Полный текст (8 396 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
قليلاً ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد﴾ أي الفراش.
قوله: ﴿لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ الآية.
لكن الذين اتقوا الله، فعملوا بطاعته لهم جنات أي: بساتين ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾، و ﴿نُزُلاً﴾ منصوب على التفسير. وقيل: هو في موضع إنزال، لأن الكلام يدل على أنزلتموها ﴿وَمَا عِندَ الله﴾ أي: ما عنده من كرتمة والرضوان خير للأبرار.
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن بالله﴾ الآية.
﴿خاشعين﴾ نصب على الحال من المضمر في ﴿يُؤْمِنُ﴾ عند البصريين والفراء ومن ﴿مِنْ﴾ عند الكسائي. وقال نصير: هو حال من المضمر في إليكم أو في إليهم، وهذه الآية نزلت في الأربعين رجلاً من أهل نجران منهم: اثنان وثلاثون من بني الحارث من الحبشة، وثمانية من الروم على دين عيسى ﷺ آمنوا بالنبي ﵇، وقيل: نزلت في النجاشي.
стр. 1157
وروى ابن المسيب عن جابر بن عبد الله رضي الله عن هـ " أن النبي ﷺ قال: " اخرجوا فصلوا على أخيكم " فقال فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون انظروا كيف يصلي على علج نصراني لم يره قط، فأنزل الله ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ الآية ".
قال قتادة: " قال لهم النبي ﷺ إن أخاكم النجاسي قد مات فصلوا عليه قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم قال فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ قال: وقالوا فإنه كان يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ الآية ".
وأصحمة بالعربية: عطية.
وقيل عنى بالآية عبد الله بن سلام ومن آمن معه قاله ابن جريج.
قال مجاهد وغيره: عنى بذلك من آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى، وهو مثل القول الأول، والآية تدل على هذا لأنها عامة اللفظ في أهل الكتاب.
стр. 1158
قوله: ﴿لاَ يَشْتَرُونَ بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الآية.
أي: لا يحرفون أمر محمد ﷺ فيقبلون على تحريفه وإنكاره - الرشا فهم يؤمنون بالله، وما أنزل إليكم وهو القرآن، وما أنزل إليهم وهو التوراة والإنجيل ﴿خاشعين للَّهِ﴾ أي: متذللين خائفين، و ﴿لاَ يَشْتَرُونَ﴾: في موضع الحال أيضاً لأن غير مشترين بآيات الله ثمناً قليلاً ﴿أولائك لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أي عوض أعمالهم ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فهو يحتاج إلى حساب ذلك وإحصائه لئلا يبقى منه شيء.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ الآية.
﴿اصبروا﴾ على دينكم ﴿وَصَابِرُواْ﴾ عدوكم ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في سبيل الله.
وقيل: المعنى وصابروا وعدي إياكم على طاعتكم لي، ورابطوا على أعدائكم حتى يرجعوا إلى دينكم، ويتركوا دينهم.
وقيل المعنى: ورابطوا على الصلوات: أي: انتظروها واحدة بعد واحدة، قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن في زمن رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، قال: ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة.
стр. 1159
سورة النساء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ﴾.
قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً﴾ يدل على أن الخنثى لا بد أن يكون رجلاً أو امرأة، إذ لم يخلق الله من ظهر آدم ﷺ ' لاّ رجلاً أو امرأة لا ثالث.
ومن قرأ " الأرحام " بالخفض، فهو غير جائز عند البصريين، وقبيح عند الكوفيين، لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض.
стр. 1160
وقد قيل: إن الخفض على القسم، وقد قيل: إن المعنى وربّ الأرحام.
وفي واحد الأرحام لغات: رَحِمٌ ورِحِمٌ، ورَحْمٌ [ورِحْمٌ].
والرحم مؤنثة، ومعنى الآية: أن الله تعالى نبّه خلقه على قدرته وأمرهم بتقواه، والنفس هنا: آدم ﷺ .
[ وقوله]: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية.
قال مجاهد: خلق حواء عن قصيري آدم وهو نائم، استيقظ فقال " أثا " بالنبطية: امرأة.
قال السدي: أُسكِنَ آدم الجنة فكان يمشي فيها وحيشاً ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله تعالى من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة، قال: ولم خُلقتِ؟ قالت: لتسكن إليّ.
стр. 1161
قال ابن إسحاق: ألقى الله على آدم السنة فنام فأخذ ضلعاً من أضلاعه من شقّه الأيسر، ولأم مكانه لحماً، فخلق منه حواء ليسكن إليها، فلما انتبه رآها إلى جنبه فقال: لحمي ودمي، وزوجي، فسكن إليها.
وعن ابن عباس أنه قال: إن الله جلّ ذكره خلق آدم ﷺ بيده في جنات عدن، فرأى آدم ﷺ كل شيء يشبه بعضه بعضاً، ولم يرَ في الجنة شيئاً يشبهه، وأحبّ أن يكون معه من يشبهه ليأنس به، وأحبّ الله أن يؤنسه بزوجته ليكون منهما النسل، فأسبته الله ، والجنة لا نوم فيها، ولا نعاس ولا سبات، فخلق حواء من ضلع من أضلاعه وهي: القصيري فلما ذهب عنه السبات رأى من يأنس به، ويشبهه فسمي إنساناً حيث أنس، فقال لها: ما أنت؟ قالت: أثا، وأثا بالسريانية أنثى، وقيل: معناه امرأة.
قال جماعة من المفسرين: لما خلق الله ( وتعالى) آدم ﷺ ، ألقى عليه النوم، فلما نام خلق حواء من أحد أضلاعه، وهو لا يشعر ولا يألم، فلما انتبه فرآها قال: من هذه؟ قيل: هي زوجتك، فعطف عليها، وأحبّها ولو ألِم لخلْقها لم يحنُ عليها، ولم
стр. 1162
يعطف أبداً، وإنما سمّيت حواء لأنها خلقت من حي.
قال ابن عباس: خلق الرجل من الأرض فجعلت همّته في الأرض، وخلقت المرأة من الرجل فجعلت همّتها في الرجل، فاحبسوا نساءكم.
قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا [رِجَالاً]﴾ أي: نشر من آدم وحواء خلقاً كثيراً.
ومعنى ﴿تَسَآءَلُونَ﴾ أي: اتقوا الله الذي إذا سأل بعضكم بعضاً سأل به وجعله وسيلة، يقول السائل أسألك بالله، أنشدك بالله وشبهه، فكما تعظمونه بألسنتكم، عظّموه بالطاعة فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وقال الضحاك: ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ أي تعاقدون به، وتعاهدون به.
وقال ابن عباس: ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ فتتعاطفون به.
﴿والأرحام﴾ أي اتقوا الأرحام، هذا على قراءة من قرأ بالنصب. ومن قرأ بالخفض. فمعناه: تساءلون به وبالأرحام (تقولون أسألك بالله وبالرحم).
قال ابن عباس والمعنى: واتقوا الله في الأرحام فصلوها.
стр. 1163
﴿إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ أي: حفيظاً محيصاً لأعمالكم ومجازيكم عليها.
قال يعقوب: الوقف ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ على قراءة النصب و " الأرحام " على قراءة الخفض.
قوله: ﴿وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
هذه الآية عنى بها أوصياء اليتامى أن يعطوهم ما لهم إذا بلغوا الحلم وأنس منهم الرشد، ولا يقال يتيم إلاّ لمن (لم) يبلغ الحلم. قال النبي ﷺ : " لا يُتم بعد البلوغ "، وسموا يتامى في الآية وإن كان قد بلغوا الحلم على الاسم الأول.
﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب﴾ أي الحرام عليكم من أموالهم بالحلال من أموالكم.
قال الزهري: تعطي لهم مهزولاً وتأخذ سميناً أي: لا تأخذ الجيد من أموالهم وتعطي مكانه الرديء تقول شيئاً بشيء ودرهماً بدرهم وشاة بشاة والذي تأخذ خير من الذي تعطي والاسم واحد.
стр. 1164
قوله: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ معناه: لا تخلطوا أموالهم مع أموالكم فتأكلوا الجميع فنهموا عن أكلها، وأحلّ الله لهم المخالطة بقوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٨] وذلك أنهم اشتدّ عليهم عزل أموال اليتامى، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. وحذّرهم هنا من أكلها عند المُخالطة. (وإلى) بمعنى: مع، وقيل: (إلى) على بابها، والمعنى لا تجمعوا أموالهم إلى أموالكم (إنه كان) أي: إن أكلكم أكوال اليتامى إثم كبير.
وقيل معنى: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ لا تربح على يتيمك يهوى عندك دابة أو ثوباً أو غير ذلك وهو غير جاهل فتزداد عليه في الثمن.
وكون (إلى) بمعنى مع أولى، وعليه أكثر الناس، وذلك أن (إلى) أصلها أن تكون نهاية أو تكون حداً نحو ﴿إِلَى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فهذا نهاية لا يدخل [ما] بعدها فيما قبلها ونحو قوله: ﴿إِلَى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] فهذا حد تدخل الكعبان في الغسل ومثله (إلى المرافين) فإن خرجت إلى عن هذين الأصلين كانت بمعنى حرف آخر، فلما لم يحسن فيها في هذا
стр. 1165
الموضع النهاية ولا الحد كانت بمعنى مع.
والهاء في (إنه كان) قيل: تعود على الأكل. وقيل: تعود على التبدل.
[وقيل: على المال].
والحوب: الإثم.
وقال نافع: ﴿بالطيب﴾ تمام، [وقال أحمد بن موسى ﴿إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ تمام].
قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى. . .﴾ الآية.
إنما جاز أن تقع (ما) لمن يعقل، لأنها، والفعل: مصدر، وهي تقع للنعوت فكأنه قال: فانحكوا الطيب من النساء أي: الحلال، ﴿فواحدة﴾ أي: فانكحوا واحدة.
وقرأ الأعرج بالرفع على معنى: فواحدة تقنع يرفع بالابتداء
стр. 1166
ويضمر الخبر.
وهذا أيضاً خطاب للأولياء في صداق اليتامى، والمعنى: فإن خفتم يا أولياء ألاّ تعدلوا في صداقهن، فتبلغوا صدقات أمثالهن فلا تنكحوهن ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ أي: الطيب يعني الحلال من غيرهن من واحدة إلى أربع ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أن تجوروا إذا نكحتم أكثر من واحدة، فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم.
قالت عائشة رضي الله عن هـ: هي اليتيمة تكون في حجر وليّها يعجبه مالها ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهى أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا من سواهن من النساء.
وقيل: معناها إنهم نهوا عن نكاح ما فوق الأربع لأن قريشاً كانت تتزوج العشرين من النساء والأكثر، فإذا صار الرجل معدماً رجع إلى مال يتيمه فأنفقه أو تزوّج به فنهوا عن ذلك.
وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال اليتامى ألاّ تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من النساء أربعاً، فإن خفتم أيضاً مع الأربع ألاّ تعدلوا في أموال يتاماكم، فاقتصروا على واحدة أو على ما ملكت أيمانكم قاله عكرمة.
стр. 1167
وقيل: إن معناها أنهم كانوا يتحرون في أموال اليتامى ولا يتحرون في العدل بين النساء فلا تنكحوا منهن إلاّ من واحدة إلى أربع، ولا تزيدوا على ذلك.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ في الأربع فانكحوا واحدة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ قاله ابن جبير والسدي، وقاله ابن عباس والضحاك وغيرهم، وهو اختيار الطبري.
وقال الحسن المعنى: وإن خفتم ألاّ تعدلوا في يتاماكم إذا نكحتموهنّ، فانكحوا ما طاب لكم منهنّ: اثنين أو ثلاثة أو أربعاً ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ فانكحوا واحدة، أو فاقنعوا بما ملكت أيمانكم.
ومعنى: ﴿تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ أي: في نكاح اليتامى ثم حذف. ومعنى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ عند أبي عبيدة: وإن أيقنتم.
وقال القتبي معناه: وإن علمتم.
ومعنى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾: ما حلّ لكم، وهذه الآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية
стр. 1168
من تزويج ما شاء الرجل من النساء.
﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ أي أقرب ألاّ تجوروا، وتميلوا. يقال: عال إذا جار، يعول عولاً، ويقال: من الحاجة عال يعيل عيلة إذا احتاج، وأعال يعيل إذا كثر عياله.
قال الحسن: العول الميل في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة وغيرهم.
وقال مجاهد: ألا تعولوا: ألاّ تضلوا.
وعن عائشة: ألاّ تجوروا.
وعول الفرائض من هذا لأنها تميل عن وجهها وحقها.
стр. 1169
وقال الشافعي: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾، ألاّ يكثر من ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾، وخطأه (في) هذا جميع النحويين وأهل اللغة، وإنما كان يجب على قوله: أن تعيلوا.
وأيضاً، فإنه قد أحلّ لنا ملك اليمين، وإن كثروا وهو ممّا يعال.
وقوله: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع دل عليه، ولا تتجاوز العرب في العدل إلى ما بعد الأربع.
قوله: ﴿وَآتُواْ النسآء صدقاتهن نِحْلَةً﴾ الآية.
﴿نِحْلَةً﴾ مصدر لأن قوله ﴿وَآتُواْ النسآء﴾ بمنزلة انحلوهنّ، فعمل في نحلة، وقيل: هي مصدر في موضع الحال.
стр. 1170
قوله: ﴿هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ حال من الهاء في ﴿فَكُلُوهُ﴾ يقال: قد هناني ومراني، فإذا أفردت قلت: أمراني ومعناه: فكلوه دواءً شافياً. يقال قد هناني الطعام، ومراني إذا صار لي دواء، وعلاجاً شافياً.
ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين أن يعطوا النساء مهورهنّ عطية واجبة.
قال قتادة: ﴿صدقاتهن نِحْلَةً﴾ فريضة. وقيل: ديانة.
وقيل: المعنى: " نحلة " من الله للنساء دون الرجال إذ جعل على الرجل الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئاً فينحي لها ذلك. وقيل: نحلة عن طيب نفس.
وواحد الصدقات: صدقة، والصداق يفتح ويكسر عند يعقوب، وقال
стр. 1171
المازني يفتح ولا يكسر.
وقال ابن زيد في معنى الآية: إنها أمر من الله ألاّ تنكح امرأة إلاّ بشيء واجب، والمخاطب بهذ الأزواج، قيل لهم: أعطوا من نكحتم صداقها [ولا] تنكحوا بغير صداق.
وقيل: إن المخاطب بهذا الأولياء لأنهم كانوا لا يعطونهنّ من صداقهن شيئاً يأخذه الولي نفسه، فنهى الله عن ذلك. وقيل: بل المخاطب الأولياء أيضاً، لأنهم كانوا يعطي الرجل منهم أخته للآخر على أن يعطيه الآخر أخته، وهذا نكاح الشغار الذي نهى النبي ﷺ عنه، وعنه نهى الله في هذه الآية.
قوله: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ أي: من الصداق إن تركنَ ذلك من غير
стр. 1172
مضارة منكم لهن: ﴿فَكُلُوهُ﴾ فهو مخاطبة للأزواج، وقيل: هو مخاطبة للأولياء إن وهبن من هنّ في حجورهم شيئاً من الصداق فهو حلال لهم لهم وأن تكون الآية خوطب بها الأزواج أولى وعليه أكثر الناس.
والهاء في ﴿مِّنْهُ﴾ تعود على المال، لأن المعنى: وآتوا النساء هذا المال الذي اسمه: صدقات فرجعت الهاء على المعنى الذي دلّ عليه الكلام.
وقيل: تعود على الإيتاء. وقيل: على الصداق.
وقال نافع: ﴿صدقاتهن﴾، تمام. وهذا يدل على أن نحلة لا يعمل فيه ما قبله وأن المعنى أنحلهن الله نحلة، أضمر الفعل. والأحسن في التمام أن تقف على " مريئاً ".
قوله: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية.
من قرأ: قياماً فهو مصدر، والمعنى الذي تصلح به أموركم فتقومون بها قياماً،
стр. 1173
وجعله الأخفش جمع قائمة.
ومن قرأ: قيماً فهو عند البصريين جمع قيمة أي: جعلها الله قيمة للأشياء.
وقرأ النخعي ﴿التي﴾ بالجمع.
قال الفراء الأكثر في كلام العرب: النساء اللواتي، والأموال التي.
والسفهاء هنا: النساء والصبيان، وهو قول قتادة وابن جبير والحسن والسدي والضحاك. وقيل: هم الصبيان خاصة قاله ابن عباس. وقيل: هم الصغار ولد الرجل خاصة.
وقيل: هم النساء خاصة. وقيل: هم اليتامى الذين لم يبلغوا الرشد وهذا قول حسن والمعنى: لا تسلطوهم على اموالكم التي جعلها الله قيام معاشكم، فيفسدوها ولكن ارزقوهم، واكسوهم، وإن كانوا ممن تلزمكم نفقتهم، وهذا قول من قال: السفهاء ولد الرجل وامرأته.
стр. 1174
ومن قال: إن السفاهء المُولى عليهم: فمعناه أنه أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها وأمرهم أن يرزقوهم منها ويكسوهم.
قوله: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوف﴾ أي: عدوهم وعداً حسناً من البر والصلة، وقيل: المعنى ادعوا لهم بالصلاح.
وقيل: المعنى علموهم أمر دينهم.
وقال ابن جريج: المعنى: قولوا لهم إن صلحتم ورشدنم سلمنا إليكم أموالكم، وخلينا بينكم وبينها.
قوله: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ الآية.
والمعنى اختبروهم في عقولهم وصلاحهم، وتثمر أموالهم وذلك بعد الاحتلام ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ﴾ الرشد ﴿فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. وقد قال أبو حنيفة: لا حجر على بالغ. وعامة الفقهاء على خلافه.
стр. 1175
ومعنى ﴿إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ أي الحلم، قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد، ومعنى ﴿آنَسْتُمْ﴾ وجدتم وعلمتم وأحسستم منهم الرشد، وأصل آنست في قول القتبي: أبصرت، والرشد هنا العقل والصلاح في الدين.
وقيل: الرشد: الصلاح في الدين والمال، وقال مجاهد: الرشد هنا العقل. ﴿فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ هذا كلام يدل [على] أن الآية في المُولى عليهم من يتامى الصبيان الإناث والذكور، وقال الحسن: رشداً في أموالهم وصلاحاً في دينهم.
قال زيد بن أسلم: وذلك بعد الاحتلام.
قوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً﴾ أي: لا تأكلوا أموال اليتامى بغير ما أباح الله .
وقيل: لا تسرفوا في أكلها، والإسراف في كلام العرب تجاوز الحد المباح إلى
стр. 1176
غيره بنقص أو زيادة، وهي في الزيادة أكثر إسرافاً. يقال سَرِفَ يَسْرَفُ، ويقال مررت بكم فَسَرَفْتُكم أي: فسهوت عنكم وأخطأتكم.
وقوله: ﴿بِدَاراً﴾ أي: مبادرة أن يكبروا، وهو مصدر بادرت. أي: لا تأكلوها مبادرة منكم (بلوغهم وإيناس الرشد منهم فيأكلوها لئلاّ يرشدوا فيأخذوها منكم).
قوله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: عن أموال اليتامى بماله.
﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف﴾ أي: يستقرض من مال يتيمه، ثم يؤديه إذا
стр. 1177
أيسر، قاله عمر رضي الله عن هـ وابن جبير وعبيدة وأبو العالية.
وروي أن ابن عباس والشعبي وغيرهم: أن له أن يأكل منه إذا احتاج قرضاً ويؤديه إذا أيسر مثلما أكل.
وقال السدي: إذا كان الولي فقيراً أكل من يتيمه بأطراف أصابعه، ولا قضاء عليه، وقاله الشعبي، وروي مثله عن ابن عباس بأنه لا قضاء عليه.
وعن عائشة: إنّ الوصي يأكل من مال اليتيم مكان قيامه عليه إذا كان فقيراً (أكل بالمعروف، ولم يذكر قرضاً ولا رداً وقال النخعي إذا كان الولي فقيراً) أخذ من مال يتيمه ما يسدّ به جوعته ويستر عورته، ولم تذكر قضاء.
стр. 1178
وقال عطاء: يأكل إذا افتقر ولا قضاء.
وقال ابن زيد: يأكل إذا احتاج لقيامه عليهم وحفظه لأموالهم ولا قضاء عليه.
وقيل: المعنى أكل الولي مع اليتيم هو في التمر وشرب رسل الماشية خاصة دون غيره، ولا قضاء عليه، وقد توقف بعض أهل العلم فيها وقال: لا أدري لعلها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ الآية [١٠].
قال أبو حنيفة: لا يأكل معه شيئاً إلاّ أن يسافر من أجله فيأخذ القوت.
стр. 1179
وقد روي عن ابن عباس أنه قال ﴿فَلْيَأْكُلْ بالمعروف﴾: يقوت نفسه يعني من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه. وهذا نختار عند العلماء، وحكى معناه الشافعي.
وقال نافع بن أبي نعيم: سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قول الله : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ فقال: أنفق عليه بقدر فقره، وإن كان غنياً أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي منه شيء.
ثم أمر الله تعالى الأولياء بالإشهاد على اليتامى إذا رشدوا ودفعوا إليهم أموالهم فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وكفى بالله حَسِيباً﴾ الآية.
أي: كافياً من الشهود الذين يشهدون على القبض، ونصب (حسيباً) على الحال.
قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ الآية.
стр. 1180
﴿نَصِيباً﴾ الأخير منصوب على الحال عند الزجاج وفيه معنى التأكيد كأنه قال مفروضاً، وهو نصب على المصدر عند الأخفش والفراء كأنه قال فرضاً لازماً، وما وقبله يدل على أنه فرض ذلك عليهم.
وهذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، كانوا يورثون الذكر دون الإناث، وكان الكبير من ولد الذكور (يرث) دون الصغير يقولون: لا يرث، إلا من طاعن بالرمح، فنسخ الله ذلك، وأعلمنا أنه لكل واحد نصيب مفروض أي واجب مما قل ومما كثر من التركة.
قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى﴾ الآية.
هذه الآية في قول ابن عباس، وابن حبيب، ومجاهد محكمة واجبة، يعطي الورثة للقرابة الذين لا ميراث لهم ما طابت به أنفس الورثة، كأنهم ينحون إلى أنها ندب وليس بفرض.
стр. 1181
وقال السدي وابن المسيب والضحاك: هي منسوخة بالمواريث وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس أيضاً، قالوا: كان هذا فرضاً قبل نزول المواريث، ثم نزلت المواريث فنسخت ذلك.
وقيل: إنها محكمة عنى بها الميت يقسم وصيته وهو حي، فيوضي بها فهو ندب أيضاً.
قوله: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي يعتذر إليهم إن لم يعطوا شيئاً، يقول الولي: ما لي في هذا المال شيء، وهو مال اليتامى، وقيل: القسمة في هذا قسمة الوصية أمر أن يعطى منها من لا يرث من القرابة على الندب لذلك.
قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً﴾ الآية.
لم يأت ليخش مفعول لذكره بعد ذلك الخوف، وإتيانه بمفعوله فسد ذلك مسد مفعول يخشى (لأن الخوف والخشية سواء، ومثلهما معنى الاتقاء فسد مفعول يخشى) مفعول الخوف ومفعول الاتقاء، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ [النحل: ١١٠] فسَدَّ خبر إن الثانية مسدَّ خبر الأولى في قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ﴾ [النحل: ١١٠].
стр. 1182
وقيل: مفعول يخشى محذوف كأنه قال: وليخشى الله الذين.
والمعنى: وليخف الذين يحضرون وصية الموصي أن يأمروا الموصي أن يفرق ماله على غير ولده، ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو أنه كان هون الموصي يسره أن يحثه من يحضره على توفير ماله لولده لضعفهم وعجزهم قال ذلك ابن عباس.
وقال قتادة: معناه: من حضر ميتاً فلينهه عن الحيف وليأمره بإحسان، وليخش على عيال المتوفى ما كان يخشى على عياله لو حضره الموت، وهو مثل القول الأول ومثل هذه المعنى قال السدي.
وقال الضحاك قولاً قريباً من الأول: قال هذا عند الموت لا يقول أحدكم لرجل عند وصيته: اعتق وتصدق حتى يفرق ناله، ويدع ورثته عالة لعياله كما كان يحب هو أن يفعل به لو حضرته الوفاة وعنده ذرية ضعفاء.
قوله: ﴿وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ أي يأمرون الميت في وصيته بما لا ضرر فيه على ورثته كما يحب هو أن يفعل في ورثته بما يأمر به نفسه.
وقال مجاهد: هذا عند تفريق المال وقسمته، يقول الذين يحضرون: زد فلاناً وأعط فلاناً، فأمرهم الله أن يقولوا مثلما كان يحبون أن يقال لولده بعدهم. وكل هذه الأقوال لا تمنع الوصية أن يوصي لقرابته بخمس ماله أو بربعه أو بثلثه كذا
стр. 1183
ذكر أكثرهم.
وقيل: إنهم لا يأمرونه أن يوصي لأحد البتة إذا كان له أولاد ضعفاء يخاف عليهم الضيعة كما كنتم تصنعون لو حضركم الموت أيها الحاضرون وعندكم أولاد ضعفاء تخافون عليهم الضيعة.
وروي أن أصحاب النبي ﷺ كان من اجتهادهم في الخير والعمل الصالح إذا حضروا مريضاً منهم قالوا له: انظر لنفسك فليس ينفعك ولدك ولا يغنون عنك من الله شيئاً، ويقدم جل ماله ويجحف بولده، وكل هذا قبل الوصية بالثلث، وتحديدها من النبي ﷺ فكره الله سبحانه ذلك وأمرهم أن يأمروا الذي حضرته الوفاة بما يحبون أن يأمروهم به إذا حضرتهم الوفاة ولهم ذرية ضعفاء. وقد قيل: إن هذا أمر للموصي على الأيتام أن يفعل فيهم ما يحب [أن يفعل] بعده في أولاده.
وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الوصية لولاة اليتامى ألا يأكلوا أموالهم كما يحبون لو ماتوا وتركوا أولاداً ضعفاء أن يحتاط على أموال أولادهم كما يحتاطون هم على مال يتاماهم، أي: لتفعلوا بهم ما تحبون أن يفعل بولدكم بعدهم.
قوله: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ الآية.
стр. 1184
هذا تحذير ووعيد من الله لمن يأكل مال يتيمه. قال السدي: إذا قام من أكل مال اليتيم من قبره بعث ولهب النار يخرج من فيه، ومسامعه وأذنيه وأنفه وعينيه يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم.
وقال النبي ﷺ فيما روى الخدري عنه من خبر ليلة الإسراء: " نَظَرْتُ فِإِذَا أنَا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَشافِرٌ كَمَشَافِرِ الإِبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأخُذُ بِمَشَافِرِهِم، ثَمَّ يَجْعَلَ في أفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِن أسَافِلِهِم، قُلْتُ: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ﴿الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ ".
وقال ابن [زيد] عن أبيه: هي لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم، وإنما جاز أن يخبر عنهم بأكل الناس لأنهم لما أكلوا ما يؤديهم إلى النار كانوا بمنزلة من يأكل النار، وإن كان يأكل الطيب في الدنيا.
قوله: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أولادكم لِلذَّكَرِ﴾ الآية.
ومعنى قوله ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ معناه: لم يزل كذلك، كأن القوم عاينوا
стр. 1185
حكمة وعلماً، فأعلمهم الله أنه لم يزل كذلك هذا مذهب سيبويه. وقال المبرد: ليس في قوله: (كان) دليل على نفي أنه كان ذلك في الحال وفي الاستبقال.
وفيها قول ثالث وهو: أن كان يخبر بها عن الحال كما قال: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩]، وقول رابع: أن الإخبار من الله في الماضي والمستقبل واحد لأنه عنه معلوم.
ومعنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم فلفظه لفظ الخبر، ومعناه الإلزام كما قال: -[" ذلكم وصاكم به أي فرضه عليكم ". وقيل معناه: يعهد إليكم إذا مات منكم ميت وخلف] أولاداً أن يقسم عليهم على كذا وكذا.
وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ وما بعده هو تفسير ما وصاهم به، بين الله للنبي ﷺ وأمته الواجب في مواريث من مات منهم في هذه السورة ونسخ به ما كان عليه أهل الجاهلية من توريث الأولاد المقاتلة دون الصغار وتوريث الذكور دون الإناث.
وقال مجاهد وغيره كانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله تعالى بما أحب
стр. 1186
وفرض هذه السورة ما قد نص عليه.
وروي أن هذه الآية نزلت لما استشهد سعد بن الربيع يوم أحد، وترك بنتين وامرأة، وأباه الربيع، فأخذ أبوه جميع ما ترك على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأتت امرأة سعد النبي ﷺ فشكت ذلك إليه مرتين وهي تبكي، وتذكر فقر بنيها، وأنه لا أحد يرغب فيهما لفقرهما، فنزلت آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ الله في أولادكم﴾.
قال أبو محمد: وقد كان هذا في علم الله أنه سيفرضه علينا، ويجعل لإنزاله علينا سبباً، وكذلك جميع ما أنزله علينا من الفرائض وغيرها، قد تقدم علمه بذلك لا إله إلا هو.
قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ أي فإن كان المتروكات نساء.
وقوله: ﴿فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (فرض الله تعالى لما فوق الاثنين من النساء:
стр. 1187
الثلثين، وليس للاثنين فرض مسمى، فقال قوم " فوق " هاهنا زائدة والمعنى فإن كان المتروكات نساء اثنتين فلهن ثلثاً ما ترك) كما قال: ﴿فاضربوا فَوْقَ الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢] فيكون على هذا القول لا فرض لما فوق الاثنين، والقول فيها إن فرض الاثنين غير منصوص عليه لكن يعطين بالإجماع بدليل النص (الثلثين).
والدليل: هو أن الله تعالى جعل فرض الاثنين من الأخوات: الثلثين بالنص، والابنتان أمس قرابة، وأقرب من الأختين، فوجب ألا ينقص عن فرض الأختين، وأيضاً فإن الله تعالى جعل [فرض] الأختين للأم كفرض ما فوق ذلك، (فكذلك يجب أن يكون فرض الابنتين كفرض [الأختين] فما فوق).
ودليل آخر وهو أنه جعل فرض الأخت كفرض البنت، فيجب أن يكون فرض البنتين كفرض الأختين، وكذلك أعطى الأخوات الجماعة الثلثين قياساً على فرض البنات المنصوص عليه، وكان المبرد يقول: إن في الاية دليلاً على أن فرض البنتين: الثلثان، وهو أنه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ (فأقل العدد ذكر وأنثى، فإذا كان
стр. 1188
للواحدة الثلث دل ذلك على أن للاثنتين) الثلثين.
وقيل: (إن) الابنة لما وجب لها مع أخيها في مال أبيها الثلث، كانت أحرى أن يجب لها في مال أبيها مع أختها أيضاً الثلث، ويكون لأختها معها مثلما وجب لها وهو الثلث، فوجب للابنتين الثلثان بهذا الاستدلال.
والهاء في ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ تعود على الميت، ولم يجر له ذكر، لكن الكلام يدل عليه، والأولى من هذا كله أن تكون الابنتان أعطيتا الثلثين لفعل النبي ﷺ فقد روي عنه أنه أعطى للابنتين الثلثين.
وقيل: أُعطيتا الثلثين بالإجماع.
والأولاد فيما ذكر الله تعالى هم أولاد الصلب الذكور والإناث وولد الابن خاصة وإن سفلوا الذكور والإناث، وكذلك ولد ابن الابن ابن الابن إذا نسب إلى الميت من قبل آبائه والأعلى يحجب الأسفل إلا أن يكون الأعلى أنثى، فإن لها ما للبنت، والباقي لمن هو أسفل منهما من ولد الابن إذا كان فيهم ذكر، ولهذا تبيين يطول ذكره، وهو مذكور في كتاب الفرائض، وكذلك الابنتان لهم الثلثان والباقي لمن هو
стр. 1189
أسفل منهما إذا كان فيهم ذكر.
قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية.
مذهب بعض الصحابة وبعض الفقهاء أن الإخوة الذين يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس هم ثلاثة فما فوق ذلك لقوله (إخوة فأتى بلفظ الجمع)، وقال أكثرهم، وكثير من الفقهاء (وإن كانوا أخوة، رجالاً ونساءً) وهو مذهب زيد الاثنان يحجبان الأم كالثلاثة والإخوة في الآية يراد بهم اثنين فما فوقهما، وإنما جاز أن يقع لفظ الجماعة للاثنين لأنهما شبها بالشيء الذي ليس في الإنسان منه غير عضو (واحد) كقولك: الزيدان صغت قلوبهما وخرجت أنفسهما، وفقئت أعينهما، فلما جمع في موضع التثنية كان هو المشهور عن العرب، وأتى به القرآن، شبه الشخصان بالأعضاء التي في كل واحد منهما عضو واحد في موضع التثنية (كما يجمع الأعضاء في موضع التثنية).
والشبه الذي بينهم أن الشخصين كل واحد غير صاحبه كذلك الأعضاء كل واحد غير الآخر، فأخرج تثنيتهما بلفظ تثنية العضوين. وقال بعض النحويين:
стр. 1190
ضمك واحد إلى اثنين كضمك واحداً، إلى واحد. وقال: [الخليل]: الاثنان جماعة، وقولهما فعلنا حقيقة، وقول الواحد فعلنا مجاز، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن كانوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً﴾ ولا اختلاف أن هذا يصلح لاثنين فصاعداً. والاثنان جماعة لأنه ضم واحد إلى واحد وجمع واحد إلى واحد وقد قال تعالى:
﴿وَأَطْرَافَ النهار﴾ [طه: ١٣٠] يريد طرفيه إذ ليس له سوى طرفين، وقد قال النبي ﷺ " ( صلاة) الاثنين جماعة " وقال
стр. 1191
تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم﴾ [الأنبياء: ٧٨] ثم قال بعقب ذلك ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] فأخبر أولاً عن اثنين ثم أتى بلفظ الجمع آخراً لأن الاثنين جماعة.
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥].
أراد به موسى وهارون المتقدم ذكرهما، وقال في قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وإنما أراد به علياً رضي الله عن هـ والوليد، فجمع (يستوون).
وقالوا في قوله: ﴿وَأَلْقَى الألواح﴾ [الأعراف: ١٥٠] أنهما كانا لوحين فجمع في موضع التثنية،
стр. 1192
وقالوا في قوله: ﴿أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] أنهما عائشة رضي الله عن هـ وصفوان ابن المعطل، فجمع، والناس يقولون: شهد الشهود على فلان وإن كان إنما شهد عليه شاهدان. ويقولون: أعط هذا لأولادك وإن كان ليس له ولدان، وأهل الحساب على تسمية الاثنين عدداً والعدد كثير في المعنى.
وإنما نقصت الأم بالإخوة (وزيدت للأب) لأن على الأب مؤنتهم دون الأم.
قوله: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية.
" أو " هنا للإباحة، والكلام فيه تقديم وتأخير، والدين هو المتقدم على الوصية وليست " أو " بمعنى الواو، لأن الواو لو كانت لجاز أن يتوهم أن الحكم لا ينفذ إلا باجتماع الدين والوصية.
قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ المعنى لا يعلمون أيهم أقرب لهم نفعاً في الدنيا والآخرة.
وقال ابن عباس: لا تدرون أيهم أرفع درجة في الجنة، لأن الآباء يشفعون في
стр. 1193
الأبناء والأبناء يشفعون في الآباء إذا كان [بعضهم] أعلى درجة من بعض رفع الأٍفل إلى الأعلى.
فالمعنى على هذا لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً في الآخرة.
وفرض الزوج والزوجة ظاهر في النص غير خفي، فلذلك لم يذكر.
قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ منصوب على الحال المؤكدة لما قبلها من الفرض، وقيل: هو مصدر لأن معنى قوله ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم. ثم قال: ﴿فَرِيضَةً﴾ فأعمل فيه المعنى الذي دل عليه يوصيكم، وهذا قول حسن.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة أَو امرأة﴾ الآية.
" نصب (كلالة) على أنه خبر كان عند الأخفش، وإن شئت على الحال يجعل كان بمعنى وقع " ويورث " صفة رجل، وهذا على أن الكلالة هو الميت، وهو قوله البصريين لأنهم يقولون الكلالة الميت الذي لا ولد له، ولا والد وقد روي ذلك
стр. 1194
عن أبي بكر رضي الله عن هـ، وكذلك قال علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس وجابر ابن زيد.
قال البصريون: هو كما تقول رجل عقيم: إذا لو يولد له، مشتق من الإكليل كأن الورثة غير الولد، والولد قد أحاطوا به فحازوا المال.
وقرأ الحسن وأبو رجاء (يورِث كلالة) بكسر الراء جعل الكلالة مفعول به.
وقرأ بعض الكوفيين (يورِث كلالة) بكسر الراء وتشديد نصب كلالة على أنه مفعول بها.
والكلالة في عاتين الروايتين: الورثة أو المال.
стр. 1195
وقال أبو عبيدة: كلالة أصله مصدر من كلالة النسب إذا أحاط به، والأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلقهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة كأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب.
وقد قيل: الكلالة الورثة لا ولد فيهم ولا أب وهو قول أهل المدينة وأهل الكوفة، وشاهد هذا القول قراءة الحسن وأبي رجاء المتقدم ذكرهما، ويبعد هذا القول لأجل نصب كلالة لأنه يجب على هذا القول أن ترتفع على معنى يورث منه كلالة.
وقال عطاء: الكلالة المال الذي لا يرثه ولد ولا والد، وهو قول شاذ، فيكون نصبها على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير: يورث وارثه كلالة.
وقال ابن زيد: الكلالة الحي والميت الذي لا ولد له ولا والد.
والكلالة مشتق من الإكليل المنعطف على جبين الملك، ومن الروضة المكللة وهي التي قد حف بها النّوْرُ، وشبه ذلك بالقمر إذا حا بالإكليل وهو منزلة من منازل القمر ذات نجوم، يقال يتكلله النسب إذا أحاط به، وإنما سمي الميت الذي لا ولد له، ولا والد كلالة لأن كل واحد من الولد والوالد إذا انفرد يحيط بالميراث كله.
следующие страницы →