← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

تموت. يعني: بدابة: كل ما دب، ودرج على وجه الأرض من إِنسيّ، أو جني، أو بهيمة، أو هامّة، والهامَّة كل ما يدُب سميت بذلك لأنها تهم، أي: تدب. وقال الضحاك: والناس منهم. ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾: أي: حيث تستقر، وتأوي. ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: " حيث تموت " قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحم، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلب، مثل تلك التي في الأنعام، وهو قول الضحاك. وقد روي أيضاً هذا عن ابن عباس. (وقيل: المستقر في الرحم، والمستودع: حيث تموت). كل ذلك

стр. 3292

﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾: أي: ظاهر لمن قرأه، قد أثبته الله، ، قبل الخلق: وهذا توبيخٌ لمن أخبر عنه أنه يخفي ما في صدره عن الله، ، ويظن أن الله سبحانه لا يعلمه، وكيف يكون آمن من قد أحصى جميع استقرار الحيوان، وموضع موته، وتكفل برزقه، وأثبت ذلك قبل خلقه. فمن كان يقدر على ذلك كيف يخفى عليه ما في صدور هؤلاء. قوله: ﴿وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ﴾ إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾. والمعنى: أن الذي إليه مرجعكم أيها الناس، هو الذي خلق السماوات والأرض ومن فيهن في ستة أيام، وهو قادر على أن يخلق ذلك في لحظة. روى أبو هريرة رضي الله عن هـ، قال: " أخذ رسول الله ﷺ ، بيدي، فقال: خلق الله تعالى التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور فيها يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ساعات الجمعة ".

стр. 3293

قال كعب: جعل الله ، الدنيا مكان كل يوم من الستة الأيام ألف سنة ". وقال الضحاك: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من أيام الآخرة، كل يوم مقدار ألف سنة، ابتدأ في الخلق يوم الأحد، واجتمع الخلق يوم الجمعة، فسميت الجمعة لذلك. ولم يخلق يوم السبت شيئاً. وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾: أي: قبل خلق السماوات والأرض " وسئل النبي ﷺ ، فقيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال: في عماء ". - في بمعنى على عادة العرب، لأنها تبدّل حروف الجر، بعضها من بعض.

стр. 3294

العماء: السحاب الرقيق. ومن رواه مقصوراً فمعناه، والله أعلم، أنه كان وحده، وليس معه سواه. شبه ﵇ العمى بالعماء توسعاً ومجازاً - (فوقه هواء، وتحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء). قال ابن عباس: كان الماء على متن الريح. ثم قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾: أي: فعل ذلك ليختبركم أيكم أحسن عملاً له، وطاعة. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ : ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾: أحسن عقلاً، وأورع عن

стр. 3295

محارم الله ، وأسرع إلى طاعته. قال ابن جريج: يعني بالاختبار الثقلين. والمعنى: ليختبركم الاختبار الذي تقع عليه المجازاة، وهو عالم بما يفعل الجميع قبل خلقهم. ولكن أراد الله تعالى، أن يظهر من الجميع ما يقع عليه الجزاء. ثم قال تعالى لنبيه ﵇: ﴿وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت﴾: أي: إن قلت لهم يا محمد: إنكم مبعوثون من بعد موتكم، وتجازون ليقولن الذين كفروا، ما هذا ﴿إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما قولك إلا سحر ظاهر. ومن قرأ (إلا ساحر)، فمعناه: ما هذا الذي يخبرنا بهذا إلا ساحر ظاهر. ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾: أي: ولأن أخرنا يا محمد عن قومك العذاب إلى وقت معلوم عندنا معدود. وقيل: المعنى: إلى مجيء أمة وانقراض أمة. وإنما سميت السنون أمة، لأن فيها

стр. 3296

تكون الأمة، وتنبتُ وتهلك. وأصل الأمة الجماعة. ثم قال تعالى إخباراً عما علم منهم: إنهم يقولون: إذا أخرنا عنهم العذاب. ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِم﴾: أي: ليقولن هؤلاء الكفار ما يحبه، أي: شيء يمنع الذعاب أن يأتي تكذيباً منهم به. قال الله ﵎: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً﴾ (أي: ليس يصرفه عنهم أحد إذا جاء وقته). ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾: أي: نزل بهم وحل ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ وهو العذاب. وقيل: المعنى: وحل بهم عقاب استهزائهم بأنبيائهم. قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً﴾ إلى قوله ﴿على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. المعنى: ولئن وسعنا للإنسان في رزقه وعيشه، ثم سلبنا ذلك منه.

стр. 3297

﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾: أي قنوط من الرحمة. ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾: أي: " كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر ". والإنسان هنا اسم للجنس، وقيل: هو للكفار خاصة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ﴾: أي: ولئن بسطنا له في الرزق والعيش، بعد ضيق في رزقه مسه منه ضرر ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني﴾: أي: ذهب الضيق، والعسر عني. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾: أي: مرح، لا يشكر، ﴿فَخُورٌ﴾: أي يفخر بما ناله من السعة في رزقه، فينسى صروف الدنيا، وعوارضها غرَّة منه وجرأة. ﴿الله لاَ يُحِبُّ الفرحين﴾ [القصص: ٧٦]: وهذا كله من صفة الكافر. وقد قرأ بعض أهل المدينة " لَفَرَحٌ " بضم الرَّاء، وهي لغة، كما يقال:

стр. 3298

رجل قطِرٌ وقُطُرٌ وحذَر وحذُرٌ. ثم استثنى. تعالى ذكره من هؤلاء قوماً ليسوا على هذه الصفة فقال: ﴿إِلاَّ الذين صَبَرُواْ﴾ أي: على الضيق والعسر وحمدوا الله على ما نالهم. ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾: أي: الأعمال التي هي طاعات. ﴿أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾: أي: من الله: أي: لهم مغفرة لذنوبهم، فلا يفضحهم في معادهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: أي: ثواب عظيم على أعمالهم، وهو الجنة. وقوله: ﴿إِلاَّ الذين﴾ هو استثناء ليس من الأول عند الأخفش بمعنى: " لكن ". فهذا في المؤمنين، والأول / في الكافرين فهما جنسان ونوعان. وقال الفراء: هو استثناء من أذقناه، لأن الإنسان بمعنى الناس، فهو من الأول. ثم قال تعالى لنبيه ﵇: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ أي: فلعلك تتْرك بعض ما يوحى إليك يا محمد، فلا تُبلغه لمن أمرت أن تبلغه إياه.

стр. 3299

﴿وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي: وضائق بما يوحى إليك صدرك، فلا تبلغهم إياه مخافة أن يقولوا: فهلا ﴿أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾: من مال ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدقه فيما يقول، وينذر معه. إنما عليك يا محمد الإنذار. ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: أي: لست يا محمد عليهم بوكيل. الله هو الوكيل عليهم، أي: هو القائك بمجازاتهم وأمورهم. فالهاء في " به " تعود على " ما "، أو على " بعض "، أو على التبليغ، أو على التكذيب. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ إلى قوله ﴿يَعْمَلُونَ﴾: المعنى: أيقولون افتراه، أي: اختلق القرآن من عند نفسه. و " أَمْ " هنا هي المنقطعة التي هي بمعنى الألف قل لهم يا محمد ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾: أي: مثل القرآن. ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾: مختلفات، أي: مختلفات، أي: مفتعلات. كما زعمتم أني اختلقت

стр. 3300

القرآن، فاختلقوا أنتم أيضاً. إذ محال أن أقدر على ما لا تقدرون، لأنا أهل لسان واحد. ﴿وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله﴾: أي: ادعوا للاختلاق والعون من شئتم إلا الله سبحانه ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: في قولكم إن محمداً ﷺ ، افترى القرآن من عند نفسه. ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾: أي: إلم يستجب لكم أيها المشركون من (تدعون لأن يأتوا) بعشر سور مثل هذا القرآن ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ ولم تطيقوا أن تأتوا بذلك، ﴿فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ الله﴾: أي: أيقنوا أن هذا القرآن أنزل على محمد بعلم الله، وألاَّ معبود إلا الله .

стр. 3301

وقيل: المعنى: فإلم يستجب لكم يا محمد هؤلاء المشركون في أن يأتوا بذلك ﴿فاعلموا﴾: أيها المشركون أنه إنما أنزل بعلم الله. وأتى بـ " لكم " لأن المراد النبي ﷺ ، والمؤمنون. وقيل: خوطب النبي ﷺ ، بلفظ الجماعة كما يخاطب العظيم، والشريف. والنبي ﷺ ، أشرف مَنْ على وجه الأرض. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: أي: مذعنون بالطاعة، مُخْلصُون لله ، العبادة. ثم قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. المعنى: من " كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، نوف إليهم أجورهم فيها ". ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾: هذا للكافر، فأما المؤمن فيجازى بحسناته في

стр. 3302

الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. وقيل: إن قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾: يعني: في الآخرة لا يظلمون. قال مجاهد: هي في أهل الرياء. وقيل: المعنى: لئن كان يريد بغزوه الغنيمة وفي ذلك، ولم ينقص منه شيئاً. وقال ابن عباس: نسختها ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا (لَهُ) فِيهَا مَا نَشَآءُ / لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٧]. وهذا مردود، لأنه خبرٌ، والأخبار لا ننسخ. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ ، قال: " إن الله جل ثناؤه، إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية. فأول من يدعى به: رجل جمع القرآن،

стр. 3303

ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله ، للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب. قال فما عَمِلتَ فما علِمْت؟ قال: كنت اقرأ آناء الليل، وآناء النهار (ابتغاء وجهك)، فيقول الله، جلَّ ثناؤه: " كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله : أردتَ أن يُقالَ: فلان " قارئ. فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله ، له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت اصِل الرحم، وأتصدق " ابتغاء وجهك ". فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان جواد. فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله ، فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله، تعالى، له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت. فيقول الله تعالى له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله ﷺ ، على ركبتيَّ، فقال: يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة ".

стр. 3304

ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾: أي: في الدنيا، ومعنى حبط: ذهب، ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾. والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، وهو النبي ﷺ . والهاء في " ربه " تعود عليه. قال ذلك قتادة، وعكرمة، والنخعي. وقوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ﴾: أي: ويتلو محمداً شاهدا منه، أي: من الله، وهو القرآن. وقيل: المعنى: ويتلو القرآن شاهداً منه، أي: من محمد. وهو لسانه، أي: يقرأه: وهو قول الحسن، ومعمر. ويجوز أن تكون الهاء في ويتلوه للبينة، لأنها بمعنى البيان.

стр. 3305

وقال ابن عباس: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ﴾: هو جبريل ﵇، يتلو القرآن من عند الله ، على محمد ﷺ . وقال مجاهد: هو مَلَكٌ مع النبي ﷺ ، يحفظه من عند الله، سبحانه. وقيل: إن قوله ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾، يعني: به النبي ﷺ ، والمؤمنين. ودلّ على ذلك قوله: ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. وقيل: المعنى: ويتلوه شاهد من الله، ، والشاهد: الإنجيل، ويتلوه القرآن بالتصديق. ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى﴾، أي ومن قبل الإنجيل التوراة. وقال الزجاج: المعنى: ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي، ﷺ ، موصوف في التوراة، والإنجيل.

стр. 3306

وحكى أبو حاتم: (ومن قبله كتابَ موسى) بالنصب، على العطف على الهاء في " يتلوه ". أي: ويتلو كتاب موسى جبريل، فهو من التلاوة التي هي القراءة، وكذلك قال ابن عباس، قال: (الشاهد): جبريل، و " منه " من الله . و " من قبله " تَلَى جبريل كتاب موسى على موسى ﷺ . ويجوز الرفع في ﴿كِتَابُ﴾ على هذا المعنى، كما تقول: رأيت أخاك، وأباك: أي: وأباك كذلك. فيكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك: أي: تلاه جبريل على موسى، كما تلى على محمد ﵈. والمعنى: أفمن كان على هذه الحال، كمن هو في الضلالة، والعمى. واختار قوم أن يكون المعنى: أن الشاهد القرآن، يتلوه محمد، أي: بعده شاهداً له. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى﴾. قال ابن عباس: الشاهد جبريل.

стр. 3307

قال مجاهد: الشاهد حافظ من الله ، يحفظ محمداً: أي: ملك. فالهاء في " منه " تعود على الله، في هذين القولين. وقيل: (الشاهد): لسان محمد ﷺ ، والهاء تعود على محمدٍ. قاله الحسن. وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن. والهاء في ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ للقرآن. وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن والهاء في ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ للقرآن، وقيل: لمحمد ﷺ . ثم قال تعالى: ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: أي: مَنْ هذه صفته، يؤمن بالقرآن، وإن كفر به هؤلاء الذين قالوا: إن محمداً افتراه. ثم قال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ﴾ " يعني: من مشركي العرب، وغيرهم، ممن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، من كفر بِمُحَمَّدٍ، فالنار موعده يهودياً، كان أو نصرانياً، أو غير ذلك.

стр. 3308

ثم قال: ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، والمراد: أمته، ﴿إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾، أي: القرآن حق من عند الله ، فلا تكونوا أيها المؤمنون في شك من ذلك. ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: " لا يصدقون، بأن ذلك كذلك. ﴿شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾: وقف عند نافع على معنى: ويتلوالقرآن شاهد من الله، وهو جبريل. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: وقف، وكذلك: ﴿فالنار مَوْعِدُهُ﴾، وكذلك ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾. قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ إلى قوله ﴿هُمُ الأخسرون﴾ والمعنى: من أعظم جرماً ممن اختلق على الله سبحانه، الكذب، أي: كذب بآياته، وحججه، وهو النبي ﷺ ، وما جاء به.

стр. 3309

﴿أولئك يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ﴾، يوم القيامة، فيسألهم عن أعمالهم في الدنيا. قال ابن جريج: ذلك الكافر، والمنافق. ﴿وَيَقُولُ الأشهاد﴾: الذين شهدوا على أعمالهم، وحفظوها عليهم: ﴿هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ﴾ في الدنيا ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾: أي: غضبه، وإبعاده من رحمته. قال مجاهد: الأشهاد هنا: الملائكة الحفظة، وكذلك قال قتادة. وقال الضحاك: الأشهاد: الأنبياء، والرسل، صلوات الله عليهم، يقولون: هؤلاء الذين كذبوا بما جئنا به من عند ربنا. ثم بين تعالى الظالمين مَنْ هُمْ فقال: ﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾: أي: يُزَيِّغون أن يدخلوا في الإيمان. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾: أي: يلتمسون لسبيل الله ، العوج والزيغ. وسبيل الله هو الإيمان به، وبما جاء من عنده، وهم مع ذلك

стр. 3310

" وَبِالآخِرَةِ هُمْ / كَافِرُونُ ": أي: جاحدون، لا يصدقون بالبعث، ﴿على رَبِّهِمْ﴾: وقف. ثم قال تعالى: ﴿أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ والمعنى: أولئك الذين هذه صفتهم، لم يكونوا معجزين ربهم، سبحانه، في الأرض بهرب، أو باستخفاء، إذا أراد عقابهم. ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾: أي: ليس لهم من يمنعهم من الله ، إذا أراد الانتقام منهم. ثم قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ ولا يعقلون عن الله . ﴿ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾. ولا يهتدون إلى رشدهم. وقيل: إن المعنى يضاعف لهم العذاب أبداً: أي: وقت استطاعتهم السمع والبصر. وقيل: إن " ما " للنفي، فيحسن الابتداء بها على هذا، ولا يحسن على القولين الأولين. ومعنى النفي هنا أن الضمير في " يستطيعون "، و " يبصرون ": الأصنام، والنفي

стр. 3311

عنها: أي: لم تكن تسمع، ولا تبصر. وهذا التأويل مروي عن ابن عباس. وقيل: المعنى: إن الضمير " لهم "، والنفي " عنهم ": أي: لم يكونوا ليسمعوا شيئاً ينفعهم من الإيمان، ولا يبصرونه، لأن الله، ، حال بينهم وبين ذلك، لما سبق في علمه، فهو مثل قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]: بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكافر. ومثله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، ومثله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٩٩] بالله، . ختم على قلوبهم، وعلى أبصارهم بكفرهم. قال ذلك قتادة، فقال: فهم صمٌّ عن الحق، فما يسمعونه، بُكْمٌ، فما ينطقون به. عميٌ فلا يبصرون. وروي عن ابن عباس رضي الله عن هـ، إن المعنى: لا يستطيعون أن يسمعوا سماع منتفع بما يسمع، ولا يبصرون إبصار مُهتَدٍ، لاشتغالهم بالكفر.

стр. 3312

قال الزجاج: ذلك كان منهم لبغضهم النبي ﷺ ، فلا يسمعون عنه، ويفهمون ما يقول. قال الفراء: سبق لهم في اللوح المحفوظ أنه يضلهم. قوله: ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ وقف عند نافع، ﴿العذاب﴾: وقف إن جعلت " ما " نَفياً خاصة. ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: غبنوا أنفسهم حظها كم رحمة الله . ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾: أي: بَطُلَ كذبهم، وافراؤهم على الله، سبحانه. ثم قال تعالى: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾، و ﴿لاَ جَرَمَ﴾ عند سيبويه، والخليل بمعنى: حق. وأن في موضع رفع، وجيء بـ " لا " عند

стр. 3313

الخليل ليعلم أن المخاطل لم يُبتدأ به كلامه، وإنما خاطب غيره. وقال الزجاج: لا هنا نفي لما ظنوا أنهم ينفعهم كأنه كان المعنى: لا ينفعهم ذلك. ﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة﴾، أي: كسب ذلك الفعل لم الخُسْرَان، ف " أن " عنده في موضع نصب. وقال الكسائي: المعنى: " لا صَدَّ "، ولا مَنْعَ عن أنهم ". فإنَّ في موضع نصب أيضاً، فحذف الخافض. وحُكِيَ: لاجَرَ " بغير ميم لغة ناسٍ من فُزَارة. وحكى / الفراء: " لا ذَا جَرَمْ لغة لبني عامر. وقال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل، والله أعلم، بمنزلة: لا بد أنك قائم،

стр. 3314

ولا محالة أنك قائم، فكثرت حتى صارت منزلة " حقاً ". تقول العرب: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت إليك، وأصلها من جرمت، أي: كسبت الشيء. وذكر ابن مجاهد عن بعض القراء، وهو حمزة: ولا جرم بالمد، وكان يأخذ به بمعنى الاية: حقٌّ أنَّ هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الأخسرون في الآخرة: باعوا منازلهم في الجنة، بمنازلهم في النار، وذلك هو الخسران المبين. قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وأخبتوا إلى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ معنى: أخبتوا، أنابوا، وقيل: معناه: اطمأنوا وقيل: خشعوا،

стр. 3315

وتواضعوا، وتضرعوا. والمعاني في ذلك متقاربة. وإلى: هنا بمعنى اللام، والمعنى: " لربهم " كما وقعت اللام بمعنى " إلى قوله ". أوحى لها: أي: إليها. ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع﴾ أي: مثل الكافر كالأعمى، والأصم، والمؤمن كالبصير، والسميع: فهذا مثل ضربه الله ، للكافر والمؤمن، فالكافر أصم عن الحق، أعمى عن الهدى، لا يبصره، والمؤمن يبصر الهدى، ويسمع الحق، فينتفع به. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ على اختلاف حاليهما. ومثل نصبه مصدر في موضع الحال. (مثلاً): وقف عند نافع. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ﴾ من كسر " إني "،

стр. 3316

فالمعنى: فقال: إني: ومن فتح فَعَلَى تقدير حذف الجر. والمعنى: أنذركم بأسه، وعقابه إن تماديتم على الكفر. ﴿مُّبِينٌ﴾: أي: أبين لم ما أرسلت به إليكم. ثم بين تعالى: بأي شيء أرسل، فقال: ﴿أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ إن تماديتم على كفركم. ﴿إلى قَوْمِهِ﴾: وقف إن كسرت " إني "، وجعلت " ألا " تعبدوا متعلقاً بنذير. قوله: ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾: المعنى: أنهم قالوا له: ما نواك إلا آدمياً مثلنا في الخلق، ثم قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي: السفلة، دون الأكابر. وقيل: هم الفقراء، وقيل: هم الخسيسو

стр. 3317

الصناعات. وروي في الحديث أنهم كانوا حاكة، وحجامين. ولا يقال رجل أرذل، ولا امرأة رذلاء حتى تدخل الألف واللام، أو يضاف. وقوله: ﴿بَادِيَ الرأي﴾ مَنْ همزه جعله من الابتداء، أي: ابتعوك ابتداء، ولو فكروا لم يتبعوك. ومن لم يهمز، جاز أن يكون على تخفيف الهمزة، وجاز أن يكون من بَدَا يَبْدو: إذا ظهر، أي: اتبعوك في ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك. وقيل: المعنى: ابتعوك في ظاهر الرأي، ولو تدبروا لم يتبعوك.

стр. 3318

وقيل: المعنى: اتبعوك في ظاهر الرأي الذي ترى، وليس تدري باطنهم. ونصبه عند الزجاج على حذف " في " أو على مثل: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وقيل: المعنى: أنه نعت لمصدر محذوف، والمعنى " اتباعاً ظاهراً ". ثم حكى الله ، عنهم قالوا لمن آمن بنوح ﷺ : ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ إذ آمنتم بنوح ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾: أي: في دعوتكم أن الله ، ابتعث نوحاً رسولاً. وهذا خطاب لنوح، لأنهم به كذبوا، فخرج الخطاب له مخرج خطاب الجميع. قال نوح لقومه: ﴿ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي﴾: أي: على معرفة به، وعلم. / ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ﴾: أي: رزقني التوفيق، والنبوءة، والحكمة، فآمنت، وأطعت.

стр. 3319

﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: أي: عميت عليكم الرحمة، أي: خفيت، فلم تهتدوا لها. والرحمة عند الفراء: الرسالة. ومن شدد فمعناه: " فَعَمَّها " الله عليكم، أي: خفاها. وفي قراءة عبد الله، وأُبَيّ: " فَعَمَّاهَا الله عليكم " وقد أجمع الجميع على التخفيف في " القصص "، ولا يجوز غيره. ثم قال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ أي: أنآخِذُكُمْ بالدخول في الإسلام على كره منكم، فنلزمكم ما لا تريدون. يقول ﷺ : " لا تَفْعَل ذلك، بل نكل أمرهم إلى الله، سبحانه ".

стр. 3320

قال النحاس: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: أنجبها عليكم. وأنتم لها كارهون. وقيل: معنى ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وقيل: الهاء في ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ للرحمة. وقيل: للبينة. ثم حكى الله عنه أنه قال: ﴿وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً﴾: أي: لا آخذ منكم على نصحي إياكم، ودعائيَ لكم إلى الإيمان ﴿مَالاً﴾: ما أجري في ذلك إلا على الله، هو يجازيني ويثيبني. ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا﴾: أي: لست أطردهم، ولا الذين آمنوا بي. وذلك أنهم سألوه أن يطردهم. قال ابن جريج: قالوا: " إن أحببت أن نتبعك فاطردهم. فقال: لا أطردهم ملاقوا ربهم، فيجازي من طردهم وآذاهم، ويسألهم عن أعمالهم. ثم قال لهم: ﴿ولكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾: أي: تجهلون ما يجب عليكم من

стр. 3321

حق الله. وقوله: ﴿وياقوم مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ - إلى قوله - وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: والمعنى: من يمنعني من الله، إن هو عاقبني على طردي إياهم، وهم مؤمنون، وموحدون. ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ في قولكم، فتعلمون خطأه. ثم قال لهم: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله﴾ هذا معطوف على قوله: (لا أسألكم)، والمعنى: لا أقول لكم: عندي خزائن الله التي لا يفنيها شيء، فتتبعوني عليها. ﴿وَلاَ أَعْلَمُ الغيب﴾: أي: ما خفي من سرائر الناس. فإن الله يعلم ذلك وحده. ﴿وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾: فأكذب، ﴿وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تزدري أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْراً الله﴾،

стр. 3322

أي: للذين اتبعوني وآمنوا بي، فاستحقرتموهم، وقلتم، إنهم أراذلنا. " والخير هنا الإيمان بالله . ﴿ الله أَعْلَمُ بِمَا في أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: في ضمائرهم، واعتقادهم، وإنما لي منهم ما ظهر. ﴿إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين﴾: أي: إني ظالم، إن قلت لن يؤتيكم الله خيراً، وقضيت / على سرائرهم: نفى نوح ﷺ ، جميع هذا عن نفسه لئلا يتبعوه على ذلك. ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا﴾: أي: " قد خاصمتنا، فأكثرت خصامنا ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾: أي: بالعذاب، إن كنت صادقاً في قولك: إنك رسول (الله). وقرأ ابن عباس رضي الله عن هـ: فأكثرت جَدَلَنا ". " والجدل " والجدال: المبالغة في الخصومة. قال لهم نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله . ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: لستم ممن يعجزالله، سبحانه، إذ جاءكم عذابه

стр. 3323

هرباً، لأنكم في سلطانه حيثما كنتم. قوله: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿يَفْعَلُونَ﴾ والمعنى: وليس ينفعكم تحذيري إياكم عقوبة على كفركم. ﴿إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: يهلككم. وقيل: معناه: يحييكم، وحكي عن بعض العرب أنها تقول: أصبح فلاناً غاوياً: أي: مريضاً. وهذه الآية من أبْيَنِ آية في أن الأمر كله لله ، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا مُعْقِب لحكمه يفعل ما يشاء. وقد نالت المعتزلة: إن معنى: " أن يغويكم: أن يهلككم، وكذبوا على الله، سبحانه، وعلى لغة العرب: ولو كان الأمر كما قالوا، لكات معنى قوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦]: من الهلاك، وهذا لا معنى له. إنما هو الضلال، الذي هو نقيض الرشد. ولكان معنى قوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ [طه: ١٢١]: فهلك، ولم يهلك إنما ضل. ولكان معنى قوله: ﴿الذين أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ [القصص: ٦٣] بمعنى الهلاك، ولا معنى لذلك، إنما هو

стр. 3324

بمعنى الضلال كُله. ولكان قوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] بمعنى: لأهلِكَنَّهُم: وهذا لا يقوله أحد، ولا معنى له. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾ [مريم: ٥٩] معناه: هلاكاً. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي: بعد الهلاك. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾: أي: أيقولون؟ وهذه " أم " المنقطعة بمعنى الألف، أي: اختلقَه. وهذا خطاب للنبي ﷺ . والمعنى أيقول قومك: اختلق هذا الخبر عن نوح ﵇، قل لهم: يا محمد! ﴿قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾: أي: إثم جرمي، لا تؤاخذون به، ﴿وَأَنَاْ برياء﴾ من إثم جرمكم، ولا آخذ به. يقال: أجرم فلان: أي: كسب الإثم.

стр. 3325

وأجاز أبو إسحاق " أجرامي " بفتح الهمزة جمع جرم. ثم قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ والمعنى: إنه لما حّقَّ عليهم العذاب، أعلم أنه لم يؤمن أحد ممن بقي، ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ﴾: أي: لا تحزَنْ على فعلهم، وكفرهم، وذلك حين قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦]. قوله: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ﴾. والفلك: السفينة، يكون واحداً، وجمعاً. قال ابن عباس: أوحي إليه: أن يصنع الفلك فلم يدر كيف يصنعها، فأوحي إليه أن يصنعها على مثال جُؤجؤ الطير. ومعنى: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾: أي: كما نأمرك.

стр. 3326

قال قتادة: / بعين الله، ووحيه. (وقيل: بأعيننا: بحفظنا، وقيل: بعلمنا، وقيل: إن الملائكة كانت تريد ذلك). وقيل: معنى: (بأعيننا ووحينا): أي: بتعليمنا كيف تصنعه. وقوله: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا﴾: أي: لا تسألني في العفو عنهم. قال ابن جريج: معناه: لا تراجعني. ثم أعلمنا الله ، أنه أخذ يصنع السفينة، وأن ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ أي: جماعة، وكبراء ﴿سَخِرُواْ مِنْهُ﴾: أي: هزأوا به، يقولون له: أتحولت نجاراً بعد النبوءة؟ وتعمل السفينة في البر؟ فيقول لهم نوح: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا﴾ اليوم،

стр. 3327

﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ في الآخرة ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا عاينتم العذاب ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: من هو أحمد عاقبة منا، ومنكم. و" من " تكون هنا خبراً، واستفهاماً، وتقريراً، إعرابها في الوجهين ظاهر. (وروت عائشة رضي الله عن ها، أن النبي ﷺ ، قال: " لو رحم الله (أحداً من قوم نوح) لرحم أم الصبي، كان نوح قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله ، حتى كان آخر زمانه غارس شجرة، فعظمت، وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمي سفينته. ويمرون، فيسألونه، فيقول: أعمل سفينة. فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر، فكيف تجري؟ فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها، وفار التنور، وكثر الماء في السِّكَكِ، وخشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل، حتى بلغت ثلثي الجبل، فلما بلغها الماء، خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء

стр. 3328

رقبتها، رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء ". قال قتادة: كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وبابها في عرضها. وقال الحسن: كان طول السفينة ألف ذراع، ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وقال عكرمة: إنما طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها ورفعها ثلاثون ذراعاً. وعن الحسن، ﵀ عليه، أيضاً)؛ أنه قال: كان طولها ألف ذراع، في

стр. 3329

خمسمائة ذراع، وبابها في جنبها. قال: أبو رجاء: كانت مطبقة. وقيل: إنها كانت: ثلاث طبقات: طبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرْوَاتُ الدواب أوحى الله ، إلى نوح: أن أغْمزْ ذنبَ الفيل، فغمزه. فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبل على الروث. ثم إن الفأر وقع بحبل السفينة يقرضه، فأوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبل على الفأر.

стр. 3330

قال ابن عباس: قال الحواريون لعيسى ﵇: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة، فحدثنا عنها، قال: فانطلق بهم عيسى ﵇، حتى أتى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب بكفيه، فقال: أتدرون ما هذا قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا / كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصى، وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب، قال له عيسى: هكذا هلكتَ. قال: لا، ولكن مت، وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة، فمن ثم: شبت. قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع، ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. ثم حكى له طبقاتها، وما كان فيها، وقصة الأرواث، والفأر على ما تقدم ذكره. ثم قال له عيسى ﵇: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيبفةً فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقاريها، وطين برجليها. فعلم أن البلاد قد غرقت، فطوقها الخضرة في عنقها، ودعا أن تكون في أنس، وأمان، فمن ثم تألف البيوت. وروى عبيد بن عمير الليثي: أنهم كانوا يخنقون نوحاً حتى يغشى عليه، فإذا فاق قال: اللهم أغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون. حتى إذا تمادوا في المعصية، وتطاول عليه
следующие страницы →