← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قال مالك في قوله ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾: هن السبايا ذوات الأزواج، أي: وطؤهن جائز لكم يعني لهن أزواج بأرض الشرك أحلهن الله لنا، يعني بعد الاستبراء والمحصنات هنا ذوات الأزواج وقوله ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ يريد به إلا ما ملكت من ذوات الأزواج التي فرق بينهن وبين أزواجهن السباء. قال ابن عباس: وطء كل ذات زوج زنا إلا ما سبي، وكذلك قال ابن زيد وابو قلابة ومكحول والزهري. فالمعنى: حرمت عليكم النساء اللواتي أحصنهن الأزواج إلا ما ملكت أَيْمانكم من ذوات الأزواج السبايا فإنه حلال لكم، ونزل ذلك في سبي (أصاب) المسلمون بأوطاس لهن أزواج فكرهوا أن يقعوا عليه ولهن أزواج، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك فنزلت ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ من السبايا ولهن أزواج في بلد الشرك، وإنهنَّ حلال لكم يعني: بعد الاستبراء. وقال آخرون: المعنى في ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ أي: وطئهن جائز لكم يعني بعد الاستبراء، إن الله حرم نكاح المحصنات بالأزواج، واستثنى ملك اليمين، وهي المملوكة، ذوات الزوج يبيعها مولاها سيكون بيعها طلاقها

стр. 1227

وتحل للمشتري. قال ابن عباس وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله: بيع المملوكة طلاقها. وقال أبو العالية " والمحصنات هنا العفائف التي أحصنهن عفافهن، وهو مردود إلى أول السورة، والمعنى عنده ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣] ثم حرم ما حرم من النسب والصهر، ثم قال: (والمحصنات من النساء) أي: إنهن حرام إلا بصداق وولي وشهود، ويجب على هذا القول نصب المحصنات لأنه عطف على مَثْنَى وما بعده. وقال ابن جبير وعطاء: ﴿والمحصنات مِنَ النسآء﴾ حرم الله المحصنات فوق الأربع مع تحريم القرابة المذكورة. وقيل المعنى: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ بنكاح أو ملك، فحرم الله ذوات الأزواج من النساء ما حرم قبله من ذوي الأرحام، واستثنى ما ملكت اليمين بعقد نكاح صحيح أو بثمن، قال ذلك مجاهد، وقيل: المحصنات: الحرائر، وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عن هـ: إن الآية نزلت في نساء مهاجرات قدمن المدينة، فتزوجهن بعض

стр. 1228

المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنُهِيَ المسلمون عن نكاحهن. وروي أن ابن عباس كان يتوقف في تفسير هذه الآية، قال ابن جبير: كان ابن عباس لا يعلمها. وروي عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إ'ليه أكباد الإبل يعني ﴿والمحصنات مِنَ النسآء﴾. والإحصان: يكون بالحرية كقوله ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: ٥] يريد الحرائر من أهل الكتاب ويكون بالإسلام كقوله: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة﴾ [النساء: ٢٥] على قراءة من فتح الهمزة يريد أسلمن، ويكون بالعفة كقوله: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: ٤]، يريد العفائف، ويكون بالزوج. والفائدة في قوله: ﴿مِنَ النسآء﴾ أن المحصنات يقع على معنى: والأنفس المحصنات فيكون للرجال والنساء، فبين أنه للنساء بقوله ﴿مِنَ النسآء﴾ دليل ذلك أنه قال: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ فلولا أنه يراد به الأنفس المحصنات لم يحد من قذف رجلاً بالنص على ما ذكرنا.

стр. 1229

قوله ﴿كتاب الله عَلَيْكُمْ﴾ نصب: كتاب (الله) عليكم: المصدر عند سيبويه، لأنه لما قال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ على أنه كتب ذلك، فالمعنى كتب الله عليكم ذلك كتاباً، وقيل نصبه على الإغراء أي: الزموا كتاب الله، وهذا قول ضعيف مردود، وهو قول الكوفيين لأن عليكم هو الذي يقوم مقام الفعل في الإغراء، وهو لا ينصرف ولا يجوز تقديم المفعول عليه عند أحد، لا يجوز زيد عليك، ونصبه عند بعض الطوفيين على الحال كأنه قال: كتاب الله عليكم. ومعنى ﴿كتاب الله عَلَيْكُمْ﴾ قال عطاء والنخعي هو الأربع لا يزيد عليهن، وقاله السدي، وقال ابن زيد: معناه أمر الله عليكم، يريد ما حرم الله من هؤلاء وما أحل لهم، وقرأ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذلكم﴾ الآية. ومن فتح الهمزة، فلقرب اسم الله تعالى من الفعل، فأسنده إليه، فتقديره كتاب الله ذلك عليكم، وأحل لكم. ومن ضم فإنه أجراه على أول الآية، لأنه جرى على ترك

стр. 1230

تسمية الفاعل وهو قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ فأجرى التحليل على لفظ التحريم لتسابق الألفاظ ولئلا تختلف، فكأنه حرم عليكم كذا وأحل لكم كذا، ومعنى ﴿مَّا وَرَاءَ ذلكم﴾ ما دون الخمس ﴿أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم﴾، على وجه النكاح، وقال السدي: ما دون الأربع وقال عطاء: ﴿مَّا وَرَاءَ ذلكم﴾ ما وراء القرابة التي قد حرمت عليكم أن تبتغوا بأموالكم: المحصنات من الحرائر الأربع والمماليك. وقال قتادة ﴿مَّا وَرَاءَ ذلكم﴾؛ ما ملكت يمينكم " وقال الطبري: بين الله لنا المحرمات بالنسب والصهر، ثم أخبرنا أنه قد أحل لنا ما وراء هؤلاء المحرمات في هاتين الآيتين بأن نبتغيهما بأموالنا نكاحاً، وملك يمين لا سفاحاً، وقد أعلمنا أن ما زاد على أربع حرام، وما كان من الإماء ذوات الأزواج حرام ما لم ينتقل الملك. قوله: ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين﴾ معناه: أعفَّاء غير مزانين والسفاح: الزنا، والإحصان هنا العفاف، وقال مجاهد: محصنين متناكحين.

стр. 1231

قوله: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: يقول: فالشيء الذي استمتعتم به من النساء فأعطوهنّ أجورهنّ أي صدقاتهم فريضة معلومة، وقال ابن عباس: معناها إذا نكح الرجل المرأة مرة واحدة فقد وجب الصداق، فالمعنى فأي شيء استمتعتم به، وإن قلّ فآتوهنّ أجورهن أي صدقاتهنّ والاستمتاع النكاح، وقاله: الحسن ومجاهد. وقال السدي: وغير الاستمتاع هنا أن يتزوّجها إلى أجلٍ مسمّى بإذن وليّها، ويشهد شاهدين، فإذا تمّ الأجل أمر أن يدفع إليها ما شرط لها، وليس له عليها سبيل وتعتد، ولا ميراث بينهما. وسئل ابن عباس عن متعة النساء فقال: أما تقرؤون فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فقيل له لو قرأناها هكذا لكان الأمر على ذلك. فقال: فإنها كذلك. وفي قراءة أبي زيادة: إلى أجل مسمى، وكذلك ابن جبير. وقالت عائشة رضي الله عن ها كانت المتعة حلالاً، ثم نسخ الله ذلك بالقرآن، وروي ذلك

стр. 1232

عن ابن عباس وهو قول ابن المسيب والقاسم وسالم وعروة. قال ابن عباس: نسخها ﴿يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقال ابن المسيب: نسخت المتعة بآية الميراث يعني: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم﴾ [النساء: ١٢] لأن المتعة كانت لا ميراث بها. وروي عن عائشة رضي الله عن ها قالت حرم الله المتعة بقوله ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ والمعارج: ٢٩]. وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل معلوم، وشرط (ألا) طلاق بينهما، ولا ميراث ولا عدة. [وقال أبو عبيدة: نسخت المتعة بالقرآن والسنة لأن النبي ﷺ حرم المتعة يوم الفتح وغيره.

стр. 1233

ومن قال: إن المعنى إذا تزوجتم المرأة، فنكحتموها ولو مرة واحدة] فأعطوها صداقها، فهي عنده محكمة لا نسخ فيه، والتقدير: فما استمتعتم به من الدخول بالمرأة فلها الصداق كاملاً فأعطوها إياه، ودل على ذلك قوله ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تراضيتم بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ أي: إن وهبت لك النصف، أو ما كان فلا جناح، وإن وهبت لها النصف، فأعطيتها الكل، ولم تدخل بها فلا جناج. وقيل: المعنى: إن أدركتم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تراضيتم بِهِ﴾. وقيل المعنى: لا جناح عليكم إذا تم الأجل الذي اشترطتم في الاستمتاع أن يزدنكم في الأجل، وتزيدهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهو منسوخ. وقال السدي: إن شاء أرضاها بعد الفريضة بأجرة، ثم تقيم معه إلى الوقت الذي يتراضون أيضاً عليه، وهو منسوخ. وقيل: المعنى: لا جناح عليكم فيما وصعه نساؤكم عنكم من صدقاتهن بعد الفريضة.

стр. 1234

قال ابن زيد: إن وضعت لكم من صداقها فهو سائغ فالمعنى على هذا لا إثم على الرجل أن تضع المرأة عليه مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف الصداق، فيدفعه إليها كاملاً. قال الأخفش ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ تمام. وقال غيره ﴿كتاب الله عَلَيْكُمْ﴾ التمام، وهو أحسن لأن العامل فيه ما قبله من المعنى الذي دل عليه كتاب، وإنما يصح قول الأخفش إذا نصبت ﴿كتاب الله﴾ على الإغراء، وهو بعيد. (وفريضة) مصدر كأنه قال: فرض ذلك عليكم فريضة وهو التمام. قوله ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ الآية. قرأ الكسائي المحصنات في كل القرآن - بكسر الصاد، إلا قوله ﴿والمحصنات مِنَ النسآء﴾ قال: لأنه أراد به ذوات الأزواج من السبايا أحلهن الله بعد استبرائهن بالحيض، فالأزواج أحصنوهن، قال: وغير ذلك يكون المراد به غير التزوج، إما إحصان إسلام، أو عفة أو بلوغ، فتكون هي التي أحصنت نفسها بإسلامها أو بعفتها أو ببلوغها، ولا يحتمل عنده ﴿والمحصنات مِنَ النسآء﴾ إلا إحصان

стр. 1235

التزويج، وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن المسيب وغيرهم. ومن فتح الصاد في جميع ذلك قال: إن الإسلام يحصنهن كما يحصنهن التزويج، وكذلك العفاف والبلوغ والحرية وشبهه. وحكى أصحاب أبي عمرو (أن العرب) لا تقول: هذا قاذف محصِنة، ولكن تفتح، ومن ضم " أحصن " أجراه على محصنات جعلهن مفعولات في الموضعين، فأما من فتح الهمزة، فحجته أن التفسير ورد على إضافة الإحصان إليهن، ولأن من قرأ بضم الهمزة يلزمه في الحكم ألا يوجب الحد على المملوكة إلا إذا كانت ذات زوج دون الأيم، وفي إجماع الجميع على إيجاب الحد (على) المملوكة الأيم دليل واضح على فتح الهمزة بمعنى: فإذا أحصن أي: أحصن أنفسهن بالعفاف أو بالإسلام. والاختيار عند أهل اللغة: الضم لأنه قد تقدم ذكر إسلامهن في قوله ﴿أَن يَنكِحَ المحصنات﴾ فدل على أن الثاني غير الإسلام فيكون أحصن بمعنى تزوجن، فالمعنى فإذا أحصنهن الأزواج، ويكون حدها إن زنت بالكتاب، وحَدَّ الأيم بالسنة،

стр. 1236

ومعنى الآية: أن الطَوْل: السعة في المال عند أكثر أهل التفسير وقال ابن زيد: الطَّول أن يجد ما ينكح به حرة. وقال بعضهم: الطول الهوى قاله ربيعة، إذا هوى أمَتَه، وخشي على نفسه، وهو يقدر على نكاح الحرة فأرى أن ينكح الأمة. وقال جابر: لا يتزوج الحر الأمة إلا أن يخشى على نفسه العنت، فليتزوجها. وقال عطاء: لا يفعل ذو الطول إلا أن يخشى على نفسه البغي. وأكثر الناس على أن ذا الطول لا يتزوج الأمة وإن خشي على نفسه لأن وجود الطول إلى الحرة فيه قضاء شهوة، ولذة وليس هو كالمضطر إلى الميتة، والله قد حرم نكاح الأمة إلا لمن (لم) يجد طولاً إلى الحرة، فلا يخرج عن التحريم فيخلص

стр. 1237

لقضاء لذة، فمعناها: وإن لم يقدر أن ينكح الحرائر المؤمنات لقلة ما بيده، فلينكح الأمة المؤمنة إذا خاف العنت، فيتعفف بها ويكفيه أهلها مؤنتها. قال الشافعي وغيره: لا ينكح الأمة حتى يعدم ما يتزوج به الحرة ويخاف الزنا، فإن لم يجتمع الأمران عليه فلا يتزوج الأمة. وإذا نكح الأمة على الحرة فإن مالكاً قال: لا يفعل فإن فعل جاز النكاح، وكانت الحرة مخيرة إن شاءت أقامت وإن شاءت اختارت نفسها. وقال الشافعي: النكاح باطل. وقال الزهري: يفرق بينه وبين الأمة، ويعاقب. وقال عطاء: لا ينكح المة على الحرة إلا بأمرها، فإن اجتمعا كان للحرة ثلثا النفقة. وكان مجاهد يقول: مما وسع الله به على هذه الأُمَة نكاح الأَمَة، واليهودية والنصرانية وإن كان هو شراً، يعني إذا خاف العنت على نفسه في الأمَّة لهوى نزل به. وقال مسروق الشعبي: نكاح الأمة لا يحل إلا لمضطر كالميتة، فإذا تزوج حرة على أمة حرمت عليه الأمة كالرجل يجد طعاماً ومعه ميتة. والمحصنات هنا العفائف (وقيل الحرائر) وهو الأشبه لذكر المماليك

стр. 1238

بعدهن. والفتيات جمع فتاة وهن الشواب. وقوله ﴿مِّن فتياتكم المؤمنات﴾ يدل على أن تحريم نكاح غلإماء المشركات واجب وهو محرم عند مالك وجماعة من العلماء. قال أهل العراق: ذلك على الإرشاد، وليس بمحرم، وإنما هو ندب. فأما نكاح الحرة على الأمة فهو جائز عند ابن المسيب وعطاء والشافعي، وأبي ثور وأصحاب الرأي. وروي عن علي رضي الله عن هـ جوازه، وقال: يفرض للحرة يومان وللأمة يوم. وقال مالك والزهري: للحرة الخيار إذا علمت بذلك إن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقته. وقال ابن عباس: نكاح الحرة طلاق الأمة، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال النخعي: يفارق الأمة إذا تزوج الحرة أن يكون له من الأمة ولد، فلا يفارقها،

стр. 1239

ويكون للحرة يومان وللأمة يوم. وقال مالك: إذا خشي على نفسه العنت يتزوج من الإماء حتى يبلغ أربعاً، وهو قوله أصحاب الرأي. وروي عن الزهري أنه قال: يتزوج أربعاً، ولم يذكر عنتاً. وروي عن ابن عباس أنه لا يتزوج إلا واحدة، وبه قال قتادة والشافعي. وقال أحمد: يتزوج من الإماء اثنتين لا غير. وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ أي: أنتم بنو آدم. وقيل: معناه أنتم مؤمنون كلكم إخوة. وقيل: نزل ذلك لما كانت العرب تعير ابن الأمة وتسميه هجيناً. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات﴾

стр. 1240

ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات " فلينكح بعضكم من بعض " هذا فتاة هذا (وهذا) فتاة هذا وعلى هذا القول مرفوعون بفعلهم في التأويل لأن المعنى ﴿مَّا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ فلينكح مما ملكت فرد بعضكم على ذلك. وقوله ﴿والله أَعْلَمُ بإيمانكم﴾، أي: يعلم من آمن منكم وصدق بما جاء من عند الله ( ورسوله) ﷺ . وقوله: ﴿فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي تزوجوهن بإذن مواليهن، ورضاهن ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أعطوهن مهورهن بالمعروف على ما تراضيتم به مما أحل الله لكم أن تجعلوه مهوراً ﴿محصنات غَيْرَ مسافحات﴾ أي: عفائف غير زناة. ﴿وَلاَ متخذات أَخْدَانٍ﴾ وليس ممن لهن أصدقاء على السفاح لأنهن في الجاهلية كان لهن الخليل، والصديق يحبسن أنفسهن للفجور عليه سراً، وكانوا في الجاهلية

стр. 1241

يحرمون الزنا ما ظهر منه، ويسمحون فيما أسر، يقولون: ما ظهر منه لؤم، وما خفي منه فلا بأس به، فأنزل الله ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقال السدي وغيره: ولا مسافحات معلنات بالزنا. قوله: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ أي: صرن ممنوعات الفروج بالأزواج وهذا المعنى يدل على الضم في الهمزة. وقيل: أحصن: أسلمن قاله السدي وهذا المعى يدل على القراءة بفتح الهمزة. وقال سالم والقاسم: إحصانها عفافها، وإسلامها. وأكثر الناس على أن المعنى فإذا تزوجن. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ معنى ذلك: إذا أتت الأمة بزنى بعدما أحصنت بالزوج فعليها ﴿نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ أي الحرائر الأبكار. وقيل: ذوات الإسلام التي أحصنهن دينهن غير محصنات بأزواج. وقوله

стр. 1242

﴿مِنَ العذاب﴾ أي: من الحد إذا زنيت. وسميت البكر محصنة لأنه يكون بها فيما يستقبل كما يقال: ضحته قبل أن يضحي بها، وقيل: المحصنات هنا المتزوجات، فعلى الإماء المتزوجات نصف حد الحرة وهو خمسون، والرجم لا يتبعض لأن المرجوم قد يموت بحجر واحد، وربما لم يمت بألف حجر، فنصف الرجم متعذر حده، فلا بد من الرجوع إلى نصف الجلد. وق قال النبي ﷺ : " إذا زنت الأمة فاجلدوها " وإحصان الأمة إسلامها، وقد يجوز أن يكون معنى قوله ﴿نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ يعني من الأبكار لأن إحصان الحرة قد يكون العفاف، وقد يكون الإسلام، وقد يكون التزويج، ولا يحصن الأمة لا تزويج ولا غيره إلا: الإسلام. و ﴿العذاب﴾ الحد غير الرجم، قال ابن عباس: على الأمة إذا زنت وهي مع حر نصف حد الحرة، وهو خمسون والمعنى فلازم لهن نصف حد الحرة. قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ﴾ معناه ذلك الذي أبيح من نكاح الأمة لمن خشي العنت، وهو الزنا. وقيل: هو الإثم. وقيل: العقوبة.

стр. 1243

وقيل: الهلاك. وأصل العنت في اللغة المشقة يقال: أكمة عنوت إذا كانت شاقة، فهذا يدل على جواز نكاح الإماء إنما يكون باجتماع الشرطين المذكورين، وهما: عدم الطول، وخوف العنت وروي عن علي رضي الله عن هـ أنه قال: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة وهو يجد الطول إلى الحرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر. قوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: عن نكاح الإماء خير لكم ﴿والله غَفُورٌ﴾ أي: غفور لكم عن نكاحهن على ما نصه لكم، وأذن لكم فيه قال ذلك السدي وابن عباس وطاوس وغيرهم. قوله: ﴿رَّحِيمٌ﴾ أي: رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند الاقتدار وعدم الطول للحرة. قوله ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية. المعنى يريد الله أن يبين لكم حلاله من حرامه، ويبين لكم طرق الإيمان من قبلكم لتتبعوه، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يرجع بكم إلى طاعته ﴿والله عَلِيمٌ﴾ عليم بمصلحة عباده حكيم في تدبيره فيهم. والمعنى عند النحويين يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ومثله

стр. 1244

﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٣] أي: أمرت بهذا لأعدل بينكم، وفي هذه الآية عند أهل النظر دليل على أن ما حرم علينا قد حرم على من قبلنا لقوله ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾، وقيل: المعنى سنن من قبلكم من المؤمنين خاصة. قوله ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. والمعنى والله يريد أن يرجع بكم إلى طاعته ليغفر لكم ما سلف لكم من ذنوبكم في جاهليتكم من نكاحكم حلائل آبائكم وأبنائكم، وغير ذلك مما ركبتموه ﴿وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ﴾ أي: ترجعوا عن الحق وهو الزنا. قال مجاهد: يريدون أن تزنوا مثلهم. ومعنى الشهوات: شهوات الدنيا ولذاتها. وقيل: هم اليهود والنصارى قاله السدي، وقيل: هم اليهود خاصة يريدون أن تنكحوا الأخوات من الأب مثلهم لأنهم يحلون ذلك.

стр. 1245

وقال ابن زيد: هم طلاب الباطل، وأهل الزنا. قوله ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الآية. أي: يريد أن يوسع عليكم في نكاح الفتيات المؤمنات عند عدم الطول، وخوف العنت: ﴿وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ أي لا يستطيع الصبر عن شهوة النساء. وقرأ ابن عباس: وخلَق الإنسانَ بالفتح أي: وخلق الله الإنسان شعيفاً، يعني ضعيفاً في أمر النساء لا يقدر على الصبر عن الجماع. قال أبو محمد رضي الله عن هـ: وتخفيف الله (تعالى) عن عباده أعظم من أن يحصى، لم يكلفهم ما ليس في وسعهم ولا ما يطيقون، وضاعف حسناتهم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة مثل " وإذا همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه شيء وتكتب له حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة فإن استغفر منها محيت عنه " وفضل الله

стр. 1246

ورأفته بخلقه أكثر من أن يحصى. قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ﴾ الآية. ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة﴾ الأكثر في كلام العرب أن تستعمل إلا أن يكون في الاستثناء لغير ضمير فيها على معنى إلا يحدث أو يقع وإن في موضع نصب استثناء ليس من الأول واختار أبو عبيدة النصب على إضمار الأموال في تكون، وغير مختار عند أهل اللغة لأن أكثر كلام العرب في هذا لا يضمرون فيها شيئاً. ومعنى الآية إنهم نهوا عن أكل الأموال بالربا، والقمار والظلم والبخس ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة﴾ فليربح ما شاء فيها قال ذلك السدي، وغيره وهو اختيار الطبري فهي محكمة. وقيل: نزلت في ألا يأكل أحد متاع أحد إلا بشراء، أو بقيود، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] الآية.

стр. 1247

قال ذلك الحسن وعكرمة وغيرهما. قال الطبري: في هذه الآية دليل على فساد قوله من ينكر طلب الأقوات والتجارات، والصناعات من المتصوفة الجهلة لأنه حرم أكل الأموال بالباطل، وأباح أكلها بالتجارات عن تراض من البائع والمشتري، ومعنى ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ هو الخيار فيما تبايعا فيه ما لم يفترقا من مجلسهما الذي تبايعا فيه، وهو قول الشافعي. وقيل: التراضي هو الرضى بعقد البيع والشراء، فإذا تراضيا فقد تم البيع افترقا أو لم يفترقا، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وقال القتبي ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ [عن] موافقة منكم لما أحله الله تعالى وتورع عما

стр. 1248

حرمه من القمار والربا والبيوع الفاسدة. وقيل: ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ عن رضى من البائع والمشتري. قوله: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، وهو معنى قول النبي ﷺ " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ". وقيل معناه: لا تتجروا في بلاد العدو فتغدروا بأنفسكم. وقرأ الحسن " ولا تقتّلوا " بالتشديد على التكثير. ﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾، أي: رحمكم الله بأن حرم دماءكم، بعضكم على بعض. قوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً﴾ الآية. المعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن اعتداء وظلماً ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾. وقيل: المعنى ومن يفعل ما قد حرم الله عليه مما ذكر في أول السورة إلى ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾.

стр. 1249

وقيل: المعنى من يأكل مال أخيه بالباطل ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾. والعدوان المجاوزة للشيء ﴿نُصْلِيهِ﴾ نورده ناراً فيصلاها. قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية. الكبائر هي: من أول السورة إلى ثلاثين آية منها في قول جماعة من العلماء. وقال علي رضي الله عن هـ على المنبر في الكوفة: والكبائر سبع فسئل عنها، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، يريد أن يرجع الرجل أعرابياً بعدما هاجر إلى الله (تعالى) ورسوله. وقيل: الكبائر منصوصة في كتاب الله على ما روي عن علي رضي الله عن هـ وهي سبع قوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾ [الحج: ٣١] وقوله: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] وقوله: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الرباوا لاَ يَقُومُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 1250

وقوله: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ [النور: ٢٣]. وقوله: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾ قال فيمن ولي ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ [الأنفال: ١٦] وقوله: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً﴾ [النساء: ٩٢]. وقوله: ﴿إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥]. وقال عطاء: الكبائر سبع وهي: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنات، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وروي أن ابن عمر قال: تسع زاد على ما قال عطاء: السحر، والإلحاد في البيت الحرام. وقال ابن مسعود: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، قال الله : ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾ [الحج: ٣١]. وقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ [الحجر: ٥٦] وقال: ﴿لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧] وقال ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩].

стр. 1251

وقال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو (كبيرة)، وروي عنه أنه قيل له: أسبع هي، قال: هي إلى السبعين أقرب. وأنه قال هي إلى سبع مائة أقرب. وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وقاله عمر رضي الله عن هـ وروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو عذاب وهذا قوله جامع. وقال الحسن: الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار في كتابه: كالشرك، وهو أكبر الكبائر، وقتل النفس، وأكل الربا، والزنا، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والإدمان على الخمخر وشبهه. وقد يكون الذنب صغيراً فإذا أصر عليه صار كبيراً بالإصرار عليه، وترك التوبة، والإقلاع عنه، فالإصرار على الذنب ذنب عظيم. (وقيل: الكبائر كل ما لا يقبل معه عمل، نحو الشرك بالله سبحانه، وقيل الأولاد، والسحر، والكفر برسول الله ﵇ وبآبائه، وشبهه). وقال زيد بن أسلم: كل ذنب يصلح معه عمل فليس بكبيرة والله يغفر

стр. 1252

السيئات والحسنات. وقد قال بكر القاضي: من أعظم الكبائر سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور عند الحكام، وعدول الحكام على الحق، واتباعهم للهوى. ومن الكبائر: اللواط، والإصرار على الصغائر من الكبائر. " والندم توبة " والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة والجماعات. وقال أبو بكر رضي الله عن هـ: إن الله يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا. وقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. و " سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قوله الزور (أو) قال وشهادة الزور " وروي أنه قال: " اليمين الغموس ". وروي عنه أنه قال: " من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب

стр. 1253

الكبائر، فله الجنة، قيل: وما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف ". وقال ابن مسعود " سألت النبي ﷺ عن الكبائر؟ فقال: " أن تدعو لله نداً وقد خلقك، (وأن تقتل ولدك) من أجل أن يأكل معك، أو تزني بحليلة جارك، وقرأ علينا رسول الله ﷺ ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ". وروي عنه ﷺ أنه قال: " هو الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف وقذف المحصنة، وقل الزور، والغلول، والسحر وأكل الربا واليمين الغموس ". ومعنى قوله ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أنه تعالى وعد أن يكفر الصغائر باجتناب الكبائر وقال النبي ﵇: " اجتنبوا الكبائر وسددوا وابشروا ". وقال ابن مسعود: في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾

стр. 1254

وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠] وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦] وقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١١٠] وقوله: ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥١] الآية. قال (ابن عباس): ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة لما طلعت عليه الشمس وغربت أولها ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]. الآية، والثانية ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] الآية، والثالثة ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] الآية ثم ذكر الخمس التي ذكرها ابن مسعود. وقيل: إن السيئات تكفرها الصلوات الخمس ما اجتنبت الكبائر. ومن فتح الميم من (مَدخلاً) احتمل أن يكون مصدر دخل، وأن يكون

стр. 1255

اسماً للمكان من أدخل، والمدخل الكريم هو المكان الحسن في الجنة. قوله: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ الآية. نهى المؤمنين أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض وأمرهم أن يسألوه من فضله، وروي أن أم سلمة قالت يا رسول الله: لا نعطى الميراث؟ ولا نغزو في سبيل الله تعالى فنقتل؟ فأنزل الله ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ﴾ الآية. قال ابن عباس: هو الرجل يقول: وددت لو أن لي مال فلان، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يسألوه من فضله لأن التمني يورث الحسد والبغي. وقال السدي: نزلت في الرجال والنساء. وقال الرجال: لو كان لنا من الأجر مثلا ما للنساء كما لنا من الميراث مثلا ما لهن، وقال النساء: لو كان لنا أجر مثل الرجال الشهداء، فلو كتب علينا القتال لقاتلنا، فقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ وقال ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾. وقال ابن جبير: ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ العبادة. وقيل: اسألوه التوفيق، والعمل بما يرضيه.

стр. 1256

﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾. أي: لم يزل عالماً بما يصلح عباده، فلا يحسد بعضهم بعضاً. قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن﴾ المعنى: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الأبواب على الطاعة، والعقاب على المعصية وللنساء مثل (ذلك). وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء شيئاً، فلما أنزل الله ميراثهم، قال النساء: لو جعل أنصباءنا (في الميراث كالرجال، وقال الرجال: إنَّا لنرجو أن نفضل النساء في الحسنات في الآخرة كما فُضِّلنا) في الدنيا عليهن بالميراث فأنزل الله تعالى ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن﴾ يقول: المرأة تجزى بحسنتها ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. وقيل: إنه لما نزل ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث فأنزل الله ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا﴾ أي: من الذنوب وللنساء مثل ذلك ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾.

стр. 1257

وقيل: المعنى: للجميع نصيب من موتاهم. وقيل: المعنى: للرجال نصيب من موتاهم. وقيل: المعنى: للرجال نصيب من الأجر وهو الجهاد، وخصوا به وبأجره، وللنساء نصيب من الأجر خصصن به، وهو حفظها لزوجها في السر والعلانية، ونظرها لزوجها، وطاعتها له وإصلاحها عليه كل لها فيه أجر خصت به. قوله ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا موالي مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ الآية. الموالي: الورثة، يعني العصبة، كذلك قال ابن جبير عن ابن عباس، وقال مجاهد وقتادة: فالمعنى ولكلكم جعلنا عصبة يرثون ما تركتم، ولفظ الآية عام يراد به الخصوص إذ ليس [كل إنسان له عصبة معلومة ترثه، وكل إنسان له عصبة غير معلومة. وقد قال مالك: كل] من هلك من العرب فلا يخلوا أن يكون له وارث بهذه الآية وإن لم تعرف عينه. قوله: ﴿والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان الرجل يحالف الرجل وليس بينه

стр. 1258

وبينه نسب يرث أحدهما الآخر، فأمروا أن يعطوهم نصيبهم. ثم نسخ الله ذلك بالميراث بقوله ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: ٧٥، والأحزاب: ٦] وقال ابن عباس: " كانت الأنصار ترث المهاجرين للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم حين نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا موالي مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ فنسخت ما كانوا عليه. قوله ﴿والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ يعني من النصر والنصيحة والرفد ويوصى لهم. وقال ابن عباس وغيره: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات قبل صاحبه ورثه، فأنزل الله ﴿ وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين﴾ [الأحزاب: ٦] ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: إلا أن ترضوا للذين عاقدتم وصية، فهي لهم جائزة من الثلث. والمعاقدة التي كانت بينهم هو أن يقول: دمي ودمك، وتطلب بي وأطلب بك، وتورثني وأرث بك، فجعل في أول الإسلام السدس من المال، ويقسمُ الباقي في الورثة ثم نسخ ذلك في الأنفال.

стр. 1259

وقيل: نزلت في الذين كانوا يتبنون في الجاهلية، فأمروا أن يوصوا لهم ونسخ فرضهم. وقال ابن إسحاق: كان الرجل الذليل يأتي العزيز فيعاقده باليمين ويقول له: أنا ابنك، ترثني وأرثك، وحرمتي وحرمتك، ودمي ودمك، وثأري ثأرك، فأمر الله بالوفاء لهم قبل تسمية الميراث، ثم نسخ بالميراث في الأنفال. قوله: ﴿الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾ الآية. قال ابن عباس: الرجل أمين على المرأة تطيعه فيما أمرها به، فهو قائم عليها يقوم بنفقتها، ومؤنتها ويسوق مهرها، فهو فضله (الذي فضله) الله عليها. وقال السدي: معنى قوله: " قوامون يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن. وهذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، لطم امرأته فخوصم، إلى النبي ﵇ فقضى لها بالقصاص فأنزل الله ﴿ الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾ الآية: فلم يقتص منه، قاله الحسن وقتادة.

стр. 1260

وقيل: إن قوله ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] نزل في أمر الرجال حين جعل عليه القصاص، وعلى ذلك أهل التفسير. كان الزهري يقول: ليس بين الرجل، وامرأته قصاص فيما دون النفس. وروي أن أم سلمة رضي الله عن ها زوج النبي ﷺ قالت: ما بال النساء لهن نصيب وللرجال نصيبان؟ ما بال شهادة امرأتين مثل شهادة رجل؟ وذكرت أشياء في فضل الرجال، فأنزل الله ﴿ الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾. وقال معاذ بن جبل رضي الله عن هـ: " قدمتُ الشام، فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوقع في نفسي أَنَّا أحق أن نفعل هذا بالنبي فلما قدمت المدينة سجدت له، فقال ما هذا فأخبر (ته) بما رأيت فقال: " لو كنت آمراً أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي امرأة حق الله عليها حتى تؤدي حق زوجها " ". ومعنى: ﴿بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ الآية.

стр. 1261

أي: بفضل الرجل على النساء، كانوا قوامين عليهن بما فضل، هو جودة العقل والتمييز والإنفاق، وسَوْق المهر والجهاد وجواز الشهادة وغير ذلك، كله فضل به الرجل على المرأة. قوله: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أموالهم﴾: " فضل الرجال على النساء بما ذكرنا، ﴿وَبِمَآ﴾ ساققوا من أموالهم إلى النساء من مهور ونفقة ﴿فالصالحات﴾ هن المستقيمات لأزواجهن " ﴿قانتات﴾ أي: طائعات لله ولأزواجهن ﴿حافظات لِّلْغَيْبِ﴾ أي يحفظن أنفسهن عند غيبة أزواجهن [في فروجهن وأموال أزواجهن. وقيل: المعنى: طائعات لأزواجهن] ما غاب عنهم من سرهن وشأنهن. وقال النبي ﷺ : " " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك. وإذا أمرتها أطاهتك وإذا غبت عنها حفظتك، في مالك ونفسها " ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿ فالصالحات قانتات﴾ الآية ". ومعنى ﴿بِمَا حَفِظَ الله﴾ أي: يحفظ الله إياهن: أي صيرهن كذلك قال سفيان:

стр. 1262

لحفظ الله إياها إذ جعلها كذلك. ومن نصب " الله " وهي قراءة جعفر، فالمعنى: فيهن يحفظهن الله في طاعته، وأداء حقه فيما لزمهن به في حفظ غيبة أزواجهن، كقولك للرجل: ما حفظت الله في كذا وكذا والمعنى: بمراقبتهن في حفظ أزواجهن. وفي قراءة ابن مسعود: بما حفظ الله فأحسنوا إليهن وأجملوا. والرجل له الحجر على المرأة بنفسها، ومالها إذا تجاوزت الثلث ولا تفعل شيئاً إلا بإذنه إلا في الفرائض التي فرض الله عليها، فلا طاعة له غليها في ذلك من الصلوات وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، هذا مذهب مالك، وله أن

стр. 1263

يؤدبها تأديباً غير مبرح. قوله: ﴿والاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ الآية. " واللاتي " في موضع رفع بالابتداء، وتقديره عند سيبويه: وفيما يتلى عليكم الألاتي، والمحذوف: الخبر، وعند غيره: الخبر: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، ويجوز أن تكون " اللاتي " في موضع نصب على قول من قرأ: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] بالنصب. و ﴿تَخَافُونَ﴾ عند الفراء وأبو عبيدة بمعنى توقنون وتعلمون، (وهو) على بابه عند غيرهما. والنشوز هو: امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها من طاعته. وأصل النشوز الارتفاع والانزعاج، فكأنهن ارتفعن عن أداء حق الأزواج، وطاعتهم يقال: نشزت ونشصت. وقيل: النشوز البعض قاله السدي. وقال ابن زيد: النشوز المعصية والخلاف. وقال عطاء: النشوز أن تحب فراقه.

стр. 1264

وقال ابن عباس: هو أن تستخف بحقه، ولا تطيع أمره " فعظوهن " أي: خوفوهن، وذكروهن الله. وقال ابن عباس: فعظوهن بكتاب الله وبطاعته، وهو قول الجماعة. ﴿واهجروهن فِي المضاجع﴾ إذا لم يرجعن مع الوعظ فاهجروهن بترك جماعهن ومضاجعتهن. وقال السدي: وغيره: " يرقد عندها ويوليها ظهره، ويطؤها ولا يكلمها ". روي عن ابن عباس أنه قال: يهجرها في المضجع من غير أن يذكر نكاحاً، وذلك عليها شديد. (وقيل: المعنى [اهجروهن في الكلام حتى يرجعن إلى مضاجعتكم كأنه قال]: اهجروهن من أجل المضاجع. وقال ابن عباس الهجران إنما هو في أمر المضجع، وأنها لو تركت لم تضاجع، وقال ابن جبير اهجروهن يأتين مضاجعكم). وقال عكرمة وغيره: إنما الهجران بالمنطق، ويلزم من قال هذا أن يقطع الألف لأنه إنما يقال في هذا المعنى الإهجار، يقال: أهجر فلان في منطقه إذا تكلم بالقبيح. وروى أبو هريرة رضي الله عن هـ أن النبي ﷺ قال: " إذا باتت المرأة مهاجرة لزوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع ".

стр. 1265

وقوله ﴿واضربوهن﴾ أي: إن لم يرجعن بالهجران في المضاجع، فيضربن ضرباً غير مبرح، كذلك قال المفسرون: وقال النبي ﷺ في خطبة له " ضرباً غير مبرح " وعنه " غير مؤثر ". واختار الطبري في الآية أن يكون المعنى: واضربوهن من أجل المضاجع. ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ إلى ما يجب عليهن ﴿فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي: فلا تلتمسوا عليهن طريقاً في الظلم، وهو التعالي عليهن ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً﴾ المعنى لا تبغوا عليهن العلل فتٌعلوا أيديكم عليهن، فإن الله ذو علم فوقكم وفوق كل شيء، فأيديكم وإن كانت عالية، فليس من أجلها علوا تبغوا عليهن، وتطلبوا العلل فإن الله أعلى يداً وأكبر من كل شيء. وقيل: المعنى: لا تبغوا عليهن سبيلاً لا تكلفوهن الحب لكم إنما لكم عليهن المساعدة في الجماع أما القلب فليس بيدها منه شيء. قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية. خفتم عند أبي عبيدة بمعنى أيقنتم، ورد ذلك الزجاج وقال: لو أيقنا لم نحتج إلى الحكمين، وخفتم على بابه. والمعنى: وإن خفتم أيها الناس مشاقة أحد الزوجين لصاحبه، وهو إتيان كل واحد منهما ما يشق على الآخر فالمرأة تقصر عن أداء حقه،
следующие страницы →