← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22396

تيسير علم أصول الفقه

عبد الله الجديع

Полный текст (387 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تيسيرُ علم أصول الفقه تأليف عبد الله بن يوسف الجُديع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله؛ نحمدُه ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذبالله من شرورِ أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإنَّ شرف العلمِ لا يخفى، وهو درجاتٌ ومنازلُ تعرفُ بما تتَّصلُ به، فسمُوُّها من سُمُوِّه، وقدْرها من قدْرهِ، فلذا كان أعلاها علومَ الدِّين التي تُدركُ بها معانيه وأسرارُه، وإنما شرُفتْ وعظُم قدْرُها لصِلتها بالله ربِّ العالمين، فهي العلومُ الموصلَةُ في الحقيقةِ إليهِ، وهذا معنى أكبرُ من علُوم الشَّريعةِ المقنَّنةِ بالاصطلاحِ، بل هو شاملٌ لما يُحقِّق من العلومِ أسبابَ الوُصولِ إلى الله عزَّوجلَّ، فيندرجُ تحتهُ كلُّ علمٍ أدَّى إلى هذه الحقيقةِ وإن أُلصِقَ بالدُّنيا في عرفِ النَّاسِ، لكن من العلمِ ما يصيرُ إلى هذه الحقيقةِ بالمقاصِدِ والنِّيَّات، ومنه ما هو من هذه الحقيقةِ بأصلهِ، كالعومِ التي يُدركُ بها مرادُالله ورسولهِ ﷺ ، فهذه علومٌ باقيةٌ كطريقٍ موصلٍ إلى الله وإن فسدتْ في طلبها النِّيَّاتُ

стр. 3

والمقاصدُ، على أنه ما من إنسانٍ يسعى لتحصيلهَا فيجدُ لذَّتَها عندَ الطَّلبِ إلاَّ وجرَّتْهُ بنفسهَا إلى الإخلاصِ، كما قال مجاهدٌ ﵀: طلبْنا هذا العلمَ، وما لنا فيه كبيرُ نيَّةٍ، ثمَّ رزقَ الله بعدُ فيهِ النيَّةَ [أخرجه الدَّارمي بسندٍ حسنٍٍ] . وأعظمُ العُلوم الَّتِي يُدْرِكُ بها مُرادُالله تعالى ورسولِهِ ﷺ [علمُ أُصولِ الفقهِ] ، فإنَّ الله تعالى أمرَبتدبُّرِ خِطابِهِ فقالَ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ، كما قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] ، وأعظم ما يؤتاه الإنسانُ من المعرفةِ فقهٌ في دينهِ يُعرِّفهُ بمعبودِهِ ﵎ ويوصلهُ به، وذلك لهُ من المغاليق التي لا تفتحُ إلا بالإخلاص وسؤال الله تعالى التَّوفيق مع بذلِ الجُهدِ في استعمالِ الآلةِ الَّتي هي مفاتيحُ ذلك، والفتحُ فيها علامةٌ على أنَّ الله تعالى أراد الخيرَ بصاحبهَا، كما قال النبيُّ ﷺ : ((من يُرِدِ اللهُ بهِ خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينَ)) [متَّفقٌ عليهِ] . وتلك الآلةُ هي (أصول الفقهِ) ، فهي مفتاحُ الفقه في الدِّين، لكنْ أرأيتَ إن كان مفتاحُك لا أسنانَ لهُ، أوْ لَهُ أسنانٌ لكنَّهُ لمْ يُصْنعْ لهذا البابِ، أتظنُّ أنْ سيفتحُ لكَ؟ كذلك مفتاحُ الأصولِ، فإنه لا بدَّ له من أسنانٍ، ولا بُدَّ أن يكونَ للفِقْهِ، فإنْ خرَجَ عن هذا الوصفِ فليسَ علمًا

стр. 4

لأصولِ الفقهِ، أُشيرُ بهذا إلى أنَّ التَّأصيلَ لهذا العِلمِ خرجَ به كثيرٌ من المنتسبين إليه عمَّا قُصِدَ بهِ، فجاءُوا ليضَعُوا القوانينَ لفقهِ الكتابِ والسُّنةِ، وجلُّهم لا يعلمُون مخارجَ السُّننِ وكثيرٍ من الكتابِ والسُّنةِ وهو ليسَ من أهلهما؟ على أنَّ هذا العلمَ ابتدأ صناعتَهُ وتقنينَهُ على أقربِ صُورةٍ إلى الاستيعابِ والكمالِ الإمامُ أبوعبد الله الشَّافعيُّ المتوفَّى سنة (٢٠٤هـ) في كتابهِ العظيمِ (الرِّسالة) ، بناهُ على دلائل الكتابِ والسُّنةِ، بعيدًا عن التكلُّفِ وما لا يترتَّبُ عليه فائدةٌ أو عملٌ، وكانتْ تلكَ الأصولُ منثورةً في طرقِ الأئمَّةِ في الفقهِ قبل الشَّافعيِّ فيها التَّجريدُ والاستدلالُ، فمنْ جاء بعدَهُ بقيتْ فيهم طائفةٌ قليلةٌ على أثرهِ من جميعِ الفُقهاءِ غيرِ الحنفيَّةُ فسلكُوا طريقًا أقربَ إلى الصَّوابِ من أولئكَ الَّذينَ جاءُوا بعدَ الشَّافعيِّ، فإنهمْ نظرُوا في فُروعِ المذهبِ المنقولةِ عن الإمامِ أبي حنيفة وأصحابهِ وتأمَّلُوا طريقةَ فقْهِهمْ، فاسْتَفَادُوا منها التَّأصيلَ، فجاءتْ كُتُبُ كثيرٍ من مُصنِّفيهِمْ في الأصُولِ نافعَةً، من أمثالِ الإمامِ أبي بكْرٍ

стр. 5

الجَصَّاصِ المتوفَّى سنةَ (٣٧٠هـ) ، لكن دخلَ متأخِّروهمْ فيما دخلَ فيهِ غيرُهم، وهذا العلمُ لصِلتِهِ بالكتابِ والسُّنةِ يجبُ أن تُستفادَ أصولُهُ منهما، فلذا كان أحسنُ الطُّرُقِ في تقنينِهِ وتأصيلهِ طريقَةَ الشَّافعيِّ ﵀ ومن جرى على مِنْهَاجِهِ. وهذَا الكتابُ الَّذِي بين يديكَ عوْدَةٌ بهذا العلمِ إلى ذلكَ المِنهاجِ، بأُسلوبِ مناسبٍ للعصرِ في الشَّرحِ والإيضاحِ، سلكْتُ فيه أسْلوبَ التَّقسيمِ والتَّنويعِ مع التَّمثيلِ بأدلَّةِ الشَّريعةِ للمسائلِ الأصوليَّة، وتمييزِ الصَّحيحِ منها بالأدلَّةِ، وأهمُّ خصلةٍ حرصتُ عليها فيه تجنُّبُ تلكَ المسائل الَّتي حُسبتْ على هذا العلمِ وليست منهُ، مع إسقاطِ التَّمثيلِ والاستدلالِ بما لا يثبُتُ من جهَةِ النَّقلِ كالأحاديثِ الضَّعيفةِ، واستدْراكِ قضايا أُصوليَّةٍ كثيرةٍ تفتقرُ إلى ذكرهَا أكثرُ كتُبِ الأصولِ وهي من صميمِ هذا العلمِ، أدَعُ تمييزهَا لمن شاء المُقارنَةَ لهذا الكتابِ بغيرهِ من كتُبِ الأصولِ، كما حرصتُ أن لا يفوتَ شيءٌ لهُ اتِّصَالٌ بهذا العلمِ مما يقعُ منثورًا في كتبِ الأصولِ المتفرقةِ ما جرى منها تصنيفهُ على طريقةِ الشَّافعيِّ أو الحنفيَّةِ أو أهلِ الكلامِ إلاَّ أوردُهُ في هذا الكتابِ، وشرطتُ أن لا أذكر فيه حديثًا أو أثرًا في موضعِ الاستدلالِ والاستشهادِ إلاَّ وهو ثابتٌ من جهةِ النَّقلِ، ولا أُقلِّدُ في عزْوِ الأخبارِ إلى كتبِ الحديثِ، بلْ أستخرجُها من أصُولهَا كالصَّحيحينِ والسُّنَنِ وغيرهَا، كما لا أُقلِّدُ في الحكمِ على إسنادٍ، بل

стр. 6

هي نتيجةُ البحثِ والدِّراسةِ. ولا أدَّعي في هذا الجُهدِ الكمالَ، لكنِّي قصدْتُ إليه بما آتى الله عزَّوجلَّ من العلمِ والقوَّةِ، فإن كان مُحقِّقًا للغايةِ منهُ فهذا ما أرْجوهُ، وإن كان دُون ذلك فحسْبِي أن يكونَ مُشاركَةً ومُحاولَةً لتذليلِ صِعابِ هذا العلمِ وتيْسِيرِهِ، الأمْرُ الَّذي ليسَ لي فيهِ فضْلُ تفرُّدٍ أدَّعيهِ، بل قد سبقَ إليهِ علماءُ كِبارٌ لم نزَلْ نقْطِفُ من نِتاجِ علمِهم، وسنبقى إن شاء اللهُ، كالشَّيخِ عبد الوهَّاب خلاَّف ﵀، والعلاَّمةِ الفقيه عبد الكريم زيدان مدَّ الله بعُمرِهِ ونفعَ به في كتابيهِما في الأصولِ. وأُنبِّهكَ إلى أنِّي قصدتُ إلى تركِ إثقالِ الكتابِ بالحواشي في عزْوِ المسائل الأصولية إلى الكتبِ المختلفةِ إرادَةً للتَّخفيفِ، واكتفيتُ بذِكرِ أسماءِ المراجعِ آخرِ الكتابِن لأني لم أعمدْ إلى سياقِ الألفاظِ من تلكَ المراجع بحروفها لأكونَ مضطَرًّا إلى عزوِهَا في أصلِ الكتابِ، وما يكونُ من كثيرٍ من التَّعاريفِ والمصطلحاتِ والتَّقسيماتِ محكيًّا بألفاظه في كتبِ الأصولِ، فهذا النَّمطُ لم أرَ ضرورةً لعزوِهِ لأنَّ الأصوليِّين تواردوا على ذكرهِ، فتراهُ مكرَّرًا بحروفهِ في أكثرهَا من غيرِ عزوٍ لقائلٍ في الغالبِ، لأنها مصطلحات أشْبهَت التَّفسيراتِ اللُّغويَّة، وحسبُ الباحثِ أن يقول فيها: ((تفسير هذا اللَّفظِ في اللُّغة كذا)) ، فكذلك المُصطلحُ الأصوليُّ.

стр. 7

ومن جملةِ ذلك تركي لتفصيلِ التَّخريجِ والتَّحقيقِ للأحاديث والآثارِ، فإنَّ هذا لو أوردتُه لصارَ الكتابُ ضِعفَ حَجْمِهِ، وليسَ إيرادُه من لوازمِ علم أُصولِ الفقهِ. وسمَّيتهُ (تيسيرُ علم أصول الفقه) على ما قصدتُ إليه فيهِ من تقريبِ هذا العلم وتيسيرهِ على طالبهِ، وتهيئةِ الأسبابِ الواجبِ تحصيلُها للمجتهدِ، ويأتي واحدًا من أهمِّ علومِ الآلةِ الَّتي أرجو أن تكون لي مشاركَةٌ في تسهيلِ عرضها، كما أنَّه يأتي باكورةَ إصداراتِ المركز الّضذي أنشأناهُ في أرضِ المهجرِ بريطانيا (مركز البحوث الإسلامية) ، والَّذي نطمعُ أن يُحقِّقَ المقصودَ به لخدمةِ العلومِ الإسلامية على أتمِّ وجهٍ وأكملهِ. والله عالى أسألُ التَّوفيقَ والسَّداد في القولِ والعمَلِ، وأن يجعلَ هذا الكتابَ قُرَّةَ عينٍ لأولي الألبابِ، وأن يغفر لي ما زلَّ به اللِّسانُ والقلَمُ، هو حسبِي ونِعمَ الوكيلُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بهِ. وكتب أبومحمَّدعبد الله بن يوسف الجُديع يوم عرفة ذ٤١٧هـ الموافقُ للسَّادس عشرَ من نيسان ١٩٩٧م في مدينة ليذز ـ بريطانيا ـ

стр. 8

أصول الفقه "تعريفه: "الأصولُ: جمعُ أصلٍ، وهو لُغةً: ما ينبني عليه غيرُهُ. واصطلاحًا: يُطلقُ (الأصلُ) على أمورٍ، منها: ١-الدليلُ، ومنه: قولهمْ: (أصل هذه المسألةِ الكتابُ والسُّنة) . ٢-الرَّاجحُ، كقولهم: (الأصلُ في الكلامِ الحقيقة) أي لا المجازُ، لأنها أرجحُ منه. ٣-القاعدةُ، ومنهُ قولهُم: (الأصلُ أنَّ الفاعلَ مرفوعٌ) . ٤-الاستصحابُ، ومنه قولُهم: (الأصلُ في الأشياءِ الإباحَةُ) ، وسيأتي بيانُ معناهُ. والفقهُ؛ لغةً: الفهمُ واصطلاحًا: العلمُ بالأحكامِ الشَّرعيَّة العمليَّة المُكتسبة من أدلَّتِها التَّفصيليَّة. تفسير التَّعريف: ١-الأحكام: جمع حُكمٍ، وهو: إثباتُ شيءٍ لشيءٍ. ٢-الشَّرعيَّة: المستفادة من الشَّريعةِ، فتخرُج منها أحكامُ العقلِ

стр. 9

المحضة. ٣-العمليَّة: المتعلقة بأفعالِ المكلَّفين، فيخرجُ منها الأحكامُ الاعتقاديَّة والسُّلوكيَّة. ٤-المكتسبة: المستفادة بطريقِ النَّظرِ والاستدلالِ، فيخرُجُ من الفقهِ نوعانِ من العلمِ: [١] علم الله تعالى أو رسولهِ ﷺ ، فأما علمُ الله تعالى فهو وصفٌ لازمٌ له علىوجه الكمالِ، ولو عُلِّق بالاستنباط لكانَ نقصًا يُنزَّه عنه ، وأمَّا علمُ رسولهِ ﷺ فمصدرهُ الوحيُ الَّذي هو من علمِ الله تعالى. [٢] علمُ المقلَِّّد، فإنه لم يستفدْهُ بالنَّظر والاستنباطِ، إنما حملهُ عن غيرهِ. ٥-الأدلَّة: جمعُ (دليلٍ) وهو لغةً: الهادي. واصطلاحًا: ما يُستدل بالنَّظر الصَّحيح فيه على حكمٍ شرعيٍّ عمليٍّ على سبيل القطعِ أو الظَّنِّ. ٦-التَّفصيليَّة: الجزئيَّة أو الفرعيَّة. والأدلَّة التفصيليَّة، هي كلُّ دليلٍ يختصُّ بمسالةٍ معيَّنةٍ، كاختصاصِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾ [الإسراء:٣٢] بحرمةِ الزِّنا، فهذه الآية دليلٌ تفصيليُّ يختصُّ بمسألةٍ معيَّنةٍ هي الزِّنا، وهو

стр. 10

غيرُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] ، فهذا دليلٌ تفصيليُّ على مسألةٍ معيَّنةٍ أخرى هي حرمَةُ أكلِ مالِ اليتيمِ. وأصول الفقه: هي القواعد والأدلَّة العامَّةُ الَّتي يُتوصَّلُ بها إلى الفقهِ. من أمثلة القواعدِ: ١-الأمر للوجوبِ حتَّى تصرفَهُ قرينةٌ عن ذلكَ. ٢-النَّهي للتَّحريمِ حتَّى تصرِفه قرينةٌ عن ذلك. ٣-العامُّ شاملٌ لجميعِ أفرادِهِ ما لم يرِدِ التَّخصيصُ. والأدلَّةُ هي مصادرُ التَّشريعِ، كـ: الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، والقياسِ. الفرق بين القاعدة الأصولية والفقهية: القاعدةُ الأصوليَّةُ هي: دلالةٌ يهتدي بها المجتهدُ للتَّوصُّلِ إلى استخراجِ الأحكامِ الفقهيَّة، فهي آلتُهُ الَّتي يستعملُها لاستفادَةِ تلكَ الأحكامِ، كالقواعدِ الثَّلاثِ المتقدِّمة. أما القاعدةُ الفقهيَّةُ؛ فهيَ الجملةُ الجامعةُ من الفقهِ تندرجُ تحتهَا جزئياتٌ كثيرةٌ، بمنزلةِ النُّصوصِ الجوامعِ للمعاني، كالمُناسبةِ الَّتي تُلاحظها بين القاعدةِ الفقهيَّةِ: (الأمور بمقاصدها) ، وبين قوله ﷺ :

стр. 11

((إنما الأعمال بالنِّيات)) أو بين القاعدةِ الفقهيَّةِ: (المشقَّةُ تجلِبُ التَّيسيرَ)) وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، فالقاعدة الفقهيَّةُ جملةٌ جامعةٌ لجزئيَّاتٍ كلُّهنَّ من بابها وموضوعها، بمنزلةِ المستفاد من آيةٍ جامعةٍ أو حديثٍ جامعٍ، كالمثاليين المذكورين. ولو تأمَّلتَ اعتبار جميع التصرفات بالمقاصد فكم تُرى يندرجُ تحت ذلك من المسائل الفرعيَّةِ في العبادات والمعاملاتِ والجناياتِ والعقوباتِ، فأفعال المصلِّي والمزكي والبائع والمشتري والنَّاكح والمُطلق والسَّارق والزَّاني والقاتل والحالفِ والقاضي، إلى غير ذلك ممَّا تعتبرُ فيه النِّياتُ والإراداتُ كلُّه مندرجٌ تحت هذه الجملةِ، فلمَّا جاءتْ على الاستيعاب للأمورِ الكثيرةِ سمِّيتْ (قاعدة) ، ولما كانتْ في المسائلِ الشَّرعيَّة العمليَّة سميَّتْ (فقهيَّة) ، وهذه بخلافِ (الأصوليَّة) فإنَّها لا تندرجُ تحتها الفروعُ العمليَّة، إنما هي أداةٌ لمعرفتها من الدَّليلِ الشَّرعِّ، ومن خلالِ دراسةِ قواعدِ الأصولِ في هذا الكتابِ ستعلمُ حقيقةَ المقصودِ بقولنا (أداة) أو (آلة) .

стр. 12

مباحث الأحكام

стр. 13

١ـ معنى الحكم "تعريفه: هو: خطابُ الشَّارعُ المتعلِّق بأفعالِ المكلَّفين اقتضاءً أو تخييرًا أوْ وضعًا. "شرح التعريف: خطابُ الشَّارعُ: هو خِطابُ الله تعالى المُباشرُ كالوحي بالقرآنِ والسُّنة، أو المبنيُّ على خطابه المُباشر كالإجماعِ والقياسِ. المتعلقُ بأفعالِ المكلفينَ: المراد بالأفعال ما هو آتٍ في التَّعريف، وأمَّا المكلفُ فسيأتي تعريفه في (المحكوم عليه) . اقتضاءً: أي: طلبًا، ويندرجُ تحتهُ: مطلوبُ الفعلِ، ومطلوبُ التَّركِ، وكلٌّ من المطلوبينَ ينقسمُ إلى: لازمٍ، وغير لازمٍ. تخييرًا: أي متساوٍ فعلُهُ وتركُهُ. وضعًا: ما جعلهُ الشَّارعُ سببًا لشيءٍ، كدُلوكِ الشَّمس لوجوبِ الصلاةِ، أو شرطًا لشيءٍ، كالوضوءِ لصحَّةِ الصَّلاةِ، أو مانعًا من شيءٍ، كالقتل مانعًا من الإرثِ، أو حكمُ الشَّارع بصحَّةِ شيءٍ أو فسادِه أو بُطلانهِ، أو شدَّتِهِ أو خِفَّتهِ. ...

стр. 14

٢ـ أقسام الحكم الحكم التكليفي "تعريفه: هو ما اقتضى طلبَ فعلٍ من المكلفِ، أو طلبَ كفٍّ، أوخيِّرَ فيه بين الفعلِ والتَّركِ. وسمِّي (تكليفيًّا) لأنه يقعُ بامتثالهِ كلفةٌ. وتسميتهُ (تكليفيًّا) جرى على التَّغليبِ، وإلاَّ فإن ما خيَّر فيه الشَّارع ليس فيه تكليفٌ في الحقيقة. أقسامه: يُلاحظُ من التَّعريف أن الحكم التَّكليفي يمكنُ أن يندر تحتهُ خمسةُ أقسامٍ، هي: ١- الواجب *تعريفه: لغةً: السَّاقطُ والواقعُ، يقالُ: (وجبَ الحائطُ) إذا سقطَ، ومنه قوله تعالى في النُّسكِ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: ذبِحتْ فسقطتْ ووقعتْ إلى الأرضِ. وفيه معنى الثبوتِ واللُّزومِ، فإنَّ ما يسقطُ يستقرُّ بسقوطهِ ويلزمُ

стр. 15

الوضعَ الَّذي يسقطُ عليه، ومن ثمَّ قيلَ: (وجبَ البيعُ) أيْ: ثبتَ واستقرَّ ولزِمَ، وهذا أصلُ معنى الواجبِ في الاصطلاحِ. واصطلاحًا: هو ما طلبَ الشَّارعُ فعله على وجهِ اللُّزومِ، ورتَّب على امتثالهِ المدحَ والثَّوابَ، وعلى تركهِ مع القُدْرةِ الذَّم والعقابِ. صيغته: الصِّيغُ الدَّالة على إفادةِ الوجوبِ في نصوصِ الكتابِ والسُّنةِ كثيرةٌ أهمُّها: ١-صيغة الأمرِ بلفظِ الإنشاءِ، بفعلِ الأمرِ (افْعَلْ) كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ، أو المضارعُ المجزومِ بلامِ الأمرِ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] ، أو اسمِ فعلِ الأمر كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، أو المصدر النَّائب عن فعلِ الأمرِ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤] . وسيأتي في مبحث (الأمر) في (قواعد الاستنباط) بيانُ دلالة هذه الصِّيغة على الوُجوبِ. ٢-صيغةُ (أمرَ) وما يتصرَّفُ عنها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠] ، وقوله: ﴿إِنَّ

стр. 16

اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ، وقوله ﷺ : ((وأنا آمركمْ بخمسٍ الله أمرني بهنَّ: السَّمعِ والطَّاعةِ، والجهادِ، والهجرةِ، والجماعةِ)) ، (جزءٌ من حديثٍ صحيحٍ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرهُ) . ٣-صيغة (كتبَ) و (كُتِبَ) ، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] ، وقوله ﷺ : ((إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتُمْ فأحسنُوا القِتلَةَ، وإذا ذبحتُم فأحسنُوا الذِّبح، وليُحِدَّ أحدُكمْ شفْرَتَهُ فليُرِحْ ذبِيحتَهُ)) [أخرجه مسلمٌ من حديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ] . ٤-صيغةُ (فرضَ) وما يتصرَّفُ عنها، كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] أي: أوجبنا العمل بها. وعن عبد الله بن عباسٍ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا بعثَ معاذً إلى اليمنِ قال: ((إنكَ تقدُمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ، فليكُن أوَّل ما تدعوهمْ إليهِ عبادَةُ الله عزَّوجلَّ، فإذا عرفُوا الله فأخبرهم أنَّ الله فرض عليهمْ خمسَ صلواتٍ في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرْهُم أنَّ الله قد فرض عيهم زكاةً تُؤخذُ من أغنيائهم فترَدُّ على فُقرائهِم، فإن أطاعُوا بها فخذْ منهمْ وتوقَّ كرائمَ أموالهِم)) [متفق عليه] . ٥-صيغة (لهُ عليك فِعلُ كذا) كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ

стр. 17

حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وقوله ﷺ في حقِّ الرَّجل على امرأته: ((ولكم عليهنَّ أن لا يوطئنَ فُرشَكُمْ أحدًا تكرهُونهُ، فإنْ فعلنَ ذلكَ فاضْرِبُوهنَّ ضربًا غير مُبرِّحٍ)) [أخرجه مسلمٌ من حديث جابربن عبدِالله] ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] . ٦ـ صيغةُ الخبر الَّتي فيها تنزيل المطلوب منزلةَ التَّامِّ الحاصل تأكيدًا للأمر به، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . ٧ـ ما ورد فيه ترتيبُ المؤاخذة على تركِ الامتثالِ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ، وقول النبي ﷺ : ((من لا يرحمُ لا يُرحمُ)) [متفقٌ عليه من حديث جريرِ بن عبد الله وأبي هريرة] . ٨ـ وصفُ تركِ الامتثالِ بالمخالفةِ، كحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ، يُدعى لها الأغنياءُ ويُتركُ الفقراءُ، ومن تركَ الدَّعوةَ فقد عصَى الله ورسولَهُ)) [متفق عليه] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] . ٩ـ ما رُتِّب على تركه عدمُ الاعتدادِ بالعملِ، كقوله ﷺ : ((لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ)) [متفقٌ عليه من حديث عُبادة بنِ

стр. 18

الصَّامت] ، وقوله ﷺ : ((لا نكاحَ إلاَّ بوليٍّ)) [حديث صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّننِ وغيرهُمْ] . "مسائل: ١ـ الفعل النَّبويُّ إذا جاء تفسيرًا لواجبٍ مجملٍ كقوله ﷺ : ((صلُّوا كما رأيتمُوني أصلِّي)) [أخرجه البخاريُّ من حديث مالك بن الحُويرِثِ] ، وقد صلَّى بفعلهِ، وقوله ﷺ : ((لِتأخُذُوا مناسِككُمْ)) [أخرجه مسلمٌ من حديث جابر بن عبد الله] ، وقد حجَّ بفعلهِ، هلْ يكونُ ذلكَ الفعلُ واجبًا؟ التَّحقيقُ الَّذي عليه أكثرُ أهلِ العلمِ أنَّ البيانَ بالفعلِ واقعٌ على ما هوَ واجبٌ كالرُّكوعِ والسُّجودِ في الصَّلاةِ، وعلى ما هو مندُوبٌ كرفعِ اليدينِ وصفِّ القدمينِ ووضعِ اليُمنى على اليسرَى، فمجرَّدُ الفعلِ النَّبويِّ لم يُحل المندوبَ منها واجبًا، وذلك لوْ صحَّ فإنَّهُ يعني أنَّ المندوباتِ في حقِّه ﷺ انقلبتْ واجباتٍ بفعلهِ في حقِّ أمَّتهِ، وهذا معنى لا يُتصورُ، فالتكليفُ في حقِّه ﷺ مقطوعٌ بأنهُ آكدٌ منهُ فبي حقِّ أمَّتِهِ. فلا يصلُحُ إذًا إطلاقُ أنَّ فعل النبي ﷺ إذا كان بيانًا لواجبٍ فكلُّ أجزاءِ ذلك الفعلِ واجبةٌ على أمَّتهِ، وإنما يُستفادُ وجوبُها من غير ذاتِ الفعلِ، وتبقى مشروعيَّةُ المتابعةِ للنَّبي ﷺ واجبةً في الواجبِ، ومندوبةً في المندوبِ.

стр. 19

٢ـ (الفَرْضُ) هوَ (الواجبُ) عند جمهورِ الفُقهاءِ، فيقولونَ: (صومُ رمضانَ واجبٌ) كما يقولونَ: (فرضٌ) ، ويقولونَ: (زكاةُ الفِطرِ فرضٌ) كما يقولونَ: (واجبةٌ) . وخالفهم في ذلكَ الحنفيَّةُ ـ وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمد ـ ففرَّقوا بينَ (الفرضِ) و (الواجبِ) لا من جهَّة التَّعريفِ المتقدِّم، وإنما من جهةِ طريقِ ورودِ الدَّليل الدَّال على الوجوبِ أو الفرضيَّةِ، فكان عندهم ما وردَ الدَّليل الدَّالِّ على الوجوبِ أو الفرضيَّةِ، فكان عندهُم ما وردَ بدليلٍ قطعيِّ الورودِ كالقرآن والحديثِ المتواترِ فهو فرضٌ، وما وردَ بدليلٍ ظنِّيِّ الوُرودِ كحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ فهو واجبٌ، وعليه فـ (الواجبُ) أدنَى في الحتميَّةِ عندهُم من (الفرضِ) بهذهِ الحيثيَّةِ. ومذهبُ الجمهورِ أصحُّ وأرجَحُ، لرُجحانِ وجوبِ العملِ بحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ، كما سيأتي بيانُهُ في الكلامِ على (دليلِ السُّنَّة) في أدلَّةِ الأحكامِ، لكن يُستفادُ من هذا مُراعاةُ طريقةِ الحنفيَّةِ عندَ النَّظرِ في كتُبِهِم في الفُروعِ. ٣ـ مسألةُ (ما لا يتِمُّ الوَاجبُ إلاَّ بهِ فهوَ واجِبٌ) : ما يتوقَّفُ عليه الإتيانُ بالواجبِ، وهوَ مقدِّمتُهُ الَّتي ينبنِي عليها تحصلُهُ، يرجعُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: [١] ما لا يدخُلُ تحتَ قُدرةِ العبدِ.

стр. 20

مثلُ: زوالِ الشًّمسِ لوجوبِ صلاةِ الظُّهرِ، فهذهِ مقدِّمةٌ لا تَتِمُّ صلاةُ الظُّهرِ إلاَّ بها لكنَّها ليستْ تحتَ قُدرَةِ المُكلَّفِ. فهذا القِسمُ لا يندرجُ تحتَ المسألةِ المذكورةِ. [٢] ما يدخُلُ تحتَ قُدرةِ المكلَّفِ لكنَّهُ غيرُ مأمورٍ بتحصِيلِهِ. مثلُ: بُلوغِ النِّصابِ لوجوبِ الزَّكاةِ، والاستطاعَةِ لوُجوبِ الحجِّ، فإنَّه تحتَ قُدرتِه أن يجمعَ النِّصابَ، وأن يكتسِب لِيُحقِّق الاستِطاعةَ للحجِّ، لكنَّ ذلكَ لا يجبُ عليهِ. فهذا لا يدخلُ أيضًا تحتَ المسألةِ المذكورَةِ. [٣] ما يدخُل أيضًا تحتَ قُدرَةِ المكلَّفِ وهو مأمورٌ بتحصِيلِهِ. مثلُ: الطَّهارةِ للصَّلاَةِ، والسَّعيِ للجُمُعَةِ، فهذا يجبُ عليهِ الإتيانُ بهِ، وهو المقصودُ بالقاعدَةِ. ومن هذا التقسيمِ يُلاحظُ أنَّ هذهِ المسألةِ ليستْ قاعدَةً لإثباتِ وُجوبِ ما لم يرِدْ بِوُجوبهِ دليلٌ، إنما هي مسألةٌ قُسِّمتْ عليهَا مقدِّماتُ الوَاجبِ، أمَّا أن يُقالَ: تثبُتُ بها واجباتٌ لا دليلَ عليها إلاَّ هذه الجُملةِ فهذا ما لا وجودَ لهُ على التَّحقيقِ، وسيأتِي في (قواعِدِ الاستنباطِ) في مبحثِ (إشارَةِ النَّصِّ) ما يُبيِّنُ أنَّ مقدِّماتِ الواجبِ واجبةٌ بنفسِ دليلِ ذلكَ الواجبِ. ٤ـ لم يرِدِ استعمالُ لفظِ (واجب) في نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ

стр. 21

بمعناهُ الاصطلاحِيِّ، ولذا أخطأَ من استدلَّ بظاهرِ قولهِ ﷺ : ((غُسلُ يومِ الجُمُعةِ واجبٌ على كلِّ مُحتلِمٍ)) [متَّفقٌ عليه من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ] على فرضِ غُسلِ الجُمُعةِ بناءً على معنَى (الواجبِ) في الاصطلاحِ، وقدْ ثبتتْ الأدلَّةُ مفسِّرَةً لهذا الحُكمِ أنَّ الغُسْلَ يومَ الجُمُعةِ ليس بفرضٍ، إنَّما هو سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، فكان تأويلُ لفظةِ (واجبٍ) في هذا الحديثِ على ما ذكرهُ بعضُ أهلِ العلمِ: للتَّوكيدِ في النَّدْبِ، وهوَ بِمنزلَةِ قولِ الرَّجلِ: (حقُّكَ عليَّ واجبٌ) . "أقسامه: للواجبِ أقسامٌ باعتبارَاتٍ متعدِّدَةٍ، هي: ١ـ باعتبارِ وقتِ أدائهِ، قسمانِ: [١] واجبٌ مُطلقٌ أو مُوسَّع، وهوَ ما طلبَ الشَّارِعُ فعلَهُ من غيرِ تقيِيدٍ لأدائِه بزَمَنٍ مُعيَّنٍ. مثلُ: قضاء ما أفطرَهُ الإنسانُ بعُذرٍ من رمضانَ، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، فهي فُسحةٌ بعدَ رمضانَ في أيِّ وقتٍ شاءَ من عامِهِ، لا يلزمُهُ التَّعجيلُ ولا يأثَمُ بالتَّأخيرِ، وإن كانت المُسارعَةُ أبرأ للذِّمةِ خشيةَ أي يُحالَ بينهُ وبين القضاءِ، وكذا الصَّلواتُ الخمسُ فيما بينَ الوَقتينِ. [٢] واجبٌ مقيَّدٌ أو مُضيَّقٌ، وهو ما طلبَ الشَّارعُ فعلَهُ مقيَّدًا

стр. 22

بزمنٍ معيَّنٍ. مثلُ: صومِ رمضانَ لمنْ شهِدَ الشَّهرَ ولا عُذْرَ لهُ بتأخيرِ الصَّومِ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . وهذا لا تبرأُ الذِّمةُ إلاَّ بأدائهِ في وقتِهِ المحدَّد. ٢ـ باعتبارِ تقديره وحدِّه، قسمانِ: [١] واجبٌ مقدَّرٌ (محدَّد) ، وهو ما عيَّن الشَّارِعُ له حدًّا محدُودًا، فيلزَمُ الوقوفَ عندَهُ. مثلُ: أنصبَةِ الزَّكاةِ ومقدَارِ الواجبِ فيها. وحكمُ هذا النَّوعِ أنهُ يلزمُ المكلَّفَ، ولا تبرأُ ذمَّتُهُ له حدًّا. مثلُ: مقدارِ النَّفقةِ الواجبةِ على الزَّوجِ لزوجتِه، التَّعاوُن على البِرِّ والتَّقوى، الإحسانِ إلى النَّاسِ، فإنهُ ليس لهذهِ الواجباتِ تقديراتٌ شرعيَّةٌ، وإنَّما يعودُ تقديرُها إلى الظَّرفِ وإدراكِ المكلَّفِ، أو إلى العُرفِ أو قضاءِ القاضي كما في المسألةِ الأولى. ٣ـ باعتبارِ تعيينهِ بذاتِهِ أو عدم تعيينِهِ، قسمانِ: [١] واجبٌ معيَّنٌ، وهو ما تحتَّم على المكلَّفِ أن يوقعَه بعينِه من

стр. 23

غير أن يكون له فيه اختيارٌ آخر. مثلُ: صيامِ شهرِ رمضانَ، فإنَّ المكلَّفَ ليس مخيَّرًا بين الصِّيامِ والفِطر، بلْ تعيَّنَ عليه الصِّيامُ وليس ثمَّةَ بديلٌ عنه ما كانتْ له قدرَةٌ عليه. [٢] واجبٌ غيرُ معيَّن، وهو ما تحتَّم على المكلَّفِ أن يوقِعه، لكنْ باختيارِ موسَّعٍ بين أصنافٍ من الأفعالِ يتحقَّقُ الواجبُ بفعلِ أحدِهَا. مثلُ: كفَّارةِ اليمينِ، فإنَّها واجبةٌ، لكنَّها تتحقَّقُ بواحدٍ من ثلاثةِ أشياءَ: إطعامُ عشرةِ مساكينَ، أو كِسوتُهُمْ، أو عتقُ رقبةٍ، أيَّ ذلكَ فعلتَ أسقطَ عنكَ الوجوبَ، فهوَ غيرُ معيَّنٍ في أحدِهَا. ٤ـ باعتبارِ المُطالبِ بهِ، قسمان: [١] واجبٌ عينيٌّ، أو: (فرضُ عينٍ) ، وهو ما توجَّه فيه الطَّلبُ الَّلازمُ إلى كلِّ مكلَّفٍ، فلا يُسقطُ قيامُ البعضِ به المؤاخذَةَ عن الباقينَ. مثلُ: الصَّلواتِ الخمسِ، وحجِّ البيتِ، وصلةِ الأرحامِ. [٢] واجبٌ كِفائِيٌّ، أو (فرضُ كِفايَةٍ) ، وهو ما طلبَ الشَّارِعُ حصولَه من جماعةِ المكلَّفينَ، بِحيثُ لوْ قامَ بعضُهُم برِئتْ ذِمَّةُ سائرِهِمْ. مثلُ: الجهادِ في سبيلِ اللهِ، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ، وتحصيلِ الأسبابِ لحفظِ الضَّروراتِ الخمسِ: الدِّينِ، والنَّفسِ،

стр. 24

والمالِ، والعِرضِ، والعقلِ، كالتَّفرُّغِ للعُلومِ المتخصِّصَةِ في الشَّريعَةِ والحياةِ، وإدارةِ شؤونِ الحُكمِ والقضاءِ والسِّياسَةِ. واجتمَاعُ النَّاسِ على التَّفريطِ بِهذا الواجبِ اجتِماعٌ على الإثمِ، ولا تبرأُ ذِمَمُهُمْ حتَّى يوجدَ فيهِمْ من يُحقِّقُ الكفايَةَ لسائِرِ المسلمينَ بتحصيلِ ذلكَ الواجِبِ. ٢ـ المندوب "تعريفه: لغةً: يُقالُ: (ندَبَ القومَ إلى الأمرِ) أيْ: دعاهُمْ وحثَّهُم إليهِ، فالنَّدْبُ: الدَّعوةُ إلى الشَّيءِ والحثُّ عليهِ، و (المندُوبُ) المدْعوُّ إليهِ. واصطلاحًا: ما طلبَ الشَّارعُ فعلُهُ من غير إلزامٍ، ورتَّب على امتثالهِ المدحَ والثَّوابَ، وليسَ على تركِهِ الذَّمُّ والعقابُ. "صيغته: ١ـ كلُّ صيغَةِ أمرٍ قامَ بُرهانٌ على عدَمِ الإلزامِ بها، لأنَّهُ كما تقدَّم في (الواجبِ) أنَّ صيغَةَ (افْعَلْ) دالَّةٌ على الوجوبِ بأصلِ وضعِهَا على أصحِّ المذاهبِ وأقواهَا دليلاً، فإذا قامَ بُرهانٌ على إرادَةِ مجرَّدِ النَّدبِ صُرِفتْ دلالَةُ تلكَ الصِّيغَةِ إلى النَّدْبِ.

стр. 25

مثلُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، فقولُهُ: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ صيغةُ أمرٍ أصلُ دلالتِها على الوجوبِ، لكنَّ الحُكمَ معقولُ المعنى يتعلَّقُ بحُقوقِ الخلقِ، فإذا وجدُوا استغناءً عن الكتابةِ بالثِّقةِ والتَّراضِي فهي حقوقُهم وهُم أصحابُها، وما يقعُ من الضَّرَرِ فهم يحتمِلوهُ، فلِذا قال من بعْدُ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، فكان الأمرُ بالكتابةِ على سبيلِ النَّدبِ والحثِّ والإرشادِ لمصلحتِهِمْ. ٢ـ كلُّ صيغةٍ خبريَّةٍ تضمَّنتِ الحثَّ وليسَتْ مؤوَّلةً بالأمرِ، كصِيغِ التَّرغيبِ بأذكارٍ أو تطوُّعاتٍ مخصوصةٍ، كأنْ يجيءَ: (مَن قالَ كذا فلهُ كذَا وكذا) ، أو: (مَن صلَّى كذا فلهُ كذا) . ٣ـ كلُّ فِعلٍ نبويٍّ قُصِدَ به التَّشريعُ على ما سيأتِي بيانُهُ في (دليلِ السُّنَّةِ) ، كصلاةِ الرَّواتبِ، وصيامِ التَّطوُّعِ. * ألقابه: يُسمَّى (المَنْدُوبُ) : ١ـ السُّنَّة. ٢ـ النَّافلَةَ. ٣ـ المُسْتَحَبَّ. ٤ـ التَّطوُّعَ. ٥ـ الفضيلةَ. ومن العُلماءِ من يقولُ: يُسمَّى (مندُوبًا) إذا كانتْ مصلَحتُهُ أُخرويَّة، و (إرشادًا) إذا كانتْ مصلَحَتُهُ دُنيَويَّة.

стр. 26

"درجاته: ليسَتِ المندُوباتُ على درجَةٍ واحدَةٍ من جهةِ النَّدبِ إليهَا، بلْ متفاوتَةٌ باعتباراتٍ: ١ـ سُنَّة مُؤكَّدة: وهي ما داوَمَ النَّبيُّ ﷺ على امتثَالِهِ، وربَّما معَ اقترَانِه بالحثِّ عليهِ قولاً، مثلُ: صلاة ركعتَي التَّطوعِ قبل صلاَةِ الصُّبحِ، فقدْ صحَّ عن عائشةَ ﵂ قالتْ: ((ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ في شيءٍ من النَّوافِلِ أسرعَ منه إلى الرَّكعتينِ قبلَ الفجرِ)) [متَّفقٌ عليه، واللَّفظُ لمسلمٍ] ، وقال ﷺ : ((ركْعتَا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها)) [رواهُ مسلم] ٢ـ سُنَّةٌ غيرُ مؤكَّدةٍ: وهي ما كان من السُّنَن ممَّا لم يُواظِبْ عليه النَّبيُّ ﷺ كصيامِ التَّطوُّع، فإنَّه ﷺ كان يصومُ حتَّى يُقالَ لا يُفطِرُ، ويُفطرُ حتَّى يقالَ لا يصومُ، وكصلاةِ أربعِ ركعاتٍ قبلَ العصرِ، فقدْ حثَّ عليها ﷺ من غيرِ مواظبةٍ على فعلِهَا. ويندرجُ تحتَ هذا البابِ جميعُ ما حثَّ النَّبيُّ ﷺ عليه بالقولِ من التَّطوُّعاتِ، ولم يُنقلُ عنه المُواظبَةُ عليه بالفِعلِ، كقولهِ ﷺ : ((تَابِعُوا بين الحجِّ والعُمرَةِ، فإنَّهُمَا ينفيَانِ الفقْرَ والذُّنوبَ كما ينفي الكِيرُ خبَثَ

стр. 27

الحديدِ والذَّهبِ والفِضَّةِ، وليسَ للحجَّةِ المبرورَةِ ثوابٌ إلاَّ الجنَّة)) [حديث صحيحٌ رواهُ التِّرمذِيُّ وغيرُهُ] ، وحثَّ على العُمرَةِ في رمضانَ، ومعَ ذلكَ فما اعتمرَ ﷺ في حياتِهِ إلاَّ أربعَ عُمر، وحجَّ حجَّةً واحدَةً. ٣ـ فضيلةٌ وأدَبٌ: وتُسمَّى كذلكَ بـ (سُنَّةِ الزَّوائد) ، و (سنَّة العادَةِ) ، وهي الأفعالُ النَّبويَّةُ في غيرِ أمرِ التَّعبُّدِ، كصفةِ أكلِهِ وشُربِهِ ونوْمِهِ ولِبَاسِهِ ومَشْيِهِ ورُكوبِهِ، ونحوَ ذلكَ، فإنَّ الاقتداءَ بالنًَّبيِّ ﷺ فيها فضيلَةٌ، فذلكَ من بابِ التَّشبُّه بهِ، وهو ممدُوحٌ، ما لمْ يُعارضْ مصلحةً أرجَح. وهذا بابٌ جرى فيه الحالُ النَّبويُّ على مُقتضى الطَّبع البَشرِيِّ، أو على مجارَاةِ العُرفِ الَّذي لم يُخالفُ الدِّين، فما كان منه بمقتضى الطَّبعِ فالسُّنَّةُ فيه أن يُجاريَ الإنسانُ طبعَ نفسِهِ ما دامَ لا يُخالفُ الشَّريعة، وبذلك يحقِّقُ الاقتداءَ بأتمِّ من تحقيقهِ له لو تكلَّف وتصنَّع بخلافِ طبعِهِ ليُوافقَ المِشْيَةَ النَّبويَّة أو القِعدَة النَّبويَّة، وإن كان جاريًا على موافقِةِ العُرفِ كلُبسِ الإزارِ والقميصِ الطَّويلِ، فإنَّ السُّنَّةَ الَّتي ينبغي المتابعةُ فيها هي أن يُجاريَ المُسلمُ عرفَ بيئتِهِ وزمانِهِ في ذلك ما دامَ لم يُخالفْ شرعًا في نوعِ لباسِهِم وهيئتهِم، ويكونُ قَدْ خالفَ

стр. 28

الاقتداءَ بمخالفةِ العرفِ، لأنَّ الكونَ في المجتمعِ والنَّاسِ على سبيل الموافقةِ لا المخالفَةِ مقصودٌ لئلاَّ يقعَ التَّميُّزُ ومن ثمَّ الارتفاعُ على الخلقِ والتَّزكيةُ للذَّواتِ، وإنَّما يدعُ المسلمُ من العُرفِ ما خالفَ الشَّرعَ في أمرٍ أو نهيٍ. وبعدَ هذا فيبقى من (سنن العادةِ) ما لا ينتدرجُ تحتَ طبعٍِ ولا عُرفٍ، ممَّا لا يخلو في أكثرِ الأحيانِ من معانٍ شرعيَّة ٍ أو صحيَّةٍ أو غير ذلك، يجدُهَا المتأمِّلُ لوْ أمعنّ النَّظرَ، وهذا كصِفَةِ جلُوسهِ ﷺ للأكلِ، فإنَّه قال: ((لا آكُلُ متَّكئًا)) ، وفيه معنى شرعيٌّ دينيٌّ ومعنى صحِّيٌّ، فالمعنى الشَّرعيٌّ الدِّينيُّ بيَّنه النَّبي ﷺ بقولهِ في حديثٍ آخر: ((آكُلُ كما يأكُلُ العبدُ، وأجلسُ كما يجلسُ العبدُ)) ، [حديثٌ حسنٌ رواهُ ابنُ سعدٍ وأحمدُ في ((الزُّهدِ)) وغيرهما] ، وهذا معنى تواضعٍ وانكِسارٍ، وأمَّا المعنى الصحِيُّ فإنَّ الاتِّكاءَ فُسِّرَ بالتَّربُّعِ، كما فُسِّر بالجُلوسِ معتمدًا على شيءٍ، وعلى أيِّ التَّفسيرِينِ فهيَ هيئةُ تمكُّنٍ تدفَعُ إلى الإقبالِ على الطَّعامِ بنِهمةٍ مع استعدادِ البطنِ للامتلاءِ، فقد استرخَتِ المفاصلُ وارتفعتِ القيودُ، بخلافِ جِلسَةِ العبدِ المُقلقةِ الَّتي صورتُها صورةُ جلسَةِ العَجلانِ الَّذي ينتظرُ متَى يفرُغُ من طعامِه، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : ((ما ملأ آدَميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بِحَسبِ ابنِ آدَمَ أكلاتٌ يُقمنَ صُلبَهُ، فإنْ كانَ لا محَالَةَ فثُلُثٌ لطعامِهِ وثُلثٌ لشرابِهِ وثُلثٌ لنَفسِهِ)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ التِّرمذِيُّ وغيرُهُ] .

стр. 29

المندُوبُ تكليف اختياري لمصلحة المكلف: إنَّ الله عزَّوجلَّ جعلَ في المستحبَّات رحمةً للعبادِ تصلُ بهِمْ إلى المقاماتِ العليَّةِ، ففي الحديثِ القُدسِيِّ: ((ولا يزالُ عبْدِي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحبَّهُ)) ، كما جعل فيها عوضًا لهم عمَّا يقعُ من تقصيرٍ في الفرائضِ فتجبُرُ نقصَهَا، كما صحَّ عن أبي هريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((إنَّ أوَّل ما يُحاسبُ النَّاسُ به يومَ القيامَةِ من أعمالِهِمُ الصَّلاةُ، قال: يقولُ ربُّنا جلَّ وعزَّ لملائكتهِ وهوَ أعلمُ: انظُرُوا في صلاةِ عبدِي أتمَّها أم نقصَهَا، فإن كانتْ تامَّةً كُتِبتْ لهُ تَامَّةً، وإن كانتْ انتقصَ منها شيئًا قال: انظرُوا، هلْ لعبْدِي من تطوُّعٍ؟ فإنْ كانَ لهُ تطوُّعٌ قالَ: أتمُّوا لعبدِي فريضتَهُ من تطوُّعِهِ، ثمَّ تُؤخذُ الأعمالُ على ذَاكُمْ)) [أخرجه أصحابُ السُّنن] . ولو أيقنَ العبدُ أنَّهُ أتمَّ الفرائضَ وما انتقصَ منهاَ شيئًا كانتْ نافلتُهُ زيادةً في درجتهِ، وإن تركَ التَّطوُّعاتِ حينئذٍ فليسَ عليهِ من مأثمٍ، دليلُ ذلكَ ما أخرجهُ الشَّيخانِ من حديثِ طلحةَ بنِ عُبيدِالله ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرَّأسِ يُسمعُ دويُّ صوتِهِ ولا يُفقَهُ ما يقولُ، حتَّى دنَا، فإذا هُوَ يسألُ عن الإسلامِ، فقال رسول الله ﷺ : ((خمسُ صلواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ)) فقال: هلْ عليَّ غيرهَا؟ قالَ: ((لا، إلاَّ أن تطوَّعَ)) قال رسول الله ﷺ : ((وصيامُ رمضَانَ)) قال: هلْ عليَّ غيرُهُ؟ قال: ((لاَ، إلاَّ أن تطوَّعَ)) قال:

стр. 30

وذكر له رسولُ الله ﷺ الزَّكاةَ، قال: هلْ عليَّ غيرُها؟ قال: ((لا، إلاَّ أن تطوَّعَ)) ، قال: فأدبرَ الرَّجلُ وهو يقولُ: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقصُ، قال رسول الله ﷺ : ((أفلحَ إنْ صدَقَ)) . ولكنَّ الصِّدقَ في ذلك أمرٌ مظنونٌ، والعبدُ يعملُ العملَ لا يضمنُ إتقانَهُ من كلِّ وجوهِهِ، لذلكَ يبقى محتاجًا إلى التَّطوعِ، ولا يحسنُ به أن يتركهُ طولَ عمُرِهِ معتمدًا على أدائهِ الفرائضَ، فإنَّ خير الهديِ هديُ محمَّد ﷺ ، وقد كان المثلُ الأعلى في المحافظةِ على كثرةِ التَّطوعَاتِ. *مسألة: ذهبَ الحنفيَّةُ والمالكيةُ إلى أنَّ من شرعَ في التَّطوعِ فإنَّهُ يصيرُ عليهِ واجبًا بِمجرَّدِ الشُّرُوعِ، فليسَ له إبطالُهُ ولا الخُرُوجُ منهُ، فإنْ خرجَ منهُ لزمَهُ القضاءُ عند الحنفيَّةِ، وعند المالكيَّةِ: يلزمُهُ القضاءُ إذا خرجَ منهُ بغيرِ عذْرٍ، ولا يلزمُهُ إذَا خرجَ منهُ بعذْرٍ. واستدلُّوا بعمُومِ قولهِ تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] . ومذهبُ الشَّافعيِّ وأحمدَ وسفيانَ الثَّورِيِّ: هو تطوُّعٌ قبلَ الشُّروعِ فيهِ وبعدَهُ، وليسَ عليهِ قضاءٌ لو تركهُ، إنما الأمرُ له إن شاءَ قضَى وإنْ شاءَ تركَ، وهذه الآيةُ ليستْ في ذلكَ، إنَّما هي في إبطالِ الحسناتِ

стр. 31

بفعلِ السَّيِّئاتِ، أو بالرِّياءِ، وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: ((الصَّائمُ المتطوِّعُ أميرُ نفسِهِ، إن شاءَ صامَ وإن شاءَ أفطرَ)) [أخرجهُ التِّرمذيُّ وغيرُهُ من حديث أمِّ هانيءٍ، ولهُ شاهدٌ من حديثِ عائشةَ] . ٣ـ الحرام * تعريفه: لُغةً: المنعُ، و (المُحرَّمُ) الممنوعُ منه، وهوَ ضدُّ الحلالِ. واصطلاحًا: ما طلَبَ الشَّارِعُ الكفَّ عنه على وجهِ الحَتْمِ والإلزامِ، ويثابُ تاركُهُ امتثالاً، ويُعاقبُ فاعلُهُ اختيارًا. ومن أسمَائِهِ: المحظُورُ. "صيغته: يُستفادُ (التَّحريمِ) الصَّريحِ، كقولهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله ﷺ : ((كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ دَمُهُ، ومالُهُ، وعرضُهُ)) [حديث صحيحٌ رواهُ مسلمٌ] . ٢ـ نفيُ الحلِّ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، وقوله ﷺ : ((لايحلُّ لمسلمٍ أن

стр. 32

يهجُرَ أخَاهُ فوقَ ثلاثِ ليالٍ)) [متفقٌ عليه] . ٣ـ صيغة النَّهي، وهي أنوعٌ تعودُ جملتُهَا إلى: [١] لفظِ (النَّهي) الصَّريحِ، كقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] وقوله ﷺ : لعليٍّ ﵁ وقد وهبهُ خادمًا: ((لا تضْرِبْهُ، فإنِّي نُهيتُ عن ضربِ أهلِ الصَّلاةِ، وإنِّي رأيتهُ يُصلِّي منذُ أقبلنَا)) [رواه البخاريُّ في ((الأدب المفرد)) ١٦٣ بسندٍ حسنٍ] . ويلحقُ بهذا قولُ الصَّحابيِّ: ((نهى رسولُ الله ﷺ عن كذا)) . [٢] صيغة (زَجرَ) ، كحديثِ أبي الزُّبيرِ قال: سألتُ جابرًا (يعني ابنَ عبد الله) عن ثَمَنِ الكلبِ والسِّنَّورِ؟ قالَ: زَجرَ النَّبيُّ ﷺ عن ذلكَ [أخرجه مسلمٌ] . [٣] صيغةِ الأمر بالانتهاءِ، كقوله تعالى للنَّصارى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ، وقوله ﷺ : ((يأتي الشَّيطانُ أحدَكُم فيقولُ: من خلقَ كَذا، من خلقَ كذا، حتى يقولَ: من خلقَ ربُّكَ؟ فإذا بلغهُ فليستَعِذْ بالله ولْيَنْتَهِ)) [متفق عليه عن أبي هريرة] . [٤] صيغة الفِعلِ المضارعِ المقترنِ بـ (لا) النَّاهيّةِ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] ، وقوله ﷺ : ((لايَبِع بعضُكُم على بيعِ بعضٍ)) [متَّفقٌ عليه عن ابن عمرَ] .

стр. 33

[٥] صيغةِ (لا ينبغي) ، كقوله ﷺ في الحريرِ: ((لا ينبغي هذا للمتَّقينَ)) [متفق عليه من حديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ] . [٦] صيغةِ الأمرِ بالتَّركِ بغيرِ صيغةِ النَّهيِ الصَّريحةِ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وقوله ﷺ : ((اجتنبُوا السَّبع المُوبقَاتِ)) قالوا: يا رسول الله، وماهنَّ؟ قال: ((الشِّركُ بالله، والسِّحرُ، والتَّولِّي يوم الزَّحفِ، وقذْفُ المُحصناتِ المُؤمناتِ الغافلاتِ)) [متفق عليه عن أبي هريرة] ، وحديث عبد الله بنِ عمرَ ﵄ قال: طلَّقتُ امرأتي على عهد رسول الله ﷺ وهي حائضٌ، فذكر ذلك عُمرُ لرسول الله ﷺ ، فقال: ((مُرهُ فليُراجِعْهَا، ثمَّ ليَدَعْهَا حتَّى تطْهُرَ، ثم تحيضُ حيضةً أُخرى، فإذا طهُرتْ فليُطلِّقها قبلَ أن يُجامِعَهَا، أو يُمسِكْهَا، فإنَّها العدَّةُ الَّتي أمرَ اللهُ أن يُطلِّقَ لها النِّساءُ)) [رواه مسلمٌ] . ٤ـ ما رُتِّب على فعلهِ عُقُوبةٌ أو وعيدٌ دُنيويٌّ أو أخْرَوِيٌّ فهوَ دليلٌ على تحريمهِ، فمِنْ صُورِهِ: [١] عُقُوبةُ الحدُودِ، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا

стр. 34

أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] [٢] التَّهديد بالعقابِ، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ـ ٢٧٩] ، وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ـ ٦٢] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ، وقوله ﷺ : ((ليتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم الجُمُعاتِ أو ليختِمَنَّ الله على قُلوبِهِمْ ثمَّ ليكونَنَّ من الغافلينَ)) [رواه مسلمٌ وغيرهُ عن ابن عُمر وأبي هريرة] ، وقوله ﷺ : ((لكلِّ غادرٍ لواءٌ يُعرفُ بهِ يومَ القيامَةِ)) [متفقٌ عليه] ، فهذه فضيحةٌ يومَ العرضِ. [٣] ترتيبُ اللَّعنةِ على الفعلِ، وهي نوعٌ من العُقوبَةِ، وفيه نصوصٌ كثيرةٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ. ٥ـ وصف الفِعلِ بأنهُ من الذُّنوبِ، ومنه وصفُه بأنَّه كبيرةٌ، كقوله ﷺ : ((ما منْ ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّل الله تعالى لصاحبِهِ العقُوبةَ في الدُّنيا

стр. 35

مع ما يُدخرُ لهُ في الآخرةِ مثلُ البغي، وقطيعةِ الرَّحمِ)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ أبوداودَ وغيرُهُ عن أبي بكرة] ، وعن أنسٍ ﵁ قال: سُئل النَّبيُّ ﷺ عن الكبائرِ؟ قال: ((الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النَّفسِ، وشهادَةُ الزُّورِ)) [متَّفقٌ عليهِ] . ٦ـ وصفُ الفعلِ بالعُدوانِ، أو الظُّلم، أو الإساءَةِ، أو الفسقِ، أو نحوَ ذلكَ، كحديثِ عبد الله بن عمرِو ﵄ قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبي ﷺ يسألهُ عن الوضُوءِ، فأرَاهُ الوضُوء ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: ((هكذَا الوُضوءُ، فمن زادَ على هذا فقدْ أساءَ وتعدَّى وظلمَ)) [حديث حسنٌ، أخرجهُ النَّسائيُّ وغيرُهُ] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ٧ـ تشبيهُ الفاعلِ بالبهائمِ أو الشَّياطين أو الكفرةَ أو الخاسرين أو نحوِهم، كقوله ﷺ : ((ليسَ لنَا مثلُ السَّوءِ، الَّذي يعودُ في هِبتِهِ كالكلبِ يرجعُ في قيئِهِ)) [متفق عليه من حديث ابن عباس] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، وقوله ﷺ : ((إنما يلبسُ الحريرَ في الدُّنيا من لا خلاقَ لهُ في الآخرةِ)) [متفقٌ عليه من حديث عُمر بن الخطَّابِ] . ٨ـ تسميةُ الفعلِ باسمِ شيءٍ آخر محرَّمٍ معلومِ الحُرمة، كوصفِ

стр. 36

الفعلِ بأنَّه زِنا أو سرِقة أو شركٌ، أو غير ذلك، ومن ذلك قوله ﷺ : ((إنَّ الله كتب على ابنِ آدمَ حظَّهُ من الزِّنا، أدركَ ذلكَ لا محالَةَ، فزِنا العينِ النَّظرُ، وزِنَا اللِّسانِ المنطقُ)) الحديث [متفقٌ عليه عن أبي هريرةَ] ، وقوله ﷺ : ((أسوَأُ النَّاسِ سرِقةً الَّذي يسرقُ صلاتَهُ)) قالُوا: يا رسول الله، وكيف يسرقُ صلاتَهُ؟ قالَ: ((لا يُتمُّ رُكُوعهَا ولا سُجُودَهَا)) [حديث صحيحٌ، رواه الدَّارمِيُّ وأحمدُ وغيرهما] ، وقوله ﷺ : ((منْ حلفَ بغيرِالله فقَدْ أشركَ)) [حديثٌ صحيحٌ رواه أبوداود والتِّرمذِيُّ وغيرُهما] . "أقسامه: التَّحريمُ لم يأتِ في شريعةِ الإسلامِ إلاَّ لشيءٍ كانتْ مفسدَتُهُ خالصَةً أو غالبةً، وجميعُ المحرَّماتِ لا تخلو من أن تكونَ على واحدٍ من الوَصْفينِ، وهذه قاعدَةٌ عظيمةٌ في الفقهِ لإدراكِ ما يمكنُ أن يلحقَ بالحرَامِ بحسبِ رُجْحانِ جانبِ المفسدةِ، أو فُقدانِ المصلحَةِ. والمفسدَةُ في المحرَّمِ تكونُ في ذاتِ الشَّيءِ المحرَّمِ، أو يكونُ المحرَّمُ سببًا فيها، وعليه فالمحرَّماتُ قسمانِ: ١ـ محرَّمٌ لذاتِهِ: مثلُ: الشِّركِ، والزِّنا، والسَّرقَةِ، وأكلِ الخِنزيرِ، فهذه حُرِّمت لِذواتِها، ومفاسدُها خالصَةٌ أو راجحَةٌ، ويترتَّبُ على فعلِهَا: الإثمُ

стр. 37

والعِقابُ، وبُطلانُ كونِهَا أسبابًا شرعيَّةً لثبوتِ شيءٍ من الأحكامِ، فالزِّنَا مثلاً لا يثبتُ بهِ النَّسبُ ولا يأخذُ أحكامَ الزَّواجِ الصَّحيحِ، والسَّرقةُ لا تثبتُ المكليَّة للمالِ المسروقِ، وهكذا. ٢ـ محرَّمٌ لغيرهِ: هو مباحٌ في الأصلِ أو مشروعٌ لخُلوِّهِ من المفسدَةِ أو رُجحانِ مصلحتهِ، لكنَّه في ظرفِ معيَّنٍ كان سببًا لمفسدةٍ راجحَةٍ، فتعتريهِ الحُرمَةُ في تلكَ الحالِ. مثلُ: البيعِ والشِّراءِ، فإنَّهُ مباحٌ مشروعٌ، إلاَّ أنهُ يحرُمُ عند سماعِ النِّداءِ الأوَّلِ للجُمُعةِ، لما يقعُ بمزوالتِهِ حينئذٍ من تفويتِ الجُمُعةِ، والرَّجلُ يخطبُ امرأةً أجنبيَّةً ليتزوَّجها حلالٌ مباحٌ، لكنَّهُ يحرُم إذا علمَ أنَّ مسلمًا غيره قد تقدَّمَ لِخِطبتها حتَّى ينصرِفَ عنها أو تنصرِف عنه، وإنَّما كانتْ الحرمَةُ العارضَة لما يُسبِّبُ ذلك من العدَاوةِ بين المسلمينَ بسببِ ما يقعُ من الإيذاءِ، ومثلهُ أن يبيع على بيعِ أخيهِ، والصَّلاةُ مشروعةٌ في كلِّ وقتٍ إلاَّ في ساعاتٍ منعت الشَّريعَةُ من الصَّلاةِ فيها دفعًا لمشابهةِ الكُفَّار حيثُ يسجدونَ للشَّمسِ عندَ طُلوعهَا وغُروبهَا. ولوْ أوقعَ المسلمُ الفعلَ من هذه الأفعالِ في وقتِ تحريمِهَا، فهلْ يصحُّ منه الفعلُ مع الإثمِ، أو يفسدُ الفعلُ مع الإثمِ؟ بينَ الفُقهاءِ خلافٌ، وسيأتي في (مبحث النَّهي) .

стр. 38

"تنبيه: فرَّق الحنفيَّةُ في المطلوبِ الكفُّ عنه على وجه الإلزامِ بين ما ثبتَ بدليلٍ قطعيِّ الورود كالقرلآن والسُّنةِ المتواترَةِ، فسمَّوا ما ثبت به (الحرام) ، وما ثبتَ بدليلٍ ظنِّيِّ الورودِ كحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ، فسمَّوه: (المكروهُ تحريمًا) ، وهذا شبيهُ ما تقدَّم لهُم في التَّفريقِ بينَ (الفرضِ) و (الواجبِ) ، وجمهُورُ العلماءِ على عدمِ التَّفريقِ، وهو الصَّوابُ. ٤ـ المكروه "تعريفه: لُغةً: مادَّتُهُ (كره) وهو أصلٌ يدلُّ على خلافِ الرِّضا والمحبَّةِ، فـ (المكروهُ) ضدُّ المحبوبِ. واصطلاحًا: ما طلبَ الشَّارعُ من المكلَّفِ تركَهُ لا على وجهِ الحتْمِ والإلزامِ، ويثابُ تاركُه امتثالاً، ولا يعاقبُ فاعلُهُ. وقد استُعملَ لفظُ (المكروهُ) في لسانِ الشَّرعِ بِهذا المعنى، وكذلك بمعناهُ اللُّغويِّ الَّذي هو ضدُّ المحبوبِ، فربَّما وُصفَ بهِ (الحرامُ) ، كما في قوله تعالى بعد ذكرِ بعضِ المناهي في سورةِ الإسراءِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] ، وجميعها محرَّمٌ، والمعنى فيه أنَّ تلكَ المحرَّماتِ غيرُ محبوبةٍ ولا مرضيَّةٍ، بلْ مُبغضةٌ

стр. 39

مكروهَةٌ، لكن هذا الاستعمالُ لا يُشكلُ على المعنى الاصطلاحيِّ لـ (المكروه) على أنَّه نوعٌ من الأحكامِ التَّكليفيَّةِ غيرُ (الحرام) . "صيغته: تُعرفُ الكراهةُ في الأحكامِ الشَّرعيَّة باستعمالاتٍ تدلُّ عليها، ترجعُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ: ١ـ لفظِ (الكراهةِ) كما في حديث المغيرةِ بن شُعبةَ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : ((إنَّ الله حرَّم عليكُم عقوقَ الأمَّهاتِ، وأودَ البناتِ، ومنعَ وهاتِ، وكرِه لكُم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السُّؤالِ، وإضاعَةَ المالِ)) [متفقٌ عليه] ، وفيه تفريقٌ بيِّنٌ بينَ (الحرامِ) و (المكروه) . ومنها: حديثُ المهاجرِ بنِ قُنفُذٍ ﵁: أنَّهُ أتى النَّبيَّ ﷺ وهو يبُولُ، فسلَّمَ عليه فلم يرُدَّ عليهِ حتَّى توضَّأ، ثمَّ اعتذَرَ إليه فقال: ((إنِّي كرهتُ أن أذْكُرالله عزَّوجلَّ إلاَّ طُهرٍ (أو قال: على طهارةٍ)) ) [حديثٌ صحيحٌ رواه أبوداودَ وغيرُهُ] ، مع ما ثبتَ عنه ﷺ أنَّه كانَ يذْكُرُ الله على كلِّ أحيانِهِ [رواه مسلمٌ عن عائشة] . ٢ـ صيغةِ النَّهيِ الَّتي قام بُرهانٌ على صرفهَا عن التَّحريمِ، كحديث عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: ((الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شرْطةِ مِحجَمٍ، أو شربَةِ عسلٍ، أو كيَّةٍ بنارٍ، وأنا

стр. 40

أنهى عن الكيِّ)) [رواه البخاريُّ] ، فهذا النَّهيُ للكراهَةِ لا للتَّحريمِ، وممَّا دلَّ عليه: حديثُ جابرِ بن عبد الله ﵄ قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: ((إنْ كانَ في شيءٍ من أدويتِكُم خيرٌ ففي شربةِ عسلٍ، أو شرطَةِ مِحجمٍ، أولَذْعَةٍ من نارٍ، وما أحِبُّ أن أكتوِي)) [متفقٌ عليه] ، فهذا إذنٌ لهُم في التَّداوي بالثَّلاثِ المذكُورَاتِ، معَ كراهَةِ الكيِّ. ومن ذلكَ حديثُ عبد الله بن عُمرَ ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ نهى يومَ خيبرَ عن أكلِ الثُّومِ [رواه البخاريب] ، وهذا النَّهيُ ليسَ للتَّحريمِ بأدلَّةٍ عديدةٍ منها: حديثُ أبي أيُّوبَ الأنصارِيِّ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بِطعامٍ أكل منهُ وبعثَ بفضْلِه إليَّ، وإنَّه بعثَ إليَّ يومًا بفضْلةٍ لم يأكلُ منها؛ لأنَّ فيها ثومًا، فسألتُه: أحرَامٌ هُوَ؟ قال: ((لاَ، ولكنِّي أكرَهُهُ من أجلِ ريحِهِ)) قال فإنِّي أكرهُ ما كرِهتَ، وفي روايةٍ: وكانَ النَّبيُّ ﷺ يُؤتَى [رواه مسلم] ، والمقصودُ أنَّه كان يأتيهِ الملكُ. ٣ـ التُّروكِ النَّبويَّة الَّتي قُصدَ بها التَّشريعُ لا الَّتي جرتْ بمقتضى الطَّبع البشرِيِّ، وهذا يُقابلُ ما يفيدُه الفعلُ النَّبويُّ من الاستحبابِ، فكذلك يُفيدُ التَّركُ الكراهةَ. ومن أمثلة ما كانَ النَّبيُّ ﷺ تركَهُ عمدًا بقصدِ التَّشريعِ لا بمقتضى
следующие страницы →