← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال قتادة: ﴿صِبْغَةَ الله﴾: " دين الله ". وكذا قال ابن عباس وغيره. قال قتادة: " إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام / ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم ". وقال مجاهد: " صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها ". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر. وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد،

стр. 422

ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. ثم قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نصارى﴾. أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله﴾. أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة / عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه.

стр. 423

وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد ﷺ وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم ﷺ ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. والهاء في ﴿عِندَهُ﴾ تعود على الظالم ودل عليه ﴿أَظْلَمُ﴾. والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل ﷺ وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب ﵇. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم / ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.

стр. 424

أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس﴾ إلى قوله: ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: سيقول الجهّال / من الناس وهم اليهود والمنافقون: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما حملهم على [ترك التوجه إلى بيت المقدس وما صرفهم] عن ذلك، وذلك حين ترك النبي ﵇ التوجه نحو بيت المقدس وتوجه إلى الكعبة. وقيل: هم كفار أهل مكة أعلم الله تعالى نبيه ﷺ ما هم قائلون عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وأعلمه ما يقول لهم وما يجاوبهم به، فقال: قل يا محمد [إذا قالوا ذلك]: ﴿للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وذلك أن النبي ﷺ صلّى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وكان يتمنى أن يصرف إلى الكعبة ثم أراد الله

стр. 425

جل ذكره صرف قبلته إلى نحو المسجد الحرام فأخبره عما سيقول المنافقون واليهود وأخبره [ما الذي] ينبغي أن يرد عليهم من الجواب. فلما رده الله تعالى إليها، أتاه نفر من اليهود فقالوا: " يا محمد، ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك / على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك ونصدقك " يريدون فتنته عن دينه. وقيل: إنه صلّى إلى بيت / المقدس ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. قاله ابن المسيب. وكان أول صلاة صرف فيها إلى الكعبة العصر، فلما صلاها إلى الكعبة خرج من عنده رجل، فمرّ بقوم يصلون فقال: أشهد، لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت. وروى أنس بن مالك " أن النبي [﵇] صلّى نحو بيت المقدس تسعة أشهر وعشرة أيام بعد هجرته. قال: فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى

стр. 426

ركعتين نحو بيت المقدس، اُنصرف بوجهه إلى الكعبة فقال السفهاء: ﴿مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾. وقال معاذ بن جبل: " صلّى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً ". وروي / عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: " صلّى النبي ﷺ بعد هجرته نحو بيت المقدس اختياراً منه من غير أن يفرض ذلك عليه طمعاً من أن يستميل اليهود إذ هي قبلتهم، فأنزل الله : ﴿ وَللَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥]. وقال أبو العالية: " ان [نبي الله ﵇] خُيِّر أن يُوجِّه وجهه حيث يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتابيين [وهو في ذلك يقلب وجهه في السماء، ثم وجّهه الله إلى البيت] الحرام ". وروي أنه صرف في رجب بعد مقدمه المدينة لسبعة عشر شهراً وكان بمكة والمدينة يصلي نحو بيت المقدس. فلما رجع سأله اليهود أن يرجع إلى قبلتهم يريدون فتنته، وقال كفار مكة: قد برد / أمر محمد وهو راجع إلى دينكم عاجلاً. فأنزل الله في

стр. 427

الجميع: ﴿سَيَقُولُ السفهآء﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وروي " أن الأنصار صلّت قبل قدوم النبي ﵇ إلى المدينة نحو بيت المقدس حولين. فلما قدم النبي ﷺ المدينة صلّى معهم نحو بيت المقدس بضعة عشر شهراً، ثم نقله الله إلى الكعبة. وقال ابن عباس: " لما هاجر [النبي ﵇ إلى المدينة وكان أكثر أهلها] اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً. وكان ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﷺ ، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله جلّ ذكره: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ الآية. ورجع النبي ﷺ يصلي إلى الكعبة فارتاب [من ذلك اليهود]. وقالوا: ﴿مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، فأنزل الله : ﴿ قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ الآية. وقال ابن جريج: / كان النبي ﵇ يصلي إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، وصلّت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث سنين، وصلّى

стр. 428

بعد قدومه ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة. ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾. أي: عدلاً. أي: كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد ﷺ وبما جاءكم به من الحق وفضلناكم بذلك، كذلك خصصناكم فجعلناكم أمة عدلاً خياراً. والأمة القرن من الناس. ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾. أي: تشهدون / للأنبياء الذين أخبر الله بخبرهم محمداً ﷺ . فهو عام معناه الخصوص، إذ لم يطلع الله نبيه ﷺ على [جميع النبيين وأخبارهم] بدلالة قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] فإنما تشهد أمة محمد ﷺ على الأمم الذين أخبر الله نبيه بهم وبكفرهم وجحودهم دون من لم يطلع الله نبيه على خبرهم من أمم الأنبياء صلوات الله عليهم الذين لم يطلع الله نبيه عنهم، ولا أخبره

стр. 429

بهم. فأمة محمد ﷺ تشهد للأنبياء الذين أخبر الله بهم النبي ﷺ على أممها أنها قد بلَّغت ما أرسلت به إلى الأمم. ﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. بإيمانكم وبما جاءكم به من عند الله. وقيل: " عليكم " بمعنى " لكم " مثل قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ [المائدة: ٣] أي: للنصب. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: " يُدْعَى بِنُوحٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقالُ لَهُ: مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ فَيَقولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ ". وفي حديث آخر رواه أبو هريرة: " فَيَقولُ قَوْمُ نُوحٍ ﷺ : كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَوَّلُ الأُمَمِ وَهُمْ آخِرُ الأُمَمِ؟ فَيَقولونَ: نَشْهَدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولاً وَأَنْزَلَ عَلَينَا كِتَاباً وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا خَبَرَكُمْ ".

стр. 430

وهذا المعنى: أيضاً / مروي عن زيد بن أسلم. وروي أن أمة محمد [﵇] تقول لهم: " كان فيما أنزل علينا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ / المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥] إلى قوله: ﴿العالمين﴾ [الشعراء: ١٠٩]، فكذلك نشهد أنكم كذبتم الرسل. فتشهد للرسل أمة محمد ﷺ بالتبليغ. وروي عن النبي [﵇] أنه قال: " إِذَا جَمَعَ اللهُ عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَانَ أَوّلُ مَنْ يُدْعَى إسْرَافِيلُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَا فَعَلْتَ فِي عَهْدِي؟، هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبّ، قَدْ بَلَّغْتُ جِبْرِيلُ، فَيُدْعَى / جِبْريلُ فَيَقُولُ: قَدْ بَلَّغْتُ الرَّسُلَ. فَتُدْعَى الرُّسلُ، فَيَقُولونَ: قَدْ بَلَّغْنَا الأُمَمَ، فَتُدْعَى الأُمَمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ، فَيَشْهَدُ لِلّرُّسُلِ أمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ / بِالتَّبْلِيغ ". وروى أشهب عن مالك أنه قال: " ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله . فإن عُصِيَ كان شهيداً على من عصاه ". قال الله : ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. وروى أبو عامر " أن أول مَنْ يسأل يوم القيامة من الرسل عن البلاغ

стр. 431

نوح ﷺ ، فيقال له: هل بلغت قومك الرسالة؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلّغكم نوح الرسالة؟ فيجحدون؛ فيقولون: لم يبلغنا الرسالة. فيتنحى نوح من بين يدي الله . فيكون بفناء العرش كئيباً حزيناً، وأمة محمد ﷺ غرّ محجلون من أثر الوضوء، فيأتون نوحاً ﵇ فيقولون: ما لك يا شيخ، من أنت؟ فيقول: أنا نوح. فيقولون: ما لَكَ كئيباً حزيناً؟ فيقول: كذبني قومي، فيقولون له: ارجع إلى ربك فنحن نشهد لك بأنك قد بلّغت الرسالة، فيقول لهم: ومن أنتم؟ فيقولون: نحن أمة محمد ﷺ . فيقول: كيف تشهدون لي وأنتم آخر الأمم؟ فيقولون: إن نبيّنا أتانا بذلك فيقرأون عليه: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] إلى آخرها، فيرجع نوح إلى الله، فيقول: رب، إن أمة محمد يشهدون لي بالبلاغ. ثم يسأل نبياً نبياً فتجحده أمته فتشهد له أمة محمد ﷺ بالبلاغ، فماذا سئل محمد عن البلاغ شهدوا بأن محمداً قد بلّغ الرسالة ". ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ﴾.

стр. 432

قال ابن عباس: " إلا ليتميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة ". والتقدير: وما جعلنا صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة إلاّ لنعلم علم عيان تجب عليه المجازاة، من يتّبع الرسول على قبلته ممن يرجع عن إيمانه فيخالف الرسول. وقيل: المعنى: إلا لنُعْلِم / رسولي وأوليائي ذلك. ومن شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس وحزبه إليه، يقولون: " جبى الأمير الخراج وهزم العدو، وإنما فعله حزبه وأنصاره. ومثله في المعنى قول النبي ﷺ عن الله : " مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي " يريد به عباده. وقيل: " علم " هنا بمعنى " رأى "، فالمعنى: إلا لنرى من يتبع. وقيل: إنهم خوطبوا على ما كانوا يسرون؛ كان اليهود والمنافقون والكفار ينكرون أن يعلم الله الشيء قبل كونه، فيكون المعنى /: إلا لنبين لكم أنّا نعلم

стр. 433

الأشياء قبل كونها. وقيل: إنما قال: " لنعلم " على طريق الرفق بعباده، واستمالتهم إلى الطاعة كما قال: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤]. وقد علم أن محمداً ﷺ على هدى /، وأن الكفار على ضلال. فالمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ أنتم جهال به، فأضاف الفعل إلى نفسه، والمراد خلافه رفقاً به. وقال الضحاك: " قالت اليهود للنبي [﵇]: إن كنت نبياً كما تزعم، فإن الأنبياء والرسل كانت قبلتهم نحو بيت المقدس، فإن صلّيت إلى بيت المقدس، اتبعناك، فابتلاهم الله بذلك. وأمره أن يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه سبعة عشر شهراً، فلم يتّبعوه، ثم صرفه الله إلى البيت الحرام فذلك قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ﴾ يعني بيت المقدس. ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول﴾: إلى أي ناحية شاء. ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ﴾: أي: لنعلم من يؤمن بالرسول من اليهود ومن لا يؤمن. وقيل: المعنى: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن، وهي الكعبة، إلا لنعلم من يتبع الرسول عليها. فكُنْتَ " بمعنى " أنت "، مثل ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم خير

стр. 434

أمة. فروي أنه لما استقبل الكعبة أظهر المنافقون نفاقهم [و] قالوا: ما بال محمد يحوّلنا مرة إلى ها هنا ومرة إلى ها هنا، وقال المسلمون في أنفسهم وفيمن مضى من إخوانهم المسلمين: بَطَل أعمالنا وأعمالهم، / فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم نحو بيت المقدس. وقالت اليهود: ﴿مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، وكذلك قال المنافقون، فأنزل الله ، ﴿ قُل للَّهِ المشرق والمغرب﴾ الآية. وقيل: إن اليهود قالت للنبي [﵇: إن كنت في القبلة] على هدى، فقد حوّلت عنه، وإن كنت على ضلالة، فقد مات أصحابك على ذلك. فأنزل الله : ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاة من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس. وقال المشركون من أهل مكة؛ تحيّر محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للناس واختباراً وتمحيصاً للمؤمنين. قال قتادة: " صلّت الأنصار حولين نحو بيت المقدس قبل هجرة النبي ﵇، ثم هاجر النبي ﷺ فصلّى نحوها ستة عشر شهراً. ثم وجّهه الله / نحو الكعبة، فقال قائلون من الناس: ﴿مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، وقالوا: لقد اشتاق الرجل إلى

стр. 435

مولده. فابتلى الله عباده بما شاء من أمره فأنزل الله تعالى في اليهود والمنافقين /: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾، وأنزل في المؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ إلى ﴿رَّحِيمٌ﴾. قال ابن جريج: " بلغني أن ناساً ممن أسلم رجعوا عن الإسلام حين استقبل النبي الكعبة، وقالوا مرة ها هنا ومرة ها هنا. فأظهر الله لخلقه من يرتد فينافق ويخالف الرسول في القبلة ممن اتبعه وآمن بما جاء به " ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله﴾ أي وإن كانت التولية لكبيرة. وقيل: المعنى: وإن كانت القبلة لكبيرة: وإن كانت التحويلة لكبيرة. وقيل: المعنى: وإن كانت الصلاة إلى بيت المقدس لكبيرة، أي: لعظيمة في صدور الناس حين قالوا: ما لهم صلّوا إلى هاهنا ستة عشر / شهراً ثم انحرفوا،

стр. 436

فعظم على قوم ذلك حتى نافقوا وارتدوا وحتى أظهر أهل النفاق نفاقهم. وقوله: ﴿إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله﴾. أي الذين وفق الله إلى الحق، فإنهم ثبتوا على إيمانهم، وقبلوا ما جاءهم به الرسول ﷺ . وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. قال ابن عباس: " لما توجّه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؛ فأنزل الله : ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وهذا معنى قول قتادة وغيره. وإنما أتى الجواب على الخطاب لهم دون الأموات، لأن الأموات غُيَّبٌ والسائلون عن ذلك مخاطبون. والعرب تغلب المخاطب على الغائب، فلذلك قال: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. ولم يقل إيمانهم. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال في قول الله : ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: " هي الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة إلى

стр. 437

الكعبة ". ثم قال: ﴿إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: إن الله بجميع عباده لذو رأفة ورحمة، فكيف يضيع أعمالهم التي عملوها فلا يثيبهم عليها وكيف يؤاخذهم على ما لم يفترض عليهم. والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة. وتسمية الله [جل ذكره الصلاة إيماناً في هذه الآية] ردّ على المرجئة الذين يقولون إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال أشهب: " وإني لأذكر بهذه الآية الرد على المرجئة وعلى أن الإيمان في هذه الآية يراد به الصلاة نحو بيت المقدس ". وقاله البراء بن عازب، رفعه إلى

стр. 438

النبي ﷺ ، وهو قول قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن المسيب وزيد بن أسلم / ومالك وغيرهم. / قوله: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾. إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء. روي أنه ﷺ كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة. قال قتادة: " كان النبي [ ﷺ ] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله إليها ". وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر

стр. 439

بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: ٣]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد. وقال بعض العلماء: " إنما أحب النبي [﵇] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! / فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود ". وقال ابن زيد: " قال الله لنبيه ﷺ : ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ فقال النبي [﵇] " هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله ، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا " فَاسْتَقْبَلَ النبي [﵇] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله / ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ ، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ الآية ".

стр. 440

فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان ﷺ يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس / مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به. وقال ابن عباس: " كان النبي ﵇ لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله : ﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ إلى ﴿صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة. " وروي أن النبي [﵇] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله

стр. 441

الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً / سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل ﵇، فقال له النبي ﷺ : " لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا "، فقال له جبريل ﵇: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية ". وقال إبراهيم بن اسحاق: " أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به ﷺ وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل ﷺ فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت

стр. 442

المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب. وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى. وقال الواقدي: " في النصف من شعبان صرفت ". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى بيت المقدس. وقيل: إنما نسخ الله باستقبال الكعبة قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥]. فأباح له أن يستقبل إلى أي ناحية شاء. ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾.

стр. 443

وقال ابن عباس: " أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة ". قال الله لنبيه: ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾. فصلى نبيه ﵇ نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ /. ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: " بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: إن رسول الله ﷺ قد نزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم / إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ". وحدث مالك عن ابن المسيب أنه كان يقول: " صلى النبي ﷺ بعد أن قدم

стр. 444

المدينة / ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين ". وذكر البراء في ذلك كله نحوه. وقال أنس: " مرّ بهم رجل وهم ركوع نحو بيت المقدس، فنادى: " ألا إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة ". فمالوا كما هم ركوعاً ". قال الواقدي: " صرفت / يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين ". وقال ابن شعبان: " صرفت إلى الكعبة في رجب ". وقال: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عن ها أنها قالت: " إن الصلاة أول ما فرضت، إنما فرضت ركعتين، ثم أتمّ الله صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة

стр. 445

السفر على حالها ". قال ابن شهاب: فقلت لعروة: فما حمل عائشة على أن تصلي في السفر أربع ركعات؟ فقال عروة: تأولت عائشة في ذلك ما تأول عثمان [بن عفان] في إتمام الصلاة بمنى ". قال أبو عبيد: تأول عثمان في إتمام الصلاة بمعنى ثلاثة أوجه: فيقال: إنه اتخذ أهلاً بمكة. ويقال: إنه تأول: إني الخليفة فحيثما كنت فهو عملي. والوجه الثالث: أنه بلغه أن أعرابياً صلّى معه ركعتين فظن أن الفريضة ركعتان فانصرف إلى منزله فلم يزل يصلي ركعتين السنة كلها، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة. / وأما عائشة رضي الله عن ها. فتأولت أنها أم المؤمنين فحيثما كانت فكأنها مع ولدها مقيمة ". " وروي أن أول من صلى إلى الكعبة من المسلمين بالمدينة البراء بن

стр. 446

معرور من بني سلمة، وذلك أنه كان قد بايع النبي [﵇] على العقبة وكان نقيباً، فقال له النبي ﷺ : " إِنِّي رَمَقْتُكَ فَأُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِليَّ حَتَّى تُهَاجِرَ مَعِي فَتَكُونَ لَكَ مَعَ النَّصْرَةِ هِجْرَةٌ ". فلما توجه إلى المدينة مع السبعين الذين بايعوا رسول الله ﷺ من الأنصار على العقبة، مرض بالمدينة فكان يصلي إلى الكعبة لموعدة النبي صلى الله عليه سلم. فلما حضرته الوفاة، قال: اجعلوا مالي ثلاثة أثلاث: ثلثاً لله وثلثاً لرسوله وثلثاً لوليي، وإذا مت فحوّلوا وجهي نحو محمد ﷺ لموعدي معه. فكان أول من صلى إلى الكعبة، وأول من دفن نحوها، وأول من أوصى بثلثه. فلما قدم النبي ﷺ المدينة أخبر بوفاته وبالوصية،

стр. 447

فقال: " أَمَّا ثُلُثِي فَرَدٌّ عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا / [ثُلُثُ الله] فَأُنْفِقُهُ فِي سَبيلِ اللهِ ". وكان له ابن صالح من خيار النقباء اسمه بشر بن البراء، وفيه قال النبي ﷺ : " هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلَمَةَ " وهو الذي أكل من الشاة التي سمّت للنبي ﷺ ومن ذلك مات يوم خيبر. / وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾: أي: فلنصرفنك إلى قبلة ترضاها وهي الكعبة. ومعنى ترضاها: تهواها وتحبها. ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾. أي: نحوه وقصده وتلقاءه. قال عبد الله بن عمر: " صرفت قبلته حيال ميزاب الكعبة ". وكان يجلس في المسجد الحرام حيال الميزاب، فإذا سئل عن ذلك تلا هذه الآية. وقال ابن عباس: ولّى وجهه نحن [البيت] كله "، وهو قول أكثر

стр. 448

العلماء. وقد قال أسامة بن زيد: " رأيت النبي [﵇] حين خرج من البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال: " هَذِهِ القِبْلَةُ هَذِهِ القِبْلَةُ ". " وروي عنه ﷺ أنه صلى ركعتين مستقبلاً باب الكعبة وقال: " هَذِهِ القِبْلَةُ "، مرتين. " ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أي: وأينما كنتم أيها المؤمنون فولّوا وجوهكم بصلاتكم نحو المسجد الحرام. فالهاء في " شَطْرِهِ " عائدة على المسجد الحرام. فأوجب الله بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث ما كانوا من الأرض. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾. أي: وإن أحبار اليهود وعلماء النصارى ليعلمون أن التوجه نحو المسجد

стр. 449

الحرام الحق الذي فرض الله على إبراهيم [﵇] وذريته وسائر عباده بعده، فرض ذلك عليهم. قال قتادة والضحاك: " يعرفون أن القبلة هي الكعبة ". قال الضحاك: " كمعرفتهم أبناءهم ". والهاء في " أنه " تعود على التولية إلى الكعبة، ودل على التولية قوله: ﴿فَوَلِّ﴾. وعن الكسائي أنه قال: " الهاء تعود على الشطر ". ثم قال: ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. من قرأ بالتاء رده على الخطاب في قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ومن قرأه بالياء رده على الإخبار / عن الذين أوتوا الكتاب لتقدم ذكرهم. ثم قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾.

стр. 450

أي: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة بأن الحق ما جئتهم به من فرض التحول إلى المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوه مع قيام الحجة عليهم. وقوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾. أي: ما لك من سبيل يا محمد إلى / اتباع قبلتهم لأن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، والنصارى تستقبل / المشرق. فمن أين يكون لك يا محمد السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها، فالزم ما أمرت به من استقبال المسجد الحرام. ثم قال: ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾. أي: وما اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعين قبلة اليهود. قاله السدي وغيره. وقيل: معناه: وما الذين اتبعوك من اليهود بتابعين قبلة من لم يتبعك، ولا الذين لم يتبعوك بتابعين قبلة من اتبعك منهم. وقال السدي: " أنزل الله تعالى هذه الآية من أجل أن النبي ﷺ لما حوّل إلى الكعبة قالت اليهود: إن محمداً اشتاق إلى قبلة إبراهيم ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو / صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله : ﴿ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 451

وهو قول ابن زيد. ثم قال: ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظالمين﴾. أي: ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: ﴿كَانَ / هُوداً أَوْ نصارى﴾، فاتبعت قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم أنهم على باطل وعلى عناد للحق، وأنهم يعرفون أن الحق ما أنت عليه إنك إذاً لمن الظالمين لنفسك. وهذا خطاب للنبي [﵇] ولسائر أمته. وقيل: المراد به أمته. ثم قال: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾. يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ أي: يعرفون أن البيت الحرام هو قبلة إبراهيم ﷺ ومَن قبله مِن الأنبياء كما يعرفون أبناءهم. هذا قول قتادة وهو قول ابن عباس والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج. وعن قتادة أيضاً: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: يعرفون محمداً ﷺ أنه نبي كما يعرفون

стр. 452

أبناءهم. وهو قول الزجاج. والهاء في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ على القول الأول تعود على الشطر أو على التولية. وعلى القول الثاني تعود على محمد ﷺ ويكون التأويل: " يعرفونك يا محمد ". لكن صرف الكلام من المخاطبة إلى الغيبة على مذهب العرب. وقال مقاتل: " الهاء في (يَعْرِفُونَهُ) تعود على البيت الحرام ". ثم قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي وإن / طائفة من اليهود والنصارى ليكتمون أن القبلة هي المسجد الحرام وهم يعلمون أنها حق. وقال قتادة وغيره: " يكتمون أمر محمد ﷺ وهم يعلمون أنه حق يجدونه في التوراة والإنجيل ". قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ إلى قوله: ﴿وأولئك هُمُ المهتدون﴾. أي: هذا الحق من ربك. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.

стр. 453

وهذا خطاب للنبي [﵇] والمراد به أمته. ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. " هو " يرجع إلى " كُلٍّ ". والهاء في " مُوَلِّيها " ترجع إلى القبلة. وقيل: " هُوَ " يرجع إلى الله جل ذكره. فأما من قرأ " هو مُوَلاَّها "، فهو يرجع إلى " كُلٍّ " لا غير. قال مجاهد: " معناه: ولكل صاحب ملة قبلة ". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة. قال ابن عباس: " يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله حيث توجه المؤمنون ".

стр. 454

وقال الضحاك: " معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه ". وقال السدي: " المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها ". والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه / أو وجهه. فأما من قرأ: " مُوَلاَّهَا " فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها. وقال الأخفش: " المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون " / يريد على قراءة موليها. وقال علي بن سليمان: " المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد ". وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: " هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة ".

стр. 455

فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده ". وهو قول الأخفش الذي تقدم. ومعنى " مولِّيها " مول وجهه إليها ومستقبلها. وقال الطبري: " التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ " كل "، قال: " فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها. ورويت قراءة شاذة بإضافة " كل " إلى " وجهة "، وهي قراءة / لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر ". ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: " هُمَا مُوَلِّياهَا "، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا]

стр. 456

وعلى قراءة ابن عباس / في التثنية " هُمَا مُوَلَّياهَا ". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: " هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: " هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ ". ثم قال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾. أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله باستقباله وهو المسجد الحرام. ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعاً﴾. أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة. ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية. وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع. ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا

стр. 457

يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة / ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد. وقال قتادة: " هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم ". قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني﴾. وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [﵇] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني﴾. وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح،

стр. 458

وهو مذهب الطبري، قال: " نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس ". وقال بعض النحويين: " هو استثناء ليس من الأول، / و " إلا " بمعنى " لكن ". قال أبو عبيدة: / " " إلا " بمعنى الواو ". وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و " إلا " إذا كانت بمعنى " لكن "، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده. وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني﴾. أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي

стр. 459

إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها. وقال السدي: " معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم ". ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾. قال الأخفش: " هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم. فالمعنى: / ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية. وقال ابن جبير: " ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: " أي: ولأدخلكم الجنة ". قال: " ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة ". وقال الزجاج: " اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون

стр. 460

عليكم] بالباطل ". وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر. ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾. تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون. فكل ما بعد " رسول " نعوت له مكررة. وقال الزجاج: " الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم ". وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: " كما أحسنتُ إليك فأكرمني ". فتكون الكاف من " كما " متعلقة بـ " أكرمني " إذ لا جواب له. فإن قلت: " كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك "، لم تتعلق الكاف من " كما " بـ " أكرمني " بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو
следующие страницы →