Полный текст (8 396 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
والمراد به النبي ومن معه ومن مضى من الأمم.
﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ أي: فبادروا إلى عملها قبل أن تعجزوا عنها بموت أو هرم أو مرض، فإن (مرجعكم إلى الله)، فيجازيكم بأعمالكم، ويخبر كل فريق بعمله، ويبين المحق من المبطل، (وتنقطع الدعاوى، لأن الأنبياء قد أخبرت بالمحق من المبطل) في الدنيا، ولكن الدعاوى لم تنقطع، ففي الآخرة تنقطع الدعاوى وتقع الحقائق.
قوله: ﴿وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ الآية.
هذا معطوف على ﴿الحق﴾ [المائدة: ٤٨] أي: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم بينهم. وهذا - عند جماعة - ناسخ للتخيير الذي تقدم في الحكم بينهم، أمره الله
стр. 1717
بالحكم بينهم وأن لا يتبع أهواءهم في الأحكام التي قد أحدثوها في القتيل من بني النضير ومن قريظة، وفي التحميم الذي جعلوه على المحصن من عند أنفسهم، حذّره منهم أن يفتنوه عن الحكم الذي أنزل الله فيردوه إلى [حكمهم].
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي: أعرضوا عن الاحتكام إليك والرضا بحكمِك، فاعلم أن ذلك إنما هو من الله ليعجل لهم عقوبة ذنوبهم السالفة في عاجل الدنيا.
﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ﴾ يريد به اليهود، إنهم لتاركون العمل بكتاب الله وخارجون من طاعته: ذكر ابن عباس أن بعض علماء اليهود قالوا: امضوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: قد علمت أننا علماء يهود وأشرافها، وإنا
стр. 1718
إذا اتَّبعْناك [اتّبَعَنا] يهود، فنؤمن بك كلنا، وبيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك. فأبى ذلك النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ﴾ الآية.
قال ابن زيد: معنى ﴿أَن يَفْتِنُوكَ﴾: أن يقولوا لك كذا وكذا في التوراة بخلاف ما فيها، قد بين الله له ما في التوراة، فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، يعني: كتب ذلك في التوراة.
قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ الآية.
قرأ الحسن وقتادة والأعمش ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية﴾، والحَكَم والحاكم سواء، والعامل فيهما [(يبغون)]، والحُكْم في الجاهلية: الكاهن.
стр. 1719
ومن قرأ بالتاء في (تبغون) فمعناه قل لهم يا محمد، أفحكم الجاهلية تبغون، على المخاطبة، ومن قرأ بالياء، فعلى الخبر من الله عنهم. ومعنى (تبغون) تطلبون، وهو خطاب وتوبيخ لهؤلاء اليهود الذين لم يرضوا بحكم رسول الله، ثم وبخهم أيضاً فقال: / ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً﴾ أيها اليهود عند من كان يؤمن بالله، فأي حكم أحسن من حكم الله؟!.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ﴾ الآية.
أكثر العلماء على أن المأمور بذلك جميع المؤمنين. وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول، كان بينهما وبين بني قَيْنُقاع عهد وحلف، فلما حاربت بنو قينقاع النبي ﵇، قام دونهم عبد الله بن أبيّ و [حاجّ] عنهم، ومضى
стр. 1720
عبادة بن الصامت إلى النبي ﵇ [وتبرأ] من حلفهم وعهدهم وقال: أنا أتولى الله ورسوله والمؤمنين.
وقال الزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال بعض اليهود: غركم أن أصبتم رهطاً من قريش لاَ عِلْمَ لَهُمْ بالقتال، أما أنّا لو عزمنا عليكم واستجمعنا لم يكن لكم يَدان بقتالنا، فتبرأ عبادة بن الصامت عند رسول الله من أوليائه من يهود، فقال عبد الله ابن أبي: لكن أنا لا أبرأ من ولاء يهود، أنا رجل لا بد لي منهم، فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى﴾ الآية.
стр. 1721
وقيل نزلت في قوم من المؤمنين (هموا - حين) نالَهم بأُحُدٍ ما نالهم - أن يأخذوا من اليهود والنصارى عُصَمَاء، فنهاهم الله عن ذلك. وقال السدي: لما كانت وقعة بأُحُدٍ، اشتد على قوم ذلك، فقال رجل لصاحبه: [أما أنا] فأَمُرُّ بذلك اليهودي فآخُذُ منه أماناً، فإِنِّى أخاف أن يِدَّال علينا، وقال آخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني فآخُذُ منه أماناً، فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ﴾ الآية.
стр. 1722
وقال عكرمة: بعث رسول الله ﵇ أبا لُبابة - من الأوس - إلى قريظة حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حُلقِه: الذَّبح (الذبح)، فأنزل الله الآية فيه.
وقيل: نزلت في المنافقين، لأنهم كانوا يخبرون اليهود والنصارى بأسرار المؤمنين ويوالونهم.
والاختيار عند الطبري أن يكون نهياً عاماً لجميع المؤمنين.
وقوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ أي: اليهود بعضهم أنصار بعض، وكذلك النصارى ففيه معنى التحريض للمؤمنين: أن يكون أيضاً بعضهم أولياء بعض.
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: من والاهم فهو منهم، لأنه لا [يواليهم] إلا وهو بدينهم راض، فهو منهم.
﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي: " لا يُوَفِّقَ " من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم لله ورسوله ".
стр. 1723
قوله: ﴿فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [يُسَارِعُونَ فِيهِمْ]﴾ الآية.
هذه الآية بيان لما في الآية التي قبلها، والمعنى: ترى قوماً في قلوبهم مرض يسارعون في ولاية اليهود والنصارى، ﴿يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ أي: تكون الدائرة علينا، فيوالون اليهود والنصارى لضُعْفِ إيمانهم.
وقيل: يعني بذلك عبد الله بن أبي بن سلول المنافق.
وقال مجاهد: كان المنافقون يَصَانِعُونَ اليهود ويَسْتَرْضُونَهم ويستعرضون أولادهم يقولون: نخشى أن تكون الدائرة لليهود، وفيهم نزلت الآية، وكذالك قال قتادة.
قال ابن عباس: معنى قولهم: ﴿نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ (أي): نخشى (ألا يدوم) الأمر لمحمد ويغلب علينا المشركون.
وقيل: يراد بها عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه، لأن النبي ﷺ لم يزل في طلب بني / قَيْنُقاع حتى أسرهم، ولم يزل عبد الله بن أبي يسأل فيهم حتى خلاهم له وقال:
стр. 1724
خذهم لا بارك الله لك فيهم، فماتوا حتى بقي منهم نافخ النار.
وقيل: المعنى: نخشى أن يصيبنا قحط فلا يفضلوا علينا، فيوالونهم لذلك.
والأول أحسن لقوله: ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح﴾ أي: بالنصر.
(و) قال ابن عباس: فأتى الله بالفتح، فَقُتِلَتْ مُقَاتِلَة قُريظَةَ، وسُبِيَت ذراريهم، وأُجْليَ بنو النضير.
ومعنى ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ يخبر بأسماء المنافقين الذين يوالون اليهود والنصارى.
﴿فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ (في أَنْفُسِهِمْ)﴾. (من) موالاة اليهود والنصارى ﴿نَادِمِينَ﴾.
стр. 1725
وقيل: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ إيجاب الجزية على اليهود والنصارى. وقيل معنى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ بالخصب.
ومعنى: (بالفتح): فتح مكة، فيصبحوا نادمين إذا رأوا النصر.
وقيل: الفتح: القضاء، ومن قوله: ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾ [الأعراف: ٨٩].
قوله: ﴿يَقُولُ الذين آمَنُواْ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله﴾ الآية.
من نصب (يقولَ) عطفه على (أن يأتي)، وهو بعيد جداً، لأنك (لو قلت): " عسى زيد أن يقوم ويأتي عمروا " لم يجز، كما لا يجوز: " عسى زيد أن يقوم عمرو ".
ولو قلت: " عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو " حَسُنَ، كما يَحسُن " " عسى أن
стр. 1726
يقوم عمرو ".
فلو كان نص الآية: " فعسى أن يأتي الله بالفتح "، حَسُن العطف، وإنما تجوز الآية على أن تحمل على المعنى، لأن قولك: " عسى أن يأتي الله بالفتح " و " عسى الله أن يأتي بالفتح "، سواء فيجعل النصب على المعنى، ويكون مثل قول الشاعر:
مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً ... ومعنى الآية أنها متعلقة بما قبلها، والمعنى: ﴿فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ إذا رأوا النصر، ﴿يَقُولُ الذين آمَنُواْ﴾ بعضهم لبعض، تعجّباً منهم ومن نفاقهم: ﴿أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ مؤمنين والمعنى - على [قراءة] من أتى بالواو - مثل ذلك وهو أبين.
стр. 1727
ومن قرأ بالنصب فمعناه: وعسى أن يقول الذين آمنوا كذا وكذا.
وقال مجاهد: المعنى: ﴿فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [حينئذ]
﴿يَقُولُ الذين آمَنُواْ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ﴾ إنهم مؤمنون.
قال الكلبي: فجاء الله بالفتح، فأمر الله نبيه بقتل بني قريظة وسبي ذراريهم وإجلاء [بني] النضير، فندم المنافقون حين أُجلِيَ أَهْلُ وَدِّهِمْ، وظهر (نفاقهم)، فعند ذلك قال المؤمنون - بعضهم لبعض - ﴿أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ الآية.
стр. 1728
هذه الآية وَعيدٌ لمن يرتد فيما يُستقبل، لأن الله تعالى قد علم أنه سيرتد بعد وفاة نبيه قوم.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: قال الحسن والضحاك وغيرهما: هم أبو بكر الصديق وأصحابه، رَدُّوا من ارتد بعد النبي وقال: لا نؤدي الزكاة إلى [أهل] الإيمان.
وقيل: هم أهل اليمن. وقيل هم آل أبي موسى الأشعري، " روي أن النبي ﷺ أَوْمَأ إلى أبي موسى الأشعري عند نزول هذه الآية، وقال: هم قوم هذا، وهم أهل اليمن " وعن مجاهد أنه قال: " هم قَوْمُ سَبَإٍ ". وقال السدِّي: هم الأنصار.
стр. 1729
وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين﴾ (أي) جانبهم لين للمؤمنين / ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ أي: جانبهم خشن على الكافرين. وقيل: (أعزة) بمعنى أشداء عليهم ذوي غلظة.
وقال علي بن أبي طالب: أذلة: ذوي رأفة " وأعزة: ذوي عنف.
وقال ابن جريج: أذلة: رحماء، أعزة: أعداء.
﴿يُجَاهِدُونَ﴾ أي: يجاهدون من ارتد ولم يؤمن، ﴿وَلاَ يَخَافُونَ﴾ في جهادهم ذلك ﴿لَوْمَةَ لائم﴾. وهذا مما يدل على صحة خلافة أبي بكر، لأنه جاهد بعد النبي من ارتد لم يرجع لقول قائل، وقد كان كسر عليه جماعة عن قتال أهل الردة فأبى إلا قتلهم، فقاتلهم حتى رجعوا إلى الإسلام وأداء الزكاة، فرأى كل من كسر عليه أولاً
стр. 1730
أن الذي فعل هو الصواب، رضي الله عن هم أجمعين.
قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ الآية.
هذه الآية راجعة إلى ما تقدم من تحذير الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، فأعلمهم في هذه [الآية] أن الذي هو وليهم الله ورسوله والذين آمنوا.
وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرأ من ولاية يهود.
وقال: الكلبي: " بلغنا أن عبد الله بن سلام ورهطاً من مسلمي أهل الكتاب أتوا النبي عند صلاة الظهر، فقالوا: يا رسول الله، بيوتنا قاصية، ولا نجد متحدثاً دون المسجد، وإنَّ قومنا لَمَّا رأونا صَدَّقْنا الله ورسوله وتركنا دينهم، أظهروا لنا العداوة، وأقسموا ألا يخالطونا ولا يجالسونا، فشق ذلك علينا. فبينما هم يشكون ذلك إلى النبي حتى نزلت ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ الآية، فلما قرأها رسول الله ﷺ عليهم
стр. 1731
قالوا: رضينا بالله ورسوله والمؤمنين أولياء، وأذن بلال بالصلاة، فخرج رسول الله والناس يصلون بين قائم وراكع وساجد، وإذا هو بمسكين يسأل، فدعاه رسول الله ﷺ فقال له: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: خاتم من فضة، قال: مَن أعطاكَ؟ قال: ذلك الرجل القائم، فإذا هو عليّ، قال: على أي: حال أعطاك؟ قال: أعطانيه وهو راكعٌ. فزعموا أن رسول الله كبَّر عند ذلك ".
قوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾،
قيل: هو علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع. قال السدي مرَّ به سائل - وهو راكع - فأعطاه خاتمه. وقيل: عنى به جميع المؤمنين.
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
المعنى: أن الله أعلم أن من [تبرأ] من يهود - الذين هم حزب الشيطان -
стр. 1732
ووالى الله ورسوله والذين آمنوا، هم حزب الله، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾، والحزب: الأنصار.
قوله: ﴿اأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ الآية.
ومعنى الآية: أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ووصفهم تعالى بأنهم اتخذوا الإسلام هزواً ولعباً، وهم (قد) أوتوا الكتاب من قبلنا، يعني التوراة والإنجيل.
و [حذرهم] ألا يتخذوا الكفار أولياء، وهم مشركو قريش.
فمن نصب (الكفار) فالمعنى فيه: أنه تعالى نهانا عن اتخاذهم أولياء ولم يخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزواً ولعباً كأهل الكتاب. ومن خفض فمعناه أنه تعالى
стр. 1733
نهانا عن اتخاذهم أولياء، وأخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزواً ولعباً كما فعل أهل الكتاب.
ومعنى اتخاذهم ديننا هزواً ولعباً: / هو إيمانهم: ثم كفرهم وإظهارهم خلاف ما يبطنون أخبر الله عنهم أنهم ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
﴿واتقوا الله﴾ أي: اتقوه (في اتخاذهم) أولياء، ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين بالله.
قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ الآية.
المعنى: أنه إخبار عما يفعل اليهود والنصارى، أنهم كانوا إذا نودي بالصلاة سَخِرُوا ولعِبوا من ذلك، لأنهم قوم لا يعقلون، ما في إجابتهم إليهم لو فعلوا، وما عليهم إذا سخروا من العقاب على ذلك.
قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع في النداء " أشهد أن
стр. 1734
محمداً رسول الله " (قال): " حُرِّقَ الكَاذِبُ " فدخلت خادم - ذات (ليلة من الليالي) - بنار - وهو نائم - فسقطت [شرارة] من النار فأحرقت البيت واحترق هو وأهله.
وقال ابن عباس: ضحك قوم من اليهود والمشركون من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله (هذه). الآية.
قال الكلبي: كان إذا نادى منادي رسول الله للصلاة، قالت اليهود والمشركون:
стр. 1735
قد قاموا، لا قاموا، وإذا ركعوا سخروا (و) استهزأوا بهم وضحكوا.
قوله: ﴿قُلْ يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد لليهود والنصارى: هل [تكرهون] منا وتجدون علينا شيئاً من الأشياء إلا إيماننا بالله وإقرارنا به، وبما أنزل إلينا، وبما أنزل من قبل أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتب؟ ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: وهل تنقمون منا إلا أن أكثركم فاسقون؟، كأنه: هل تنقمون إلا إيماننا وفسقكم؟.
ومنع بعض العلماء حمل ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ على ﴿تَنقِمُونَ﴾، وقال: كيف يجوز " هل تنقمون (منا) إلاَّ فسقكم "، والفسق منهم، فغير جائز أن ينقموا على غيرهم فسقهم، قال: وإنما هو مردود على (بالله) أي: هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وبأن أكثركم
стр. 1736
فاسقون.
وذكر ابن عباس أن ناساً من يهود أتوا النبي ﷺ [ فسألوه] عمن يؤمن به من الرسل، فقال: ﴿آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَآ أُوتِيَ موسى [وعيسى]﴾، وما أوتي النبييون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: " لا نؤمن (بمن آمن) به "، فأنزل الله ﴿قُلْ يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ الآية.
قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً﴾ الآية.
стр. 1737
﴿مَن لَّعَنَهُ (الله)﴾ [من]: في موضع رفع، كما قال: ﴿شَرٌّ﴾: النار. والتقدير فيه هو: لَعْنُ مَن لَعَنَهُ الله ويجوز أن تكون ﴿مَن﴾ في موضع نصب ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾، ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من ﴿شَرٌّ﴾.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا [دينكم] هزواً ولعباً م الذين أوتوا الكتاب والكفار -: هل أنبئكم بشر من ثواب ما تنقمون هو لعن ﴿مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير﴾، وهم أصحاب السبت من اليهود.
стр. 1738
وقرأ حمزة ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ بضم الباء وخفض الطاغوت، بإضافة " عبد " إليه، ومعناه: وخَدَمُ الطَّاغُوتِ.
﴿أولئك شَرٌّ مَّكَاناً﴾ أي: شر من هؤلاء الذين نَقَمتُم عليهم لإيمانهم بالله وبما أنزل من قبل، ﴿وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل﴾ أي: أجْوَرُ / عن قصد الحق، وهذا كلام فيه تعريض لليهود الذين نقموا إيمان المؤمنين، فهم [المُعْنيون] بذلك.
وقيل: المعنى: أولئك الذين نقموا عليكم - أيها المؤمنين - شرُّ مَكاناً عند الله من الذين لعنهم الله، وجعل منهم القردة والخنازير.
وقيل: المعنى أولئك الذين آمنوا شرّ؟ أم مَن لعنه الله؟، (ويعني به المقول) لهم ذلك من اليهود.
стр. 1739
قوله: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا﴾ الآية.
المعنى: وإذا جاءكم - أيها المؤمنون - هؤلاء المنافقون من اليهود، قالوا: " آمنا "، وقد دخلوا عليكم بالكفر إذا جاؤكم، وخرجوا به أيضاً كما دخلوا، لم يحولوا عما يعتقدون، وإنما كذبوا بألسنتهم وقالوا ما لا يعتقدون، ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا [كَانُواْ] يَكْتُمُونَ﴾ من كفرهم، قال السدي: هؤلاء ناس من المنافقين - كانوا يهود - دخلوا كفاراً (وخرجوا كفاراً)، إذ لم ينتفعوا بما سمعوا.
قوله: ﴿وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ﴾ الآية.
المعنى: ترى يا محمد كثيراً من هؤلاء اليهود يسارعون في الأثم، [أي] في الكفر، والعدوان، وهو مجاوزة حدود الله، فمعنى ذلك أنهم يسارعون في معاصي الله وترك حدوده، ويسارعون في أكلهم السحت، وهو الرشا في الأحكام.
стр. 1740
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [في الكلام معنى القسم، والمعنى: أقسم بالله لبئس ما كانوا يعملون] في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت.
قوله: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار﴾ الآية.
المعنى: هلاَّ ينهاهم عن ذلك الربانيون، وهم أئمتهم وعلماؤهم.
وقيل: وُلاتهم. (والأحبار) (و) هم الفقهاء والعلماء.
﴿عَن قَوْلِهِمُ الإثم﴾ وهو الكفر. وقيل: ﴿وَأَكْلِهِمُ السحت﴾ وهو الرشوة في الأحكام.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أي: لبئس صنيع الربانيين والأحبار إذ لا ينهون عامتهم عن ذلك.
стр. 1741
وهذه الآية أشد آية وُبِّخ فيها العلماء، قال ابن عباس: ما في القرآن آيةٌ أَشَدُّ توبيخاً من هذه، والمعنى: أقسم [لبئس ما] كانوا يصنعون.
وقرأ أبو الجراح (الرِّبِّيُّون) وهم [الجماعات]، مأخوذ من الرِّبَّة، والرِّبَّةُ: الجماعة، ونُسب إليها فقيل: رِبِّيٌّ، ثم جُمع فقيل: رِبِّيُّونَ.
قوله: ﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ الآية.
هذه الآية من أدل دليل على صحة نبوة محمد ﷺ ، إذ أخبرهم بمكنون سرهم وخفي اعتقادهم. ومعنى قولهم ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾: " خير الله مُمسَك " وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم واليد - هنا - بمنزلة قوله تعالى في تأديب نبيه: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ
стр. 1742
يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: لا تقتر في النفقة حتى تضر بنفسك وبمن معك، ﴿(وَ) لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: لا تسرف في الإنفاق والتبذير، فتبقى لا شيء لك. وإنما خصت اليد بأن جعلت في موضع الإمساك والإنفاق، لأن عطاء الناس وبذلهم مَعْروفهم، الغالب عليه باليد، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضاً بالكرم أو بالبخل بأن أضافوه إلى اليد التي بها يكون العطاء والإمساك، فخوطبوا بما يتعارفونه في كلامهم، فحكى الله عن اليهود أنهم قالوا ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ أي: أنه يبخل علينا بالعطاء كالذي يده مغلولة عن العطاء، تعالى الله عما قال أعداء الله علواً كبيراً.
стр. 1743
وقال بعض المفسرين (في) معنى الآية: نعمة الله مقبوضة عنا.
لأنهم كانوا إذا نزل بهم خير، / قالوا: يد الله مبسوطة علينا، وإذا نزل بهم ضيق وجدْبٌ، قالوا: يد الله مقبوضة عنا، أي: نعمته وأفضاله.
وقد قيل: في قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: أنهما مطر السماء ونبات الأرض، لأن النعم (بهما ومنهما) تكون.
قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الخير، ﴿وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ أي: أبعدوا من رحمة الله لقولهم ذلك. وقيل: غلت في الآخرة، وهو دعاء عليهم.
ثم قال تعالى - راداً لما حكى من قولهم -: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: بالبذل
стр. 1744
والإعطاء، ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ أي: يعطي: فيحرم هذا ويُقَتِّرُ عليه، ويُوسِّع على هذا.
قال عكرمة ومجاهد والضحاك: قولهم ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ معناه: أنه بخيل ليس بالجواد. وكذلك معنى قول ابن عباس وغيره.
قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ قيل: معناه: نعمتاه الظاهرة والباطنة على خلقه مبسوطتان. وقيل: معناه: نعمتاه، يعني نعمته في الدينا ونعمته في الآخرة. والعرب تقول: " لفلان عند فلان يد "، أي: نعمة. وقيل: عنى بذلك القوة، كقوله: ﴿أُوْلِي الأيدي والأبصار﴾ [ص: ٤٥] أي: أصحاب القوة والبصائر في الدين.
وقد قيل في معنى قولهم: ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ أي: عن عذابنا، [أي يده مقبوضة عن
стр. 1745
عذابنا، و] معنى ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: [مطلقتان].
واليد - عند أهل النظر والسنة في هذا الموضع وما كان مثله - صفة من صفات الله، ليس بجارحة، فعلينا أن نصفه بما وصف به نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يحل لأحد أن يعتقد الجوارح لله، إذ ليس كمثله شيء، و (أن ما) وقع من ذكر هذا وشبهه، وذكر المجيء والإتيان، صفات لله، لا أنها فيها انتقال وحركة وجارحة، فسبحان من ليس كمثله شيء من جميع الأشياء، فلو أنك أثبت له حركة أو انتقالاً أو جارحة لكنت قد جعلته كبعض الأشياء الموجودة، وقد قال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فاحذر أن يتصور في عقلك أن البارئ جل ذكره يشبه شيئاً من الأشياء التي عقلت وفهمت، ومتى فعلت شيئاً من هذا فقد ألحدت، وأهل السنة يقولون: ان يديه غير نعمته.
стр. 1746
وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ أي: ليزيدنهم ما أطلعناك عليه من خفي اعتقادهم، وسوء مذهبهم، ﴿طُغْيَاناً﴾ عن الإيمان بك، ﴿وَكُفْراً﴾ بما جئت به.
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة﴾ أي: بين اليهود والنصارى. وهو مردود إلى قوله: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ﴾ [المائدة: ٥١].
﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ أي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء شتته الله وأفسده عليهم. قال قتادة: (لن تلقى) يهودياً ببلد إلا وجدته (من) أذل أهل ذلك البلد، ولقد جاء الإسلام - حين (جاء - وهم) تحت أيدي المجوس أبغض خلق الله إليه.
стр. 1747
وهو كلام تمثيل، وتحقيقه: كلما تجمعوا لتفريق المؤمنين وحربهم، شتتهم الله و [محقهم].
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً﴾ أي: يسعون في إبطال الإسلام، والكفر برسوله وآياته، ﴿والله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾ أي: " من كان عاملاً بمعاصيه ".
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتابءَامَنُواْ واتقوا﴾ الآية.
المعنى: لو أن اليهود والنصارى آمنوا بالله و [رسوله]، واتقوا مخالفتهما، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ [سَيِّئَاتِهِمْ]﴾ أي: لغطينا ذنوبهم وسترنا / عليها. ﴿ولأدخلناهم جنات النعيم﴾ أي: بساتين يتنعمون [فيها] في الآخرة.
стр. 1748
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة [والإنجيل]﴾ الآية.
أي: لو أن اليهود أقامت التوراة، أي: عملت بما فيها وأقرت بما فيها من صفة النبي ونبوته، ولو أن النصارى أقامت الإنجيل، أي: عملت بما فيه وأقرت بصفة النبي ونبوته التي هي فيه، ﴿وَ [مَآ] أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ يعني القرآن، أي: وأقاموا ما أنزل إليهم من ربهم، والمعنى في ذلك: التصديق بجميع الكتب.
(و) قوله: ﴿لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي: من قطر السماء، ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾: من نبات الأرض. وقيل: معناه التوسعة عليهم في الأرزاق كما يقول القائل: " هو في خير من قرنِهِ إلى قدمه ".
﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾: أي مؤمنة بمحمد. وقيل: مقتصدة في القول في عيسى أنه
стр. 1749
﴿رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ﴾. قال مجاهد: هم مسلمو أهل الكتاب. ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: عملهم مذموم.
قوله: ﴿يا أيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية.
والمعنى: أن الله تعالى: أكد على النبي في تبليغ ما أنزل إليه من ربه، لأنه كان يرفق بالناس في أول الإسلام وابتدائه، فأمر بالاجتهاد في التبليغ.
وقوله: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: إن تركت آية وكتمتها، لم تبلغ رسالته، قاله ابن عباس. وقيل: المعنى: إن (لم) تبلغ ذلك معلناً، غير مُتَوَقٍّ أمراً، فما
стр. 1750
بلغت، وهو مثل قوله ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].
وقوله: ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ أي: أمره تعالى بالتبليغ، وأخبره بالعصمة من الناس.
قال ابن جبير: " لما نزلت ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾، قال رسول الله ﷺ : لا تحرسوني، فإنّ ربي قد عصمني. وكان ناس من أصحابه يتعقبونه في الليل، فلما نزلت ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾، قال: يا أيها " الناس " إِلْحَقُوا بملاحقكم، فإن الله قد عصمني من الناس " وروي " أن النبي كان إذا نزل منزلاً، اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه أعرابي فخرط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال النبي: الله،
стр. 1751
فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده، وضرب برأسه الشجرة حتى (انْتَثَرَ) دماغه، فأنزل الله ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ " وقيل: " كان " النبي " صلى الله عليه يخاف قريشاًَ، فلما نزلت هذه الآية، استلقى ثم قال: من شاء فَلْيَخْذُلني، مرَّتين أو ثلاثاً ".
قوله: ﴿قُلْ يا أهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ﴾ الآية.
المعنى: لستم على دين حتى تصدقوا بما في التوراة من الفروض وصفة محمّد، و [بما] في الإنجيل، وتصدقوا [بما] أنزل إليكم من ربكم، وهو القرآن الكريم.
(و) قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ أي: ليزيدنهم ما أطْلَعْتُكَ عليه من أمرهم، ﴿طُغْيَاناً﴾ أي: تجاوزاً في التكذيب، ﴿وَكُفْراً﴾ أي: [وجحوداً
стр. 1752
لنبوتك] ﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن عليهم، فإنهم كافرون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ﴾ الآية.
مذهب الخليل وسيبويه في [الصَّابون] أنه رفع على أنه عطف على موضع (إن) وما عملت فيه.
وقال الكسائي والأخفش: هو عطف على المضمر في ﴿هَادُواْ﴾. وقو قول مطعون فيه، لأنه يلزم أن يكون ﴿الصابئون﴾ دخلوا في اليهودية.
وقال الفراء: / إنما جاز الرفع، لأن ﴿الذين﴾ لا يظهر فيه عمل (إن).
وأجاز الكسائي: إن [زيدا وعمرو]. قائمان " قال: لضعف " إن " واستدل بقول الشاعر:
فإني وقيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ. ...
стр. 1753
وقال الفراء: لا حجة للكسائي في هذا البيت، لأن قيارا قد عطف على اسم مكنّىً عنه، والمكنّى لا يتبيَّن فيه الإعراب ك ﴿الذين﴾، فهل فيه أن يعطف على الموضع.
وقرأ [سعيد] بن جبير " والصَّابِينَ " بالنصب، على ظاهر العربية.
ومعنى الآية: أن الذين آمنوا بألسنتهم، يعني المنافقين، واليهود والصّابين والنصارى، من آمن منهم، أي: من حقّق الإيمان بمحمد - وما أتى به - بقلبه، وباليوم الآخر، وعمل صالحاً، فلا خوف عليهم. وقيل المعنى: أن الذين آمنوا بألسنتهم وقلوبهم، من ثبت منهم على الإيمان ﴿وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا يخافون يوم
стр. 1754
القيامة ولا يحزنون.
قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً﴾ الآية.
اللام في ﴿لَقَدْ﴾ لام قسم، " والمعنى: أقسم " لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على إخلاص التوحيد، والعمل بما أمرهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه، وأرسلنا إليهم (بذلك رسلاً)، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسُهُم، فريقاً كذّبوا وفريقاً قتلوا، نقضاً للميثاق الذي أخذ عليهم. فالتكذيب اشتركت فيه اليهود والنصارى، والقتل هو من فعل اليهود خاصة، كانت تقتل النبيين (والمرسلين) إذا أمروا بالمعروف ونهو عن المنكر.
قوله: ﴿وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية.
المعنى: وظن هؤلاء الذين أُخِذَ ميثاقهم أنه لا يكون لهم من الله ابتلاء " واختبار بالشدائد من العقوبات، ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ أي: عن الحق والوفاء بالميثاق الذي
стр. 1755
أخذ عليهم. و (كثير) بدل من المضمر. وقيل: هو تأكيد كما تقول: " رأيت قومك ثلثهم " وقيل: رفعه على إضمار مبتدا، [و] المعنى: العمى كثير منهم وقيل: التقدير: العمى والصم منهم كثير. وقيل هو على لغة من قال: " أكلوني البراغيث "، فيرتفع (كثيرٌ) بـ[عَموا وصَمُّوا]. ويجوز - في غير القرآن - النصب على أنه نعت لمصدر محذوف.
(و) قال مجاهد: (هم) اليهود خاصة وقيل: المعنى: وحسبوا ألا يكون اختبار. لقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فعموا عن الحق وصموا.
следующие страницы →