Полный текст (8 396 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وآخر وقتها أن يصير ظلك مثليه.
وقال أحمد وأبو ثور: " آخر وقتها ما لم تصفرّ الشمس على وجه الأرض ".
وقال إسحاق: " آخر وقتها أن يصلي منها ركعة قبل غروب الشمس لقول النبي ﵇ " مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا ".
وهذا عند الشافعي وغيره إنما هو لأهل العذر.
وروي عن ابن عباس: " أن آخر وقتها غروب الشمس ". " ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً "، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق: " وقتها إلى أن يغيب الشفق ".
ووقت العشاء مغيب الشفق. وهو الحُمرة في قول ابن عمر وابن عباس ومالك وسفيان وابن أبي ليلى والشافعي.
стр. 352
وروي عن أبي هريرة " أنه البياض "، وهو قول زفر. وآخر وقتها عند النخعي ربع الليل.
وروي عن عمر رضي الله عن هـ وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز " إلى ثلث الليل " وهو قول مالك. وقال الثوري وابن المبارك وإسحاق " إلى نصف الليل ". وروي ذلك عن عمر أيضاً. ووقت صلاة الصبح انصداع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت الجمعة بعد الزوال، ومن صلى الجمعة قبل الزوال لم تجزه عند الجميع إلا أحمد بن حنبل فإنه أجازه قبل الزوال.
ومعنى قولهم في التشهد: " التحيات "، قال أبو عبيد " التحيات الملك،
стр. 353
والصلوات هي الصلوات الخمس لله، والطيبات هي الأعمال الزكيات لله ".
قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾.
معناه / قالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فأخبرنا الله أن ذلك هما يتمنون، فقيل لهم: هاتوا برهانكم على ذلك، أي حجتكم وبيّنتكم إن كنتم صادقين. وقد [أكذب الله تمنيهم وقولهم] ذلك بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، إي إن كنتم من أهل الجنة كما زعمتم، فتمنوا الموت لأنكم تنتقلون إلى ما هو خير لكم. فلما / لم يفعلوا عُلم أن قولهم / ذلك شيء لا حقيقة له وكذب وبهتان.
ثم قال: ﴿بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ﴾. أي: أخلص عمله ونيته بالطاعة والإيمان. وخص الوجه بالذكر دون سائر الأعضاء لأنه أشرف أعضاء بني آدم وأعظمها حُرمة. فإذا خَضَّع وجهه الذي هو أكرم الأعضاء كان ما سواه أحرى أن يخضع.
قوله: ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ﴾. نزلت في قوم من أهل الكتابين تخاصموا عند النبي [﵇] فكفر بعضهم بعضاً، فأخبرنا الله أنه قد فعل هذا من كان قبلهم ممن لا يعلم، وأنهم فعلوا ذلك وهم يجدون في كتبهم كذبهم فيما يقولون لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً، فلذلك قال تعالى:
стр. 354
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب﴾. فهؤلاء قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون لأن في كتاب كل واحد منهم الأمر بالإيمان بالآخر وبمن جاء به. و ﴿الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أمم كانت قبلهم.
وقيل: عني بذلك الجاهلية في العرب، قالوا: ليس محمد على شيء.
وقيل: قالوا: ليست اليهود على شيء ولا النصارى على شيء.
وقيل: إنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فالذين من قبلهم قالوه وهم غير عالمين، وهؤلاء / قالوا عن علم لأن ما قالوا كذب.
ومعنى قولهم: ﴿لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ﴾، ﴿لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ﴾: إنما أرادوا أنهم ليسوا على شيء [مذ دانوا]، ولم يريدوا ليسوا على شيء الساعة لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا صادقين في قولهم، إذ كل فريق منهم قد جحد / نبوة محمد ﷺ وهو يعلم أنه نبي ويجده في كتابه، فهو في ذلك الوقت ليس على شيء لأن
стр. 355
من جحد آية من كتاب الله فقد جحده كله. فإنما أراد: قال كل فريق منهم: ليس هؤلاء على شيء منذ دانوا، ومنذ أنزل عليهم الكتاب [لا أنهم] أرادوا في الوقت الذي وقع فيه التنازع خاصة لأن ذلك لو كان لكانوا صادقين فيما قالوا، ولأنهم لو أرادوا ذلك لكفر كل واحد نفسه على لسانه، لأن جميعهم جاحد لنبوة محمد ﷺ ، فإذا قال فريق: ليس هؤلاء على شيء، واعتقادهم / واحد في محمد ﷺ . فكأنه قال: ليس نحن على شيء. إلى هذا يؤول الكلام لو حمل على أنهم أرادوا الوقت الذي تخاصموا فيه، وإنما أرادوا من تقدم قبل محمد [ ﷺ ] فأكذبهم الله لأن أوائلهم قد كانوا على شيء. ولو أرادوا الزمان الذي بعث فيه محمد ﷺ لم يكذبهم الله في ذلك لأنهم كانوا على غير شيء إذ جحدوا ما عرفوا وبدلوا وغيروا وأنكروا ما في كتابهم، وجعل الله تعالى هذه الآية تحذيراً لئلا يُختلف في القرآن، لأن اختلافهم أخرجهم إلى الكفر، فحُذِّر المسلمون من ذلك.
قوله: ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: أي: يفصل.
стр. 356
وقيل: معناه يريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً.
وسميت الآخرة القيامة لأن فيها يقوم الخلق كلهم من قبورهم.
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله﴾ الآية.
عني بذلك النصارى منعوا الناس من بيت المقدس وكانوا يطرحون فيه الأوساخ قاله ابن عباس وغيره.
وقال قتادة: " حمل بُغض النصارى لليهود أن أعانوا عدو الله بُخْتُنصر المجوسي البابلي على تخريب بيت المقدس ".
وقال السدي: " أعانت الروم بختنصر على خراب بيت المقدس عداوة منهم لليهود إذ قتلوا يحيى بن زكريا ".
стр. 357
وقال ابن زيد " عني بذلك مشركي العرب إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام يوم الحديبية حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم. وكانوا قد قالوا له: لا تدخل علينا وقد قتلت أباءنا يوم بدر، [ومنا طارف يطرف] وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده عن البيت فَصُدَّ النبي ﷺ عن البيت ".
وقوله: ﴿أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾.
قال قتادة: " هم اليوم لا يوجد أحد منهم في بيت المقدس إلا عوقب ".
وقال السدي: " لا يدخل رومي بيت المقدس إلا خائف أن تضرب عنقه مع أنهم / أخيفوا بأداء الجزية ".
وقال ابن زيد: " معناه أن رسول الله ﷺ نادى: أَلاَّ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، فخاف المشركون وانْتَهَوُا ".
стр. 358
ومعنى ﴿وسعى فِي خَرَابِهَآ﴾ أي: في هدمها ونقضها.
وقيل: هو خلاؤها أي: المنع من ذكر الله فيها من الصلاة وذكر الله فيها.
وقال / ابن زيد: " هو منع المشركين المسلمين من الحج والعمرة ".
والخزي أخذ الجزية منهم وهم صاغرون، أي: من اليهود والنصارى.
وقال السدي: " الخزي هو قتل الروم عند قيام المهدي وفتح القسطنطينية ورومية ".
قوله: ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾.
معناه: إنَّ له / ما بين مشرقها / كل يوم، ومغربها كل يوم، وإنما خص الله تعالى ذكره ذا أنه له وإن كان كل الأشياء له لأنه نزل في أمر معين، وذلك أن اليهود كانت تصلي نحو بيت المقدس، وصلى النبي ﷺ معهم إليها ستة عشر شهراً، ثم رجع إلى الكعبة. فاستعظم اليهود ذلك، وقالوا: ما ولاّهم عن قبلتهم
стр. 359
التي كانوا عليها؟ فقال الله جل ذكره لنبيه ﷺ : قل يا محمد، لله المشرق والمغرب يصرف من يشاء إلى أين يشاء، فحيثما تولوا فثمّ وجه الله. فهذا أول ناسخ في القرآن لأنه نسخ التوجه إلى بيت المقدس. وكان النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى، وكان يحب قبلة إبراهيم [﵇]، وكان يدعو أو ينظر إلى السماء فأنزل الله: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] فارتابت اليهود من ذلك فأنزل الله : ﴿ وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ الآية.
وقال قتادة: " هذا منسوخ، وذلك أن الله تعالى أباح لهم أولاً التوجه حيث شاءوا، وأخبرهم أنه أينما تولوا وجوهكم فثمَّ وجه الله، لأن له المشارق والمغارب، ثُمَّ نسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾.
وقال ابن زيد: " لما أنزل على النبي ﷺ ﴿ وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ وأباح له التوجه أين
стр. 360
شاء. قال: هؤلاء يهود يستقبلون بيتاً من بيوت الله، فاستقبله النبي ﷺ معهم فبلغه أنهم قالوا: ما درى محمد ولا أصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي / ﷺ ورفع وجهه إلى السماء فأنزل الله ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ الآية، فاستقبل الكعبة ".
وقال ابن عمر: " الآية نزلت في التطوع، وكان يصلي حيثما توجهت به الراحلة ويقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ".
وقيل: " نزلت في قوم عميت عليهم القبلة، فصلوا إلى جهات مختلفة، فأعلموا أن صلاتهم ماضية ".
وروى عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قال: " كنا مع رسول الله [ ﷺ ] في سفر فتغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة. قال: فصلينا وعَلِمْنَا، فلما طلعت
стр. 361
الشمس، إذا نحن صلينا لغير القبلة، وذكرنا ذلك لرسول الله [ ﷺ ] ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ".
وقيل: إنها نزلت في أمر النجاشي؛ قال قتادة: قال النبي ﷺ لأصحابه: " إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِي قَدْ مَاتَ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ. فَقَالُوا: نُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ. فَأَنْزَلَ الله : ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾. فقالوا: وإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ الآية "
/. وقد أفردنا كتاباً للناسخ والمنسوخ مبسوطاً / بأشبع من هذا.
ومعنى: ﴿وَجْهُ الله﴾. أي جهته التي أمرتم باستقبالها.
وقيل: معناه فثمَّ قبلة الله.
стр. 362
وقيل: معناه: فثمَّ الله جلَّ ذكره.
وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ﴾. أي: تستقبلوا بوجوهكم.
وقيل: معناه: تستدبروا من " وَلَّيْتُ عَنْهُ ". وهو قول غريب.
وقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ أي واسع الرحمة، ﴿عَلِيمٌ﴾ بكم / وبما في قلب النجاشي من الإيمان.
ثم قال: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾.
أي: وقال الذين منعوا الذكر في مساجد الله وسعوا في خرابها: اتخذ الله ولداً.
﴿سبحانه﴾: أي: براءة له من ذلك وتنزيهاً له.
قال أبو إسحاق: " يريد به النصارى واليهود والمشركين من العرب، لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله ".
وروي عن ابن عباس " أن النبي ﷺ قال: قَال اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ
стр. 363
آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. أَمّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَيَزْعُمُ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ. وَأَمّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، [فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ] وَلَداً ".
قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: مطيعون.
وقيل: مطيعون يوم القيامة.
وقيل: مقرون بالعبودية.
وقال الفراء: " هو خصوص يراد به أهل الطاعة ".
وأصل القنوت في اللغة الطاعة، والقنوت القيام الطويل.
وقال الحسن: " يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ كل [له قائم] بالشهادة بأنه عبد له ".
стр. 364
قال يحيى: " إنما خص الحسنُ اليهود والنصارى ومشركي العرب، لأنهم هم الذين كانوا بحضرة النبي [﵇] يومئذ ".
وقال في آية أخرى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧]. من تفسير ابن سلام. قوله: ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ [البقرة: ١١٧] . ﴿أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
أي: كيف يكون له ولد وهو خلق السماوات والأرض بمن فيهما وابتدعهما من غير مثال.
والمبدع المخترع للشيء، وبديع /: بمعنى مبدع.
ثم قال: ﴿وَإِذَا قضى أَمْراً﴾.
أي: إذا حتم أمراً، أو أحكم أمراً. ومنه قيل للقاضي: حاكم، لأن أصل كل قضاء الإحكام له، والفراغ منه.
стр. 365
قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
زعم [قوم أن] هذا مخصوص في إحياء الميت ومسخ الكافر ونحوه لأن الأمر لا يكون إلا لموجود ولا يكون لمعدوم. وهذا قول مرغوب عنه.
ومعنى الآية: أنه تعالى عالم بالأشياء التي ستكون وكانت فقوله لها: " كن " إنما هو قول لموجود في علمه ليخرجه إلى العيان لنا.
وقد قيل: إن المعنى: فإنما يقول من أجله كن. ف " لَهُ " بمعنى من أجله. وهذا أيضاً قول لا يمتنع وهو عام، لا يقتضي الأمر لموجود، لأن القول من أجله وقع لا له.
وقال الطبري: " أمره للشيء " يكن "، لا يتقدم الموجود ولا يتأخر عن الموجود، بل هو في حال يكون ذلك، فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر. ولا موجود إلا وهو مأمور بالوجود ".
قال: " ونظير ذلك قيام الأموات من قبورهم لا يتقدم / دعاء الله ولا يتأخر عنه، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]. فمعنى الآية أن الله
стр. 366
مبدع الأشياء ومالكها، قد ابتدع المسيح ﷺ وأنشأه إذ أراد خلقه من غير ذكر ".
والهاء في " له " تعود على الأمر، و " له " بمعنى من أجله.
وقيل: تعود على القضاء الذي دل عليه " قضى ".
/ وقيل تعود على المراد الذي عليه الكلام.
قوله: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله﴾ الآية.
قال مجاهد: " عني بذلك النصارى ".
/ وعن ابن عباس قال: " قال رافع [بن حريملة] من اليهود لرسول الله صلى الله عليه سلم: إن كنت رسولاً من عند الله، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله﴾، أي: هلا يكلمنا.
وقال السدي والربيع وقتادة: " هم مشركو العرب، قالوا ذلك ".
قال مجاهد: " الذين من قبلهم هم اليهود لأنهم سألوا موسى ﷺ مثل ذلك من كلام الله ورؤيته سبحانه، فدل على أنهم النصارى ".
стр. 367
وهو اختيار الطبري أن يكون الذين عنوا بالآية هم النصارى.
وقال قتادة: " الذين من قبلهم اليهود والنصارى ".
فعلى هذا يكون الذين عنوا بالآية مشركي العرب، وعلى هذا الاختيار يقع الاختلاف في ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
قيل: هم اليهود والنصارى.
وقيل: هم العرب واليهود والنصارى.
وقيل: ﴿الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾: هم قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وجميع الأمم الماضية المكذبة الكافرة.
قوله: ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾.
معناه التعظيم لما هم فيه كما تقول: " لا تسال عن فلان " أي قد بلغ فوق ما تظن.
وقيل: هو نهي نهى الله نبيه ﷺ عن ذلك لما روي أن النبي [ ﷺ ] . قال: " لَيْتَ شِعْري مَا فَعَلَ أَبَوَايَ "، فأنزل الله ، ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ / فما سأل
стр. 368
عنهم [ ﷺ ] حتى مات.
ومن قرأ بالرفع، فهو في موضع الحال، تقديره: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ وغير مسؤول عن أصحاب الجحيم ".
وقيل: هو نفي، ولا " بمعنى " ليس كأنه قال: " ولست تسأل " كأنه أخبره أنه لا يسْأَلُ عن ذلك.
واختار جماعة الرفع لأن الكلام المتقدم يدل عليه، لأنه تعالى قال بعد الذكر اليهود والنصارى وما صنعوا:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً﴾.
أي: بشيراً لمن اتبعك، ونذيراً لمن كفر بك، " غير مسؤول عمن كفر بك. ولم يجر ما يوجب النهي. فجري الكلام على أوله أولى من جريه على خبر آحاد يقطعه
стр. 369
مما قبله لأن أوله قد ثبت نصه وصحته، وخبر الآحاد لا يحكم على / صحة مغيبه. فرده على ما يقطع على صحته في الغيب أولى. ومع ذلك فقراءة أُبي وعبد الله تشهدان للرفع، لأن قراءة أبي، " وما تُسْأل "، وقراءة عبد الله: " ولن تُسْأل " وذلك يشهد أن الرفع بمعنى النفي.
وقال المحتج للجزم: إن الجزم إذا حمل على التعظيم لأمر من تقدم كان مردوداً على ما قبله فيصير مثل الرفع، ويزيد الجزم مزية، وهو أن يحمل على الخبر. فالجزم محتمل لمعنى الرفع وزيادة.
قوله: ﴿وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى﴾ الآية.
دعت كل فرقة منهم النبي ﷺ إلى ما هم عليه فأخبر الله تعالى أنهم لا يرضون عنه إلا أن يتبع ملتهم.
ثم قال له: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ﴾.
هذا خطاب للنبي ﷺ يراد به أمته.
стр. 370
وقيل: / إنهم سألوا النبي ﷺ الهدنة. وطمعوه أن يتبعوه / إن هادنهم وأمهلهم، فأنزل الله : ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ﴾ الآية.
قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ﴾.
قال ابن مسعود: " ومعنى ﴿حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾، أي: يحل حلاله ويحرم حرامه، ويضعه على مواضعه. فمن قرأ منه شيئاً كان له بكل حرف عشر حسنات ".
وعني بذلك من آمن بالنبي [﵇]، فيكون " يتلون " الخبر. وإن شئت " أولئك " الخبر، و " يتلون " حال.
وقيل: عني بذلك من آمن بالنبي [﵇] من بني إسرائيل والنصارى، فيكون " يتلون " الخبر، وهو اختيار الطبري. فيكون مردوداً على ما قبله
стр. 371
من ذكرهم ولم يجر لأصحاب محمد ﷺ ذكر فيرد إليهم، ولآلهم ذكر بعدها، فتجعل الآية مبتدأة فيهم، ولا جاء أثر بأن ذلك فيهم. فردها إلى ما قبلها أولى وهو ذكر بني إسرائيل والنصارى.
وأجاز ابن كيسان أن يكون: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ خبراً عن " الذين " على أن يكون " الذين " يراد بهم المرسلون والأنبياء صلوات الله عليهم. وأجاز أن يراد " بالذين " العاملون بالكتاب خاصة منهم؛ فيكون " يتلون " الخبر أيضاً. ويجوز وجوه أخرى أيضاً.
وروي أنها مخصصة نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران بعضهم، ومن الحبشة بعضهم، ومن الروم منهم ثمانية؛ وهم الملاحون أصحاب السفينة الذين أقبلوا إلى النبي ﷺ مع جعفر بن أبي طالب أثنى الله تعالى عليهم إذ آمنوا بكتابهم
стр. 372
وبالنبي ﷺ ، فأثنى الله عليهم في غير موضع من كتابه، فيكون " يتلون " خبراً عنهم. . وإن جعلته عاماً كان " يتلون " حالاً لا غير، لأنك إن جعلته خبراً أوجبت أن كل منْ أوتي الكتاب من النصارى ومن بني إسرائيل يتلونه حق تلاوته، وليسوا كذلك.
قوله: ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
أي: بمحمد ﷺ لأنهم إذا تلوا / التوراة حق تلاوتها وجدوه مكتوباً فيها. فهم يؤمنون بمحمد ﷺ ضرورة / إذا أنصفوا في التلاوة.
ومعنى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ أي: يتبعونه حق اتباعه. كذلك رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قاله. أي: يتبعون ما فيه حق اتباعه. وقيل: معناه: يقرأونه حق قراءته.
وقد قيل: إن الهاء في " به " عائدة على الكتاب كالهاء في " يتلونه " والهاء في " ومن يكفر به ".
стр. 373
قال ابن زيد: " تعود على محمد ﷺ ". وقيل تعود على الكتاب.
قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾. أي: على عالم زمانكم، وقد تقدم / ذكر النعم وما فضلوا به، ومن أجَلّ نعمة أنعم بها عليهم أن موسى [﵇] أخبرهم بعيسى وبمحمد ﷺ وأمرهم باتباعهما، فلم يحتاجوا إلى آية لو كانوا موفقين لأنهم قد سبق عندهم خبر / الصادق بذلك، ففضلوا على سائر الخلق بما عندهم من العلم في أمر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ولم يتبعوهما، واتبعهما من لم يكن عنده مقدمة ولا خبر عنهما. كل ذلك بخذلان الله تعالى لهم وتوفيقه لغيرهم.
قوله: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
قيل: فاعل " أتمهن ": الله ، أي أكملهن الله له.
وقيل: الفاعل إبراهيم ﷺ أخبره الله بما سبق في علمه فيه ليكون الامتحان موجوداً معقولاً فتقع عليه المجازاة والثواب، إذ لا يقع جزاء على ما في علم الله تعالى
стр. 374
دون ظهوره من العبد. أخبر الله أنه أتمهن هنا، وقال في غير هذا الموضع: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ [النجم: ٣٧].
واختلف في الكلمات؛ فقال ابن عباس: " هي ثلاثون سهماً، عشر منها في براءة ﴿التائبون العابدون﴾ [التوبة: ١١٢]. وعشر في الأحزاب. ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ [الأحزاب: ٣٥]. في (المؤمنين) إلى قوله: ﴿يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] وعشر في ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: ١] إلى ﴿حَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩]. أيضاً. وقيل: هي عشر خمس في الرأس، وخمس في البدن، فالتي في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر.
وروي في موضع الفرق: إعفاء اللحية.
وفي الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وغسل المخرجين بالماء، والختان.
وعن ابن عباس أيضاً قال: " هي عشرة: ستة في الإنسان وهي: حلق العانة،
стр. 375
والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربع في المشاعر وهي: الطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة ".
وعن مجاهد قال: " هي أن الله تعالى قال لإبراهيم ﷺ . إني مبتليك بأمر، فما هو؟ قال: / تجعلني للناس إماماً؟، قال الله: نعم. قال إبراهيم: ومن ذريتي؟ قال الله [ ] /: لا ينال عهدي الظالمين. قال إبراهيم: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وأمنا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: [تجعلنا مسلمين لك] ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال الله: نعم ".
стр. 376
وقال جماعة: " تلك الكلمات مناسك الحج خاصة ".
وقال الحسن: " الكلمات هي الخلال الست التي ابتلي بها، وهي: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، ابتلي بهن فصبر عليهن ولم يزغ ".
وقيل: من ذلك الذبح.
وقال السدي: " الكلمات: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾ ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾، ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً﴾.
وروي عن النبي [ ﷺ ] أنه قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ [النجم: ٣٧] " عَمَلُ يَوْمِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ ".
ورُوي عنه ﷺ أنه قال: " أَلاَ أُخْبِرُكُم لِمَ سَمَّى اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ ﴿الذي وفى﴾ الآية. قال: كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ، وَكُلَّمَا أَمْسَى:
стр. 377
﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ".
وروي أن الله جلَّ ذكره أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أوحى الله / إليه أن تطهر فاستنشق. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستاك. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأخذ شاربه. ثم أوحى الله إليه أن تطهر ففرق شعره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستنجى. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فحلق عانته، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فنتف إبطه، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأقبل بوجهه على جسده ينظر ما يصنع، فردد البصر، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة، فأوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماماً؛ أي: يقتدي بك
стр. 378
الصالحون من بعدك. فأعجب ذلك إبراهيم صلى الله عليه سلم فقال: ومن ذريتي، أي: اجعل يا رب منهم أئمة، فقال له الله: لا ينال عهدي الظالمين، أي: من كان من ولدك ظالماً فلا يكون إماماً.
/ قوله: ﴿لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾.
أي يقتدي بك من في عصرك ومن يأتي بعدك.
قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾.
قال ابن عباس: " عهدي. نبوتي ".
وقال مجاهد: " العهد هنا: الإمامة، / لا يستحق الظالم الإمامة ".
وقيل: " معناه. لا عهد لظالم عليك أن تطيعه في ظلم، وإن عاهدته فانقضه ".
وقيل: " العهد الأمان. أي: لا أُؤَمِّنُ الظالم من الانتقام منه "، قاله قتادة.
/ قال: " ذلك يوم القيامة، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم ".
стр. 379
وقيل: عهد الله هنا دينه. أي: لا ينال ديني الظالمين.
وقيل: العهد هنا الطاعة. أي: لا ينال طاعتي ظالم.
والظالم هنا المشرك عن مجاهد. وقد أخبر الله بذلك فقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] يريد إبراهيم وإسحاق.
وقال الضحاك: " معناه: طاعتي لا ينالها [عدو لي] ولا أَنْحَلُهَا إلا وَلِيّاً لي يطيعني ".
وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت﴾.
" إذ " في موضع نصب عطف على " إذ " في قوله: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ﴾. و " إذ " في: ﴿وَإِذِ ابتلى﴾ معطوفة على النعمة في قوله ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ أي واذكروا إذ ابتلى، واذكروا إذ جعلنا.
والهاء في " مثابة " دخلت للمبالغة عند الأخفش مثل نسَّابة وعلاَّمة.
стр. 380
وقال الكوفيون: " أُنِّثَ " لأنه أريد به البقعة التي يثاب إليها، أي: يرجع إليها، كما قالوا: المقامة على تأنيث البقعة، والمقام على تذكير المكان.
ومعنى: ﴿مَثَابَةً﴾: " لا يقضون منه وطراً ". قاله مجاهد:
وقال السدي: " إذا أتاه مرة لا يدعه حتى يعود إليه ".
وقيل: معناه: لا ينصرف عنه منصرف إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطراً.
قوله: ﴿وَأَمْناً﴾. هذا كان في الجاهلية لأنهم كانوا إذا لقي أحدهم قاتل أبيه وأخيه في الحرم لم يؤذه حتى يخرج منه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
ويروىَ أن عمر قال: " قلت يا رسول الله، لو اتّخذت المقام مصلى، فأنزل الله
стр. 381
عز وجل: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فهذا على قراءة من كَسَر الخاء، كأنه أمر من الله بذلك.
فأما مَن فتح فهو خبر معطوف على النعمة عند الأخفش كأنه قال: اُذكروا نعمتي، واذكروا إذ اتخذوا ".
وقال غيره: " هو معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾ ".
والمقام هو الذي يصلى إليه اليوم. وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم ﷺ حين ارتفع بناؤه / وضعف عن حمل الحجارة، فكان إسماعيل ﷺ يُناوِله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾. قاله ابن / عباس.
وروي عن ابن عباس أيضاً أن المقام هو الحج كله. وكذلك قال مجاهد وعلماء.
وقيل: هو عرفة والمزدلفة، والجمار. روي ذلك عن عطاء.
стр. 382
وقيل: مقامه عرفة.
وعن مجاهد أنّ " مقامه الحرمُ كله ".
وقال الربيع بن أنس: " المقام هو الحجر الذي وضعت زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع رجله عليه وهو راكب، فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحَجَر، فوضعته تحت الشق الآخر / فغابت رجله أيضاً فيه ".
وقال عمر بن الخطاب: " وافقني ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله، لو اُتخذت [مقام] إبراهيم مصلى. فأنزل الله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وأشرت على النبي ﷺ بالحجاب، فأنزل الله سبحانه آية الحجاب، ووعظت نساء النبي فقلت لهن: لئن لم تنتهين ليبدلنه الله خيراً منكن، فأنزل الله :
﴿ عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥].
стр. 383
ومعنى ﴿مُصَلًّى﴾: " مدعى يدعون عنده ". قاله مجاهد.
وقال قتادة: " مصلى يصلون إليه ".
قوله: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.
أي: من الشرك والأوثان.
وقيل له بيت ولم يكن ثَمَّ بيت، لأنه كان بيتاً في عهد نوح ﷺ فأمره أن يطهره قبل بنيانه من الأوساخ؛ من الأصنام وغيرها.
وقيل: معناه أنهما أمرا ببنيانه مطهراً من الشرك. و ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ هم الغرباء.
وقيل: هم كل من يطوف حوله، وهو أبين.
و ﴿والعاكفين﴾؛ قال عطاء: " هم الجالسون من غير طواف ".
стр. 384
وقال مجاهد: " العاكفون المقيمون به، المجاورون له من الغرباء ".
وقال سعيد بن جبير: " العاكفون هم أهل البلد ".
وقال ابن عباس: " العاكفون المصلون ".
وقوله: ﴿والركع السجود﴾ يمنع من هذا القول.
والاختيار عند جماعة أن يكون العاكف المجاور للبيت بغير / صلاة ولا طواف. وهو قول عطاء وغيره.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾.
قيل: إِنّ إِبراهيم ﷺ سأل الله أن يحرم مكة فحرمها، واحتج من قال ذلك بقول النبي ﷺ : " إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدُ اللهِ وَخَلِيلُهُ وإني عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا ".
стр. 385
وقال قائلون: " لَمْ تُحَرَّم بسؤال إبراهيم ﷺ ، بل كانت حراماً، [واحتجوا بقول النبي ﵇] يوم افتتح مكة /: " هَذِهِ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: لَمْ تَحِلّ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي. . أُحِلَّتْ لِي سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ " واحتجوا بقول إبراهيم ﷺ ﴿ رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وكان الطبري يجمع بين الخبرين، ويقول: " إن الله حرّم مكة وقضى ذلك، ولم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم / أن يتعبد الخلق بذلك فأجابه. فإبراهيم كان سبب تعبد الخلق بتحريمها والتعبد بذلك، والله تعالى قد حرّمها يوم خلق السماوات والأرض ".
وقوله: ﴿عِندَ بَيْتِكَ المحرم﴾ [إبراهيم: ٣٧]. معناه الذي حرمته عندك، ولم تتعبد الخلق به. وروي أن إبراهيم ﷺ / لما دعا فقال: ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ أجاب الله دعاءه: فبعث جبريل ﵇ إلى الشام، فاقتلع منها الطائف من موضع الأردن ثم
стр. 386
طاف بها حول الكعبة أسبوعاً، ولذلك سميت الطائف. ثم أنزلها تهامة ولم يكن يومئذ بمكة غير إسماعيل ﷺ ، ثم نزلت جرهم مع إسماعيل ﷺ بمكة، فلم يزالوا على الإسلام حتى نشأ عمرو بن [لحي الجرهمي فَغَيَّرَ] دين إبراهيم ﷺ وعَبَدَ الأصنام، وسَيَّبَ السوائب، وبَحَّرَ البحيرة وحَمَى الحامي، وَوَصَلَ الوصيلة، وغلب مكة، وقهر أهلها. وهم ولد إسماعيل ﷺ وهو [الذي قال فيه النبي ﵇]: " رَأَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ يَجرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ " أي: أمعاءه.
قوله: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾.
ذلك إخبار من الله لنبيه ﷺ قاله أبي بن كعب. أي: أنا أرزق البر والفاجر فأمتع الفاجر قليلاً.
وقال ابن عباس: " هو من قول إبراهيم ﷺ سأل ربه أن يرزق من كفر فيمتعه قليلاً ".
стр. 387
ويجب على هذا التأويل وصل ألف " أَضْطَرُّهُ "، وفتح ألفَ أُمتِّعُهُ ". ويجب أيضاً بناء الفعلين / على السكون لأن طلب كالأمر، ولأنه؟ سؤال من إبراهيم ﷺ لله . وإن كان الخبر من عند الله سبحانه كانت الألف في " أمتعه " ألف المتكلم، وكذلك هي في " أضطره "، ويرتفع الفعلان لأنهما إخبار عن الله جل ذكره.
ومعنى: ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أكرهه وألجئه إلى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت﴾.
القواعد أساس البيت.
قال عطاء: هي قواعد آدم ﷺ كانت قد اندرست وخفي أثرها فبوأها الله [إبراهيم. قال عطاء: قال آدم] حين أهبط: ربي إني لأسمع أصوات الملائكة. قال: بخطيئتك، ولكن اُهبط إلى الأرض فابْنِ لي بيتاً، ثم احفُف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فبناه من خمسة أجبل، من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس ".
وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: " أهبط الله مع آدم ﷺ من السماء إلى الأرض بيتاً يطاف به كما يطاف بعرشه في السماء. ثم رفعه أيام الطوفان، فرفع إبراهيم
стр. 388
صلى الله عليه وسلم قواعد ذلك البيت. فكانت الأنبياء ﵈ يحجونه ولا يعلمونه حتى بوأه الله إبراهيم فأعلمه مكانه ".
وقال عطاء: لمَّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي: نقص، شكا أنه استوحش لِفَقْدِ أصوات الملائكة، فَوُجه إلى مكة / فكان موضع قدمه قَرْية، وما بين / القدمين مفازة، فأنزل الله عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت في موضع البيت. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الطوفان، فرفعت إلى أن بعث الله إبراهيم ﷺ فبناه ".
/ وقال مجاهد: " لما أراد الله خلق الأرض علا الماءَ زبدةٌ حمراء أو بيضاء كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى بوأها الله إبراهيم ﷺ فبناه على أساسه، وأساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة ".
وقال ابن عباس: " وضع البيت على أركان الماء؛ أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت ".
стр. 389
وفي حرف ابن مسعود: " وإسماعيل يَقُولاَنِ: رَبَّنَا " فدل على أنهما جميعا دَعَوا. وقيل: القائل هو إسماعيل ﷺ وحده. والمعنى إذ يقول إسماعيل " ربنا ".
قال ابن عباس، " كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة، فلما انتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون عَلَماً للناس. فذهب إسماعيل فأتى بحجر فقال له: جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل ﷺ يطلب فنادى أبو قبيس: " يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فَخُذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان قد نزل به آدم ﵇ من الجنة ".
وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة. وقال النبي [﵇]
" الحَجَرَ يَاقُوتَةٌ / مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ [بَيْضَاءٌ، وَلَولاَ مَا لاَمَسَهُ] مِنْ أَجْنَاسِ المُشْرِكينَ وَأَرْجَاسِهِمْ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلاَّ شَفَاهُ اللهُ ".
стр. 390
وقال ﵇: " الحَجَرُ يَمينُ اللهِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ وَلَيَأْتِيَنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالمَقَامُ، وَلَهُمَا لِسَانَانِ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانِ لِمَنْ وَافَاهُمَا بِالوَفَاءِ ".
وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لما أرادا البناء لم يدريا أين البيت. فبعث الله ريحاً يقال لها الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، فوضعا المعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: ٢٦]، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه هنا. قال: يا أبت. إني كسلان تعب. قال: على ذلك. فانطلق يطلب [حجراً فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق [يطلب حجراً] وجاء
следующие страницы →