← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

(فقال): مخاريق بأيدي الملائكة تزجر السحاب. وعن الضحاك أنه قال: الذي يسمع تسبيح الملك، واسمه الرعد. قال مجاهد: الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته. وعن ابن عباس، رضي الله عن هـ أن الرعد: ريح يختنق تحت السحاب، فتتصاعد فيكون منها ذلك الصوت. وعنه أيضاً أنه، قال: البرق: ملك يتراءى. وأكثر المفسرين على أنه ملك كما تقدم. " وكان النبي ﷺ ، إذا سمع الرعد الشديد، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا

стр. 3642

تهلكنا بعذابك، وعاقبنا قبل ذلك " وهذا الدعاء يدل على أنه صوت ملك. " وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ ، كان يقول إذا سمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده " فهذا يدل على أن الرعد ملك. وكان ابن عباس، وعلي (ضي الله عنهما) يقولان إذا سمعا الرعد: سبحان من سبحت له، فهذا يدل على أنه ملك. ومعنى ﴿وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ﴾: أي: " يعظم الله ويمجده، ويثنى عليه بصفاته. وحكي عن العرب سبحان من يسبح الرعد بحمده، يريدون (من) فأقعوا (ما)، ما " مَنْ ". ثم قال: ﴿والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ﴾: أي: وتسبح الملائكة من خيفته، أي: من رهبته. وروي أن خوف الملائكة ليس كخوف بني آدم، لأن طائفة من الملائكة

стр. 3643

ساجدون، منذ خلقوا، باكون، ومنهم طائفة يسبحون ويهللون، لا يعرف أحدهم من على يمينه، ولا من على شماله، ولا يشغلهم عن عبادة الله، شيء. قال الله عن الملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]: فعلى قدر أعمالهم واجتهادهم، كذلك خوفهم. وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصواعق﴾: الصاعقة من الناؤ التي تخرج من فم الرعد / إذا غضب، فقد تقدم ذكرها بأشبع من هذا في سورة البقرة. وهذه الآية نزلت في يهودي جاء إلى النبي ﷺ فقال له: أخبرني عن ربك: من أي شيء هو؟ من لؤلؤ أو ياقوت. فجاءت صاعقة، فأخذته فأنزل الله : ﴿ وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾. ودل على هذا القول قوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله﴾: فالضمير في " هم "

стр. 3644

لليهودي، وجمع لأن له أتباعاً على قوله ومذهبه. وروي أنها نزلت في رجل من فراعنة العرب، وهو أربد، وجه إليه النبي ﷺ ، يدعوه إلى الله، فقال: وما الله؟ أمِنْ ذهب هو أم مِنْ فضةٍ؟ أمْ مِن نُحاس؟ فأخبر النبي ﵇ بذلك. فدعاه ثانية، فبينما النبي ﵇، يراجع الكافر في الدعاء إلى الله سبحانه، إذ بعث الله سَحَابَةً بِحُيال رأس الكافر، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله : ﴿ وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ الآية. وقال قتادة: (أنكر رجل) القرآن، وكذب النبي ﷺ ، فأنزل الله، عليه صاعقة، فأهلكته، فنزلت الآية فيه.

стр. 3645

وقال ابن جريج: نزلت في أَرْبَد أخي لبيد بن ربيعة، هَمَّ هو، وعامر بن الطفيل بقتل النبي ﷺ . فبعث الله تعالى عليه صاعقة فاحترق. ومعنى قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ المحال﴾ قال علي (بن أبي طالب) ﵇: " شديد الأخذ ". وقال مجاهد: ﵀ : " شديد القوة ". وقال قتادة (رحمة الله عليه): المحال: " القوة والحيلة ". وقال ابن عباس (رضوان الله عليه): " شديد الحَوْل ". وقال الحسن: (نضر الله وجهه): شديد المكر، من قولهم: مَحَل به: إذا

стр. 3646

مكر به، ومن جعله من الحوْل، والحيلة، فالأشبه بقراءته أن يقرأ بفتح الميم، لأن الحيلة لا يأتي مصدرها إلا بفتح الميم نحو: محالة، ومنه قولهم: " المرء يعجز لا محالة ". وبه قرأ الأعرج فأما من كسر الميم فهو مصدر من: " ما حلت فلاناً، مماحلة، ومحالاً، فاللماحلة بعيدة المعنى من الحيلة. فإذا جعلته من الحول فوزنه " مِفْعَلٌ "، وأصله " مِحْوَل " ثم قلبت حركة الواو على الحاء، وقلبت الواو ألفاً كاعتلال " مقال " و " محال ". وإن جعلته من " مُحال " فوزنه " فُعال " لا اعتلال فيه.

стр. 3647

ثم قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحق﴾ وهي شهادة ألا إله إلا الله، قاله ابن عباس، وقتادة. وقال علي رضي الله عن هـ: هي التوحيد. وقال ابن زيد ﵀: هي لا إله إلا الله، ليست تنبغي لأحد إلا الله. ثم قال تعالى: ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ الآية: أي: والآلهو التي يدعوها المشركون من دون الله (سبحانه) لا تجيب من دعاها بشيء من النفع، والضر، ولا ينتفع / بها إى كما ينتفع الذي يبسط كفيه إلى الماء. ليأتيه من غير أن يرفعه، فلا هو ببالغ فاه، ولا نافعه كذلك. هذه الآية التي يدعون هؤلاء العرب. فضرب المثل لمن طلب ما لا يبلغه بالقابض على الماء.

стр. 3648

قال علي، رضي الله عن هـ " معناه ": كالرجل العطشان مد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه، ولا نافعه، كذلك هذا الذي يدعو من دون الله. وقال مجاهد (رضي الله عن هـ) معناه: يدعو الماء بلسانهن ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبداً، أي: فهذا الذي يدعو من دون الله، هو الوثن، وهذا الحجر لا يستجيب له بشيء أبداً، ولا يسوق إليه خيراً، ولا يدفع عنه شراً: كمثل هذا (الذي) بسط ذراعيه إلى الماء ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ (وما) يبلغ فاه أبداً. وروي عن ابن عباس أن المعنى: هذا الذي يدعو الآلهة، كمثل من بسط كفيه إلى الماء، ليتناول خياله فيه، وما هو ببالغه أبداً، ولا يأخذه. وقيل المعنى: إن هؤلاء الذين يعبدون الآلهة لا ينتفعون بها، إلا كما ينتفع من بسط كفيه إلى الماء يدعوه ليأتيه، وهو لا يأتيه أبداً، ولا ينتفع به. فكذلك لا

стр. 3649

ينتفع بعبادة الآلهة. وهذا كله ضرب مثلاً لمن يعبد غير الله، جل ذكره. (وقيل معنى): مثل من يعبد الأصنام كمثل من يفيض على الماء، ليبلغ فاه، فلا يحصل له نفع من ذلك. قوله: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ إلى قوله ﴿الواحد القهار﴾: المعنى فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون الآلهة من دون الله من الطاعة (والإخلاص لله فلله ، يسجدُ من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من المؤمنين طوعاً)، ويسحد (الكافرون) كرهاً، حين يكرهون على ذلك. فيدخلون في الدين كارهين، قاله قتادة. وعنه أنه قال: أما المؤمن يسجد طائعاً، وأما الكافر فيسجد كارهاً، فيسجد لله حين لا ينفعه.

стр. 3650

وقال ابن زيد: ﴿وَكَرْهاً﴾: من لم يدخل الإسلام إلا بالسيف، فأول دخوله كرهاً، ﴿طَوْعاً﴾: من دخله طائعاً، أي: من أسلم طائعاً. وقال الزجاج: جائز أن يكون السجود بالخضوع لله. فمن الناس من يخضع، ويقبل أمر الله (سبحانه) طائعاً، ومنهم من يقبله وإن كان كارهاً (له). وقيل: معناه: إن عباد الله الصالحين يسجدون لله، والكفار يسجدون خوف القتل. وقيل: المعنى: وبعض من في الأرض يسجد، وبعض المؤمنين طائعين، قد سهل ذلك عليهم، وبعضهم يكره نفسه على ذلك لله (سبحانه). وقيل: السجود هنا الخضوع لتدبير الله في جميع خلقه: من صحتهم، وسقمهم، وتصرفهم، (فهم) منقادون لذلك أحبوا، أو كرهوا لا حيلة لهم في

стр. 3651

دفع ذلك. وظلالهم أيضاً منقادة لتدبير الله وإجرائه الشمس / بزيادة الظل، ونقصانه وزواله. وقال ابن عباس: يعني: حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه، وشماله. قال أبو العالية: ما في السماء من شمس، ولا قمر، ولا نجم يقع لله (سبحانه) ساجداً حين يغيب، فما ينصرف حتى يؤذن له. وقال مجاهد: ظل المؤمنين يسجد لله طوعاً، وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعاً، وهو كاره. والآصال: جمع أصل، والأصل (جمع أصيل) كرغيف ورغف. والأصيل: ما بين العصر إلى مغرب الشمس. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض﴾ الآية والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء

стр. 3652

المشركين بالله، من رب السماوات والأرض، ومدبرها؟ قل: الله أتى الجواب والسؤال فيه من جهة واحدة. وذلك على تقدير أنهم لما قيل لهم: من رب السماوات والأرض، (ومدبرها). جهلوا الجواب فقالوا: ومن هو؟ فقيل لهم الله: ومثله: ﴿مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ الله﴾ [يونس: ٣٤]. وهو كثير في القرآن: يأتي السؤال والجواب من جهة (واحدة، من جهة السائل. وإنما حق الجواب أن يكون من جهة) السؤال، لكن أتى الجواب) من جهة السائل (الجوابِ: على معنى أنهم جعلوا الجواب، وطلبوه من جهة السائل): فأعلمهم به السائل، فصار السؤال الجواب من جهة واحدة. ثم أمر أن يقول لهم: ﴿أفاتخذتم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً﴾

стр. 3653

يجتلبونه لها، ﴿وَلاَ ضَرّاً﴾ يدفعونه عنها، وهي إذا لم تمتلك ذلك لأنفسها، تكون أضعف عن ملكه لغيرها، فعبدتم من هذه صفته، وتركتم (عبادة) من بيده النفع والضر، والموت والحياة. (ثم) ضرب لهم مثلاً، فقال: قل لهم يا محمد ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ يريد به المؤمن والكافر. ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور﴾: (أي): الإيمان والكفر، فالظلمة طرف الكفر، والنور طرف الإيمان. قال مجاهد: الظلمات والنور: " الهدى والضلالة ". ثم قال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ الآية المعنى: قل امحمد لهؤلاء المشركين: أخلق أوثانكم خلقاً كخلق الله، فاشتبه عليكم أمرها فيما خلقت،

стр. 3654

وخلق الله (سبحانه)، فجعلتموها شركاء لله من أجل ذلك. ثم قال (تعالى): ﴿قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: (أي: قل لهم يا محمد: إذا أقروا أن أوثانهم لا تخلق: فالله، ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾)، فهو أحق بالعبادة ممن لا يخلق، ولا يضر، ولا ينفع. ﴿وَهُوَ الواحد القهار﴾: أي: " الفرد الذي لا ثاني له "، ﴿القهار﴾: أي: (القهار) بقدرته كل شيء، ولا يقهره شيء. قوله (تعالى): ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ إلى قوله ﴿وَبِئْسَ المهاد﴾: هذا مثل ضربه الله تعالى (جل ذكره) للحق والباطل، والإيمان به والكفر. فالمعنى: مثل الحق في ثباته، (والكفر) في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله،

стр. 3655

﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: (أي: فاجتمعت الأودية، الماء بقدر مثلها الكبير بكبره، والصغير بصغره. ﴿فاحتمل السيل زَبَداً﴾: أي: " عالياً على الماء ". فهذا أحد مثلي الحق والباطل. فأما النافع / فهو الحق، والزبد: الرائب الذي لا ينفع هو الباطل. وتحقيق معنى هذا المثل: أن الماء المنزل مَثَلٌ للقرآن المنزل. فالماء يعم نفعه كل أرض طيبة، والقرآن يعم نفعه كل قلب طيب، والأودية مثل للقلوب، لأن الأودية يستكن فيها الماء. كذلك والإيمان والقرآن يستكنان في

стр. 3656

قلوب المؤمنين. والسيل مثل للأهواء العارضة في القلوب، لأن الهزى يغلب على القلوب، كما يغلب السيل بما حمل من الماء وغيره. والزبد مثل للباطل، وما يستقر من الماء الخالص (مثل لما يستقر في قلب المؤمن من الإيمان، فينتفع بذلك كما تنتفع الأرض بما يستقر من الماء الخالص) فيها. ومثله المثل الثاني: ما يتحصل من جيد الذهب، والفضة، والحديد والنحاس مَثَلٌ لما يستقر في قلب المؤمن من الإيمان. ثم ضرب مثلاً آخر أيضاً للحق والباطل، فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار﴾ إلى آخر المثل: أي: والحق والباطل كمثل فضة، أو ذهب، أو نحاس، يوقد عليه النس في النار، في طلب حلية يتخذونها، أو متاع. وذلك من النحاس: وهي الأواني التي تتخذ منه، (و) من الرصاص والحديد فيكون له

стр. 3657

زبداً، مثل زبد السيل، وزبده: خبثه الذي لا ينتفع به، فالذي يُصَفّى من هذه الأشياء هو مثل الحق ينتفع بهما. والخبث مثل الباطل لا ينتفع بهما، ثم بين لنا، في أي (شيء) ضربت هذه الأمثال فقال: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل﴾: أي: يضرب مثل الحق والباطل، ثم حذف المضاف. " والحق ": الإيمان، و " الباطل ": الكفر: وكما أن زيد السيل، وخبث ما يوقد عليه في النار لا ينتفع به، كذلك لا ينتفع الكافر بعمله عند حاجته إليه. وكما ينتفع بالماء، وبما يوقد عليه في النار، كذلك ينتفع المؤمن بإيمانه عند حاجته إليه. وقوله: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَآءً﴾: أي: يذهب بدفع الريح، وقذف الماء به. فيتعلق في جوانب الوادي، وبالأشجار. وهو من: أَجْفَأتِ القدر: إذا رمت بزبدها، وهو الغشاء: فيقول: إن الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأشياء

стр. 3658

وعلا، يتمحق، ويذهب. وتكون العاقبة للحق. كما أن هذا الزبد، وإن علا (على الماء)، فإنه يذهب ويتمحق، وكذلك الخبث من الحديد، وغيره وإن علا فإنه يذهب ويتمحق، ويطرحه الكير، ويبقى من الماء وغيره ما ينتفع به. كذلك يبقى الحق ويثبت " هذا (كله) معنى قول ابن عباس، وتفسيره (رحمة الله عليه) قال: " هو مَثَلٌ ضربه الله للناس عند نزول القرآن، فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينتفع به. (فالزبد): الشك في الله، (والذي يمكث في الأرض): اليقين. وروي (عنه) أنه قال: هو مثل ضرب (هـ) الله للعمل الصالح، والعمل السوء: فالصالح كالماء الذي يمكث في الأرض، ينتفع به / الناس كذلك ينتفع

стр. 3659

أصحاب العمل الصالح به في الآخرة، ما تحت الخبث من الرصاص، والحديد، والذهب ينتفع به، مثل العمل الصالح. وأما الزبد منها فلا ينتفع به، كما لا ينتفع أصحاب العمل السوء (بعملهم). وقرأ رُؤبة: " فيذهب جُفالاً ". يقال: جفأت الريح السحاب: إذا قطعته،

стр. 3660

وأذهبته. ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى﴾ أي: (الحسنى) للذين آمنوا حين دعوا إلى الإيمان الحسنى، وهي الجنة، قاله قتادة. وقيل: المعنى: جزاء الحسنى ﴿والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ﴾ أي: لم يؤمنوا حين دعوا أن لهم ملك ما في الأرض، ومثله معه ما قبل منهم فداء لهم من العقوبة. ومعنى: ﴿أولئك لَهُمْ سواء الحساب﴾ " يأخذهم بذنوبهم كلها، فلا يغفر لهم منها شيئاً. قال شهر بن حوشب: سوء الحساب: ألا يتجاوز لهم عن شيء. وقال ابن عباس: سو الحساب، المناقشة بالأعمال. وقال ابن وهب: عن إبراهيم النخعي أنه قال: سوء الحساب: أن يحاسب بذنبه

стр. 3661

ثم لا يغفر له. وروي في الآثار: من نوقش الحساب هلك. وقيل: سوء الحساب: المناقشة، والتوبيخ (وإحباط) الحسنات بالسيآت. وقيل: سوء الحساب: أشده، وهو لا يغفر لهم شيئاً من ذنوبهم، وهم الكفار ومعنى ﴿وَبِئْسَ المهاد﴾: أي: بئس الفراش، والغطاء جهنم لمن هي مأواه. وعن النبي ﷺ : ( من نوقش الحساب هلك) (أو

стр. 3662

قال): " عذب ". قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق﴾ إلى قوله: ﴿عقبى الدار﴾ المعنى: الذي يؤمن بما جئت به يا محمد، كمن لا يؤمن (وهو) الأعمى عن الإيمان، لا يبصره بقلبه. قال قتادة: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله ووعوه والأعمى: الذي عمي عن الخير، فلا يبصره. وإنما يتعظ بآيات الله (سبحانه)، ويتذكر بها، وينتفع بها أهل العقول، والحجى. ثم بين تعالى ذكره أولي الألباب ووصفهم فقال: ﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله﴾ الآية

стр. 3663

أي: هم " الذين يوفون بوصية الله، التي أوصاهم بها. والعهد: الإيمان بالله، (سبحانه) وملائكته وكتبه ورسله، (سبحانه) واليوم الآخر، وما جاءت به الرسل. وأن يطيعوه، ويتقوه. ﴿وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق﴾: أي: لا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه (سبحانه): فيعمل بغير ما أمرهم به. ثم زادهم بياناً ومدحاً، فقال: ﴿والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾: يعني: يصلون الرحم التي أمر الله، بوصلها، وهم مع ذلك ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾: أي: يخافون المناقشة يوم القيامة، وألا يصفح لهم عن ذنب. فهم وجلون لذلك، خَائِفُونَ. و" إن " في قوله (أن يوصل) / في موضع خفض على البدل من الهاء في " به ".

стр. 3664

وقيل: معنى: ﴿لَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾: لا يفرقون بين أحد من رسله، ولا كتبه، يؤمنون بالكل، ويقبلون أمر الله، ، ونهيه (جلت عظمته). ثم بين تعالى أمر نوع آخر منهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: صبروا على الوفاء بإقامة الطاعة، والانتهاء عن المنكر من أجل ابتغاء وجه الله ، أي: طلب تعظيم الله. ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾: أي: أدوها بفروضها، وحدودها في أوقاتها. ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾: أي: أدوا الزكاة الزكاة من أموالهم، وما يجب عليهم سراً، وغير سر. قال ابن عباس: النفقة هنا: الزكاة. ثم قال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة﴾ أي: " يدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس بالإحسان إليهم ".

стр. 3665

وقال ابن زيد: معناه: " يدفعون الشر بالخير ". وقيل: المعنى: " إنهم إذا همّوا بالسيئة فكروا، فرجعوا عنها، واسغفروا. ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار﴾: أي: الذين تقدمت صفتهم لهم عقبى طاعة ربهم في الدنيا، دار الجنان في الآخرة. وقيل: المعنى: أعقبهم الله جار الجنان من دارهم في النار، لو لم يكونوا مؤمنين. وقيل: ﴿بالحسنة السيئة﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله (وتجنب) (الشرك بالله).

стр. 3666

وقال عطاء: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة﴾: السلام. ويروى أن قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عن هـ، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله. ثم قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. معناه: أنه فسر ﴿عقبى الدار﴾ ما هي؟ فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لاظَعْنَ معها، بدخلها هم ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: أي: من عمل صالحاً منهم. قال ابن مسعود: جنات عدن: بُطنانُ الجنة. قال ابن مسعود: جنات عدن: بُطنانُ الجنة. قال أبو مِجْلَز: علم الله أن المؤمن يحب أن يجمع له شمله، فجمعهم الله ، له في الآخرة.

стр. 3667

وقال ابن جريج: معناه من آمن في الدنيا. ثم أخبرنا الله عن حالهم إذا دخلوا الجنة، فقال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ يقولون: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ على طاعة الله في الدنيا. ﴿فَنِعْمَ عقبى الدار﴾. وسلام عليكم: خبر، معناه: الدعاء لهم، أي: سلمكم الله بما صبرتم، وليس هو تحية، لأن التحية ليست بجزاء للصبر. ولكن دعاء الملائكة لهم بالسلامة جزاء الصبر. والخبر: يأتي بمعنى الدعاء، كثير في القرآن والكلام. وقوله: ﴿فَنِعْمَ عقبى الدار﴾: الخبر محذوف، وتقديره: فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه. وذكر أن لجنات عدن خمسة آلاف باب. روي عن ابن عمر (و) أنه قال: إن في الجنة قصراً، يقال له: عدن، حوله

стр. 3668

البروج والمروج، فيه خمسة آلاف، (باب، على كل باب خمسة آلاف) حِبْرة، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد. وقال الضحاك: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. ومعنى: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾: أي بصبركم في الدنيا على عمل الطاعات، وعلى الانتهاء عن المعاصي. وهذا هو أفضل الصبر، أن يصبر الإنسان على فعل ما أمر (هـ) الله به، وعلى ترك ما نهاه (الله) عنه. وروي أن قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ١٩] الآية، نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عن هـ، وفي أبي جهل، لعنه الله. ثم أخبرنا الله بحال الكفار، بعد إخباره لنا بحال المؤمنين، فقال:

стр. 3669

﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق﴾ [الرعد: ٢٠]: أي: ويخالفون ما أمرهم الله، ، من بعد ما وثقوا على أنفسهم لله ، أن يعلموا بما عهد إليهم، إذ قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ثم قال (تعالى): ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ وهو الرحم وقيل: يفرقون بين الإيمان بجميع الأنبياء، فيؤمنوا ببعض (ويكفرون ببعض). والله أمرنا بالإيمان بجميعهم. قوله: و ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ أي: يعملون فيها المعاصي. ﴿أولئك لَهُمُ اللعنة﴾ أي: لهم البعد من رحمة الله. ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ أي: لهم ما يسوؤهم من الدار الآخرة، وهي النار،

стр. 3670

أعاذنا الله منها. وقيل معناه: سوء العاقبة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ (وَيَقَدِرُ)﴾ أي: يوسع على من (يشاء، ويضيق على من) يشاء. ﴿وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا﴾ أي: فرح المشركون بما وسع عليهم في الدنيا، ولم يُفكروا أن متاع الدنيا عند متاع الآخرة قليل. وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، لأن ﴿وَفَرِحُواْ﴾ (معطوف على ﴿وَيُفْسِدُونَ﴾ في الأرض). وقوله: ﴿أولئك لَهُمُ اللعنة﴾ إلى قوله: ﴿الدار﴾: مقدم قبل ﴿وَفَرِحُواْ﴾ وتقدير الآية: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع:

стр. 3671

أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار ثم ابتدأ: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: تقول قريش: هلاّ أنزل عليه آية تدل على نبوته، كما قالوا: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]، فأخبر عنهم بما يشترطون، ثم قال لنبيه ﷺ : قل لهم يا محمد: ﴿إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: يخذل من يشاء، فيصرفه عن الهدى، ويوفق من يشاء، فيرجع إليه، ويتوب من كُفره. فالهاء في " إليه " تعود على الحق، وقيل: على محمد ﷺ . وقيل: على الإسلام. وقيل: على الله، جل ذكره، على معنى (إلى) دينه. ثم بَيّن تعالى من ينيب إليه ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾: أي: الذين

стр. 3672

يتُوبون هم الذين آمنوا، وتطمئن قلوبهم بذكر الله: أي: تسكُنُ، وتستأنس بذكر الله. قال سفي (ا) ن بن عيينة: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ تطمئن قلوبهم / بأمر الله وقضائه. وقال قتادة: هشت قلوبهم إلى ذكر الله، فاستأنست به. قال الضحاك: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾: أي: تصدق قلوبهم بذكر الله والقرآن. ﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾: أي: " تستأنس، وتسكن قلوب المؤمنين ". وقيل: عني به قلوب أصحاب النبي ﷺ .

стр. 3673

ثم قال تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ المعنى: الذين صدقوا بما جاء به محمد ﷺ ، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿طوبى لَهُمْ﴾: أي: نِعم ما لهم. قاله عكرمة. وقيل: معناه: غبطة لهم. قاله الضحاك. وقال ابن عباس: فرحٌ لهم، وقُرَّة عين. وقال قتادة: معناه: " حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب ". وقيل: المعنى: أصابوا خيراً، تقول العرب للرجل: " طوبى لك " أي: أصبت خيراً. وقال النخعي: ﴿طوبى لَهُمْ﴾ أي: خيراً لهم. وقيل: هي اسم من أسماء الجنة. فالمعنى: الجنة لهم، رُوي ذلك عن ابن عباس، قال: طوبى لهم: اسم الجنة بالحبشية.

стр. 3674

وروي عنه أيضاً: طويلة لهم: هي اسم أرض الجنة بالحبشية. وقيل: طوبى لهم: اسم الجنة بالهندي [ة]. وعن عكرمة أيضاً: طوبى لهم: الجنة لهم. وعن ابن عباس: إنما طوبى لهم: اسم شجرة في الجنة. وقال شهر بن حوشب: طوبى لهم شجرة في الجنة، أغصانها من وراء سور الجنة. وعن النبي ﷺ : أنها شجرة في الجنة. " وسئل ﵇: ما طوبى؟ فقال: شجرة في الجنة، مسيرها مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها، غرسها الله، ، بيده، ونفخ فيها من روحه. تنبت

стр. 3675

الحلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة " ومعنى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: حسن منقلب ومرجع. وقال أبو أمامة الباهلي: طوبى: شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، (ولا ثمرة إلا وهي فيها) وموضع (طوبى): رفع بالابتداء، و ﴿لَهُمْ﴾: الخبر، ودلَّ على أنها في موضع رفع قوله: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بالرفع بلا اختلاف بين القراء، وهي " فُعْلَى "، من " أطيب " فالواو

стр. 3676

منقلبة عن ياء لضمه بالفعل، وأصلها " طُيْبى " على " فُعلى ". لكن لما كانت اسماً غير صفة، ردت إلى فعل (ى)، لخفة الأسماء، فانقلبت الياء واواً لانضمام الأول. ألا ترى أن ضمير أصل الياء فيها واو، وأصلها " فعلى " (على) صور. ولكن لما كانت صفة، ردت إلى الياء للخفة، وثقل الصفة. ودل على أنها فعل (ى) أن (هـ) ليس في الصفات (فعلى): وهي في الآية صفة " لقسمة ". فعلم أن أصلها فعل (ى)، فجاز أن تقع فعل (ى) صفة، لأنه يقدر فيها أصلها، وهو فعلى "، ولولا ذلك ما جاءت فعل (ى) صفة.

стр. 3677

وحَسُنَ رَدُّها إلى فُعلى لما ذكرناه من ثقل الصفة، فخففت بردها إلى الياء، لأن الياء أخف من الواو. وكذلك ردت طوبى إلى الواو. ولأنها اسمٌ، والاسم أخف / من الصفة، فسهل نقله إلى الواو، وإن كانت الواو أثقل من الياء. قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ﴾ إلى قوله: ﴿لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾: المعنى: هكذا يا محمد ﴿أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ﴾: أي: إلى أمة قد خلت من قبلها أمم على ما هم عليه من الكفر، لتتلو عليهم القرآن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ أي: يجحدون وحدانيته. قل يا محمد: هو ربي: أي: إن كفر هؤلاء الذين أرسلت إليهم، فقل أنت الله ربي ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: وإليه مرجعه، وأَوْبتي. وهو مصدر تاب متاباً، وتوبة.

стр. 3678

ثم قال تعالى (ذكره): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال﴾. هذه الآية نزلت جواباً لقريش، وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ : إن سرك أن نتبعك فسيّر جبال تهامة، أو زد لنا في حرمنا حتى نتخذ قطائع نحترث فيها، أو أحي لنا فلاناً، أو فلاناً لناس ماتوا: فأنزل الله : ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ - الآية - أي: ولو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل ذلك بقرآنكم. وقال الضحاك: قال كفار مكة للنبي ﷺ : سير لنا الجبال كما سيرت لداود ﷺ ، واقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان، وكلّم لنا الموتى، كما كان عيسى يكلمهم. فنزلت هذه الآية. وهذا قول ابن زيد.

стр. 3679

وجواب " لو " محذوف، وتقديره: لو فعل هذا بقرآن لفعل مثله بقرآنكم وقيل: التقدير: لما آمنوا. وقال الكسائي: " لو " بمعنى: " وددنا " فلا تحتاج إلى جواب. والتقدير: وددنا أن قرآناً (سيرت به الجبال). وقيل: المعنى: لو قضيت ألا يقرأ هذا القرآن على الجبال، إلاَّ مرَّت، وعلى الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حَيّوا، وتكلموا: ما آمن من سبق عليه في علمي الكفر. ويدل على هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً﴾ أي: أفلم يعلم الذين صدقوا ذلك.

стр. 3680

وقال الفراء: الجواب: وهم يكفرون بالرحمن، والتقدير: ولو أن قرآناً سيرت به الجبال لكفروا بالرحمَن. وقيل: إن قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ نزلت في أبي جهل، لعنه الله، وذلك أن النبي ﵇ كان في الحجر يدعو يقول: يا رحمن، وأبو جهل لعنه الله يستمع إليه، فولى أبو جهل، (أخزاه الله) مُدْبراً إلى قريش، فقال لهم: إن محمداً ينهانا أن نعبد الآلهة، وهو يدعو إلاهين: يدعو الله، ويدعو إلهاًَ آخر يقال له الرحمن. فأنزل الله ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾، وأنزل ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: ١١٠] الآية. ثم قال تعالى (ذكره): ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ والمعنى: أفلم يعلم الذين آمنوا، والتفسير: أن الكفار لما سألوا تسيير الجبال بالقرآن، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى. طمع المؤمنون أن يُعطى الكفار ما سألوا، فيؤمنوا / فقال الله: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ولا يحتاجون إلى رؤية ما ذكروا.
следующие страницы →