← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الشيء ويغمضه فسمي الترخيص إغماضاً. ومنه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل كل واحد لصاحبه كالثوب للإنسان يتضامان، ويلتصقان كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، وقد قيل معنى ﴿لِبَاساً﴾ سكناً، كما قال ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧ - القصص: ٧٣]. ومنه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، لأنه يشتمل عليها، وشبه ذلك كثير. قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. . .﴾ الآية. التقدير عند سيبويه، (وإن من أهل الكتاب أحد). وعند الكوفيين (وإن من أهل الكتاب إلا (من) ليؤمنن [به]) حذفوا الموصول وهو قبيح. وسيبويه إنما قدر حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، وذلك كثير في

стр. 1472

القرآن والكلام، قال الله: ﴿أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ﴾ [سبأ: ١١] أي: دروع سابغات فحذف الموصوف، فقول سيبويه أحسن واختيار جيد. وحذف الموصول وإقامة الصلة مقامه على قول الكوفيين غير جائز ولا موجود لأن الصلة كبعض الموصول، ولا يحسن حذف بعض الاسم، ولأن الصلة لا بد منها للموصول وليس الصفة كذلك فقد يستغنى عنها. والمعنى: إنهم كلهم يؤمنون بعيسى إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الأمم كلها واحدة ملة الإسلام، كذلك قال ابن عباس، والحسن وقتادة. قال ابن زيد: إذا نزل عيسى لقتل الدجال لم يبق يهودي إلا آمن، وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم، فالهاء في " به " يعود على عيسى ﷺ في هذين القولين. وروى عن ابن عباس أنه قال: ليس من أهل [الكتاب] أحد إلا يؤمن

стр. 1473

بعيسى قبل موته " أي موت الكتابي إذا عاين الحق ". وقال [مجاهد]: لا تخرج نفس الكتابي حتى يؤمن بعيسى قال وإن غرق، وإن تردى من حائط لا بد أن يؤمن بعيسى. وقد قرأ أُبي: " قبل موتهم " فهذا يدل على أنها لأهل الكتاب وهو قول أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: " لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وإن عجل عليه بالسلاح. وقال عكرمة: لو وقع يهودي من فوق القصر لم يبلغ الأرض حتى يؤمن بعيسى، فالهاء تعود على الكتابي على هذه الأقوال ويجوز أن تكون لعيسى. وروي عن عكرمة أيضاً، لا يموت اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد ﵇. فالهاء في " به " تعود على محمد ﷺ . وفي حرف أُبي ومصحفه " قبل موتهم " يعني: أهل الكتاب.

стр. 1474

واختار الطبري أن تكون لعيسى، وأن يكون المعنى ليس أحد من أهل الكتاب الحاضرين عند نزول عيسى إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى ﵇. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بينه وبيني نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، بين ممصرتين، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يُهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام، ويُهلك الله في زمانه المسيح الكذاب الدجال وتقع الأمنة في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان والصبيان بالحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، ثم يلبث في الأرض ما شاء الله - وربما قال - أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ". قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي: شاهداً على تكذيب من كذبه، وتصديق من صدقه، وأنه بلغ الرسالة وأقر بالعبودية. قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية. قال ابن إسحاق: هذا بدل من ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ والذي حرم عليهم هو قوله: ﴿وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا

стр. 1475

كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية. والظلم هنا هو نقضهم الميثاق ﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ الله﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. ﴿وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ وعلى عيسى. فهذا هو الظلم، فمن أجله حرمت عليهم الطيبات وهي كل ذي ظفر والشحوم من البقر والغنم. وقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي صدوا أنفسهم، وغيرهم عن الحق ﴿وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ هو قولهم أؤخرك بديني وتزيدني ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل﴾ هو ما يأكلون من الرشا في الحكم، وعلى تغيير الدين يأخذون أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، فسمي ذلك باطلاً لأنه أخذ بغير استحقاق. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء اليهود ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي موجع أي مؤلماً. قوله: ﴿لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ والمؤمنون﴾ الآية: نصب ﴿والمقيمين الصلاة﴾ عند سيبويه على التعظيم. وقال الكسائي: هو في موضع خفض عطف على " ما " جعل المقيمين هم الملائكة ﵈، وهو اختيار المبرد، والطبري. واستبعد المبرد النصب على المدح لأن المدح إنما يكون بعد تمام الخبر، والخبر لم

стр. 1476

يأت بعد. ومذهب سيبويه أن " يؤمنون " الخبر فقد أتى قبل الراسخون. ومذهب المبرد أن أولئك الخبر، فهو لم يأت بعد. وقيل: هو معطوف على قبلك. وقيل: على الكاف في قبلك. وقيل: على الكاف في أولئك. وقيل: على الهاء، والميم في منهم. وهذه الأقوال الثلاثة عطف فيها على مضمر مخفوض على مذهب الكوفيين، وهو لا يجوز عند البصريين. قوله: ﴿والمؤمنون﴾ في رفعه خمسة أقوال: رفعه عند سيبويه على الابتداء. وقيل: رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: عطف على المضمر في المقيمين. وقيل: عطف على المضمر في " يؤمنون ".

стр. 1477

وقيل: هو معطوف على الراسخين. ومعنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم سألوا محمد ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، ثم بيّن أنهم ليسوا كلهم قالوا ذلك، فأخبر أن الراسخين في العلم منهم أي: من أهل الكتاب والمؤمنون أي منهم أيضاً يؤمنون بالقرآن، والتوراة والإنجيل، وجميع كتب الله، وهو ما أنزل من قبل محمد ﷺ فهم لا يسألون ما سأل أولئك. وقوله: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ هم من أهل الكتاب أيضاً. قال أبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب يعني كونه بالياء وإنما حقه الرفع بالواو وهي قراءة ابن مسعود. وقالت عائشة رضي الله عن ها لعروة إذ سألها عن اختلاف الإعراب في ﴿والمقيمين الصلاة﴾ وفي ﴿والصابئون﴾ [المائدة: ٧١] في المائدة وفي ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] في طه، يا ابن أختي، هذا عمل

стр. 1478

الكاتب غلطوا في الكتاب. وفي قراءة عبد الله " والمقيمون " بالرفع. وقال عثمان رضي الله عن هـ أرى فيه لحناً، وستقيمه العرب بألسنتها، يريد المصحف، وهذه الأحاديث مطعون فيها عند العلماء لصحة جواز المصحف على لغة العرب. وإذا كان للشيء وجه لم يجز أن يحمل على الغلط، وقد ذكرنا أن كونه بالياء له وجوه سائغة في لغة العرب، ويدل على أنه ليس بخطأ من الكاتب إن في مصحف أُبَيّ ﴿والمقيمين﴾ أيضاً فلو كان الرفع الصواب لم تجتمع المصاحف على تركه. قوله: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ. . .﴾ الآية. قرأ الحسن: يونس ويوسف بالكسر جعله فعلاً مستقبلاً سمي به من آسف وآنس، وعلى هذا يجب أن يصرفا في النكرة، ويهمزا، ويكون جمعهما: يا أنس ويا أسف. ومن لم يهمز قال في الجمع: يوانس ويواسف.

стр. 1479

وحكى أبو زيد: يونس ويوسف بالفتح لغة. ومعنى الآية إن الله أخبر نبيه ﷺ أنه أرسل إليه بالرسالة كما أرسل إلى من ذكر من الأنبياء وإلى من لم يسم. وقيل: معناه: أوحى إلى جميعهم وإلى محمد ﷺ ﴿ أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وكان سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ لما أخبرهم بما أوحى الله إليه من سؤالهم إياه أن ينزل عليهم كتاباً فتلا ذلك عليهم وفضحهم: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية تكذيباً لهم. وقيل: إنهم قالوا عند نزول هذه الآية ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ولا على عيسى، ولا على موسى، فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] الآية. وروي أن سكين بن عدي بن زيد قال للنبي ﷺ : والله، يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية.

стр. 1480

وروى [أبو] ذر عن النبي ﷺ أنه قال: " الأنبياء مائة ألف وعشرون ألف. والرسل منهم ثلاثة مائة وثلاثة عشر منهم أربعة سريانيون وهم آدم، وشيث وإدريس، ونوح، ومنهم أربعة من العرب: هو وشعيب وصالح ونبيكم محمد ﷺ ". وأول أنبياء بني إسرائيل بعد أولاد إسرائيل وإسرافيل يعقوب موسى، وآخرهم عيسى صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وروى أيضاً عنه أنه (قال): جميع كتب الله التي أنزل مائة كتاب، وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل،

стр. 1481

والزبور والقرآن، فكانت صحائف إبراهيم أمثالاً كلها: يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة مظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر. . . " وكان فيها: " وعلى العاقل أن تكون له ساعات: [ساعة] يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنيع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. ". " وعلى العاقل ألا يكون صاحباً إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. . . " وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه. ومن حسب كلامه: " من عمله قل كلامه ". قال: وكانت صحف موسى كلها عبراً. " عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح ". " وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو يسخط ". " وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها ". " وعجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل ". ويروى أن آدم عاش ألف سنة وفي التوراة عاش ألأف سنة إلا سبعين عاماً. وكان بين آدم والطوفان ألفاً سنة ومائتا وإثنان وأربعون سنة.

стр. 1482

وبين الطوفان وبين موت نوح ثلاثمائة وخمسون سنة. وبين نوح وإبراهيم ألفاً سنة ومائة سنة وأربعون سنة. وبين إبراهيم وموسى سبعملئة سنة. وبين موسى وداود خمسائة سنة. وبين داود وعيسى ألف سنة ومائتا سنة. قال وهب بن منبه: كان بين آدم ونوح عشرة آباء، وبين نوح وإبراهيم عشرة آباء. قال عكرمة: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. قال القتيبي: قرأت في الإنجيل: أن بين إبراهيم وداود أربعة عشر قرناً، ومن داود إلى جالية بابل أربعة عشر قرناً، ومن جالية بابل إلى عيسى أربعة عشر قرن. قوله: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ الآية. [رسلاَ] نصب عطفاً على معنى ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾، لأن معناه إنا بعثناك وبعثنا رسلاً. وقيل: هو منصوب بفعل يفسره ما بعده كأنه: وأرسلنا رسلاً قصصناهم عليك. وقيل: المعنى: وقصصنا رسلاً قصصناهم عليك، والمعنى إنها معطوفة على ما

стр. 1483

قبلها. ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه محمداً ﷺ أنه أوحى إليه كما أوحى إلى من ذكر من الأنبياء، وكما أوحى إلى رسل قد قصهم عليه، وإلى رسل لم يقصهم عليه، تكذيباً لليهود إذ قالوا ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ ثم أعلمه أنه خص موسى بالكلام، وأكده بقوله ﴿تَكْلِيماً﴾ ليعلم أنه حقيقة لا مجاز، ولأن الفعل في كلام العرب إذا أكد بالمصدر علم أنه حقيقة لا مجاز. قال كعب: كلم الله موسى بالألسنة كلها، فجعل موسى يقول: يا رب لا أفهم، حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة. وقوله: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ﴾ نصب على الحال من أسماء الأنبياء. ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ﴾ أي كيلا يقولوا: هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤ - القصص: ٤٧]. قوله: ﴿لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ. . .﴾ الآية. المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ فإن الله يشهد أنه أنزله إليك بعلم منه أنك خِيرته من خلقه ويشهد بذلك ملائكته

стр. 1484

﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ أي اكتفوا به شهيداً على صدق نبيكم، أي: حسبكم ذلك. وقيل معنى: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ أي وفيه علمه، كما تقول: جائنا فلان بالسيف أي ومعه. قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في جماعة من يهود دخل عليهم رسول الله ﷺ فقال لهم: إني والله أعلم، أنكم لتعلمون أني رسول الله فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله ﴿لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ ". المعنى: إن الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي: عن الدين الذي بعثك الله به، وهو الإسلام وهو قولهم: لمن سألهم عن النبي ﷺ ما نجد صفته في كتابنا، وقولهم: إن النبوة لا تكون إلا في ولد هارون، وذرية داود ﴿قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً﴾ أي قد جاروا عن قصد الطريق جوراً شديداً. قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ. . .﴾. الآية. المعنى: إن الذين جحدوا نبوة محمد، ووضعوا الحق في غير محله، ليس يغفر لهم الله ذلك، إذا ماتوا عليه، ولم يكن ليهديهم طريقاً إلى الحق، ولكن يخذلهم حتى يسلكوا طريق جهنم فيقيمون فيها، خالدين [فيها] أبداً.

стр. 1485

وقيل معنى: ﴿[وَلاَ] لِيَهْدِيَهُمْ﴾ أي لا يوفقهم إلى الإسلام. ﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ اي الخلق خلقه، والأمر أمره يفعل ما يشاء. قوله: ﴿يا أيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ. . .﴾ الآية. ﴿خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب عند سيبويه بإضمار فعل التقدير (وأتوا خير لكم). وهو عند الفراء: نعت لمصدر محذوف. وعند أبي عبيدة خبر كان، التقدير: يكن خيراً لكم. وقيل: نصبه على الحال. لأن التقدير: وآمنوا خيراً لكم، فلما حذف هو، الذي هو كناية عن مصدر يرتفع خير به، اتصل خبر بمعرفة قبله فنصب على الحال، وفي بعد، لأن خيراً غير جار على الفعل، ولا هو بمعنى الجار. والمعنى: أنه خطاب لمشركي العرب وسائر أصناف الكفر. والحق هو الإسلام. والمعنى: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ أي: تجحدوا، رسالة ﷺ وتردوها فعن ذلك لا يضر الله شيئاً. لأن له ما في السموات والأرضين، فلن ينقصه كفركم شيئاً، ولم يزل الله عليماً بكم، وبما أنتم إليه صائرون وعاملون حكيماً في أمره إياكم. قوله: ﴿يا أهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق. . .﴾ الآية.

стр. 1486

معنى ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ﴾: أي: آلهتنا ثلاثة. ﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب ﴿خَيْراً﴾ عند سيبويه على إضمار فعل دل عليه الكلام لأنه أمرهم بالانتهاء عن الكفر والدخول في الإيمان، فالمعنى: وأوا خيراً لكم. قال: لأنك إذا قلت أنتم فأنت تخرجه من شيء، وتدخله في آخر، ومثله عنده. قواعد من سر حتى ملك ... أو الربا بينهما أسهلا والمعنى: وآت أسهلا. ومذهب أبي عبيدة أنه خبر كان، والتقدير يكن خيراً لكم، ورد ذلك المبرد

стр. 1487

لأنه يضمر الشرط وإضماره لا يحسن. ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف كأنه قال: انتهوا انتهاء خيراً لكم. قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ انتصب انتصاب المصدر. و ﴿أَن يَكُونَ﴾ إن في موضع [نضب] بحذف الخافض المحذوف، [والتقدير على أن يكون، وقد قيل: في موضع خفض بإعمال الخافض المحذوف]. ومعنى الآية: أنها خطاب للنصارى. فمعنى: ﴿لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ أي: " لا تجاوزوا الحق في دينكم. ﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله [إِلاَّ الحق]﴾ أي: لا تقولوا في عيسى إلا الحق فإن قولكم في عيسى غير الحق إذ تقولون إنه: ابن الله، فهذا قولهم على الله غير الحق. و ﴿المسيح﴾ فعيل بمعنى مفعول بمعنى ممسوح وسمي بذلك لأن الله مسحه من الذنوب والأدناس. وقد قيل: إنها لفظة أعجمية أصلها مشيحا فأعرب فقيل المسيح، وقد ذكرنا

стр. 1488

ذلك في غير هذا الموضع بأشبع من هذا التفسير. ومعنى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ﴾ الكلمة هنا الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي بها مريم مبشرة من الله لها التي ذكرها الله في آل عمران. قال قتادة: كلمة [قوله] ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ومعنى: ﴿أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ﴾ أعلمها بها وأخبرها، كما تقول: ألقيت إليك كلمة حسنة، بمعنى أعلمتك، بها. ومعنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ أي: ونفخ منه، وذلك أنه حدث عيسى في بطن أمه بأمر الله، وتقديره من غير ذكر من نفخة جبريل ﵇ في درع مريم بأمر الله إياه، فنسبه تعالى إليه لأنه عن أمره كان. وسمي النفخ روحاص: لأنه ريح تخرج من الروح. وقيل: معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: أنه كان بإحياء الله إياه بقوله ﴿كُنْ﴾ فمعناه وحياة منه. وقيل: معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ ورحمة منه كما قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فمعنى برحمة منه أي جعله رحمة لمن تبعه وصدقه. كما قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾ [مريم: ٢٠].

стр. 1489

وقال أُبي بن كعب [في قوله] ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. قال: أخذهم فجعلهم أرواحاً، ثم صورهم ثم، استنطقهم، فكان روح عيسى ﵇ من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، والميثاق فأرسل تلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فحملت فهو قوله ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾. وقيل: الروح في الآية معطوف على المضمر في ﴿أَلْقَاهَا﴾ والمضمر اسم الله، والروح اسم جبريل كان تقديره: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم، كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: ١٩٣] وهو جبريل ﵇. وقيل معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ وبرهان منه لمن اتبعه، وذلك ما أنزل عليه من كتابه، وسمي البرهان روحاً، لأنه يحيى به من قبله قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح. . .﴾ الآية. ﴿أَن﴾ في موضع نصب، أي: من إن، أو: عن إن. والمعنى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح﴾ و ﴿لاَ الملائكة المقربون﴾ أن يقروا بالعبودية لله والإذعان له.

стр. 1490

و ﴿المقربون﴾ هم من قرب منهم من الله في المنزلة لا قرب المسافة. وقيل: هم من قرب منهم من السماء السابعة قاله الضحاك. وفي هذا اللفظ دليل على فضل الملائكة على بني آدم. ومعنى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ﴾ لن يتعظم ويستكبر. ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ﴾ أي يتعظم من عبادته ويستكبر عنها. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ أي يبعثهم، فأما المؤمنون وهم المقرون بالوحدانية ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [بعد ذلك] تفضلاً منه. [وذلك أنه تعالى [وعد] المؤمنين للحسنة عشر أمثالها، ثم يزيدهم تفضلاً منه] ما شاء غير محدود. وقيل: الزيادة إلى سبعمائة ضعف، وقيل إلى ألفين. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين استنكفوا﴾ أي " تعظموا عن عبادته " ﴿واستكبروا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي مؤلماً. ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: يستنقذهم من عذاب الله.

стр. 1491

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الناس قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ. . .﴾ الآية. المعنى: إنه خطاب لجميع الملل. ومعنى: ﴿بُرْهَانٌ﴾ أي حجة. ومن أجل تذكير البرهان في اللفظ قال ﴿قَدْ جَآءَكُمْ﴾ ولم يقل قد جاءتكم، وهو محمد ﷺ هو حجة على جميع الخلق. ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ أي القرآن. قوله: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ﴾ أي تمسكوا بالنور وهو القرآن فالهاء تعود على القرآن. وقيل: معنى ﴿واعتصموا بِهِ﴾ أي اقتنعوا بكتابه عن معاصيه. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ أي: يوفقهم لإصابه فضله، ويهديهم لسلوك طريق من أنعم عليه من أهل طاعته. وقال بعض الكوفيين في نصب الصراط: إنه على القطع من الهاء في إليه. وقيل: معنى ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى ثوابه. والهاء في إليه تعود على الله جل ذكره. وقيل: تعود على الفضل. وقيل: على الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب والرحمة في قول مقاتل: الجنة. قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة. . .﴾ الآية.

стр. 1492

قوله: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ﴾ أي: كراهة أن تضلوا قاله المبرد. وقال الكسائي والفراء: المعنى: لئلا تضلوا. وروى ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " لا يَدْعُوَنَّ أحدكم على ولده، أن يوافق من الله إجابة " المعنى: لئلا يوافق. وقيل: المعنى: يبين الله لكم الضلالة لتجتنبوه. ومعنى الآية: أن عمر بن الخطاب سأل النبي ﷺ عن الكلالة، فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ. . .﴾ الآية. والكلالة من لا ولد له ولا والد من الموتى، فهو اسم للميت الذي لم يترك ولداً ولا والداً. وقيل: الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، وقد مضى ذكر هذا بأشبع من هذا. وقيل: إنها نزلت في جابر بن عبد الله عاده النبي ﷺ في مرضه، قال جابر: فقلت يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ وكان له تسع أخوات ولم يكن له ولد ولا

стр. 1493

والد، قال: فلم يجبني النبي ﷺ بشيء حتى نزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية. وقال الفراء وأنس: هي آخر آية نزلت من القرآن. وقال جابر: نزلت في المدينة. وقيل نزلت في سفر كان فيه النبي ﷺ ومعنى حكمها: أن من مات لا ولد له ولا والد ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ إن مات وليس لها ولد ولا والد، وللاثنين فأكثر من أخيهما الثلثان. فإن ترك إخوة ذكوراً وإناثاً ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ والأخ للأب يقوم مقام الأخ للأب والأم عند عدمه، وكذلك الأخت. وقوله: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ فيه قولان: قال الأخفش: التقدير: فإن كان من ترك اثنتين ثم ثنى الضمير على معنى من. وقال المازني: فائدة الخبر هنا أنه لما قال ﴿كَانَتَا﴾ كان يجوز أن يكون الخبر صغيرين، أو كبيرين، فلما قال ﴿اثنتين﴾ اشتمل على الصغير والكبير فأفاد ذلك.

стр. 1494

الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة ٣٤٧ هـ المجلد الثالث المائدة - الأنعام ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

стр. 1495

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المائدة قال علقمة: ما كان في القرآن ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ فهو نزل بالمدينة، وما كان ﴿يا أيها الناس﴾ فهو نزل بمكة. وهذا قول جرى من علقمة على معنى أن الأكثر كذلك، وليس يصحب ذلك في كل القرآن، بل " قد " يكون في المدني ﴿يا أيها الناس﴾ وفي المكي ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾.

стр. 1496

ولكن ما كان فيه ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ فهو مدني، وما كان (فيه) ﴿يا أيها الناس﴾ ولَيْسَ فِيه ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ فهو مكي، وفي " النور " اختلاف. قوله ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصيد﴾ نصب على الحال من المضمر في ﴿أَوْفُواْ﴾ يراد به التقديم، وقيل: هو حال من الكاف والميم " في قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾. وقيل: من

стр. 1497

الكاف والميم " في ﴿عَلَيْكُمْ﴾. ومعنى الآية الأولى - من هذه السورة - أن العقود: العهود التي (قد) كان عاهد بعضهم بعضاً بها في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا في الإسلام أن يوفوا بها، قال ذلك ابن عباس ومجاهد والضحاك / وقتادة والسدي والثوري.

стр. 1498

وروي أن النبي ﵇ قال: " أَوْفوا بِعَقْدِ الْجاهِلِيَّةِ وَلا تُحدِثوا عَقْداً في الإِسْلامِ ". وقال الكلبي: العقود هنا الفرائض وما أُحِلَّ لهم وما حرم عليهم. وقيل: هو كل شيء عقده الإنسان على نفسه: من حج أو يمين أو هبة أو عتق أو نكاح أو طلاق أو شبه ذلك.

стр. 1499

وكل طاعة ألزمها الإنسان نفسَه، فليس له أن يخرج منها حتى يُتِمَّها، وعليه القضاءُ إن قطعها من غير عذر. " و " قال ابن جريج: هي العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد، فهي لأهل الكتاب خاصة، وكان في كتاب رسول الله الذي بعثه إلى نجران: هذا بيانٌ من الله ورسولِه: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحساب﴾.

стр. 1500

وقال زيد بن أسلم: العقود - في هذه الآية - " سِتَّة ": " عهد الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين ". (و) قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ " الآية. " قال الحسن: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم ". وقال قتادة والسدي والضحاك: بهيمة الأنعام: ﴿الأنعام﴾ كلُّها. وقال ابن عمر: بهيمة الأنعام: ما في

стр. 1501

بطونها. قال عطية: هو بمنزلة كبدها يؤكل، وسئل ابن عمر عنه يخرج ميتاً، فأجاز أكله، يريد بعد ذكاة أمه، (لقول النبي ﷺ : " ذَكاةُ الْجَنينِ ذَكاةُ أُمِّهِ "). فأما إِن خَرجَ ميّتاً - والأم حية - فلا يؤكل أَلبتَّة، وقال ابن عباس مثل ذلك. وروي " عن " الضحاك أن بهيمة الأنعام الوحش مثل (الظباء والحمر) وشبهه.

стр. 1502

والأنعام - في اللغة - يشتمل على الإبل والبقر والغنم، وسميت الأنعام بهيمة، لأنها أُبْهِمَت عن التمييز. وقوله ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ أي: فإِنَّه حرام، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة (والدم)﴾ [المائدة: ٣] وما بعدها. وقيل: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ هو الخنزير. وقيل: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ هو الدم المسفوح، لأنه أحلها ثم حرّم دمها. ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾: الحُرم جمع حرام، " وحرام " بمعنى مُحرِم.

стр. 1503

وهذه الآية - على عدد المدني، من أول السورة إلى ﴿يُرِيدُ﴾ - فيها خمسة أحكام: - الأول قوله: ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾. - والثاني قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾. - والثالث قوله: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾. - والرابع قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. - ودل على أن الصيد حلال لغير المحرم، فهو الحكم الخامس. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ الآية.

стр. 1504

قوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ مصدر أصله الفتح، و [لكن] من أسكن جعله اسماً. وقد توهم أبو عبيدة وأبو حاتم أن من أسكنه جعله مصدراً، فأنكراه على ذلك، وليس هو عند من أسكن مصدراً، بل هو اسم " ككسلان " و " غضبان ". وقرأ يحيى بن وثاب ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بالضم.

стр. 1505

وهي عند الكسائي لغتان: " أَجرَم " و " جَرَم "، ولا يعرف البصريون " أجرم " إلا في الجنابة. ومن قرأ ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ بالكسر، فالمعنى: " ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا إن صدّوكم "، فالصد لم يكن بعد. وفي حرف ابن مسعود شاهد للكسر، لأنه قرأ (إِن يَصُدّوكُم)، ومثله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ﴾ [محمد: ٢٢].

стр. 1506

ومن قرأ بالفتح، احتج أن الصد قد كان، وذلك أن الآية نزلت عام الفتح، سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست /، فالصدّ كان قبل الآية. وقيل: " إِنْ " بمعنى " إذْ "، فهو صَدٌّ قد كان، فالكسر أولى به، ويدل على الكسر قوله: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله [وَلاَ الشهر الحرام] وَلاَ الهدي وَلاَ القلائد﴾ ولا كذا ولا كذا، فهو أمر للمؤمنين ألا يعتدوا إنْ صَدّ لهم، ولو كان الفتح الصواب لكان نَهْياً للمشركين ولم يقل ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾، وقد جعل النحاس هذه الحجة حجة للفتح، وهو خطأ، إنما

стр. 1507

تكون حجة للكسر. ومعنى الآية: أن الله نهى المؤمنين أن يحلوا شعائره، وهي معالمه وحدوده التي جعلها علماً لطاعته في الحج. وقال عطاء: شعائر الله حرماته، حضهم على اجتناب سخطه واتباع طاعته.

стр. 1508

وقال السدِّي: شعائر الله حرَم الله. وقال ابن عباس: " شعائر الله مناسك الحج ". وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ نهاهم أن يرتكبوا ما نهى عنه المحرمَ أن يصيبه. وواحد الشعائر: شعيرة، وقيل: هي " فعيلة " بمعنى: " مُفعَلَة ". قال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا. قال الأصمعي: أشعرتها: أعلمتها.

стр. 1509

ابن قتيبة: الإشعار أن [يُجَلَّلَ] ويُقلَّد ويُطعَن في سنامه ليُعلَم بذلك أنه هدي، فنهى الله أن يستحلوه قبل أن يبلغ مَحِلَّه. وقيل: الشعائر العلامات بين الحِلِّ والحَرم، فنُهوا أن يجاوزوها غير مُحرِمين، وهو مشتق من قولهم " شَعر فُلانٌ بالأمرِ " إذا علم به. قال زيد [بن] أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. قال: والحرمات خمس: الكعبة الحرام، والبلد [الحرام]، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحرِم حتى يَحِلَّ. وقال الكلبي: كان عامة العرب لا يَعُدُّون الصفا والمروة من الشعائر، ولا

стр. 1510

يقفون في حجهم (عليهما، وكانت الحُمْسُ لا يرون عرفات من الشعائر ولا يقفون بها في حجهم)، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وغيرها. وقوله: ﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ أي: لا تستحلوه بأن تقاتلوا فيه [أعداؤكم]، وهو مثل قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وعنى بالشهر الحرام رَجَب مُضَر، كانت مضر تحرّم فيه القتال. وقيل: عنى به ذا القعدة. وقيل: إنهم كانوا يُحرّمونه مرة ويُحلّونه مرة، فنهوا
следующие страницы →