Полный текст (8 396 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
نصب بناه مع " إذ " لإضافته إلى غير متمكن وهو إذ.
قال المبرد: من خفض قال: سير عليه يومئذ فرفع، ومن فتح فتح مع سير، وغيره لأنه مبني.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوي﴾ أي: في بطشه إذا بطش ".
﴿العزيز﴾: أي: الذي لا يغلبه شيء.
وروى عمرو بن خارجة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " كانت ثمود يوم صالح، أطال الله أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر، فينهدم لطول حياته، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً، فنحتوها، وجوَّفُوها وكانوا في سعة من عيشهم فقالوا: يا صالح! ادعُ لنا ربك يخرج لنا آية تعلم أنك رسول الله. فدعا صالح
стр. 3362
ربه، فأخرج لهم الناقة، فكان شِرْبُها يوماً، وشربهم يوماً معلوماً. فإذا كان يومُ شِرْبِها، خلوا عنها، وعن الماء وحلبوها لبناً ملءَ كل إناءٍ، ووعاء، وسقاء، فأوحى الله، جلّ ذكره، إلى صالح: أن قومك سيعقرون الناقة، فقال لهم صالح ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل ذلك، فقال لهم: إلا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها. قالوا: ما علامة ذلك المولود؟ قال: فإنه غلام أشقر، أزرق، أصهب، أحمر. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، (وكان) لأحدهما ان يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤاً. فجمع بينهما مجلس، فزوّج أحدهما ابنته لابن الآخر، فولد بينهما ذلك المولود. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، (وكان) لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤاً. فجمع بينهما مجلس، فزوّج أحدهما ابنته لابن الآخر، فولد بينهما ذلك المولود. وكان في المدينة ثمانية رهطٍ، يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، فقال صالح لقومه: اختاروا ثماني نسوة، قوابل من القرية، واجعلوا معهن شُرَطاً، فكانوا يطوفون بالقربة، فإذا وجدوا امرأة تَلِدُ نظروا صفة ولدها إن كان ذكراً. فلما رأ] ْنَ ذلك المولود صرخن، وقلن: هذا الذي يريد رسول الله
стр. 3363
صالح. فأراده الشرط، فحال جداه بينهم وبينه، وقالا: لو أن صالحاً أراد هذا قتلناه. فكان شو مولود، فشب في سرعة، واجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض، وفيهم الشيخان، فاستعملوا على أنفسهم (الغلام) لمنزلته، وشرفه. وكانوا تسعة، وكان صالح لا ينام معهم في القرية. كان ينام في مسجد له خارج القرية. فإذا أًبح أتاهم، فوعظهم، وذكرهم ".
وروى ابن جريج أن صالحاً أمر بقتل الولدان، فقتل أبناء ثمانية رهط. وكان لهم صاحبٌ ترك ابنه فكبر. فقال الثمانية: لو أنا لم نقتل أبناءنا لكانوا مثل هذا الغلام. فائتمروا التسعة بينهم بقتل صالح. وقالوا: نخرج مسافرين، والناس يروننا علانية، ثم نرجه في وقت كذا من ليلة كذا، فنقتله في مُصَلاَّه، والناس يحسبون أننا مسافرون، فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه. فأرسل الله، جلّ ذكره، عليهم، الصخرة فَرَضَخَتْهم /، فأخبر الله أهل القرية بموتهم، فقالوا: تَنَادَوْنَ: أي: عباد
стр. 3364
الله! ما رضي صالح بِأن جعلهم قتلوا أولادهم حتى قتلهم. فأجمع أهل القرية على عقر الناقة أجمعون إلا رجلاً منهم.
وقال عرم وابن خارجة: أراد المولود مع الثمانية قتل صالح، فمشوا حتى أتَوا سِرياً على طريق صالح، فاختفى فيه ثمانية، وبقي هو، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه، وأتينا أهله، فبيتناهم، فأمر الله ، الأرض، فاستوت عليهم، فاجتمعوا ومشَوْا إلى الناقة، وهي على حوضها قائمة. فقال الشقي لأحدهم " إيتِهَا فاعقرها، فأتاها فتعاظمه ذلك، فرجع ثم بعث آخر، فَعَظُم عليه عقرها، فرجع ثم آخر، فرجع، حتى رجع الجميع، ولم يعقروا. فمشى هو إليها، وتطاول، فضرب عُرْقُوبَيْها، فوقعت تركض. وأتى رجل منهم صالحاً، فقال: أدرك الناقة، فقد عقرت. فأقبل، وخرج وهم يتلقونه، ويعتذرون إليه. يا نبي الله! إنما عقرها فلان، إنه لا ذنب لنا. قال: انظروا هل تدركون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى الله أن يدفع عنكم العذاب. فخرجوا
стр. 3365
يطلبونه، فلما رأى الفصيل أمه أن تضطرب أتى جبلاً يقال له: القارة قصيراً. فصعد عليه، وذهبوا ليأخذوه. فأوحى الله ، إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحاً، فَرَغَا رغوةً، ثم رغا أخرى. فقال صالحُ لقومه: لكل رغوة أجل يوم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، وآية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجُوهُهُم كأنها طليت بالخلوق، كلهم كذل. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا إنه قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب. فلما أصبحوا اليوم الثاني، إذا وجوههم محمرة، كأنها خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا، وبكوا، وعرفوا أنه العذاب. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا إنه قد مضى يومان من الأجل، وحضركم
стр. 3366
العذاب. فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة، كأنها طليت بالقار. فصاحوا: ألا قد حضركم العذاب من فوق (رؤوسهم)، أو من أسفل. فلما أصبحوا في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا جاثمين.
أي: خامدين في ديارهم. والدار محلة القوم، والموضع الذي / فيه نزلهم في معسكرهم ومجتمعهم، والديار: الدور التي سكنها كل واحد منهم.
" ولما مر النبي ﷺ ، ( في) غزوة تبوك بوادي ثمود، أمر أصحابه أن
стр. 3367
يسرعوا لئلا ينزلوا به، ولا يشربوا من مائه. وأخبرهم أنه واد ملعون "
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ﴾: أي: لم يعيشوا. قال الأصمعي: المغاني: المنازل، ويقال: غَنَيْتُ بالمكان: إذا أقمت به.
فالمعنى كأن لم يَغْنَوْا بها في سرور، وغبطة.
﴿أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ﴾: ألا أبعدهم الله لنزول العذاب بهم.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ - إلى قوله - ﴿عَجِيبٌ﴾.
من نصب " سلاماً " نصبه على المصدر، أو على أعمال القول، والرفع على إضمار خبر محذوف. والمعنى: قالوا: سلام عليكم. ومن قرأ " سِلْمٌ " فعلى معنى الأمر.
стр. 3368
سلم أو نحو سلم: أي: نحن آمنون منكم، إذا سلمتم علينا، لأن الملائكة لما سلمت عليه أَمِنَ منهم، وعلم أنهم مؤمنون. فقال لهم: سلام: أي: نحن سلم منكم إذن.
وقيل: المعنى: نحن سلم، أي: غير باغين شراً، وأنتم قوم منكرون: أي: لا نعرفكم. وقيل: سلم بمعنى سلام. كما يُقال حرمٌ، وحَرَامٌ بمعنى واحد. ويجوز رفع الأول، ونصب الثاني، ونصب أيهما شئت على هذا التقدير، ومعنى ﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢، الذاريات: ٢٥]: أي: غير معروفين في بلدنا.
وقيل: المعنى: إنكم قومٌ منكرون، إذا سلمتم، لأن التسليم في بلدنا منكر، ولم نعهده إلا لمن هو على ديننا. والرسل الذين أتَوْهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ﵉.
روي أن رجلاً جلَّ ذكره، أرسل إسرافيل يبشر سارة زوج إبراهيم بإسحاق، ويعقوب ولد إسحاق، وأرسل الله جبريل ليقلب مدائن قوم لوط، وأرسل
стр. 3369
ميكائيل ليأخذ بيد لوط، ويسري بهم. والبشرى هي البشارة بإسحاق. وقيل: هي البشارة بهلاك قوم لوط.
﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ قال مجاهد: المعنى سَدَاداً.
﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ﴾: " أن ": في موضع نصب عند سيبويه، يقال: لا يلبث عن أن يأتيك.
وأجاز الفراء أن تكون في موضع رفع. فلبث، أي: فما أبطأ عنه مجيئه. والمعنى: فما أبطأ عنهم حتى جاء ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: أي: مشوي، وهو فعيل، بمعنى مفعول.
وقال ابن عباس: (حنيذ): نضيج. وقيل: كان قد أشوي على حجارة محمية. فما: نافية في قوله (فما لبث)، وفي " لبث " ضمير إبراهيم ﵇.
стр. 3370
وقيل: لا ضمير في " لبث "، والفاعل: أن جاء، أيك فما أبطأ مجيئه عن أن جاء. وقيل: " ما " بمعنى " الذي " في موضع رفع على الابتداء، والخبر: " أن جاء "، والتقدير: فإبطاؤه مجيئه بعجل بين قدر الإبطاء.
قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: فلما رأى إبراهيم أيدي الرسل، صلوات الله عليهم، لا تصل إلى العجل، فتأكل منه، (نكرهم)، وعلم أنهم لم يتركوا الأكل إلا لقصة. فأوجس منهم خوفاً في نفسه. يقال: نكره ينكره، وأنكره بمعنى. فالهاء في " إليه " تعود على العجل، وقيل: على إبراهيم، بمعنى: لا تصل / إلى طعامه، ثم حذف المضاف.
قال قتادة: إنما أنكر إبراهيم أمرهم، لأنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف، فلم يطعم من طعامهم ظنوا أنه لم يجيء بخير، فخاف إبراهيم منهم، فقالوا له: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ منا ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب.
стр. 3371
﴿وامرأته قَآئِمَةٌ﴾: أي: " من وراء الستر ". وفي قراءة ابن مسعود: " وامرأته قائمة، وهو قاعد.
وقيل: إنها كانت قائمة، تخدُم الرسل، وإبراهيم جالس مع الرسل.
وقوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قيل: إنها ضحكت من أمرها أنها تخدم، وضيافها لا يمسون الطعام.
قال السدي: قال إبراهيم للرسل، صلوات الله عليهم: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم! إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن. قال لهم: فإن لهذا ثمناً! قالوا: وما هو؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ميكائيل، ﵉، فقال: حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلاً. فلما لم يأكلوا، قالت سارة، امرأة إبراهيم: عجباً لأضيافنا هؤلاء، إنا لنخدمهم بأنفسنا، تكرمة لهم، وهم لا
стр. 3372
يأكلون! وضحكت تعجُّباً.
وقيل: ضحكت من أن قوم لوط في غفلة، وقد جاءت رُسُلَ الله ، بهلاكهم. فكان ضحكها تعجباً لغفلة قوم لوط، عما أتاهم من العذاب، وهو قول قتادة.
وقيل: إنها ضحكت لما رأته من زوجها إبراهيم ﵇، من الروع تعجباً، وهو قول الكلبي.
وقال وهب بن منبه: ضحكت لما بشرت بإٍحاق، وهي كبيرة،
стр. 3373
فضحكت تعجباً من أن يكون لها ولد على كبر سنها. ويكون في الكلام تقديم وتأخير، وهو بعيد مع الفاء، ولا يحسنُ الوقف على هذا المعنى، على " ضحكت ".
وقال مجاهد: معنى: ضحكت: ساغت، وكذا ابنة تسعين سنة. وقيل: بل زادت على التسعين، وكان إبراهيم، ﵇، ابن مائة سنة.
وذكر بعض البصريين أن بعض أهل الحجاز حكى عن العرب: " ضحكت المرأة " بمعنى: حاضت.
وقال الضحاك: الضحك: الحيض، ويقال: ضحكت النخلة: إذا أخرجت الطلع، والبشر. وقيل: إنها إنما ضحكت، لأن الملائكة أحْيَوا العجل بإذن الله ، فضحكت تعجباً. ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾. وقيل: إنها إنما ضحكت، لأنها قالت لإبراهيم قبل مجيء الرسل: أحسب أن قوم لوط سينزل الله بهم عذاباً. فضم لوطاً
стр. 3374
إليهم، فلما أتت الرسل بما قالت سُرَّت به، فضحكت.
وقيل: إنها إنما ضحكت من إبراهيم، لأنه كان ﷺ يقوم بمائة رجل، فتعجبت من خوفه من نفر.
وقيل: ضحكت سروراً، حيث قالوا: لا تخف، لقد كانت خافت منهم.
وقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾: أي: من رفع " يعقوب " فعلى الابتداء، ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ﴾: الخبر، والجملة في موضع الحال. أي: بشرناها بإسحاق، مقابلاً له يعقوب. وهو داخل في البشارة، فلا يوقف على إسحاق على هذه المعنى. ويجوز أن يرتفع بفعل دل عليه الكلام، / والمعنى: ومن وراء
стр. 3375
إسحاق يحدث يعقوب، فلا يكون داخلاً في البشارة، فيجوز الوقف على إسحاق.
وقيل: المعنى: وقبت لهما من وراء إسحاق يعقوب.
ومن قرأ بالفتح، فهو في موضع خفض عند الكسائي، والأخفش، وأبي حاتم، على العطف علاى " إسحاق ": يجيزون التفريق بين المجرور، وبين ما يشركه، فيفرقون بين حرف العطف والمعطوف.
ومذهب سيبويه والفراء أن يعقوب في موضع نصب، على معنى: ومن وراء إسحاق وهبنا له يعقوب. ولا يجيزون التفريق بين المجرور، وحرف العطف. فتقف على إسحاق على هذا التقدير، ولا تقف عليه إذا قدرت العطف.
стр. 3376
وقيل: معنى: ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ﴾: أي: ومن ولد إسحاق، لأن ولد الولد: الوراء، وهو قول ابن عباس، والشعبي، وجماعة معهما.
وفي هذا دليل على أن: الذبيح إسماعيل، لأنها بشرت بإسحاق، وأنها تعيش حتى يولد له، فغير جائز أن يعلم إبراهيم أنه يعيش حتى يولد له، ثم يؤمر بذبحه، قبل أن يولد له. فلا يجوز أن يؤمر بذبح من أخبر أنه يعيش إلى وقت بعد، وقت الذبح بسنين.
قال السدي: لما بُشرت بذلك، سكّت وجهها وقالت: ﴿ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ﴾ ثم قالت لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ جبريل، عيله السلام، عوداً يابساً، فلواه بين أصبعيْه فاهتزَّ خضراً. فقال إبراهيم: هو لله إذاً " ذبيحاً ".
قيل: إنها كانت ابنة تسعة وتسعين سنة، و'براهيم ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: كان أكبر منها بسنة.
و ﴿ياويلتى﴾ " كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء ".
стр. 3377
وحكى ابن يونس عن العرب: " عجوزة " بالهاء، وأنكر ذلك أبو حاتم. ويقال: للمرأة شيخ وشيخة. والمؤنث في كلام العرب على أربعة أوجه:
- الأول: أن يكون فيه علامة التأنيث، تفصل بينه وبين المذكرن نحو: خديجة، وفاطمة، وعائشة وليلى، وسعدى، وحمرى.
- والثاني: أن تكون الثانية في صيغة الاسم، وبلا علامة ظاهرة، نحو: زينب، ونوار، وهند، وعير وفخرٌ، وشبهه.
- والثالث: أن يكون الاسم المؤنث يخالف لفظه لفظ ذكره، فيستغنى عن علامة التأنيث، لمخالفة اللفظ، وذلك نحو: جَدْيٌ، وعناق، وحمار، وربما مالوا إلى المؤنث فأدخلوا الهاء، وإن كان لفظه يخالف لفظ المذكر: قالوا: عجوزة،
стр. 3378
والأكثر عجوزه، وقالوا: غلام، وجارية، فأدخلوا الهاء. ولفظ " جارية " مخالف لِلَفْظِ غلام. وقالوا: جمل وناقة، وكان الأصل ألا تدخل الهاء في هذا، وربما أدخلوا التأنيث في المذكر. قالوا: شيخ وشيخة، وغلام وغلامة، ورجل ورجلةٌ.
- والقسم الرابع: أن يكون الاسم واقعاً على المؤنث والمذكر، فيكون " بالهاء " كقولك: شاة وبقرة، وجرادة، وهذه الهاء فصل بين الواحد والجمع. وقولها: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وإن في كون الولد من مثلي شيئاً عجيباً.
قوله: ﴿قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت﴾ - إلى قوله - ﴿مَرْدُودٍ﴾.
والمعنى: قالت الرسل: أتعجبين من أمر / قضاء الله فيك، وفي بعلك، ﴿رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾: أي: محمود على نعمه عليكم، وعلى غيركم. ﴿مَّجِيدٌ﴾: أي: ذو مجد، وثناء، وقيل: معنى: ﴿مَّجِيدٌ﴾: كريم، والمجد: الكرم،
стр. 3379
والجود، ﴿مِنْ أَمْرِ الله﴾: وقف.
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع﴾: أي: لما سكن خوفه من الرسل، وعلم منهم من هم.
قال الأخفش، والكسائي: قوله " يجادلنا " لأن جواب " لمَّا " يكون بالماضي، وقيل " يجادلنا ": في موضع الحال. ومعنى يجادلنا: أي: يطلب. وقيل: في قوم لوط. وقيل: المعنى: يخاصم رسلنا في قوم لوط.
قال ابن جريج: قال إبراهيم للرسل: أتهلكونهم إن وجدتم فيهم مائة رجل مؤمن؟ قالوا: لا. ثم قال: فتسعين؟ حتى هبط إلى خمسة، وكان في قرية لوط أربعة آلاف ألف، يجادل الرسل عن قوم لوط، ليرد عنهم العذاب.
وقيل: إنه لم يزل يقول: آرأيتم إن وجدتم فيهم كذا، وكذا مؤمناً أتهلكونهم؟ فيقولون: لا حتى بلغ إلى أن قال: أرأيتم إن وجدتم فيها واحداً مسلماً؟ قالوا: لا. فلم يخبر إبراهيم أن فهيم رجلاً واحداً، يدفع عنهم به البلاء. قال لهم: إن فيها
стр. 3380
لوطاً يدفع عنهم به العذاب. ﴿قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته﴾ [العنكبوت: ٣٢].
وقد بين الله، جل ذكره، ذلك في سورة " والذاريات " فقال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٦] يعني: بيت لوط إلا امرأته.
وقيل معنى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: أي: في المؤمنين منهم خاصة، ثم قالوا: ﴿ياإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾. قال ابن عباس: قال الملك لإبراهيم: إن كان فيهم خمسة يصلون رفع عنهم العذاب.
وقوله: ﴿أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾: الأوّاهُ: المُبْتَهِلُ إلى الله، ، المتخشع في ابتهاله، الذي يكثر التأَوُّهُ خوفاً، وإشفاقاً من الذنوب، والمنيب: الرجاع إلى طاعة الله .
стр. 3381
وقيل: إنما وصفه بالحلم، لأنه ﷺ لم ينتصر لنفسه قط، إنما كان ينتصر لله ، ولم يعاقب أحداً بذنب صنعه إلا لله، ولم يغضب قطُّ إلا لله.
والأوّاه: الدّعَاء، البكَّاء، والمنيب: التارك للذنوب، الراجع إلى ما يحبه الله ، ويرضى به، وقيل: الأوَّاه: الدَّعاء، وقيل: هو المتأوه، المرتجع من الذنوب.
وقوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ - إلى قوله - ﴿شَدِيدٍ﴾.
والمعنى: ولما جاءت الرسل لوطاً ساءه ذلك، ولم يعرفهم، وخاف من قومه. ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾: أي: ضاقت نفسه بهم لما يعلم من فسق قومه. فالضمير في " بهم " في الموضعين للرسل.
قال قتادة: قالت الرسل: لا تهلكهم حتى يشهد عليهم لوط، قال: فأتوه، وهو في أرض (له)، يعمل فيها، فقالوا له: إنا متضيفوك الليلة. فانطلق به، فلما مشى، قال: أما بلغكم أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قرية
стр. 3382
بالأرض عملاً، يقول ذلك أربع مرات.
وروي أنهم لقوه، وهو يحطب، فسلموا / عليه، فرد ﵈، ثم حمل حزمته، ودعاهم إلى ضيافته. فلما دخل بهم المدينة، مر بقوم فقالوا: هذا مع لوط حاجتنا، قوموا بنا إليهم. فقال لوط: أشهد أنكم قوم سوء، ثم مر بآخرين، فقالوا بمثل ذلك، فشهد لوط عليهم بمثل ذلك، ثم مر بآخرين. فقالوا بمثل ذلك، فشهد عليهم لوط مثل ذلك. فقال جبريل لإسرافيل، وميكائيل، ﵈: هذه ثلاث مرات شهد بها نبيهم عليهم.
وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم، ﵈، نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدُوم، لقد بنت لوط تستقي من الماء لأهلها، فقالوا لها: يا جارية هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانكم حتى آتيكم. فرقت عليهم من قومها، فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه: إن أدرك فتْيَاناً على باب المدينة، ما
стр. 3383
رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لئلا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلاً، وقالوا: خل عنا نضيف الرجال، فجاء بهم لوط، ولم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط، فخجرت امرأته، فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت قط مثلهم.
﴿وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: أي: يسرعون، وقيل: يسعون، وقيل: يهرولون، فقال لهم لوط: ﴿هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: أي: شديد شره، عظيم بَلاَؤُهُ.
﴿وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات﴾: أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، كانوا يأتون الرجال في أدبارهم، فراودُوه في أضيافه، فقال: ﴿هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾،
стр. 3384
أي: هؤلاء النساء هن أحل لكم، يريد نساءهم، والنبي أبٌ لأمته.
وقد قرئ: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " قرأه ابن مسعود.
قال عكرمة: إنما قال لهم هذا لينصرفوا، ولم يعرض بأحد. وقيل: عرض التزويج عليهم من بناته إن أسْلموا. وقيل: كان في ملتهم جائز أن يتزوج الكافر المسلمة.
وقوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾: أي: يعرف الحق، فيأمر به. قالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾: أي: هل لنا أزواجاً.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: أي: أضيافك إياهم نريد، قال لهم لوط، ﵇، ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أي:
стр. 3385
أنصاراً ينصرونني عليكم. ﴿أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أي: أنضم إلى عشيرة مانعة، تحول بينكم، وبين أضيافي. والجواب محذوف، والمعنى محذوف، والمعنى: لقاتلتكم، ولحلت بينكم وبينهم.
وقال ابن جريج: " بلغنا أنه لم يبعث نبي من بعد لوط، إلا في ثروة من قومه.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ ، قال: " رحمة الله على لوط، إنه كان ليأوي إلى ركن شديد "
وقيل: إن لوطاًَ لما قال ذلك وجدت عليه الملائكة، وقالوا: إن ركنك لشديد.
قوله: ﴿قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يصلوا إِلَيْكَ﴾ - إلى قوله - ﴿بِبَعِيدٍ﴾.
والمعنى: قالت له الرسل، لما ضاق، ونزل الركب، فقال لقومه ما قال:
стр. 3386
/ ﴿لَن يصلوا إِلَيْكَ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ - بسوء - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾: أي: اخرج بهم في بقية من الليل، وفي طائفة منه، ﴿إِلاَّ امرأتك﴾ نهى أن يخرج بها.
ومن قرأ بالرفع، فالمعنى: " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " فيكون قد خرج بها، فالتفتت تنظر ما حل بقولمها، فأصابها ما أصابهم. ومن نصب فعلى الاستثناء.
وفي قراءة ابن مسعود: " فأسر بأهلك إلا امرأتك ". وهذا يدل على الاستثناء، والمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك، فيكون المعنى: إنه خرج بهم إلا امرأته، وإنه لم يخرج بها. والنهي في الالتفات، إنما وقع على من خرج معه، إلا امرأته ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ من العذاب.
стр. 3387
قال ابن إسحاق: قال الرسل للوط: إنما ينزل عليهم العذاب من صبح ليلتك هذه، فامض لما تُؤمَر. فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ﴾؟ أي: عند الصبح ينزل بهم العذاب.
فلما كانت الساعة التي أهلكوا بها، أدخل جبريل ﵇، جناحه، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فجعل عليها سافلها، وأرسل عليهم حجارة من سجيل. وسمعت امرأة لوط الهَدَّة، فقالت: واقوماه! والتفتت، فأدركتها أحجار، فقتلتها. وكانت مدائنهم خَمْساً، فدمرت إلا زعن وحدها تركها الله ، لآل لوط، وهي بالشام.
стр. 3388
وقال السدي: لما قال لوط: (لو أن لي بكم قوة، أو آوي إلى ركن شديد) بسط جبريل حينئذ جناه، ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم بعضاً عمياناً، يقولون: النَّجَاءَ! النجاءَ! فإن في بيت لوط أسْحَرَ قوم، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] فأخرج الله ، لوطاً وأهله إلى الشام.
قال مجاهد: " سجيل " بالفارسية أولها حجر، وآخرها طين.
وقال قتادة: " سجيل ": طين. وقال ابن عباس: " سجيل ": سنك وجل. فالسنْك: الحجر، والجل: الطين، وهو فارسي أعرب. وقيل: سجيل، من أسجلته، أي: أرسلته، فكأنها مرسلة. وقيل: هي من أسجلت: إذا
стр. 3389
أعطيت، فهي من السجل، وهو الدلو. وقيل: " سجيل " من " سجَّل ": إذا كتب، أي: مما كتب لهم، وهو اختيار الزجاج.
وقيل: " سجيل " اسم للسماء الدنيا، أي: أرسل عليهم حجارة من سماء الدنيا. والمعنى: أنها حجارة من كتب الله ، لهم أن يعذبهم بها، ويدل عليه قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨ - ٩]، والنون بدل من اللام.
قال عكرمة: " منضود " (مصفوفة)، وقيل: " منضوط ": متراكب بعضها على بعض.
وقيل المعنى نضد بعضها على بعض.
وقيل: المعنى: إنها في السماء منضودة، أي: مُعدة لهم، يعلق بعضها على بعض.
стр. 3390
﴿مُّسَوَّمَةً﴾: قال ابن جريج: لا تشبه حجارة الأرض.
وقال الحسن: معلمة ببياض، وحمرة.
وقال السدي: المسومة المختمة، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ﴾: أي: من ظالمي قومك يا محمد، فهذا على التهديد للمشركين. و " هي " تعود على / الحجارة. وقيل: تعود على القرى. وما قرى قوم لوط من ظالمي قومك ببعيد، وكانت قرى قوم لوط بين الشام والمدينة، وأتى ببعيد مذكراً على معنى: بمكان بعيد عند ربك تمام عند أبي حاتم، ﴿مَّنْضُودٍ﴾: وقف عند نافع، وهو قبيح، لأن " مسومة " نعت للحجارة.
стр. 3391
﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ - إلى قوله - ﴿بِحَفِيظٍ﴾.
والمعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً، فقال لهم: ﴿ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان﴾: أي: " لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالهم وميزانهم ".
﴿إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: أي: برُخْصٍ في أسْعَارِكُمْ قاله ابن عباس، وقيل: المعنى: أراكم أغنياء، ذوي مال وزينة. " ومدين ": اسم أرض، فلذلك لم ينصرف، لأنه معرفة مؤنثة.
وقال مقاتل: هو اسم رجل في الأصل أعجمي معرفة، وقيل: هو اسم رجل سميت به أمته، فلم ينصرف للتأنيث، والتعريف أيضاً.
قوله: و ﴿وإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾: أي: محيط بكم عذابه، ثم كرر عليهم الوصية، فقال: ﴿وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط﴾: أي: بالعدل
стр. 3392
﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾ أي: حقوقهم. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض﴾، أي: لا تسيروا في الأرض مفسدين.
وقال الضحاك: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ﴾ أي: لا تسعوا بنقص الكيل، والوزن. ﴿بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أي: ما أبقاه الله لكم من الحلال بعد أن توفوا الناس حقوقهم، خير لكم من الذي يبقى لكم يبخسكم الناس حقوقهم.
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: أي: " مصدقين بوعد الله ، ووعيده " وقال مجاهد: ﴿بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي: طاعة الله خير لكم.
وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة.
وعن ابن عباس: رزق الله خير لكم. وقيل: المعنى: مراقبة الله خير لكم.
стр. 3393
وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة.
﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: أي: برقيب. أراقبكم عند كيلكم، ووزنكم، إنما علي أن أبلغكم رسالة ربي.
قوله: ﴿قَالُواْ ياشعيب أصلاتك﴾ - إلى قوله - ﴿وَدُودٌ﴾.
والمعنى: قالوا: يا شعيب: أصلواتك أي: أدعواتك ﴿تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ من بخس الناس في الكيل والوزن.
قال ابن زيد: نهاهم عن قطع الدنانير، والدراهم، كانوا ينقصون منها، ويجوزونها بالوازنة. وقيل: معناه: مساجدك التي تتعبد فيها تأمرك بِنَهْيِنَا. وقد سمى الله، ، المساجد صلوات، فقال: ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً﴾ [الحج: ٤٠].
وقيل: هي صلاته لله ، لأنها كانت على خلاف ما كانوا عليه.
قوله: ﴿إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد﴾ قالوا على معنى الاستهزاء. وقيل:
стр. 3394
المعنى: إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك.
وقيل: المعنى: أنت الحليم، الرشيد، فكيف تأمرنا بترك عيادة ما كان آباؤنا يعبدون، وتنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، من قطع، أو بخس، أو غير ذلك. وقال: هو تعريض يُراد به الشتم ومعناه: إنك لأنت السفيه الجاهل.
ثم قال تعالى حكاية عن جواب شعيب لهم: ﴿قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ (إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ) مِّن رَّبِّي﴾: أي: على بيان، وبرهان فيما أدعوكم إليه. ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ أي: حلالاً، وجواب / الشرط محذوف لعلم السامع. والمعنى: أفتأمرونني بالعصيان.
وقيل: المعنى: أفلا أنهاكم عن الضلالة.
ثم قال: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: أي: لست أنهاكم عن شيء، وأركبه.
стр. 3395
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت﴾: أي: ما أريد فيما آمركم به إلا الإصلاح، لئلا ينالكم من الله، ، عقوبة.
﴿وَمَا توفيقي إِلاَّ بالله﴾: أي: ليس توفيقي، وإصابتي الحق فيما أنهاكم عنه إلا بالله. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فوضت أمري إليه، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أي: أرجع.
﴿رِزْقاً حَسَناً﴾: وقف عند أبي حاتم. ﴿مَا استطعت﴾: وقف عند نافع.
ثم قال لهم: ﴿وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي﴾: أي: لا يكسبنكم مشاقتي، أي: مخالفتي، وعداوتي، ﴿أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾: من الغرق، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾: من العذاب، ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾: من الرجفة. ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ الذين انقلبت عليهم مدائنهم. وأًل الشقاق في اللغة: العداوة.
стр. 3396
﴿واستغفروا رَبَّكُمْ﴾: أي: من ذنوبكم التي أنتم عليها مقيمون. ﴿ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾: أي: ارجعوا إليه باتباع طاعته.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾: أي: رحيم لمن تاب إليه، ﴿وَدُودٌ﴾: أي: ذو محبة لمن تاب وأناب.
قوله: ﴿قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ﴾ - إلى قوله - ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ والمعنى: ما نفقه كثيراً مما تقول.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾ أي: قيل: ضعيفاً، قيل: إنه ﷺ ، كان أعمى.
قال أبو إسحاق: حمير تسمي المكفوف ضعيفاً.
ويقال: إن شعيباً كان خطيب الأنبياء ﷺ ، ( وعليهم أجمعين). ثم قالوا له: ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾: أي: لولا عشيرتك وأهلك لسبَبْناك. وقيل: معنى " لرجمناك ": لقتلناك رجْماً.
стр. 3397
﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾: أي: لست ممن يكرم علينا "، ﴿قَالَ﴾ لهم شعيب: ﴿ياقوم أرهطي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله﴾: أي: أعشيرتي أعز عليكم من الله، فترركم إيَّايَ لله أولى لكم من أن تتركوني لعشيرتي، فلا يكون رهطي أعظم في قلوبكم من الله، سبحانه.
﴿واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾: أي: تركتم أمر الله سبحانه، خلف ظهوركم، فلا تراقبوه في شيء مما تراقبون قومي. فالضمير في ﴿واتخذتموه﴾ يعود على اسم الله سبحانه، وقيل: يعود على ما جاءهم به شعيب.
﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: أي: لا يخفى عليه شيء من ذلك، يجازيكم على جميعه.
ثم قال لهم: ﴿وياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾: أي: على منازلكم، وقيل:
стр. 3398
المعنى: على مكانتكم من العمل، ﴿إِنِّي عامل﴾. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أينا الجاني على نفسه، وأينا المصيب وأينا المخطئ. ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾: " مَنْ ": في موضع نصب " بتعملون "، مثل: ﴿يَعْلَمُ المفسد مِنَ (المصلح)﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقيل: هي في موضع رفع على أنها استفهام. " ومَن " الثانية عند الطبري في موضع نصب عطف على الهاء، في " يُجْزِيه " على معنى: ويخزي من هو كاذب منا، ومنكم.
﴿وارتقبوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: أي: انتظرونا إني منتظر.
﴿تَعْلَمُونَ﴾: وقف إن جعلت " مَن " استفهاماً ". وقيل: لا يكون وقفاً، لأن الجملة إذا رفعت في موضع نصب " بتعملون " فالوقف عليه قبيح.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾: أي: جاء قومه العذاب / نجيناه
стр. 3399
والمؤمنين به، ﴿وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾، أي: صيحة من السماء أخرجت أرواحهم ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي (دِيَارِهِمْ) جَاثِمِينَ﴾ أي: خامدين في دارهم ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ﴾: أي: (كأن لم يعيشوا فيها)، وقيل: لم يقيموا.
﴿أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ﴾، أي: أبعدهم الله، فبعدوا بُعداً.
﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، أي: أهلكهم الله، كما هلكت ثمود. وقيل: المعنى: أبعد الله مدين من رحمته، كما أبعد ثمود، يقال: بعِد يبعد: إذا هلك، وبعُد يبعد: إذا تباعد.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ - إلى قوله - ﴿المرفود﴾.
والمعنى: ولقد أرسلنا موسى بالأدلة، والحجة الظاهرة.
﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: أطراف قومه. ﴿فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: أي: اتبع ملؤه قوله، وكذبوا بما جاء به موسى ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: أي: لا يرشد من اتبعه إلى خير، بل يورده جهنم.
стр. 3400
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة﴾. (قال قتادة: يمضي فرعون بين أيدي القوم) حتى يهجم بهم على النار.
وقال ابن عباس: " أضلهم فأوردهم النار، والورد هنا: الدخول " قوله: ﴿وَبِئْسَ الورد المورود﴾: أي: يبس ما أوردهم.
﴿أَمْرُ فِرْعَوْنَ﴾: وقف، وكذلك ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً﴾: أي: أتبعوا في الدنيا لعنة مع العذاب الذي عجل بهم، وهو الغرق. ﴿وَيَوْمَ القيامة﴾ يلعنون أيضاً، فتلك لعنتان.
﴿بِئْسَ الرفد المرفود﴾: أي: بئس اللعنة بعد اللعنة، وأصل الرفد: العطاء، والمعنى: الذي يقوم لهم مقام العطاء اللعنة، وبئس العطاء ذلك. والتقدير في العربية: بئس الرفد رفْدَ المرفود.
следующие страницы →