← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22397

مناظرة بين الإسلام والنصرانية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (477 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذلك. فهو قد يتوقع أن تأتي نهاية العالم في أيام المسيح: قبل أن يكون رسله قد أكملوا التبشير في مدن إسرائيل (١٠: ٢٣) ، وقبل أن يدرك الموت بعض معاصري المسيح والذين استمعوا إلى تعاليمه (١٦: ٢٨) وقبل أن يكون ذلك الجيل الذي عاصر المسيح وتلاميذه قد فني (٢٤: ٣٤) . ومن الواضح كما يقول جون فنتون في ص ٢١- " أن شيئا من هذا لم يحدث كما توقعه متى ". ٢- ثم تأتي خاتمة الإنجيل التي يشك فيها العلماء ويعتبرونها دخيلة. فهي تنسب للمسيح قوله لتلاميذه: " اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس (٢٨: ١٩) ". ويرجع هذا الشك- كما يقول أدولف هرنك - وهو من أكبر علماء التاريخ الكنسي، إلى الآتي: أ- " لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة من التعاليم المسيحية ما يتكلم عن المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أقيم من الأموات، وأن بولس لا يعلم شيئا عن هذا ". ب- " إن صيغة التثليث هذه غريب ذكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها نفوذ في عصر الرسل، وهو الشيء الذي كانت تبقى جديرة به، لو أنها صدرت عن المسيح شخصيا " (١) . ٣- إنجيل لوقا: يبدأ بمقدمة ألقت كثيرا من الضوء على ما كان يحدث في صدر المسيحية، وخاصة فيما يتعلق بتأليف الأناجيل، فهو يقول:

стр. 37

" إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخذاما للكلمة. رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس. لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " (١: ١-٤) . ومن هذه المقدمة يتضح جملة أمور لا بد من التسليم بها: ١- أن لوقا يكتب رسالة شخصية إلى ثاوفيلس، وأن هذه الرسالة تكتب على التوالي حسبما تتوفر لها إمكانيات الكتابة من وقت ومعلومات. ٢- وأن هذا العمل قام به لوقا بدافع شخصي بحت بغية أن تصل المعلومات التي علم بها إلى صديقه. ولم يدع الرجل في رسالته أنه كتبها بإلهام أو مسوقا من الروح القدس، بل إنه يقرر صراحة أن معلوماته جاءت نتيجة لاجتهاده الشخصي لأنه تتبع كل شيء من الأول بتدقيق. ٣- كذلك يقرر لوقا أن كثيرين قد أخذوا في تأليف أناجيل. ٤- وأخيرا يعترف لوقا بأنه لم ير المسيح ولم يكن من تلاميذه، لكنه كتب رسالته بناء على المعلومات التي تسلمها من الذين عاينوا المسيح وكانوا في خدمته. ومن المعلوم أن سفر أعمال الرسل- وهو أطول أسفار العهد الجديد- هو الجزء الثاني من رسالة لوقا إلى ثاوفيلس. ولقد حاول العلماء معرفة ثاوفيلس هذا، لكن جهودهم لم تصل إلى نتيجة محددة. يقول فريدريك جرانت: " لم نخطر بمن يكون ثاوفيلس هذا، قد يمكن افتراضه موظفا رومانيا. . كذلك لم نخطر بمن أولئك الكثيرين الذين أخذوا في تأليف قصص مماثلة. . ورغم أن الموضوع لا يتعدى مجرد احتمالات غير مؤكدة فليس من المتعذر أن يكون مؤلف إنجيل لوقا قد جمع مادته في فلسطين أو

стр. 38

سوريا مبكرا في الفترة ٧٠- ٨٠ م، ثم ربطه بالجزء الأكبر من إنجيل مرقس في وقت ما من السبعينات ثم أصدر إنجيله حوالي عام ٨٠ أو ٨٥ م. وبعد ذلك بحوالي خمس سنوات فإنه ذيل كتابه الأصلي برسالة ثانية نعرفها الآن باسم أعمال الرسل. . ثم نشر مصنفه في حوالي عام ٩٥ م " (١) . ومن أقوال العلماء في كتابات لوقا: " إن سفر أعمال الرسل يوجد به كثير من النقاط التي تتعارض تعارضا تاما مع التعاليم المذكورة في رسائل بولس، ومن غير المعقول إذن أن تكون هذه قد سطرها شخص له معرفة مباشرة ببولس ورحلاته التبشيرية (التي تحدث عنها تفصيلا سفر أعمال الرسل حتى أن هذا السفر يسمى أحيانا سفر أعمال بولس. .) . ومن النادر ذكر لوقا كشخصية بارزة في سجلات التاريخ للقرن الأول من المسيحية " (٢) . مشاكل إنجيل لوقا: ١- " يعاني نص إنجيل لوقا من التغييرات التي تعاني منها الكتب الأخرى للعهد الجديد، إلا أن النص الغربي للإنجيل وسفر أعمال الرسل يعاني من اختلافات كثيرة بالإضافة أو الحذف عما في النصوص الأخرى لذات الإنجيل، مثل النص السكندري والنص البيزنطي " (٣) . ٢- " ثم هناك المشكلة الحادة التي نتجت عن اختلاف نسب المسيح كما

стр. 39

ذكره لوقا عما جاء في نظيره في إنجيل متى وفي أسفار العهد القديم ". وهذه واحدة من مشاكل الأناجيل التي سوف نبحثها فيما بعد. ٤- إنجيل يوحنا: " لقد كان من المعتقد لفترة طويلة أن يوحنا كان على بينة من وجود الأناجيل الثلاثة المتشابهة، وأنه قد كتب ليكملهم أو ليصحههم في حالة أو حالتين. فقد جرى القول بأن حادثة تطهير الهيكل- على سبيل المثال- قد وضعها يوحنا عمدا في بداية دعوة يسوع، لأنه حسبما تذكرها يوحنا الذي تقدمت به السنون كان ذلك موضعها. كذلك فإنه صحح تاريخ الصلب، حيث وضعه عشية الفصح في اليوم الذي تذبح فيه خراف الفصح. ومن ناحية أخرى فإن لقب: ابن الإنسان (الذي كان يطلقه المسيح على نفسه ويفضله كثيرا على الألقاب الأخرى) والي لم يستخدمه بولس قط، قد أبقى عليه يوحنا. . لقد كان يوحنا مسيحيا ولجانب ذلك فإنه كان هللينيا، ومن المحتمل ألا يكون يهوديا ولكنه شرقي أو إغريقي. . ومن المحتمل أن يكون إنجيل يوحنا قد كتب في أنطاكية أو أفسس أو الإسكندرية أو حتى روما، فإن كلا من هذه المدن كانت مركزا عالميا للدعاية العقائدية في القرنين الأول والثاني من الميلاد، كما كانت على اتصال ببعضها " (١) . ويقول جون مارش في مقدمته لتفسير إنجيل يوحنا تحت عنوان: " استحالة التوكيد ": " حين نأتي لمناقشة المشاكل الهامة والمعقدة التي تتعلق بالإنجيل الرابع

стр. 40

وإنجيله، نجد أنه من المناسب والمفيد أن نعترف مقدما بأنه لا توجد مشكلة للتعريف (بالإنجيل وكاتبه) يمكن إيجاد حل لها. من كان يوحنا هذا الذي قيل إنه المؤلف؟ أين عاش؟ لمن من الجمهور كان يكتب إنجيله؟ أي المصادر كان يعتمد عليها؟ متى كتب مصنفه؟ . . حول كل هذه الأسئلة وحول كثير غيرها توجد أحكام متباينة، أحيانا تقرر تأكيدات قوية ومع ذلك فإن أيا منها لا يرقى إلى مرتبة اليقين. . . (ثم يختتم جون مارش مقدمته بقوله) : وبعد أن نفرغ كل ما في جعبتنا نجد أنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل تحقيق أي شيء أكثر من الاحتمال حول مشاكل إنجيل يوحنا. ويعتقد كاتب هذه السطور (جون مارش) أنه ليس من المستحيل الاعتقاد أنه خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الأول الميلادي قام شخص يدعى يوحنا، من الممكن أن يكون يوحنا مرقس، وقد تجمعت لديه معلومات وفيرة عن يسوع، ومن المحتمل أنه كان على دراية بواحد أو أكثر من الأناجيل المتشابهة، فقام عندئذ بتسجيل شكل جديد لقصة يسوع اختص بها طائفته التي كانت تعتبر نفسها عالمية، كما كانت متأثرة بوجود تلاميذ يوحنا المعمدان " (١) . مشاكل إنجيل يوحنا: تقول دائرة المعارف الأمريكية: " يوجد ذلك التضارب الصارخ بينه وبين الأناجيل المتشابهة، فهذه الأخيرة تسير حسب رواية مرقس للتسلسل التاريخي للأحداث فتجعل منطقة الجليل هي المحل الرئيسي لرسالة يسوع، بينما يقرر إنجيل يوحنا أن ولاية اليهودية كانت المركز الرئيسي.

стр. 41

وهناك مشكلة الإصحاح الأخير (رقم ٢١) من الإنجيل: إن القارئ العادي يستطيع أن يرى أن الإنجيل ينتهي بانسجام تام بانتهاء الإصحاح العشرين الذي يقول: وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله. . إن هذا الإعلان يبين بوضوح الغرض الذي كتب من أجله هذا الكتاب. بعد ذلك يأتي الإصحاح الأخير (رقم ٢١) الذي يخبرنا أن يسوع ظهر كرب أقيم من الأموات لخمسة تلاميذ. . وأنه قال لبطرس: ارع خرافي. . وكذلك تعليق مبهم يقول: هذا هو التلميذ الذي جاء عن طريق الجماعة التي تشير إلى نفسها بكلمة: نحن (نعلم) . . وفي حقيقة الأمر فإن هؤلاء يصعب تحديدهم " (١) . ولقد ظهر شيء من التآلف بين إنجيلي لوقا ويوحنا مما ساعد على ظهور نظرية تقول بأن يوحنا استخدم إنجيل لوقا كأحد مصادره. إلا أن هذه النظرية تجد معارضة بسبب الاختلاف الواضح بين الإنجيلين في المواضع المشتركة بينهما: " فكلا الإنجيلين يتحدث عن بطرس وصيد السمك بمعجزة، لكن أحدهما (لوقا) يضع القصة مبكرا في رسالة يسوع في الجليل، أما الآخر (يوحنا) فيضعها بعد قيامه من الأموات " (لوقا ٥: ١- ١١، يوحنا ٢١: ١-١٤) . وكلاهما يتحدث بلغة مشتركة عن كيفية مسح يسوع (بالطيب) من امرأة. لكنها في أحدهما (لوقا) كانت زانية في بيت فريسي، بينما هي في

стр. 42

الآخر (يوحنا) كانت امرأة صديقة ليسوع، وأن ذلك حدث في بيتها. (لوقا ٧: ٣٦- ٣٨، يوحنا ١٢: ١- ٨) (١) . أما بعد. . فإن النتيجة التي لا مفر من التسليم بها كما بينتها هذه الخلاصة لأبحاث علماء النصرانية تقول بحق: إِن الأناجيل القانونية ما هي إلا كتب مؤلفة- بكل معنى الكلمة- وهي تبعا لذلك معرضة للصواب والخطأ. ولا يمكن الادعاء ولو للحظة واحدة أنها كتبت بإلهام. لقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة. والشيء المؤكد- الذي يلحظه القارئ البسيط كما يلحظه القارئ المدقق- أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها ومع حقائق العالم الخارجي (حيث فشلت التنبؤات بنهاية العالم) كما رأينا وكما سنرى فيما بعد. إن هذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل إنه قد يصدمه ولكن بالنسبة للعالم النصراني المدقق فقد أصبح القول بوجود أخطاء في أسفار الكتاب المقدس حقيقة مسلما بها. إن الكنيسة الكاثوليكية كانت تتمسك بشدة بعقيدة الإلهام، كما يقول موريس بوكاي التي تأكد القول بها في مجمع الفاتيكان الذي عقد عام ٦٩- ١٨٧٠ م، والذي تقرر فيه " أن الكتب القانونية لكل من العهدين القديم والجديد قد كتبت بإلهام من الروح القدس وأعطيت هكذا للكنيسة ". لكنها عادت الآن- بعد نحو قرن من الزمان- لتواجه الحقائق وتعترف بها. فلقد بحث المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان (٦٢- ١٩٦٥ م) المشكلة

стр. 43

التي تتعلق بوجود أخطاء في بعض نصوص أسفار العهد القديم، وقدمت له خمس صيغ مقترحة استغرق بحثها ثلاث سنوات من الجدل والمناقشة. وأخيرا تم قبول صيغة حظيت بالأغلبية الساحقة، إذ صوت إلى جانبها ٢٣٤٤ ضد ٦، وقد أدرجت في الوثيقة المسكونية الرابعة عن التنزيل فقرة تختص بالعهد القديم (الفصل الرابع، ص ٥٣) تقول: " بالنظر إلى الوضع الإنساني السابق على الخلاص الذي وضعه المسيح تسمح أسفار العهد القديم للكل بمعرفة من هو الله ومن هو الإنسان. . غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان ". (نقلا عن الطبيب الفرنسي الكاثوليكي (١) موريس بوكاي من كتابه: La Biblie، Le Coran et la Science. وقد نشرت دار المعارف بالقاهرة ترجمته العربية تحت عنوان: " دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ". وهذه الفقرة منقولة عن الطبعة الأولى (٢) . إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كم من المؤمنين بقداسة هذه الأسفار واعتبارها تعليما إلهيا موحى به من الله، يعلم هذا الذي قررته الكنيسة بشأنها، وما تحتويه من شوائب وبطلان؟ وما لنا نذهب بعيدا ولدينا الكتاب المقدس- طبعة الكاثوليك ١٩٦٠ م- وهو يقدم لأسفار موسى الخمسة (التوراة) بقوله: " كثير من علامات التقدم تظهر في روايات هذا الكتاب وشرائعه مما حمل المفسرين كاثوليك وغيرهم على التنقيب عن أصل هذه الأسفار الأدبي. فما من عالم كاثوليكي في عصرنا

стр. 44

يعتقد أن موسى ذاته قد كتب كل البانتاتيك (الأسفار الخمسة) منذ قصة الخلق إلى قصة موته. كما أنه لا يكفي أن يقال إن موسى أشرف على وضع النص الملهم الذي دونه كتبة عديدون في غضون أربعين سنة. كذلك يقول الكتاب المقدس في تقديمه لسفر راعوث: " من المحتمل أن يكون الكاتب قد استعان في البدء بذكريات تقليدية غير واضحة الظروف تماما، ثم أضاف إليها عددا من التفاصيل ليجعل الرواية أكثر حياة ويعطيها قيمة أدبية "!! وها هي كتب التبشير التي تورع هنا بين المسلمين تعترف بتسرب أخطاء خطيرة إلى أسفار العهد الجديد. لقد جاء في كتاب: " هل الكتاب المقدس حقا كلمة الله؟ " في ص ١٦٠، ما يلي: " بمقارنة أعداد كبيرة من المخطوطات القديمة باعتناء يتمكن العلماء من اقتلاع أية أخطاء ربما تسللت إليها. مثالا على ذلك الإدخال الزائف في رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الخامس. فالجزء الأخير من العدد ٧، والجزء الأول من العدد ٨، يقول حسب الترجمة البروتستنتية العربية، طبع الأمريكان في بيروت- ونقرأ في الترجمة اليسوعية العربية شيئا مماثلًا: في السماء. . . الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة (الروح والماء والدم وهؤلاء الثلاثة في واحد) . ولكن طوال القرون الثلاثة عشر الأولى للميلاد لم تشتمل أية مخطوطات يونانية على هذه الكلمات. وترجمة " حريصا " العربية تحذف هذه الكلمات كليا من المتن. والترجمة البروتستنتية العربية ذات الشواهد تضعها بين هلالين موضحة في المقدمة أنه ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها ".

стр. 45

أعتقد أن أبسط تعليق هو التذكرة فقط بأن هذا النص الخطير الذي أدخل ابتداء من القرن الثالث عشر، والذي يقتبس منه فكرة التثليث، لم يكن له وجود طوال القرون السابقة. وهذا شيء لا يمكن اعتباره تحريفا بسيطا، بل إنه تحريف خطير، لأنه يمس أساس العقيدة. وهكذا نجد أن نصوصا وأفكارا تتسرب إلى الكتابات التي اعتبرت مقدسة عبر القرون، فكل ما يتعلق بتثليث أو ثالوث، ما من شك في أنه دخيل على مسيحية المسيح الحقة التي لا تزال لها بقايا في الأناجيل الموجودة حاليا. ويكفي أنه عندما يأتي العلماء لتفسير صلاة المسيح الأخيرة في إنجيل (يوحنا ١٧: ٣) التي يقول فيها: " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته ". فإنهم يقولون: إن هذا توحيد لاشك فيه. وطبعا هذا الكلام معناه باللغة العربية المتداولة: لا إله إلا الله، المسيح رسول الله. ومن هذه النقاط يمكن أن تلتقي النصرانية مع الإسلام. وفي فقرات أخرى وفي لقاءات أخرى مع الإسرائيليين كان قوله: " اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد) (إنجيل مرقس ١٢: ٢٩) . وهذه الفقرة تشير إلى ما في أسفار العهد القديم. (سفر التثنية ٦: ٤) وعندما تقدم إليه إسرائيلي ليسأله: " أيها المعلم الصالح، ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟) (إنجيل لوقا ١٨: ١٨) . ماذا قال المسيح؟ لم يقل له افعل كذا أو كذا. . لكنه أولا نفى الصلاح عن نفسه فقال: " كيف تدعوني صالحا؟ ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله ". . بعد ذلك

стр. 46

بدأ المسيح يعلمه ما جاء في أسفار العهد القديم وما دعا إليه وهو التوحيد في العقيدة والتمسك بشريعة موسى والحفاظ عليها. أعتقد أنه بهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن أسفار العهد الجديد. بعد ذلك ندخل للحديث عن " نظرة في أسفار العهد الجديد " بحيث يستطيع كل واحد مهما كان حظه من الثقافة والعلم أن يتأكد من صحة هذا الكلام. نظرة في أسفار العهد الجديد ١- مشكلة الاختلاف الكثير: يوجد اختلاف كثير بين الأناجيل: الواحد عن الآخر، واختلاف داخل الإنجيل نفسه. ومن الطبيعي أنه في أي دراسة سواء كانت دراسة دينية أو أي دراسة وخاصة ما يتعلق بالوحي والتنزيل والكتب المقدسة فإنه تحكمنا القاعدة الأساسية التي لا بد أن يقبلها الكل، وهي أنه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١) . (١) - اختلاف متى ولوقا في نسب المسيح: لقد جرت التقاليد المسيحية في نسبة المسيح ليوسف النجار خطيب مريم (٢)

стр. 47

فها هو لوقا يقول: " ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يظن أنه ابن يوسف (النجار) بن هالي بن. . . . . . " (٣: ٢٣) . ولقد اختلف متى مع لوقا في تسلسل نسب المسيح هذا، إذ جعله متى يأتي من نسل سليمان بن داود، بينما جعله لوقا يأتي من نسل ابن آخر لداود هو ناثان. ويتضح الموقف بعمل جدول يبين الأنساب التي ذكرها كل من متى ولوقا مقارنة بأنساب الآباء التي وردت في أسفار العهد القديم وخاصة سفر أخبار الأيام وذلك كالآتي: إنجيل لوقا سفر أخبار الأيام الأول إنجيل متى مسلسل إنجيل لوقا سفر أخبار الأيام الأول إنجيل متى مسلسل اليعازر يوسي عير المودام قصم أدي ملكي نيزي شألتيئيل زربابل ريسا يوحنا يهوذا يوسف حزقيا منسي آمون يوشيا يهوياقيم يكنيا شألتيئيل فدايا زربابل حنتيا حزقيا منسي آمون يوشيا - يكنيا شألتيئيل - زربابل أبيهود الياقيم عازور صادوق أخيم ١٤ ١٥ ١٦ ١٧ ١٨ ١٩ ٢٠ ٢١ ٢٢ ٢٣ ٢٤ ٢٥ ٢٦ ٢٧ داود ناثان متاثا مينان مليا الياقيم يونان يوسف يهوذا شمعون لاوي متثات يوريم داود سليمان ناثان رحبعام أبيا آسا يهوشافاط يورام اخزيا يوآش أمصيا عزريا يوثام آحاز داود سليمان رحبعام أبيا آسا يهوشافاط يورام عزيا - يوثام آحاز ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ إنجيل لوقا سفر أخبار الأيام الأول إنجيل متى مسلسل إنجيل لوقا سفر أخبار الأيام الأول إنجيل متى مسلسل يوسف ينا ملكي لاوي فتثاث هالي يوسف ٣٦ ٣٧ ٣٨ ٣٩ ٤٠ ٤١ ٤٢ شمعي متاثيا مآث نجاي حسلي ناحوم عاموص متاثيا اليود اليعاذر متان يعقوب يوسف ٢٨ ٢٩ ٣٠ ٣١ ٣٢ ٣٣ ٣٤ ٣٥

стр. 48

يلاحظ في هذا الجدول- أنه تبسيطا للدراسة- فقد اكتفينا بتتبع نسب سليمان بن داود كما جاء في سفر أخبار الأيام حتى المسلسل رقم (٢٣) فقط وصرفنا النظر عن تتبع نسب ناثان بن داود. كما أن الأنساب التي وضع مكانها (-) تحت إنجيل متى إنما تعني أسماء آباء سقطت خطأ من القائمة التي كتبها متى. إن الجدول السابق يكشف عن عدد من الملاحظات التي لا تخفى على أحد. ولقد تحدث مفسرو الأناجيل في هذه الملاحظات فكان مما قالوه الأتي: يقول جون فنتن: " من المحتمل أن يكون متى قد استمر في الاعتماد على (سفر أخبار الأيام الأول ٣: ٥ ١٠- ١٦) إلا أنه حذف ثلاثة أجيال بين يورام ويوثام، كما حذف يوهاقيم بعد يوشيا. أما تسلسل النسب في لوقا فإنه يسير خلال ابن آخر لداود وهو ناثان.

стр. 49

ولقد استطاع متى أن يأخذ الأسماء الثلاثة: يكنيا، وشألتيثيل، وزربابل، من (أخبار الأيام الأول ٣: ١٦) وما يليها، أما بالنسبة لبقية الأسماء المذكورة في قائمته فلم يكن لديه أي مصدر مكتوب حسبما نعلم. كذلك فإن لوقا أورد في قائمته: شألتيئيل وزربابل، لكنه لم يذكر أحدا من الآخرين (المذكورين في متى) . ويشير متى إلى أنه في كل من العصور الثلاثة يوجد أربعة عشر جيلا، رغم أنه في الحقيقة لم يذكر سوى ثلاثة عشر اسما في الجيل الأخير ابتداء من ١: ١٢-١٦ " (١) . ويقول جورج كيرد: " في منتصف قائمة لوقا نجد هذه الأسماء الثلاثة: يوحنا بن ريسا بن زربابل - لكن يوحنا هي صيغة أخرى لاسم حننيا الذي كان ابنا لزربابل. إن هذا الشخص ريسا لم يذكر البتة في (سفر أخبار الأيام الأول ٣: ١٩) ، لكن ريسا هي كلمة آرامية تعني أمير، ولا بد أنها ملحقة في القائمة الأصلية كلقب يسبق زربابل، وهو الرجل الوحيد الذي كان يمكن الإشارة إليه بهذا اللقب بعد عام ٥٨٦ ق. م (عام السبي البابلي) . إن الخطأ الذي لحق بقائمة لوقا يمكن إرجاعه إلى أن القائمة الأصلية (التي نقل عنها) كانت مصنفة بترتيب عكس هذا: زربابل الأمير ولد يوحنا " (٢) . وخلاصة القول في نسب المسيح أننا إذا اعتبرنا سفر أخبار الأيام الأول هو المرجع الرئيسي لأنساب الآباء نجد الآتي: ١- أخطأ متى في سلسة نسب المسيح حين أسقط منها خمسة أسماء (المسلسلات أرقام ٩، ١٠، ١١، ١٨، ٢١) .

стр. 50

٢- أخطأ لوقا حين أضاف ريسا (المسلسل رقم ٢٤) بين زربابل ويوحنا. ٣- اختلف لوقا مع متى اختلافا جوهريا حين جعل يوسف زوج مريم ينحدر من نسل ناثان بن داود، بينما جعله متى ينحدر من نسل سليمان بن داود. ومنذ قرون مضت بذل نفر من المدافعين عن الأناجيل- باعتبارها وحيا من الله- محاولات مضنية للتوفيق بين لوقا ومتى اعتمادا على التقاليد الإسرائيلية، لكن محاولاتهم باءت جميعها بالفشل. ويكفي التسليم بالخطأ الذي لحق بقَائمة متى عند مقارنتها بما في سفر أخبار الأيام الأول- إذ أنه أسقط منها يوآش، وأمصيا، وعزريا، ويهوياقيم، وهو أمر واضح لا يحتمل الجدل- حتى يكفي التسليم تبعا لذلك باختلاف لوقا مع متى وهو الشيء الذي قرره علماء المسيحية. (ب) - اختلاف الأناجيل في أسماء التلاميذ: يقول متى في إنجيله: " أما أسماء الاثني عشر رسولا فهي هذه. الأول سمعان الذي يقال له بطرس، وأندراوس أخوه. يعقوب بن زبدي. ويوحنا أخوه. فيلبس، وبرثولماوس. توما ومتى العشار. يعقوب بن حلفي، ولباوس الملقب تداوس. سمعان القانوني، ويهوذا الإسخريوطي (١٠: ٢- ٤) . لكن لوقا يقول: " لما كان النهار دعا تلاميذه واختار منهم اثني عشر الذين سماهم أيضا رسلا. سمعان الذي سماه أيضا بطرس، وأندراوس أخاه. يعقوب، يوحنا. فيلبس وبرثولماوس. متى وتوما. يعقوب بن حلفي، وسمعان الذي يدعى الغيور. يهوذا أخا يعقوب، ويهوذا الإسخريوطي - ٦: ١٣-١٦ ".

стр. 51

ويذكر يوحنا أسماء بعض التلاميذ من بينهم يهوذا آخر غير الخائن وهو الذي يقول عنه: " يهوذا ليس الإسخريوطي " (١٤: ٢٢) . من الواضح أن هناك اختلافا بين ما ذكره متى ومرقس من جانب وبين لوقا ويوحنا من جانب آخر، ولهذا يقول جورج كيرد: " عندما كتبت الأناجيل لم يكن هناك مجرد التحقق من شخصية التلاميذ. أن يهوذا بن يعقوب لا يظهر في القائمة المذكورة في كل من متى ومرقس، بينما شغل مكانه لباوس المقلب تداوس ". وهنا لا بد أن نلفت النظر إلى أن محمدا ظهر تحت شمس التاريخ وقد بلغ صحابته مائة ألف أو يزيدون، وقد عرفت أسماؤهم وأخبارهم. فكيف بكتبة الأناجيل يعجزون عن التحقق من الاثني عشر تلميذا. . . .؟ (جـ) - اختلاف متى ومرقس في قصة تطهير الهيكل وشجرة التين: يقول إنجيل متى: " دخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل. . وقال لهم مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص. . . ثم تركهم وخرج خارج المدينة إلى بيت عنيا وبات هناك. وفي الصباح إذ كان راجعا إلى المدينة جاع. فنظر إلى شجرة تين على الطريق وجاء إليها فلم يجد فيها شيئا إلا ورقا فقط فقال لها: لا يكن منك ثمر بعد إلى الأبد. فيبست التينة في الحال. فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين كيف يبست التينة في الحال. . فأجاب يسوع وقال لهم: الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكون. . إن قلتم لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون (متى ٢١: ١٢- ٢١) .

стр. 52

لكن إنجيل مرقس يقول في هذا الحادث: " في الغد لما خرجوا من بيت عنيا جاع. فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئا فلما جاء إليها لم يجد شيئا إلا ورقا. لأنه لم يكن وقت التين. فأجاب يسوع وقال لها: لا يأكل أحد منك ثمرا بعد إلى الأبد. وكان تلاميذه يسمعون. وجاءوا إلى أورشليم. ولما دخل يسوع الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام. . وكان يعلم قائلا لهم أليس مكتوبا بيتي بيت صلاة يدعى. . وأنتم جعلتموه مغارة لصوص. . ولما صار المساء خرج إلى خارج المدينة وفي الصباح إذ كانوا مجتازين رأوا التينة قد يبست من الأصول. فتذكر بطرس وقال له يا سيدي: انظر التينة التي لعنتها قد يبست. فأجاب يسوع وقال لهم. . من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه. . فمهما قال يكون له (مرقس ١١: ١٢-٢٤) . ومن الواضح أن هناك اختلافا بين الروايتين يمكن تلخيصه في الآتي: ١- بينما يذكر إنجيِل متى أن تطهير يسوع للهيكل من الباعة والصيارفة قد حدث قبل أن يمر بشجرة التين ثم يلعنها، نجد عكس ذلك في إنجيل مرقس الذي يذكر حادث شجرة التين قبل تطهير الهيكل. ٢- كذلك فإن تفصيلات حادث شجرة التين مختلفة في كل منهما. ويشير جون فنتون إلى نقط الخلاف بينهما فيقول: " نجد في إنجيل مرقس أن يسوع يبحث عن ثمر في الشجرة ويلعنها في نفس اليوم ثم يلفت بطرس نظر يسوع إلى جفافها في اليوم التالي.

стр. 53

ولكن نتيجة لما قام به متى من إعادة ترتيب الرواية فإن جميع أحداثها تقع في نفس اليوم " (١) . . تعليق الدكتور محمد جميل غازي: وقد علق الدكتور محمد جميل غازي على قصة شجرة التين بقوله: إن إحدى الروايات تقول إن الوقت لم يكن وقت تين، وهذا يعني أن معلومات المسيح الذي قيل إنه الله أو إنه ابن الله لم تصل إلى مستوى معلومات الفلاح العادي الذي يعلم إن كان الوقت وقت تين أم لا، ولم يعلم إن كانت الشجرة التي يراها على مد البصر بها تين أم لا. وتقول الروايتان إن هذا الإله الجائع ذهب إلى الشجرة ولما لم يجد بها تينا فإنه لعنها. ٢- مشكلة التنبؤات التي استحال تحقيقها: بعد ذلك نأتي لموضوع خطير هو مشكلة التنبؤات التي استحال تحقيقها. إن المتفق عليه بين علماء الديانات وخاصة ديانات الكتب المقدسة يعني بذلك عند أهلها هو أن أحد تعاريف النبي بأنه الشخص المرسل من عند الله أو الذي يتكلم بوحي من خالقه ولا يدخل الخلف في أخباره. فمن المؤكد أن النبي الذي يصدقك فيما حدث في الدنيا، لا بد أن يصدقك ما وعد به في الآخرة. لكن عندما تنسب نبوءة لنبي ما، بل وأكثر من نبوءة نثبت أن الحياة الدنيا التي نعيشها قد انتهت، فماذا يكون

стр. 54

المصير بالنسبة لتنبؤات الحياة الأخرى؟ من المؤكد أن ما وعد به لن يتحقق أيضا. أعتقد أن هذه قاعدة متفق عليها. وبالنسبة لموضوع التنبؤات في الأناجيل نجد الآتي: (١) التنبؤ بأن نهاية العالم تحدث في القرن الأول الميلادي: تقول الأناجيل إن السيد المسيح " دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض. . وأوصاهم قائلًا. . ها أنا أرسلكم كغنم وسط ذئاب فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام. . ومتى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى. فإني الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان (المسيح) " (متى ١٠: ١- ٢٣) . أي أن عودة المسيح ثانية إلى الأرض تحدث قبل أن يكمل تلاميذه التبشير في مدن إسرائيل. وهي كذلك تحدث قبل أن يكون معاصري المسيح الذين عاشوا في النصف الأول من القرن الأول الميلادي- قد ماتوا: " إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله. الحق أقول لكم إن من القيام هاهنا قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته " (متى ١٦: ٢٧-٢٨) . وبصورة أخرى تؤكد ما سبق فإن نهاية العالم وعودة المسيح ثانية إلى الأرض لا بد أن تحدث قبل أن يفنى ذلك الجيل الذي عاش في القرن الأول من الميلاد: " بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماء تتزعزع. وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في

стр. 55

السماء. . ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. . الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله " (متى ٢٤: ٢٩- ٣٤) . ويتفق كل من إنجيلي (مرقس ١٣: ٢٤- ٣٠) و (لوقا ٢١: ٢٥-٣٢) مع ذلك التقرير الخطير الذي قرره متى. هذا ومن الواضح- كما يقول جون فنتون -: " إن شيئا من هذا لم يحدث كما توقعه متى " (١) . وعلى ذلك تكون التنبؤات التي نسبتها الأناجيل للمسيح عن حدوث نهاية العالم في القرن الأول الميلادي استحال تحقيقها ولا يمكن لأحد الدفاع عنها. (ب) التنبؤ باصطحاب يهوذا الخائن للمسيح في العالم الآخر: في حوار جرى بين المسيح وتلاميذه عمن تكون له النجاة في العالم الآخر، سأل بطرس معلمه عن أجر المؤمنين به فقال: " ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا؟ " فأجابه المسيح: " متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر كرسيا، تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر " (٢) . لقد كان يهوذا الإسخريوطي أحد التلاميذ الاثني عشر الذين قيلت لهم هذه النبوءة وبعد خيانته أصبح يعرف (بابن الهلاك) لأنه طرد من صحبة المسيح في الدنيا والآخرة. وبهذا استحال تحقيق هذه النبوءة. وإذا رجعنا إلى نظير هذه الفقرة في إنجيل لوقا لوجدنا- كما يقول جون

стр. 56

فنتون - " أنه حذف العدد الاثني عشر، ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان يفكر في يهوذا الإسخريوطي " (١) . (جـ) التنبؤ بدفن المسيح في الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال: حاول قوم من اليهود تعجيز المسيح فقالوا له: يا معلم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال يكون هكذا ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال (متى ١٢: ٣٨- ٤٠) . إن هذا القول شائع في الأناجيل وتكرر ذكره في أغلبها وفي أكثر من موضع. وقد ذكر في إنجيل (مرقس في ٨: ٣١، ٩، ٣١، ١٠: ٣٤) . وذكر في إنجيل لوقا مع اختلاف هام يلحظه القارئ، وذلك في قوله: " هذا الجيل شرير يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضا لهذا الجيل (١١: ٢٩- ٣٠) . وذكرت الأيام الثلاثة في إنجيل (يوحنا ٢: ١٩) . ونقرأ في سفر يونان (يونس) ما حدث له فقد " أعد (الرب) حوتا عظيما ليبتلع يونان. فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. . فصلى يونان إلى الرب إلهه من جوف الحوت. . وأمر الرب الحوت فقذف يونان إلى البر- (١: ١٧، ٢: ١- ١٠) . ومن الواضح إذن أنه لكي تتحقق هذه النبوءة فيجب أن يبقى المصلوب في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال. ولكن إذا رجعنا إلى ما تذكره الأناجيل عن أحداث الصلب والقيامة

стр. 57

لوجدنا أن المصلوب أنزل من على الصليب مساء الجمعة (يوم الصلب) : " ولما كان المساء إذ كان الاستعداد أي ما قبل السبت جاء يوسف الذي من الرامة. . ودخل إلى بيلاطس (الحاكم) وطلب جسد يسوع. . فدعا قائد المائة وسأله هل له زمان قد مات. ولما عرف من قائد المائة وهب الجسد ليوسف. فاشترى كتانا فأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر كان منحوتا في صخرة ودحرج حجرا على باب القبر (مرقس ١٥: ٤٢-٤٦) . ولقد اكتشف تلاميذ المسيح وتابعيه أن ذلك القبر كان خاليا من الميت في الساعات الأولى من فجر يوم الأحد. وفي هذا يقول إنجيل متى: " وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر. . فأجاب الملاك وقال للمرأتين. . ليس هو هاهنا لأنه قام كما قال (٢٨: ١- ٦) . كذلك يقول إنجيل يوحنا: " في أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرا والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعا عن القبر (٢٠: ١) . وبعملية حسابية بسيطة نجد أن: عدد الأيام التي قضاها الميت في بطن الأرض (في القبر) = ١ يوما (يوم السبت) . عدد الليالي التي قضاها الميت في بطن الأرض (في القبر) = ٢ ليلة (ليلة السبت وجزء من ليلة الأحد على أحسن الفروض) . وبذلك استحال تحقيق هذه النبوءة التي قالت ببقاء الميت في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال.

стр. 58

قضيّة الصَّلب ننتقل الآن لمناقشة قضية هامة وخطيرة هي قضية الصلب. . . وأقولها الآن- بأمانة- إن من أكبر معجزات القرآن أنه نفى نفيا قاطعا القول بصلب المسيح. لقد قالها في آية واحدة، هي الآية رقم ١٥٧ (١) من سورة النساء. لكن قضايا أخرى مثل القول بأن الله هو المسيح أو أن المسيح ابن الله، ذكرها القرآن في مواضع كثيرة وتكفل بالرد عليها باعتبارها كفرا صريحا. ولقد استغرق الحديث عن قضية التوحيد وما يرتبط بها نحو ثلث الكتاب الكريم. ومن المعلوم أن سورة الإخلاص التي تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . - تعدل ثلث القرآن. ويحق لنا أن نقول: لو أن القرآن كان من عند غير الله وأن بشرا من الأرض قد افتراه كذبا على الله وادعى أنه أوحي إليه، أما كان الأولى به والأيسر لرواج دعوته أن يقول بصلب المسيح، باعتبار ذلك شائعا ومعروفا بين الناس. وفي تلك الحال فإنه يستميل النصارى إليه ويقلل من المشاكل والعقبات التي تعترض قبولهم الإسلام. إن الشواهد القريبة تبين أن تحول المسيحي من طائفة مسيحية إلى أخرى يمكن أن يحدث دون ضجة، وذلك لاشتراك تلك الطوائف في أصول عقائدية كثيرة. لقد بينت الشواهد البعيدة- في الزمن- أن تحول أصحاب العقائد التي شاعت في العالم الروماني الوثني إلى المسيحية كان يرجع بالدرجة الأولى إلى التشابه الكبير بين أصول تلك العقائد والعقيدة المسيحية التي شاركتها فكرة

стр. 59

الإله المتجسد وأفكارا وطقوسا أخرى سوف نتحدث عنها بشيء من التفصيل فيما بعد. أما تحول المسيحي إلى الإسلام فإنه يعتبر انقلابا في حياته ومعتقداته لأنه غير مفاهيم وعقائد كثيرة ترسبت في عقله ووجدانه. لكن القرآن- كتاب الإسلام- لم يجار النصارى على معتقداتهم وما تعارفوا عليه، لكنه حدد المواقف تحديدا واضحا فجعل القول بأن " الله هو المسيح " أو أن " المسيح ابن الله " كفرا لا يقبل المغفرة. حتى إذا جاء الحديث عن قتل المسيح - وكم قتل اليهود من أنبياء قبله- نجد القرآن ينفي قتل المسيح وينفي صلبه نفيا قاطعا لا لشيء إلا لأن ذلك ما حدث فعلًا. فالقرآن لا يقول إلا الحق بصرف النظر عما إذا كان ذلك الحق يتفق وما شاع بين الناس وصار من المسلمات بينهم أم أنه جاء مخالفا لما توارثوه عبر قرون عديدة. وبما أن الصلب قضية، وما نناقشه هنا عبارة عن مجموعة من القضايا، فالأولى بنا أن نذكر بقاعدة بسيطة متفق عليها تحكم أحكام الناس في مختلف القضايا على مختلف المستويات- وهذه القاعدة تقول: كل ما تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. فحين تختلف شهادة شاهدين أمام قاض في محكمة، فإن ما تفرضه عدالة المحكمة هو عدم الاعتداد بأي من الشهادتين إلى أن يأتي شاهد ثالث يؤيد شهادة أحد الشاهدين، وإلا امتنع صدور حكم عادل. والآن نذهب لمناقشة قضية الصلب كما تعرضها الأناجيل، وهي التي تبدأ بمجموعة من الأحداث الخاصة بمحاولة قتل المسيح إلى أن تنتهي بتعليق شخص يصرخ يائسا على الصليب، وما أعقب ذلك من تكفينه ودفنه.

стр. 60

١- مسح جسد المسيح بالطيب: لقد اختلفت الأناجيل في هذه الحادثة البسيطة التي تعتبر مقدمة لأحداث الصلب. يقول إنجيل مرقس " كان الفصح وأيام الفطير بعد يومين وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه. . وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكئ جاءت امرأة معها قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن فكسرت القارورة وسكبته على رأسه. وكان قوم مغتاظين في أنفسهم فقالوا لماذا كان تلف الطيب هذا. لأنه كان يمكن أن يباع هذا بأكثر من ثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء وكانوا يؤنبونها (١٤: ١-٠٠٥) . وقد ذكر متى هذه الحادثة في (٢٦: ٦-٩) ، ولوقا في (٧: ٣٦- ٣٩) ، ويوحنا في (١٢: ١-٦) مع اختلافات بينهم في توقيتاتها وعناصرها الرئيسية. يقول نينهام في هذه القصة: " نجد القديس يوحنا يذكرها مبكرا عما أورده القديس مرقس ببضعة أيام، وكذلك يضعها القديس لوقا في موقع مختلف تماما من سيرة يسوع. . فبينما نجدها في إنجيل مرقس قد حدثت في منزل سمعان الأبرص من قرية بيت عنيا. . نجدها في إنجيل يوحنا قد حدثت في بيت مريم ومرثا ولعازر " (١) ويمكن تلخيص اختلاف الأناجيل في هذه القصة كالآتي: مكان الحادث: في بيت سمعان الأبرص (مرقس ومتى) - (في بيت فريسي (لوقا) - في بيت الإخوة لعازر ومريم ومرثا (يوحنا) .

стр. 61

شخصية المرأة: مجهولة (مرقس ومتى) - خاطئة (لوقا) - امرأة صديقة هي مريم أخت لعازر (يوحنا) . ماذا فعلت: دهنت رأس يسوع بالطيب (مرقس ومتى) - دهنت رجليه بالطيب (لوقا ويوحنا) . رد الفعل عند المشاهدين: اغتاظ قوم لإسرافها (مرقس) - اغتاظ التلاميذ (متى) - كان تساؤل الفريسي مع نفسه حول معرفة يسوع لشخصية المرأة (لوقا) - اغتاظ يهوذا الإسخريوطي لإسرافها (يوحنا) . ٢- التحضير للعشاء الأخير: يقول مرقس: " وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح قال له تلاميذه أين تريد أن نمضي ونعد لتأكل الفصح. فأرسل اثنين من تلاميذه وقال لهما اذهبا إلى المدينة فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء اتبعاه. وحيثما يدخل فقولا لرب البيت إن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي فهو يريكما علية كبيرة مفروشة معدة. هناك أعدا لنا. فخرج تلميذاه وأتيا إلى المدينة ووجدا كما قال لهما. فأعدا الفصح. ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر " (١٤: ١٢-١٧) . ويقول نينهام: (إن أغلب المفسرين يعتقدون أن هذه الفقرة بأعدادها من رقم (١٢ إلى ١٦) إنما كانت في الواقع إضافة أدخلت فيما بعد إلى الرواية التي يتبعها القديس مرقس في هذا الجزء من إنجيله. ومن بين الأسباب لذلك الاعتقاد ما يأتي:

стр. 62

١- وصف اليوم الذي قيل: إن القصة حدثت فيه بأسلوب لا يستخدمه اليهودي العادي الذي كان معاصرا لها. ٢- وصف أتباع يسوع في كل فقرة من هذا الإصحاح (الرابع عشر) بأنهم تلاميذه بينما أشير إليهم بإصرار في هذه الفقرة بأنهم الاثنا عشر. ٣- أن كاتب العدد ١٧ (الذي يقول: " ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر) لا يعلم شيئا عن رحلة التلميذين التي ذكرت في العدد ١٣، فلو كان كاتب العدد ١٧ يعلم محتويات تلك الفقرة لكان عليه أن يتحدث عن: (العشرة وليس الاثني عشر، أي أن العدد ١٧ كان يجب أن يقرأ هكذا: ولما كان المساء جاء مع العشرة) . . " (١) . ويختلف متى مع مرقس في قصة الإعداد للعشاء، إذ أنه يجعل التلاميذ جميعا- كما يقول جون فنتون في ص ٤١٤ من تفسيره- يشتركون في هذا الإعداد، فهو يقول: " قال يسوع لتلاميذه اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له. المعلم يقول إن وقتي قريب. عندك أصنع الفصح مع تلاميذي. ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدوا الفصح " (٢٦: ١٨- ١٩) . ٣- توقيت العشاء الأخير وأثره على قضية الصلب: يقول جون فنتون: " يتفق متى مع مرقس (وكذلك لوقا ٢٢: ٨) في أن العشاء الأخير كان هو الفصح. وعلى العكس من ذلك نجد الإنجيل الرابع يجعل الفصح يؤكل في المساء بعد موت يسوع " (٢) .

стр. 63

ويرى أغلب العلماء أن توقيت كل من متى ومرقس (ولوقا) ، صحيح وأن يوحنا قد غير ذلك لأسباب عقائدية " (١) . ذلك أن يوحنا يقرر أن العشاء الأخير الذي حضره يسوع مع تلاميذه كان قبل الفصح؛ فهو يقول: " أما يسوع قبل عيد الفصح. . فحين كان العشاء. . قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتزر بها، ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ " (١٣: ١- ٥) . وكذلك يقرر يوحنا أنهم قبضوا على يسوع في مساء اليوم السابق لأكل الفصح، وذلك في قوله: " ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية، وكان صبح، ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا يتنجسوا فيأكلون الفصح " (١٨: ٢٨) . إن اختلاف الأناجيل في العشاء الأخير وتوقيته ترتب عليه اختلافهم في نقطة جوهرية تعتبر واحدة من أهم عناصر قضية الصلب، ألا وهي تحديد يوم الصلب. فإذا أخذنا برواية مرقس ومتى ولوقا لكان يسوع قد أكل الفصح مع تلاميذه مساء الخميس، ثم كان القبض بعد ذلك بقليل في مساء الخميس ذاته، ولذلك يكون الصلب قد حدث يوم الجمعة. أما الأخذ برواية يوحنا فإنه يعني أن القبض كان مساء الأربعاء، وأن الصلب حدث يوم الخميس. هل حدث الصلب يوم الخميس أم يوم الجمعة؟ !! ٤- العشاء الأخير والتلميذ الخائن: يقول مرقس: " ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر، وفيما هم متكئون

стр. 64

يأكلون قال يسوع الحق أقول لكم إن واحدا منكم يسلمني الأكل معي فابتدأوا يحزنون ويقولون له واحدا فواحدا، هل أنا؟ وآخر، هل أنا؟ فأجاب وقال لهم. هو واحد من الاثني عشر الذي يغمس معي في الصحفة. إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد " (١٤: ١٧- ٢١) . ولقد أدخل متى بعض التغييرات على رواية مرقس. ويقول لوقا: " فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطي وهو من جملة الاثني عثر. فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند كيف يسلمه إليهم. . وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم خلوا من جمع. ولما كانت الساعة اتكأوا الاثني عشر رسولا معه. . وقال لهم شهوة اشتهيت أن آكل الفصح معكم. . ولكن هو ذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة. . فابتدأوا يتساءلون فيما بينهم من ترى منهم هو المزمع أن يفعل هذا " (٢٢: ٢٢-٢٣) . أما رواية يوحنا ففيها اختلاف يسهل ملاحظته- عما روته الأناجيل الثلاثة الأخر، فهو يقول: " لما قال يسوع: هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني. فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون من قال عنه. . أجاب يسوع هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه. . فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي. فبعد اللقمة دخله الشيطان. فقال له يسوع: ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة. فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلا " (١٣: ٢١-٣٠) . وبصرف النظر عن اختلاف الأناجيل في إجابة المسيح لتلاميذه عمن يكون

стр. 65

الخائن، إذ قال إنجيل لوقا: " الذي يغمس في الصحفة " بينما قال إنجيل يوحنا: " الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه " - لكن النقطة الهامة التي تتعلق بخيانة يهوذا هي اختلاف الأناجيل في حادثة دخول الشيطان فيه. فها هو يقرر أن الشيطان دخل يهوذا قبل العشاء الأخير بيوم على الأقل (لوقا ٢٢: ٣-٧) ، بينما يقرر يوحنا أن الشيطان دخل يهوذا بعد أن أعطاه يسوع اللقمة (يوحنا ١٣: ٢٧) أثناء العشاء الأخير. هذا- ونكتفي بهذا القدر الذي عرضنا فيه بعض عناصر قضية الصلب وهي: مسح جسد المسح بالطيب- ثم التحضير للعشاء الأخير- ثم توقيت العشاء الأخير وأثره على قضية الصلب- وأخيرا ما قيل عن العشاء الأخير والتلميذ الخائن. ونستأنف في الغد- إن شاء الله تعالى- استكمال بحث قضية الصلب.

стр. 66

الجلسة الثانية قضية الصلب (بقية) . نهاية يهوذا الخائن. تنبؤات المسيح بآلامه. تنبؤات المسيح بنجاته من القتل. الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب.

стр. 67

الجلسة الثانية [كلمة افتتاحية الجلسة الثانية للدكتور محمد جميل غازي] افتتح الدكتور: محمد جميل غازي هذه الجلسة بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ . وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. يقول الله ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

стр. 68

وبعد، فبهذه الآيات الكريمة نعلن افتتاح هذه الدورة الثانية من المناظرة بين الإسلام والنصرانية التي نظمت لتكون مناقشة لأفكار أو لعقائد الديانة النصرانية، ولبعض الشكوك والشبهات التي تثار حول الديانة الإسلامية. ولكني أولا أقدم إليكم جيمس بخيت ليحدثكم عن وجهة نظره أو أسلوبه مع إخوته في إدارة المناقشة فليتفضل. كلمة جيمس بخيت: أيها السادة الكرام: نشكر الله على مساعدتنا لمواصلة ما بدأناه من نقاش روحي هادف فيما يختص بالأمور المسيحية والإسلامية أملًا لإزالة الشكوك من نفوس الاخوة الذين تقدموا للالتقاء بسيادتكم. ولا شك أنكم تتوقعون الإجابة أي الرد على ما جاء في النقاش السابق، ولكن نسبة لظروف خارجة عن إرادتنا فلم نحضر أي رد، وسيوضح الأخ فضيلة الملحق الديني السعودي بالخرطوم هذه الظروف وشكرا. كلمة الشيخ: طاهر أحمد طالبي الملحق الديني السعودي: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ونصلي ونسلم على أنبيائه ورسله وعلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه. كان من الطبيعي أن يدرس جيمس وزملاؤه النقاش الذي دار في الليلة الماضية، ثم يحفضروا هذه الليلة وجهات نظرهم حيال ما دار في النقاش. ولكنه لظروف خارجة عن إرادة الجميع فقد اتفقنا معه هذه الليلة أن يستمر

стр. 69

النقاش يوميا ريثما تنتهي الإجابة على جميع الأسئلة التي أوردها في خطابه والتي سجلت على الأشرطة. وبعد ذلك تتاح لهم جميعا الفرصة لدراسة جميع الحلقات والرد عليها متى شاءوا. هذا ما تم الاتفاق عليه، ونرجو الله أن يوفق الجميع وأن يهدينا سواء السبيل إنه على ذلك قدير وعلى الله وسلم على سيدنا محمد. ثم تحدث الدكتور: محمد جميل غازي قائلًا: في الدورة الأولى تحدث اللواء مهندس أحمد عبد الوهاب عن (قانونية الأناجيل) ولقيت هناك بعض الأسئلة التي وإن كان قد ألم بها سيادة اللواء ولكننا نريد أن نعيد هذه الأسئلة مرة ثانية. هذه الأسئلة التي سبق أن طرحناها تدور حول: هل يمكن للباحث العلمي أن يقطع أن هناك الآن إنجيلًا ينسب إلى المسيح؟ ولقد تفضل سيادته بالإجابة فوضح أن هذه المتناقضات الموجودة في الأناجيل على رغم قلة حجمها لأن الأناجيل قليلة جدا في الحجم، فهذا هو حجم الأناجيل كلها. - ولوح سيادته بأسفار العهد الجديد- فإذا ثبت أن هذه الأناجيل تحتوي على بعض التناقضات ولو تناقضا واحدا- لا مائة تناقض (١) - فإن ذلك يبطل كونها وحيا من عند الله ؛ لأن الله قال في القرآن الذي نزل على رسول أمي وعلى أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . يعني لو أن القرآن كان من عند غير اللُه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. ولذلك فإن كل مسلم يعلن صراحة: أخرجوا لنا تناقضا واحدا من القرآن

стр. 70

الكريم بآياته التي بلغت ٦٢٣٦ آية. إن أحدا لا يجرؤ أن يقول إن في القرآن تناقضا واحدا، ونحن بين أيديكم نستطيع أن نواجه أي اتهام أو شك أو ريب يثبت أن في القرآن تناقضا واحدا. أما الأناجيل فقد رأيتم أنه على قلة حجمها فهي متناقضة، بل إن هناك تناقضا في الصفحة الواحدة. وأضرب لكم مثلًا لشيء من هذا التناقض في صفحة واحدة. في إنجيل متى مثلًا نجد عشرات من هذه التناقضات ويمكن أن نشير إلى بعض منها من غير تحيز. يقول السيد المسيح لبطرس: " وأنا أقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقدر عليها وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحله في الأرض يكون محلولا في السماء. إذن- بطرس قال له المسيح: أنت صخرة، وأنت قوي، وأن الشياطين لا تستطيع أن تدخل في خلالك ولا أبواب الجحيم، وأن عليك أبني كنيستي، ثم أعطاه وعدا أو عهدا عجيبا أن " ما حللته في الأرض أحله في السماء، وما ربطته في الأرض أربطه في السماء ". ما تفعله أنا أفعله وما تريده أنا أريده. أي أن إرادة الله تابعة لإرادة بطرس. وهذا هو الذي جاء في القرآن الكريم حيث قال الله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ . «فقال عدي بن حاتم الطائي وكان نصرانيا وأسلم، يا رسول الله ما كنا نعبدهم. على أساس فهمه أن العبادة تعني الركوع على رجليه أو

стр. 71

الصلاة له. فقال له الرسول ﷺ : " ألم يكونوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بكلامهم "؟ قال بلى، قال: " فتلك عبادتهم من دون الله» (١) . إذن- أن يكون هناك حق التحليل والتحريم لغير الله وحده فهذا هو الشرك. ولذلك نجد الإسلام ينفي أن تكون سلطة التحليل والتحريم إلا لله. فلا تكون حتى للرسول محمد ﷺ فالرسول لا يملك حق التحليل والتحريم إلا بوحي من الله، والله عتب عليه حينما حرم على نفسه شيئا فقال له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ . (٢) في هذا النص الإنجيلي الذي قرأته عليكم نجد مكانة بطرس عالية. ولكن انظر في آخر الصفحة ماذا يقول؟ في أول الصفحة نجد بطرس - كما يقول الإنجيل على لسان المسيح - هو الصخرة التي سيقيم عليها المسيح بناء دعوته، ويشدها إليه، وهو صخرة راسخة لا تنال أبواب الجحيم منها، وأن بيده مفاتيح ملكوت السماوات. ثم لا تكاد العين تتملى هذه الصورة العظيمة لبطرس حتى تلقاها صورة أخرى مضادة تماما تمسخ هذا الحواري مسخا وتحيله من إنسان إلهي إلى شيطان مريد. هكذا فجأة. . وأين ذلك؟ . . في إنجيل متى نفسه وفي نفس الإصحاح رقم ١٦ وبعد عددين اثنين- أي حوالي سطرين فقط- من كلمات السيد المسيح المبشرة له. يقول متى: " من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي

стр. 72

اليوم الثالث يقوم. فأخذه بطرس إليه وابتداء ينتهره قائلًا حاشاك يا رب. لا يكون لك هذا. فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس " (١٦: ٢١-٢٣) . فانظر كيف كان بطرس في أول الصفحة يقول له المسيح: ما حللته في الأرض أحله في السماء. . ثم في آخر الصفحة يقول له: أنت شيطان. إن التناقضات كثيرة جدا في الأناجيل. . . . والآن أقدم الأستاذ: إبراهيم خليل أحمد لبضع دقائق ليحدثنا عن بعض المتناقضات. كلمة الأستاذ إبراهيم خليل أحمد: وهنا قال الأستاذ إبراهيم: يا أستاذ جيمس. . أريد أن أتحدث في هذه الفرصة باعتبار ما كنت قسيسا وأستاذ العقيدة واللاهوت في كلية اللاهوت. الحقيقة أن عملنا-كمبشرين- كان يستند إلى سند جاء في رسالة بطرس الثانية لنؤكد أن التوراة والإنجيل كُتبٌ موحى بها من الله. فكنا نقول: " لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ". طبعا هذا النص الذي جاء على لسان بطرس كما جاء في رسالته الثانية، سوف يوهم هذا النص أن الكتاب المقدس الموجود حاليا كتاب موحى به من الله. كذلك يتناول القسيس في عمله بين المسلمين آية من آيات القرآن الكريم. في سورة آل عمران تقول: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ .

стр. 73

إن القرآن دقيق كل الدقة فهو لم يذكر العهد الجديد ولا العهد القديم ولكنه ذكر التوراة والإنجيل. ولما جاء القرآن ليذكر العهد القديم والعهد الجديد بالكتاب ماذا قال؟ . . . قال في سورة آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ . إذن عندما ذكر الكتاب كله بدأ القرآن يوجه التوجيه السليم والصحيح. وكذلك في سورة النساء، يقول الحق : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ . وجاء في سورة المائدة أيضا عن أهل الكتاب يقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ . إذن- لما جاءت الإشارة إلى الكتاب، جاءت الإشارة بالتنويه إلى التصحيح. لكن لما جاءت الإشارة إلى التوراة والإنجيل جاءت الإشارة بالتصديق دون أن يذكر لا العهد القديم ولا العهد الجديد. نخرج من هذا إلى الأناجيل ذاتها، ولنتدبر إنجيل لوقا ذاته، هل كان موحى به من الله؟ أم كان تحت تأثير وحي الله ؟ . يقول لوقا: " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا. كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة. رأيت أنا أيضا إذ قد

стр. 74

تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به ". فهو قال: كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء. ولم يقل موحى بها من الروح القدس. إن لوقا لم يكن من الاثني عشر تلميذا الذين كانوا مع المسيح، وهذه نقطة لها وزنها في تقييم الموقف. ثم عندما نأتي لشاول الذي أصبح يعرف ببولس فيما بعد نجد في (الإصحاح ٧ من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس) يقول في (العدد ٨) : " أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ". فهذا الكلام من بولس شخصيا، وهو يريد الناس أن يبقوا مثله بلا زواج. ثم يقول: أأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب ألا تفارق المرأة رجلها " وهذا هو الانفصال دون الطلاق. وعندما تتقدم قليلًا نجده يقول: " وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب " فهو مرة يقول ربنا قال ومرة يقول أنا أقول. فكأنه على مستوى الله- في الكتاب. وأكثر من هذا فإنه يجعل المرأة المؤمنة لا مانع من أن تتزوج مشركا، وهذا خطر كبير على الحياة الزوجية بين امرأة مؤمنة ورجل مشرك. فهو يقول: " والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهو يرتضي أن يسكن معها فلا تتركه ". هذا كلام بولس. هل كان هذا الإنسان متيقظا عندما جاء ليصحح الوضع؟ لكنه عندما أفاق نجده يقول: " لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال، وأي نصيب للمؤمن من غير المؤمن، وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان، لأنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: إني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلها وهم

стр. 75

يكونون لي شعبا. لذلك أخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب " لقد جاء هذا الكلام في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس وجاء في (الإصحاح ٦: ١٤-١٨) إذن هو في الرسالة الأولى يقول: والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهي ترتضي أن يسكن معها فلا تتركه. أما في الرسالة الثانية فإنه يقول: اعتزلوا. هذا ولا شك ذبذبة في الكلام في كتب مقدسة من المفروض تصديقها تصديقا مطلقا؟ نأتي إلى بولس والعذارى فنجده يقول أيضا في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس: " وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أعطي رأيا كمن رحمه الرب أن يكون أمينا. فأظن أن هذا حسن بسبب الضيق الحادث أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا ". وأعتقد أن الظنية في الكتب المقدسة شيء رهيب جدا لا يمكن لإنسان الاعتماد عليها. وأكثر من هذا فإن الزواج في النصرانية لا انفصام له إلا بالموت، فإذا حدث أن تزوجت امرأة برجل وكرهت الرجل وأرادت أن تتخلص منه بأي كيفية من الكيفيات الشريفة، تقول: لما يموت تستطيع أن تتزوج. فالإنسانة تبقى منتظرة ساعة الوفاة حتى تتخلص من الرجل الشؤم الذي كان كابوسا على حياتها. فماذا يقول بولس: " المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد في الرب فقط، ولكنها أكثر دقة إن لبثت هكذا بحسب رأيي. وأظن أني أنا أيضا عندي روح الله. فهو لا يصدق نفسه إن كان عنده روح الله أم لا. عندما يصدر كلام كهذا من رجل مثل بولس فإنه يعطينا تشككا رهيبا فيما جاء في العهد الجديد.
следующие страницы →