← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وقال ابن جبير: " جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون: قيل: هو عبد الله بن زيد الذي رأى الآذان في منامه، فقال له النبي ﷺ : " مالي أراك محزوناً؟ " فقال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه يقال: " ما هو؟ " فقال: نحن نغدر ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا تصل إليك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئاً، فأتاه جبريل ﷺ بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين﴾ الآية. فبعث إليه النبي ﷺ فبشره ". وقال مسروق: قال أصحاب رسول الله ﷺ له: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك لو قدمت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول﴾ الآية: وروي نحو ذلك قتادة والسدي وغيرهما. وقال عطاء: " جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو يبكي، فقال: " ما يبكيك يا فلان؟ " فقال: يا نبي الله والله الذي لا إله 'لاّ هو، لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو، لأنت أحب إلي من نفسي، وأنا أذكرك وأنا في أهلي،

стр. 1332

فيأخذني الجنون حتى أراك، فذكرت موتك وموتي، فعرفت ألا اجتمع معك، إلا في الدنيا، وأنت ترفع مع النبيين وعرفت أني إن دخلت الجنة منزلتي أدنى من منزلتك، فلم يرد النبي ﷺ شيئاً، فأنزل الله ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول﴾ الآية ". قيل هو عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام وروي أنه لما بلغه موت رسول الله ﷺ قال: اللهم اعمني حتى لا أرى شيئاً بعد حبيبي ﷺ فعمي من وقته. قوله: ﴿ذلك الفضل﴾ أي ذلك العطاء بأن يكونوا مع النبيين صلوات الله عليهم، فضل من الله عليهم، بأن وفقهم للطاعة، فجعلهم من النبيين والصديقين في الجنة، فهو سابقة منه لهم، لم يطيعوا إلا بفضله، وبالطاعة التي هي بفضله وصلوا إلى فضله، فكل من عنده، وبفضل منه، لا إله إلا هو، لا خير إلا من عنده، ولا توفيق إلا به يوفق للخير ويجازي عليه بخير، فهذا الفضل العظيم الظاهر ﴿وكفى بالله عَلِيماً﴾ أي اكتفوا به. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ. . .﴾ الآية. هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين.

стр. 1333

فقوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ثبية، وثبت الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين وهو واو، لأنها من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثُبات هنا: الجماعة المتفرقة. قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾: لام " لام " تأكيد وليبطئن لام قسم، كان التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] بمعنى التكثير. وقرأ مجاهد: " ليبطئن " بإسكان الباء، وتخفيف الطاء. ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة. ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود. لأن المودة والود بمعنى واحد. وقرأ الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فَضَم، لتدل على الواو المحذوفة. ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى جهاد

стр. 1334

العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة. أي: هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن أصابكم فضل من الله " اللام في " لئن لام اليمين و " فضل " أي: ظفر على عدوكم أو غنيمة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا الذي أبطأ عنكم، وجلس عن قتال عدوكم: ﴿ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ هذا كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعاً وظفراً، فهو غير راج ثواباً، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة " أن يكون مؤخر المعنى " [فأفوز فوزاً عظيماً كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على الجهاد. وقيل: التقدير ﴿قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من الله ". قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ الحياة﴾ الآية. حض الله المؤمنين على القتال في هذه الآية غالبين أو مغلوبين، ومعنى، ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ أي: في ذات الله ودينه، ومعنى ﴿يَشْرُونَ﴾ يبيعون حياتهم الدنيا بنعيم الآخرة، يقال: شربت الشيء بعته، وشريته اشتريته ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي:

стр. 1335

نعطيه في الآخرة ثواباً عظيماً [ال] معظمه مقدار يبلغ إليه الخلق. قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله والمستضعفين﴾ الآية. ﴿المستضعفين﴾ عطف على السبيل كأنه قال: " وفي المستضعفين أي: في خلاصهم. وقيل: المعنى: وفي سبيل المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة وغلبوا على أنفسهم بالقهر، وعذبوا في أبدانهم ليرجعوا عن دينهم. حض الله المؤمنين على القتال من أجل دين الله سبحانه [ومن أجل] المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، عذرهم الله، وأخبر أنهم يقولون ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا﴾ أي: التي ظلم أهلها. روى الحسن وقتادة: أن رجلاً من بني إسرائيل خرج من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة فأدركه الموت في الطريق فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يعدوا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فتوفته ملائكة الرحمة، وقيل: أن الله قرب إليه القرية الصالحة والقرية الصالحة هي مكة. قوله: ﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ أي: من عندك ولياً يلي خلاصنا.

стр. 1336

﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ أي: من عندك من ينصرنا على أعدائك، وينصرنا على الخلاص منهم، والذين في موضع خفض على البدل من المستضعفين، أو نعت لهم، أو نعت للجميع المذكور من الرجال وغيرهم. قوله: ﴿الذين آمَنُواْ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله﴾ الآية. أخبر الله أن: ﴿الذين﴾ صدقوا بالنبي ﷺ وبما جاء به يقاتلون في سبيل الله. وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهو الشيطان هاهنا بدليل قوله: ﴿فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان﴾ أي: الذين يتولونه ويطيعون أمره ﴿إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً﴾: لأولياؤه ضعاف لأنهم يقاتلون لغير الثواب، والمؤمنون يقاتلون رجاء الثواب. قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. هذه الآية نزلت في ناس من أصحاب النبي ﷺ تسرعوا إلى قتال المشركين بمكة قبل الهجرة، بما يلقون منهم من الأذى، فقيل لهم: كفوا أيديكم عن القتال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فكانوا يتمنون القتال ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ كرهه جماعة منهم، ومعنى كتب فرض، ومعنى ﴿لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: إلى أن نموت

стр. 1337

بآجالنا، ولا نتعرض للقتال فنقتل، حباً للدنيا فقال الله تعالى ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى﴾. قال ابن عباس: هو عبد الرحمن بن عوف وأصحابه سألوا النبي ﷺ القتال ثم كرهه جماعة منهم لما فرض غليهم. وقال السدي: قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال فسألوا القتال، فلما فرض عليهم كرهه جماعة منهم وخاف منه كما يخاف الله وأشد من ذلك. وقيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه. وقيل: نزلت في يهود فعلوا ذلك، فنهى الله هذه الأمَة أن تصنع صنيعهم. ويجوز - والله أعلم - أن يكون هؤلاء اليهود الذين فعلوا ذلك هم الذين ذكرهم الله في البقرة في قوله ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [البقرة: ٢٤٦] ثم قال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال﴾ [البقرة: ٢٤٦] أي فرض ﴿تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. ومن قراء ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ بالتاء أجراه على الخطاب لأن بعده ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ﴾.

стр. 1338

ومن قرأ بالياء أجراه على ما قبله وهو قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ وقوله ﴿وَقَالُواْ﴾ وقوله ﴿لَهُمْ﴾ وقوله ﴿كفوا﴾ وشبهه. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ الآية. هذا توبيخ من الله لهؤلاء الذين يخشون الناس كخشية الله فراراً من الموت، فقال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾. قال مالك: في قصور السماء، ألا تسمع قوله: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ [البروج: ١] وقيل: معناه: " في قصور محصنة قاله قتادة. وقيل المعنى: في قصور السماء، قاله أبو العالية. والمشيدة عند أهل اللغة المطولة، والمشيدة بالتخفيف المزينة، وقيل: هي المعمولة بالشيد وهو الجص. وقال بعض الكوفيين: التخفيف والتثقيل أصلحهما واحد. والتشديد يراد به الجمع كقولهم: غنم مذبحة، وقباب مصنعة، فيقال: " قصور

стр. 1339

مشيدة " على ذلك ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] مثل: كبش مذبوح وكباش مذبحة. (ومَّشِيدٍ) مفعول: فالمشيدة على هذا المعمولة بالشيد وهو الجص وكذلك قال عكرمة. قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله﴾ أي: رضاء أو ظفر أو غنيمة ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ﴾ أي: شدة وهزيمة أو جراح (يقولوا هذه من سوء تدبيرك) ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله﴾ أي: الشدة والرخاء، والظفر والهزيمة ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ أي: بقضائه وقدره ﴿فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ أي: ما شأنهم لا يفقهون أن كلاً من عند الله سبحانه. والوقف على ﴿فَمَالِ هؤلاء﴾ لا يحسن، لأنه إن خالف خط المصحف لم يحسن، وإن وقف على الكلام قبح لأنه لام خفض وقد روي عن بعضهم الوقف على اللام وهو حمزة والكسائي وعاصم قياساً على أصولهم في اتباع السواد، وروي عن غيرهم من القراء الوقف على ﴿فَمَا﴾ على الأصل، والاختيار ألا يوقف عليه فهو

стр. 1340

أسلم وأحسن، وليس بموضع تمام، وإنما تكلم فيه الناس على الاضطرار وانقطاع النفس، ووقع ذلك كيف يكون الوقف، فأما أن يتعمد الوقف على هذا فلا يجوز. قوله: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله. . .﴾ الآية. قال الأخفش: ﴿مَّآ﴾ بمعنى الذي. وقيل: ﴿مَّآ﴾ للشرط. والمعنى: ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة، فبفضل الله عليك وإحسانه، وما أصابك من جدب وشدة وسقم وألم، فبذنب أتيته قوقبت به، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد أمته، وكان النبي ﷺ يقول: " ما يصيب الرجل من خدش من عود ولا غيره إلا بذنب، وما يغفر الله أكثر ". وقال ابن عباس: الحسنة هنا فتح بدر وغنيمتها، والسيئة ما أصابه يوم أحد عوقبوا عند خلاف الرماة لأمر النبي ﷺ ، فكان ما عوقب به بذنوبهم التي اجترحوها، فهو قوله ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ قال أبو زيد: " وقوله في آل عمران ":

стр. 1341

﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] معناه بذنوبكم وهو بهذا المعنى. وقرأ ابن عباس: فمن نفسك وأنا كتبتها عليك وكذلك هي قراءة عبد الله بن مسعود. وعن ابن عباس أن الآية نزلت في قصة أحد تقول: ما فتحت عليك يا محمد من فتح فمني وما كانت من نكبة فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك. وقد ذكر النحاس: أن القول محذوف من الآية والتقدير ﴿لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ يقول ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة من نفسك [أي: بشؤمك]. وذكر ابن الأنباري قولاً ثالثاً: أن المعنى: ما أصابك الله به من حسنة فمنه،

стр. 1342

وما أصابك من سيئة فمن نفسك] أي: بذنبك فالفعلان من الله ، وهذا يرجع إلى القول الأول. وذكر فيه قولاً رابعاً: وهو أن يقدر ألف الاستفهام محذوفة والتقدير: وما أصابك من سيئة. أفمن نفسك؟ كما قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا (عَلَيَّ)﴾ [الشعراء: ٢٢] على معنى: وتلك نعمة كما قال في قوله تعالى: ﴿فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] أي: هذا ربي لأنه لم يوجب أنه ربه وإنما قال هذا ربي على سبيل الاستخبار. قال نفطوية: أصل السيئة ما يسوؤك، فالمعنى وما أصابك من أمر يسوؤك فهو بذنبك وذلك أمر من الله. وقال الضحاك عن ابن عباس: الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظفر يوم بدر، والسيئات ما نكبوا به يوم أحد. قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ الآية. رسولاً: مصدر مؤكد لأرسلناك، ودخلت " من " في قوله: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾

стр. 1343

كما تدخل مع حروف الشرط تقول: إن يكرمني من أحد أكرمه، فتدخل من لأنه غير واجب كما تدخل في النفي إذا هو غير واجب، ولكنها تلزم في الشرط في مثل هذا. قوله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ الآية. هذا إعذار من الله إلى خلقه في طاعة نبيه ﵇ فإنه عن الله يأمر وينهى، وهو رد إلى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ للناس رسولاً، ثم قال: ومن يطعك فقد أطاع الله، لكنه خرج من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة، كما قال: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك﴾ [يونس: ٢٢] ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَمَن تولى﴾ أي: من طاعتك يا محمد ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾، رجع الكلام إلى الخطاب ولو جرى على الغيبة لقال: فما أرسلناه. وقيل: معنى الآية: من يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فرائضه، وهذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين، لأن قوله فما أرسلناك عليهم حفيظاً. يدل على الإعراض عنهم وتركهم إذا تولوا عنه، وهذا مثل " ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨] " ثم

стр. 1344

أتى بعد ذلك الغلظة والأمر بالقتال، قال ذلك ابن زيد. وقال أبو عبيدة: معنى " حفيظاً " محتسباً. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية. " طاعة " رفعت على معنى: أمرنا طاعة، فالمبتدأ مضمر وأجاز الأخفش النصب [على] المصدر كأنهم يقولون نطيع طاعة، وهذه الآية، نزلت في الذين تقدم ذكرهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا ﴿الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]. فالمعنى: يقولون أمرنا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه يا محمد، فإذا خرجوا من عندك يا محمد ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ﴾ أي: غير جماعة منهم ليلاً الذي تقول أي: تقول الطائفة. ويجوز أن يكون المعنى غير الذي تقول يا محمد من القرآن وغير ذلك، وكل من

стр. 1345

عمل عملاً فقد بيته، ﴿والله يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يثبت ما يغيرون من قولك في كتب أعمالهم التي تحصى عليهم. قال السدي: هم المنافقون يطيعون، إذا حضروا، فإذا خرجوا غيروا وبدلوا، وقال ابن عباس وغيره. وقيل معنى: يكتب ما يبيتون أي ينزله في كتابه إليك يا محمد ويخبرك به، وفي ذلك أعظم الآيات للنبي ﷺ لأنه يخبرهم بما يسرون ليلاً. قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: دعهم قال الضحاك: المعنى لا تخبرهم بأسمائهم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ فوض أمرك إليه، ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾، أي: حسبك ناصراً على عدوك. قوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله﴾ الآية. [المعنى]: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ﴾ المبيتون غير ما تقول ﴿القرآن﴾ فيعلمون حجة الله عليهم، وأنك أتيتهم بالحق من عند الله متسق المعاني مختلف الأحكام بعضه يشهد على بعض بالتحقيق وأن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، فليس من كلام آدمي إلا وفيه اختلاف، إما في

стр. 1346

وصفه، وإما في معناه، وإما في بلاغته، وإما في غير ذلك، من أنواع فنونه، والقرآن لا يدخله شيء من ذلك كله. وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله﴾ معناه على قولكم ودعواكم إذ ليس يجوز أن يأتي من عند غير الله مثله، ومعنى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ ألا ينظرون في عاقبته، يقال: " تدبرت الشيء فكرت في عاقبته ". قوله: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ﴾ الآية. هذا خبر من الله هؤلاء المنافقين الذين يبيتون غير ما يقول القرآن إذا جاءهم [خبر] من سرية غزت للمسلمين أنهم آمنون من عندهم، (أو) أنهم خائفون: صحيح أو غير صحيح، لم يتوقفوا حتى يصح، ويثبت، وأفشوه في الناس. وقوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ أي: أفشوا (ونشروا) وأسمعوا به، وأعلنوه كان خيراً

стр. 1347

أو شراً فبثوه في الناس قبل رسول الله ﷺ . وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ﴾ أي: ولو ردوا الأمر الذي جاءهم إلى الرسول ﷺ حتى يكون هو الذي يخبر الناس به إن كان صحيحاً، ويسكت عنه إن كان سقيماً ﴿وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: ليعلموا صحته وسقمه فيخبرون الناس بالصحيح. والهاء في ﴿بِهِ﴾ وفي ﴿لَعَلِمَهُ﴾ و ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ للأمر، وقيل: للخوف، وقيل: عليهما جميعاً، واكتفى بالتوحيد عن التثنية. ومعنى: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يبحثون عن صحته، ويستخرجونه. والهاء والميم في " منهم " تعود على أولي الأمر أي: ليعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه أي: يبحث عن صحته ويستخرجها. يقال: استنبطت الركية: استخرجت ماءها وسمي النبط نبطاً لاستنباط الماء. أي: استخراجهم الماء، والنبط: الماء المستخرج من الأرض. وقيل: إن الذين عنوا بذلك ضعفة المسلمين كانوا يسمعون من المنافقين أخباراً غير صحيحة فيفشونها فعذلهم الله على ذلك، وأمرهم برد ما سمعوا إلى النبي ﷺ ، وأولي الأمر فيعلمون صحة ما قيل من سقمه، ويعرفون كذبه من صحته

стр. 1348

بالاستنباط. وقوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لولا نعمته عليكم بأن عافاكم مما ابتُلي بـ هؤلاء المنافقون الذين وصفهم بالتبييت والخلاف ﴿لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ وهو خطاب للذين قال لهم ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ﴾. وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الآية. هو استثناء من المستنبطين قاله قتادة، وهو قول الزجاج واختياره. وقال ابن عباس هو استثناء من قوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فهو استثناء من الإذاعة، وهو قول الأخفش والكسائي وأبي عبيدة، وأبي حاتم [وأبي عبيد] وجماعة من النحويين، وهو اختيار الطبري.

стр. 1349

وقال الضحاك: هو استثناء من ﴿لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وهم أصحاب النبي ﷺ ، الذي لم يهموا باتباع الشيطان كما هم الذين استنقدهم الله. ومعنى ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ وأذاعواه سواء، قاله الكسائي. قوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ الآية. المعنى: جاهد يا محمد أعداء الله ﴿لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ أي: لا يلزمك إلا أن تقاتل بنفسك ﴿وَحَرِّضِ المؤمنين﴾ أي: حضهم على القتال معك، وأعلمهم ثواب الله في الآخرة للشهداء، ﴿عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي: يكف قتاهم، وعسى من الله واجبة، ﴿والله أَشَدُّ بَأْساً﴾ أي: نكاية في الكفار ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ أي: عقوبة، وهذه الفاء في ﴿فَقَاتِلْ﴾ متعلقة بقوله ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ﴿فَقَاتِلْ﴾ أي: من أجل هذا فقاتل. وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله﴾ [النساء: ٧٥] وإنما أمره تعالى بالقتل وحده لأنه وعده بالنصر، ولما أمره الله بالقتل بنفسه لبس يوم أحد

стр. 1350

درعيم، وركب فرسه وأسكب نبله، فلما نزعه انكسرت بينية القوس من قوته، فأكب نبله، وجعل يناول سعداً سهماً ويقول: ارم فداك أبي وأمي، ولم يقلها لأحد قبله، ولا بعده، فهو من فضائل سعد، ثم أخذ النبي ﷺ رمحاً صغيراً أعطاه له قتادة ابن النعمان، فيه قتل أُبي بن خلف الجمحي. قوله: ﴿مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ الآية. المعنى: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة يكن له نصيب منها في الآخرة، أي: حظ ﴿وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ أي: إثم منها في الآخرة. وقال مجاهد: هو شفاعة الناس بعضهم لبعض، وقاله الحسن وابن زيد وغيرهم.

стр. 1351

وقال الطبري: " المعنى: من يشفع وتراً لأصحابك يا محمد في جهاد عدوهم يكن له نصيب منها: حظاً في الآخرة، ومن يشفع وتراً لكافرين يكن له كفل منها أي: وزر وإثم في الآخرة. وإنما اختار ذلك لأنه في سياق الآية التي حض الله النبي ﷺ على القتال فيهت، وحضه على أن يحرض المؤمنين على القتال معه، فصارت هذه الآية وعداً لمن أجاب تحريض رسول الله ﷺ على القتال، وكان ذلك أشبه عنده من شفاعة الناس بعضهم لبعض إذ لم يجر له ذكر قبل ولا بعد. والكفل والنصيب عند أهل اللغة سواء، قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٧] أي: نصيبين، والنصيب قد يكون خيراً أو شراً. وقال الحسن: الشفاعة الحسنة ما يجوز في الذين، والشفاعة السيئة ما لا يجوز في الدين. وقال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يُشَفَّع. وروي أن قوله: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ نزل في اليهود كانوا يدعون على المؤمنين في الغيبة بالهلاك، ويقولون لهم في الحضور: السام عليكم، وهو دعاء أيضاً، ثم اتْبع ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ وهو: السلام. والمقيت: الحفيظ عند ابن عباس.

стр. 1352

وقيل: الشهيد، قاله مجاهد. وقال السدي: المقيت: القدير وهو اختيار الطبري. وقال الكسائي: مقيتاً مقتدراً. وقال أبو عبيدة: المقيت: الحافظ المحيط. وقال ابن جريج: المقيت القائم على كل شيء رواه عن ابن كثير. وقال بعضهم: وَذيِ ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه ... وَكُنْتُ على مُسَاءَتِه مَقِيتاً قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ الآية

стр. 1353

المعنى: إذا دعي لأحدكم بطول الحياة والبقاء والسلامة فردوا ذلك بأحسن منه، أو ردوا التحية. وقيل: المعنى: إذا قيل لكم السلام عليكم، فقولوا السلام عليكم ورحمة الله، فهذا خير من التحية، أو يردها فيقول: السلام عليكم، كما قيل له، قال ذلك السدي، وروي عن ابن عمر أنه يرد: وعليكم السلام. وقال ابن عباس: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ على أهل الإسلام أو ردوها على أهل الكفر، وقال: من سلم عليك من خلق الله فأردده عليه، وإن كان مجوسياً، وقال ذلك قتادة. وقال ابن زيد: قال أبي: " حق على كل مسلم (حُيَّيَ) بتحية أن يُحَيِّيَ

стр. 1354

بأحسن منها " للمسلمين ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ على الكفار. وروي عن ابن عباس: ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ يقول: وعليكم: على الكفار. وروي عن النبي ﵇ أنه قال: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ". واختار الطبري أن يكون المعنى للمسليمن، يرد عليهم أحسن من تحيتهم بزيادة الرحمة والبركة، أو يرد عليهم تحيتهم بعينها بغير زيادة، ويكون الرد على أهل الكتاب معمولاً به بقوله النبي ﷺ ولا يزاد على ذلك. فقول النبي ﷺ : قولوا لهم: وعليكم يظن على أن يقال لهم مثل ما قتالوا، فيجب أن تكون الآية كلها في المسلمين وبين النبي ﷺ أنه لا يجوز أن يبدأوا بالسلام، والسلام عند الجماعة تطوع والرد فريضة، وقال مالك في معنى الآية: إن ذلك على المشمت في

стр. 1355

العطاس. وقال: مجاهد الحسيب: الحفيظ. وقال أبو عبيدة: كافياً. وقيل معنى حسيب: محاسب كما يقال: أكيل بمعنى: مواكل. والحسيب عند أهل اللغة الكافي. يقال حسبه إذا كفاه، ومنه ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾ [النبأ: ٣٦] أي: كافياً: ومنه ﴿حَسْبُكَ الله﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: يكفيك الله. قوله تعالى: ﴿الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ﴾. (معنى الآية) أنه تخويف وتحقيق للبعث والحشر وأن ذلك لا ريب فيه أي لا شك فيه ﴿يَوْمِ القيامة﴾ يوم القيام لرب العالمين، والهاء زيدت للمبالغة، وقيل: سميت بذلك لأنه يوم يقوم الناس من قبورهم فيه، والهاء للمبالغة أيضاً. ومعنى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ أي: لا أحد أصدق حديثاً من الله.

стр. 1356

قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ الآية. هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، رجعوا إلى المدينة، وقالوا لأصحاب النبي ﵇: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ أي: فرقتين ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم، وذلك بما كسبوا من خلاف رسول الله ﷺ . وقال مجاهد وغيره: نزلت في قوم أتوا مكة: زعموا أنهم مهاجرون، ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم، فاختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ ففرقة تقول: إنهم منافقون، وفرقة تقول: هم مؤمنون، فأنزل الله الآية. وقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة مسلمين فأقاموا ما شاء الله، ثم استوخموا المدينة، فسألوا النبي ﷺ أن يخرجوا إلى البادية، فأذن لهم، فتكلم الناس فيهم،

стр. 1357

واختلفوا في نفاقهم وإيمانهم فأعلمهم الله بنفاقهم وأعلمهم أنه أركسهم بما كسبوا من المعاصي: أركسهم في النفاق بذنوبهم. وقيل: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ معناه أضلهم. ثم قال مخبراً عنهم ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ فدل على أنهم ارتدوا، وأن النفاق كفر، وقوله تعالى ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ يدل على أنهم قوم كانوا بمكة يَدَّعون الإيمان، وليسوا بمؤمنين وهو قول ابن عباس وعمر وغيرهما. وقيل: إنهم لما خرجوا يريدون البادية مضوا إلى مكة فاختلف أصحاب النبي ﷺ في أمرهم، فأوضح الله خبرهم، وحكمهم في هذه الآية. وقال معمر: كتب ناس من أهل مكة إلى أصحاب رسول الله ﷺ يقولون لهم: إنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذباً، فلقيهم المسلمون بعد ذلك، فاختلفوا فيهم، فقالت طائفة: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرام فأنزل الله الآية، وهم ناس لم يهاجروا وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان فاختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ .

стр. 1358

وقال ابن عباد: هم قوم كانوا بمكة فكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون المشركين على المسلمين فخرجوا من مكة في حاجة، فاختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ فنزلت الآية. وقال ابن زيد: هذا نزل في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم به. وأركسهم: ردهم، وقيل: أوقعهم وقيل: أضلهم وأهلكهم. وقال القتبي: أركسهم نكسهم وردهم في كفرهم،، وحكى الفراء أركسهم وركسهم بمعنى ردهم إلى الكفر. قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله﴾ الآية. هذا تبعيد لهدي من أضل الله ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً مستقيماً، وقيل: سبيلاً إلى الحجة. قولهم: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ الآية. المعنى: تمنى المنافقون الذين بمكة، الذين اختلفتم فيهم فرقتين لو تكفرون مثلهم، فتكونون أنتم وهم في الكفر سواء ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: أخلاء ﴿حتى يُهَاجِرُواْ﴾ أي: يخرجوا من ديار الشرك إلى ديار الإسلام، ويكون خروجهم ابتغاء وجه الله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ﴾ أي: أدبروا عن الله ورسوله والهجرة إليكم، ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ أي: أين اصبتموهم من أرض الله، ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ﴾:

стр. 1359

أي: خليلاً ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: تناصراً في دينكم على أعدائكم فإنهم ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] قوله: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ الآية. المعنى اقتلوا من وجدتم من المنافقين الذين اختلفتم فيهم إن لم يهاجروا إلا أن يتصل قوم منهم بمن بينكم وبينهم عهد فيدخلون فيما دخلوا فيه، ويرضون بما رضوا، فلا يقتل من كانت هذه حاله منهم فإن لهم حكمهم. قال السدي: المعنى إذا أظهروا كفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلا أن يكون أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثلما تجرون على القوم واحكموا في الجميع بحكم واحد. ومعنى: ﴿يَصِلُونَ﴾ يتصلون. وقال أبو عبيدة: معنى: ﴿يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾: ينتسبون إليهم. وهو بعيد، لأن النبي ﷺ قد قاتل من ينتسب إلى من بينهم وبينه عهد، وليس النسب مما يمنع قتال الكفار لعهد بيننا وبين قرابتهم.

стр. 1360

وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال قتادة: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ [مِّيثَاقٌ]﴾ نسخ بعد ذلك، فنبذ إلى كل ذي عهد عهده، ثم أمرنا بالقتال في براءة. وقال ابن زيد: نسخها الجهاد. قوله: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ الآية. المعنى: إلا الذين جاؤوكم قد ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، فدخلوا فيكم، فلا تقتلوهم، ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لسلط عليكم هؤلاء الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يجيئونكم قد ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: ضاقت عن قتالكم، وقتال قومهم، فيقاتلوكم مع اعدائكم من المشركين، ولكن الله كفهم عنكم. وقوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ليست اللام بجواب للقسم [كاللام في ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾، وإنما دخلت للمجاءاة لا للقسم]، ومثله قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٢١]. ليست اللام

стр. 1361

بجواب للقسم وإنما دخلت للمحاذاة للامين اللتين قبلها، اللتين هما جواب قسم سليمان في قوله ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] ولهذا نظائر ستراها. قوله: ﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ أي: اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم فلم يقاتلوكم ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم﴾. أي: صالحوكم، وقيل المعنى: استسلموا إليكم. ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ أي: ليس لكم إليهم طريق فتستحلونهم بما في أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وهذا كله منسوخ بقوله: ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. وقال الحسن وعكرمة: قوله: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ إلى قوله ﴿سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ [النساء: ٩١] وقوله: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين﴾ [الممتحنة: ٨] إلى ﴿يُحِبُّ المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨] قالا: بنسخ ذلك في براءة فجعل لهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر.

стр. 1362

قال قتادة: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ إلى ﴿مُّبِيناً﴾ منسوخ ببراءة، وقال ابن زيد: نسخ هذا كله، نسخة الجهاد وضرب لهم أجل أربعة أشهر إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد. واختلف في ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، فقال المبرد المعنى: الدعاء، لأنه قال: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ﴾ أحصر الله صدوركم أي: ضيقها عن قتالكم، وقتال قومهم. وقال الزجاج: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، فالمعنى أو جاءكم ثم خبر بعد فقال: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، وأكثر النحويين على أنه حال، وقد مضمرة والتقدير: أو جاؤوكم قد حصرت أي: ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم. أي: جاؤوكم في هذه الحال فلا تقاتلوهم. وقال الطبري: المعنى: أو جاؤوكم قد حصرت.

стр. 1363

وقرأ الحسن حصرةً بالتنوين والنصب على الحال أي: ضيقت صدورهم، واستحسن هذا المبرد، ويجوز على قراءة الحسن الخفض على النعت، والرفع على الابتداء. وقرأ أبي بن كعب: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾، وحصرت صدورهم بإسقاط أو ﴿جَآءُوكُمْ﴾، ولا يقرأ به الآن. قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية. المعنى: إن هؤلاء قوم كانوا يظهرون الإسلام للنبي ﷺ وأصحابه ليأمنوا منهم، ويظهرون الكفر لأهل مكة إذا رجعوا إليهم ليأمنوهم، ﴿كُلَّ مَا ردوا﴾ أن يخرجوا من ﴿الفتنة﴾ - وهي الشرك - ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾. أي: ردوا فيها. وأصل الفتنة الاختبار فالمعنى فلما ردوا إلى الاختبار. ﴿أُرْكِسُواْ﴾ أي: نكسوا. قيل: هم أسد، وغطفان قدموا على النبي ﷺ ، فأسلموا، ثم رجعوا إلى

стр. 1364

ديارهم، فأظهروا الكفر. وقيل: نزلت في قوم من المشركين [طلبوا الأمان من رسول الله ﷺ ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين] قاله قتادة. وقال: ﴿كُلَّ مَا ردوا إِلَى الفتنة أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ أي: كلما عرض عليهم بلاء هلكوا فيه. وقال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان يأمن في المسلمين والمشركين. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويلقوا إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي: فإن لم يعتزلكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ويساسلموا [إليكم] ويعطونكم القيادة في الصلح ﴿ويكفوا أَيْدِيَهُمْ﴾ يعني عن القتال. ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: اقتلوهم أين أصبتموهم أي: إن لم يفعلوا ذلك ﴿وأولئكم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: حجة ﴿مُّبِيناً﴾ أي: ظاهرة. قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ الآية.

стр. 1365

قوله: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ استثناء ليس من الأول. وإلا عند البصريين في هذا النوع بمعنى لكن. وهذا كلام أوله حظر، وآخره في الظاهر إباحة، وقتل المؤمن لا يباح لكنه محمول على المعنى الباطن، ومعناه ما كان مؤمن ليقتل مؤمناً على النفي، والنفي يستثنى منه الإثبات، فهو محمول على معنى الأول وباطنه، فالمعنى أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ فهو خبر، خبر بأنه قد يقع، وليس بإطلاق ولا إباحة قتل، ومثله ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] فظاهر هذا الحظر، والله لا يحظر عليه. ومعنى الآية: أنه ليس لمؤمن قتل مؤمن البتة إلا أن يقتله خطأ، فإن قتله خطأ، فعليه تحرير رقبة في ماله، ودية مسلمة إلى أهل المقتول يؤديها عاقلة القاتل ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ أي: أن يتصدق أولياء المقتول على عاقلة القاتل بديته فيسقط عنهم الدية. وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي:

стр. 1366

﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ بالتاء أراد: تتصدقوا ثم أدغم. قال مجاهد وغيره: هذه الآية نزلت في عيا [ش] ابن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً يحسب أنه كافر، وقد كان ذلك الرجل يعذب عياشاً بمكة، أخبر عياش النبي ﷺ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾. قال ابن زيد: نزلت في أبي عامر، والد أبي الدرداء خرج في سرية فعدل إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلاً في غنم، فقتله، وكان يقول: لا إله لا الله، وأخذ غنمه فوجد من ذلك في نفسه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فأنكر عليه النبي ﵇ قتله، إذ قال: لا إله إلا الله فنزلت الآية: وقيل: نزلت في اليمان والد حذيفة،

стр. 1367

واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد. وروي أن حذيفة وأبا الدرداء تصدقا بدية أبويهما على من قتلهما، وكذلك قتل هشام بن صبابة الكناني خطأ فنزلت الآية في ذلك. والآية عند جماعة العلماء عامة في كل من قتل خطأ واختلف في الرقبة، فقيل: لا يُعْتَق إلا مؤمن قد صام وصلى وعقل وبلغ، وقيل: كل مؤمن يجزئ وإن لم يبلغ. ومعنى ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ﴾ أي موفرة، والدية مائة من الإبل على أهل الإبل. وروي عن عمر أن على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشرة آلاف درهم.

стр. 1368

قال مالك: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثني عشر ألف درهم. وقيل: دية الحر مائة من الإبل لا يجزئ غيرها، وبه قال الشافعي، قال إلا ألا توجد فيُأخذ الفدية، ويجعل [الإبل] خمسة أخماس خمس جذاع وخمس حقاق وخمس بنات لبون. وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون، وهو قول لمالك والشافعي وغيرهما. ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول جماعة الصحابة والتابعين، والفقهاء، إلا الشاذ منهم.

стр. 1369

وأهل الذهب: الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق وأهل الإبل أهل البوادي. وكل ما جناه جان خطأ فعلى عاقلته الدية، إلى أن يكون الذي يجب في ذلك أقل من ثلث الدية، فليس على العاقلة شيء، وذلك في مال الجاني، وتؤجل دية الخطأ في ثلاث سنين، وثلث الدية تؤديها العاقلة في سنة، ونصف الدية يجتهد فيها الإمام، فيجعلها في سنتين أو في ستة ونصف وثلاثة أرباع الدية في ثلاث سنين، وهي على الرجال البالغين دون النساء والصبيان، وليس على كل واحد شيء معلوم ولكن على كل واحد قدر يسره، فأما دية العمد فهي على القاتل خاصة إذا قبلت منه. وقوله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار أعداء لكم ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: والمقتول مؤمن فقتله مؤمن يظن أنه كافر ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ أي: فعليه ذلك. قال عكرمة: هو الرجل يسلم في دار الحرب، فيقتل يظن أنه كافر، فليس فيه دية، وفيه الكفارة: تحرير رقبة مؤمنة. وروي ابن القاسم عن مالك أنه قال: إنما ذلك في حرب رسول الله ﵇ أهل مكة، يكون فيهم الرجل المؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون خطأ، فليس على المسلمين فيه دية لأنه تعالى (يقول): ﴿والذين آوَواْ ونصروا أولئك بَعْضُهُمْ

стр. 1370

أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وعليهم الكفارة تحرير رقبة على كل نفس. وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: هو أن يكون الرجل مؤمناً، وقومه كفار لا عهد لهم، فيقتل خطأ، فليس لأهله دية لأنهم كفار، وعلى القاتل الكفارة تحرير رقبة، وقاله قتادة. وقال الحسن البصري، وجابر بن زيد: هو مؤمن من قوم معاهدين، وهو قول مالك. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه، فيقيم فيهم، وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله ﷺ ، فيقتل فيمن قتل فلا دية فيه، وفيه الكفارة. وجماعة أهل التفسير على أن المعنى إن كان المقتول في دار الحرب مؤمناً، وهو من قوم كفار وهو بينهم فلا دية فيه وفيه الكفارة. قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾. المعنى: وإن كان المقتول خطأ بين أظهرهم من قوم كفار بينكم وبينهم عهد، ففيه الدية إلى أهله، والكفارة تحرير رقبة مؤمنة. وقيل: المعنى: إن كان المقتول خطأ في دار قومه من قوم كفار بينكم وبينهم عهد
следующие страницы →