Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
أي صَمَتُّم. كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر وقع للداعين والاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال الداعي في الصُّمَاِ والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال المدعويين في الدعاء والصُّمَات سواءٌ، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها وتركه، إذ لا تعقل، ولا تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء والصُّمَاتُ، استوى على الداعي ذلك أيضاً، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز لذلك، فصار الدعاء والصَّمت للداعي في الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله:
﴿كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١]. وقد مضى بيانه.
ثم قال: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
يعني: المعبودين.
قرأ ابن جبير: " إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ "، بتخفيف ﴿إِنَّ﴾، بجعلها بمعنى: " ما "، وبنصب " العبادَ " و " الأمثال " على النفي،
стр. 2627
أي: ليست هي مثلكم؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَشَبٌ وَحِجَارَةٌ.
والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) " إِنْ " إذا كانت بمعنى " ما "؛ لأن " ما " عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف.
وزعم الكسائي: إن العرب لا تأتي بـ " إنْ " بمعنى " ما " في الكلام، إلا أن يكون بَعْدَهَأ إِيجَابٌ، كقوله: ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠].
قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ﴾، الآية.
كل هذا خطاب للمشركين من عبدة الأوثان و (هو) توبيخ لهم وتقريع على عبادتهم من لا رِجْل له ولا يَدَ ولا عين، ولا يفهم، ولا يضر ولا ينفع.
فالمعنى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ﴾، فيسعون معكم في حوائجكم، ﴿أَمْ
стр. 2628
لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ﴾، فيدفعون عنكم الضر وتنتصرون بها عند قصد من يقصدكم بسوء، ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ﴾، فيعرفونكم ما عاينوا مما تغيبون عنه، ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾، فيخبرونكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه. فإن كانت هذه آلهتكم المُعَظَّمَةُ عِنْدَكُمْ، فما وجه عبادتكم لها، وهي خالية من هذه المنافع كلها؟.
ثم قال الله تعالى، لنبيه ﵇: ﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ﴾، أي: ادعوهم لمعونتكم عَلَيَّ، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وهم، " فلا تنظرون "، أي: لا تؤخرون بالكيد، ولكن عَجِّلُوا كلَّ هذا. يُنَبِّئُهُمِ أَنَّ آلِهَتَهُمْ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ.
قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب﴾، إلى قوله: ﴿عَنِ الجاهلين﴾.
قرأ الجَحْدَري: " إِنَّ وَلِيَّ اللهِ "، بياء مفتوحة شديدة، وخفض الاسم. يعني
стр. 2629
به جبريل، ﵇.
ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾، أي: (إنَّ) نصيري عليكم، ﴿الله الذي نَزَّلَ الكتاب﴾ عَلَيَّ بِالحَقَّ، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾، أي: يَنْصُرُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ فِيهِ.
ثم قال: ﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ/ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾.
[أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فأي هذين أولى بالعبادة؟ من نَصَرَ نَفْسَهُ، وَنَصَرَ مَنْ عَبَدَهُ، أو من لا يستطيع نصر لنفسه ولا نصر من عبده؟
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ﴾.
أي: وإن تدعوا، أيُّها المشركون، آلهتكم ﴿إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ﴾ دعاءكم.
﴿وتراهم يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، يعني: آلهتكم، ﴿وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾، يعني: الآلهة.
стр. 2630
﴿وتراهم﴾ في هذا بمعنى: الظن والحِسْبَان، لا من النَّظَر. وقد تَأوَّلهُ بمعنى: " النَّظَرِ " المُعْتَزِلَةُ، وغَلِطُوا فيه.
وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى،
﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ما تدعوهم إليه.
وقيل معنى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هنا: يُوَاجِهُونَك ولا يَرَوْنَكَز
وحكى الكسائي: " الحَائِطُ يَنْظُرَ إِلَيْكَ ". أي: يواجهك، إذا كان قريباً منك.
وحكى: " دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلاَنَ "، أي تواجه وتحاذي وتقابل.
стр. 2631
ودَلَّ قوله ﴿وتراهم﴾ على أن المراد المُشْرِكُونَ، إذ لو كان للآلهة لقال: " وتراها ".
وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مَثَّلُوها؛ ولأنهم يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فَخُطِبُوا كَذَلِكَ. فمن جعله للمشركين، كان " ترى " على بابه، من رؤية العين.
ثم قال تعالى: ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾.
قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية بيان قول النبي، ﷺ : " أُوتيتُ جَوَامِعَ الكَلاَمِ ".
فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خُلُقٍ حسن؛ لأن في " أخذ العفو ": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفي " الأمر بالمعروف ": تقوى الله ، وطاعته، (جلت عظمته)، وصلة الرجم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرُمات.
стр. 2632
وسُمِّيَ ذلك وَنَحْوَهُ " عُرْفاً "؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه.
وفي الإعراض عن الجاهلين ": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة السفيه، ومنازعة اللَّجُوج، وغير ذلك من الأفعال المَرْضَيَّةِ.
وقال أهل التفسير في قوله ﴿خُذِ العفو﴾، أي: خذ فضل أموالهم، وهو حق في المال نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ.
وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما.
وقيل: هو الزكاة. وهو قول مجاهد.
وقيل: هو أمْرٌ بالاحتمال وترك الغِلْظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر بالقتال. وهو قول ابن زيد.
стр. 2633
وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة.
وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه ﴿خُذِ العفو﴾، أي: من أخلاق الناس، أي: السَّهْلَ مِنْهَا.
стр. 2634
﴿وَأْمُرْ بالعرف﴾.
قال عروة، والسدي: " العُرْفُ ": المعروف.
وفي الحديث معنى الآية: " أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ".
قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، ﵇، نزل على النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، جئتك بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك.
وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: " إن جبريل، ﵇، (لما) نزل بهذه الآية
стр. 2635
على النبي ﵇، قال له النبي ﵇،: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العَالمِ، ذهب فمكث شيئاً ثم رجع فقال: إن الله ، يأمرك أن تعفو/ عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ".
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾.
قال ابن زيد: هذا منسُوخٌ بالقتل.
وقيل: هي مُحْكَمةٌ، إنما أُمر بالاحتمال واللِّين. وذكر سفيان بن عيينة أن
стр. 2636
جبريل، ﵇، فسر هذا للنبي ﷺ ، فقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، ، نبيه، ﵇ (بها) وَدَلَّهُ عليها.
ورُويَ: أن جبريل ﵇، نزل على النبي ﷺ ، فقال يا محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾، وذلك يا محمد، أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتَحْلُمَ عمن هو دونك.
ورُوِيَ أن " العُرْفَ "، قول: لا إله إلا الله، أُمِر النبي ﷺ ، أن يأمر الناس بقولها.
стр. 2637
قوله: ﴿وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ﴾، إلى قوله: ﴿يُقْصِرُونَ﴾.
والمعنى: وإما يغضبَنَّكَ من الشيطان، غَضَبٌ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجَاهلين، ويحملك على مجازاتهم ﴿فاستعذ بالله﴾، أي: اسْتَجِرْ بِهِ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لجل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغ الشيطان، ولغير ذلك من أمورك، ﴿عَلِيمٌ﴾، بما يذهب عند نَزْغَ الشَّيْطَانِ، وبغير ذلك.
وقال أبو عبيدة المعنى: وإما يستخفنك منه خفة.
وقيل " نَزْغُهُ ". وسوسته.
وقيل: " نَزْغُهُ ": فساده.
стр. 2638
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾.
و" الطَّائِفُ " و " الطَّيْفُ " عند جماعة من البصريين، سواء، وهو ما كان كالخيال، والشيء يُلِمُّ بِكَ.
وقيل: إن " طيفاً " مخفف من: " طيّفٍ "، مثل: " مَيْتٌ ومَيِّتٌ.
وقال بعض الكوفيين: " الطَّائِفُ ": ما طاف به من وسوسة الشيطان. و " الطَّيْفُ ": من اللَّمم والمَسِّ.
وقال الكسائي: " الطَّيْفُ: " اللهو، و " الطَّائفُ ": كل ما طاف حول الإنسان.
وقرأ ابن جبير: " طيِّفٌ " مشدوداً.
و" الطَّيْفُ " عند أهل العربية: مصدر طاف.
стр. 2639
وقال الكسائي: هو مخفف من " طَيِّفٍ ".
وقال الكسائي: " طَافَ " من: الواو.
وقال الأَحْمَرُ سمعت: طِفْتُ أطِيفُ ".
وحكى البصريون: " طَاف بطيف " و " طِفْتُ أطِيفُ ".
قال ابن جبير ومجاهد: " الطَّيْفُ ": الغضب.
وقال ابن عباس " طَائِفٌ ": لمَّةٌ من الشيطان.
стр. 2640
وقال السدي: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أي: تذكروا عقاب الله، ، فتابوا، أي: تابوا إذا زَلُّوا.
قال ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، أي: منتهون عن المعصية.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾.
أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي.
﴿ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾.
أي: لا يقصرون عما أقصر عنه الذين اتقوا ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾.
وهذا خبر من الله، عن حال المؤمنين وحال الكفار، أن المؤمن إذا
стр. 2641
أصاب الذنب تذكر العقوبة فتاب ورجع وأبصر رشده، والكافر يمد له إخوانه من الشياطين في الغي، ثم لا يقصر عن غيه، ولا يرجع كما فعل المؤمن.
و" المَدُّ ": الزيادة، ف " الهاء " و " الميم " في: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ تعود على الشياطين. ودَلَّ " الشيطان " في قوله ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾، على الشياطين. و " الإخوان " كناية عن الكفار.
والضمير المرفوع في: " يُمِدُّونَ " يعود على " الشياطين ".
و" الهاء " و " الميم " في ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ تعود على " الكفار "، وهم الإخوان.
وقيل المعنى: ثم لا يقصر الشياطين في مدهم في الغي للكفار. قاله: قتادة.
وقال: ﴿لاَ يُقْصِرُونَ﴾ عنهم ولا يرحمونهم. / فالضمير في ﴿يُقْصِرُونَ﴾ للشياطين. وعلى القول الأول للمشركين، وَهُوَ الأَكْثَرُ.
و" الغَيُّ ": الجهل والوقوع في الهلكة.
стр. 2642
وهذا الكلام عند أبي إسحاق مُقَدَّمٌ مُتَّصِلٌ في النبية بقوله: ﴿ولا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧].
ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، أي: وإخوانهم يعني: الشياطين، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، يعنى: الكفار.
يقال: " قَصَّر " عن الشيء و " أَقْصَرَ ".
وقد أنكر أبو حاتم وأبو عُبَيْد قرأءه نافع، بـ: " ضَمَّ اليَاءِ " في: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وهي مشهورة.
стр. 2643
حكى المبرد: " مَدَدَتْ لَهُ في كَذَا ": " زينته له، واسْتَدْعَيْتُه أن يفعله، و " أَمْدَدْتُهُ في كذا " أي: أعنته برأيي وغير ذلك.
وحكى غير المبرد: " مَدَّهُ " و " أمَدَّهُ " بمعنىً.
وقيل ﴿فِي الغي﴾: متعلق بـ " الإخوان "، التقدير: " وَإِخْوَانُهُمْ فِي الغَيِّ يُمِدُّونَهُمُ، والأول أحسن، كما قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥].
стр. 2644
قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها﴾، إلى قوله: ﴿تُرْحَمُونَ﴾.
المعنى: إنهم يقولون للنبي ﵇، إذا سألوه في آية فلم يأت بها: هلا افتلعتها من عند نفسك، فهذا قول كفار قريش للنبي، ﷺ .
وعن ابن عباس: هلا أجتبيتها: تقبلتها من ربك.
﴿قُلْ﴾، يا محمد، ﴿إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾.
أي: هذ الذي دللتكم عليه ﴿بَصَآئِرُ﴾، أي: لِيُسْتَبْصَرَ بِهِ، وهذا إشارة إلى القرآن والوحي، فلذلك وُحِّدَ.
و ﴿بَصَآئِرُ﴾: حُجَجٌ وبيان لكم من ربكم.
﴿وَهُدًى﴾، أي: بيان، ﴿وَرَحْمَةً﴾ رحم الله بها عباده المؤمنين.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ﴾.
стр. 2645
هذا أمر للمؤمنين أن يستمعوا القرآن ويتعظوا به، ويتدبروه، وينصتوا للقراءة ليرحمهم الله.
قال المسيب بن رافع عن ابن مسعود: ذَلِكَ في الصَّلاَةِ، وكان بعضنا يُسَلِّمُ على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
وقاله أبو هريرة.
وقال الزهري: نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كانوا يقرأون مع النبي، ﷺ ، كلما قرأ، فنهوا عن ذلك، وأُمروا بالإنصات.
وكذلك قال النخعي، وابن شهاب، والحسن: إنه أمر في الصلاة. وهو قول: مجاهد وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، والشعبي وعطاء وغيرهم.
والخطبة من الصلاة: فَالإِنْصَاتُ لَهَا وَاجِبٌ.
стр. 2646
قوله: ﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾، إلى آخرها.
قوله: ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾: مصدران. ﴿والآصال﴾: جمع " أُصُلِ "، ك: " طُنُبٍ " وأطنابٍ ". وقال الفراء: هو جمع " أصِيلٍ "، ك: " يَمِينٍ " و " أَيْمَانٍ ".
وقيل: [الأُصُلُ] جمع " أصيلٍ ".
﴿والآصال﴾: جمع " الأُصُل "، وقد تجعل العرب " الأُصُل " وَاحِداً، فيقولون: " قَدْ
стр. 2647
دَنَا الأصُلُ ".
ومعنى ﴿واذكر رَّبَّكَ﴾: الدُّعَاءُ، وهو أمر للمستمع للقرآن بأن يذكر الله في نفسه بالدعاء، ويعتبر بما يسمع ويتعظ.
﴿تَضَرُّعاً﴾، أي: تخشعاً وتواضعاً.
﴿وَخِيفَةً﴾، أي: وخوفاً من الله.
﴿وَدُونَ الجهر﴾، أي: واذكره دون الجهر ذِكْراً خَفِيّاً باللِّسَانِ. قال ذلك ابن زيد وغيره.
قال الحسن: كانوا يتكملون في الصلاة حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾. أي: مخافة منه.
стр. 2648
﴿وَدُونَ الجهر مِنَ القول (بالغدو) والآصال﴾.
ما بين المغرب إلى العصر.
وقيل: هي العَشِيُّ.
﴿وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين﴾.
أي: من اللاهني.
قال مجاهد: ﴿بالغدو﴾: آخر الفجر، صلاة الصبح، ﴿والآصال﴾: آخر العَشِيِّ، صلاة العصر.
وهذا إنما كما إذا كانت الفريضة ركعتين " غدوة "، وركعتين/ " عشية "، قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ﴾.
стр. 2649
يعني: الملائكة.
﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾. أي: لا يستكبرون عن التواضع له والتَخَشُّعِ.
﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾. أي: يُعَظِّمُونه ويُنَزِّهُونه عن السوء.
﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. أي: يُصَلُّون.
стр. 2650
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأنفال مدنية
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ إلى قوله: ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾.
قال أبو حاتم: الوقف على ﴿ذَاتَ﴾ بـ: " الهاء "، وكل العلماء قال: بـ: " التاء "؛ لأَنَّها مُضَافَةٌ، ولا يحسن الوقف عليها البتة إلا عن ضرورة.
وقرأ سعد بن أبي وقاص: " يسئلونك الأنفال "، بغير ﴿عَنِ﴾.
стр. 2651
والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن هي؟ فقيل للنبي، ﷺ : قل يا محمد: هي لله والرسول.
و ﴿الأنفال﴾: الغنائم. بذلك قال عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء.
فأكثر العلماء الذين جعلوها: الغنائم، على أنها منسوخة بقوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، الآية.
стр. 2652
وقيل: ﴿الأنفال﴾ هي زِيَادَاتٌ تزيدها الأئمة لمن شاء، إذا كان في ذلك صلاح للمسلمين، فهي مُحْكَمَةٌ. وروي ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس.
وقيل: ﴿الأنفال﴾: ما شذَّ من العدو، من عبد أو دابة، للإمام أن يُنْفِلَ ذلك من شاء إذا كان ذلك صلاحاً. قاله الحسن.
﴿الأنفال﴾: جمع " نَفَلٍ "، و " النَّفَلُ ": الغنيمة، سميت بذلك، لأنها تَفَضُّلٌ من الله، ، على هذه الأمة، لم تحل لأحد قبلها.
стр. 2653
وقوله: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾، يَدُلُّ على أنهم سألوا لمن هي.
وقوله: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾، يَدُلُّ على أن سؤالهم كان بعد تَنَازُعٍ فيها.
وقيل: ﴿الأنفال﴾: السَّرايا. قاله علي بن صالح.
وقال مجاهد ﴿الأنفال﴾: الخُمُسُ.
وهذه الآية نزلت في غنائم بدر، وذلك أن النبي ﷺ ، زَادَ قَوْماً لِبَلاَءٍ أَبْلَوْا، فاختلفوا فيها، بعد تَقَضِّي الحرب، فنزلت الآية تعلمهم أنَّ ما فعل النبي ﷺ ، ماضٍ جائز.
وروى ابن عباس (رضي الله عن هما)، أن النبي، ﷺ ، قال: " من أتى مكان كذا، وفعل كذا، فله كذا "، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ، فلما فتح الله عليهم، طلب الشبان ما
стр. 2654
جعل لهم النبي ﷺ ، فقال الأشياخ: لا يذهبوا بذلك دوننا! فأنزل الله، : ﴿ فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ الآية.
وقيل: إن النبي ﷺ ، سُئِلَ شيئاً من الغنائم قبل أن تقسم فامتنع من ذلك فنزلت: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾، فرخّص الله، ، له أن يعطي مَنْ أَرَادَ.
و [قيل]: إنهم سألوه الغنيمة يوم بدر، فَأُعْلِمُوا أن ذلك لله والرسول.
و ﴿عَنِ﴾ في موضع: " مِنْ ".
وقرأ ابن مسعود على هذا التأويل: " يسئلونك الانفال ".
стр. 2655
وذكر ابن وهب: " أنها نزلت في رجلين أصابا سيفاً من النَّفْلِ، فاختصما فيه إلى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : " هُوَ لي وَلَيْسَ لَكُمَا "، فنزل: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾، وأمر الرجلين أن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله في ما أمرهما به النبي ﷺ "
، / من دفع السيف إليه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
وَرُوِيَ أن الرجلين اللذين اختصما في السيف إلى النبي ﷺ ،: سعد بن مالك بن وُهَيْب الزُّهري، ورجل من الأنصار، فَأُمِرا في الآية أن يسلماه إلى النبي، ﷺ ، وأن يصلحا ذات بينهما، وأن يعطيا الله ورسوله فيما يأمرانهما من تسليم السيف إلى النبي ﷺ ، وغير ذلك.
وقيل: إن أَهْلَ القُوَّة يوم بدر غنموا أكثر مم اغنم أهْلُ الضُّعْفِ، فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ ، فَنَزَلَتْ: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾.
стр. 2656
وقيل: إنهم اختلفوا في الغنائم، فَنَزَلَتْ: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾.
" والبَيْنُ " هنا: " الوَصْلُ ".
أُمِروا بصلاح وصلهم، وألا يتقاطعوا في الاختلاف على الغنائم، كأنه قال: كونوا مُجْتَمِعي القُلُوب.
وأُنِثَتْ ﴿ذَاتَ﴾؛ لأنه يراد بها الحال التي هم عليها.
وذكر إسماعيل القاضي: أنهم اختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة اتبعت العدو: نحن أولى بالغنائم، وقالت فرقة حَفَّت بالنبي ﷺ ، نحن أولى، وقالت فرقة أحاطت بالغنائم، نحن أولى، فأنزل الله، تعالى، الآيات في ذلك.
قوله: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، الآية.
стр. 2657
فهذه الصفة صفة الكمال والتمام في الإيمان.
والمعنى: ليس المؤمن من الذي يخالف الله ورسوله، ويترك أمرهما، وإنما المؤمن الذي إذا سمع ذكر الله، ، وَجِلَ قَلْبُهُ، وَخَضَعَ، وانْقَادَ لأمْرِهِ، ﵎، وإذا قرئت عليه آيات كتاب الله، سبحانه، صدق بها وأيقن أنها من عند الله، جلت عظمته، فازداد إيماناً إلى إيمانه.
قال ابن عباس: المنافق لا يدخل قَلْبَهُ شَيْءٌ من ذلك، ولا يؤمن بشيء من كتاب الله، أي: من آيات الله سبحانه، ولا يتوكل على الله، ، ولا يصلي إ ذا غاب عن عيون الناس، ولا يؤتي الزكاة فليس هذا بمؤمن، وإنما المؤمن من الذي وصفه الله ، بالخشية وازدياد الإيمان عند سماع آيات الله، ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
قال مجاهد ﴿وَجِلَتْ﴾: فَرِقت.
وقال السدي: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيذكر الله، ، فَيْنَزعُ عنها خَوْفاً من الله، سبحانه.
стр. 2658
﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾، أي يقيمونها في أوقاتها، وقيل: يقيمونها بحدودها.
﴿أولائك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ الآية، المعنى: أولئك الذين هذه صفتهم هم المؤمنون حقاً.
قال ابن عباس: ﴿المؤمنون حَقّاً﴾، أي: بَرِئُوْا من الكفر.
وَهَذَا بَابٌ تُذْكَرُ فَيهَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَتَفْسِيرُهُ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، .
وحقيقة الإيمان عند أَهْلِ السُّنَّة: أنه المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وكذلك رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ .
وقالت المُرجئة الإيمان: قول ومعرفة بالقلب بلا عمل.
стр. 2659
وقال الجهمية الإيمان: المعرفة بلا قول ولا عمل.
وأهل السنة والطريقة القويمة على أنه: المَعْرِفَةُ وَالقَوْلُ وَالعَمَلُ، كما رواه علي عن النبي ﷺ ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ إِجْمَاعِ الأُمَّةِ.
قد أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنه من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم أخبر أن قلبه غَيْرُ مُصَدِّقٍ بشيء من ذلك، أنَّهُ كَافِرٌ، فدل على أَنَّ الاعتقاد لا بد منه.
ثم أَجْمَعُوا على أَنَّ الكافل إذا قال: قد اعتقدت/ في قلبي الإيمان ولم يقله ويسمع منه، [أن حكمه الكافر] حتى يقوله ويسمع منه، فَإنَّ دمه لو قتل لا تلزم منه دية، فدل على أن القول مع الاعتقاد لا بد منه.
ثم أَجْمَعُوا على أن شهد الشهادتين، وقال: اعتقادي مثل قولي، ولكني لا أصوم ولا أصلي ولا أعمل شيئاً من الفروض أنه يستتاب، فإن تاب وعمل وإلا قتل كما يقتل
стр. 2660
الكافر، فدل على وجوب العمل.
فصح من هذا الإجماع، أن الإيمان هو الاعتقاد والقول والعمل، وتمامه: موافقة السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ [البينة: ٥]، أي: دين الملة القيمة. ومن لم يقل: إن الله تعالى، أراد الإقرار والعمل من العباد فهو كافر. فإن قيل: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به محمد ﷺ ، أيكون مؤمناً بهذا الإقرار أم لا؟ قيل: له لا يطلق عليه اسم مؤمن إلا ونيته أنه لم يطلق عليه اسم مؤمن، ولو أنه أقرّ في الوقت وقال: لا أعمل إذا جاء وقت العمل، لم يطلق عليه اسم مؤمن.
والأعمال لا يقبل منها إلا ما أريد به وجه الله، (سبحانه)، فأما من أراد بعمله مَحْمَدَةَ الناس وَرَايَا به فليس مما يقبله الله، ، وصاحبه في مشيئة الله سبحانه.
روى أبو هريرة أن النبي ي ﷺ قال: " أَوَّلُ مَا يُقْضَى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل
стр. 2661
استشهد فأمر به، فَعَرَّفَهُ نِعمهُ فَعَرَفَهَا؛ قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذبْتَ ولكن قاتلت ليقال: جَريءٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وحهه حتى ألقي في النار. ورحل تَعَلَّمَ العلم وعَلَّمَهُ، وقرأ القرآن، فأُتِيَ به، فعرَّفه نعمه، فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: تعملت فيك العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: إنك قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورَجل وسَّع الله عليه، وأعطاهُ أنواع المال كله، فَعَرَّفه نِعمه فَعَرَفَها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت في سبيل الله شيئاً تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جَوَادٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ".
وروى أبو هريرة أيضاً، أن النبي ﷺ ، ق ل: " قال الله جلّ ذكره من قائل،: أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ، فمن عَمِلَ عَمَلاً أشرك فيه غيري، فهو للذي أشركه، وَأَنَا بَرِيءٌ منه ".
стр. 2662
وفي خبر آخر: " أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ ".
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ ، قال: " أَشَدُّ النَّاسِ يوم القيامة عَذَاباً، من يرى النَّاس أَنَّ فِيهِ خَيْراً وَلاَ خَيْرَ فِيهِ ".
وعنه، ﷺ ،: " مَنْ رَاءَا بأمر يريد به سُمْعَةً فإنه في مَقْتٍ من اللهِ ، حتى يجلس ".
وقال النبي ﷺ : " لا تخادعوا الله فإنه من خادع الله بخدعة فنفسه يخدع لو يشعر ". قالوا: يا رسول الله، وكيف يُخادع الله، قال: " تعمل ما أمرك به تطلب غيره، فاتقوا الرياء، فإنه الشرك، فإن المرائي يدعى يوم القيامة على/ رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء، ينسب إليها: يا كافر، يا خاسر، يا فاجر، يا غادر، ضل أجرك، وبطل عملك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا خادع ".
وعنه، ﷺ : " إن أدنى الرِّياء شِرْكٌ ".
стр. 2663
فيجب على المؤمين الراجي ثواب الله ، الخائف من عقابه، سبحانه، أن يخلص العمل لله سبحانه، ويريد به وجهه، ﵎. وألاَّ يتباهى بعمله عند أحد فيشركه في علمه.
فإنَّ عَمِلَ عاملٌ عَمَلاً مُخْلِصاً لله ﷺ ، في السر، فَسُرّ به، وأُعْجِبَ به إذ وفقه الله ، لذلك فهو حسن، وليس ذلك برياء، وهو ممدوح إنْ سلم من الإعجاب بنفسه؛ فَإنَّ الإعجاب ضَرْبٌ من التكبر، والتكبر يُحْبِطُ الأَعْمَالَ.
فإن ظَهَرَ عَمَلُهُ الذي أَسَرَّه للناس من غير أن يُشْهِّره هو على طريق الافتخار به، فأثنوا عليه بفعله فَسَرَّه ذلك فليس برياء، بل له أجر على ذلك؛ لأن الأصل كان لله ، والناس يَتَأَسَّونَ به في فعله.
وقد روى أبو هريرة:
" أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، دخل علي رجل وأنا أصل فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال له النبي ﷺ : " فلك أجران: أَجْرُ السَّرِ، وأَجْرُ العَلاَنِيَّة ".
وروى حبيب بن ثابت عن أبي صالح قال: " أتى النبي ﷺ ، [ رجل]، فسأله
стр. 2664
عن رجل يعمل العمل من الخير يُسِرُّه، فإذا ظهر أعجبه ذلك، فقال له النبي ﷺ : " له أجران: أجرُ السّرِّ وأجرُ العلانيَّة ".
وروى حبيب: " أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا: يا رسول الله، إنَّا نعمل أعمالاً في السر، فنسمع الناس يذكرونها فيعجبنا أن تُذْكَرِ بِخَيْرٍ، فقال: " لكم أجر السر وأجر العلانية ".
وقد روىأنس " أن النبي ﷺ ، وجد ذات ليلة شيئاً، فلما أصبح قيل: يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبيّن، فقال: " أما إني على ما ترون بحمد الله، قد قرأت البارحة السبع الطُّوَلُ ".
وهذا من رسول الله ﷺ ، استدعاءٌ بأن يعمل الناس على مثل عمله، ويرغبوا في الخير، ويجتهدوا، ولو وقع مثل هذا لمن صح قصده ونيته، وأراد به مثل ما أراد النبي ﷺ ، ولم يرد المَحْمَدَةَ والافتخار، لكان حسناً، وصاحِبُهُ مَأْجُورٌ؛ لأَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَقْتَدَى بِهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلُ عَمَلِهِ، وهذا طريق من الدعاء إلى الخير، إذا صحت النية، فهو طريق شريف غير مستنكر.
стр. 2665
فحق العامل المجتهد أن يُجْهِدَ نسه في تكذيب وساوس الشيطان، ولا يلتفت ما يوسوس إليه، وليقبل على عمله بنية خالصة لله، ويجهد نفسه في طاعة الله، ، والعمل لله، سبحانه، فلا شيء أبغض إلى الشيطان من طاعة العبد لربه، ، ولا شيء أسر إليه من عصيان العبد لربه، سبحانه، نعوذ بالله منه.
فحسب أَهْلِ الخَيْرِ أن لا تأتي عليهم حال إلا وهم للشيطان مرغمون، ولطمعه في أنفسهم حاسمون. فإن عجزوا عن ذلك في كل الأوقات فيلفعوه في حال اشتغالهم بأعمال الطاعة حتى تخلص أعمالهم لله ، وتسلم من الشيطان من أولها إلى آخرها فإن عجزوا عن ذلك فلا يعجزوا عن أن يكون ذلك منهم في أول أعمالهم، وفي آخرها، فإن عجزوا عن/ ذلك، فلا بد من إخلاصها في أولها ليكون الابتداء بالنية لله ، والإخلاص له، سبحانه؛ فإنه إذا كان [ذلك] كذلك، ثم عرض في أضعاف العمل عوارض الشيطان وساوسه، رجي له ألا يضره ذلك، فإن عجز عن ذلك وغلبه الشيطان حتى ابتدأ بغير إخلاص. ثم حدث له في بعض العمل إخلاص وإنابة عما فعل رجي له، لقوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠].
следующие страницы →