هو الدواء ولمرارته استبشعته الطباع وبقيت العلة مزمنة وصار الداء عُضالاً، حتى إن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدّثون أنفسهم فيها بأمور الدنيا فعجزوا عن ذلك، فإذن لا مطمع فيه لأمثالنا، وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوساوس لتكون ممن خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا.
وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخلّ، فبقدر ما يدخل فيه الماء يخرج من الخل لا محالة ولا يجتمعان.
***
بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند
كل ركن وشرط من أعمال الصلاة
فنقول: حقك إن كنت المريدين للآخرة أن لا تغفل أولاً عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها، أما الشروط السوابق فهي الآذان والطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والانتصاب قائمًا والنية.
فإذا سمعت نداء المؤذن فاحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة، وتشمّر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين يُنادون باللطف يوم العرض
стр. 72
الأكبر، فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءًا بالفرج والاستبشار مشحونًا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبُشرى والفوز يوم القضاء، ولذلك قال ﷺ : "أرحنا بها يا بلال" (١) أي أرحنا بها وبالنداء إليها إذ كان قرة عينه فيها ﷺ .
وأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفُك الأبعد ثم في ثيابك وهي غلافُك الأقرب، ثم في بشرتك وهي قِشرُك الأدنى فلا تغفل عن لُبك الذي هو ذاتك وهو قلبك، فاجتهد له تطهيرًا بالتوبة والندم على ما فرّطت، وتصميم العزم على الترك في المستقبل، فطهّر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك.
وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق، فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق، فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطّلع عليها إلا ربك ! فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر، وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما ويستكين تحت الخَجْلة قلبُك، وتقوم بين
стр. 73
يدي الله قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسًا رأسه من الحياء والخوف.
وأما استقبال القبلة فهو صرفُ ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، افترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى الله ليس مطلوبًا منك؟ هيهات، فلا مطلوب سواه، وإنما هذه الظواهر تحريكات البواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب، فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك.
وأما الاعتدال قائمًا فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله ، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مُطرقًا مُطأطِئًا مُنكسًا، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيهًا على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترؤّس والتكبر، وليكن على ذكرنا ههنا خطرُ القيام بين يدين الله في هول المطلع عند العرض للسؤال واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله وهو مطَّلعٌ عليك فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة قدره ﷻ ، قبل قدّر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالِئَة من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك
стр. 74
أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسيك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من نفسك خشوعًا عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدّعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبدًا من عباده؟ أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو أحق أن يُخشى؟ ولذلك لما قال أبو هريرة: كيف الحياء من الله؟ فقال ﷺ : "تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح من قومك" (١) ، وروي: "من أهلك".
وأما النية فاعزم على إجابة الله في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ذلك لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه وطلبًا للقربة منه، متقلدًا للمنة منه بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك، وعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي؟ وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفرّ وجهك من الخوف.
وأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبُك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله يشهد إنك لكاذب، وإن كان الكلام صدقًا كما شهد على المنافقين في قولهم:
стр. 75
إنه ﷺ رسول الله، فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله فأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيوشك أن يكون قولك "الله أكبر" كلامًا باللسان المجرد، وقد تخلف القلب عن مساعدته، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه.
وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه ليس هنالك، وإنما وجهُ القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السموات والأرض، فانظر إليه أمتوجه هو إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق، متبعٌ للشهوات، أو مقبلٌ على فاطر السموات؟ وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق.
ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقًا، وإذا قلت: "حنيفًا مسلمًا" فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده، فإن لم تكن كذلك كنت كاذبًا، فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال، وإذا قلت: "وما أنا من المشركين" فاخطر ببالك الشرك الخفي فإن قوله تعالى: ﴿فمن كان
стр. 76
يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ نزل فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس، وكن حذرًا مشفقًا من هذا الشرك، واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير باءة عن هذا الشرك، فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه.
وإذا قلت: "محياي ومماتي لله" فاعلم أن هذا حال عبدٍ مفقودٍ لنفسه موجودٍ لسيده، وأنه إن صدر ممن رغبتُهُ في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائمًا للحال.. وإذا قلت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله حسدًا لك على مناجاتك مع الله وسجودك له، مع أنه لُعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها، وإن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحبه الله ولا بمجرد قولك، فإن من قصد سبعُ أو عدو ليفترسه أو يقتله فقال: أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه، فإن ذلك لا ينفعه، بل لا يعيذه إلا تبديل المكان، فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول، فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عن شر الشيطان.
واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ.
стр. 77
فاعلم أن لك ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس، فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها، فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة: رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل، ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره، وهي درجات أصحاب اليمين، ورجل سبق قلبه إلى المعاني أولاً ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه.
ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب، والمقربون لسانهم ترجمانٌ يتبع القلب ولا يتبعه القلب، وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فَانْوِ به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه، وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه، وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى، وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا جرم كان ﴿الحمد لله﴾ ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله، ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخَّر من الله ففي تسميته وتحميده نقصانٌ بقدر التفاته إلى غير الله تعالى، فإذا قلت: ﴿الرحمن الرحيم﴾ فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث بها رجاؤك، ثم استثرْ من قلبك التعظيم والخوف بقولك: ﴿مالك يوم الدين﴾ أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو
стр. 78
مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك: ﴿إياك نعبد﴾ وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك: ﴿وإياك نستعين﴾ وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلاً لمناجاته، ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين، ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ومن التحميد ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقًا فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحًا وتفصيلاً وتأكيدًا واستشهادًا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم التمس الإجابة وقل: ﴿آمين﴾ فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم فيما أخبر عنه النبي ﷺ : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدي عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم
стр. 79
ولا الضالين، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" رواه مسلم، فلو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة، فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله؟ وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور- كما سيأتي الكلام على تلاوة القرآن- فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر مننه وإحسانه، ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد، والخوف حق الوعيد، والعزم حق الأمر والنهي، والاتعاظ حق الموعظة، والشكر حق ذكر المنة، والاعتبار حق إخبار الأنبياء.
ورُوي أن زُرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿فإذا نقر في الناقور﴾ خر ميتًا (١) ، وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ اضطرب حتى تضطرب أوصاله، وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب، ودرجات ذلك لا تنحصر، والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات، فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضًا، ثم يراعي الهيبة في القراءة، فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل، ويفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتحميد والتعظيم والتمجيد.
стр. 80
كان النخعي إذا مر بمثل قوله : ﴿ما انخذ الله من ولد وما كان معه من إله﴾ يخفض صوته كالمستحي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به (١) وروي أنه يقال لقارئ القرآن: "إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا" (٢) ، وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله على نعت واحد من الحضور قال ﷺ : "إن الله مقبل على المصلي ما لم يلتفت"، وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة، فإذا التفت إلى غيره فذكّره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجي عند غفلة المناجي ليعود إليه، وألزِم لخشوع القلب، فإن الخلاص عن الالتفات باطنًا وظاهرًا ثمرة الخشوع.
وكان الصدِّيق ﵁ في صلاته كأن وتدٌ، وابن الزبير ﵁ كأنه عُودٌ، وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه جماد، وكل ذلك يتقضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك؟ وكل من يطمئن بين يدي غير الله
стр. 81
خاشعًا وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثًا فذلك لقصور معرفته عن جلال الله وعن اطلاعه على سره وضميره، وقال عكرمة في قوله : ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين﴾ قال: قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه.
وأما الركوع والسجود فينبغي أن تجد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفق يديك مستجيرًا بعفو الله من عقابه بتجديد النية ومتبعًا سنة نبيه ﷺ ، ثم تستأنف له ذلاً وتواضعًا بركوعك، وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعزَّ مولاك واتضاعك وعُلُو ربك.
وتستعين على تقرير ذلك من قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار، ثم ترتفع من ركوعك راجيًا أنه راحم لك ومؤكدًا للرجاء في نفسك بقولك: ﴿سمع الله لمن حمده" أي أجاب لمن شكره، ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول: "ربنا لك الحمد" وتكثر الحمد بقولك: "ملء السموات وملء الأرض" ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكّن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب، وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلاً فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدلُّ على الذل.
стр. 82
وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها ورددت الفرع إلى أصله فإنك من التراب خلقت، وغليه تعود، فعند هذا جدّد على قلبك عظمة الله وقل: "سبحان ربي الأعلى" وأكده بالتكرار فإن الكرّة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك وظهر ذلك فلتصدّق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرًا وسائلاً حاجتك وقائلاً: "رب اغفر لي اغفر لي" ثم أكد التواضع بالتكرار فعُد إلى السجود ثانيًا كذلك.
وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبًا وصرح بأن جميع ما تدلي من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله، وكذلك الملك لله وهو معنى "التحيات" (١) ، واحضر في قلبك النبي ﷺ وشخصه الكريم وقل: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وليصدق أمَلُك في أنه يبلُغُه ويردُّ عليك ما هو أوفى منه، ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين، ثم تأملُ أن يرد الله سبحانه عليك سلامًا وافيًا بعدد عباده الصالحين، ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه ﷺ بالرسالة مجددًا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفًا للتحصن بها.
ثم ادعُ في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضح والخشوع
стр. 83
والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين.
واقصد عند التسليم السلامَ على الملائكة والحاضرين وانوِ ختم الصلاة به. واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة، وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها، ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخفْ أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتًا بذنب ظاهر أو باطن فتردَّ صلاتك في وجهك، وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله.
كان يحيى بن وثاب إذا صلى مكث ما شاء الله تُعرف عليه كآبة الصلاة، وكان إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض، فهذا تفصيل صلاة الخاشعين ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ … ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾ … ﴿والذين هم على صلاتهم دائمون﴾ والذين يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة، فبالقدر الذي يُسِّر له منه ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر.
وأما صلاة الغافلين فهي مَخْطرة (١) إلا أن يتغمده الله برحمته،
стр. 84
والرحمة واسعة والكرم فائض فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ويغمرنا بمغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته.
واعلم أن تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله وأداؤها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سببٌ لحصول أنوارٍ في القلب تكون تلك الأنواع مفاتيح علوم المكاشفة، ف أولياء الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة لا سيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه بالسجود، ولذلك قال تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفائه عن كدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة والجلاء والخفاء حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله، كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها.
ويختلف أيضًا بما في المكاشفة فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله ولبعضهم من أفعاله ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة.
ويكون لتعيين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى، وأشدّها مناسبة الهمة، فإذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان
стр. 85
ذلك أولى بالانكشاف، ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة وكانت المرأة كلها صدئة فاحتجت عنها الهداية لا ليخل من جهة المنعم بالهداية بل لِخَبَث متراكم الصدأ على مصبَ الهداية، تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك، غذ الطبع محبول على إنكار غير الحاضر، ولو كان لجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء، ولو كان للطفل تمييزٌ ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات والأرض، وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده، والمقصود أن كل ذلك لا يحصل إلا بالخشوع في الصلاة ولذلك قال الله : ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة هي المقرونة بالخشوع، ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضًا فقال تعالى: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾ ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات: ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ فوصفهم بالفلاح أولاً وبوراثة الفردوس آخرًا، وأما هذرمة اللسان مع غفلة القلب فلا تنتهي إلى هذا الجزاء، ولذلك قال الله في أضدادهم: ﴿ما سلككم في صقر قالوا لم نك من المصلين﴾ فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه.
نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبة من تزينت
стр. 86
أقواله وقبحت أفعاله إنه الكريم المنان القديم الإحسان وصلى الله على كل عبد مصطفى (١) .
***
تحصيل لذة التلاوة وقراءة القرآن (٢)
اعلم أن هذه اللذة لن تحصل إلا بتوافر عشرة آداب عند تلاوة القرآن الكريم هي: (فهم أصل الكلام. ثم التعظيم، ثم حضور القلب. ثم التدبر. ثم التفهم، ثم التخلي عن موانع الفهم، ثم التخصيص، ثم التأثر، ثم الترقي، ثم التبري) .
فالأول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه. فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهام خلقه؟ وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله إلا
стр. 87
بوسيلة صفات نفسه، ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرض ولا ثري ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبُحُات نوره (١) ، ولولا تبييت الله لموسى ﵇ لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادئ تجليه حيث صار دكًا (٢) .
الثاني: التعظيم للمتكلم: فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة كلام الله غاية الخطر فإنه تعالى قال: ﴿لا يمسه غلا المطهرون﴾ وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقة محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرًا، فباطن معناه أيضًا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرًا عن كل رجس ومستنيرًا بنور التعظيم والتوقير، وكما لا يصح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب، فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله، فإذا حضر بباله العرش واستواء ربه عليه، والكرسي الذي وسع السموات والأرض، واستحضر مشهد السموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، وعَلِمَ أن الخالق
стр. 88
لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد، وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نِقمته وسَطوته، إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله، وأنه الذي يقول هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي وهذا غاية العظمة والتعالي، فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام.
الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس: قيل في تفسير: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ أي بجد واجتهاد، وأخذه بالجد أن يكون متجردًا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدّثُ نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحبُّ غلي من القرآن حتى أحدث به نفسي! وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية. وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلاً له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو متنزه ومتفرج، والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها، فقد قيل إن القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياض.
فإذا دخل القارئ الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديابيج وتنزه في الرياض استغرقه ذلك وشغله عما سواه فلم يعزب قلبه ولم يتفرق فكره.
стр. 89
الرابع: التدبر: وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره والمقصود من القراءة التدبر، ولذلك سُنَّ الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن، قال علي ﵁: لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها.
وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام، فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام بآية أخرى كان مسيئًا مثل من يشتغل بالتعجب من كلمة واحدة ممن يناجيه عن فهم بقية كلامه، وكذلك إن كان في تسبيح الركوع وهو متفكر في آية قراها أمامُه فهذا وسواس. فقد روي عن عامر بن عبد قيس أنه قال: الوساس يعتريني في الصلاة، فقيل: في أمر الدنيا؟ فقال: لأن تختلف في الأسِنَّة أحب غليّ من ذلك، ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي ، وإني كيف أنصرف، فعدّ ذلك وسواسًا وهو كذلك، فإنه يشغله عن فهم ما هو فيه، والشيطان لا يقدر على مثله إلا بأن يشغله بمهمِّ ديني، ولكن يمنعه به عن الأفضل.
وعن أبي ذر قال: قام رسول الله ﷺ بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم..﴾ الآية وقام تميم الداري ليلة بهذه الآية: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات…﴾ الآية، وقام سعيد بن جبير ليلة يردد هذه الآية: ﴿وامتازوا اليوم
стр. 90
أيها المجرمون﴾ وقال بعضهم: إني لأفتح السورة فيوقفني بعضُ ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر، وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثوابًا، وحُكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جوزتها إلى غيرها، وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها، ولا يفرغ من التدبر فيها، وقال بعضهم: لي في كل جمعة ختمة وفي كل شهر ختمة وفي كل سنة ختمة ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه، وكان هذا أيضًا يقول: أقمت نفسي مقام الأجراء فأنا أعمل مياومةً ومجامعةً ومشاهرةً ومسانهةً (١) .
الخامس: التفهم: وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله ، وذكر أفعاله، وذكر أحوال الأنبياء ﵈، وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.
أما صفات الله فكقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وكقوله تعالى: ﴿الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ فليتأمل معاني هذه الأسماء
стр. 91
والصفات لينكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للمُوفَّقين: وإليه أشار علي ﵁ بقوله لما سئل: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن؟ فقال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدًا فهمًا في كتابه، وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها، فليفهم التالي منها صفات الله وجلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل على عظمته، وأما أحوال الأنبياء ﵈، فإذا سمع منها كيف كُذّبوا وضُربوا وقُتل بعضهم. فليفهم منه صفة الاستغناء لله عن الرسل والمرسل إليهم وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيء، وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله وإرادته لنصرة الحق، وأما أحوال المكذبين، كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء الأدب واغتر بما أُمهل فربما تدركُه النقمة وتنفُذ فيه القضية، وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وسائر ما في القرآن، فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأن ذلك لا نهاية له وإنما لكل عبد بقدر رزقه، ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾ .
فالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه، ومن لم يكن له فهم ما في القرآن ولو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك
стр. 92
حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفًا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم﴾ والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم.
السادس: التخلي عن موانع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحُجُب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن، وحُجُب الفهم ثلاثة:
أولها: أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورًا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان ممن كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس.
ثانيها: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا شخص قيَّده معتقدُه عن أن يتجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفًا على مسموعه، فإن لمع برق على بُعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك، فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويتحرز عن مثله، ومثله من يقرأ قوله تعالى: ﴿الرحمن على
стр. 93
العرش استوى﴾ وما يحتويه معنى الآية من علو الله على كل مخلوقاته وهيمنته وتصرفه في كل الموجودات فيجيئه تقليد المعتقدات الموروثة في وجوب تنزيه الله عن الجهة فيُحرم من تجليات تأمل صفة العلو والاستواء وهي من الصفات التي تكررت في القرآن بغرض التنبيه على جلال الله وعظمته وحقيقة علوه على خلقه.
ثالثها: أن يكون مصرًا على ذنب أو متصفًا بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وهو كالخبث على المرأة وهو أعظم حجابٍ للقلب وبه حُجب الأكثرون.
وكلما كانت الشهوات أشد تراكمًا كانت معاني الكلام أشد احتجابًا وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرُبَ تجلي المعنى فيه. فالقلب مثل المرأة والشهوات مثل الصدأ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة. والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرأة، وقد شرط الله الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ وقال : ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ وقال تعالى: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.
السابع: التخصيص وهو أن يقدّر أنه المقصود بكل خطاب في
стр. 94
القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا قدّر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدًا أو وعيدًا فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السَّمَرَ غير مقصود، وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي ﷺ وأمته. ولذلك قال تعالى: ﴿ما نثبت به فؤادك﴾ فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما صه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى.
وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله ﷺ لرسول الله خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين؟ ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ وقال : ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾ ، ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزلنا إليهم﴾ ، ﴿كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾ ، ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ ، ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون﴾ ، ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾ ، وإذا قُصد بالخطاب جميعُ الناس فقد قصد الآحاد، فهذا القارئ الواحد مقصود، فماله ولسائر الناس، فليقدر أنه المقصود، قال الله تعالى: ﴿وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ قال محمد بن كعب القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله، وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن
стр. 95
عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه، ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا بعهود نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات، وكان مالك ابن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، وقال قتادة: لم يجالس أحد القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان، قال تعالى: ﴿هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾ .
الثامن: التأثر: وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حالٌ ووجدٌ يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه، فإن التضييق غالب على آيات القرآن، فلا يُرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونًا بشروط يقصُرُ العارف عن نيلها كقوله عز ولج: ﴿وإني لغفار﴾ ثم أتبع ذلك بأربعة شروط: ﴿لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ وقوله تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ذكر أربعة شروط، وحيث اقتصر ذكر شرطًا جامعًا، فقال تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ فالإحسان يجمع الكل، وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن.
стр. 96
ولذلك قال الحسن، والله ما أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ضحكه وكثر نصبه وشغلُه وقلت راحته وبطالته، وقال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئًا أرق للقلوب ولا أشد استجلابًا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره، فتأثر العبد بالتلاوة أن يصبر بصفة الآية المتلوة.
فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح.
وعند ذكر الله صفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعًا لجلاله واستشعارًا لعظمته.
وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله كذكرهم لله ولدًا وصاحبة يغّضُّ الصوت وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم. وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقًا إليها.
وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفًا منها، ولما قال رسول الله ﷺ لابن مسعود: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا" رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي: "حسبك الآن" رواه البخاري، وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية، ولقد كان من الخائفين من خرّ مغشيًا عليه عند آيات
стр. 97
الوعيد، ومنهم من مات في سماع الآيات، فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكيًا في كلامه. فإذا قال: ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ ولم يكن خائفًا كان حاكيًا، وإذا قال: ﴿عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير﴾ ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكيًا، وإذا قال: ﴿ولنصبرن على ما آذيتمونا﴾ فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة. فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ وفي قوله تعالى: ﴿كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ وفي قوله : ﴿وهم في غفلة معرضون﴾ وفي قوله: ﴿فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكان داخلاً في معنى قوله : ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ يعني التلاوة المجردة، وقوله : ﴿وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ لأن القرآن هو المبين لتلك الآيات في السموات والأرض، ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضًا عنها، ولذلك قيل: إن من لم يكن متصفًا بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله تعالى: مالك وكلامي وأنت معرض عني، دع كلامي إن لم تتب إلي. ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال من يكرر كتاب الملك كل يوم
стр. 98
مرات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه، فلعله لو ترك الدراسة
عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت، ولذلك قال يوسف ابن أسباط: إني لأهمُّ بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فاعدل إلى التسبيح والاستغفار (١) .
والمعرض عن العمل به أريد بقوله : ﴿فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون﴾ ولذلك قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه- وفي بعض الروايات- فإذا اختلفتم فقوموا عنه" متفق عليه، قال تعالى: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾ ، وقال ﷺ : "إن أحسن الناس صوتًا بالقرآن إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى" (٢) وقال بعض القراء: قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانيًا فانتهرني وقال: جعلت القرآن عليّ عملاً اذهب فاقرأ على الله ، فانظر بماذا يأمرك وبماذا ينهاك.
стр. 99
وبهذا كان شغل الصحابة ﵁ في الأحوال والأعمال، فمات رسول الله ﷺ عن عشرين ألفًا من الصحابة (١) لم يحفظ منهم القرآن إلا ستة اختلف في اثنين منهم، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم ولما جاء واحد ليتعلم القرآن فانتهى إلى قوله : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ قال: يكفي هذا وانصرف، فقال ﷺ : "انصرف الرجل وهو فقيه" رواه أبو داود والحاكم وصححه، وإنما لعزيز مثل تلك الحالة التي منَّ الله بها على قلب المؤمن عقيب فهم الآية.
فأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى، بل التالي باللسان المعرض عن العمل جدير بأن يكون هو المراد بقوله تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ وبقوله : ﴿كذلك أتتك آيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ أي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فإن المقصر في الأمر يقال إنه نسي الأمر، وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ.
التاسع: الترقي: وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من
стр. 100
الله لا من نفسه، فدرجات القرآن ثلاث، أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله واقفًا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير: السؤال والتملق والتضرع والابتهال، الثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم، الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منعم عليه بل يكون مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره (١) . وهذه درجة المقربين وما قبله درجة أصحاب اليمين وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين.
العاشر: التبري: وأعني به أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا تلا بآيات الوعيد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، بل يشهد الموقنين والصديقين فيها، ويتشوق إلى أن يلحقه الله بهم، وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصّرين شهد على نفسه هناك، وقدّر أنه المخاطب خوفًا وإشفاقًا.
ولذلك كان ابن عمر ﵄ يقول: "اللهم إني
стр. 101
استغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم فما بال الكفر، فتلا قوله : ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ وقيل ليوسف ابن أسباط: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ فقال: استغفر الله من تقصيري سبعين مرة، فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه، فإن من شهد العبد في القرب لُطف به في الخوف حتى يسوقه الخوف إلى درجة أخرى في القرب وراءها، ومن شهد القرب في البعد مُكِر به في الأمن الذي يفضه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه.
ومهما كان مشاهدًا نفسه يعين الرضا صار محجوبًا بنفسه عن الله (١) وكان الشافعي يقول:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة
وكان يقول أيضًا ﵀:
فعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ كما أن عين السخط تبدي المساويا
***
وسائل تحصيل ثمرة الدعاء
الأول: أن يترصّد لدعائه الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة
стр. 102
ورمضان من الأشهر والجمعة من أيام الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل.
قال تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ ، وقال ﷺ : "ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول : من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" متفق عليه، وقيل إن يعقوب ﷺ إنما قال: "سوف أستغفر لكم ربي" ليدعو في وقت السحر.
فقيل إنه قام في وقت السحر يدعو وأولاده يؤَمّنون خلفه فأوحى الله إني قد غفرت لهم وجعلتهم أنبياء.
الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة. قال أبو هريرة ﵁: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة فاغتنموا الدعاء فيها وقال مجاهد: إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصفوف، وقال ﷺ : "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، وقال ﷺ أيضًا: "الصائم لا ترد دعوته" رواه الترمذي وحسنه، وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضًا إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المهوشات.
ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله فهذا أحد أسباب شرف الأوقات
стр. 103
سوى ما فيها من أسرار لا يُطَّلعُ عليها، وحالة السجود أيضًا أجدر بالإجابة قال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء" رواه مسلم، وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إني نُهِيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فإنه قّمِنٌ (١) أن يستجاب لكم" رواه مسلم.
الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يُرى بياضُ إبطيه أو يرفع يديه قبالة وجهه أو نحو ذلك أو يرفع إصبعه السبّابة، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ : "أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس" رواه مسلم، وقال سلمان: قال رسول الله ﷺ : "إن ربكم حييٌ كريم يستحي من عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفرًا" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وعن أنس أنه ﷺ : "كان يرفع يديه حتى بياض إبطيه في الدعاء" رواه مسلم، وعن أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ مر على إنسان يدعو ويشير بإصبعيه السبابتين فقال ﷺ : "أحدْ أحِّدْ" رواه النسائي وابن ماجة، أي اقتصر على الواحدة، وقال أبو الدرداء ﵁: عنه: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تُغلَّ بالأغلال وقال ابن عباس كان ﷺ : "إذا دعا
стр. 104
ضم وجعل بطونهما مما يلي وجهه" أخرجه الطبراني بإسناد فيه ضعف، فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء، قال ﷺ : "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتخطفن أبصارهم" رواه مسلم.
الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما ورد أن أبا موسى الأشعري قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ فلما دنونا من المدينة كبّر وكبَّر الناس ورفعوا أصواتهم فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصَمَّ ولا غائب" متفق عليه، وقالت عائشة ﵂ في قوله : ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ أي: بدعائك: وقد أثنى الله على نبيه زكريا ﵇ حيث قال: إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ ، وقال : ﴿ادعو ربكم تضرعًا وخفية﴾ .
الخامس: أن لا يتكلف السّجع في الدعاء، فإن حال الداعي ينبغي أن يكون حال متضرع، والتكلف لا يناسبه، قال ﷺ : "سيكون قوم يعتدون في الدعاء" رواه أبو داود وابن ماجة، وقد قال : ﴿ادعو ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ قبل معناه التكلف للأسجاع، والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدى في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كلُّ أحد يحسن الدعاء، ولذلك روي عن معاذ ﵁: إن العلماء يُحتاج إليهم في الجنة إذ يقال لأهل الجنة تمنوا فلا يدرون
стр. 105
كيف يتمنَّون حتى يتعلموا من العلماء، وفي الخبر: سيأتي قوم يعتدون في الدعاء والطهور، ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له: أعلى الله تبالغ؟ أشهد لقد رأيت حبيبًا العجمي يدعو وما يزيد على قوله: اللهم اجعلنا جيّدين، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة، اللهم وفقنا للخير، والناس يدعون من كل ناحية وراءه وكلٌ يعرف بركة دعائه.
وقال بعضهم: ادع بلسان الذّلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
ويقال إن العلماء لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، ويشهد له آخر سورة البقرة، فإن الله تعالى لم يخبر في موضع من أدعية عباده أكثر من ذلك.
واعلم أن المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام، فإن ذلك لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة كقوله ﷺ : "أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع القربين الشهود والركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وإنك تفعل ما تريد" رواه الترمذي وقال: غريب، وأمثال ذلك، فليقتصر على المأثور من الدعوات أو ليلتمس بلسان التضرع والخشوع من غير سجع وتكلف فالتضرع هو المحبوب عند الله .
стр. 106
السادس: التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال الله تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا﴾ وقال : ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ .
السابع: أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاؤه فيه. قال رسول الله ﷺ : "لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مُكرِه له" متفق عليه، وقال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم فليُعظم الرغبة فإن الله يتعاظمُه شيء" رواه ابن حبان، وقال ﷺ : "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافلٍ" رواه الترمذي وقال: غريب، وقال سفيان ابن عيينةً: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمُ من نفسه فإن الله أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله إذ قال: ﴿رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين﴾ .
الثامن: أن يُلحَّ في الدعاء ويكرره ثلاثًا قال ابن مسعود: "كان ﵇ إذا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثًا"رواه مسلم، وينبغي أن لا يستبطئ الإجابة لقوله ﷺ : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل فيقول قد دعوتُ فلم يُستجب لي، فإذا دعوت فاسأل الله كثيرًا فإنك تدعوا كريمًا" متفق عليه، وقال بعضهم: إني سألت الله منذ عشرين سنة حاجة وما أجابني وأنا أرجو الإجابة، سألت الله أن يوفقني لترك ما لا يعيني.
стр. 107
التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله فلا يبدأ بالسؤال. قال سلمة بن الأكوع: "ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتتح الدعاء إلا استحفته بقوله: سبحان ربي العيِّ الأعلى الوهاب" رواه أحمد والحاكم وفيه ضعف، قال أبو سليمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ فإن الله يقبل الصلاتين وهو أكرم أن يدع ما بينهما.
العاشر: وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله بكُنه الهمة فذلك هو السبب القريب في الإجابة، فيروي عن كعب الأحبار أنه قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى رسول الله ﷺ فخرج موسى ببني إسرائيل يستقي بهم فلم يسقوا حتى خرج ثلاث مرات ولم يُسقَوا، فأوحى الله إلى موسى ﵇: إني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمام، فقال موسى: يا رب ومن هو حتى نخرجه من بيننا فأوحى الله إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمامًا! فقال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة فتابوا فأرسل الله تعالى عليهم الغيث، وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قُحِطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال
стр. 108
يبكون ويتضرعون، فأوحى الله إلى أنبيائهم ﵈ لو مشيتم بأقدامكم حتى تحفى رُكبكُم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكِلَّ ألسنتكم عن الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيًا ولا أرحم لكم باكيًا حتى تردوا المظالم إلى أهلها ففعلوا فمُطروا من يومهم. وقال مالك بن دينار: أصاب الناس في بني إسرائيل قحطٌ فخرجوا مرارًا فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إليّ بأبدان نجسة وترفعون إلي أكُفًا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام، الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدًا.
وقال أبو الصديق الناجي: خرج سليمان ﵇ يستقي فمرّ بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب غيرنا، فقال سليمان ﵇: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
وقال الأوزاعي: خرج الناس يتستقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر ألستم مقرّين بالإساءة؟ فقالوا: اللهم نعم، فقال" اللهم إنا قد سمعناك تقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا، اللهم فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا.
стр. 109
وقيل لمالك بن دينار: ادع لنا فقال: إنكم تستبطئون المطر وأنا استبطئ الحجارة.
ورُوي أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه خرج يستسقي فلما ضجروا قال لهم عيسى ﵇: من أصاب منكم ذنبًا فليرجع فرجعوا كلهم ولم يبق معه في المفازة إلا واحد، فقال له عيسى ﵇: أما لك من ذنب؟ فقال: والله ما عملت من شيء غير أني كنت ذات يوم أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه فلما جاوزتني أدخلت إصبعي في عيني فانتزعتها وتبعت المرأة بها، فقال له عيسى ﵇ فادع الله حتى أؤمن على دعائك، قال: فدعا فتجللت السماء سحابًا ثم صبَّت فسُقوا.
وقال يحيى الغساني: أصاب الناس قحط على عهد داود ﵇ فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا، وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقَّاءَك اللهم إنا أرقاؤك فاعقتنا، وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا.
وقال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن برجل بين المقابر فنظر إليّ فقال: يا عطاء أهذا يوم النشور أو بُعثِر ما
стр. 110
في القبور؟ فقتل: لا ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي، فقال: يا عطاء بقلوب أرضِيَّة أم بقلوب سماوية؟ فقلت: بل بقلوب سماوية فقال: هيهات يا عطاء، قل للمُتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير، ثم رمق السماء بطرفٍ وقال: إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك ولك بالسر المكنون من أسمائك إلا ما سقيتنا ماء غدقًا فُراتًا تحيي العباد وتروي به البلاد، يا من هو على كل شيء قدير. قال عطاء: فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت وجادت بمطر كأفواه القِرب.
وقال ابن المبارك: قدمت المدينة في عام شديد القحط فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه فجلس إلى جنبي فسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرةُ الذنوب ومساوي الأعمال وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك، فأسألك يا حليمًا ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة، فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب، قال ابن المبارك: فجئت إلى الفضيل فقال: ما لي أراك كئيبًا؟ قلت أمر سبقنا إليه غيرُنا فتواله دوننا، وقصصت عليه القصة فصاح الفضيل وخرّ مغشيًا عليه. ويُروى أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس ﵁ فلما فرغ عمر من دعائه قال