الْمَالُ لِلْوَارِثِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَصَارَ صَوْنُ الْمَالِ عَلَى الْمَصَالِحِ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ التَّصَرُّفَاتِ، وَرَدَّ التَّصَرُّفَاتِ، وَكَذَلِكَ الْقَرَابَةُ تُوجِبُ الْبِرَّ بِدَفْعِ الْمَالِ، وَتُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ دَفْعِ الْمَالِ إذَا كَانَ زَكَاةً فَيُحْرَمُوا إيَّاهَا، وَتُعْطَى لِغَيْرِهِمْ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَلِكَ أَقْرِبَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجِبُ بِرُّهُمْ بِسَدِّ خَلَّاتِهِمْ بِالْمَالِ، وَيَحْرُمُ دَفْعُ الْمَالِ إلَيْهِمْ إذَا كَانَ زَكَاةً فَصَارَ قُرْبُهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُوجِبُ دَفْعَ الْمَالِ، وَمَنْعَ الْمَالِ بِاعْتِبَارِ مَالَيْنِ وَنِسْبَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَعْنًى يُوجِبُ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً، وَيُوجِبُ نَقِيضَهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَبِاعْتِبَارِ نِسْبَةٍ أُخْرَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَمَّا إذَا انْهَدَمَتْ تِلْكَ الْأَبْنِيَةُ، وَبَنَى أَهْلُ الْإِسْلَامِ دُورًا غَيْرَ دُورِ الْكُفَّارِ فَهَذِهِ الْأَبْنِيَةُ لَا تَكُونُ وَقْفًا إجْمَاعًا، وَحَيْثُ قَالَ مَالِكٌ لَا تُكْرَى دُورُ مَكَّةَ مَثَلًا يُرِيدُ مَا كَانَ فِي زَمَانِهِ بَاقِيًا مِنْ دُورِ الْكُفَّارِ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ، وَالْيَوْمُ قَدْ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْأَبْنِيَةُ فَلَا يَكُونُ قَضَاءُ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ خَطَأً نَعَمْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ أَيْ تَخْطِئَةُ الْقَضَاءِ بِالْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ وَالشُّفْعَةِ فِي الْأَرَضِينَ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ ثَابِتَةٌ اهـ.
كَلَامُ الْأَصْلِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ أَيْ هَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا جَوَابُهُ عَنْ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً تَخْطِئَةُ الْقُضَاةِ فِيمَا ذُكِرَ إلَّا إذَا سَلَّمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ فُتْيَا يُقَلَّدُ فِيهَا، وَمَذْهَبٌ لَهُ يَجِبُ عَلَى مُقَلِّدِهِ اتِّبَاعُهُ فِيهِ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ شَهَادَةٌ مِنْهُ ﵀ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فُلَانٌ أَخَذَ مَاله غَصْبًا، وَخَالَعَ امْرَأَتَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي يُقَلَّدُ فِيهِ الْإِمَامُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطَيْنِ
(الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ أَحَدَ خَمْسَةِ أُمُورٍ لَا سَادِسَ لَهَا (أَحَدُهَا) الْأَحْكَامُ كَوُجُوبِ الْوِتْرِ (وَثَانِيهَا) الْأَسْبَابُ كَالْمُعَاطَاةِ (وَثَالِثُهَا) الشُّرُوطُ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ (وَرَابِعُهَا) الْمَوَانِعُ كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ (وَخَامِسُهَا) الْحِجَاجُ كَشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ (وَالثَّانِي) أَنْ يَخْتَصَّ بِالْقَوْلِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، وَيُخَالِفُهُ غَيْرُهُ فِيهِ إذْ لَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِنْسَانِ فِي الْعَادَةِ إلَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ كَقَوْلِك هَذِهِ طَرِيقُ زَيْدٍ إذَا اخْتَصَّ بِهِ أَوْ هَذِهِ عَادَتُهُ إذَا اخْتَصَّتْ بِهِ أَمَّا إذَا انْتَفَى الِاخْتِصَاصُ بِأَنْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ فَلَا يُقَالُ إنَّ وُجُوبَ رَمَضَانَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَلَا غَيْرِهِ بَلْ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الْخَمْسَةِ فَلَا يُقَالُ إنَّهَا مَذْهَبٌ يُقَلَّدُ فِيهِ بَلْ هُوَ إمَّا رِوَايَةٌ أَوْ شَهَادَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ إمَامٍ زَيْدٌ زَنَى فَكَمَا لَا نُوجِبُ الرَّجْمَ بِذَلِكَ بَلْ نَقُولُ هَذِهِ شَهَادَةٌ هُوَ فِيهَا أُسْوَةُ جَمِيعِ الْعُدُولِ إنْ كَمُلَ النِّصَابُ بِشُرُوطِهِ رَجَمْنَاهُ، وَإِلَّا فَلَا كَذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فُتِحَتْ مِصْرُ أَوْ مَكَّةُ عَنْوَةً شَهَادَةٌ، وَإِذَا كَانَتْ شَهَادَةً، وَهُوَ لَمْ يُبَاشِرْ الْفَتْحَ تَعَيَّنَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ
(الْأَوَّلُ) أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَقَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ عَنْ غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُدْرَى هَلْ أَذِنَ لَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ فِي النَّقْلِ عَنْهُ أَمْ لَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فَقَدْ عَارَضَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُمَا قَالُوا الْفَتْحُ وَقَعَ صُلْحًا فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ أَحَدَ الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلُ فَتُقَدَّمَ أَوْ يُقَالُ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إذْ الْعُلَمَاءُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ نُفَاوِتَ نَحْنُ بَيْنَ عَدَالَتِهِمْ، وَلَوْ سَلَّمْنَا الْهُجُومَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ، وَلَيْسَ الْعَنْوَةُ، وَالصُّلْحُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ
(وَالْأَمْرُ الثَّانِي) أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عَنْ أَحَدٍ بَلْ هِيَ اسْتِقْلَالٌ، وَحِينَئِذٍ لَا يَتَأَتَّى أَنْ يُقَالَ مُسْتَنَدُهَا
стр. 768
فَإِنَّهُ يُوجِبُ الضِّدَّيْنِ، وَهُوَ ضَابِطُ جَمْعِ الْفَرْقِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمُفَرَّقَاتِ، وَهِيَ الْأَضْدَادُ فَكَذَلِكَ الْجَهَالَةُ تُوجِبُ الْإِخْلَالَ بِمَصَالِح الْعُقُودِ فِي الْبِيَاعَاتِ، وَأَكْثَرِ أَنْوَاعِ الْإِجَارَاتِ فَكَانَتْ مَانِعَةً، وَوُجُودُهَا يُوجِبُ تَحْصِيلَ مَصْلَحَةِ عَقْدِ الْجَعَالَةِ حَتَّى يَبْقَى الْمَجْعُولُ لَهُ عَلَى طَلَبِهِ فَيَجِدُ الْآبِقَ فَلَا يَذْهَبُ عَمَلُهُ الْمُتَقَدِّمُ مَجَّانًا فَإِذَا قَيَّدْنَا عَلَيْهِ الْعَمَلَ، وَقَدَّرْنَاهُ مَعْلُومًا فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْمَعْلُومَ، وَلَمْ يَجِدْ الْآبِقَ ذَهَبَ عَمَلُهُ مَجَّانًا فَضَاعَتْ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَصْلَحَتُهُ مِنْ الْعُقُودِ فِي اللُّزُومِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَصْلَحَتُهُ عَدَمُ اللُّزُومِ)
اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ اللُّزُومُ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَعْقُودِ بِهِ أَوْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَيُنَاسِبُ ذَلِكَ اللُّزُومَ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، وَتَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ غَيْرَ أَنَّ مَعَ هَذَا الْأَصْلِ انْقَسَمَتْ الْعُقُودُ قِسْمَيْنِ
أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَعُقُودِ الْوِلَايَاتِ فَإِنَّ التَّصَرُّفَ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ يَحْصُلُ عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَالْقِسْمُ الْآخَرُ لَا يَسْتَلْزِمُ مَصْلَحَتَهُ مَعَ اللُّزُومِ بَلْ مَعَ الْجَوَازِ وَعَدَمِ اللُّزُومِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ عُقُودُ الْجَعَالَةِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُغَارَسَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَتَحْكِيمِ الْحَاكِمِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْحُكُومَةِ، وَأَنَّ الْجَعَالَةَ لَوْ شُرِعَتْ لَازِمَةً مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَطَّلِعُ عَلَى فَرْطِ بُعْدِ مَكَانِ الْآبِقِ أَوْ عَدَمِهِ مَعَ دُخُولِهِ عَلَى الْجَهَالَةِ بِمَكَانِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ فَجُعِلَتْ جَائِزَةً لِئَلَّا تَجْتَمِعَ الْجَهَالَةُ بِالْمَكَانِ وَاللُّزُومِ، وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ، وَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ حُصُولٌ لِرِبْحٍ فِيهِ مَجْهُولٍ فَقَدْ يَتَّصِلُ بِهِ أَنَّ السِّلَعَ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ لَا يَحْصُلُ فِيهَا رِبْحٌ فَإِلْزَامُهُ بِالسَّفَرِ مَضَرَّةٌ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، وَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ الرِّبْحُ، وَكَذَلِكَ الْمُغَارَسَةُ مَجْهُولَةُ الْعَاقِبَةِ فِي نَبَاتِ الشَّجَرِ، وَجَوْدَةِ الْأَرْضِ، وَمَئُونَاتِ الْأَسْبَابِ عَلَى مُعَانَاةِ الشَّجَرِ مَعَ طُولِ الْأَيَّامِ فَقَدْ يَطَّلِعُ عَلَى تَعَذُّرِ ذَلِكَ أَوْ فَرْطِ بُعْدِهِ فَإِلْزَامُهُ بِالْعَمَلِ ضَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ قَدْ يَطَّلِعُ فِيمَا وُكِّلَ عَلَيْهِ عَلَى تَعَذُّرٍ أَوْ ضَرَرٍ فَجُعِلَتْ عَلَى الْجَوَازِ، وَتَحْكِيمُ الْحَاكِمِ خَطَرٌ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اللُّزُومِ إذَا حَكَمَ فَقَدْ يَطَّلِعُ الْخَصْمَانِ عَلَى سُوءِ الْعَاقِبَةِ فِي ذَلِكَ فَلَا يُشْرَعُ اللُّزُومُ فِي حَقَّيْهِمَا نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمَا، وَاشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي عَدَمِ انْضِبَاطِ الْعَقْدِ بِحُصُولِ مَقْصُودِهِ فَكَانَ الْجَمِيعُ عَلَى الْجَوَازِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
السَّمَاعُ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ عَدُّوا الْمَسَائِلَ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا وَسَلَّمْنَا أَنَّهَا مِنْهَا لَكِنْ حَصَلَ الْمُعَارِضُ الْمَانِعُ مِنْ الْحُكْمِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ ﵀ إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً شَهَادَةٌ لَا مَذْهَبٌ لَهُ حَتَّى يُقَلَّدَ فِيهِ فَتَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَاتِ ظَهَرَ تَخْطِئَةُ مَنْ أَفْتَى بِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالشُّفْعَةِ فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِيهَا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَظْهَرُ تَخْطِئَةُ مَنْ يُفْتِي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِإِبَاحَةِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالشُّفْعَةِ فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَيَجْعَلُونَ هَذَا مِمَّا يُقَلَّدُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَهَادَةٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ آخَرَ مَعَ الشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ بِذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ لَوْ جَاءَ حَاكِمًا شَافِعِيًّا فَقَالَ لَهُ إنَّ فُلَانًا صَالَحَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ نَقْدًا، وَقَدْ صَارَتْ خُلْعًا مِنْهُ هَلْ يَقْضِي بِقَوْلِهِ وَحْدَهُ فَيَخْرِقُ الْإِجْمَاعَ أَوْ يَقُولُ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ آخَرَ مَعَ الشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ بِالْخُلْعِ فَكَمَا يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ وَتَصَرُّفِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ، وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِيهِ أَرْبَعُونَ مَسْأَلَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ اهـ.
بِتَصَرُّفٍ فَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِمَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ شَهَادَةً إذْ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا يَقْصِدُ الْمُخْبِرُ بِهِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَصْلُ قَضَاءٍ، وَلَا إشْعَارَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ بِذَلِكَ الْقَصْدِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ نَوْعًا مِنْ الْخَبَرِ غَيْرِ الشَّهَادَةِ فَمَا بَسَطَهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ مِنْ الْمَسَائِلِ إنْ كَانَتْ مِنْ نَوْعِ مَا قَالَهُ هُنَا مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ الْكِتَابُ بِنَفِيسٍ اهـ.
قُلْت وَفِي الْحَوَاشِي الشِّرْبِينِيُّ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَعَ الْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ كَالْمُتَوَاتِرِ إلَّا أَنَّ حُصُولَهُ فِي الْمُتَوَاتِرِ بِوَاسِطَةِ مَا لَا يَنْفَكُّ التَّعْرِيفُ عَنْهُ عَادَةً مِنْ الْقَرَائِنِ الْمُتَّصِلَةِ فَكَأَنَّهُ مِنْ نَفْسِ الْخَبَرِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ الْمَذْكُورِ فَحُصُولُهُ فِيهِ بِوَاسِطَةِ الْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُمَا قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مُجَاهِدًا بِالْأَسْلِحَةِ نَاشِرًا لِلْأَلْوِيَةِ بَاذِلًا لِلْأَمَانِ لِمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ» ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعَنْوَةِ قَطْعًا عَلَى أَنَّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ بِدُونِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إجْمَاعًا فِي سَائِرِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ سَمْعًا اهـ.
قَالَ الْمَحَلِّيُّ أَيْ لَا عَقْلًا بِشَرْطِهِ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ الْآحَادَ إلَى الْقَبَائِلِ وَالنَّوَاحِي لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْثِهِمْ فَائِدَةٌ اهـ.
قَالَ الْعَطَّارُ عَنْ زَكَرِيَّا، وَشُرُوطُهُ عَدَالَةٌ وَسَمْعٌ
стр. 769
(الْفَرْقُ الْعَاشِرُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُرَدُّ مِنْ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُرَدُّ مِنْهُ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ)
اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ الرَّدُّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ كَسَائِرِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَلِأَنَّهُ الْعَمَلُ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ الْقِرَاضِ يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَّا فِي تِسْعِ مَسَائِلَ الْقِرَاضُ بِالْعُرُوضِ، وَإِلَى أَجَلٍ، وَعَلَى الضَّمَانِ، وَالْمُبْهَمُ، وَبِدِينٍ يَقْتَضِيهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَعَلَى شِرْكٍ فِي الْمَالِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِي إلَّا بِالدَّيْنِ فَاشْتَرَى بِالنَّقْدِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِي إلَّا سِلْعَةً مُعَيَّنَةً لِمَا لَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ فَاشْتَرَى غَيْرَهَا، وَعَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدَ فُلَانٍ بِمَالِ الْقِرَاضِ ثُمَّ يَبِيعُهُ، وَيَتَّجِرُ بِثَمَنِهِ، وَأُلْحِقَ بِالتِّسْعَةِ عَاشِرَةٌ مِنْ غَيْرِ الْفَاسِدِ فَفِي الْكِتَابِ إذَا اخْتَلَفَا وَأَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ لَهُ قِرَاضُ الْمِثْلِ، وَالضَّابِطُ كُلُّ مَنْفَعَةٍ اشْتَرَطَهَا أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنْ الْمَالِ، وَلَا خَالِصَةً لِمُشْتَرِطِهَا، وَمَتَى كَانَتْ خَارِجَةً عَنْ الْمَالِ أَوْ كَانَتْ غَرَرًا حَرَامًا فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فَعَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ تَدُورُ الْمَسَائِلُ، وَعَنْ مَالِكٍ قِرَاضُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بِالْأُجْرَةِ مُطْلَقًا نَظَرًا لِاسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ بِغَيْرِ عَقْدٍ صَحِيحٍ وَإِلْغَاءِ الْفَاسِدِ بِالْكُلِّيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ فِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْفَسَادُ فِي الْعَقْدِ فَقِرَاضُ الْمِثْلِ أَوْ لِزِيَادَةٍ فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ وَرَابِعُهَا لِمُحَمَّدٍ الْأَقَلُّ مِنْ قِرَاضِ الْمِثْلِ الْمُسَمَّى وَخَامِسُهَا تَفْصِيلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ مَسَائِلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ:
وَأُجْرَةُ مِثْلٍ فِي الْقِرَاضِ تَعَيَّنَتْ ... سِوَى تِسْعَةٍ قَدْ خَالَفَ الشَّرْعَ حُكْمُهُ
قِرَاضُ عُرُوضٍ وَاشْتِرَاطُ ضَمَانِهِ ... وَتَحْدِيدُ وَقْتٍ وَالْتِبَاسٌ يَعُمُّهُ
وَإِنْ شَرَطَا فِي الْمَالِ شِرْكًا لِعَامِلٍ ... وَأَنْ يُشْتَرَى بِالدَّيْنِ فَاخْتَلَّ رَسْمُهُ
وَأَنْ يُشْتَرَى غَيْرُ الْمُعَيَّنِ لِلشِّرَا ... وَأَعْطِ قِرَاضَ الْمِثْلِ مِنْ حَالِ غُرْمِهِ
وَأَنْ يَقْتَضِي الدَّيْنَ الَّذِي عِنْدَ غَيْرِهِ ... وَيَتَّجِرَ فِيهِ عَامِلًا لَا يَذُمُّهُ
وَأَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا لِزَيْدٍ يَبِيعُهُ ... وَيَتَّجِرَ فِيمَا ابْتَاعَهُ وَيَلُمُّهُ
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَضَابِطُهَا كُلُّ مَا يَشْتَرِطُ فِيهِ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَمْرًا قَصَرَهُ بِهِ عَلَى نَظَرِهِ أَوْ يَشْتَرِطُ زِيَادَةً لِنَفْسِهِ أَوْ شَرَطَهَا الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِلَّا فَقِرَاضُ الْمِثْلِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَمْرَانِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَبَصَرٌ وَغَيْرُهُ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَحَلِّهِ اهـ.
فَتَعَيَّنَ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ عَنْ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ فَتَأَمَّلْ بِدِقَّةٍ وَسَبَبُ الْخِلَافَ فِي كِرَاءِ دُورِ مَكَّةَ أَمْرَانِ (الْأَوَّلُ) مَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ يُنْظَرُ إلَى أَنَّهُ قَدْ مَنَّ عَلَى أَهْلِهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مُطْلَقًا أَمْ لَا مُطْلَقًا أَمْ يُنْظَرُ إلَيْهِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْمَوْسِمِ. (وَالْأَمْرُ الثَّانِي) تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْبُنَانِيُّ الْمَكِّيُّ فِي رِسَالَتِهِ تُحْفَةِ الْمُرِيدِ السَّالِكِ فَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالْمَنْعِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] قَالُوا الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَكَّةَ لِمَا رَوَى ابْنُ حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْحَرَمُ كُلُّهُ، وَقَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ [الحج: ٢٥] أَيْ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا ثُمَّ قَالَ ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] أَيْ سَوَاءً الْمُقِيمُ فِي الْحَرَمِ، وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا أَوْ الْمُقِيمُ فِيهِ، وَالْغَرِيبُ سَوَاءٌ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَإِجَارَتِهَا لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا لِلنَّاسِ سَوَاءً فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدٌ بِمِلْكٍ فِيهَا دُونَ أَحَدٍ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥] مَا نَصُّهُ وَأَوَّلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَكَّةَ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ [الحج: ٢٥] عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ دُورِهَا وَإِجَارَتِهَا ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْبَادِي وَالْعَاكِفِ فِي مَنَازِلِ مَكَّةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَلَيْسَ الْمُقِيمُ بِهَا أَحَقَّ بِالْمَنْزِلِ مِنْ الْقَادِمِ عَلَيْهَا انْتَهَى، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَإِجَارَتِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٍ وَمَالِكٍ وَإِسْحَاقَ انْتَهَى (وَأَمَّا السُّنَّةُ) فَأَحَادِيثُ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ فَضْلَةَ الْكِنَانِيِّ قَالَ كَانَتْ الدُّورُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ مَا تُبَاعُ وَلَا تُكْرَى، وَلَا تُدْعَى إلَّا السَّوَادَ لَمْ تُبَعْ رِبَاعُهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عُمَرَ فَمَنْ احْتَاجَ سَكَنَ، وَمَنْ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ (وَمِنْهَا) مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ بَيْعُ بُيُوتِ مَكَّةَ، وَلَا إجَارَتُهَا» (وَمِنْهَا) مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا لِيَنْزِلْ الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ (وَمِنْهَا) مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ
стр. 770
(أَحَدُهُمَا) الْمُسْتَثْنَيَاتُ مِنْ الْعُقُودِ إذَا فَسَدَتْ هَلْ تُرَدُّ إلَى صَحِيحِ أَنْفُسِهَا، وَهُوَ الْأَصْلُ كَفَاسِدِ الْبَيْعِ أَوْ إلَى صَحِيحِ أَصْلِهَا لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى إنَّمَا اُسْتُثْنِيَ لِأَجْلِ مَصْلَحَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْأَصْلُ فَيُرَدُّ إلَيْهِ، وَالشَّرْعُ لَمْ يَسْتَثْنِ الْفَاسِدَ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَدَمِ، وَلَهُ أَصْلٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ آخَرُ يَرْجِعُ إلَيْهِ (الْأَمْرُ الثَّانِي) أَنَّ أَسْبَابَ الْفَسَادِ إذَا تَأَكَّدَتْ فِي الْقِرَاضِ أَوْ غَيْرِهِ بَطَلَتْ حَقِيقَةُ الْمُسْتَثْنَى بِالْكُلِّيَّةِ فَتَتَعَيَّنُ الْإِجَارَةُ، وَإِذَا لَمْ تَتَأَكَّدْ اعْتَبَرْنَا الْقِرَاضَ ثُمَّ يَبْقَى النَّظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُفْسِدِ هَلْ هُوَ مُتَأَكِّدٌ أَمْ لَا نَظَرًا فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ.
(الْفَرْقُ الْحَادِي عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاتِ الْمِثْلِ فِي الْمَسَاقَاتِ وَبَيْنَ مَا يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ)
قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ فِي كِتَابِ النَّظَائِرِ يُرَدُّ الْعَامِلُ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ إلَّا فِي خَمْسِ مَسَائِلَ فَلَهُ مُسَاقَاتُ الْمِثْلِ إذَا سَاقَاهُ عَلَى حَائِطٍ فِيهِ تَمْرٍ قَدْ أَطْعَمَ، وَإِذَا شَرَطَ الْعَمَلَ مَعَهُ، وَاجْتِمَاعَهَا مَعَ الْبَيْعِ، وَمُسَاقَاةِ سَنَتَيْنِ عَلَى جُزْأَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا، وَأَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ فَحَلَفَا عَلَى دَعْوَاهُمَا أَوْ نَكَلَا، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
وَأُجْرَةُ مِثْلٍ فِي الْمُسَاقَاةِ عُيِّنَتْ ... سِوَى خَمْسَةٍ قَدْ خَالَفَ الشَّرْعَ حُكْمُهَا
مُسَاقَاةٌ إبَّانَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ... وَجُزْءَانِ فِي عَامَيْنِ شَرْطٌ يَعُمُّهَا
وَإِنْ شَرَطَ السَّاقِي عَلَى مَالِكٍ لَهُ ... مُسَاعَدَةً وَالْبَيْعُ مَعَهَا يَضُمُّهَا
وَإِنْ حَلَفَا فِي الْخُلْفِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ ... أَوْ اجْتَنَبَا الْأَيْمَانَ وَالْحَزْمَ ذَمُّهَا
، وَسِرُّ الْفَرْقِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِرَاضِ بِعَيْنِهِ، وَالْقَوَاعِدُ وَاحِدَةٌ فِيهِمَا.
(الْفَرْقُ الثَّانِي عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ الْأَهْوِيَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ)
اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْأَهْوِيَةِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الْأَبْنِيَةِ فَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ، وَهَوَاءُ الطَّلْقِ طَلْقٌ، وَهَوَاءُ الْمَوَاتِ مَوَاتٌ، وَهَوَاءُ الْمَمْلُوكِ مَمْلُوكٌ، وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فَلَا يَقْرَبُهُ الْجُنُبُ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَهْوِيَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ إلَى قَوْلِهِ سَقْفٌ عَلَيْهِ بُنْيَانٌ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ حِكَايَةٌ لِلْمَذْهَبِ فَلَا كَلَامَ مَعَهُ فِيهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ نَهَى أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يُغْلِقُوا أَبْوَابَ دُورِهِمْ دُونَ الْحُجَّاجِ (وَمِنْهَا) مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ مَنْ أَكَلَ كِرَاءَ بُيُوتِ أَهْلِ مَكَّةَ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ نَارًا فِي بَطْنِهِ، وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ «عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِك بِمَكَّةَ فَقَالَ هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ» ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ لَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ قَالَ الْفَاكِهِيُّ هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ثُمَّ صَارَتْ لِابْنِهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَسَمَهَا بَيْنَ وَلَدِهِ فَمِنْ ثَمَّ صَارَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَقُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِيهَا وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ اهـ.
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكُهُ فَأَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ وَكَانَ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا طَالِبٌ وَعَقِيلٌ عَلَى الدَّارِ كُلِّهَا بِاعْتِبَارِ مَا وَرِثَاهُ مِنْ أَبِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا كَانَا لَمْ يُسْلِمَا، وَبِاعْتِبَارِ تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ لِحَقِّهِ مِنْهَا بِالْهِجْرَةِ، وَفَقْدِ طَالِبٍ بِبَدْرٍ فَبَاعَ عَقِيلٌ الدَّارَ كُلَّهَا.
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ كَانَ أَبُو طَالِبٍ أَكْبَرَ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ احْتَوَى عَلَى أَمْلَاكِهِ وَحْدَهُ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ فَتَسَلَّطَ عَلَيْهَا عَقِيلٌ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَاعَهَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ بَاعَ عَقِيلٌ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَلِمَنْ هَاجَرَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِدُورِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا أَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصَرُّفَاتِ عَقِيلٍ إمَّا كَرَمًا وُجُودًا، وَإِمَّا اسْتِمَالَةً لِعَقِيلٍ، وَإِمَّا تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ اهـ.
حَكَى الْفَاكِهِيُّ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَمْ تَزَلْ بِيَدِ أَوْلَادِ عَقِيلٍ إلَى أَنْ بَاعُوهَا لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ اهـ.
كَمَا فِي الْعَيْنِيِّ وَالْقَسْطَلَّانِيِّ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَجَازَ بَيْعَ عَقِيلٍ الدُّورَ الَّتِي وَرِثَهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ بَيْعَ عَقِيلٍ الدُّورَ الَّتِي وَرِثَهَا، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ وَرِثَا أَبَاهُمَا لِأَنَّهُمَا إذْ ذَاكَ كَانَا كَافِرَيْنِ فَوَرِثَاهَا ثُمَّ أَسْلَمَ عَقِيلٌ فَبَاعَهَا اهـ.
وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ فَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ فَأَمَّا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَارِّ فَهُوَ لِأَنَّهُ يُقَاوِمُ حَدِيثَ أُسَامَةَ هَذَا فِي صِحَّتِهِ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ إسْمَاعِيلَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، وَضَعَّفَهُ يَحْيَى، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْأَصْلُ فِي بَابِ الْمُعَارَضَةِ التَّسَاوِي، وَلَئِنْ
стр. 771
الْقَاعِدَةِ أَنْ يُمْنَعَ بَيْعُ هَوَاءِ الْمَسْجِدِ وَالْأَوْقَافِ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ لِمَنْ أَرَادَ غَرْزَ خَشَبٍ حَوْلَهَا، وَيَبْنِيَ عَلَى رُءُوسِ الْخَشَبِ سَقْفٌ عَلَيْهِ بُنْيَانٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَّا فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ يَجُوزُ إخْرَاجُ الرَّوَاشِنِ وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَدَّةً فَإِذَا كَانَتْ مُسْتَدَّةً امْتَنَعَ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهَا كُلُّهُمْ، وَسَبَبُ خُرُوجِ الرَّوَاشِنِ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْأَفْنِيَةَ هِيَ بَقِيَّةُ الْمَوَاتِ الَّذِي كَانَ قَابِلًا لِلْإِحْيَاءِ فَمَنْعُ الْإِحْيَاءِ فِيهِ لِضَرُورَةِ السُّلُوكِ وَرَبْطِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْهَوَاءِ فَيَبْقَى عَلَى حَالِهِ مُبَاحًا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَدَّةُ فَلَا لِحُصُولِ الِاخْتِصَاصِ وَتَعَيُّنِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ. هَذَا تَفْصِيلُ أَحْوَالِ الْأَهْوِيَةِ، وَأَمَّا مَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ الَّذِي هُوَ عَكْسُ الْأَهْوِيَةِ إلَى جِهَةِ السُّفْلِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْأَبْنِيَةِ فَقَدْ نَصَّ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا حُفِرَ تَحْتَهُ مَطْمُورَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَعْبُرَهَا الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ.
وَقَالَ لَوْ أَجَزْنَا الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ، وَعَلَى ظَهْرِهَا لَمْ نُجِزْهَا فِي مَطْمُورَةٍ تَحْتَهَا فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمُخَالَفَةِ الْأَهْوِيَةِ لِمَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَلَكَ أَرْضًا هَلْ يَمْلِكُ مَا فِيهَا، وَمَا تَحْتَهَا أَمْ لَا، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مِلْكِ مَا فَوْقَ الْبِنَاءِ مِنْ الْهَوَاءِ عَلَى مَا عَلِمْت، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى بَيْعِ الْهَوَاءِ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ النَّاسَ شَأْنُهُمْ تَوَفُّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الْعُلُوِّ فِي الْأَبْنِيَةِ لِلِاسْتِشْرَافِ وَالنَّظَرِ إلَى الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ مِنْ الْأَنْهَارِ وَمَوَاضِعِ الْفَرَحِ وَالتَّنَزُّهِ وَالِاحْتِجَابِ عَنْ غَيْرِهِمْ بِعُلُوِّ بِنَائِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ، وَلَا تَتَوَفَّرُ دَوَاعِيهِمْ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَمْسِكُ بِهِ الْبِنَاءُ مِنْ الْأَسَاسَاتِ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى جَبَلٍ أَوْ أَرْضٍ صُلْبَةٍ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَّا فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ، وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الرَّوْشَنِ إلَى قَوْلِهِ هَذَا تَفْصِيلُ أَحْوَالِ الْأَهْوِيَةِ) قُلْت تَعْلِيلُهُ بَقَاءُ أَهْوِيَةِ الطُّرُقِ غَيْرِ الْمُسْتَدَّةِ عَلَى حَالِهَا مِنْ قَبُولِهَا لِلْإِحْيَاءِ بِعَدَمِ الضَّرُورَةِ الْمُلْجِئَةِ إلَيْهَا مُشْعِرٌ بِنَقِيضِ مَا حَكَاهُ عَنْ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْهَوَاءِ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ حُكْمُ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلَى ذَلِكَ فَمُقْتَضَى ذَلِكَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا تُلْجِئُ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، وَالْمُحَكَّمُ فِي ذَلِكَ الْعَادَةُ فَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ.
قَالَ (وَأَمَّا مَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ إلَى قَوْلِهِ، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى بَيْعِ هَوَاءٍ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ لَا كَلَامَ فِيهِ قَالَ (وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ النَّاسَ شَأْنُهُمْ تَوَفُّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الْعُلُوِّ فِي الْأَبْنِيَةِ إلَى قَوْلِهِ. وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى جَبَلٍ أَوْ أَرْضٍ صُلْبَةٍ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ)
قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا تَتَوَفَّرُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
سَلَّمْنَا الْمُسَاوَاةَ عَلَى تَقْدِيرِ فَرْضِ صِحَّةِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَلَا يُكْتَفَى بِهَا بَلْ يُكْشَفُ عَنْ وَجْهِ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَوَجَدْنَا أَنَّ مَا يَقْضِي بِهِ حَدِيثُ أُسَامَةَ أَوْلَى وَأَصْوَبُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَذَاكَ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَجَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا بِنَاءً، وَلَا يَحْجُرَ مَوْضِعًا مِنْهَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْبَنِيَ فِيهِ بِنَاءٌ، وَكَذَلِكَ مِنًى لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا دَارًا لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَتَّخِذُ لَك بِمِنًى بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ، قَالَ: لَا يَا عَائِشَةُ إنَّهَا مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ» فَقَالَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَوَجَدْنَا مَكَّةَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ أُجِيزَ فِيهَا الْبِنَاءُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارِهِ فَهُوَ آمِنٌ» فَأَثْبَتَ لِأَبِي سُفْيَانَ مِلْكَ دَارِهِ.
وَأَثْبَتَ لَهُمْ أَمْلَاكَهُمْ عَلَى دُورِهِمْ حَيْثُ أَضَافَا إلَيْهِمْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ مِمَّا يُبْنَى فِيهَا الدُّورُ، وَمِمَّا يُغْلَقُ عَلَيْهَا الْأَبْوَابُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَكُونُ صِفَتُهَا صِفَةَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهَا الْأَمْلَاكُ، وَتَقَعُ فِيهَا الْمَوَارِيثُ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بَيْعُ الدُّورِ الَّتِي فِيهَا، وَتَجُوزُ إجَارَتُهَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ أَضَافَ النَّبِيُّ ﷺ الدَّارَ لِأَبِي سُفْيَانَ إضَافَةَ مِلْكٍ بِقَوْلِهِ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَهُمْ دُورٌ بِمَكَّةَ دَارٌ لِأَبِي بَكْرٍ، وَلِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُمْ فَبَعْضٌ بِيعَ، وَبَعْضٌ فِي يَدِ أَعْقَابِهِمْ إلَى الْيَوْمِ، وَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاشْتَرَى مُعَاوِيَةُ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ دَارَيْنِ بِمَكَّةَ إحْدَاهُمَا بِسِتِّينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَالْأُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهَذِهِ قِصَصٌ اشْتَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ فَصَارَتْ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا أَرْضٌ حَيَّةٌ لَمْ تَرِدْ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ فَجَازَ بَيْعُهَا كَسَائِرِ الْأَرَاضِي اهـ.
كَمَا فِي الْعَيْنِيِّ قَالَ الْحَطَّابُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مَنْسَكِ خَلِيلٍ قَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ، وَالْقَوْلُ بِمَنْعِ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَخُلَفَائِهِمْ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ وَقَائِعَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةَ ﵃ قَالَ الْحَطَّابُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كِرَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا فَذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ، وَأَبَاحَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيْعَ رِبَاعِ
стр. 772
وَالشَّرْعُ لَهُ قَاعِدَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يُمْلَكُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، وَمَا لَا حَاجَةَ فِيهِ لَا يُشْرَعُ فِيهِ الْمِلْكُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْلَكْ مَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ بِخِلَافِ الْهَوَاءِ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ، وَالْمَسَاجِدُ وَالْكَعْبَةُ لَمَّا كَانَتْ بُيُوتًا كَانَتْ الْمَقَاصِدُ فِيهَا لِمَنْ يَدْخُلُهَا مُتَعَلِّقَةً بِهَوَائِهَا دُونَ مَا تَحْتَ بِنَائِهَا كَالْمَمْلُوكَاتِ فَإِنْ قُلْت وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ مَا تَحْتَ ذَلِكَ الشِّبْرِ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ قُلْت تَطْوِيقَةُ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ عُقُوبَةً لَا لِأَجْلِ مِلْكِ صَاحِبِ الشِّبْرِ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعُقُوبَةِ بِالشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِ اللَّهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الدَّوَاعِي فِي بَطْنِ الْأَرْضِ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا يَتَمَسَّكُ بِهِ الْبِنَاءُ مِنْ الْأَسَاسَاتِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَيْفَ وَقَدْ تَوَفَّرَتْ عَلَيْهِ دَوَاعِي كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ كَحَفْرِ الْأَرْضِ لِلْجُبُوبِ وَالْمَصَانِعِ وَالْآبَارِ الْعَمِيقَةِ هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْهُ شَدِيدَةٌ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَ مَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ كَحُكْمِ الْأَهْوِيَةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ مَطْمُورَةً تَحْتَ مِلْكِ غَيْرِهِ يَتَوَصَّلُ إلَيْهَا مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ وَلَا خِلَافَ فَلَوْ كَانَ مَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْأَبْنِيَةِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ قَبُولِهِ لِلْإِحْيَاءِ لَمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَالشَّرْعُ لَهُ قَاعِدَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يُمْلَكُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، وَمَا لَا حَاجَةَ فِيهِ لَا يُشْرَعُ فِيهِ الْمِلْكُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْلَكْ مَا تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ بِخِلَافِ الْهَوَاءِ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ) قُلْت إذَا كَانَتْ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَنْ لَا يُمْلَكَ إلَّا مَا فِيهِ الْحَاجَةُ، وَأَيُّ حَاجَةٍ فِي الْبُلُوغِ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، وَإِذَا كَانَتْ الْقَاعِدَةُ أَنَّهُ يُمْلَكُ مِمَّا فِيهِ الْحَاجَةُ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ مِلْكِ مَا تَحْتَ الْبِنَاءِ لِحَفْرِ بِئْرٍ يُعَمِّقُهَا حَافِرُهَا مَا شَاءَ فَمَا ذُكِرَ مِنْ سِرِّ الْفَرْقِ لَمْ يَظْهَرْ، وَبَقِيَ سِرًّا كَمَا كَانَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ لَا شَكَّ فِيهِ مِنْ أَنَّ مَنْ مَلَكَ مَوْضِعًا لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ، وَيَرْفَعَ فِيهِ الْبِنَاءَ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِيهِ مَا شَاءَ، وَيُعَمِّقَ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ قَالَ (فَإِنْ قُلْت وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي الْجَوَابِ) قُلْت لَا شَكَّ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ إشْعَارًا بِمِلْكِ مَا تَحْتَ الشِّبْرِ مِنْ الْأَرَضِينَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَكُونُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْعُقُوبَةِ بِأَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْإِشْعَارَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَكَّةَ، وَكِرَاءَ مَنَازِلِهَا مِنْهُمْ طَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ حُجَجَ كُلِّ قَوْلٍ، وَقَالَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ قَوْلُ اللَّهِ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] وَقَوْلُهُ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارِهِ فَهُوَ آمِنٌ» فَأَثْبَتَ لِأَبِي سُفْيَانَ مِلْكَ دَارِهِ، وَأَثْبَتَ لَهُمْ أَمْلَاكَهُمْ عَلَى دُورِهِمْ.
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ «هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا، وَأَنَّ عُمَرَ ابْتَاعَ دَارًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَنَّ دُورَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَيْدِي أَعْقَابِهِمْ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ بِيعَ بَعْضُهَا، وَتُصُدِّقَ بِبَعْضِهَا، وَلَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا فِي أَمْلَاكِهِمْ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ اهـ.
(وَأَمَّا) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: ٢٥] الْآيَةَ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَسْجِدُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النُّسُكُ وَالصَّلَاةُ لَا سَائِرُ دُورِ مَكَّةَ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إذْ لَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَاقِعًا عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ لَمَا جَازَ حَفْرُ بِئْرٍ وَلَا قَبْرٍ، وَلَا التَّغَوُّطُ، وَلَا الْبَوْلُ، وَلَا إلْقَاءُ الْجِيَفِ وَالنَّتْنِ، وَلَا دُخُولُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ الْحَرَمَ، وَالْجِمَاعُ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ عَالِمًا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا كَرِهَ لِجُنُبٍ وَحَائِضٍ دُخُولَ الْحَرَمِ وَلَا الْجِمَاعَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ الِاعْتِكَافُ فِي دُورِ مَكَّةَ، وَحَوَانِيتِهَا، وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ كَمَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ
(وَأَمَّا) عَنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ فَضْلَةَ الْكِنَانِيِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فَهُوَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عَلْقَمَةَ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَالْمُنْقَطِعُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ كَمَا قَامَتْ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ
(وَأَمَّا) عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَهُوَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَالْمَوْقُوفُ لَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ أُسَامَةَ الْمَرْفُوعَ
(وَأَمَّا) عَمَّا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالطَّحَاوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا كَرَاهَةُ الْكِرَاءِ رِفْقًا بِالْوُفُودِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارِهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ كَانَ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ حَرَامًا لَمَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ فَدَلَّ شِرَاؤُهُ ﵁ عَلَى الْجَوَازِ اهـ.
كَلَامُ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْبُنَانِيِّ الْمَكِّيِّ فِي تُحْفَةِ الْمُرِيدِ بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ مَا
(تَنْبِيهٌ) فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ الْبُنْيَانَ الَّذِي أَحْدَثَهُ النَّاسُ بِمِنًى قَالَ سَنَدٌ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مِنًى لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْجُرَ فِيهَا مَوْضِعًا يَحُوزُهُ لَهُ إلَّا أَنْ يُنَزِّلَ مِنْهَا مَنْزِلًا فَيَخْتَصَّ بِهِ
стр. 773
(الْفَرْقُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْلَاكِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْلَاكِ النَّاشِئَةِ عَنْ غَيْرِ الْإِحْيَاءِ)
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مُشْكِلٌ عَلَى مَذْهَبِنَا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الْإِحْيَاءَ عِنْدَنَا إذَا ذَهَبَ ذَهَبَ الْمِلْكُ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُحْيِيَهُ، وَيَصِيرَ مَوَاتًا كَمَا كَانَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄ لَا يَزُولُ الْمِلْكِ بِزَوَالِ الْإِحْيَاءِ لِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» فَجَعَلَ ﷺ لَهُ الْمِلْكَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ إبْطَالِهِ، وَاسْتِصْحَابُهُ الثَّانِي قِيَاسُ الْإِحْيَاءِ عَلَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَسَائِرِ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ. الثَّالِثُ الْقِيَاسُ عَلَى مَنْ تَمَلَّكَ لُقَطَةً ثُمَّ ضَاعَتْ مِنْهُ فَإِنَّ عَوْدَهَا إلَى حَالِ الِالْتِقَاطِ لَا يُسْقِطُ مِلْكَ مُتَمَلِّكِهَا، وَهَذَا مُسَاوٍ لِلْمَسْأَلَةِ فِي الْعَوْدِ لِلْحَالَةِ السَّابِقَةِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ لَنَا بِسَبَبِ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَقَدْ رُتِّبَ الْمِلْكُ عَلَى وَصْفِ الْإِحْيَاءِ فَيَكُونُ الْإِحْيَاءُ سَبَبَهُ، وَعِلَّتَهُ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ وَسَبَبِهِ فَيَبْطُلُ الْمِلْكُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِهَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَدُلُّ لَنَا غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ فَهِيَ لَهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْلَاكِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْلَاكِ النَّاشِئَةِ عَنْ غَيْرِ الْإِحْيَاءِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ، وَهَذَا مُسَاوٍ لِلْمَسْأَلَةِ فِي الْعَوْدِ لِلْحَالَةِ السَّابِقَةِ)
قُلْت مَا قَالَهُ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَاحْتِجَاجٌ وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ قَالَ
(وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ لَنَا بِسَبَبِ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَقَدْ رُتِّبَ الْمِلْكُ عَلَى وَصْفِ الْإِحْيَاءِ فَيَكُونُ الْإِحْيَاءُ سَبَبَهُ، وَعِلَّتَهُ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ وَسَبَبِهِ فَيَبْطُلُ الْمِلْكُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِهَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ)
قُلْت أَمَّا الْقَاعِدَتَانِ فَمُسَلَّمَتَانِ صَحِيحَتَانِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مَا قَالَهُ مِنْ بُطْلَانِ هَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ قَدْ ثَبَتَ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُسَبِّبُهُ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ الْإِحْيَاءُ، وَلَا يَصِحُّ ارْتِفَاعُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ ارْتِفَاعِ الْوَاقِعِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا مَغْزَاهُ أَنَّ الْإِحْيَاءَ لَمْ يَسْتَمِرَّ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْأَسْبَابِ كُلِّهَا فَإِنَّ الْمِلْكَ الْمُرَتَّبَ عَلَى الشِّرَاءِ أَوْ عَلَى الْإِرْثِ أَوْ عَلَى الْهِبَةِ لَمْ تَسْتَمِرَّ أَسْبَابُهُ فَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ مَتَى غَفَلَ الْإِنْسَانُ عَنْ تَجْدِيدِ شِرَاءِ مُشْتَرَاهُ أَنْ يَبْطُلَ مِلْكُهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا فَجَوَابُهُ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ قَالَ (سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَدُلُّ لَنَا غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ فَهِيَ لَهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ مَنْسَكِهِ وَيَخْرُجَ مِنْهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَتْهُ «عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَبْنِي لَك مَوْضِعًا يُظِلُّك بِمِنًى قَالَ لَا مِنًى مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ» خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَهَذَا يَمْنَعُ أَنْ يَحْجُرَ أَحَدٌ فِيهَا بُنْيَانًا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَازِلًا بِالْبُنْيَانِ الَّذِي بِهَا ثُمَّ وَإِنْ كَانَ بِهَا كُرِهَ لَهُ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ، وَكَرِهَ إجَارَةَ الْبُنْيَانِ الَّذِي بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ الْمَكِّيُّ فِي تُحْفَةِ الْمُرِيدِ.
٢ -
(الشَّرْطُ الْخَامِسُ) أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ احْتِرَازًا عَنْ إجَارَةِ الْأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا وَالْغَنَمِ لِنِتَاجِهَا قَالَهُ الْأَصْلُ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَمِثْلُهُ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ إلَّا أَنَّهُ زَادَ قَيْدَ قَصْدٍ حَيْثُ قَالَ بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنِ قَصْدٍ فَقَالَ بَهْرَامُ اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ إجَارَةِ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ بَعْضَهَا، وَإِنْ ذَهَبَ بِالِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ بِحُكْمِ التَّبَعِ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ وَالشَّاةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَطَّ الْفَائِدَةِ قَوْلُهُ قَصْدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْإِجَارَةِ اسْتِيفَاءُ عَيْنٍ لَكِنْ لَا قَصْدًا أَفَادَهُ الْعَدَوِيُّ عَلَى الْخَرَشِيِّ.
وَقَالَ تَبَعًا لعبق لَا يَخْفَى أَنَّ إطْلَاقَ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى الْأَشْجَارِ وَالْغَنَمِ لِمَا ذُكِرَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا بَيْعُ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا فِيهِمَا بَيْعُ ذَاتٍ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِهِمَا فِي مُحْتَرِزِ هَذَا الشَّرْطِ نَعَمْ يَصِحُّ جَعْلُهُمَا مُحْتَرَزَهُ إنْ اسْتَأْجَرَ الشَّجَرَ لِأَمْرَيْنِ التَّجْفِيفِ عَلَيْهَا، وَأَخْذُ ثَمَرَتِهَا وَالشَّاةَ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِي شَيْءٍ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِيهِ، وَلِأَخْذِ لَبَنِهَا اهـ.
وَسَلَّمَهُ مَحْشُوًّا عبق قَالَ الْأَصْلُ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ مَنْعِ مَا يَتَضَمَّنُ اسْتِيفَاءَ عَيْنِ إجَارَةُ الْمُرْضِعِ لِلَبَنِهَا لِلضَّرُورَةِ فِي الْحَضَانَةِ اهـ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ وَلِنَصِّ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ كَانَتْ أُجْرَةُ الظِّئْرِ نَقْدًا أَوْ طَعَامًا، وَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ لِلْعِلَّةِ السَّابِقَةِ، وَلَوْ كَانَ الرَّضِيعُ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ أَيْ كَجَحْشٍ صَغِيرٍ أَوْ مُهْرٍ صَغِيرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَيَجُوزُ أَنْ تُكْرَى لَهُ حِمَارَةٌ تُرْضِعُهُ لِلضَّرُورَةِ اهـ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَيْهِ فَالْوَلَدُ الصَّغِيرُ إذَا لَمْ يَجِدْ امْرَأَةً تُرْضِعُهُ يَرْضَعُ عَلَى الْحِمَارِ قَالَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ اهـ.
(الشَّرْطُ السَّادِسُ) أَنْ يَقْدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا احْتِرَازًا مِنْ اسْتِئْجَارِ الْأَخْرَسِ لِلْكَلَامِ، وَالْأَعْمَى لِلْخَطِّ قَالَ الْخَرَشِيُّ مِنْ شُرُوطِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ حِسًّا فَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْأَعْمَى لِلْخَطِّ، وَالْأَخْرَسِ لِلْكَلَامِ، وَشَرْعًا فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ وَالدُّعَاءِ وَحَلِّ الْمَرْبُوطِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا عَلَى تَعْلِيمِ الْغِنَاءِ وَدُخُولِ الْحَائِضِ الْمَسْجِدِ اهـ. وَكَتَبَ الْعَدَوِيُّ عَلَى قَوْلِهِ وَشَرْعًا مَا نَصُّهُ قَدْ يُقَالُ يُسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا حَظْرَ كَمَا فِي عبق اهـ.
(الشَّرْطُ
стр. 774
مُطْلَقَ الْمِلْكِ فَإِنَّ لَفْظَ لَهُ لَيْسَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ بَلْ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّا نُثْبِتُ مُطْلَقَ الْمِلْكِ مِنْ الْإِحْيَاءِ.
وَإِنَّمَا يَحْصُلُ مَقْصُودًا أَنْ لَوْ اقْتَضَى الْحَدِيثُ الْمِلْكَ بِوَصْفِ الْعُمُومِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعَنْ الثَّانِي الْفَرْقُ بِأَنَّ الْإِحْيَاءَ سَبَبٌ فِعْلِيٌّ تُمْلَكُ بِهِ الْمُبَاحَاتُ مِنْ الْأَرْضِ، وَأَسْبَابُ تِلْكَ الْمُبَاحَاتِ الْفِعْلِيَّةِ ضَعِيفَةٌ لِوُرُودِهَا عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ سَابِقٍ بِخِلَافِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ الْقَوْلِيَّةِ لَا يَبْطُلُ الْمِلْكُ بِبُطْلَانِ أَصْوَاتِهَا وَانْقِطَاعِهَا لِأَنَّهَا تَرِدُ عَلَى مَمْلُوكٍ غَالِبًا فَلِتَأَصُّلِ الْمِلْكِ قَبْلَهَا قَوِيَتْ إفَادَتُهَا لِلْمِلْكِ لِاجْتِمَاعِ إفَادَتِهَا مَعَ إفَادَةِ مَا قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ إذَا وَرَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْإِحْيَاءِ لَمْ يُنْتَقَضْ الْمِلْكُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَظَاهُرِ الْأَسْبَابِ فَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا إذَا تَمَلَّكَ الصَّيْدَ بِالِاصْطِيَادِ ثُمَّ تَوَحَّشَ بَطَلَ الْمِلْكُ فِيهِ، وَالسَّمَكُ إذَا انْفَلَتَ فِي النَّهْرِ يَبْطُلُ مِلْكُهُ، وَالْمَاءُ إذَا حِيرَ ثُمَّ اخْتَلَطَ بِالنَّهْرِ أَوْ الطَّيْرُ أَوْ النَّحْلُ أَبْيَنُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إذَا انْفَلَتَ وَتَوَحَّشَ بَطَلَ الْمِلْكُ فِيهِ نَظَرًا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَإِنْ قُلْت الْإِقْطَاعُ سَبَبٌ قَوْلِيٌّ وَارِدٌ عَلَى مَمْلُوكٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُمْلَكُ بَيْعُهُ قُلْت هَذَا سُؤَالُ عَكْسٍ لِأَنَّا ادَّعَيْنَا قُصُورَ الْإِحْيَاءِ، وَأَنْتُمْ أَبْدَيْتُمْ حُكْمَ الْقُصُورِ بِدُونِ الْإِحْيَاءِ، وَإِبْدَاءُ الْحُكْمِ بِدُونِ سَبَبٍ أَوْ عِلَّةٍ عَكْسٌ، وَهُوَ عَكْسُ النَّقِيضِ، وَهُوَ إبْدَاءُ الْعِلَّةِ بِدُونِ حُكْمِهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
مُطْلَقَ الْمِلْكِ إلَى آخِرِ قَوْلِهِ بِوَصْفِ الْعُمُومِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ)
قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَقْتَضِي الْمِلْكَ بِوَصْفِ الدَّوَامِ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ هُنَا قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْمِلْكَ يَدُومُ بَعْدَ ثُبُوتِ سَبَبِهِ إلَّا أَنْ يَلْزَمَهُ مَا يُنَاقِضُهُ قَالَ (وَعَنْ الثَّانِي الْفَرْقُ بِأَنَّ الْإِحْيَاءَ سَبَبٌ فِعْلِيٌّ تُمْلَكُ بِهِ الْمُبَاحَاتُ مِنْ الْأَرْضِ، وَأَسْبَابُ تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ الْفِعْلِيَّةِ ضَعِيفَةٌ لِوُرُودِهَا عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ سَابِقٍ)
قُلْت مَا قَالَهُ دَعْوَى يُقَابَلُ بِمِثْلِهَا بِأَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْقَوْلِيَّةَ هِيَ الضَّعِيفَةُ لِوُرُودِهَا عَلَى مِلْكٍ سَابِقٍ فَيُعَارَضُ الْمِلْكَانِ السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ بِالْإِحْيَاءِ فَلَمْ يَسْبِقْهُ مَا يُعَارِضُهُ فَهُوَ أَقْوَى قَالَ (بِخِلَافِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ الْقَوْلِيَّةِ لَا يَبْطُلُ الْمِلْكُ بِبُطْلَانِ أَصْوَاتِهَا وَانْقِطَاعِهَا لِأَنَّهَا تَرِدُ عَلَى مَمْلُوكٍ غَالِبًا إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ نَظَرًا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ) قُلْت كُلُّ ذَلِكَ دَعْوَى، وَهُوَ عَيْنُ الْمَذْهَبِ أَوْ مُرَتَّبَةً عَلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ.
قَالَ (فَإِنْ قُلْتَ الْإِقْطَاعُ سَبَبٌ قَوْلِيٌّ وَارِدٌ عَلَى مَمْلُوكٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُمْلَكُ بَيْعُهُ) قَالَ (قُلْت هَذَا سُؤَالُ عَكْسٍ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ إبْدَاءُ الْعِلَّةِ بِدُونِ حُكْمِهَا) قُلْت إذَا كَانَ سُؤَالَ عَكْسٍ فَلِمَ لَا يَكُونُ وَارِدًا وَقَادِحًا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
السَّابِعُ) أَنْ تَحْصُلَ لِلْمُسْتَأْجِرِ احْتِرَازًا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ أَيْ مِمَّا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا عَيْنًا كَصَلَاةِ الْفَرْضِ أَوْ كِفَائِيًّا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ كَانَ سُنَّةً كَصَلَاةِ الْوِتْرِ أَوْ رَغِيبَةً كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ نَفْلًا كَأَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَهُ.
وَقَبْلَ الْعَصْرِ قَالَ الْبُنَانِيُّ وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ مِنْ سَائِرِ الْمَنْدُوبَاتِ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَيُّنِ الْعِبَادَةِ وُجُوبُهَا لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْدُوبَاتِ الصَّلَاةِ أَيْ وَالصَّوْمِ مُتَعَيِّنَةٌ كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ وَصِيَامِ عَاشُورَاءَ وَعَرَفَةَ فَهَذِهِ يُمْنَعُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَمَعْنَى تَعَيُّنِهَا عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُقُوعُهَا مِنْ غَيْرِ مَنْ خُوطِبَ بِهَا فَلَوْ أُجِيزَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ اهـ.
قَالُوا هَذَا حُكْمُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ وَالْمَنْدُوبِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَالْإِجَارَةُ عَلَيْهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُصُولِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ وُصُولُ ذَلِكَ لَهُ بِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَغَيْرِهِ اُنْظُرْ مُصْطَفَى الرَّمَاصِيَّ اهـ.
كَلَامُ الْبُنَانِيِّ قَالَ وَقَدْ نَصَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فَإِنْ قُلْت صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عِبَادَةٌ لَا يَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا قُلْت لَمَّا كَانَتْ عِبَادَةً مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ الْمُتَمَيِّزَةِ بِصُورَتِهَا لِلْعِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ لَا تُفْعَلُ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ مُنِعَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الْغُسْلُ فَيَكُونُ لِلْعِبَادَةِ وَالنَّظَافَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَا الْحَمْلُ لِلْمَيِّتِ شَارَكَهُ فِي الصُّورَةِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَتَمَحَّضْ بِصُورَتِهِ لِلْعِبَادَةِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَأُلْحِقَتْ بِمَا أَشْبَهَتْهُ اهـ.
اُنْظُرْ مُصْطَفَى الرَّمَاصِيَّ. اهـ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَى الْخَرَشِيِّ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِئْجَارُ فِيهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي حَاشِيَةِ اللَّقَانِيِّ اهـ.
أَيْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمَّا لَمْ يُفْعَلْ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ مُنِعَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَفِي بِدَايَةِ الْحَفِيدِ وَاتَّفَقُوا عَلَى إبْطَالِ كُلِّ مَنْفَعَةٍ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالشَّرْعِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي إجَارَةِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الْأَذَانِ فَقَوْمٌ لَمْ يَرَوْا فِيهِ بَأْسًا، وَقَوْمٌ كَرِهُوا ذَلِكَ مُحْتَجِّينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اتَّخِذُوا مُؤَذِّنًا لَا يَتَّخِذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» وَالْمُبِيحُونَ قَاسُوهُ عَلَى الْأَفْعَالِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَأَجَازَهُ قَوْمٌ مُحْتَجِّينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ «خَارِجَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ عَمِّهِ قَالَ أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 775
فَإِنْ قُلْت فَإِذَا أَحْيَا فِي الْإِقْطَاعِ لِمَ لَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ بِبُطْلَانِ إحْيَائِهِ قُلْت ذَلِكَ لِسَبَبٍ غَيْرِ الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِقْطَاعَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْأَئِمَّةِ لَا يُنْقَضُ، وَتُصَانُ أَحْكَامُ الْأَئِمَّةِ عَنْ النَّقْضِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ تَمَلُّكَ الْمُلْتَقَطِ وَرَدَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيهِ الْمِلْكُ، وَتَقَرَّرَ فَكَانَ تَأْثِيرُ السَّبَبِ فِيهِ أَقْوَى لِمَا تَقَدَّمَ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْقَوْلِيَّةَ وَنَحْوَهَا تَرْفَعُ مِلْكَ الْغَيْرِ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَهِيَ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ بِمُجَرَّدِهِ فَلَيْسَ لَهُ قُوَّةُ رَفْعِ مِلْكِ الْغَيْرِ بَلْ يَبْطُلُ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَمَنْ بَنَى فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ ذَهَبَ أَثَرُهُ بِذَهَابِهِ.
وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَقْوَى وَأَظْهَرُ، وَبِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ وَتَقْرِيرُهُ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكَذِبِ وَقَاعِدَةِ الْوَعْدِ وَمَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مِنْهُ وَمَا لَا يَجِبُ)
قَالَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وَالْوَعْدُ إذَا أُخْلِفَ قَوْلٌ لَمْ يُفْعَلْ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا مُحَرَّمًا، وَأَنْ يَحْرُمَ إخْلَافُ الْوَعْدِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ ﵇ مِنْ «عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» فَذِكْرُهُ فِي سِيَاقِ الذَّمِّ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ، وَعْدُ الْمُؤْمِنِ وَاجِبٌ أَيْ وَعْدُهُ وَاجِبُ الْوَفَاءِ بِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (فَإِنْ قُلْت فَإِذَا أَحْيَا فِي الْإِقْطَاعِ لِمَ لَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ بِبُطْلَانِ إحْيَائِهِ قُلْت ذَلِكَ لِسَبَبٍ غَيْرِ الْإِحْيَاءِ إلَى آخِرِ جَوَابِهِ) قُلْت جَوَابُهُ هُنَا صَحِيحٌ قَالَ (وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ تَمَلُّكَ الْمُلْتَقِطِ وَرَدَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيهِ الْمِلْكُ) إلَى آخِرِ قَوْلِهِ، وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَلْيُتَأَمَّلْ قُلْت جَوَابُهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَاهُ قُوَّةَ الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ فَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ قَالَ (وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَقْوَى وَأَظْهَرُ إلَى آخِرِ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْفَرْقِ) قُلْت قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَقْوَى عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكَذِبِ وَقَاعِدَةِ الْوَعْدِ، وَمَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مِنْهُ، وَمَا لَا يَجِبُ إلَى آخِرِ قَوْلِهِ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَأْيُ الْمُؤْمِنِ وَاجِبٌ أَيْ وَعْدُهُ» وَاجِبُ الْوَفَاءِ بِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ﷺ فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَقَالُوا إنَّكُمْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الْحَبْرِ فَهَلْ عِنْدَكُمْ دَوَاءٌ أَوْ رُقْيَةٌ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا فِي الْقُيُودِ فَقُلْنَا لَهُمْ نَعَمْ فَجَاءُوا بِهِ فَجَعَلْت أَقْرَأُ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً أَجْمَعُ بُزَاقِي ثُمَّ أَتْفُلُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَأَعْطَوْنِي جُعَلًا فَقُلْت: لَا حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْته فَقَالَ كُلْ لَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَلَقَدْ أَكَلْت بِرُقْيَةِ حَقٍّ» ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا فِي غَزَاةٍ فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَقَالُوا هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَاقٍ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ قَدْ لُدِغَ أَوْ قَدْ عَرَضَ لَهُ قَالَ فَرَقَى رَجُلٌ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَبَرِئَ فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ الْغَنَمِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِمَ رَقَيْته قَالَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ قَالَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ فِيهَا بِسَهْمٍ» . وَكَرِهُوهُ أَيْ حَرَّمَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ قَائِلِينَ هُوَ مِنْ بَابِ الْجُعْلِ عَلَى تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ قَالُوا وَلَمْ يَكُنْ الْجُعْلُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الرَّقْيِ وَالِاسْتِئْجَارِ، وَالرَّقْيُ عِنْدَنَا جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ كَالْعِلَاجَاتِ، وَلَيْسَ وَاجِبًا عَلَى النَّاسِ، وَأَمَّا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ اهـ بِتَصَرُّفٍ فَافْهَمْ.
(الشَّرْط الثَّامِنُ) كَوْنُهَا مَعْلُومَةَ احْتِرَازًا مِنْ الْمَجْهُولَاتِ مِنْ الْمَنَافِعِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ آلَةً لَا يَدْرِي مَا يَعْمَلُ بِهَا أَوْ دَارًا لِمُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ الْإِجَارَةِ الَّتِي هِيَ عَقْدٌ مِنْ الْعُقُودِ أَنْ تَكُونَ صَادِرَةً مِنْ عَاقِدٍ كَالْعَاقِدِ الصَّادِرِ مِنْهُ الْبَيْعُ، وَأَنْ تَكُونَ بِأَجْرٍ كَالْأَجْرِ الَّذِي مُرَادٌ بِهِ الْعِوَضُ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ، وَأَمَّا الْمُثَمَّنُ، وَهُوَ الْمَنَافِعُ فَلَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَكُونَ وَقْتَ الْعَقْدِ مَعْدُومَةً كَانَ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا غَرَرٌ وَبَيْعٌ لِمَا لَمْ يُخْلَقْ حَتَّى حُكِيَ عَنْ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ مَنْعُ الْإِجَارَةِ لِذَلِكَ إلَّا أَنَّ جَمِيعَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ قَالُوا بِجَوَازِهَا نَظَرًا إلَى أَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً لَكِنَّهَا مُسْتَوْفَاةٌ فِي الْغَالِبِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا لَحَظَ مِنْ هَذِهِ الْمَنَافِعِ مَا يُسْتَوْفَى فِي الْغَالِبِ أَوْ يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَعَدَمُ اسْتِيفَائِهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِتَعَيُّنِهِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِهَا مِنْ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ [القصص: ٢٧] الْآيَةَ، وَمِنْ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «اسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا» ، وَحَدِيثُ «جَابِرٍ أَنَّهُ بَاعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بَعِيرًا، وَشَرَطَ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ» ، وَمَا جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ
следующие страницы →