Полный текст (8 396 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
وقيل: الحين: سنة، وذلك من حين تُصرْمُ النخلة / إلى حين تصرم.
وقال سعيد بن المسيب: الحين: شهران، وهو ما دام التمر في النخل، وذلك شهران.
واختلفوا في رجل حلف ألا يكلم رجلاً إلى حين، وألا يدخل الدار إلى حين، على مثل ما اختلفوا في الآية.
والحين عند أهل اللغة: اسم للوقت، يصلح لجميع الأزمان كلها طالت، أو
стр. 3747
قصرت.
واختيار الطبري قول من أن الحين غدوة وعشية، وكل ساعة، على أن الشجرة شجرة في الجنة، لأن الله ضرب ما تؤتى هذه الشجرة كل حين من الأكل لعمل المؤمن، وكلامه مثلاً. ولا شك أن المؤمن يرتفع له إلى الله، ، في كل يوم عمل صالح.
واختار النحاس أن يكون الحين سنة، على أن الشجرة: النخلة، تؤتي ثمرها من سنة إلى سنة.
والحين عند مالك، ﵀ : سنة، ولو نذر رجل أن يصوم حيناً (لصام) سنة وهو قول مجاهد.
وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي: الحين ستة أشهر، فمن نذر صوم حين، صام ستة أشهر.
стр. 3748
وقال الشافعي: ليس عليه في نذره شيء، ولا يحنث في ترك الصوم، ولا يلزمه نذر. لأن الحين يكون مدة الدنيا كلها.
ثم قال تعالى: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾، معناه: ومثل الشرك بالله، سبحانه وهي الكلمة الخبيثة: كشجرة خبيثة، وهي: الحنظلة، قال (هـ) مجاهد، وأنس بن مالك وروي عن ابن عباس.
ومعنى: ﴿اجتثت مِن فَوْقِ الأرض﴾، أي استؤصلت.
ومعنى: ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾: أي: ليس من أصل في الأرض تثبت عليه وتقوم. فليس لكفر الكافر ومعصيته ثباتن ولا نفع.
стр. 3749
كما أن هذه الشجرة ليس لها أصل، ولا ثبات ولا نفع.
وقيل: الشجرة الخبيثة: الثوم: وقيل: الكثوث.
قوله: ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت﴾ - إلى قوله - ﴿وَلاَ خِلاَلٌ﴾.
ومعناه: يثبت الله الذين آمنوا به وبرسله وكتبه بقوله لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله: أي: يثبتهم (بذلك في الحياة الدنيا: أي: في قبورهم قبل قيام الساعة.
﴿وَفِي الآخرة﴾: قال البراء بن عازب: يثبت الله الذين آمنوا بالشهادة في القبر، إذ أتاهم الملكان، فقالا: من ربك؟ فيقول ربي (الله فيقولان) ما دينك؟ فيقول: دين (ي) الإسلام، فيقولان من نبيك؟
стр. 3750
فيقول: محمد ﷺ : فذلك القول الثابت في الحياة الدنيا.
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: " يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق عنه أًحابه جاءه ملك بيده مِطْرَاقٌ، فأقعده فقال (له): ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً: قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول له: صدقت
. فيفتح له باب إلى النار، فيقال (له): هذا منزلك لو كفرت بربك. فأما إذ آمنت، فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض
стр. 3751
فيقال له: ثم يفسح له في قبره. وأما الكافر /، والمنافق، فيقال له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دَرَيْت، ولا تدريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت، فإن الله أبدلك به هذا. ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقمَعُهُ الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم، إلا الثقلين. فقال (له) بعض أصحابه: يا رسول الله ما منا أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا يفشل عند ذلك فقال له النبي ﷺ : ﴿ يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة﴾ " الآية.
ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ زائدة على ما ذكرنا، وناقصة (عن) ما
стр. 3752
ذكرنا، والمعنى فيها قريب من الآخر.
وقيل: معنى الآية: يثبتهم الله في الحياة على الإيمان، حتى يموتوا عليه ﴿وَفِي الآخرة﴾ المساءلة في القبر، قاله طاووس، وقتادة وهو اختيار جماعة من العلماء.
ومعنى ﴿وَيُضِلُّ الله الظالمين﴾: أي: لا يوفقهم في الحياة الدنيا إلى الإيمان، ولا في الآخرة عند المساءلة في القبر.
وقوله: ﴿وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ﴾: أي: بيده الهداية والضلالة يضل من يشاء فلا يوفقه، ويهدي من يشاء فيوفقه.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾: أي: غيّروا نعمة الله، وهي كون محمد ﷺ من قريش وإرساله إليهم، فجعلوا النعمة كفراً.
стр. 3753
قيل: نزلت في قتلى بدر من المشركين. وقيل: في كفار قريش كلهم.
قوله: ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾: أي: أنزلوا قومهم من مشركي قريش دار الهلاك. يقال: بار الشيء: إذا هلك، ثم بينها فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾: أي: بئس المستقر لمن صلاها.
ووقيل: نزلت في المشركين يوم بدر قاله ابن عباس.
﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾: يعني: الذين اتبعوهم.
وقيل: نزلت في أهل مكة عامة: أسكنهم الله حرمه، وآتاهم نعمه، وجعلهم قوام بيته. فبدلوا ذلك كفراً.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾: أي: جعل هؤلاء الذين
стр. 3754
بدلوا نعمة الله كفراً (لله) أنداداً: أي: شركاء. (﴿لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾) لكي يضلوا الناس عن سبيل الله.
قال ابن مسعود: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون نُصُباً، يعني: تمثالاً، تعبدها قريش من دون الله: فهي الأنداد.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾: أي: قل لهم يا محمد! تمتعوا في هذه الحياة الدنيا، وهذا على طريق التهدد، والوعيد.
﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار﴾: أي عاقبتكم إلى النار تكون.
وقيل: معناه: إن الكافر لو كان في الدنيا مريضاً سقيماً، طول عمره لا يجد ما
стр. 3755
يأكل ولا (ما) يشرب لكان ذلك نعيماً عندما يصير إليه / من عذاب الآخرة. ولو كان المؤمن في الدنيا لا يعرض له سقم، ولا مرض طول عمره، يتنعم بأنعم ما يكون من مأكول (في) الدنيا، ويلبس أحسن ما يكون من اللباس لكان ذلك بؤساً عندما يصير إليه من نعيم الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة﴾:
ومعناه: قل يا محمد! لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات الخمس بحدودها.
﴿وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: أي: مما خولناهم: يعني: الزكاة. سراً وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، أي: لا يباع ما وجب عليه من العقاب بفدية (ولا عوض).
قال أبو عبيدة: البيع هنا: الفدية.
стр. 3756
وقوله: ﴿وَلاَ خِلاَلٌ﴾: أي: ولا مخالة خليل، فيصفح عمن استوجي العقوبة لمخاللته. والخلال مصدر خاللته، قاله الأخفش. (و) الخلال جمع خلة، وهو بمعنى: الصداقة.
وقال ابن عباس: ﴿يُقِيمُواْ الصلاة﴾ يعني: الصلوات الخمس، ﴿وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: يعني: زكاة أموالهم.
قوله: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات﴾ - إلى قوله - ﴿كَفَّارٌ﴾: والمعنى: " الله الذي أنشأ السماوات والأرض من غير شيء.
﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ﴾: أي: أحيى به الأرض والشجر،
стр. 3757
والزرع، والثمرات، رزقاً لكم: تأكلونه.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك﴾ وهي السفن: ﴿لِتَجْرِيَ فِي البحر بِأَمْرِهِ﴾ ومعنى " بأمره " لكم، تركبونها، وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار﴾: أي: سخر ماءها شراباً وسقياً لكم.
﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ﴾: أي: متعاقبين عليكم أيها الناس بالليل والنهار لصلاح أنفسكم ومعايشكم.
وقيل: معنى دائبين: متماديان في اختلافهما عليكم. وقال ابن عباس ﵀ : هو دؤوبهما في طاعة الله، ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار﴾: أي: بسخر تعاقبهما عليكم لمنافعكم، وصلاح أحوالكم.
стр. 3758
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾: أي: وأعطاكم مع ما تقدم من ذكر إنعامه عليكم: ﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾، أي: من كل سؤلكم، قاله الفراء.
وقال الأخفش: " من كل ما سألتموه (شيئاً)، وحذف شيئاً لدلالة لفظ التبعيض عليه، ولدلالة " ما " التي أضيف إليها " كل " لأنها بمعنى شيء.
وقيل: هذا لفظ عام، ويراد به الخصوص، كما يقال: فلان يعلم كل شيء، وأتاني كل إنسان: يريد البعض، ومثله ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]
قال مجاهد: معناه: وآتاكم من كل ما رغبتم إليه فيه.
وقيل: المعنى: وآتاكم من كل الذي سألتموه، والذي لم تسألوه.
وقيل: معناه: إن الناس قد سألوا الأشياء عن تفرق أحوالهم، فخوطبوا على ذلك: أي: قد أوتي بعضهم منه شيئاً، وأوتي الآخر منه شيئاً آخر، مما قد سأله.
стр. 3759
وروى محمد بن إسحاق المسيبي، عن أبيه، عن نافع " من كل " بالتنوين، وهي قراءة الضحاك. والحسن: أي: أعطاكم أشياء ما سأَلْتُمُوهَا / ولا التمستموها، ولكن فعل ذلك لكم، برحمته وسعة فضله.
قال الضحاك ﵀ : فكم من شيء أعطانا الله ما سألناه، ولا طلبناه، ولا خطر لنا على بال.
وجعل الحسن " ما " بمعنى " الذي " مع التنوين. وقال في معناه: وآتاكم من كل ما سألتموه: أي: أعطاكم من كل الأشياء الذي سألتموه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾: أي: (إن) تعدوا نعم الله
стр. 3760
عليكم لا تحصوا عددها، والقيام بشكرها.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، الإنسان: اسم للجنس وظلوم بني للمبالغة.
والمعنى أن الإنسان غير شاكر من أنعم عليه، وقد وضع الشكر في غير موضعه، يعبد غير من أنعم عليه.
كفار: جحود نعمة من أنعم عليه.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ - إلى قوله - ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
المعنى: واذكر يا محمد! إذ قال إبراهيم: رب اجعل مكة " بلداً " آمناً، سكانه وأهله. فهذا إشارة إلى البلد، والبلد نعت لهذا، أو عطف بيان. و " آمنا " مفعول
стр. 3761
ثان لجعل.
ثم قال تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﷺ وعلى نبينا محمد وسلم: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾: أي: اجعلني وإياهم جانباً عن عبادتها.
وقيل: معناه أنقذني، وإياهم من عبادة الأصنام. والصنم: التمثال المصور، فإن لم يكن مصوراً فهو وثن.
قال مجاهد: أجاب الله، جل ذكره، دعوة إبراهيم في ولده، فلم يعبد أحد منهم صنماً.
ثم قال تعالى، ذكره: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾: أي: إن الأصنام أضللن كثيراً من الناس عن طريق الهدى والحق، حتى عبدوهن فكفروا بك. وأضاف الفعل إلى الأصنام على ما تعرف العرب من مخاطبتها. يقول العرب: أفتنتني الدار، والمعنى: استحسنتها.
стр. 3762
فالمعنى: إنه افتتن (كثير) من الناس بهن، أي: استحسنهن كثير من الناس، أي: استحسن عبادتهن كثير منهم.
﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، أي: من تبع ما أنا عليه من الإيمان بالله، ، وإخلاص العبادة (له فهو من): أي: من أهل ديني.
﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ فخالف أمري ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ﴾ لذنوب المذنبين. أي: ستار لها إذا تابوا منها بالإيمان. وهذا قريب من قول عيسى ﷺ : ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]- الآية -: أي: إن تغفر لهم ذنوبهم بعد توبتهم وإيمانهم. (وفي) ذلك أقوال غير هذا، قد ذكرتها في المائدة.
وغير جائز أن يتأول أحد أن المغفرة ترجى لمن مات على كفره، لقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]،
стр. 3763
ولقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَباً﴾ [آل عمران: ٩١]- الآية - وهو كثير في القرآن، فلا يَيْأَس من مغفرة الله لعبدٍ مع الإيمان، ولا ترجى مغفرة لعبدٍ من الكفر.
وقوله: رحيم: أي: رحيم بعبادك إذا آمنوا قبل موتهم.
قوله: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي / زَرْعٍ﴾ - إلى قوله - ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحساب﴾. معنى الآية: إنه دعاء من إبراهيم ﷺ بمكة، وذلك حين أسكن إٍماعيل، وأمه هاجر مكة.
قال ابن عباس: إن أول من سعى بين الصفا والمروة لأم اسماعيل (وإن)
стр. 3764
أول ما أحدث النساء جر الذيول، لمن أم اسماعيل، وذلك أنها لما فرت من سارة أرْخَتْ من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم، ومعها إٍماعيل حتى انتهى بها إلى موضع البيت، فوضعها، ثم رجع. فأتبعته، فقالت: إلى (أي) شيء تكلنا؟ (إلى أي طعام تكلنا)، إلى أي شراب تكلنا؟.
فجعل إبراهيم لا يرد عليها عيناً، فقالت: (آلله) أمرك بهذا؟ قال نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء. أقبل على الوادي، فدعا، فقال: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ - الآية - قال: وكان كع هاجر شن، فيه ماء. فنفد الماء فعطشت، فانقطع اللبن. فعطش الصبي، فنظرت أي: الجبال أدنى من الأرض، فصعدت الصفا، فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً. فلم تسمع شيئاً، فانحدرت. فلما أتت إلى الوادي سعت وما تريد السعي،
стр. 3765
كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي. فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض، فصعدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتاً، أو ترى أنيساً فسمعت صوتاً كالإنسان الذي يكذب سمعه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك، فأغثني، فقد هلكت وهلك من معي. فجاء الملك بها، حتى انتهى (بها) إلى زمزم. فضرب بقدمه ففارت، فجعلت هاجر تفرغ من شنها. فقال رسول الله ﷺ : " رحم الله أم إسماعيل! لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً " وقال الملك لها: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما (هي) عين لشرب ضيفان الله. وقال لها: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله (جل وعز) بيتاً، ذا موضعه، ثم ذهب، وبقيت هاجر، فأتت رفقة من جرهم تريد الشام، فرأوا الطير على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا. ثم أشرفوا فإذا هم
стр. 3766
بهاجر وابنها، فأتوها، فطلبوا أن ينزلوا عندها، فأذنت لهم، فسكنوا عندها. ثم أتتها المنية فماتت، رحمة الله عليها، فتزوج اسماعيل امرأة من جُرْهم، ثم كان من قصة إبراهيم في إتيانه إلى (بناء) البيت ما ذكر الله .
وقد تقدم منه ذكر (كثير) في البقرة. ومعنى: ﴿بَيْتِكَ المحرم﴾: أي: المحرم من استحلال حرمات الله (تعالى) فيه، والاستخفاف بحقه.
وقوله: ﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوى إِلَيْهِمْ﴾: أي: اجعل قلوب بعض خلقك تنزع إليهم، فلذلك قلوب الناس إلى الآن تنزع إلى الحج، ولا تقدر على التخلف.
стр. 3767
وقد قال ابن جبير: لو قال: فاجعل أفئدة الناس / تهوي إليهم، لحجت اليهود والنصارى، والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ فحج المسلمون.
قال مجاهد ﵀ : لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس، والروم، ولكنه قال: من الناس.
والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، وسمي القلب فؤاداً لتفاؤده:
أي: لتوقده، والتفاؤد: التوقد، والمقتاد: موضع وقود النار.
قال عكرمة، وطاووس، وعطاء: قلوبهم تهوى إلى البيت حتى يأتونه: (أي) يحجون، وهو قول ابن عباس.
стр. 3768
وعن ابن عباس أن معنى: ﴿تهوى إِلَيْهِمْ﴾: أي: تهوى السكنى عندهم.
وهذا المعنى إنما يكون على قراءة من قرأه بفتح الواو، وهي قراءة مروية عن مجاهد.
ولما دعا إبراهيم بأن يرزقهم من الثمرات نقل الله ، الطائف من فلسطين إلى موضعها الآن، ففيها من من كل الثمرات.
روي أن إبراهيم ﷺ لما دعا بهذا بعث الله جل ذكره، جبريل ﵇، فاقتلع الثمار من الشام من موضع يقال له الأردن، وهو نهر، ثم أقبل بالثمار حتى طاف بها حول البيت أسبوعاً، ثم أنزلها جبال تهامة وهي الطائف.
стр. 3769
ولذلك سميت الطائف.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾: أي: يشكرون نعمك.
ثم حكى الله ، عنه أنه قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾: أي: تعلم ما نخفي في قلوبنا عند مسألتنا إياك وما نسألك، وفي غير ذلك من أحوالنا.
﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ من دعائنا، فنجهر به. وغير ذلك من أحوالنا.
﴿وَمَا يخفى﴾ عليك يا رب (من) شيء في الأرض، ولا في السماء
ثم قال جل ذكره ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي﴾ - الآية -
قال ابن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد تسع عشرة ومائة (سنة)
(وقوله): ﴿رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة﴾: أي: مؤدياً ما ألزمتني من فرائضك،
стр. 3770
﴿وَمِن ذُرِّيَتِي﴾: أي: واجعل أيضاً من ذريتي مقيم الصلاة.
ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾: الدعاء هنا العبادة. والمعنى: " وتقبل عملي الذي أعمله لك، وعبادتي إياك، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الدعاء هو العبادة " ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
. فالمعنى: اعبدوني أستجب لكم، على ذلك قوله: ﴿إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠].
﴿رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: استغفر إبراهيم لأبيه من أجل ﴿مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]: أي: مات على كفره.
وقيل: عني بوالديه: آدم وحواء ﵉.
стр. 3771
وقرأ يحيى بن يعمر، والنخعي: ﴿رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ يعني: إسماعيل، وإسحاق.
وقرأ ابن جبير: " ولوالدي " يعني أباه وجده.
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً﴾ - إلى قوله - ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾:
المعنى: ولا تحسبن الله يا محمد ساهياً عن عمل هؤلاء المشركين من قومك. بل هو عالم بهم، يحصي عليهم جميع أعمالهم، ليجازيهم عليها.
وهذه الآية " وعيد للظالم / وتعزية للمظلوم ".
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾: أي: إنما يؤخر عقابهم
стр. 3772
ليوم القيامة، يوم تشخص فيه أبصار الظالمين. فلا ترتد إليهم.
ثم قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾.
قال قتادة: مهطعين: مسرعين.
وقال ابن جبير، عن قتادة: " مهطعين منطلقين، عامدين إلى الداعي.
وقال ابن عباس ﵀ : مهطعين: مديمي النظر، من غير أن تطرف أبصارهم. وقاله مجاهد.
وقال ابن زيد: المهطع: الذي لا يرفع رأسه، والإهطاع في كلام العرب: الإسراع.
стр. 3773
وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة: الإقناع: رفع الرؤوس.
وأصل الأهطاع: الإقبال على الشيء بالنظر، ينظر دائماً، لا يرفع بصره، ولا يطرف. وهو بمعنى قول مجاهد، والضحاك، وهو قول الخليل: ودليله قوله:
﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾: أي: يديمون النظر، لا يطرفون.
قال الحسن: " وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد - إلى أحد. والمقنع في اللغة: الرافع رأسه.
حكى أبو العباس: أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ رأٍه ذلاً وخضوعاً. فتحتمل الآية القولين جميعاً. قال: ويجوز أن يرفع رأسه مديماً للنظر، ثم يطأطأه ذُلاّ وخضوعاً.
ومن الارتفاع قيل: مقنعة للتي يجعلها النساء على رؤوسهن، لارتفاعها
стр. 3774
على الرأس. ومنه قنع الرجل إذا رضي، لأنه رفع نفسه على السؤال، وقنع إذا سأل، أي: أتا ما يتقنع منه.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾: والمعنى عند ابن عباس رضي الله عن هـ: " لا ترجع إليهم لشدة النظر أبصارهم ": أي: هي شاخصة. ومعنى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾: أي: منحرفة، لا تعي من الخير شيئاً، قاله ابن عباس. كما تقول: ليس في البيت شيء، إنما هو هواء.
قال ابن عباس: وليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة.
وقال ابن زيد: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ الأفئدة: القلوب ليس فيها عقل، ولا
стр. 3775
منفعة.
وقيل: معناه: لا تستقر في مكان، فر ترتد في أجوافهم.
قال ابن جبير: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾: " تمور في أجوافهم، ليس لها مكان تستقر فيه ".
وقال الضحاك: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ معناه: " ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم "، وقاله السدي.
قال قتادة: " انتزعت حتى صارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أمكنتها.
وأصل الهواء في اللغة: المجوف الخال (ي).
ثم قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾، والمعنى: وأنذر الناس الذين أرسلت إليهم يا محمد ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾: وهو يوم القيامة.
стр. 3776
" فاليوم ": مفعول به، بأنذر ولا يحسن أن يكون نصبه على الظرف، لأن الإنذار لا يكون يوم القيامة، إنما هو / في الدنيا فافهمه، وله نظائر كثيرة في القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.
قال محمد بن كعب القرظي، ﵀: بلغني أن (أهل) النار ينادون:
﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ فرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ - إلى قوله - ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾: هذا تقريع من الله للمشركين من قريش. أعلمنا أنه يقال لهم بعد أن دخلوا النار بإنكارهم البعث في الدنيا، إذ سألوا رفع العذاب (عنهم)، وتأخيرهم لينيبوا، أو يتوبوا.
﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ أي ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، وإنكم إنما تموتون، ولا تبعثون.
стр. 3777
وهذا القسم الذي حكى الله ، عنهم هنا ما هو حكى الله (سبحانه) عنهم أنهم قسموا في قوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]. قاله ابن جريج.
ثم قال جل ذكره حكاية عما يقول للمشركين في الآخرة:
﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾: أي: سكنتم في الدنيا في مساكن الأمم، الذين أهلكوا بظلمهم لأنفسهم، فلم تعتبروا بهم، ولا اتعظتم.
ومعنى ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾: أي: " كفروا بالله (سبحانه)، فظلموا بذلك أنفسهم.
﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾: أي: أعلمتم كيف أهلكناهم حين كفروا بربهم.
стр. 3778
﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال﴾: أي: مثلنا لكم ما كنتم عليه من الشرك، فلم تتوبوا من كفركم، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم العذاب.
قال قتادة: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾: أي، اسكن الناس في مساكن قوم نوح، وعاد، وثمود.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾.
قال علي بن أبي طالب، رضي الله عن هـ: أخذ الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين فرباهما، حتى استعجلا واستغلظا وشبا. ثم أوثق رجل كل واحد منهما في وتد إلى تابوت، وجوعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت. ورفع من التابوت عصاً على رأسها لحم، فطارا بالتوابوت، وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟ فيقول: أرى كذا، وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب. فقال له: صوب العصا، فصوبها فهبطا: فهو مكرهم الذي أرادت الجبال أن تزول منه.
стр. 3779
وروي أن الذي فعل ذلك بالنسور بختنصر. فلما ارتفعت به النسور نودي: أيها الطاغية أين تريد؟ ففزع، وصوب الرمح الذي فيه اللحم، فصوبت النسور: فكادت الجبال أن تزول لذلك.
وقال ابن جبير: هو نمرود.
وقيل: مكرهم هنا، هو شركهم بالله سبحانه، وافتراؤهم عليه. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
/ وقال الضحاك هو كقوله ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ [مريم ٨٨ - ٨٩]- الآية -.
стр. 3780
ومن كسر اللام في " لتزول منه " جعل إن بمعنى: ما. أي: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. واللام لام النفي. وهذا مروي عن الحسن ﵀ ومثله عنده: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]: أي: فما كنت في شك. ومثله: ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١]: أي: ما كان.
(فيكون معنى القراءة عندهم أضعف)، وأوهن من أن تزول منه الجبال، ويدل على صحة قوله إن كيد الشيطان كان ضعيفاً.
ومن فتح اللام جعلها لام تأكيد، ومعناه: إنه عظم مكرهم وكبرهم. فأخبر
стр. 3781
أن الجبال كادت تزول لمكرهم، ودليل تعظيم مكرهم أن الله قد قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: ٢٢]، وقال: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١]: فأخبر أن ما يأتون به من الكفر تكاد السماوات يتفطرن منه: (أي): تنشق، وتكاد الجبال تسقط إعظاماً لقولهم.
وقيل: إن المراد بهذه الآية قريش، نفى الله ، أن تزول لمكرهم الجبال، والجبال كناية عن القرآن، والتقدير: وما كان مكر قريش وكفرهم ليزول منه القرآن إذا أنكروه، وكفروا به. بل فعلهم ذلك لا يضر القرآن، ولا يزيله من قلوب المؤمنين حتى يبلغ جميع الأمم الكائنة إلى يوم القيامة. فيجاز (ى) المؤمن به على إيمانه، والكافر به على كفره.
وقوله: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾: - إلى قوله - ﴿سَرِيعُ الحساب﴾، والمعنى: ولا تحسبن الله يا محمد مخلف رسله، وعده الذي وعدهم من عقوبة من
стр. 3782
كذبهم تثبيتاً منه تعالى لنبيه، ﵇ ومعلماً، له به أنه سينزل سخطه على من كذبه.
﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾: أي: إن الله لا يمتنع منه شيء أراد عقوبته ﴿ذُو انتقام﴾ لمن كفر به وكذب رسله.
ثم أخبرنا تعالى، متى يكون هذا الانتقام، فقال ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾: أي: ينتقم من الظالمين في هذا اليوم. ومعنى ﴿تُبَدَّلُ الأرض (غَيْرَ الأرض)﴾: أي تصير هذه الأرض أرضاً بيضاء، كالفضة لم يسفك عليها دم، ولا عمل عليها خطيئته، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر حفاة، عراة، قياماً، كما خلقوا حتى يلجمهم العرق. قاله ابن مسعود، وأنس بن مالك، ومجاهد، والحسن.
стр. 3783
وقال الحسن ﵀ في حديث (هـ): والسماوات أيضاً كالفضة وعن عبد الله بن مسعود أنه، قال: تبدل الأرض ناراً يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها. والذي نفس عبد الله بيده: إن الرجل ليفيض عرقاً حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب. فقالوا: (مم) يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما الناس يلقون. وقال: (و) أولياء الله في ظل عرش الله. والذي نف عبد الله بيده: إن جهنم / لتنظف على الناس، مثل الثلج حين يقع من السماء، والذي نفس عبد الله بيده إن عرقه ليسيح في الأرض تسع قامات، ثم يلجمه، وما ناله الحساب من شدة ما يرى الناس (و) يلقون.
وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عن هـ: تبدل الأرض من فضة، والجنة من ذهب.
стр. 3784
وقال ابن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن من تحت قدميه. وكذلك ذكر محمد بن كعب القرظي ﵀ .
وكذلك قال أبو جعفر بن محمد بن علي، (نضر الله وجهه): تبدل الأرض خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الأنبياء: ٨].
وقال أنس بن مالك رضي الله عن هـ: تبدل الأرض بأرض من فضة، لم يعمل فيها الخطايا.
وقيل: تبديل الأرض: هو تسيير جبالها، وتهجير بحارها، وكونها مستوية: ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٨]، وتبدل السماوات: انتثار كواكبها، وانفطارها، وانشقاقها، وتكوير شمسها، وخسوف قمرها.
قال النبي ﷺ : " تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، ويمدها مد الأديم العُقاظي، لا ترى فيها عوجاً، ولا أمتاً، ثم يزدجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه
стр. 3785
المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى. ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها كان على ظهرها. وذلك حين تطوى السماوات "
﴿كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ﴾ " [الأنبياء: ١٠٤] ثم يدحوهما ثم يبدلهما ".
" وسألت عائشة، رضي الله عن ها، النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله: إذا بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار. أين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط ".
ومعنى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾: وخرجوا من قبورهم أحياء لموقف الحساب بين يدي الله (عز جل).
﴿الواحد الْقَهَّارِ﴾ أي: المنفرد بالقدرة على خلقه، الذي يقهر كل شيء.
следующие страницы →